أردغان والنصف الأخر من الشعب التركي

 

أردوغان والنصف الآخر من الشعب التركي

 

نزار بدران

 

في الانتخابات البرلمانية التي جرت قبل أيام، أعطى الشعب التركي من جديد السلطة كاملة لحزب العدالة والتنمية، وتشير التقديرات إلى أن البرلمان المُنتخب، سيتمكن من تمرير مطالب الرئيس، رجب طيب اردوغان، بتغيير الدستور، وتحويل الحكم إلى نظام رئاسي.

للأسف فإن المؤشرات التي سبقت هذه الانتخابات، أظهرت جلياً تعنت الرئيس أردوغان، وبُعده التدريجي عن الالتزام بالمفاهيم الديمقراطية، وواجب احترام الجميع اغلبية ومعارضة، وهو الذي استعمل القمع في ساحة تقسيم وغيرها ضد المتظاهرين، وحاول إلصاق تهمة التحالف مع “إرهابيي” حزب الشعب الكردستاني بحزب الشعوب الديمقراطي، ومؤججاً النزعة القومية الكردية والتركية، محاولاً بذلك إنزال هذا الحزب المعارض إلى أقل من عشرة بالمئة، الضرورية له للمشاركة بالبرلمان.

وإذا كان الشعب التركي قد صوت بأقل بقليل من خمسين بالمئة، لصالح سياسة الحزب الحاكم، وجدد له الثقة، إلا أننا لا يجب أن ننسى أن أكثر بقليل من خمسين بالمئة، قد صوتوا لأحزاب أخرى لا تقبل هذه السياسة.

على الرئيس أردوغان، كرئيس لكل الأتراك، وليس لجزء منه فقط، ان ينظر لهذا الانقسام بالتناصف بين الشعب التركي، فضعف المعارضة وعدم قدرتها على صياغة مشتركة لبرنامج حكم، هو  في الحقيقة الذي سمح له بتحقيق أهدافه. فالديمقراطية الحقة لا تكتفي بحكم نصف الشعب لنصفه الآخر، ولكنها تأخذ بالحسبان آراء جميع الناس، خصوصاً الأقليات، العرقية منها كالأكراد، أو المطالب الاجتماعية والسياسية. ومحك نجاح حكومة أردوغان الجديدة، هو برأيي بمقدار ما سيحترم المنتصر بالانتخابات مطالب الآخرين.

إن تراجع هامش الحريات العامة والفردية، والاستمرار بانتهاك حرية الصحافة والصحفيين، كما رأينا خلال الفترة القليلة الماضية، من إيقاف الصحفيين أو إرهابهم، مما أدى لهرب بعضهم للخارج، واغلاق قنوات معارضة ومقاضاتها, بشهادة المراقبين الأمميين، والمضايقات الأمنية والقضائية للمعارضين، يتنافى تماماً مع مفهوم الحكم الديمقراطي، يُضاف إليه عدم تمكن حزب الشعوب الديمقراطي من الاستمرار الطبيعي بحملته الانتخابية، واضطراره لإلغائها، بسبب التفجيرات التي أصابت تجمعه باسطنبول.

نأمل من القيادة التركية في برلمانها الجديد، أن تعود إلى القواعد العادية للحكم الديمقراطي، الذي يفتح المجال واسعاً أمام حرية الصحافة، مهما كانت انتقاداتها، وإلى احترام حقوق المواطن بالتعبير. وسترينا الأيام والأسابيع القادمة إن كان انتصار أردوغان هو حقاً انتصار للديمقراطية، وليس انتخابا لديكتاتور من طراز جديد. فالشعب التركي بإعطائه نصف الأصوات للحزب الحاكم، أفهمه في نفس الوقت أن عليه احترام الجميع، عندما أعطى النصف الآخر أو أكثر بقليل من الأصوات للمعارضين.

وإذ تراقب شعوب الأمة العربية والإسلامية التجربة التركية منذ سنوات، فلكونها نموذج ديمقراطي ناجح في كل المجالات، ويكذب ادعاءات كثير من المثقفين ووسائل الإعلام الغربية، بكون هذه الشعوب، ليست مؤهلة لدخول الديمقراطية الحقة. وما التراجعات الأخيرة في مجال احترام الحريات العامة، والموثقة من طرف المؤسسات الدولية المختصة، إلا إعادة إحياء لهذه المخاوف، وضربة موجهة لمن يرى في النموذج التركي الطريق التي يجب أن نسير عليها.

أملنا ألا تكون تجربة السنوات الثلاث عشرة الأخيرة، ونتائج انتخابات حزيران الماضي، بمثابة الممحاة الماسحة لعبر ودروس الانتخابات الجديدة. وإنما الحكمة الحقة تقتضي ليس استخلاص الدروس من الانتصارات، ولكن أيضاً وكذلك استخلاصها من الهزائم. فالشعب التركي قال كلمته بكل حرية، وعلى الجميع احترامها، ويبقى على الحكم الجديد أن لا يُخطىء فهم هذه الكلمة، حتى يُبعد شبح الصدام العنيف بين نصفي المجتمع التركي.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s