الحكم الرشيد دواء مرض الأوهام

 

الحكم الرشيد دواء مرض الأوهام

 

د. نزار بدران

المعرفة والعلم دواء الجهل، حقيقة لا يختلف عليها اثنان. في مقال حديث بـ “العربي الجديد” يؤكد أستاذنا الكبير كلوفيس مقصود على أهمية أن يستنور القادة العرب بتقارير الأمم المتحدة وهيئاتها المُختصة، فهي تنشر بشكل دوري تحليلات عن أوضاعنا وسُبُلُ مُعالجتها، وتضع معايير الحكم الرشيد والشفافية، كأدوات لا مناص منها، للوصول لحل إشكاليات التنمية الاقتصادية والإنسانية في الوطن العربي. هذا كلام سليم صادر عن خبير بخبايا وتقارير الأمم المتحدة، وكذلك خبايا بعض الأنظمة العربية.

هل الوصول للحكم الرشيد الضروري، لتطبيق إرشادات الخبراء، أمر ممكن مع الأنظمة الحالية؟ وهل يكفي أن نبدأ بتعليم حكامنا ذلك، ونحن نمتلك أعدادا كبيرة من الاختصاصيين في كافة الميادين، وتقارير اللجان المختصة بالأمم المتحدة يكتبها في معظم الأحيان خبراء عرب.

للجواب على ذلك، علينا أن نُميز بين الأسباب والنتائج، فالسبب في مشاكلنا ليس في عدم دراية الحكام بالمعلومات والطرائق والأساليب الضرورية للحكم الرشيد، وإنما في عدم اهتمامهم بالمواطن العربي وهمومه. وهذه السلطات ليست في صدد أن تُقرر تلبية حاجات المواطن وتحقيق أسباب سعادته. الأمثلة الحالية عديدة على عدم اكتراث الحكام بهموم الناس، وانشغالهم فقط في تقاسُم ما استلبوه من عرق عمل شعوبهم، أو ما باعوه من ثروات الوطن.

إشكالية الأنظمة ومركز اهتمامها يتمحور فقط في كيفية إبقاء الشعوب في موقع البقرة الحلوب، وتجهيلها وعدم درايتها بما تحتوي بلادهم من ثروات وخيرات، استولت عليها الطبقة الحاكمة على اختلاف مراتبها السلطوية؛ فهي لا “تعطي” أو “تمنح” الناس إلا ما قد يحفظ نسبياً السلم الاجتماعي، بدون أي التفات إلى المشاريع التنموية. وهذا يحدث في مناطق كثيرة من العالم الثالث؛ فعندما ربط الأوروبيون قبل سنوات مساعداتهم للدول النامية بالحكم الرشيد، فلكي لا تذهب مساعداتهم هدراً، ورغم ذلك لم يصمُد هذا “التغيير” بالسياسة طويلاً، أمام ضغط حكام هذه الدول وحلفائهم من شركات ولوبيات ومصالح اقتصادية رأسمالية بالغرب، وعدنا إلى مفهوم السيادة الوطنية كحق مُقدس لهذه الدول، بمفهوم السماح بتبذير المال العام والنهب بدون رقيب ولا حسيب، وتلك سياسة أبعد ما تكون عن مفاهيم واستراتيجيات التنمية الحديثة.

هكذا أنظمة لا ترى وتُفكر إلا بما يبقيها سيدة السلطة الحاكمة بأمرها، وبهدف إحكام قبضتها على المجتمع، وأي سياسة تتخذها أو تتبناها ليس لها إلا هذا الهدف؛ والمشاريع الاقتصادية، أو بناء البُنية التحتية إن كان لها من وجود، فهي ليست إلا وسيلة جديدة للنهب، من دون أدنى رقابة قانونية أو شعبية، أو حتى رقابة إعلامية. سياستها الخارجية وعلاقاتها الدولية لا تقوم وتعمل إلا لنفس الهدف، مصلحة الطرف الأجنبي مُقابل مصلحة النظام بالبقاء والتوريث، وليس مصلحة الدولة أو الأمة.

ولهذا تُحيط طبقة الحكام نفسها بخبراء عرب وأجانب، ليساعدوها في مهمة البقاء، وليس بهدف الإنماء، إنماء الوطن وحفظ كرامة المواطن، من هنا تقتصر مهمة فعالية السلطة على تفعيل أجهزتها ومحور عملها العمل على هدف بقاء السلطة، فقط وزارات الداخلية (الأمن والمخابرات) وتحصيل الضرائب هي الفعالة، والتي تمتلك كل الوسائل الحديثة، بينما وزارات التعليم والزراعة وغيرهما، فهي من القطاعات المنسية.

مُشكلتنا إذاً ليست فقط في جهل الحكام بتقارير الأمم المتحدة عن التنمية في بلادنا، وإنما في شرعيتهم. الأمم المتحدة تُدرك تماماً أن ما يطرحه الخبراء والمستشارون، من حلول لمشاكل أي دولة في العالم، لن تؤدي إلى النتيجة المرتجاة؛ إذا لم يكن الهدف الأول والأساسي هو بناء الديمقراطية، وأحقية الشعب باختيار حكامه، وحقهم في مراقبة كل ما يُسن باسمهم من قوانين، أو يوضع لهم من تشريعات. وتقاريرها تنص دائماً على أهمية إرشاد الحكم وشفافية العمل والتنفيذ، ولكن بدون وضع الآليات المناسبة.

لذلك فإن توعية الناس هي وسيلة المُثقفين وطبقة الشباب والمُهتمين بالشأن العام، للبدء بالعمل من أجل تحقيق إصلاحات سياسية واجتماعية، تُخرجنا من عالم الجهل إلى عالم المعرفة. ردود فعل الأنظمة المُفرط بالعنف على الحراك الديمقراطي العربي الحديث، كما يحدث في سوريا ومصر وغيرهما، يُظهر مقدار ابتعاد هذه الأنظمة عن أي مشروع وطني والتصاقها بمصالحها فقط. فأن يقرأ هؤلاء تقارير الأمم المتحدة عن مشاكل التنمية وأساليب حلها، لن يزيدهم إلا إصراراً على تجهيل المجتمعات التي يحكمونها، وإسكات أي صوت يطالب بالتغيير والإصلاح، وإخفاء هذه التقارير إن استطاعوا.

الأستاذ كلوفيس مقصود حدد أسلوباً فعالاً وعلمياً لتشخيص وحل مشاكلنا، ولكن ذلك لن ينجح إلا بعد إنشاء الحكم الرشيد، الذي ينتمي لقيم الإنسانية في هذا الزمن.

طبيب عربي مقيم في فرنسا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s