الأتفاق النووي ونذر بداية شرق اوسط جديد

 القدس العربي تموز 2015

الاتفاق النووي

ونذر بداية “شرق أوسط جديد”!

 نزار بدران

في اليوم التالي لإعلان إيران “انتصارها” في مفاوضاتها مع الغرب، للحد من قُدراتها النووية، كان آية الله خامنئي (مرشد الثورة)، يعلن أنه “لا توجد نية لإيران لوقف عدائها لأمريكا والغرب، وأن هذا الاتفاق هو وضع استثنائي”. وذلك في رسالة واضحة إلى شعبه، مفادها استبعاد أي أمل بالانفتاح الديمقراطي، وتخفيف القبضة البوليسية على الناس، وقمع المعارضة، تحت ذرائع الخطر الإسرائيلي والغربي.

أما خروج آلاف الناس إلى الشوارع للاحتفال، فلم يكن تعبيرا عن انتصارهم على أمريكا وإسرائيل، وتأييدهم لسياسة المرشد؛ وإنما لإظهار أملهم في الخروج من عزلتهم، وإعادة العلاقات مع الغرب وعلى رأسه أمريكا، وإنهاء الحروب التي دخلتها إيران، أملاً في استعادة حريتهم وتمتعهم بحياة أفضل.

إيران في شكل واضح، ورغم تصريحات مرشدها وقائدها الأعلى، غير المُنتخب، والمُعين فقط من رجال الدين؛ قررت حقيقة التراجع إلى الخلف، والرضوخ للمطالب الأمريكية، وما تصريحات الخامنئي العنترية، إلا تخويفاً للرأي العام المحلي، وتوصيل رسالة للمعارضة الإيرانية، أنه لن يُسمح لها في أي شكل من الأشكال بالتعبير عن نفسها، في ظل ما يُسمى الانفتاح وسياسة الإصلاح. هذا الانفتاح هو فقط في اتجاه أمريكا، وعودة لإيران كما كانت في زمن ما قبل الثورة إلى الحضن الأمريكي، واستمرار القمع الداخلي على ما كان عليه الوضع أيام “السافاك” في زمن الشاه، وكلنا نتذكر كم كانت قبضة السافاك قوية أيامها ضد المجتمع وضد المعارضة بكل أطيافها.

من يقرأ نصوص الاتفاق النووي، وآراء الخبراء، يرى بوضوح موافقة الحكومة الإيرانية على تقليص مشروعها بشكل كبير، وبما يمنع أي إمكانية لاستعماله في المستقبل لفعل أي شيء بدون موافقة دول الغرب. فيما يحاول بعض المفكرين والكتاب العرب، قراءة “انتصار” ما في هذا الاتفاق، خصوصاً مفهوم رفع الحصار وعودة إيران إلى النمو الاقتصادي السريع، وتحسين الظروف الحياتية لسكانها، فلماذا إذن الدخول أصلاً في هذا الحصار، الذي لن ينتهي حتى مع انتهاء المشروع النووي؟.

ما قدمته دول 5 + 1 هو وعد برفع الحصار الاقتصادي ابتداءً من العام 2016، وفي بعض المجالات، بموافقة مجلس الأمن الدولي، مقابل التراجع التام عن المشاريع النووية (رغم بعض مظاهر السيادة الشكلية)، وهذا لن يتحقق كما تريد السلطة الإيرانية بشقيها الإصلاحي والمُتشدد؛ إلا تدريجياً وعلى مدار سنوات طويلة، وتحت طائلة عودة العقوبات، حين يعتبر الغربيون أن إيران لم تحترم التزاماتها (خلال مدة 65 يوماً).

أين يكمن إذن الانتصار الإيراني؟ الحقيقة أن كافة الأنظمة الفاقدة للديمقراطية، لا تأخذ في الاعتبار إلا مصلحة بقاء النظام ولا شىء غيره؛ سياساتها الخارجية موجهة في خدمة هذا الهدف, وواقعها السياسي هو التمكن من السيطرة على مقاليد السلطة خارج الشرعية الشعبية، أو بشرعيات شكلية، كما حدث بالاتحاد السوفيتي سابقاً مع انتخابات الحزب الشيوعي، أو كما يحدث في إيران من انتخابات لا يتم قبول المُرشحين فيها إلا لأعضاء الأحزاب الدينية التابعة أصلاً للنظام الموجود. وأي معارضة أخرى ديمقراطية تُجابه بالحديد والنار والاتهام بالعمالة لأمريكا، وليس بعيداً عنا تلك الإعدامات شنقا التي حصلت في إيران.

لذلك لن يغير الاتفاق الإيراني الغربي الأخير، حتى ولو شاركت به دول أخرى شكلياً، كروسيا والصين، من واقع الحال، ولن يغير من الاتجاه الإيراني في ظل سلطة “الولي الفقيه” صوب البقاء عند حدود النظام الديني أو القطيعة معه، لصالح الدولة المدنية. فالمشكلة المطروحة على سلطة آيات الله، هو خطر اندلاع احتجاجات واسعة، كما حدث قبل سقوط الشاه، أو كما في الحراك الديمقراطي لعام 2009، والذي قوبل بقمع شديد. هذا الخطر يتزايد يومياً عندما نعرف عُمق حضارة الشعب الإيراني، وإرادة شبابه المُعلنة بالانعتاق من النظام الثيوقراطي المشبع بأفكار وأيديولوجيات القرون الوسطى. وكثير من المراقبين منذ 2009 وبعد أحداث الربيع العربي والتورط الإيراني لصالح الأنظمة القمعية العربية، اظهروا مدى احتقان الوضع الداخلي الإيراني، والذي ازداد مع فرض العقوبات الاقتصادية الغربية الخانقة.

إن اهتمام النظام الإيراني بالسلاح النووي، وتركه الأمور الاقتصادية تتدهور باستمرار، وقمع الحريات العامة، يُظهر مدى تقوقع هذا النظام على نفسه، ومحاولاته اليائسة لتخويف الشعب الإيراني بكل الوسائل. والكل يعلم أن هكذا دول لا تسعى إلى امتلاك السلاح النووي أو الفتاك، إلا لمراقبة شعوبها وتخويف ألآخرين لمنعهم من التدخل، مثال ذلك كوريا الشمالية التي يموت شعبها جوعاً، بينما هي تطور برامجها النووية، وكذلك مثال نظام الفصل العنصري بجنوب أفريقيا، والذي كان يعمل على تطوير السلاح النووي، فقط من أجل تخويف السكان السود، وأزاله مانديلا طوعياً بدون طلب من أحد، لأنه أدرك أن هكذا سلاح هو أولاً يشكل خطرا على شعبه نفسه. ومثال الاتحاد السوفيتي سابقاً، وروسيا حالياً، والتي تُكدس الأسلحة النووية، بينما هي غير قادرة على تحقيق الحد الأدنى من الحياة الكريمة لمواطنيها، ومثال النظامين السوري والعراقي زمن صدام حسين، اللذين لم يستعملا أسلحتهما الكيميائية إلا ضد شعبيهما.

هذه الأنظمة تظن بعملها أنها يمكن أن تحمي نفسها من ثورات شعوبها، وكالعادة هي لا تحمي أحداً، وفوق ذلك تعرض بلادها للدمار والخراب. وما التراجع الإيراني الأخير؛ كنزع السلاح الكيميائي السوري، إنما هو حقيقة انتصار لإيران وسوريا، ولكن لإيران الشعب المظلوم وسوريا الأطفال المحروقين بالسلاح الكيميائي، وليس انتصاراً لإسرائيل، التي لم تخش يوماً من تلك الأسلحة التي تُدرك تماماً أنها ليست موجهة إليها، وتنازُل أصحابها عنها أمام أول ضغط غربي لمصلحة إسرائيل، وكما فعل القذافي أيضاً في زمنه.

رغم كل ذلك، فقد استعملت إسرائيل الاتفاق الأخير، لطلب المزيد من الدعم الأمريكي لترسانتها الهائلة، بينما لم يُفدنا تكدس الأسلحة الإيرانية، بقدر ما أدى ذلك إلى زيادة قوة إسرائيل وقدرتها على فرض إرادتها على المنطقة، وابتزاز صانع القرار ألأمريكي, وما صيحات نتنياهو الاحتجاجية منذ عدة أيام، إلا لرغبته في الحصول على “تعويض” من أمريكا، وهذا ما بدأنا نشهد خطوات في اتجاهه، يتجلى بالحصول على المزيد من القدرات العسكرية والاقتصادية؛ وبالتأكيد عبر دعم أمني وسياسي، على حساب القضية الفلسطينية، كتأييد الاستيطان، ودعم مواقف الحكومة الإسرائيلية.

أما لجهة الرفع التدريجي للحظر الأمريكي الغربي عن إيران، فسيكون كالسيف المرفوع، يُجبر إيران على تقديم التنازلات المستمرة، فهي بين سندان الشعب الإيراني المُتعطش للحرية بعد سنوات طويلة من الاستبداد، ومطرقة عودة الحصار.

أما الانفتاح الاقتصادي الذي يمكن أن يحدث، إزاء الشركات الغربية والعالمية، فهو لن يُستعمل إلا لزيادة ثراء قوى البازار ورجال الدين المُستغلين، ورجال الأعمال وجنرالات الحرس الثوري، وأجهزة النظام القمعية ضد المُستضعفين في الأرض أبناء الشعب الفقير، وزيادة إمكانات الفساد، حيث إن حكومة مفروضة على الشعب، من دون رقابة، لن تتمكن من طرح حلول جذرية للمشاكل الاقتصادية الإيرانية، وإلا لرأينا ذلك منذ ستة وثلاثين عاماً من الحكم الديني.

الهدف غير المعلن للاتفاق الأخير، هو ضم إيران إلى معسكر التحالفات الأمريكية في المنطقة، الهادفة إلى بناء “شرق أوسط جديد” ربما بدا حقيقيا هذه المرة، كونه سوف يُبنى على محور جديد، سيظهر لنا بعد فترة؛ وهو المحور الإسرائيلي الإيراني لمواجهة الخطر القادم من مستقبل الأمة العربية الزاحف ببطء، ولكن بإصرار نحو الديمقراطية والحرية. المحور الجديد لن يكون ضد الدول العربية الحالية، والتي هي أصلاً في معظمها جزء من هذا الحلف، ولكنه لمنع أو التأخير قدر الإمكان من إمكانية نهوض الأمة، الذي يُشكل بحق الخطر الوجودي على إسرائيل.

“الشرق الأوسط الجديد”، الذي يخطط له من قبل اللوبي الصهيوني، هو تجميع القوى التي تستطيع أن تُشكل حجر عثرة أمام مستقبلنا كأمة موحدة وحرة، وليس قادماً من الحراك العربي الديمقراطي نفسه، أعداء هذا الحراك هم الآن في طور إنشاء تحالفاتهم، كما رأينا في العراق بتحالف إيران مع أمريكا، أو سكوت أمريكا عن إيران في سوريا لصالح إسرائيل، أو في الاتفاق النووي الأخير.

على أن إنجرار إيران وراء السراب الأمريكي، هو ما نراه حالياً، فالنظام الإيراني لن يستطيع أن يحمي نفسه طويلا، والإنفتاح على المجتمع سيحصل عاجلاً أم آجلاً، وما يتصوره مخططو الاتفاق الأخير؛ قد ينقلب عليهم، فهدف اختيار رئيس إصلاحي من قبل المُتشددين قبل عامين، ثم الانخراط في المفاوضات انتهاءً بالاتفاق النووي، لم يهدف إلا لإعطاء الانطباع للشعب بأن أحواله ستتحسن، وبذلك يُبعد النظام خطر الثورة وعودة ربيع 2009.

الحقيقة التي لم تفهمها هذه الأنظمة المستبدة، هو أن المعارضة المُكبلة حالياً بحُجة العداء لأمريكا والخطر الإسرائيلي، ستكون أكثر حرية وتأثيراً على الشعب الإيراني لتعبئته ضد السلطة، عندما يزول عذر الحصار والعداء لــ “لشيطان الأكبر”، لأن هذا الانفتاح إن حصل؛ لن يُغير شيئاً من الوضع الاجتماعي والاقتصادي، أو في مجال الحريات العامة، وحقوق الأقليات، وحقوق الإنسان بشكل عام.

تصريحات الخامنئي حول استمرار العداء لأمريكا وإسرائيل، في أعقاب الاتفاق النووي، هو ذر للرماد في العيون، وسنرى في الأشهر والسنوات القادمة عودة التحالف كما كان زمن الشاه، التحالف مع إسرائيل ضد الربيع العربي هو الثمن الحقيقي الذي على إيران أن تدفعه لرفع العقوبات نهائياً، ولإطلاق  يد النظام لعمل ما يشاء داخل بلده (كما كان زمن الشاه).

“الشرق الأوسط الجديد” هو في الحقيقة، عودة لزمن تحالفات الستينات من القرن الماضي، زمن المد العربي الناصري، يوم كانت قوى القومية العربية تقف في مواجهة الأنظمة الرجعية زائد التحالف الإسرائيلي الإيراني (وفي زمنه التركي). على أن مواجهة هذا الحلف القادم، لن تتم إلا بأيدي أبناء شعب إيران ومعارضته الديمقراطية، التي لن تقبل على نفسها، أن تبقى أسيرة الخضوع لنظام ثيوقراطي مُستبد، لم يعمل منذ صعوده إلى السلطة؛ إلا لعزل إيران عن العالم، ووضع ثرواتها في خدمة القلة الداخلية، أو لصالح الشركات الأجنبية.

إن مواجهة الخطر القادم من تحالفات هذا “الشرق الأوسط الجديد”، تكمن في الإصرار على النضال من أجل الحريات العامة، والعدالة الاجتماعية وحقوق المواطن في كل بلداننا، إذ وحدها دول المواطنة، والتي يستمد قادتها شرعيتهم من شعوبهم، ويعملون تحت رقابتها الدائمة، هي القادرة حقاً على الدفاع عن مصالحها، ومعاملة العالم ودوله بسياسة الند للند، والمصلحة مقابل المصلحة، خارج أي اعتبار سلطوي. وذلك عبر تجميع ووحدة قوى الديمقراطية في أوطاننا،  وكوسيلة ضرورية لمواجهة اللوبي الصهيوني و”شرقه الأوسط الجديد”، وهو الكفيل بحماية مستقبلنا جميعاً؛ عرباً كنا أو إيرانيين أو أتراكا.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s