الربيع العربي زمن الردة

الربيع العربي وزمن الردة

د. نزار بدران

كل فعل له رد فعل، وبمفهوم الثورات الاجتماعية، هز أركان نظام سياسي واجتماعي لإزالته لن يتحقق بين ليلة وضحاها، هذا النظام المتهاوي له أعمدته المبنية بمعظم الأحيان على أجهزة أمنية وعلى طبقة سياسية واجتماعية تحميه وتدعمه. هؤلاء جميعهم مستفيدون من الوضع القائم كما هو،  الوضع الذي تهدف الثورة إلى تغييره.

أعمدة الحكم إن أخذنا مثلاً عليها دوله عربية مثل مصر تعتمد على طبقة المنتفعين ورجال الأعمال والتجار. سياسة الدولة التي يتحكمون بها عن طريق الحزب الواحد الحاكم تسمح لهم بسن القوانين المُناسبة لإعطاء نهب عرق وشقاء الفقراء غطاءاً قانونياً. مؤسسات الدولة بما فيها الإعلام والقضاء تنجر هي أيضاً إلى هذا المستنقع، إما بالخوف أو بالمضايقة أو بالمنفعة عن طريق المشاركة بالوليمة.

إن أخذنا نموذج دولة قوية بثرواتها الطبيعية، فمنفعة الطبقة الحاكمه مبنية على مبدأ سرقة وبيع ثروات الوطن بدل فتح مجالات العمل أمام الناس للإنتاج ,تصبح هذه الدول ريعية بامتياز يُشكل بها بيع النفط مثلاً أهم مصادر ميزانيتها ويسمح بالنهب على شكل هائل, هذه الأنظمة لا تُعطي شيئاً إلا للحفاظ على السلم الاجتماعي وتقوم الطبقة المُستفيده بدورها بالاستحواذ على كل مفاصل الدولة من الإعلام للتعليم والقضاء وغيره.

العمل الثوري يهدف إذاً إلى استعادة الشعب لسيادته المُصادرة وأحقيته بالسيطرة على مردود عمله أو التوزيع العادل للثروة واستثمارها لبناء اقتصاد إنتاجي، بالتالي هذا يهدف إلى إنهاء سيطرة طبقة المُنتفعين من الوضع القائم واللذين شحذوا وسائل بقائهم وطوروها مثل جيش عقائدي مُسيس، تغذية التناقضات الاجتماعية العرقية والدينية والاستحواذ على دور الراعي للسلم الاجتماعي.

نموذج ثورات الربيع العربي لا يختلف كثيراً عن الأمثلة الأخرى بالعالم، مع أنه يتميز هذه الأيام بعنف الثورة المُضادة أو قوى الردة، والتي تحاول بكافة الوسائل البقاء كما بسوريا والبحرين أو استعادة السلطة كما في مصر واليمن.

حجم العنف المُمارس من طرف هذه الأنظمة واستعدادها لتدمير الأوطان وتغيير معالمها يُثبت لنا سلامة طرح وُجوب ذهابها واسترجاع السلطة للشعوب. فهكذا حكومات لا يتصور أحد أن تبقى على رقاب العباد إلى أبد الآبدين، وما لا يفهمه هؤلاء أن زيادة الاضطهاد والتدمير لن تزيد إلا إلى تقوية شرعية الحراك ضدهم، وإزالة آخر أوراق توت الشرعية التي يختبؤون ورائها.

تمسك المُستفيدين والمنتفعين بالسيطرة على مقاليد الأمور للإستمرار بنهب الناس وسرقة الأوطان هو شيء مفهوم، ولكن الأقل فهماً هو تمزق الطرف الآخر الداعي إلى التغيير.

الحراك الثوري العربي الهش، وضع ثقته عن طريق الانتخابات كما حدث بمصر وتونس بأحزاب سياسية ذات بُعد ديني وبرنامج سياسي إصلاحي. الفكر الإصلاحي بطبيعته لا يدفع لتغيير الوضع القائم، وإنما لإصلاحه فقط، هو الفكر السائد حالياً بأوروبا والدول الديمقراطية والتي لا حاجة لها لثورات شعبية. في بلادنا هذا الفكر يتناقض حالياً مع مفهوم تغيير الأنظمة وإزالتها الذي طالبت به الجماهير في ميدان التحرير وشارع بورقيبة ومدارس درعا وساحات صنعاء وعدن وميدان اللؤلؤة “الشعب يريد إسقاط النظام”.

انعدام وجود حركات ثورية قادرة على تلقُف الكرة المُلتهبة من الجماهير الثائرة، مهما كانت تبريرات ذلك من عنف النظام ضدها أو عدم شعبيتها أو في معظم الأحيان عدم انتمائها إلى الفكر الديمقراطي، أدى إلى أن الحركات الإسلامية الرافعة لشعارات الديمقراطية والقابلة لمبدأ التبادل السلمي للسلطة، استلمت تلك عن طريق الانتخابات. لسوء حظ المصريين الفكر الإصلاحي للإخوان المسلمين أدى بشكل تلقائي إلى حلول إصلاحية يعني العمل على إصلاح الواقع القائم وليس تغييره وهو ما أوصل إلى أولا، التفاهم مع العسكر ثم السكوت والقبول بقضاء النظام السابق الفاسد، بما فيه حل البرلمان المُنتخب، والذي طبعاً انتهى كما يجب بعودة النظام السابق، لأن الفكر الإصلاحي الإخواني المصري لا يستطيع أن يبني في بلاد قامت بها ثورة وشعب يُطالب بميلاد جديد. هذا ليس خطأ الإخوان المسلمون وإنما طبيعة الأشياء. الحراك الثوري في مصر مُطالب بخلق قياداته الثورية والتي عليها أن تعمل على إعادة الثورة إلى شعارها الأول وهو إسقاط النظام وليس فقط إصلاحه.

في تونس تم تحييد قوى النظام السابق لضعفه أولاً ولوعي الحركات السياسة التونسية بمختلف اتجاهاتها أبعاد وأهمية الفترة الجديدة ورفض إعادة تأهيل أي طرف من النظام السابق، وهو مبني على وعي الشعب التونسي أصلاً ومراقبته لهذه الأحزاب وبرامجها السياسة.

نحن نعيش زمن الرده، هذا الزمن هو أيضاً جزء من زمن الثورة وليس هزيمة للفكر الثوري، هكذا تسير الأمور. مُعظم ثورات الشعوب في هذا الزمن أو في التاريخ تعرضت لذالك لأن قوى النظام السابق لا يمكن أن تذهب بمحض إرادتها. هزيمتها إذاً هي بداية العهد الجديد وليس التفاهم معها على حلول إصلاحية (مصر واليمن).

نموذج الثورة الفرنسية بالقرن الثامن عشر يُظهر أن الجماهير التي حررت الباستيل سنة 1789 ووضعت لائحة حقوق الإنسان ومفهوم المواطنة وفصل الدين عن السلطة، إنكفأت على نفسها وسمحت بعودة النظام الملكي السابق على مدار أربعة وثلاثين عاماً، قبل عودة قيم الثورة من جديد.

نموذج التغيير الديمقراطي في تشيلي ووصول سلفادور أيندي للسلطة بانتخابات 1970 لم يدم إلا سنوات ثلاث، وحكم الجنرال بينوشي البلاد لسبعة عشر عاماً ،  بعد انقلاب عسكري قبل عودة الديمقراطية من جديد وعودة بينوشي إلى المحكمة والسجن على جرائمه.

أهمية الربيع العربي هو أنه بدأ بعد عقود طويلة من السنين العجاف كدنا نيأس من كل شيء. هذا الحراك سيكون صعباً وبطيئاً ورد السلطة قاسياً ودموياً ولكن الخوف والقبول بالظلم لم يعد القاسم المُشترك لهذه الأمة، بل حب الحرية والتضحية من أجلها. وسيعود المسار نحو التوجه إلى الأمام من جديد، وكما قال الله في كتابه الكريم ولا تقنطو من رحمة الله.

طبيب عربي مقيم في فرنسا

29/3/2015

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s