العقل والتفكير بدل النقل والتفسير

العقل والتفكير بدل النقل والتفسير

نزار بدران

جريمة حرق الأسير الأردني على يد تنظيم داعش، جعلت الناس يفيقون من سُباتهم العميق .

الجريمة بحق هذا الأسير، والذي أكد القانون الدولي على حمايته واحترامه، شيء لا يتفق أبدا ومعايير الحضارة الإنسانية في هذا العصر.

تدمير المنازل بالبراميل المتفجره على رؤوس ساكنيها المدنيين من  أطفال ونساء صغار وكبار، تعذيب المعتقلين وتجويعهم حتى الموت  ، هذا أيضاً   خروج عن الحضاره الإنسانية.

قتل الناس بالرصاص والقنابل أو حرقهم في ساحات الاعتصام وفي المظاهرات السلمية لا يقل بشاعة. خطف الأبرياء عرباً أكانوا أم أجانب مسلمين أو غير ذلك …..قتلهم يُدخلنا في زمن البرابره. إعدام الناس بحد السيف أو رجمهم وجلدهم في الساحات مهما كانت جرائمهم  وقذفهم من عل هي خروج عن الحضاره الإنسانية.

التنكيل بالأسرى، اغتصاب النساء، تيتيم الأطفال وترك الناس يموتون جوعا أو من البرد، رفض استقبال اللاجئين

المستغيثين المتلهفين للحماية والفارين من الموت وتركهم في العراء فريسة لحم تنهشها الذئاب البشريه او الحقيقية هو أيضاً جريمة ضد الإنسانية حَريّة بالمغول.

كل من قام بذلك هو من الدواعش وحتى لو أعلن عداءه لهذا التنظيم وحاربه، لأنه استخدم نفس الوسائل ولا اخجل حين اقول انه  قد فعل هذا بحجم أكبر وأكثر هولاً.

تضامن الأمة مع أهل الأسير الأردني واجب وحق كذلك واجبها أيضاً التضامن مع كل ضحايا الطغيان في الوطن العربي. قتل وحرق هذا الطيار الشاب يجب أن يفتح العيون على الجرائم التي تعمّ أرض العرب من محيطها إلى خليجها، كانت بيد الدواعش أو من شابههم فكراً أو عملاً من أنظمة فاسده وحكومات طاغية.

الحق واحد كما يقول ابن رشد – آخر المفكرين العرب المسلمين-  الحق واحد لأن الله واحد والناس واحد ولون الدم واحد وآلام الثكالى والأيتام واحد.

ليس أقل خطورة على الأمة استعمال التفسير الديني للدفاع أو لمحاربة هذه الهمجية، النصوص الدينية والتي يعتبرها جُل الكتّاب والمعلقين مرجعية في تحاليلهم لا تستطيع محاربة هذا الفكر الفاشي الجديد لأن هذه النصوص التفسيرية الموضوعة منذ مئات السنين وُجدت في ظروف زمنية واجتماعية مختلفة ؛  (وكمثال على ذلك عدد سكان العرب زمن بدء الإسلام لم يكن يتعدى النصف مليون شخص) وهي تُفسر منذ ذلك الوقت بكل الأشكال والالوان وبناءً على مصالح السلطة في تلك الأزمان، فعلماء الدين كما هي العادة يُجارون الحاكم.

أن نرجع لهكذا تفاسير لتبرير أو تحريم أي عمل هو سبب إضافي لخلط جديد للمفاهيم مما يؤدي إلى زيادة البلبله كما نرى على صفحات الجرائد ومواقع التواصل الاجتماعي.

لنخرج إذاً من هذه المعادلة المعقده والمتميزة باستحالة التوصل إلى مرجعية فكرية إسلامية موحده.

أرى أن من الواجب ترك التفسير والاتجاه نحو التفكير واستعمال العقل ومرجعيات الحضاره الإنسانية لهذا الزمن كحقوق الإنسان ومساواة الناس والتي  لن تتضارب  في العمق مع القيم الأخلاقية الدينية الأصيله.

يُحكى في بغداد زمن العباسيين أن أئمة الأديان الثلاثة فيها “مسلمين ومسيحيين ويهود” كانوا يجتمعون في مجالس النقاش لبحث أمور الأمة، واتفقوا فيما بينهم حتى يتوصلوا إلى تفاهم على إبعاد كل الأطراف لمرجعياتها ونصوصها الدينية عن نقاشاتهم والاكتفاء بالفكر والعقل لبحث وتقدير الأمور.

من جهته كرس ابن رشد، الطبيب والفيلسوف الأندلسي، حياته من أجل ترجيح الفكر والعقل على تفسير النصوص (إشكالية العقل والنقل)، وبسبب ذلك تآمر الموغلون في الدين للتخلص منه وإبعاده إلى مراكش حيث توفي بالمنفى عام  1198م. كان هذا العملاق آخر المفكرين المسلمين الذين استطاعوا فهم الفلسفة اليونانية وتطويرها ويُعتبر حتى الآن مؤسساً للعقلانية ومفهوم استعمال المنطق الذي طوره الفلاسفة بعده أمثال رونيه ديكارت وإيمانيويل كونت في أوروبا، في القرنين السابع والثامن عشر.

بعد غياب ابن رشد دخلت الأمة الإسلامية إلى عالم الغيب ولم يعد هناك مكان إلا للنصوص الدينية وتفسيراتها المتتالية عبر الأزمان والتي هي حقيقة ترجمة للواقع السياسي لكل زمن وتبرير للأحداث في وقته.

الفكر وترجيحه على تفسير النصوص كان أساس ازدهار الأمة زمن عظمائها وعلمائها, وعكس ذلك أي الاعتماد على تفسيرات النصوص الدينية ومرجعياتها المختلفة والمتناقضة في معظم الأحيان هو سبب انحدارها وتخلفها.

الفكر أولاً وأخيراً تحكيم العقل الارتباط مع معايير الحضارة في هذا الزمان الذي نحن جزء منه هو في رأيي الوسيلة الأنجع في فهم الأمور والتخلص من الظلم والطغيان بكافة أشكاله.

استشهاد هذا الطيار الشاب وموت البوعزيزي في تونس حرقاً قد تكون مُصادفة تاريخية ولكنها حقاً نقطة بداية لتغيير عميق في هذه الأمة.

وحدة قوى الربيع العربي وكل الديمقراطيين والتزامهم بمفاهيم وقيم هذا الزمن هي التي ستؤدي إلى دحر قوى الاستبداد والتخلف من جهة والدخول إلى عالم الديمقراطية والحداثة من جهة أخرى.

هذه الحركة بدأت وستستمر، التحاقنا بمنظومة شعوب العالم المتحررة هو شيء لا مناص منه، لأن البديل هو الظلم والهمجية والتخلف.    وقد يُقال ذات يوم من جديد( كنتم خير أمة أُخرجت للناس.)

 

6/2/2015

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s