الفكر الصهيوني وانعكاسه على الواقع الصحي الفلسطيني

 

 

الفكر الصهيوني وانعكاسه على الواقع الصحي الفلسطيني

                                            د. نزار بدران

 

يشكل هدف تدمير البنية التحتية للمجتمع الفلسطيني، المُتواصل منذ بداية إقامة  إسرائيل إلى اليوم، بشكل أساس، إلى تهجير المواطنين الفلسطينيين من أراضيهم، حتى تتمكن إسرائيل من تحقيق شعار الحلم الصهيوني الذي سبق له الزعم أنه يهدف لاستيطان “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”!.

هذا ما يترجمه الواقع على كافة المستويات، فحلم هرتزل في نهاية القرن التاسع عشر، حاول بن غوريون تحقيقه بتهجير الجزء الأكبر من الفلسطينيين لحظة قيام دولة إسرائيل. فالأرض بلا شعب من وجهة نظر الصهيونية وهيرتزل، هي في الحقيقة ليست تشخيصاً للحالة التي كانت عليها فلسطين في تلك الفترة؛ وهم أول من يُدرك ذلك، فلسطين كانت مليئة بسكانها وفلاحيها وعمالها ومتعلميها ومعاهدها ومدارسها وكل مقومات الشعب، لكن الحقيقة أن هذا هو شعار مرفوع لحُلم كانوا دوماً يعملون لتحقيقه، وهو تفريغ فلسطين من سكانها العرب.

بعد نكبة 1948 وخروج مئات آلاف اللاجئين من ديارهم، طرداً وعدواناً وتآمراً من أطراف عربية في ذاك الزمن، رفع بن غوريون أول رؤساء إسرائيل، شعار “الكبار يموتون والصغار ينسون”، بمعنى أن الأرض التي اُحتلت وأُفرغت لن يعود لها أصحابها الشرعيون، بحسب ما اعتقد بن غوريون يومها.

هذا الحلُم الصهيوني تحقق جُزئياً، فالكبار فعلاً بدأوا يموتون، وهذه هي سنة الحياة، ولكن الشق الآخر، أي مقولة النسيان لم تتحقق، بل أصبح المُهجر الفلسطيني الإبن أكثر تُعلقاً ونضالا وعملا من أجل وطنه, وشعار حق العودة أصبح في اوروبا عند الجالية الفلسطينية وسيلة لتجميع قواها، للضغط في أوطانها الجديدة للعمل لتغيير سياسات الغرب واقرار حق العودة، وانطلاق شرارة المُقاطعة الاقتصادية لإسرائيل المدعومة من تلك الجالية المُهجرة، قلبت حُلم بن غوريون إلى كابوس لنتنياهو، فإسرائيل قد بدأت تستشعر خطر هذا التوجه الجديد.

بعد نكسة 1967 واحتلال أجزاء كبيرة من فلسطين، وجد الإسرائيليون أنفسهم في مشكلة استعصاء تحقيق حُلم هيرتزل الأول، لم يترك الفلسطينيون وطنهم ولم تستطع آلة القمع الإسرائيلية أن تُجبرهم على الفرار أو الهجرة، فعادت إسرائيل إلى نقطة البداية، وهي العمل على إفراغ الأرض الفلسطينية.

منذ اللحظة الأولى للنكسة، ضمت إسرائيل القدس الشرقية، وبدأت تدمير البنية التحتية الفلسطينية الإنتاجية، وما تبعها من تحويل الفلسطينيين، من مُنتجين فاعلين إلى مستهلكين للبضائع الإسرائيلية. وكمثال على هذه السياسة سنُركز على الناحية الصحية، حيث قامت إسرائيل بشكل ممنهج، بتدمير البنيه الصحية، كإغلاق العديد من المستشفيات والمؤسسات الصحية الفلسطينية، ففي القدس تم إغلاق مستشفى الأطفال ومستشفى الهوسبيس، وإغلاق بنك الدم والمُختبر المركزي ومركز مكافحة الأورام، كذلك تم تحويل مستشفى الشيخ جراح والمستشفى المحلي إلى مراكز للشرطة الإسرائيلية.

في رام الله، تم إغلاق مستشفى الأمراض المُعدية، وتقليل عدد الأسرة على مدى عشرين عاماً، من 209 سرير في العام 1967 إلى 116 سرير عام 1987، بينما تزايد السكان من 115 ألف إلى 140 ألف نسمة (مركز أرض فلسطين للدراسات والتوثيق الفلسطيني). ثم تم نفس الشيء في باقي المدن الفلسطينية مثل نابلس، الخليل، طولكرم، بيت جالا، أريحا، بيت لحم…..الخ.

قامت إسرائيل بالإضرار بصناعة الأدوية التي كانت متواجدة قبل عام 67، وعزل القدس صحياً عن باقي الضفة الغربية وربطها اداريا وماليا، ومنع المرضى الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة من تلقي العلاج بمستشفيات المدينة إلا بإذن خاص.

كذلك فإن سياسة بناء الجدار العازل، لم تؤد فقط إلى مصادرة أراض جديدة، وتقليع الأشجار المثمرة، ومنع الفلاح من الوصول إلى حقله، والعامل إلى مكان عمله، والتلميذ إلى مدرسته، بل أيضاً منعت المريض من الوصول إلى مستشفاه أو طبيبه. فبحسب تقرير منظمة الصحة العالمية للعام 2015، فإن أكثر من 32% من الفلسطينيين في الضفة الغربية لم يعودوا قادرين على الوصول إلى مراكزهم الطبية، وسيتضاعف هذا الرقم عند الانتهاء من بناء الجدار، اكثر من 14% من سكان القدس البالغ عددهم 407 آلاف نسمة في القدس الشرقية، لم يعد بإمكانهم التواصل مع هذه المراكز، وهم بحاجة إلى تجاوز الجدار والحصول على إذن بذلك.

يتضح من هذا، أن تقطيع أوصال الضفة الغربية بالجدار والحواجز والمستوطنات، جعل وصول الحالات المُستعجلة للمستشفيات أو النساء الحوامل للولادة، صعبا بل ومستحيلا في بعض الحالات، كذلك إعاقة حركة الطواقم الطبية وسيارات الإسعاف.

كذلك يشكل حصار غزة، والذي يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف من الحصول على العلاج والغذاء والماء الصالح للشرب، عقاباً جماعياً لانتخاب (حماس) وسيطرتها على القطاع، نتذكر ما كان يقول الإسرائيليون سابقاً في عهد ياسر عرفات، والذي حاصره الإسرائيليون عدة سنوات ثم اغتالوه، لأنهم كانوا يبررون ذلك بكونه العقبة الرئيسية أمام السلام، وهو ما يبرر بنظرهم مآسي الفلسطينيين ومعاقبتهم الجماعية. هل انتهت معاناتهم باختفاء ياسر عرفات وموافقة القيادة الجديدة على التراجع عن مبدأ الكفاح المسلح والاكتفاء بالمفاوضات كوسيلة وحيدة للسلام؟ بالطبع لا، لقد تزايد الاستيطان أكثر من أي وقت مضى وتزايدت مصادرة الأراضي الفلسطينية والتضييق على الفلسطينيين والاعتداء عليهم، حتى حرق الأطفال وأهاليهم وهم نيام، كما حدث مؤخراً مع الطفل علي درابشة وأسرته.

ما مصلحة إسرائيل إذن في منع المريض من الوصول إلى العلاج، والتلميذ إلى المدرسة؟ إنهم في الحقيقة لا يعاقبون أحداً، كما يدعون، على رفضه للسلام معهم، أو معاقبة الشعب الفلسطيني لرفضه احتلال وطنه، ولكنهم يطبقون سياسة ممنهجة، عملت منذ البدء على تفريغ البلاد من سكانها بكل الوسائل.

قد نتحمل الصعاب لفترة طويلة، ولكننا نتمنى دائماً أن تعيش أجيالنا اللاحقة في وضع جيد، وهذا بالضبط ما لا تريده إسرائيل، بل تسعى إلى أن يدفع المجتمع الفلسطيني أبناءه للهجرة إلى خارج الوطن. قد يحصل ذلك بعض الأحيان، حتى أن بعضهم ركب البحار وغامر بحياته، ومنهم من مات غرقاً، ولكن ذلك لم يؤد إلى تغيير المعادلة الموجودة حالياً، وهي أن الفلسطيني ثابت بأرضه وأرض أجداده، ولأول مرة بحسب التقديرات الإحصائية لهذا العام، تجاوز عدد الفلسطينيين في فلسطين التاريخية عدد اليهود.

الصهيونية هي فكر قادم من القرن الثامن عشر، وليس فكراً استعمارياً من القرن التاسع عشر، لأنه فكر المجرمين الذين رُحلوا وأُبعدوا من أوروبا عقابا لهم، إلى المنفى في أمريكا المُكتشفة حديثاً أو أستراليا، وليس فكر المُستعمرين أصحاب المصالح الاقتصادية الذين كانوا يبحثون عن مصالح دولهم وتحريك عجلة الثورة الصناعية، بنهب الثروات الطبيعية عند الآخرين. هو فكر مبني على إنهاء الآخر وليس على استغلاله والتعايش معه، كما حدث مع الاستعمار الفرنسي أو البريطاني لكثير من دول العالم، أو حتى جنوب أفريقيا العنصرية.

يتوجب على المفكرين والمحللين السياسيين أن يُظهروا هذا البُعد في الفكر الصهيوني، لتعرية الصهيونية وإظهارها على حقيقتها أمام الرأي العام الغربي والعالمي، وذلك بهدف تقوية حملة المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل، كذلك إسناد وتقوية الأطراف الغربية الرسمية والشعبية التي تدعم الحق الفلسطيني.

طبيب عربي مقيم في فرنسا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s