اليرموك الذي فينا

اليرموك الذي فينا

د. نزار بدران

الفظائع التي يقوم بها مقاتلو داعش في مخيم اليرموك الفلسطيني وقبله وخلاله وبعده فظائع النظام السوري بحق هذ المخيم، قتل الناس بلا تمييز وبلا ذنب أودون محاكمة، إعدام الرجال على الهوية وهدم المنازل على رؤوس سكانها المدنيين، كل ذلك يندرج تحت لائحة التعامل السياسي والحزبي الذي نُظر له ضمن مسميات عدة ، الآن بهدف إقامة دولة الخلافة  وقبله إقامة دولة البعث القومية، أو من أجل دعم محور المقاومة والتحضير لتحرير فلسطين ,  وفي أماكن أخرى لتثبيت نظام انقلابي أو إبعاد شبح انتفاضة قادمة.

الموت هو الموت، مهما كانت أشكاله ولكن الاستهداف المُزمن في أوطاننا لقتل المدنيين العُزّل في التعامل السياسي وليس فقط التصفية الجسدية للمعارضين هي أحد سمات الثقافة التي لا تعتبر الناس بشراً لها حقوق وأولها حق الحياة وإنما فقط جماعات صديقة أو عدوة، هو امتداد للفكر القبلي ويبعُد كل البُعد عن فكر المجتمعات المدنية الحديثة التي ترفع حقوق المواطن من خلال اعتبار إنسانيته أولاً وفرديته ثانياً.

أين نحن من قوله تعالى “ومن قتل نفساً بغير حقٍّ فكأنما قتل الناس جميعاً”، ولم يقل سبحانه نفساً مسلمة عربية أو سنية أو شيعية، إنسانية الفرد وفرديته مُلخصة في هذه الآية الكريمة، عندما شُبهه (النفس المقتوله) بالإنسانية جمعاء. أين نحن من عمر بن الخطاب الذي قال ولا تقطعوا شجرة….، فما بالكم بقطع الرؤوس.

إن أيّة مجموعة سياسية مهما كانت أهدافها المُعلنة وأي عمل إنساني لأيّ سبب كان له هدف واحد هو الإنسان نفسه، الإنسان هو إذا هدف بحد ذاته لا يمكن استعماله كوسيلة لتحقيق هدف آخر حتى لو كان اجتماعياً، وطنياً، لا تقبل أي شريعة أن يُقتل إنسان دون ذنب أو محاكمة حتى لو قبل هو بذلك.

الإستعمال المُزمن في حركاتنا الوطنية والسياسية لتمجيد قتل النفس بهدف سياسي وديني، القبول بذلك ورفع فاعله إلى مرتبة الشهداء، لا يتطابق مع المدافعين حتى الموت عن حقوقهم ومبادئهم، فهم ليسوا محبين للموت ولا باحثين عنه ولا يستعملونه كوسيلة لنضالهم وإنما قدراً فُرض عليهم، إنهم في الحقيقة محبون لحياة كريمة حرة.

القبول بتحديد الأعداء على مبدأ الجنس والدين والعرق واللغة واللون هو الذي يفتح الطريق واسعاً أمام الهمجيّة القادمة لنا مثل مغول القرون البائده. أن نُمجد قتل الآخر لأنه كردي، عربي، شيعي أو سني، مسيحي أو درزي، أفريقي أسود أو غربي أبيض هو في الحقيقة أسلوب تفكير تربّت عليه أجيال منا في حضن الأحزاب القومية والدينية.

يجب العودة إلى حقوق الناس كأفراد أولاً وأخوة في إنسانية واحدة جمعها الله في وحدانيته، وإلا لكان لكل قبيلة وجنس إله خاص بها  “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا…” ولم يقل سبحانه لتقاتلوا  أو تتفانوا.

نبذ الفكر المُجرم للآخر لشيء آخر غير فعله هو وسيلتنا إلى بناء أحزاب وحركات اجتماعية تضع أمام أعينها هدف واحد وهو خدمة الإنسان المتواجد في كل منا. فقط هم المُجرمون، أمثال النظام السوري “ومجاهدو” داعش وما شابه، هم الخارجون عن النظام الإنساني وعن كل القيم الحضارية الحالية والماضية.

علينا أن نربي أطفالنا وأجيالنا القادمة على تمييز الناس بناءً على أفعالهم وأن تكون أحزابنا ومنظماتنا الاجتماعية مبنية على مفاهيم فكرية يستطيع كل مواطن أن يجد نفسه مُمثلاً فيها، مهما كانت لغته ودينه ولونه. هذه وسيلتنا لبث فكر السلم الاجتماعي وبناء صرح أمة واحدة موحدة تستطيع حينها أن تقف سداً منيعاً أمام الطُغاة والأعداء من أي حدب او صوب أتو.

تقتيل وتجويع فلسطينيي اليرموك المُهجرين أصلاً من وطنهم بهمجية الصهاينة قبل ستين عاماً، لا يمكن حصره فقط في إطار عمل استثنائي تقوم به مجموعة مجرمة إستثنائية على أوطاننا. فلنتذكر تل الزعتر في لبنان سنة 1976، ومخيمي صبرا وشاتيلا في 1982 أو حماة في سوريا في نفس العام، ولنتذكر ما يحدث في المدن السورية منذ أربع سنوات وحصار وقتل أهلنا في العراق في الأنبار والموصل ونينوى أو مجازر الحوثيين في اليمن والحروب الأهلية الجزائرية واللبنانية وما تمخض عنها من مئات آلاف القتلى المدنيين. إنه مسلسل طويل لا نستطيع فقط وضعه تحت خانة المؤامرات الخارجية القادمة من الاستعمار، بل هو أيضاً نتاج واقع يقبل فيه المواطن أن يُصنف على أساس انتمائه العرقي أو الديني ويقبل بنفس الوقت أن يُصنف الآخرون بنفس الطريقة تؤجج فيه الأحزاب والاتجاهات السياسية نار الطائفية والعصبية، بدل وضع برامج للسلم والتقدم الاجتماعي.

فلنعمل جميعاً على نُصرة أهلنا في مخيم اليرموك أو – ما تبقى منهم- ولنعمل على توحيد كل الطاقات المسؤولة أمام إنسانيتها لتكون حاجزاً صلباً في وجه كل المجرمين، فالانقسام هو بين هؤلاء وبين ضحاياهم مهما كان لون ودين المجرمين ومهما كان لون ودين الضحايا.

 

10/4/2015

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s