الديمقراطية ودولة المواطنة بديلا للاستبداد والدولة الطائفية

14/02/2016

الديمقراطية ودولة المواطنة

بديلا للاستبداد والدولة الطائفية

نزار بدران

من الصعوبة بمكان أن نُحلل سيادة وانتشار الطائفية، كفكر سياسي في كثير من الدول العربية، وانعكاساتها على الواقع الشعبي، على شكل تقتيل وتشريد وتهجير. نرى ذلك بالعراق وسوريا واليمن، وقد نرى ذلك أيضاَ في مناطق أخرى في القادم من الايام.

يرجع المحللون المتابعون، منابع هذه الطائفية ومواردها ومآلاتها، إلى التاريخ حديثه وقديمه، محاولين فهم الفوارق، بين مفاهيم الطوائف المختلفة للنصوص الدينية، خصوصاً الاتجاهات المُتطرفة والداعية للعنف. هم يُفسرون تصرفات المجموعات المتطرفة، بفهمها الخاطيء للنصوص التي اجمعت كل الطوائف على صحتها وتبنيها، على الرغم مما رست عليه تفاسير كل مجموعة وطائفة واستنتاجاتها منها، وهي على الأغلب تتعارض مع سواها، لتضعهم جميعاً في مواجهة بعضهم البعض.

من هنا شكل الابتعاد عن الفكر الإنساني لفهم الواقع الذاتي، واستنتاج ما يجب أن نفعله بأنفسنا، واستبدال ذلك بالفكر الديني النصي الغيبي المُطلق، مدعاة للمزيد من الصراعات، وليس إلى الحد منها، لأن “الحقيقة المطلقة”، كما فُسرت بالنص الديني، لا تقبل الجدل والمناقشة. وبما أن لكل طائفة تفسيرها، و”حقيقتها المطلقة” التي تستنتجها من النص ذاته، فالصراع باقٍ، ما لم يسترجع الإنسان حقه بالتفكير خارج الأطر الغيبية والدينية.

الطائفية إذن، لا يمكن أن تكون حقيقة في نص، أي نص ديني، وإنما هي العشائرية والقبلية، التي تُشرع لنفسها حق قتل واضطهاد ورفض الآخر، بناءً على نفس هذه النصوص المُشتركة لكل الطوائف.

الواقع الاجتماعي العشائري والقبلي والفئوي، هو إذن الأساس في تطور هذه الطائفية المقيتة، ومن هنا، فإن الرد على ذلك، لإعادة لُحمة المجتمع، هو بناء تفسير ديني عقلاني حداثي، يجمع الكل على فهم واحد، وإن اختلفت الطوائف وتعددت الأقليات. بناء مرجعيات دينية، مُتجددة متوحدة، قد يكون وسيلتنا لإنهاء التطرف الديني الأصولي والطائفية، التي تصول وتجول في بلاد العرب والمسلمين.

هذا ما نقرأه ونسمعه هذه الأيام، من عديد من المفكرين والمتعلمين وفقهاء الدين. ولكنه للأسف رغم عقلانيته الظاهرة هو خطأ، ولا يعكس الحقيقة، ولا يأخذ من المُعطيات الاجتماعية، إلا ما انتقى ولاءم فكره. هذا التحليل خاطيء لأنه يشبه الناظر إلى العالم الخارجي، من خلال ثقب صغير، فهو لا يرى من هذا العالم، إلا الشيء البسيط والقريب.

هؤلاء المفكرون تناسوا أهمية ترتيب التناقضات الاجتماعية، وأولويات حلها، فهم بهذا التحليل يستبدلون التناقض الأساسي للأمة، مع أنظمة الاستبداد، بتناقض ثانوي وهو اختلاف المفاهيم الدينية عند الطوائف المختلفة، أو المصالح عند الأقليات، متناسين التلاعب بها وتجييرها من قِبل الأنظمة، في مجتمعات محافظة، قليلة التعليم والمعرفة، وما زالت أكثر قرباً من الانتماء القبلي والعائلي منه إلى الانتماء للوطن والأمة.

يجب فهم الحقيقة التاريخية لتاجيج الطائفية عندنا، من واقع التجزئة العربية، وما نتج عنه من استبداد قائم منذ عشرات السنين، مضافٌ إليه وجود إسرائيل المرتبط جذرياً بهذه التجزئة، وتلك الديكتاتوريات، والتناغم الحالي بين الأنظمة العربية وإسرائيل، ضد ثورات شعوبها واضح للعيان، والتوافق السوري الروسي الإسرائيلي، لم يعد خافيا على أحد.

هذه الوضعية الجدلية، بين الوضع السياسي العربي من جهة، والاستبداد والتجزئة وإسرائيل من جهة أخرى، هي التي تُفسر ظهور الطائفية السياسية المفاجيء، في عالمنا العربي والإسلامي، كرد من هذه القوى المُتحالفة، ضد خطر الثورات العربية، والتي انطلقت من تونس.

إغراق هذه الأوطان بالدمار والحروب، هو رد هذا المحور، لمنع انبعاث روح الحرية. الطائفية والتطرف الديني الأصولي، هي أحد هذه الوسائل، والتي تحاول أن تستبدل تناقضات المجتمع، مع السلطات الاستبدادية، بتناقض مكونات المجتمع نفسه فيما بينها.

عندما كانت الأنظمة ممسكة بخناق شعوبها، لم تكن لتميز بين طائفة وأخرى، بين كرد وعرب أو سنة وشيعة، الكل كانوا في خانة الغائب والمقموع. ولكن الحراك الديمقراطي العربي، هو الذي أفزعهم وأظهر هشاشتهم، كما أن رد هذه الأنظمة العنيف، بين أن الأسلحة المُكدسة، لم تكن لتحارب بها إسرائيل حليفتهم، وإنما لمحاربة شعوبهم والتشبث بالسلطة.

الفكر الديني المحافظ، والتقاليد القبلية والعشائرية، والجهل وقلة التعلم، تُستعمل بسهولة لخلق التناقضات داخل المجتمع الواحد. للأسف جزء كبير من الكتاب، ومُدعي المعرفة، دخلوا في معمعة الطائفية، بقصد أو بغير قصد، وفسروا المآسي بوجود أو عمل طائفة مُحددة، فالصفوية وطبيعة المذهب الشيعي، في فهمهم، هو ما يُفسر الحرب بالعراق وتجزئته، مُتناسين ما قدمه هؤلاء، للدفاع عن وحدة العراق زمن الاحتلال البريطاني وهزيمته. في حين كان البربر هم من حارب بشمال المغرب، لتحريره من السيطرة الإسبانية والفرنسية، وكانوا من دعم عبد الكريم الخطابي. كذلك الأمر في زمن الثورة الجزائرية، ضد الاستعمار الفرنسي، والأقلية المسيحية بالمشرق هي من رفعت راية اللغة العربية والعروبة، في بداية القرن ضد الوجود العثماني، والقائمة طويلة.

الأنظمة الاستبدادية، هي إذاً، رديفة الطائفية وخالقته، عندما تخاف على وجودها وبقائها، من حراك جماهيرها. أما الانظمة الديمقراطية التي تأسست كناتج من نواتج القيم الإنسانية، وإيمانها بالحرية والمساواة والتآخي، فهي وحدها القادرة على بناء دولة المواطنة، بدل دول الرعايا والطوائف. هذه الدولة كانت هدف الثورات العربية. فهذه كانت الشعارات التي رفعتها رايات شباب التحرير, وشارع بورقيبة, وأطفال درعا, وساحات الاعتصام بالعراق واليمن. ولسحقها حركت الأنظمة الاستبدادية جيوشها ودباباتها وطائراتها, ولإنهائها خلقت الطائفية والتطرف الأصولي الديني. وللأسف نجحت هذه الأنظمة لحد الآن باحتواء الأمل مستبدلة إياه بالألم والدمار والتقتيل والتهجير.

على الأحزاب الشبابية الديمقراطية ومحبي ألحرية ان يبدأوا من اليوم بالعمل لأعادة بوصلة النضال ومحورة التناقض بين الأنظمة والشعوب الى الاتجاه ألسليم، ورفض محاولات الأنظمة المستميتة لخلق تناقضات جديدة, فيما هي تحاول جاهدة إبعاد التناقض الرئيسي – وهي أحد أطرافه الرئيسيين – مستبدلة إياه بتناقض وهمي داخل المجتمع، مصورة نفسها كونها هي الحل، أو وسيلة لحل هذا التناقض الجديد, آملة بأن تستعيد لنفسها دور حامي الديار، والمدافع عن الأقليات والمظلومين.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s