تونس ومصر الأبيض والأسود… دروس النجاح والفشل

تونس ومصر الأبيض والأسود… دروس النجاح والفشل

القدس العربي 26 حزيران 2019

د. نزار بدران

ثورتا السودان والجزائر أظهرتا بوضوح استيعابهما لدروس الماضي القريب، خصوصاً الحصاد الكارثي للثورة المصرية من جهة، والنجاح البراق للثورة التونسية من جهة أخرى. هما إذن صورتان متناقضتان، لكنهما بالنسبة للثورات، تعتبران لحسن الحظ، خارطة طريق لنعرف ماذا يجب أن نفعل (تونس)، وماذا لا يجب أن نفعل (مصر).
هاتان منارتان للثورات كل على طريقته، فالأولى تنير الطريق الصحيح، والثانية تمنعك من الوقوع بالحفر الكثيرة التي تملأ تلك الطريق. انتهى الأمر بالثورة المصرية لحكم عسكري، قلّ أن ترى أنظمة بمستوى تجرده من أي خُلق، وتحليه بكل صفات الإجرام، وآخر صيحاته مقتل الرئيس المنتخب الوحيد في تاريخ مصر الشهيد محمد مرسي.
تعلمنا الثورة التونسية أن النصر بحاجة لتوحيد الشعب بكامله، وراء مجتمع مدني مزدهر قوي، تعلمنا أيضاً أنه لم يعد من مكان للأيديولوجيات، في زمن المطالبة بالحقوق الأساسية للإنسان التونسي، بالحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة، تعلمنا أن المرأة هي نصف المجتمع عددياً وحقوقياً، قيادة ودراسة وإبهاراً وإنتاجاً، تعلمنا السير في طريق الحداثة، والابتعاد عن قيم عتيقة أكل الدهر عليها وشرب، لا تمثل إلا اضطهاد الآخر واحتقار المرأة، وسرقة حقوقها وتطبيق شريعة السلطان الحاكم والرعية الطيّعة، حتى الحركة الإسلامية التونسية أظهرت حداثة وانسجاماً نسبياً وتأقلماً مع مجتمع الثورة ومطالبها.
تعلمنا الثورة المصرية، أن تفاهم الثوار مع العسكر وبقايا النظام السابق، هو كارثة، وأن الفكر الإصلاحي لا يصلح في زمن الثورات، وحده إزالة النظام وكل أعمدته وبكل اشكاله، هو ما يمهد الطريق إلى النصر.
تُعلمنا الثورة المصرية، أن من يتحالف مع العسكر وبقايا النظام من الليبراليين واليساريين وأحزاب المعارضة التقليدية، لا يغيّر من طبيعة النظام العسكري، ولا يسمح بالانتقال السلمي للسلطة، تُعلمنا أن الأولوية هي لبناء الدولة الديمقراطية، وليس الاستيلاء على السلطة.
تُعلمنا الثورة المصرية، أن فقدان الفكر المستقل والارتماء بأحضان الأحزاب التقليدية بكل اشكالها، دينية أو علمانية، يسارية أو يمينية، لا يؤدي إلى نصر، هؤلاء لم يتمكنوا على مدار عشرات السنين إلا إنتاج شكل النظام المستبد نفسه حينما استلموا السلطة.
تٌعلمنا الثورات كلها على امتداد الأرض العربية، أن تحالف قوى الثورات المضادة، مهما كانت خلافاتها الظاهرية، هو تحالف دائم وقوي ومدعوم من كل قوى الظلم والاستبداد في العالم، ويمتلك ترسانة أموال طائلة لقتل ووأد الثورات، وهو ما يعني أنه يجب على ثورتي السودان والجزائر أن تتضامنا وتتكاتفا، بوحدتهما وسلميتهما ووحدة أهدافهما ووسائلهما، وذلك هو طريقهما إلى النصر، وهي تَعلَم جيداً أن فشل وسحق أي ثورة هو المقدمة لسحق وتدمير الثورات الأخرى.
نرى اليوم إصرار الثوار في السودان، على رفض مشاركة العسكر بقيادة المرحلة الانتقالية، وعنف رد المجلس العسكري، بفض الاعتصام وقتل العشرات، لهو دليل على صواب موقف الثوار.
نرى أيضاً في السودان والجزائر، رفض التيارات الدينية، حتى الوسطية، وليس فقط تلك التي شاركت في السلطة، وهذا دليل على نُضج الفكر الثوري، والتوجه الأكيد نحو قيم جديدة للثورات العربية، ترفع شعارات المواطنة والسلطة المدنية، وتعايش الأجناس والأديان، واضعة هكذا أُسس بحيث تعود الأمة، إلى قيم الحضارة الإنسانية الشاملة، مُبتعدة عن الفكر السلفي، الراكض إلى الخلف، بحثاً عن أزمانٍ ذهبية قبل مئات السنين، وكأن التاريخ قد توقف عندها.
هناك دروس كثيرة نتعلمها من تونس ومصر، وباقي الثورات العربية، ولكن هناك أيضاً العديد من الدروس التي نتعلمها من شعبي السودان والجزائر، وقد خطّا مساراً جديداً حداثياً، لثورات الربيع العربي الثاني، تختلف جذرياً عن ثورات الربيع الأول. يبقى على الثوار أن يُحددوا بأنفسهم، ما يحملونه من فكر، وما يسعون لتحقيقه من أهداف مُشتركة، خصوصاً في هذا الزمن الذي يجري فيه تغييب ومطاردة الكلمة الحرة والفكر المستقل، وكثر فيه المطبلون والمشكّكون بجدوى الثورة، والذين باعوا قلمهم وضمائرهم بأبخس الأثمان.

محلل ومراقب سياسي مستقل

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s