صفقة القرن سياسة الأسد والثعلب

نزار بدران

القدس العربي 25 شباط فبراير 2020

يُصنّف الكثيرون مشروع ترامب أنه وعد بلفور آخر، أي إعطاء فلسطين من جديد من لا يملك لمن لا يستحق، هذا قد يكون تعريفاً لما يُسمّى بصفقة القرن، وهي كما نرى جميعاً نتاج التوافق الأمريكي – الاسرائيلي الكامل، والتواطؤ العربي والتحاشي الأوروبي، ويُنذر بنكبة جديدة وتهجير آخر.
نستطيع أن نغوص كما يفعل الكثيرون بالتفاصيل والأسباب والظروف والنتائج وظُلم ذوي القُربى واضطهاد الاستعمار العالمي…الخ، ولكن السؤال الوحيد الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا، كفلسطينيين أولاً، هو ماذا يجب أن نفعل، وهل لنا تصور وسياسة مُحددة، لمواجهة المشاريع المُعادية.

الهدف المرجو

الحقيقة أن دراسة الموقف الفلسطيني، بكل أشكاله الرسمية، في غزة والضفة ودول الجوار، أو حتى المواقف الشعبية، يُظهر مدى فقر الفكر الفلسطيني، وانطفاء ما كنا نتصوره الشعلة الثورية الفلسطينية التي تضيء الطريق للآخرين.
علم السياسة بكل بساطة يقول، أنه لا توجد سياسات بدون وسائل مناسبة لتحقيقها. أن تُحدد رغبة ما لا معنى له، إلا بعد تأمين وسائل الوصول إلى الهدف المرجو. الوسيلة الفاعلة للوصول للهدف، تجمع دائماً بين القوة والذكاء، القوة وحدها، أو الذكاء والدهاء وحدهما، لا يكفيان، فالأسد رغم قوته لن يتمكن من تفادي الكمائن، والثعلب رغم دهائه، لن يتمكن من منع الذئاب من أكله. إن أردت أن تنجح بامتحان دراسة، فعليك أن تُذاكر وتقرأ، وإن أردت أن تحصل على حقوقك، فلن يكفيك البكاء، بل يجب أولاً تأمين الوسائل الفاعلة للحصول عليها.
من هذا المنظار، فنحن الفلسطينين ، قررنا بأنفسنا، ومنذ بداية السبعينات، أن نتخلى عن كل الوسائل المُتاحة للنضال وتحقيق الأهداف، فالحركة الوطنية الفلسطينية، قامت بعزل نفسها عن الشعوب العربية، واعتبار فلسطين ملكاً خاصاً للشعب الفلسطيني، الوحيد المُخول بتقرير مصيرها. وحتى يتلاءم الهدف مع الوسيلة، قمنا بتقزيم الأحلام الفلسطينية، من تحرير الوطن كاملاً من النهر إلى البحر، وإقامة الدولة الديمقراطية، وعودة جميع اللاجئين، إلى تحرير ما أمكن، والاكتفاء بأراضي 67 وصلنا بعد ذلك عبر اتفاقيات أوسلو، إلى تقزيم أكبر للأهداف، وهو إقامة دولة، ناقصة السيادة على غزة والضفة الغربية، والتغاضي الضمني عن حق العودة لكل فلسطين.
وبعد استشهاد ياسر عرفات، رفعنا شعاراً آخر لتقزيم الوسائل وهو، المفاوضات كوسيلة وحيدة للحصول على الحقوق، بينما لم تتوقف إسرائيل يوماً واحداً، من زيادة تسلحها وبكل الأشكال. تخلينا عن دور الأسد بالسياسة، واكتفينا بدور الثعلب، بدون كفاءة حقيقية. تقزيم الأهداف ووسائل النضال، ثم انحسار الدعم الشعبي العربي والعالمي، هو بسبب انعدام أي رؤية للقيادات الفلسطينة المُتعاقبة، لتمكين نفسها من الحصول على وسائل سياساتها، وعدم دمج النضال الفلسطيني التحرري بإطار عربي أكبر.
لم يأت التراجع عن الأهداف الأصيلة للشعب الفلسطيني، من تحرير كامل وطنه، بسبب قوة الأعداء والدعم اللامتناهي الإمريكي لهم، وإنما بسبب ضبابية الأهداف وعدم ملائمة الوسائل التي وُضعت لتحقيقها. يجب إذاً أن نأخذ منحى آخر، يهدف إلى وُضوح الرؤية وفعالية الوسيلة، الرؤية هي الحصول على الحقوق كاملة، والوسيلة هي القوة التي تتناسب مع هذا الهدف، والذكاء بربطهما.
مُقابل قوة اسرائيل وأمريكا ودعم حلفائهم، لا يمكن أن نضع فقط الشعب الفلسطيني، مهما كبُرت عزيمته واشتدت تضحياته، بل يجب وضع شيء موازٍ لذلك، أي مجموع الأمة العربية مدعومة من العالم الإسلامي والدول الصديقة.
وقعت الأمة العربية منذ فترة الاستقلال وطرد الاستعمار، تحت نير أنظمة، أهدرت مقدرات البلاد، وأكدت على التجزئة والفُرقة وغيّبت الجماهير العربية صاحبة القضية الفلسطينية الحقيقية.

النأي بالنفس

نحن إذاً كفلسطينيين، فضّلنا النأي بالنفس عن كل هذا ومُهادنة الجميع، والنتيجة هي ما نرى، الانتقال من السيىء للأسوء ، ومن تنازل إلى آخر، حتى أنه لم يتبق تقريباً ما نتنازل عنه، لنحصل على رضى إسرائيل وأمريكا، لا السكوت عن حصار غزة، ولا منع أي حراك جماهيري، حتى ولو كان سلمياً، على مدار سنوات طويلة ضد الاحتلال.
كيف إذاً ترجو هذه القيادات، أن يقف الشعب الفلسطيني، كرجل واحد خلفها، وهي التي جلست على الشرعية الانتخابية، حيث أصبحت الانتخابات بخبر كان، تحت حُجة الخلافات والنزاعات الداخلية، أو خصوصية القدس وغيرها من أعذار عجيبة يصعب قبولها.
المطلوب من الشعب الفلسطيني حقاً، هو أن يرفض كل أشكال التنازل السياسي عن حقوقه بكامل وطنه المكونة من 27009 كم مربع، وليس بُقع هنا وهناك، على خارطة ترامبية، تشبه سطح القمر.
المطلوب من الشعب الفلسطيني، أن يُعلن الرفض التام، بانتظار تبدل الأحوال، فلسطين هي جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، وحدها هذه الأمة من يستطيع أن يُشكل الوزن والقوة الكافية لتحريرها، وهو طبعاً ما نحن بعيدون عنه الآن. المطلوب إذاً هو عدم التنازل، إلى أن تستيقظ هذه الأمة، وهي في طريقها إلى ذلك، وما نراه هنا أو هناك، في دول عربية عدة، من انتشار للربيع العربي لدليل على ذلك، حروب حكومات الثورات المضادة، في دول عديدة أخرى، لمنع نجاح الثورات، لن يُغيّر شيئاً من مسار التاريخ، عاجلاً أم آجلاً ستعود فلسطين إلى حضن الأمة، وما تصريحات الرئيس التونسي، قيس سعيد، إلا دليل على ذلك، فدول وشعوب الربيع العربي، لن تقبل الحيف والظلم الواقع في فلسطين. سبعون عاماً من تفتت الأمة، هو من فتت المطالب الفلسطينية، ولن تتوحد هذه المطالب بمطلب واحد، وهو تحرير فلسطين وعودة شعبها، إلا عندما ينتهي تفتت الأمة نفسه.
نحن الفلسطينيين، علينا الآن أن نكون جزءاً لا يتجزأ من الربيع العربي، والذي لو تضامنا معه بدل أن نقف بوجهه، سيُعطينا تلك الوسائل الضرورية لتحقيق الأهداف والسياسات، التي نود اعتمادها لتحرير وطننا.
نأمل أن تكون المواقف المُعلنة حديثاً، من القيادة الفلسطينية، والبحث عن العودة للمبادىء وتوحيد الصفوف، قراراً استراتيجياً، وليس فقط جزءاً من سياسة بهدف الضغط للعودة للمحادثات بشروط أفضل، وأن تقع سياسة ترامب الهوجاء بكمائن لم يرها لأنه تبنى فقط سياسة الأسد ونسي دور الثعلب بعكسنا تماماً.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s