مسلمو فرنسا بين ألمتاجرة والإسلاموفوبيا. القدس العربي 05/11/2020 نزار بدران

مسلمو فرنسا  

بين المُتاجرة والإسلاموفوبيا

د. نزار بدران

نتعرض نحن المسلمون المقيمون بفرنسا، لمن يحاول بشتى الوسائل، تمثيلنا والحديث بإسمنا من الخارج، وأقصد بشكل خاص، بعض الدول الإسلامية، وعلى رأسها تركيا، مستغلين ما قد يواجهه المسلمون من مصاعب مرتبطة بتقدم اليمين المتطرف وفكره العنصري.

العمليات الإرهابية بفرنسا، خطاب الرئيس ماكرون عن وضعية المسلمين داخل البلد، الصور الكاريكاتورية المنشورة بالصحافة، الموصوفة بالإسائة للرسول الكريم، تُفَسر وتحلل على أنها جزء من حملة فرنسية ضد المسلمين، ومحاولة للنيل من حقوقهم.

لو تركنا القلم والورقة لأبناء هذا البلد من المسلمين، لقالوا شيئاً آخر، فنحن هنا، مواطنون كالآخرين. وحده استعمال الدين الإسلامي السياسي من طرف بعض الدول، ومجموعات سياسية إسلامية، من يدفع باتجاه التمييز، وإظهار الجالية على أنها شيء آخر، وضحية للظلم الرسمي الفرنسي.

الإحصائيات المعلنة بفرنسا، تُظهر بوضوح، قرب المواطن المسلم بفرنسا، من قيم هذه الدولة، القادمة من الثورة الفرنسية، أي العلمانية، بما تعني من إخراج الدين من الأطر السياسية والقانونية، وقيم الجمهورية، والتي تعني حرية الناس والمساواة والتآخي بينهم.

يكفي أن نقبل أن نعطي أنفسنا جزءاً من الوقت، لسماع رئيس جامع باريس الكبير، السيد شمس الدين حافظ، وهو رجل مستقل، لا يُمثل الدولة الفرنسية، بل المواطنين المسلمين، أو رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، السيد محمد موسوي، أو أئمة جوامع أكبر المدن الفرنسية، بلا استثناء، لنعلم أنهم يتناقضون تماماً، مع الروايات التي يقصها ليلاً نهاراً، الإعلام التابع للإسلام السياسي، والإعلام الشعبوي، لخلق الأكاذيب. لم يقل أحد من هؤلاء، أن خطاب الرئيس ماكرون يُثير الكراهية ضد المسلمين، لم يقل أحد منهم، أنه ضدها ويرفضها، بل استبقوا الحدث، وقالوا أنهم كانوا قبل الرئيس الفرنسي، دعاة لهذا الفكر التنويري.

هم يطالبون بإسلام فرنسي، وأئمة فرنسيين منذ زمن، ولكن الدولة الفرنسية لم تهتم بذلك إلا حديثاً. هم من كانوا يطالبون بتعليم اللغة العربية بالمدارس، للحفاظ على لغتهم ونشرها، هم من كانوا يأملون، أن تدخل الدراسات الإسلامية، حضارة وتاريخاً للجامعات، وهي التي اختفت منها منذ عشرات السنين. كل هذه الأشياء التي قالها الرئيس، هي بالحقيقة استجابة لدعوات مسلمة قديمة بفرنسا، وليس بها أي بُعد إقصائي أو انتقاص حقوق. المطالبة بإشراك أوسع للشباب، بالحياة الاجتماعية والسياسية، عن طريق التعلم والعمل، هو أيضاً مطلب مسلم، لأننا كنا نشعر دوماً بالتهميش في هاتين الحالتين خصوصا بالضواحي، وهو ما وعد الرئيس ماكرون بالعمل عليه.

 الأحداث الإرهابية الأخيرة، تُبعدنا بكل تأكيد عن كل هذه المكتسبات، وتُعيدنا لمربع اللامواطنة، والعدو الداخلي أو الطابور الخامس. قتل معلم بمدرسته، أو إمرأة عجوز تصلي بكنيستها، أو أي إنسان، هي جريمة لا تُغتفر، ولا يمكن لأي مسلم بفرنسا، أن يجد لها تبريراً، أو تفسيراً عقلانياً اجتماعياً أو غيره، وربطها بإعادة نشر صور كاريكاتورية، بإحدى الصحف الساخرة الفرنسية، هو تلاعب بعقول البسطاء، وعكس معادلة السبب والنتيجة. المواطنون الفرنسيون المسلمون، يعلمون تماماً، أن الفكر الإسلامي المتطرف، لا يتغذى إلا من الجهل، وتأليب المشاعر والانفعالات والنظر دائما إلى الماضي.

يُتهم الرئيس ماكرون، بأنه قد اعتبر الدين الإسلامي مصدر الإرهاب، هذا الكلام خاطيء جداً، لا أحد ممن يعرف اللغة الفرنسية (كأبناء الجالية هنا)، قد سمع شيئاً من هذا القبيل، كلمة مسلم، مثل رجل مسلم، هي musulman، كلمة إسلامي، مثل ثوب إسلامي، هي islamique، وكلمة، إسلاموي، بمفهوم الانتماء إلى الفكر السياسي الإسلامي، هي islamiste، لم يستعمل ماكرون لا كلمة مسلم ولا كلمة إسلامي، بل كلمة إسلاموي، عندما تكلم عن الإرهاب، تماماً مثلما يكتبه كتابنا العرب، المحترمون للدين، عندما يتكلمون عن داعش. أن لا نفهم اللغة الفرنسية شيء، وأن نخترع التصريحات على لسان ماكرون، هو شيء آخر. نفس الشيء بالنسبة للصور المنشورة، فالذي دافع عنه ماكرون، هو حرية الصحافة بالنشر، وليس بالتحديد الصور المعنية، هذا ما أكده شيخ جامع باريس الكبير، وغيره من الشخصيات المسلمة، عند لقائهم بالرئيس، وتصريحاتهم موجودة في الإعلام. وللعلم، المحاكم والقضاء الفرنسي، ينظر دائماً بشكاوى ضد صحف عدة، من طرف رجال سياسة، أو من يعتبر نفسه مُهاناً.  للأسف لا أحد بالخارج، يكترث بما يقوله هؤلاء أو يستمع إليهم، وهم المعنيين بالأمر، ومن يمكن تسميتهم بممثلي الجالية المسلمة. 

دخول السيد أردوغان على الخط، وبهدف مفضوح، وهو استعمال قضية مُختلقة بنزاعاته السياسية مع فرنسا وأوروبا، أدى لإعطاء بُعد شعبي إسلامي، لمشروع التنديد بتصريحات ماكرون المُختلقة، حيث يتحرك الناس، بناءاً على مشاعر، تهم معتقداتهم الدينية، وقد استسلموا لما تكتبه الصحافة والإعلام العربي أو التركي. 

استعمال السيد أردوغان، للجالية المُسلمة، بوصف وضعها، بأنه أشبه بوضع اليهود، أيام اضطهادهم بأوروبا، هو افتراء، كَذَّبَه مباشرة ممثلوا الجالية بفرنسا، ولكن طبعاً، لا أحد يهتم أو ينقل تصريحاتهم. الرئيس التركي، يستطيع فعلاً التنديد ومقاطعة الصين، لما تفعله بملايين المسلمين هناك، وهذا يبدو أنه لا يعنيه، لأسباب تجارية، تاركاً ذلك للغرب. بإمكانه مقاطعة إسرائيل لحصارها غزة، بإمكانه مقاطعة أمريكا لإعلانها القدس، أولى القبلتين وثاني الحرمين الشريفين، عاصمة لإسرائيل، بإمكانه التنديد، بتدمير سوريا ومدنها، بطائرات حليفه الروسي بوتين، أو التنديد بالعسكر الحاكمين ببورما، لطردهم كل أبناء الجالية المسلمة إلى بنغلاديش.

بإمكان الرئيس التركي، أن يُعطي الأكراد، بشرق تركيا، حقوقهم، وأن يُخرج الصحفيين المعتقلين من السجون، بدل البكاء على حرية التعبير بفرنسا، بإمكانه التوقف عن اللهاث وراء أوهام إدخال تركيا الاتحاد الأوروبي، والذي يرى به عدواً للمسلمين، بدل إقامة تجمع إسلامي، مقابل التجمع الأوروبي، ودعم الثورات الديمقراطية، بإمكانه أخيراً، التذكير بأربع قرون من الاحتلال والتخلف، للوطن العربي وبسفر برلك.

الرئيس التركي، ووسائل إعلامه، ومن يسمع ما يقول، وكأنه حقيقة، هم أكبر خطر على الجالية المسلمة بفرنسا، ومن سيزيد التطرف.

المسلمون هنا، لهم خيار، أن يبقوا صامتين، منتظرين وصول مارين لوبين اليمينية المتطرفة للسلطة، حيث سيكونون بعدها، حقيقة، ضحايا لسياساتها التميزية، وحينها لن تنفعنا تصريحات أردوغان بشيء، أو يقفوا بوجه المحرضين، أتراكاً وعرب، واسترجاع حقهم بالتعبير عن أنفسهم، بالمشاركة بوضع السياسات المستقبلية، لما يتعلق بالممارسة الدينية والاندماج المجتمعي. التطرف اليميني الفرنسي، يتغذى بشكل يومي، من عدم مشاركة الجالية الفعال، بالعمل السياسي والاجتماعي. التنديد بالعمليات الإجرامية، والوقوف بجانب مكونات الشعب الفرنسي، بهذه المحنة، هي أفضل وسيلة لطرد شياطين العنصرية والكراهية والإسلاموفوبيا.

كاتب ومحلل سياسي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s