هل أنت سعيد ؟. نزار بدران

 هل أنت سعيد؟

كنت جالساً على مقعد خشبي بإحدى ساحات باريس،  وهي ساحة مربعة مُحاطة بأبنية متشابهة،  مُصممة بأسلوب القرن الخامس عشر،  ويتوسطها تمثال لأحد ملوك فرنسا،  يُحيط به مجموعات من المساحات الخضراء والنوافير،  حيث تعج بالناس عندما يأتي الربيع،  وتبدأ الشمس بالظهور لتدفئة قلوبهم.  
تقدم مني رجل بالخمسينيات وسألني: 

 –  هل أنت سعيد؟  

كما يبدو فقد لاحظ هذا الرجل غرقي بأحلامي،  وقد أعطيته انطباعاً بالحزن.  كنت نادرا ما اطرح هذا السؤال على نفسي،  هل أنا سعيد؟  وإن كنت كذلك،  فكيف لي أن أعرف؟  تذكرت عندها ما قالته لي إحدى صديقاتي،  وهي ممرضة بإحدى المستشفيات التي عملت بها،  عندما سألتها إن كانت سعيدة.

– نحن أبناء جزر الكراييب،  نحمل السعادة داخلنا،  ولسنا بحاجة لشيء حتى نكون سعداء.  حكمة بالغة عندما نعرف أن ماري ملاك،  وهذا اسمها،  قد توفيت عن عمر ثمان وأربعين عاماً،  من مرض وراثي أخذته عن أمها.  حتى آخر يوم بحياتها،  كنت أراها والابتسامة تعلو شفتيها،  وكأن الحياة تضحك لها،  قائلة،  سأنتصر على المرض.

نحن سعداء عندما نحمل السعادة بأنفسنا،  وكيف لنا أن نفعل ذلك؟  ماري ملاك لم تقل لي ما هي طريقتها،  ولكن عندما نرى بشرتها السمراء،  وتاريخ الاستعباد الذي كان نصيب أجدادها قبل التحرر،  نفهم أن مفهوم السعادة هذا كان أحد وسائل سكان هذه الجزر للبقاء على قيد الحياة،  وإلا لانتهوا نفسياً وجسدياً.
 
ولكن ماذا سيفعل هؤلاء الذين لا يحملون السعادة داخلهم،  وهم كثر.  ذكرني ذلك بالعديد من معارفي بالعمل والحياة،  لكل وسيلته الخاصة للبحث عن السعادة.  هناك من ينغمس بالعمل خصوصاً إن كان عملاً مُختاراً.  هل العمل يُعطي السعادة؟  قد يكون ذلك صحيحاً لو كان الناس يحبونه،  ولكن الغالبية العظمى منا،  تنتظر نهاية يوم العمل بفارغ الصبر،  ومع ذلك فلو لم نعمل لكنا أكثر بؤساً.  لم أجد حتى اللحظة أناساً لا يعملون وسعداء بسبب ذلك،  حتى ولو لم يكونوا بحاجة مادية للعمل،  فهم يبحثون دائماً عما يسمونه “القيام بعمل مفيد للمجتمع”.  هم إذاً سعداء عندما يقومون بشيء من هذا القبيل.  حق التقاعد هو أحد مطالب الطبقة العاملة الأساسية،  والذي تمكنت بالعديد من الدول من الحصول عليه،  ولكن ماذا يفعل الناس عندما يتقاعدون؛  البحث عن شيء يشغلهم،  حتى لو كان دون أجر.

لكثرة المعارض الفنية بباريس،  وخصوصاً للرسامين،  كنت أظن أن الفن هو أحد الوسائل الأساسية للحصول على السعادة،  فسألت أحد أصدقائي،  وهو رسام مشهور من أصل روسي،  عن مردود الرسم على نفسه وسعادته،  فقال لي مُتنهداً:

–  لا تدوم سعادتي بالرسم،  إلا عندما أمارسها،  بعدها تتكدس اللوحات في المخزن،  ومن الصعب أن أجد من يشتريها.  ولكني أستمر بالرسم لأني لا أتصور نفسي دون ذلك.  الرسم هو ما يعوضني عن نقص العطف الذي كان من نصيبي طفلاً،  ويُعطيني نوعاً من النشوة،  قد لا أستطيع الحصول عليها ببساطة في المجالات الأخرى؛  فالأعراف الاجتماعية،  لا تسمح لي مُعاشرة أي امرأة تُعجبني،  أو أكل أي وجبة أحبها.  سعادة صديقي الفنان هي إِذَا بديل للملذات التي لا يستطيع الحصول عليها،  وقد تكون وسيلته أيضاً للتسلل لها.  أما بالنسبة لمحبيه،  ومُشاهدي رسوماته،  فهذا يشحذ خيالهم ويُعوضهم مؤقتاً عما لا يستطيعون تحقيقه من ملذات.  
 
لم أر في حياتي امرأة نرجسية مثل صديقة تمتلك مؤسسة للطباعة،  فهي كانت تظن أن الطبيعة (وليس الطباعة)،  لم تخلق مثلها على وجه الأرض.  لم تكن سعادتها ببيع الكتب وطباعتها والتعرف على الْكُتَّاب،  مشاهيرهم ومغموريهم،  وإنما أن يمتدح الناس عملها ويُثنون عليه،  هي لا تعيش إلا من خلال تلك المرآة،  التي تعكس لها ما تتصوره صورتها بعيون الآخرين.  بهذه الطريقة تجد السعادة من خلال الانكفاء على نفسها وليس عند الآخرين.  هي عكس هؤلاء الآخرين الذين تزداد سعادتهم،  بتزايُد فتوحاتهم العاطفية،  فهم يبحثون عنها دائماً خارجهم.

سألت نفسي هل اَلتَّدَيُّن يجلب السعادة؟  ولكن هؤلاء الناس وهم كُثر،  يتشابهون تماماً ويُمارسون نفس الطقوس،  وقد طُلب منهم أن يبتعدوا عن ملذات الدنيا،  ومصادر سعادتها المادية والنفسية،  للتركيز على التسامي والابتعاد عن الجسد والاقتراب من الروح.  قد نجد شيئاً قريباً من ذلك عند أتباع اليوجا.  بالنسبة لي،  هذه الطريقة للحصول على السعادة،  هي أكثرها ابتعاداً عن حقيقة البشر ورغباتهم،  وكأنها كمن يُحاول دائماً السباحة عكس تيار النهر،  فهذا ينهكه ولا يوصله إلى المنبع.  بعض ديانات شرق آسيا القديمة،  تمشي مع التيار ولا تُعارضه،  ولكنها تُهذب السابح والنهر وتزيل منه الصخور وكل ما قد يُشكل خطراً للسابح وللآخرين،  هذا للأسف ما لا تفعله الديانات التقليدية.

أحد أصدقائي بالعمل،  وهو طبيب نفسي يُدعى فريد،  قال لي يوماً:

–  لا تبحث عن السعادة فهي غير موجودة،  فالبحث عنها ليست غريزة زرعتها الطبيعة بنا.

–  ولكن أليس البحث عن الملذات يؤدي للسعادة،  وهي غرائز فينا؟

– الملذات،  أجابني صديقي الطبيب النفسي،  لا يمكن أن تكون إلا لحظية،  بينما البحث عن السعادة هو البحث عن حالة دائمة أو على الأقل طويلة الأمد،  وهو ما يتناقض مع مفهوم اللذة المبني على النشوة.

– ولماذا لا تكون النشوة حالة من السعادة؟

– النشوة هي حالة قصيرة جداً كما تعرف،  وإلا فستفقد جاذبيتها،  فمثلاً إن كنت تحب شراباً معيناً ستنتشي عندما تشربه،  ولكن لو فعلت ذلك بشكل متكرر ومُتقارب،  فستختفي هذه النشوة.  فاللذة وابنتها النشوة،  هو شعور لا يمكن أن يوجد،  إلا إذا كان لحظياً،  أي قصير الأمد.  حينها سألته:

– وهل الحب هو مصدر سعادة؟

– سؤال مهم حقيقة،  هناك من يبحث عن السعادة من خلال حُب الآخر،  أو يكون هو نفسه موضوعاً للحُب،  ولكن المُحِب يضع نفسه بموقع هش جداً،  فلا يوجد أسوأ من أن يفقد الإنسان المُحب موضوع حُبّه،  فتنعكس هذه السعادة،  إلى بؤس كامل.  تذكر قصة صديقنا م. ب.،  والذي قتل نفسه شنقاً،  عندما هجرته زوجته لتعيش حُبًّا جديداً.

– وكيف يمكن أن نحصل على السعادة إذاً؟

– بدرء المخاطر،  أجابني فريد،  وهي الغريزة الوحيدة الموجودة بنا منذ البدء.

– أي مخاطر؟

– مخاطر الطبيعة،  مثل الزلازل والكوارث الطبيعية أو الأمراض،  ولكن أكبر خطر يُهدد سعادة الإنسان هو الظلم الاجتماعي. 


– أكثر من الكوارث الطبيعية؟

– أكثر بكثير،  من أحد أسباب اَلتَّدَيُّن الرئيسية هو هذا اَلظُّلْم،  فالدينُ يحاول أن يُهَدِّء نفس المظلوم،  عن طريق وعد إلهي بالعدل في حياة أخرى،  عندما يَعِزّ ذلك بالدنيا.

– وهل هناك وسائل أخرى؟

– المجتمع قد يُشكل للبعض مصدر بؤس،  فيبتعدوا عن الاختلاط بالناس،  وقد يصل الأمر إلى الاعتزال الكامل،  وإيجاد حياة خاصة خارج المجتمع،  كما يفعل بعض الرهبان.  ثم استأنف صديقي الطبيب النفسي:

– نحن بحاجة إذاً لنكون سعداء،  إلى وسائل لدرء الأخطار،  وأخرى لدرء الأمراض،  وهذا العلم كفيل به قدر المُستطاع،  ولكن أهم شيء هو الحصول على العدالة الاجتماعية وتأمين الحقوق.  

صديقي الطبيب النفسي،  وضع إصبعه على موضع الحقيقة،  فالفراشة ليست بائسة،  رغم قصر عمرها،  فهي تلون نفسها لدرء الأذى عنها،  وقد يكون ذلك مصدر سعادتها،  وسعادتنا برؤيتها.

–  لماذا لا تُجبني على سؤالي؟  قال الرجل وقد نسيت وجوده أمامي،  بالساحة الباريسية المربعة،  ثم أردف:

– هل أنت سعيد؟

– لا أدري يا صديقي أجبته،  فأنا لا أسأل نفسي هذا السؤال.

– وكيف ذلك؟  ألا تعرف اسمك؟  أنا أبحث عن رجلٍ يُدعى سعيد،  أعطاني موعداً بهذه الساحة.

قصة من خيالي كتبتها بناء على مفهوم سيجموند فرويد للسعادة

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s