خيارات روسيا المُرَّةالقدس العربي ، نزار بدران ، 15/10/2022

الحرب الروسية على أوكرانيا تزداد استعارا وعنفا. صلابة الصمود الأوكراني شعبا وجيشا وقيادة، محصنا بالدعم الغربي؛ الأمريكي بشكل خاص، لم يسمح لبوتين بتحقيق خطته الأساسية، أي الانتصار السريع وتغيير النظام وتنصيب نظام عميل.
هذا ما دفعه إلى تخفيض سقف آماله والاكتفاء بضم المقاطعات الشرقية الناطقة باللغة الروسية، ولكن في ظل وضع جيش مهزوم في أرض المعركة وغير قادر على إيقاف تقدم الجيش الأوكراني، ما يعني أن هذا الهدف الاخير على محدوديته اصبح بدوره صعب المنال. حتى ضم شبه جزيرة القرم عام 2014 التي سكت عنها الغرب، عادت من جديد إلى الواجهة مع ضرب الجسر الذي بناه الروس، وما تلاه من قصف صاروخي روسي عنيف لإرهاب المدنيين كما تفعل المنظمات والأنظمة المافوية عندما تنهزم في ميدان المعركة.

سيناريوهات محتملة

إلى أين تتجه إذا الحرب الروسية على أوكرانيا، وهل من سيناريوهات محتملة للخروج منها ؟
لمعرفة ذلك لا يكفي رفع الشعارات الرنانة المنتقاة من ملف الحرب الباردة ، فهي لم تعد تعبر عن واقع ملموس.
علينا أن نتصور ما سيحدث بناء على طبيعة القوى المشاركة في الصراع وإمكاناتها العسكرية والمادية وتحالفاتها الدولية وأهدافها بعيدة المدى.
أولا نظام الكرملين أو بالأصح نظام بوتين هو أقرب إلى سلطة طغمة منه إلى نظام سياسي، هذه الطغمة لا تعبر عن حقيقة الشعب الروسي، يكفي لإدراك ذلك رؤية طوابير الشباب من الطبقة الوسطى المتعلمة، وهم يصطفون على حدود دول الجوار هربا من التعبئة العامة، خوفا من موت محتمل على جبهة لا تعنيهم ولا تعني مستقبلهم، كازاخستان وحدها استقبلت أكثر من مئتي ألف مواطن روسي هارب، ويزيد العدد الإجمالي عن سبعمئة ألف.
هذا النظام لا يهدف في حقيقته إلا إلى بقائه نفسه وإحكام السيطرة على روسيا وشعبها ، وليس كما يدعي الحفاظ على أمن روسيا وتدمير الغرب وتغيير قواعد اللعبة الدولية.
من ناحية القوة هو يمتلك جيشا كان يعتبر الثاني في العالم ، بالإضافة لترسانة نووية هي الأولى. أما اقتصاديا فهو يعتمد بشكل كبير على الدخل الريعي النفطي والغازي وخصوصا المصدر لأوروبا، ولا يتجاوز دخلها القومي الدخل القومي الداخلي لإسبانيا. على عكس أوكرانيا ، ليس للرئيس الروسي حلفاء يتبنون سياساته العدوانية واحتلاله لأجزاء من أوكرانيا.

البعد الاقتصادي

هؤلاء الذين يعتبرهم بوتين حلفاءه الكبار وهم الهند والصين لا يهمهم إلا البعد الاقتصادي لروسيا من ناحية تصدير الطاقة والأسلحة، وليس الدخول في مواجهة مع الغرب الذي يمثل أهم الأسواق أمام منتجاتهم، وتتمسك هي أيضا بمبدأ سيادة الدول، وامتنعوا عن التصويت على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الاخير بخصوص ضم الأراضي الأوكرانية لروسيا، ذلك القرار الذي دعمته الأغلبية الساحقة من دول العالم، مظهرا عزلة روسيا المتنامية.
روسيا البيضاء الحليف الوفي بسبب ارتباط نظام لوكاشنكو بإرادة بوتين الذي ساهم بدعمه قبل بضع سنين أمام انتفاضة شعبية عارمة، تجد نفسها بين نارين روسيا من جهة وشعب أثبت على أرض الواقع رفضه للحرب الروسية.
أما إيران وكوريا الشمالية فهما أقل بكثير من أن تعادل بدعمهما العسكري ما يقدمه الغرب لأوكرانيا.
لا يجمع كل هذه الدول أي تحالفات عسكرية على مستوى دول حلف شمال الأطلسي، بل لها في بعض الأحيان خلافات وحروب.
بالنسبة لما قد يسمى الحليف العربي كموقف تلك المشاركة في منظمة أوبيك بلس، بخفض مستوى الإنتاج لزيادة أسعار النفط خدمة لبوتين، مواقفها تندرج في حقيقتها في حرب هذه الدول ضد الربيع العربي، مظهرين تحالفهم الطبيعي مع نظام استبدادي بدأ في الانهيار، وكأن ذلك سيغير شيئاً في نتيجة الحرب.
الاحتجاجات الشعبية في إيران تزيد الخوف بوصول العدوى إلى هذه الأنظمة نفسها. التقارب بين دول الخليج وروسيا بدأ منذ سنوات عدة في مجال الدعم العسكري والتنسيق النفطي.
كان ذلك ممكنا بسبب عدم اكتراث أمريكا بذلك، النموذج السوري مع تراجع أوباما وترك المكان لروسيا هو أحد أهم مظاهر هذه السياسة.
أما الآن فالأمور قد تغيرت ولم يعد هناك مكان لروسيا من المنظار الأمريكي. لذلك فإن هذه السياسة العربية تجاه موسكو ستجد حدودها قريبا، يرجع ذلك إلى الهيمنة الأمريكية الكاملة منذ عشرات السنين على هذه الدول خصوصاً على مستوى الحماية العسكرية لأنظمتها، وهي من يزودها بالسلاح والعتاد وليس روسيا. للأسف الدول العربية على غناها إلا أنها فاقدة للسيادة الوطنية ولا تملك قرارها بنفسها.
بالنسبة لنا كشعوب فنحن لن نقبل من منطلق العروبة التحالف مع من احتل سوريا وشرد أهلها وقتل أطفالها ودمر أجمل مدنها، ومن منطلق أننا مسلمون لن نقبل التحالف مع من دمر الشيشان وقتل ربع سكانها، ومن منطلق التضامن الإنساني لن نقبل كبشر أن تحتل دولة دولة أخرى ونحن في فلسطين نعاني من احتلال أجنبي منذ عشرات السنين ونطالب جميع الشعوب التضامن معنا.

المعايير الحضارية

في المقابل فنظام الحكم في كييف هو نظام منتخب ديمقراطيا حسب كل المعايير الحضارية الحديثة. لذلك يستطيع دون وجل ولا كذب التعبير الحقيقي عن الشعب الأوكراني، وتعبئته ودفعه إلى النصر. وهو ما نراه يوميا مع بسالة المقاتلين الأوكرانيين على كل الجبهات والتفاف الشعب حولهم.
تمكنت أوكرانيا على مدى العشر سنوات الماضية من بناء جيش مجهز بأحدث الأسلحة، وهو مدعوم بشكل كامل وقوي من حلف شمال الأطلسي، وكافة الدول الغربية في العالم.
هذه المرة اكتشفت هذه المجموعة دور أوكرانيا الاستراتيجي في الدفاع عن أوروبا نفسها، والتي كانت تعتقد أنها بعيدة عن التهديد العسكري. هذا التحالف الذي تقوده الولايات المتحده يتعدى كونه تحالف مصالح آنية إلى تحالف لبناء مستقبل أكثر امنا. اكتشف الغرب أن أحلام السلام الدائم بعد الحرب العالمية الثانية وزوال الخطر السوفييتي كان خطأ تاريخيا يدفع ثمنه الآن من أمنه واقتصاده وسيادته. لذلك سيدعم أوكرانيا حتى النصر وإن احتاج الأمر فقد يشارك أكثر مباشرة بالقتال. هؤلاء المراهنون على تفكك التحالف الغربي خاطئون هذه المرة.

حرب نووية

على ضوء هذه الصورة للقوى الفاعلة ، ما هي احتمالات مستقبل الحرب ؟
الاحتمال الأول هو التوسيع في اتجاه حرب نووية، بعد فشل الحرب التقليدية الروسية في تحقيق أصغر أهدافها، هذا ممكن نظريا بسبب امتلاك روسيا ما يكفي لتدمير الكرة الأرضية، إلا أن هذا لا يتوافق مع طبيعة النظام، فهو يهدف أولا وأخيرا إلى البقاء وليس الانتحار أو تدمير عدو مفترض، خصوصاً أن هذا العدو كان أكبر داعم للاقتصاد الوطني بشرائه الغاز والنفط، كما أنه سكت عن كل انتهاكات حقوق الإنسان. نحن نعلم أن الاوليغارشيا الروسية تستثمر رؤوس أموالها المنهوبة في الدول الغربية بشكل عام بدل فعل ذلك في روسيا أو الدول ذات الأنظمة المشابهة. هذا الاحتمال يبقى مؤجلا حتى ولو هدد بوتين العالم بسلاحه النووي ليلا نهارا، الشعار الذي يحمله هو ” البقاء في السلطة مهما كان الثمن”.
الاحتمال الثاني هو الانتصار الأوكراني التام واسترجاع الأراضي المحتلة، هذا ممكن من الناحية الواقعية ونحن نرى تقدم الجيش الأوكراني. لكن هل سيقبل الروس بهزيمة عسكرية تدمر سمعتهم لسنوات طويلة كمصدر لبيع الأسلحة ، وكقوة مؤثرة.
الاحتمال الأكبر هو أن تتجه روسيا نفسها إلى محاولة الاحتفاظ بالقرم، عبر وضع مستقبل المقاطعات الأربع المضمومة مؤخراً على طاولة المفاوضات، وقد تدفعها ثمنا للحفاظ على ملكية شبه الجزيره وديمومة النظام، بدل خسارتها عسكريا دون مقابل.
الاحتمال الثالث هو نتيجة ما نراه حاليا من تململ داخل مراكز القيادة في الكرملين، واحتمال تغيير داخلي شكلي عن طريق إزاحة بوتين والبدء في مفاوضات على القاعدة نفسها أي الإبقاء على ملكية القرم وديمومة النظام دون بوتين.
الاحتمال الرابع هو تحرك الشعب الروسي نحو ثورة للإطاحة بالنظام وبناء روسيا ديمقراطية. للأسف لم يعودنا الشعب الروسي في تاريخه الحديث على مثل هذه الثورات، هروب مئات الآلاف حالياً من التجنيد إلى دول الجوار بدل الاحتجاج دليل على ذلك، قد يرجع ذلك لعدم وجود قيادة معارضة فعالة أو تنظيم معارض شعبي، الشعب الروسي يعيش في حالة تشرذم وتفكك كما يحدث في الدول ذات الأنظمة المستبدة والتي لا تترك مجالا لأي معارض.
لكن احتمالات ما بعد الحرب قد تكون أسوأ من الحرب نفسها لروسيا، فنحن أمام قوى غربية مسيطرة في كافة المجالات ولن تقبل أن تجد على حدودها دولة تشكل لها ولمستقبل شعوبها خطرا وجوديا مثل الخطر النووي. لذلك فهذه الدول بقيادة الولايات المتحده الأمريكية ستتجه على أقرب الظن إلى نوع يشبه سقوط الاتحاد السوفيتي، أي انفراط عقد الفدرالية الروسية، وتجريدها من ترسانتها النووية كما فعلوا سابقا مع أوكرانيا نفسها. الولايات المتحده سبق لها أن فعلت ذلك في العراق لإنهاء أي خطر منه نحو إسرائيل، وتاريخ الغرب يظهر مدى مقدرة هذه المجموعة على تقسيم الاخرين، مثل الهند من قبل بريطانيا أو تقسيم الإرث العثماني والذي ما زلنا نعيش آثاره بعد قرن، وأمثله عديده أخرى.
الأحداث علمتنا دائما في مناطق كثيرة في العالم أن المتوقع لا يحدث في أغلب الأحيان، وأن التاريخ يقرر بنفسه إلى أين يذهب، لذلك فالاحتمال الأخير هو قرار التاريخ وليس قرار من يصنع التاريخ. وكما قال أحد المؤرخين الكبار ” هؤلاء الذين يصنعون التاريخ لا يعرفون أي تاريخ يصنعون”

الإعلان

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s