ما يضيرنا وما لا يضيرنا في مسألة الجزر

 

ما يضيرنا وما لا يضيرنا في مسألة الجزر

نزار بدران

تخلت مصر، قبل أيام، عن جزء من جزرها بالبحر الأحمر، للمملكة العربية السعودية، هذا لا يُضيرنا، لو كان هناك مشروع عربي وحدوي، يمحي الحدود التي لا فائدة منها لأحد، ويجعل ملكية الأرض العربية لكل سكانها، مهما ابتعدت أقطارهم وتناثرت مدنهم.

هذا لا يضيرنا، لو كان هناك حكم ديمقراطي سعودي وآخر مصري، يبحثان عن سعادة شعبيهما ورفاهيتهما، ويربطان بلدهما بالجسور، ويُستثمر المال العربي السعودي، لإعمار ونهضة شعب مصر، وقُدرات هذا الأخير لإعمار السعودية ورفاهية سكانها.

هذا لم يكن ليُضيرنا، لو اختار سكان هذه الجزر، أو أي أرض أخرى، الانضمام للكيان السعودي، بعد استشارة الشعب المصري قاطبة. هذا لم يكن ليُضيرنا، لو صدق البرلمان المصري المُنتخب بحرية من شعبه، والبرلمان السعودي المُنتخب الحر، على هذه الاتفاقية، أو لو اُستُفتي الشعبان على ذلك.

هذا لا يُضيرنا، لو كان هناك خلاف سعودي مصري على هذه الجزر، حُل بالتوافق والتنازل المُتبادل، ولكن هذه الجزر لم تكن محل أي خلاف.

ولكن للأسف، هذه الحالة هي فقط، عملية تجارية بحتة، يبيع بها النظام المصري، جزءا من الأرض من أجل حفنة من الدولارات السعودية، حتى يُسمن بها الفاسدون والمُفسدون، ومن حكم مصر بالحديد والنار، منذ انقلاب 2013، هو الذي لا يملك إلا سيادة جزئية على سيناء، ويتجاوب مع طلب إسرائيل، كما قال وزير حربها حديثاً، موشيه يعالون، بوجوب عدم إمكانية إعادة تجربة عبد الناصر، الذي أغلق بواسطة هذه الجزر، مضيق العقبة أمام السفن الإسرائيلية، قُبيل حرب 1967.

نقل السيادة، والتي تعتبرها الدول ذات قُدسية، تُخاض من أجل حمايتها الحروب، ويستشهد الشباب، حتى لحماية متر مربع واحد منها. ليس في بال اهتمام أنظمة الحكم الاستبدادية، بكل بقاع الوطن العربي، هذه الأنظمة ليست فقط، استثناء بالعالم، السائر بكل بقاعه نحو الديمقراطية والحرية، هي ليست فقط سارقة لثروات الوطن، ولكنها أيضاً خطر على وجوده المادي. فجنوب السودان ذهب بلا عودة، وقد يتكرر ذلك في دارفور بغرب البلاد. بعد أن عرفنا خلال الثلاثينيات من القرن الماضي، بلاد وادي النيل الموحد (مصر والسودان).

النظام السوري وتجزئته لسوريا، الجارية على قدم وساق، وإدخاله جيوش روسيا وأيران، مع مطامعهما الإقليمية. جزر الخليج العربي، طُنب الصغرى والكبرى وأبو موسى، والتي لم تعد جزء من الجغرافيا العربية. سبتة ومليلية المغربيتين، لم يعد يطالب بهما أحد، ولا ننسى فلسطين، التي لم تعد تمثل بالنسبة للسياسة العربية، إلا أقل من عشرة بالمئة، من تراب فلسطين التاريخي، والاعتراف بإسرائيل على معظم ترابها.

الحراك العربي الديمقراطي، وعودة السلطة إلى الشعب، والذي هو هدف الربيع العربي، لن يكون فقط لحماية المواطن، من الإهمال والاستبداد وإعادة حقوقه الشخصية والإنسانية، ولكن أيضاً لحماية الوطن من التمزق والبيع، في أسواق مافيات سلطات الاستبداد بأبخس الأثمان.

نصير شمَه وعُود الأمل

نصير شمَه وعُود الأمل

نزار بدران

أحيا العازف العراقي الشهير، نصير شمَه، ومجموعة من الموسيقيين من كل بقاع الأرض، حفلة موسيقية بباريس، كان عُود نصير عِمادُها. أُقيم الحفل بأشهر وأعرق صالة للموسيقى والغناء بباريس، وهي مسرح الأولومبيا، التي غنت على خشبته سيدة الشرق أم كلثوم، في العام 1967. حضر هذا الحفل عدد من أعيان مدينة الأنوار، وعدد غفير من المواطنين ومن أبناء الجالية العربية والمُحبة للموسيقى.

نوعية وعدد الحضور، أظهر بوضوح، شغف الجمهور العربي والفرنسي، بموسيقى العود. إقامة هذا الحفل الكبير، أعاد الحياة إلى الموسيقى العربية، بعد هجمات باريس الإرهابية، قبل أشهر قليلة، والتي حدثت في صالة موسيقية شهيرة ايضاً، هي صالة البتكلان، على بُعد بضعة مئات الأمتار من مسرح الأولومبيا، والذي أودى بحياة ثمانين شخصاً.

جمع نصير شمَه بفرقته قارات العالم، كل على آلته، من البيانو إلى القيثار والطبلة والكمنجة وغيرها، ثمانية أدوات موسيقية وثمانية موسيقيين شهيرين، من أرغواي والبرازيل وتونس وأمريكا وفرنسا وتركيا. أتحفنا نصير بذلك الغزل، الذي أجراه بين العود وكل آلة أخرى على حدة، جامعاً الحزن والفرح، والحب والغيرة، في مكان واحد.

ولمن يعرفون نصير شمَه، وتاريخه الموسيقي الطويل، وما واجهه بحياته من ظُلم، وهو الذي نجا من إعدام مُحقق، زمن صدام حسين، حين كان تقريباً السجين الوحيد الذي لم يقتل، بعد اختطافه من عمان لبغداد، حيث رأى كل رفاقه بالسجن الأربعمئة، يُعدمون الواحد تلو الآخر. رأى أيضاً عنف الحرب الأمريكية، التي تبعت حكم صدام حسين، والحروب الطائفية، هذا لم يمنعه من الاستمرار، بكونه داعية للسلام والموسيقى، والبحث المُستمر، بإبداعية العود الذي اخترعه السومريون، في عام 2350 قبل الميلاد،  في بلاد ما بين النهرين. أعاد نصير لها الحياة بكتابة ألحانه على ذكراها وما تخيله منها، عازفاً بأصابعه الخمسة، كما كان ذلك في زمنهم. وأحيا كذلك موسيقى الفارابي، وعوده ذا الأوتار الثمانية.

نصير شمَه، لا يرى بالعراق إلا الوجه الجميل، وموسيقى العود، التي تسقي العشرة ملايين نخلة بين دجلة والفرات، فهو لا يرى بالطوائف والحروب الطائفية، إلا وسيلة من حكم الاستبداد والظلم للبقاء، ولا يُعبر بشيء عن حقيقة الشعب العراقي بكل أطيافه وألوانه ، الذي يُحب موسيقى عود نصير التي ربطت الماضي بالحاضر والحداثة بالتراث.

نصير شمَه وعُود الأمل DOWNLOAD LINK