اليوم العالمي للفلسفة… نيتشه وأخلاقيات الضعيف

مقالات

اليوم العالمي للفلسفة… نيتشه وأخلاقيات الضعيف

 د. نزار بدران 

لا يُشكل اليوم العالمي للفلسفة، الذي يُصادف الثامن عشر من شهر تشرين الثاني- نوفمبر، حدثاً مهماً، مُقارنة بالاحتفالات الأممية الأخرى. فهو يمر عادة دون أن ينتبه إليه أحد. ما زالت تُعتبر الفلسفة في وطننا العربي، مجالاً يتناقض مع حاجاتنا الأساسية، المبنية كلها، على البحث عن مقومات العيش الكريم، من عمل وصحة وتعليم وتربية.
ما بدا تناقضاً، هو في الحقيقة، عدم دراية كافية بدور الفلسفة، فهي الوجه الآخر لهذا العيش الكريم. فعندما يُحقق الإنسان مقومات حياته المادية، فهو يقوم بتحقيق شروط البقاء، مثله مثل كافة أشكال الحياة الأخرى. وحده الوعي الإنساني، ما يُميزنا عن باقي الكائنات الحية، هذا الوعي هو مصدر الفلسفة، لأنه يُحاول الإجابة على الأسئلة التي نطرحها عن مآلات وجودنا وكيفية حياتنا.

استعمال العقل

تنطلق الفلسفة من استعمال العقل كشرط ضروري، وهي النقطة المشتركة مع العلوم، لكن هذا الاستعمال يتجه نحو الذات، بينما العقل العلمي، يتجه نحو الطبيعة باحثاً عن قوانينها.
قد يُهم القارئ العربي، معرفة رؤية الفيلسوف الألماني نيتشه (1844-1900) لأوضاعنا العربية حالياً، لو كان ما زال حياً بيننا، وذلك من خلال تحليله لمفهوم الخير والشر، في كتابه أصول الأخلاق.
من خلال رؤيته العميقة لما يُسميه أخلاقيات العبيد وأخلاقيات الأسياد، نستطيع اكتشاف أنفسنا ورؤية ذاتنا وكيفية تكوين أحكامنا على الأشياء، وهو ما يُساعدنا على فهم واقعنا وسُبُل تغييره.
يَعتقد نيتشه أن الحياة مبنية على الصراع بين الإرادات وبشكل دائم وذلك في إطار ما يسميه إرادة السيطرة. القوي يبطش بالضعيف، فهو يملك القوة. أخلاقيات القوي تختلف جذرياً عن أخلاقيات الضعيف، فهذا الأول يُمَجد القوة، بينما الآخر الضعيف لا يستطيع إلا استجداء القوي لوقف بطشه، لذلك فهو الذي وضع مفهوم الخير والشر، فالخير هو ما يمنع القوي من استعمال قوته والشر هو عكس ذلك.
تهدف أخلاق الضعيف إذاً إلى خلق نوع من تأنيب الضمير والشعور بالذنب عند الأقوياء، وما تقوم به الأديان هو تأكيد ذلك عن طريق تطوير مفهوم الخطيئة والفضيلة والتلويح بعذاب الآخرة بحق هؤلاء.
داخل حدود الدول، قد يكون ذلك هو من أسس للقوانين والعقد الاجتماعي، لمنع تحكم الأقوياء بالضعفاء. لكن لو أخذنا ذلك على مستوى العلاقات الدولية، فإن القوانين الدولية، لم تزل غير مُلزمة لأحد، لذلك فهي ما زالت مبنية على أخلاقيات القوي وأخلاقيات الضعيف، أو تصارع إرادة القوة مع إرادة الضعف.
يُعطي الفيلسوف الألماني نموذجا على ذلك، بسرد قصة الصقر والحمل. فالحمل يرى نفسه طيباً ويرى الشر كله في الصقر الذي يتربص من السماء . يوافق الصقر بدوره الحمل، على وصف نفسه أنه طيب، فهو لذيذ الطعم، لكنه لا يوافقه على وصفه بالشر، فهو فقط يمارس إرادة القوة التي يملكها، عندما ينقض عليه، أي يُمارس ما أعطته له الحياة، ولا يجد سوءاً في ذلك.
لو أردنا إسقاط ذلك على واقعنا العربي، فإننا سنجد أننا نحن من يحمل أخلاقيات الحمل الضعيف وإرادته، بينما إسرائيل وأمريكا ودول عديدة، تتصرف من منطق إرادة القوة وأخلاقيات الصقر. هذه الدول لا تقول شيئاً، بل تكتفي بممارسة قوتها. فعندما ترسل أمريكا أساطيلها إلى الخليج ومناطق أخرى، وجيوشها هنا وهناك، فهي لا تفعل إلا ممارسة إرادة القوة التي تملكها، وليست بحاجة لتبرير وتفسير ذلك، فهو يبدو لها طبيعياً، ولا تُمضي وقتها بانتقاد تلك الدولة أو الأخرى، بل تذهب للعمل فوراً، فهي تملك وسائله.

المنظمات الدولية

الطرف الضعيف، يفعل العكس، فهو يُعلن فقط أن القوي قد اعتدى عليه وسلبه حقوقه، ويُطالب مجلس الأمن والأمم المتحدة وجميع المنظمات الدولية والقوانين العابرة للحدود، لأن تُعلن معه أن القوي قد ظلمه وانتهك القانون الدولي، هادفاً بذلك إلى دفع القوي للشعور بالذنب وتأنيب الضمير لسوء فعلته. هذا ما نراه مثلاً مع القضية الفلسطينية منذ أكثر من قرن.
تكدست القرارات الدولية بالمئات، ولم يحصل شيء لصالح الحق العربي، بل العكس، كلما مر الزمن كلما تراجعنا إلى الخلف وخسرنا حقوقاً أكثر ولم نسترد شيء. تمارس إسرائيل الاستيطان في الضفة الغربية وتضم القدس وتُهود باقي فلسطين، ونحن نطالب الأمم المتحدة بإدانة ذلك بأقصى العبارات.
تقوم إسرائيل بالغارات شبه اليومية، على مواقع تمركز القوات الإيرانية في سوريا، أو ضربها حتى في إيران، واغتيال شخصيات علمية وتفجير مراكز استراتيجية إيرانية، ولا نرى من الطرف الإيراني إلا الجعجعات المستمرة والتنديد بالعدوان، إن اُعترِف به، نحن نعيش قصة الحمل والصقر.
لن تستطيع الدول العربية منفردة وممزقة وضعيفة اقتصادياً وسكانياً، ومليئة بالنزاعات الداخلية، الحصول على أية حقوق، إلا إذا تمكنت من امتلاك وسائل القوة، أي استبدال إرادة الضعف التي تحملها حالياً بإرادة القوة. هذا لن يتم إلا إذا نظرنا أولاً إلى أنفسنا وأسباب انتمائنا إلى إرادة الضعف، رغم كل وسائل القوة المتواجدة في بلادنا فوق الأرض وتحتها.
المراقب لما يكتبه الكتاب والمثقفون العرب وكذلك السياسيون، يرى أن معظم ما يُقال ويُكتب ويُنشر في وسائل الإعلام يدور حول أخلاقيات الضعفاء التي نحملها، أي الإصرار على إظهار مدى استهتار دول العالم الغربي بحقوقنا، والمطالبة الحثيثة بتطبيق القرارات الدولية، وكأن هناك من يسمعنا أو يقرأنا، بدل العمل على البحث عن وسائل القوة الكامنة فينا، للوصول إلى أخلاقيات الأقوياء. فالاستبداد الذي يعم كل دولنا، التشرذم والانقسام المستمر في كل مكان، التراجع الفكري والثقافي لصالح العنف لحل أي إشكالية، الانقسام الطائفي المزمن، العيش في عالم الأوهام والأحلام والماضي المجيد. كلها من صفات الضعيف، هي التي بحاجة للكشف والتغيير. وكما يقول نيتشه فلن يُجدينا شيء أن نتهم الصقر أنه شرير، إذا قبلنا أن نبقى حملاً ضعيفا في هذا العالم المتصارع، بدل التحول إلى ذئب ذي أنياب حادة.

المثقفون والسلطة القدس العربي 31/10/2021

المثقفون والسلطة

نزار بدران

نستغرب كثيرا عندما نقرأ ما يكتبه بعض المفكرين، مبررين ما يقوم به عتاة الطغاة. المثال السوري أو الإيراني واضح تماما، فتدمير بلد كامل وتهجير نصف سكانه وتجويع الجميع، لم يكن كافيا لرفع الغشاوة عن عيون الكثيرين ممن يدعون الوقوف ضد الامبريالية والصهيونية.

مثال ذلك أيضا من دعم وما زال دكتاتورية صدام حسين وانظمة مشابه لم تبنى إلا على قتل كل معارض.

على مستوى العالم هناك احباء الرئيس الفنزويلي السابق هوجو شافيز، أو الرئيس الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وأيضا ماو تسي تونغ في الصين أو ستالين في روسيا. في حقبة سابقة كان هناك من المفكرين الغربيين من وقف مع النازية والفاشية.

نحن طبعا لا نقصد كل المفكرين، فهناك من قضى نحبه دفاعا عن الديمقراطية ولم يحد يوما عن العمل ضد الظلم مهما كان مصدره، نذكر منهم الراحل ميشيل كيلو والمهدي بن بركة في المغرب وكثير من الشعراء والادباء، الذين قضوا سنوات طويلة في سجون هذه الديكتاتوريات أو ماتوا فيها. نحن نركز فقط على هذه الشريحة والتي رغم صغرها إلا أنها تملأ الدنيا ضجيجا. مثلا هذه النخبة من مفكري الفصائل الفلسطينية من يمينها إلى يسارها، وهم لا يرون بسبب عماهم الأيدلوجي ما يحدث في مجموعة من الدول التي تحكمها أنظمة تَدَّعِي ممانعة الاستعمار والصهيونية وأمريكا.

في احسن الاحوال، لو اعتبرنا أن هذه المواقف تنبع عن حسن نية، هؤلاء المفكرون خاطئون في تحليلاتهم، والوقائع على الأرض تثبت ذلك. هم ينطلقون من مبادئ عفى عنها الزمن منذ انتهاء الحرب الباردة. 

في كتابه الذي صدر عام 2017 “من بنيتو موسوليني إلى هوجو شافيز” أظهر المنشق الهنجاري السابق واستاذ العلوم الاجتماعيه في الولايات المتحدة، “پول هولاندر”، لماذا يدعم وبشكل علني كثير من المفكرين زعماء أنظمة شمولية، وما يشعر به هؤلاء ويفسر انجذابهم، رغم معرفتهم التامة للجرائم والفظاعات المرتكبة، تبقى هذه العلاقة بين الحاكم المستبد ورجل الفكر ظاهرة مبهمة.

على عكس ما قدمته الفيلسوفة الالمانيه آنا ارنت من أن الجهل هو ما يدفع أجزاء كثيرة من المجتمع للانجرار وراء اوهام القادة الاقوياء والمستبدين، كما رأينا مثلا مع جمال عبد الناصر او الإمام الخميني، فإن دراسة بول هولاندر أظهرت أن نسبة المثقفين المنجرين وراء الدكتاتوريات بالنسبة لعددهم الإجمالي هو أعلى من تلك النسبة بين عامة الناس.

يمكننا ملاحظة ذلك بوضوح مع الربيع العربي، فعدد المثقفين ووسائل الإعلام ألتي إبتعدت عن دعم الشباب المحتج تتزايد مع تقدم قوى الثورة المضادة، هذا ما رأينا في مصر وسوريا وغيرها، بينما أبناء الربيع العربي في لبنان والعراق والسودان والجزائر ما زالوا متمسكين بمواقفهم ويزيد عددهم يوما بعد يوم.

يذكر المؤلف تعريف ادوارد سعيد لشخصية المثقف  ” شخص قادر على قول الحقيقة ، شخص شجاع وغاضب ، لا توجد قوة دنيوية بالنسبة له أكبر من أن تُنتَقد وتُسأَل بوضوح.  المثقف الحقيقي هو دائمًا غريب ، يعيش في منفى فرضه على نفسه على هامش المجتمع”

نحن عندما ننظر حولنا إلى مثقفينا نفهم تماما عزلة ادوارد سعيد النفسية.

يعطينا بول هولاندر في كتابه ما يعتقده الأسباب وراء انبهار هولاء المثقفين، هي ليست مادية أو منفعية دائما، أو ضعف فكري أو غشاشة مؤقته. يذكر المؤلف شخصيات مهمة أمثال الفيلسوف الالماني هيدجر وعلاقته بالنازية او الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر مع ماو تسي تونغ وستالين، وكتاب غربيون كبار آخرون.

النوع الأول برأيه هم هؤلاء الذين لم يستعملوا قدراتهم النقدية، فوقعوا في الجهل، ولحسن الحظ فهم يغيرون موقفهم بمجرد معرفة الحقيقة

النوع الثاني هم الانتهازيون الراكضون وراء منافع السلطة، هم حماة النظام  ومنظريه واشد منتقدي معارضيه. هذا النوع منتشر بشكل واسع حالياً في بلادنا العربية، ويستعملوا كل الوسائط الحديثة.

النوع الثالث هم هؤلاء المثاليون والذين يرفضون ما يرون وينكرون الحقيقة، كل جريمة هي خبر كاذب أو من صنع الضحايا. هم يظنون أن القائد الملهم سيسير في اتجاه ما يحلمون به من إقامة نظام حداثي أو اشتراكي او العكس ديني، فسقف توقعاتهم عاليا جداً. هذا النوع رأيناه مثلا مع وصول السيسي وطرد الإسلاميين.

النوع الرابع هم هؤلاء الذين يجرهم النظام جرا عن طريق كيل المديح والتبجيل بهم، ليضمن وقوفهم معه، خصوصاً الذين يتمتعون بشعبية كبيرة، مثال بعض الشعراء او شخصيات فنية مرموقة في سوريا، وحتى في مصر، شهرتهم تستعمل هنا لأهداف سيئة.

النوع الخامس هم هؤلاء الذين يعترفون بطابع النظام الاستبدادي ولكنهم يقارنون دائما بين السيئ والاسوأ، يتسائلون هل نظامهم أفضل من نظامنا، الكل سيء لكنا أقل سوأ. هم يفتقرون إلى المقدرة على تمييز الأبعاد الأخلاقية.

النوع السادس من المثقفين، هم المهتمون بتوافق سياسة النظام مع المعايير العلمية، هي أسس النظام النازي او قبله الاستعماري والذي جَيَّر البحث العلمي لصالح نظريات عنصرية، كذلك النظام الشيوعي وحتمية وصول الطبقة العاملة للسلطة كما نَظَّرَ لها ماركس. ما يحدث من عنف هو جزء من النظرية العلمية.

النوع الاخير هم هؤلاء المبهورون بكاريسما الزعيم بعيدا عن أي تفسير عقلاني وحبهم للشخصية السلطوية، مثال فيديل كاسترو او هيجو شافيز، فهم أحسن الموجود.

كل هؤلاء يقبلون عنف السلطة، ويعتبرونها ضرورية للتقدم، وكما قال المفكر والتر دورانتي فإننا “لا نستطيع أن نعمل عجة دون كسر بيض”. لا يتغير معظمهم حتى ولو عرفوا حقيقة وبشاعة الجرائم المرتكبة، وحده انقلاب الرأي العام عند ادراكه لذلك، من يجبرهم الى تبديل ارائهم، خوفاً من فقدان جمهورهم.

هؤلاء المعجبون بالدكتاتور، لا يهمهم تناقضه مع لائحة حقوق الانسان، او معايير الديمقراطية والحضارة الحديثة. ما يخطؤون به دائما هو أن الديكتاتور لن يحقق لهم احلامهم واوهامهم، والنموذج المصري شديد الوضوح.

عندما يُغَيِّب المثقف معايير الحقيقة فإنه يصبح هشا وقابلا للجذب من قبل السلطة. هؤلاء لم يعودوا مثقفين او مفكرين بل مجموعة من المبهورين، خانوا أنفسهم قبل شعوبهم.

لينين أطلق عليهم عند وصوله للسلطة إسم “الحمقى المفيدون”

المجتمع مصدر العمل السياسي. القدس العربي 02/07/2021

 د. نزار بدران 

أي نشاط سياسي داخل المجتمع المدني يواجه في معظم الدول العربية بالتجريم، وأي انتقاد للسلطة بالعنف وفي بعض الأحيان بالقتل، وكأن هناك محرمات، لا يحق لأحد خارج من ظنوا أنفسهم ملاك العمل السياسي، الاقتراب منها.
من ناحية أخرى لا نجد الكثير بين العاملين في المجال السياسي من مسؤولين ومتعلمين من يستعمل الأدوات العلمية لذلك، ومن ينطلق حقا من الجمهور الواسع باحثا عن المعطيات الاجتماعية الضرورية لذلك.

النشاط الإنساني

السياسية ، ذلك الجزء من النشاط الإنساني المهتم في الشأن العام وإدارته، كانت وقبل أن تنتمي إلى مجال العلوم الإنسانية محل تفكير الفلاسفة، لكنها حتى ظهور توماس هوبز الفيلسوف الإنكليزي في بداية القرن السابع عشر، لم تكن تعني إلا المفكرين وأصحاب السلطة أو رجال الدين. الجمهور لم يكن إلا موضوع هذا النشاط وليس بأي شكل من الأشكال مُلهِمَه، ولا حتى المشارك بانتاجه.
هوبز دون أن يغير هذه المعادلة، حول هذه السياسية إلى نوع من التعاقد مع الجمهور والذي يتخلى عن حقوقه لصالح القائم على السلطة، واضعا سياسات مصدرها السماء أو السلطة نفسها، فالهدف هو إنهاء اقتتال الكل ضد الكل كما كان يعتقد ، فالناس بطبيعتهم أشرارا.
لم يظهر مفهوم أحقية الشعب بممارسة السياسة إلا مع فكر الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو في القرن الثامن عشر، حيث عكس الصورة ووضع مفهوم الجمهور كمصدر السياسة والسلطة المُنتخَبة أداة لتنفيذها (الانقلاب الليبرالي).
القرن الماضي أعاد من جديد ظهور السياسة الفوقية خصوصا في الاتحاد السوفييتي ومناطق نفوذه. لكن انهيار هذا التكتل أدى إلى عودة العمل السياسي إلى أصحابه الشرعيين أي المواطنين العاديين الذين وبشكل عفوي عكسوا الصورة من جديد، فالسلطة عادت وسيلة للعمل السياسي الآتي من الجمهور وليس مصدرها.

نظام الفصل العنصري

انتشر ذلك النموذج سريعاً بنهاية القرن الماضي، منهيا نظام الفصل العنصري في دولة جنوب أفريقيا، ثم اتساع الرقعة إلى معظم بقاع الأرض، مثل أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا.
آخر اللاحقين بعكس الصورة السياسية ومصدرها كانت البقعة العربية انطلاقا من تونس بنهاية 2010، مع نتائج ما زالت ضبابية، لكن التاريخ بدأ بالتحرك والتململ.
ما هي وسيلة دارسي العلوم السياسية لفهم الحدث السياسي أو حتى توقعه ؟
سؤال تصعب الإجابة عليه، فلم يستطع أحد أن يتوقع أحداثا مهمة جداً بحجم انتهاء الحرب الباردة وأشياء كثيرة أخرى، مرد ذلك أن المجال التجريبي في العمل السياسي هو التاريخ، وتجاربه تستغرق عقودا طويلة، لذلك وجب الإستعانة بأدوات إضافية في محاولات توقع المستقبل، وكما نَظَّر له المؤرخ الفرنسي فيرنان بروديل فإن ذلك هو مجال ما يسميه التاريخ الشامل.
فبالإضافة لدراسة الأحداث يجب دراسة التغيرات الاجتماعية مثل الديموغرافيا والتطور البيئي وحتى الوضع الجيولوجي.
نحن في البلدان العربية بحاجة لأن نعطي السياسة والعلوم السياسية بعدها الديناميكي أي التاريخ الشامل، فلا مجال لفهم أوطاننا من خلال تحليلات ودراسات فوقية تُعْنَى فقط بأصحاب الشأن السياسي الرسميين على أهميتها، بل علينا إضافة الأبحاث الاجتماعية، خصوصا التركيبة المجتمعية وتطوراتها البطيئة على مدار عقود، مثل مستوى التعليم خصوصاً عند النساء، التغيرات في مستوى الخصوبة المرتبط بمستوى تعلم النساء وحصولهن على مجموعة من الحقوق، تطور طبقة وسطى ومطالبها بالتعبير والحرية والتحديث الديمقراطي، أو انتشار الترابط عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأشياء كثيرة جداً مثل التغير المناخي والترابط والتداخل الاقتصادي وسوق العمل، كل ذلك يجب أن يوضع بخدمة السياسية حتى تصبح حقا ملتصقة بالواقع وقادرة على فهم وتوقع المستقبل ولو مع هامش خطأ كبير.

إدارة شؤون المدينة

السياسة بمفهومها النبيل هو إدارة شؤون المدينة، وقد حددت الفيلسوفة الألمانية انا ارنت أسس هذا العمل القادم من القاعدة من خلال طرحها لمفهوم “الفضاء العام”، وأهلية الكل للمشاركة في العمل السياسي بشكل علني شفاف، واعتبرته الشكل الوحيد الذي يخرج الفرد من تقوقعه ويربطه بالآخرين. عكس المهن، العمل السياسي لا يتم إلا من خلال العلاقات الاجتماعية .
على السياسة وعلومها أن تخرج من قاعات المحاضرات وصالات المكتبات المغلقة لتذهب نحو موضوعها السليم والذي وجدت من أجله، وهو جمهور الناس بأماكن عملهم وحياتهم، فهؤلاء كما رأينا هم من يحدد عاجلا أم آجلا وبشكل غير متوقع في أغلب الأحيان قواعد الفعل السياسي .
للأسف فكثير من الفاعلين السياسيين ما زالو يرون كما كان زمن هوبز الجمهور أو الشعب كمفعول به سياسيا، بينما تبقى السياسة حكرا على السياسيين والمثقفين.
منذ الصغر نتعلم أن نبتعد عن السياسة وكأنها خطر على مستقبلنا، بينما الحقيقة أنه لا يوجد مستقبل بدون مشاركة الناس بأمور حياتهم.
علينا إذا أن نتجه إلى مصدر السياسة الحقيقي، ونعمل على تفعيله وإعادته للحياه، ونحن نعيش الآن مرحلة تاريخية استثنائية معقدة ستحدد مستقبلنا لعشرات السنين، فهل سنكون على مستوى المسؤولية ؟

القبلية بين السلطة والمجتمع، ليبيا والسودان نموذجا. نزار بدران القدس العربي 16/12/2020

هل النزعة القبلية، عائق أمام الثورات؟ هذا سؤال يُطرح دائماً، عندما نتكلم عن ثورات الربيع العربي، فنحن نعتبر كشيء مُسَلم به، أن البُعد القبلي في المجتمعات العربية، يُعيق تطورها، خصوصاً تلك البلدان المحكومة بعائلات عريقة، بناء على مفهوم العصبية الأقوى. هذا سؤال واضح ومشروع، والإجابة المُتوقعة عليه، هو بالإيجاب.
عُقدت في معهد العالم العربي في باريس، ندوة حول هذا الموضوع، شارك فيها مختصون في الشأن العربي الاجتماعي، وخصوصاً ليبيا والسودان. أظهرت أن الإجابة على السؤال المطروح، ليست بالسهولة المُنتظرة، وككل المسائل الاجتماعية، هناك احتمالات مختلفة، وإجابات متعددة، وليست إجابة واحدة. بهذا المقال نود أن نضيف البعد النظري لما طرح في الندوة وما جادت به تحليلات الأكاديميين بشكل مختصر واعطاء بعض الأمثلة.

الإبستيميا

من الناحية النظرية، فقد حدد علم الاجتماع لتعريف مفهوم القبلية، مجموعة من المعطيات، تشرح تطور العلاقات بين البشر منذ القِدم. المُعطى الأول، هو البُعد العصبي لهذه المجموعات البشرية، بمعنى تعاضدها وتكاتفها، ويُبنى على وحدة المفهوم الثقافي، الهوياتي، أو ما يوصف بالإبستيميا Episteme، حسب نظرية ميشيل فوكو، الفيلسوف الفرنسي الشهير.
نُعَرِّف الإبستيميا، «مجموعة المفاهيم المُتفق عليها، والتي لم تعد مجالاً للنقاش». هي تلك المفاهيم والمعايير، التي اكتسبناها منذ الطفولة، والتي شربناها مع حليب أمهاتنا، هي مجموعة التقاليد والعادات، والانتماء الديني أو المذهبي.
هذا النوع من الثقافة الثابتة، يختلف عن الثقافة المُكتسبة، والتي هي نتاج التَّعَلُّم والمعرفة العلمية. نتيجة لذلك، فإن الفرد في هذا النظام الاجتماعي، مُغَيَّب لصالح المجموعة. الوحدة الأساسية للتركيبة الاجتماعية، هي إذاً «القبيلة» والتي تنظر دائماً إلى الماضي لإعادة تكراره، وهو ما يُسمى بالمجتمعات التقليدية المحافظة، وتفتقر نتيجة لذلك لأي رؤية مستقبلية.
مُقابل ذلك، فإن المجتمعات الحديثة، والتي تجاوزت البُعد القبلي، هي بشكل عام، تلك الدول والمجتمعات، التي تمكنت من بناء مفهوم المُواطن والمُوَاطنة، أي أن الوحدة الأساسية للمجتمع، هو «الفرد» ولكن بمفهومه التاريخي، أي ذلك الفرد الذي ظاهرياً، يقوم بتحديد قوانينه بنفسه، ويعمل لمصلحته الخاصة، بينما يَصُب ذلك بالحقيقة، بالعملية التاريخية المُشتَركة، لكل المجتمع، فهؤلاء الأفراد يصنعون التاريخ سوياً.
تنظر هذه المجتمعات، عكس المجتمعات القبلية، إلى المستقبل، وتتناسى الماضي، هي إذاً مجتمعات مشروعاتية، أي لا ترى الحاضر إلا من منظار المشاريع الموضوعة دائماً للمستقبل.

الإشباع والتبلور

من ناحية أخرى، فإن المجتمعات المحافظة، ذات النظرة التقليدية الثابتة، نحو الماضي (السلف، التقاليد..الخ) تتغير هي أيضاً بشكل بطيء غير ملحوظ، وهو ما يُفسر عدم بقاء الإنسان على حاله منذ آلاف السنين، يحدث هذا نتيجة التراكمات الصغيرة، والكثيرة المتتابعة، والتي تصل بالنهاية، لوضعية ما يُسميها عالم الاجتماع الأمريكي، من أصل روسي، بيتريم سوروكين، «بالإشباع» والذي يؤدي إلى تغيرات نوعية، للتركيبة الاجتماعية، ناتجة عن تبلور الأوضاع في اتجاه جديد، بسبب عامل داخلي أو خارجي، قد يكون صغيراً.
نظرية الإشباع والتبلور، تنطبق أيضاً على كافة المجتمعات بما فيها تلك الحديثة، فأي وضع ما، عندما يطول كثيراً، يؤدي إلى انفضاض الناس، وحتى دون سبب واضح، دافعهم البحث عن التجديد.
ما هي العلاقات التي تربط قبائل وأطراف المجتمع القبلي، حسب الباحثين بالأمر، فإن العلاقات بين هذه المجموعات البشرية، تُبنى على مفهوم القبلية الاجتماعية، أي المرتبطة بالوظيفة المُناطة بهذه المجموعة أو تلك، وهو ما يؤدي إلى تكاملها وتعاونها، وليس بالضرورة تصادمها، هنا نرى مثلاً، قبائل الرعي أو قبائل الصيد، المزارعين أو صيادي الأسماك، سُكان الجبال أو السهول، التمايُز إذاً، هو بنوع الوظيفة، وليس مبنياً إضطرارياً على عِرق أو لغة أو دين.
هذا ما كان عليه الوضع على ما يظهر في ليبيا والسودان، حتى وصول المستَعمِر الإيطالي من جهة، والإنكليزي من جهة أخرى، أو بشكل أقل وضوحاً، بدول شمال أفريقيا، قبل الوصاية والاحتلال الفرنسي.
تمخضت قريحة المستعمر، لإحكام قبضته على الشعوب المُستَعمَرَة، عن تحويل القبلية الاجتماعية الوظيفية، إلى قبلية عرقية. ورسم خطوطا على خارطته، ليُحدد لكل قبيلة مكاناً وموطناً، وهذا أدى عن طريق الزبائنية الاقتصادية، إلى إيجاد صراعات داخلية، مزقت هذه القبائل، على الأُسس الجديدة. وأوضح مثال على ذلك اختلاق المستعمر البلجيكي عِرْقَيْ التوتسي والهوتو بروندا وهما ينتميان لللغة والدين نفسيهما ويعيشون على الأرض نفسها.
كلمة «إثني أو إثنية» هي بالأصل غير موجودة باللغات المحلية، وتم إيجادها من طرف المُستعمر الأوروبي، حيث أنها ظهرت لأول مرة، عام 1896، في كتاب «انتقاءات اجتماعية» لعالم الأنثروبولوجيا الفرنسي، جورج فاشير دو لابوج، حيث وسع مفهوم الأجناس (الانتقاء الطبيعي لداروين) من البيولوجيا إلى الأشياء الاجتماعية. بدوره قام الطبيب جورج مونتاندون، عام 1935 بتعريف الإثنية «كتجمع طبيعي، يحتوي على كل الصفات الإنسانية، بمعنى البيولوجية والاجتماعية» وذلك في كتابه، «الإثنية الفرنسية».
نحن إذاً أمام محاولة لإعطاء غطاء علمي، لوضع إنساني عنصري، وبأهداف السيطرة الاستعمارية.

الحس الوطني

رغم ذلك، فإن الحس الوطني الجامع، لهذه القبائل، لم يمنعها كما يريد المستعمر، من التمرد والنضال، من الحصول على الاستقلال. ولكن للأسف، فإن الأنظمة التي حكمت الدول حديثة الاستقلال، استغلت الإرث الاستعماري، عن طريق الاستمرار بمفهوم القبلية العرقية، لتتمكن هذه الأنظمة، البعيدة عن المفهوم الديمقراطي، من السيطرة كما كان عليه الوضع، زمن الاستعمار، وفي أحيان أكثر من ذلك.
نحن إذاً، أمام استعمالات مختلفة لمفهوم القبلية، تبدأ بالتوزيع الوظيفي والتكامل في سوق مشتركة، لا تمنع الأفراد من تغيير انتمائهم القبلي، إلى مفهوم التسابق لإرضاء المستعمر، وفيما بعد، إلى مفهوم دعم الأنظمة الاستبدادية، وذلك للحصول على امتيازات زبائنية.
ليبيا: النموذج الليبي مثلاً، والذي وضع القبيلة كنقطة ارتكاز للمجتمع، لم يمنع مدن مثل بنغازي أو مصراتة، أن تكونا مدناً متنوعة الأجناس والأديان، ومتسامحة وناشطة جداً على المستوى الاقتصادي، قبل قيام الدولة الوطنية.
قبائل المناطق الثلاث الليبية، والتي يزيد عددها عن مئة، وجدت وسائل التكامل فيما بينها. الاستعمار الإيطالي، ومن قبله البريطاني والفرنسي، هو من شجع الخلافات بين مكونات ليبيا الاجتماعية، ذاهباً في اتجاه تفعيل التناقضات العرقية والدينية واللغوية (عرب طوارق أمازيغ التبو). وقد استمر ذلك بعد الاستقلال 1951 عن طريق الزبائنية السياسية والاقتصادية، والتي تبناها الحكم الملكي، للحصول على شرعيته ودعم القبائل له، وهو ما أدى إلى تزايد التناقضات بينها، بهدف الحصول على حصص من الثروة والسلطة.
انقلاب مُعمر القذافي 1968 وإرسائه نظاماً شمولياً، لم يزيد الوضع إلا سوءاً، حيث أجج هذا النظام الجديد الخلافات القبلية، مُعطياً قبيلته الخاصة أكبر الامتيازات، ومستعملاً العـنف والزبائنية لإرضـاخ ما تبـقى.
في هذه الظروف الصعبة لعبت القبلية في بعض الأحيان دور الحامي لأبنائها.
التغيرات الديموغرافية بدورها لم تعدل الانتماء والولاء القبلي، فرغم أن نسبة سكان الأرياف للمدن قد انقلبت تماما لصالح المدن (من 45٪ عام 1964 إلى 85٪ عام 1995) إلا أن هؤلاء القادمين من الريف أو الصحراء قد حملوا معهم ولاءاتهم، وهذا ما نراه حالياً في النزاع المسلح بين المسيطرين على شرق البلاد أو غربها. (هذه الظاهرة واضحة أيضا في مدن عربية عدة مثل عمان في الأردن أو المدن الخليجية الحديثة).
السودان: وكنموذج آخر، السودان دولة ذات أعراق ولغات وأديان متنوعة، ولم تكن هذه القبلية عائقاً أمام قيام تكامل بينها، ففي دارفور مثلا توجد قبائل عربية، وهم بشكل خاص رعاة وتجار إبل، ويقومون تايخياً بدور التاجر الوسيط، بين قبائل دارفور، والدول الإفريقية الأخرى المجاورة. في المقابل كانت هناك، قبائل أخرى غير عربية، تعيش من تربية المواشي، وخصوصاً الأبقار (البقارة). كما في النموذج الليبي، فإن الْمُسْتَعْمِر، ومن بعده النظام الإسلامي الاستبدادي، لعمر البشير، من حَوَّل هذه القبلية الوظيفية، إلى قبلية عرقية ولغوية (يوجد لغات عديدة في السودان) مُشعلاً الحروب الداخلية، مؤدياً مثلاً، إلى انفصال جنوب السودان المسيحي، ومذابح دارفور. وما اعتماد السلطات الجديدة في السودان، أولوية حل النزاعات الداخلية، وإنهاء العنف المسلح، ونجاحها بذلك، إلا دليل على سطحية هذه الخلافات، وارتباطها بشكل وثيق بالسلطة.
من هنا فنستطيع القول، أن القبلية لم تكن لتمنع قيام حس وطني شامل، والدفع في اتجاه التحرر والاستقلال بصورتها الطبيعة الوظيفية، في المقابل فهي تُستعمَل دائماً بصورتها العرقية المختلقة من طرف المُستعمِر، للسيطرة الكاملة على السكان والثروات، وتُستعمل عن طريق الأنظمة الاستبدادية، الآتية بعد الاستعمار، لتمكينها من البقاء.
إنتقال جزء كبير من البداوة إلى المدن ساهم بانفتاح تلك الأخيرة وتحررها تدريجيا من قيود التقاليد. وكما رأينا، في ثورة شباب ليبيا عام 2011، وشباب السودان عام 2018، فهي لم تمنع ظهور ظاهرة الإشباع الاجتماعي، فكانت الثورة التونسية المجاورة، نقطة البلورة لذلك.

 كاتب ومحلل سياسي

رفض ترامب لنتائج الانتخابات… نزاع الدولة والسلطة نزار بدران 07/12/2020 القدس العربي

الانتخابات الأمريكية، وخصوصاً تعنت الرئيس ترامب، بالاعتراف في هزيمته، وإعادة عد البطاقات الانتخابية في بعض الولايات، فُهِمَ من قِبل بعض الكتاب والمراقبين، وكأن الديمقراطية الأمريكية، أصبحت في مهب الريح. هذا طبعاً طرح مُبَسط، لأن التلاعب في الانتخابات، الذي يحدث في دول عديدة في العالم، هو دائماً من طرف السلطة الحاكمة، وليس من طرف المعارضة، أو الحزب الذي هو خارج السلطة.
التلاعب يتم بهذه الدول كما رأينا في روسيا أو مصر، يهدف لإبقاء نظام غير شرعي، استبدادي ضد رغبة المواطنين.
نحن إذاً في أمريكا، بمعادلة أن السلطة السياسية، المُمَثَلة في الرئيس الحالي، تريد فقط أن تعطي الانطباع للمواطنين المؤيدين له، أنه لم يخسر حقيقة، وسيكون جاهزاً للعودة بعد أربع سنوات. هي نوع من الحملة الانتخابية الاستباقية، لكن طبعاً بأسلوب ترامب الخاص والشخصي. ابتعاد شخصيات مهمة، من الحزب الجمهوري عنه، وحتى وزير العدل نفسه، يدل على ذلك.

الاستفادة من التجربة

الدرس الذي يهمنا كعرب، هو الاستفادة من التجربة الأمريكية الاستثنائية، للتمييز بين مفهوم الدولة ومفهوم السلطة السياسية، وهو ما بدى مشوشاً ومختلطاً في أذهان معظم المواطنين، وحتى السياسيين والمثقفين.
في الولايات المتحدة، صمدت الدولة أمام ادعاءات المسؤولين عن السلطة السياسية، وفرضت وبشكل بارد ومنهجي إرادتها، وهي دائماً الأعلى.
الدولة حسب أحد تعريفاتها، ولها تعريفات كثيرة، هي «مجموعة الأجهزة السياسية، والإدارية، والقانونية والمؤسسات التابعة لمجتمع منظم».
تحتاج هذه الدولة لكي تبقى إلى السيطرة، وأيضاً إلى طاعة المواطنين، هذه السيطرة، ورديفتها الطاعة، لا تتم إلا إذا تقبل المجتمع شرعية الدولة، وبالتالي يتقبل طاعتها.

العادات والتقاليد والبعد القبلي

هناك ثلاثة أنواع من الشرعية للدولة:
أولها تلك الآتية من العادات والتقاليد والبعد القبلي، مُعطياً لها بُعداً مقدساً، مثال الأنظمة الملكية الوراثية.
القانون هنا، يأتي في معظم الأحيان من الحق الإلهي المُعطى للسلطة وليس من الشعب.
ثانيها تلك الآتية من شخصية القائد، أو ما يُسمى القائد الملهم، ذا الشخصية القوية أو الكاريزما، كما نرى مثلاً مع الرئيس جمال عبد الناصر أو فيدل كاسترو، القدسية هنا مُعطاة للفرد المُسيطر على السلطة.
القانون هنا، يأتي من الشخص أو الحزب المسيطر وليس من الشعب. النوع الثالث من الشرعيات، هي تلك العقلانية، والتي تُبنى على الإيمان بشرعية القانون، المُتَفَقُ عليه، والذي يُعطي من في السلطة، شرعية اتخاذ القرارات.
القُدسية هنا هي للقوانين المؤسسة للدولة. القانون هنا، يأتي من الإرادة العامة للجميع، أي من الشعب، عن طريق الانتخابات، الشرعيتين الأولى والثانية، بعيدة عن الشرعية الحديثة، والتي أسست للدول الديمقراطية، وهي جزء من حضارات الماضي، ولم يعد لها مكاناً حالياً بأي دولة تحترم إرادة مواطنيها.
تبدأ الدولة الحديثة، عندما تنفصل السلطة السياسية عن شخص الزعيم، وحين يتم التمييز، بين السلطة السياسية والملكية الخاصة (ما سمح بوجود الشأن العام). السلطة السياسية، هي جزء من الدولة، وإحدى مؤسساتها، وليست الدولة نفسها، هي إذاً مؤسسة مُخولة من قِبل الدولة، بأخذ القرارات التي تهم المجتمع بشكل سيادي.
القرار السياسي، يعني القرار العام، وهو عكس القرار الذي يهم الخواص، أو الملكية الخاصة. السياسيون المنتخبون للسلطة، بمن فيهم الرئيس، هم موظفون فيها، ولا يملكونها. هي تتجاوزهم دائماً، فهم مارون، وهي باقية.

مفهوم الدولة

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، انتشر النظام الثالث لمفهوم الدولة، أي دولة القانون، في كل أنحاء العالم، وهو ما يُسمى «ربيع الشعوب» لكن الأنظمة الاستبدادية، اضطرت أمام هذا التطور العالمي، إلى التراجع الشكلي، عن شرعيتها الإلهية أو الفردية، وذلك عن طريق التحايل وإعطاء انطباع للجمهور والدول الأخرى، بديمقراطية النظام، أي اعتماده شرعية الإرادة العامة للشعب، بينما هي تفعل العكس.
الرئيس بوتين، يُنظم دورياً انتخابات، يُمنع فيها أي صوت معارض، وحتى يقوم بتسميم معارضيه، كذلك الوضع في تركيا، مع وضع مئات آلاف الأصوات الحرة في السجون، من كُتاب وصحافيين، تحت حجة الانقلاب المزعوم، والضغط السياسي على المعارضة. أو إيران، مع الشرعية الدينية المُعطاة للولي الفقيه، بينما يُنتخب رئيس دولة وبرلمان دون سلطات حقيقية.
في بعض الدول الملكية، نرى انتخابات لا تُسفر عن برلمان فعلي، وأغلبية تستلم السلطة، وإنما برلمانات شكلية، بينما يبقى مصدر السلطة هو نفسه، أي الحق الإلهي العائلي القبلي.
هذه السلطات تتجنى على السلطة السياسية وعلى الدولة بالوقت نفسه، متوهمة بملكيتها والسيطرة عليها، بينما هي بالحقيقة تلغي وجودها، فهذه الدول لا توجد بها دولة حقيقية، تحفظ حقوق المواطنين، ولا سلطة تُدير الشأن العام.

طريق الإرادة العامة

الدولة إذاً، في الدول الحديثة الديمقراطية، هي التي تُحدد عن طريق الإرادة العامة، وسائل عمل السلطة السياسية، تُعطيها وتأخذ منها هذا الحق، متى شاءت، كما نرى الآن في الولايات الأمريكية المتحدة.
العمل السياسي، مصدره الشعب، والذي يوكل السلطة السياسية به، والتي تأتمر بأمره وليس العكس. الإنسان الحر هو الذي يُطيع القانون، وليس الذي يطيع أوامر إنسان آخر.
ما رأينا في الولايات المتحدة، هو أحد مظاهر عظمة الدولة الأمريكية، الاحتجاجات على الانتخابات ونتائجها، يُحكم بها أمام القانون، وهو وحده من يُحدد إن شابت هذه الانتخابات مُخالفات، وليس جعجعة أحد رجال السلطة، حتى ولو كان الرئيس الأمريكي، أقوى رجل في العالم.

التطبيع الخليجي الإسرائيلي ثمن الحماية وكلفة ألاستبداد . القدس العربي 20 أكتوبر 2020

التطبيع الخليجي الإسرائيلي

 ثمن الحماية وكلفة الاستبداد

د. نزار بدران

حتى نفهم الدوافع الحقيقة، وراء تطبيع العلاقات بين بعض الدول العربية وإسرائيل، في هذه الفترة بالذات، علينا أن نطرح على أنفسنا سؤال بسيط وهو، ما هو الشيء الذي يحرك هذا النظام أو ذاك، بمعنى ما هو المُحرك العملي لفعله.

بالدول الديمقراطية، حيث الانتخابات حرة، يوكل بها الشعب حزباً أو مجموعة، لتحقيق مصلحته ومآربه بشفافية كاملة، تحت مراقبة المجتمع المدني. فإننا بالأنظمة الديكتاتورية، نرى أن هذا الشعب، غائب أو مُغيب تماما، فالنظام موجود بقدرة قادر، أو بفعلة فاعل، وليس له من قريب أو بعيد، أي ارتباط بالإرادة العامة للمواطنين، ولا يحمل أي برنامج مُحدد شفاف، يتوافق مع رغبات الأغلبية من الشعب.

السلطة المستبدة، هي التي تضع السياسات بشكل منفرد، خارج المجتمع، والذي ما عليه إلا أن يقبل بها، بغض النظر عن الأضرار التي قد تصيبه. هذه السلطة قد تكون بيد شخص واحد، بمعنى أن كل مراكزها، تُؤتمر بأمره، ولا مكان للتوازن بين قوى مختلفة، كما كان الحال عليه زمن الرئيس صدام حسين أو حافظ الأسد أو جمال عبد الناصر. أو قد يكون هناك مراكز متعددة في السلطة، يربطها توازن مصالح، كما نرى مثلاً ببعض الدول الملكية كالمغرب أو السعودية سابقاً.

في الحالة الأولى، أي حكم الشخص الواحد، تسير الأمور، في حالة الاحتجاجات الشعبية، نحو المواجهة العنيفة، العنف هو الوسيلة الوحيدة التي يُحسن استعمالها المستبد الفرد، بينما في حالة المجموعة المتحالفة المستبدة بالسلطة، فإننا قد نرى تغيرات أو انقلابات، داخل السلطة نفسها (ما يُسمى ثورة القصر)، قد تؤدي إلى تخفيض مستوى العنف والخسائر بحالة انفجار ثورة شعبية، هذا ما نراه مثلاً بلبنان مع توازن زعماء الطوائف، أو ما نراه بالمملكة المغربية، حيث أن القوة النافذة بالسلطة، اضطرت لاعتماد سياسة انفتاحية، قد تؤدي إلى تخفيف حدة التوترات، وتسمح بتغيير بطيء ولكن سلمي. عكس ذلك الوضع بالسعودية، تحول من حكم عائلة مالكة، مع توزيع مراكز السلطة، على العائلة الحاكمة، إلى سلطة الفرد الواحد، منذ تولي الأمير محمد بن سلمان عملياً أمر البلاد، وهذا ما قد لا قد يُحمد عقباه.

هذه الدول الاستبدادية بكل أنواعها، تُحدد سياساتها الداخلية والخارجية، بناءً على ما تعتبره مصلحة بقاء النظام وديمومته، فمثلاً، عندما يقوم الرئيس، عبد الفتاح السيسي، بالارتماء بأحضان أمريكا، والتفاهم على حصار غزة، فهو بكل تأكيد لا يهدف لحماية الشعب الفلسطيني أو سكان سيناء، بل العكس تماماً، هو يدفع الثمن لقاء دعم أمريكا له، ضد تطلعات شعبه بحكم ديمقراطي، الذي سيكون بالتأكيد داعماً لأهل غزة، وليس مشاركاً بحصارها. نفس الشيء تقريباً زمن الرئيس الأسبق حسني مبارك، ورغبته العارمة بتوريث السلطة لأولاده.

ما هو إذاً المحرك وراء سياسات الدول الخليجية ألتي تطبع أو ستطبع مع إسرائيل، هل هو المصلحة الوطنية العليا لدولهم، أو للأمة العربية، أو الرغبة الجامحة بإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس، لحل النزاع، حتى تتمكن هذه الدول من البناء والتعمير وتحقيق أحلام شعوبها، أم ماذا؟، الحقيقة أن مُحرك هذه الحكومات، هو بكل بساطة، شعورهم بأن زمن جديد قد بدء، منذ سقوط الأنظمة الديكتاتورية، ببقاع كثيرة بالعالم، وأن دورهم هو على الأبواب. هذه الأنظمة تبحث إذاً عن حامٍ لها، واهمة أن إسرائيل وأمريكا، تستطيعان مساعدتها بفعالية، للوقوف أمام تطلعات شعوبها، بالوصول للحكم الرشيد، شرعيته الشعب وليس العائلة أو الأوهام الغيبية. مقابل ذلك تدفع الثمن الذي يُطلب منها وبدون تردد، مالاً واعترافاً وعلاقات وغيره.

السياسة الأمريكية بالشرق الأوسط، مرتبطة بشكل وثيق بالمصالح الإسرائيلية، لذلك فإن الثمن المطلوب دائماً، لحماية هذا النظام أو ذاك، أو لتقديم المساعدات أو رفع العقوبات الدولية، هو دائماً الموافقة على الإرتماء بإحضان إسرائيل والتحالف معها، وتسهيل سيطرتها على مقدرات الأمة، هذا أيضاً ما هو مطلوب من السودان، لرفع اسمها عن قائمة الدول الداعمة للإرهاب، مع أن الشعب السوداني، قام بثورة أطاحت بالنظام الإرهابي، فبدل مساعدته بإرساء الديمقراطية، يُحاصر من جديد لإجباره على دفع الثمن الإسرائيلي المطلوب، ونجد بين العسكر المشاركين، بالمرحلة الانتقالية، من يروق له هذا التوجه، بدعم دول الثورات المضادة المُطبعة. لكن الشعب السوداني بوعيه وبوعي المكون المدني للسلطة، لن ينجر على ما يبدو وما نأمل لهذه المطالب الأمريكية، رغم حاجته الماسة للدعم الاقتصادي. هذا ما يُميز أنظمة الربيع العربي عن الأنظمة الديكتاتورية، حيث لا مكان للرأي العام في سياساتهم. نحن نعتقد أيضاً أن الثمن المطلوب من الحكومة الإيرانية، لرفع العقوبات الأمريكية عنها، هو مرتبط أيضاً بالسياسة الإيرانية تجاه إسرائيل، وليس كما يُدعى، دعم الشعب الإيراني لإرساء نظام ديمقراطي أو التخلي عن مشروع نووي خيالي. 

حماية الأمة من الخطر التطبيعي الداهم، والذي كما رأينا سابقاً، مع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل منذ أكثر من أربعين عاماً، لا تؤدي إلى أي ازدهار، وإنما فقط حماية النظام الموقع المُطبع. فمثلاً من وجهة نظر الحكم المصري، فإن التطبيع الساداتي باتفاقيات كامب ديفيد، هو ناجح، لأنه استطاع الحفاظ على ديمومة النظام العسكري، وإفشال ثورة 25 يناير، طبعاً النتيجة هي عكسية للشعب المصري، والذي ازداد فقراً، وفقد كل أشكال الحرية. 

هذه الأنظمة تطرح على الأمة إشكالية مهمة، وهي ماذا ستكون عليه الأحوال بالمستقبل، وماذا سنترك لأبناءنا من بعدنا. تُبذر الثروات، وتضيع السيادة وتُقسم الأوطان (جنوب السودان) وذلك فقط كأثمان ندفعها جميعاً، حتى تبقى هذه الأنظمة جاثمة على صدورنا. 

لا حل إذاً إلا بتوحيد جهود كل قوى المجتمع، خصوصاً القوى الشبابية المنتمية للمستقبل، والباحث على اللحاق بركب الأمم، لزعزعة أنظمة الردة والاستبداد، ولدعم أنظمة الثورات والربيع العربي، حتى لا تضطر قهراً للسير بجانب هذه الأنظمة، وراء الخطط الإسرائيلية الأمريكية. دعم السودان مثلاً واجب علينا، خصوصاً وهو يأن، تحت وطأة العقوبات الأمريكية، وويلات الفيضانات العارمة والفقر، وقد أضاع البشير، الرئيس المخلوع، جنوب البلاد الغني بالبترول، كثمن دفعه حتى يُرفع اسمه عن قائمة الإرهاب، وما زال النظام الجديد، متأرجحاً بين المدنيين والعسكر، بين الجديد والقديم.

الاستمرار بالحراك الديمقراطي العربي، كما نرى بلبنان والعراق والجزائر، التضامن الحقيقي لهذه الحركات قد يكون الوسيلة الفعالة، لعودة الروح إلى أمة ال 400 مليون مواطن، بإمكانياتها الهائلة، المُبذرة حالياً كثمن لبقاء الاستبداد.

كاتب ومحلل سياسي

عقلية المؤامرة بين ألعجز ألفكري والمرض ألنفسي. القدس العربي 25 نيسان 2020.

عقلية المؤامرة

د. نزار بدران

تكثر هذه الأيام ظهور العقلية التآمرية، خصوصاً بساحة التواصل الاجتماعي، وهو ما يُطلق عليه الناس نظرية المؤامرة، وكما يقول بيير أندريه تاغييف، فهذه التسمية  خطأ جزئي، لأن المؤامرة قد توجد حقاً. أول كتاب بهذا الصدد، هو لرجل الدين أوغستين بارويل، عام 1798 حين اعتبر الثورة الفرنسية 1789 مؤامرة ضد الدين الكاثوليكي.

تظهر عقلية المؤامرة أمام الأحداث المهمة الدراماتيكية، طبيعية أو اجتماعية، وتنقسم بشكل عام لجزئين حسب علماء الاجتماع، كلاهما يتجاهل الأسباب الحقيقية، المبنية على العلم والمعرفة المؤكدة، إلى أسباب مُختلقة. هؤلاء الذين ينتمون إلى القطاع المُحافظ من المجتمع (اليمين المتطرف)، يرون أن المؤامرة تأتي دائماً من الأسفل، أي الأقليات أو الجزء المهمش من المجتمع، كما حدث عند اتهام مجموعات معينة، بقيامها بنشر الطاعون أو الجُذاب بالقرون الماضية، وهو ما أدى إلى اضطهاد هذه الأقليات (الماسونيون واليهود). النوع الآخر من أصحاب العقلية التآمرية، هم الذين ينتمون إلى الأعلى، أي الجزء المثقف والمُعادي بشكل عام لكل أنواع السلطات، فهؤلاء يرون دائما الحدث، كمؤامرة مُحاكة من السلطة القائمة. فعندما ظهر مرض الايدز مثلاً، اُتهمت الحكومة الأمريكية بنشر المرض، لتقليل عدد سكان العالم بالدول الفقيرة، خصوصاً أفريقيا، أو كما قال حديثاً، آيات الله الخميني، تنشر أمريكا مرض الكورونا، لتغيير جينات الشعب الإيراني.

 وكمثل آخر، يعتبر البعض التطعيم ضد الأمراض، مؤامرة، تفسيرها مرتبط بالمستوى الاجتماعي لدعاة النظرية، بفرنسا أو الدول الغربية الأخرى، يُعتبر اللقاح ضد الأمراض من طرف هؤلاء، تآمر السلطات الحاكمة مع المختبرات الطبية لتحقيق أكبر قدر من الأرباح بالأضافة لمخاطره الكبيرة، وهو ما دفع جزء من الناس، إلى رفض تطعيم أبنائهم، مما أعاد لفرنسا مؤخراً، مرض الحصبة وبعض أمراض الطفولة المُعدية. نفس اللقاح بالدول الفقيرة، يُعتبر من قِبل حاملي هذه العقلية، كمؤامرة غربية، لتعقيم النساء المسلمات، بهدف تقليل عدد السكان، وهو ما زاد من انتشار أمراض وأوبئة خطيرة بدول مثل نيجيريا وباكستان، والتي إختفت ببقاع كثيرة من العالم.

نحن إذاً، أمام ظواهر عالمية غير عقلانية، تواكب دائماً، أي حدث مهم طبيعي أو إنساني الصنع. لا يختلف وباء الكورونا، عن غيره من الأحداث المهمة التراجيدية، التي تفتح مخيلات أصحاب الفكر التآمري.

علم ألإجتماع

تُبنى النظرية التآمرية حسب علماء الاجتماع على أربعة أعمدة،

أولاً: لا شيء يحدث بالصدفة، فموت الأميرة ديانا عام 1997، هو مؤامرة من ملكة بريطانيا، وليس حادث سير عرضي.

ثانياً: كل ما يحدث هو نتيجة إرادة مُسبقة مخفية، كمرض الإيدز مثلاً.

ثالثاً: لا شيء يبدو كما هو حقيقة، بل هو وهم أو خيال للتضليل، والحقيقة بمكان آخر.

وأخيراً: كل الأمور مترابطة، كما حدث بالفترة المكارثية بأمريكا، حيث اُتهم الشيوعيين بتدبير كل المؤامرات ضد الشعب الأمريكي، حتى استعمال الكلور لتنقية المياه، كان عند البعض مؤامرة شيوعية. يُضيف أصحاب الفكر التآمري المُعاصرون، نقطة خامسة: وهي جمع الأدلة الدامغة، ولكن هذه الأدلة لا تجمع، إلا بهدف إثبات النظرية، وتبتعد عن أي دليل عكس ذلك، أو يوضع كجزء من المؤامرة نفسها.

نجاح هذه النظريات مرتبط أيضاً، كما يقول بعض علماء الاجتماع والفلاسفة (آنا آرنت)، بحُب الناس للحصول على تفسير كامل للعالم وما يحدث به، وهو ما يتطابق طبعاً، مع أوهام نظرية المؤامرة التي تفسر كل شيء. لذلك فالكتب التي تُدافع عن النظريات التآمرية، تنتشر واسعاً بين الناس، بينما الكتب المبنية على الحقائق العلمية، لا يقرأها إلا القلة، لأنها لا تعطي جواباً كاملاً شافياً، بسبب طبيعة العلم المُتغير والمتطور.

علم النفس

علم النفس بدوره، يُعطينا تفسيراً للأسباب الموجودة خلف عقلية المؤامرة، لو قرأنا ما كتب سيغموند فرويد مؤسس علم النفس، حول الوهم الديني، بكتابه مستقبل وهم أو كتاب مأساة الثقافة، فإننا قد نجد تفسيراً لهذه النظرية، من نفس مُنطلق النقد الديني. يقول فرويد تُفسر الظواهر الطبيعية العنيفة، مثل الزلازل والفياضانات والأوبئة، بكونها إرداة إلهية، كعقاب للناس، وهو ما يُعطي هذه الظواهر، جزئياً، بُعداً إنسانياً، فيكفي أن نتضرع لله حتى يُبعد عنا ذلك. نستطيع بذلك الاعتقاد الديني بحسب فرويد، أن نضع الظواهر التراجيدية الطبيعية بدائرة الرقابة الإنسانية. نفس الشيء بالنسبة للأوبئة أو للجفاف أو غيره. تفسير فرويد للوهم الديني، مرتبط إذاً بالقلق الإنساني الناتج عن الأخطار التي تحيطه من كل الجهات، الطبيعة، الأمراض والمجتمع، ويضيف أيضاً أنه كلما تقدم العلم تراجعت الخرافات والأوهام وهو ما يدفع أصحابها إلى الألتجاء إلى مزيد من المعجزات لتغطية فشلهم.

قياسا على هذه النظرية، المبنية على علم النفس، يمكننا أن نقول، أن أصحاب نظرية المؤامرة هم بشكل عام، أناس قلقون بطبيعتهم (عقدة الاضطهاد)، وهم بذلك، بحاجة دائماً لتفسيرات كاملة مُشفية للغليل لما يحدث، حتى يتمكنوا من السيطرة على قلقهم هذا.

نظرية المؤامرة إذاً، تُعطي هؤلاء هذه الطمأنينة، لأنها تُفسر لهم كل شيء وبالتفاصيل. الوهم الديني بنظرية فرويد، اُستبدل هنا، بنظرية المؤامرة، ولنفس الهدف، أي إبعاد القلق والخوف. 

الفلسفة

من ناحية أخرى من منظار الفلسفه فإن النظرية السببية، هي أساس العلم والفلسفة معاً، أي لا شيء يحدث، أو يصبح قابلاً للفهم بدون أسباب، مهما كانت صعوبة تحديدها. تفسير ظاهرة ما، يعني أولاً، إظهار سبب أو أسباب ظهورها وهو ما يفسر النتيجة. من هذا المُنطلق، فإن أصحاب العقلية التآمرية، يعكسون هذه النظرية، فالأسباب عندهم تصبح النتائج، والنتائج هي الأسباب. 

فحين نتهم الصين بالتآمر لنشر هذا الوباء، لضرب أمريكا اقتصادياً، فنحن نضع الوباء بمرحلة ثانية تتبع المحرك الأول وهو ضرب الاقتصاد الأمريكي المرجو. طبعاً هناك اليوم من يعتبر أمريكا أساس انتشار المرض لضرب الاقتصاد الصيني، وأخيراً من يتهم فرنسا والصين معاً بهذه الفعلة الشائنة. عقلية المؤامرة إذاً تعكس الأشياء، وهو ما يُسهل عملية الفهم ويُبسطها، وبالتالي يُبعد عنا قلق البحث عن الأسباب أو فهم النتائج. 

تعليم أطفالنا ومنذ الصغر، مباديء النقد الفكري العقلاني، بدل تلقين الأوهام الدينية، والخزعبلات التقليدية، هي ضمان ألا نقع جميعاً، بفخ دُعاة المؤامرات الوهمية، هذه الدعوات التي قد لا تُفيد ولا تُضر ببعض الأحيان، ولكنها بأحيان أخرى قد تكون خطيرة جداً، فانتشار مرض شلل الأطفال، بدول عدة بأفريقيا وأسيا، رغم وجود لقاح فعال وأكيد وآمن ومتوفر ورخيص، هو أكبر دليل على خطورة هذه الأطروحات وضرورة التصدي لها.

ببلادنا العربية، هناك من يتهم إيران بنشر الوباء بالبحرين ودول الخليج، وطبعاً إيران تتهم أمريكا بنفس الشيء. 

الإنسانية أمام حرب عالمية ثالثة، عليها كلها، فلا يوجد متآمر، ولا ضحية تآمر، وإنما فيروس صغير هو السبب، انتقل من حيوان بري بالصين، إلى العالم كله وهو النتيجة، ما يُظهر هشاشة هذا العالم، وضرورة التضامن الشامل لمواجهة الأخطار.

كاتب ومحلل سياسي مستقل

السياسة الأمريكية بالشرق الأوسط بين الثابت والمتحرك. القدس العربي 05 آذار 2020

السياسة الأمريكية بالشرق الأوسط

  بين الثابت والمتحرك

د. نزار بدران

تتميز السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، بكونها انعكاساً لتطور الولايات المتحدة على مدى عقود، خصوصاً إنهاء زمن مضى، وهو القرن التاسع عشر، بقواه التقليدية، فرنسا وبريطانيا والدولة العثمانية، ودخول القرن العشرين، بعد اتفاقيات فرساي عام 1919، والبدء بالعد التنازلي السريع، لتراجع قوى الماضي إلى قوى القرن الجديد، المُتمثل بأمريكا من جهة والاتحاد السوفيتي من جهة أخرى. 

كانت الولايات المتحدة، عندما شاركت بالاتفاقيات الجديدة التي ترسم العالم، وخصوصاً حدود دول الشرق الأوسط، وأوضاعها السياسية كانت تمثل القوى الناشئة الشابة، والتي هي الأولى التي رفعت بوجه الآخرين شعار حق الشعوب بتقرير المصير، والذي رُفع لأول مرة من طرف الرئيس ويلسون، ولكن ذلك لم يمنعه من تطبيق سياسة واقعية، تتناقض تماماً مع هذا المبدء بأميركا اللاتينية، والتدخلات الأمريكية العديدة هناك منذ القرن التاسع عشر، وكذلك رفض الوقوف مع حق الشعب المصري مثلاً بالاستقلال عن بريطانيا. نحن إذاً منذ البدء، مع دولة جديدة ناشئة وذات إمكانيات تزداد قوة، وترفع قيم المجتمعات الإنسانية الحديثة، دون التخلي بنفس الوقت، عن سياسات واقعية، هي بدورها استمرار للزمن الماضي. 

في بداية القرن العشرين، ركزت الولايات المتحدة على البعد الحضاري والثقافي، بتعاملها مع المنطقة العربية، عن طريق تطوير البعثات الثقافية والتعليمية، مقابل التدخلات الأوروبية، ذات الطابع السياسي والاقتصادي. هذه السياسة الشبه انعزالية، لم تدم طويلاً، بعد الحرب العالمية الثانية، والانهيار الكامل لقوى الماضي الأوروبي، لصالح ظهور قوتين جديدتين.

انتقلت بذلك الولايات المتحدة، من كونها قوة ناشئة، إلى موقع قوة عظمى، بجانب القوة العظمى الأخرى وهي الاتحاد السوفيتي، وتقاسمتا العالم من خلال ما يُعرف بالحرب الباردة، والتي لم تكن باردة على كل شعوب العالم، حيث يُقدر ضحاياها بالعالم الثالث ب 34 مليون قتيل، هي إذاً حروب بالوكالة بين الدولتين العظمتين.

نلاحظ في تلك الفترة أن قوة الاتحاد السوفيتي العسكرية، والتي كانت تُضاهي القوة الأمريكية، لم تكن مرتكزة على قوة اقتصادية، كما كان الحال عليه بالولايات المتحدة، فببداية الخمسينات، أي بعد الحرب مباشرة، كان الإنتاج الأمريكي يُعادل نصف إنتاج العالم، استهلاكهم للطاقة، يُعادل أكثر من الثلث، مع تطور علمي وتكنولوجي سريع، لم تعرفة أية دولة أخرى، بينما لم يتجاوز سكان أمريكا 6 بالمئة من سكان المعمورة. رغم مظاهر العظمة السوفيتية، فإن هناك خلل واضح في الأرضية الاقتصادية، التي أدت فيما بعد إلى انهيار الاتحاد السوفيتي.

بعد انهيار حائط برلين، والذي تبع هزيمة الروس بأفغانستان، وفشلهم بالانتصار،  بما سماه دونالد ريغان، حرب النجوم، أي التسابق نحو التسلح، وكذلك الانفجار النووي الرهيب بتشورنوبيل الأوكرانية عام 1986، تفردت الولايات المتحدة، بلعب دور الدولة العظمى، وأصبحت تُسمى دولة القطب الواحد، وهو ما أدى ببعض أساتذة السياسة، من التصور بأننا وصلنا حقاً إلى نهاية التاريخ. 

طبعاً ظهور الصين ابتداءً من سنوات الثمانينات، مع سياسة دينغ كساو بينغ، الاقتصادية وتطورها السريع، أدى لعودة جزئية، لمفهوم العالم ذا القطبين أو المُتعدد الأقطاب.

في إطار هذا العرض العام، ما هي نقاط الثبات بالسياسة الأمريكية ونقاط التحول، الحقيقة أنه لا يمكن أن توجد وبشكل دائم وأبدي، نقاط ثابتة لأي سياسة مهما كانت، ولكن هناك سياسات توضع لمدى طويل استراتيجي، وأخرى سياسية قصيرة الأمد أو تكتيكية.

بحسب الباحثين الأمريكيين أنفسهم، وأذكر منهم  فيليب غولاب، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بباريس حديثا، وجورج بول مساعد وزير الخارجيه الأسبق بالستينات، فهناك ثلاث نقاط، تُعتبر الثلاثي المقدس بالسياسة الأمريكية بالشرق الأوسط، حتى سقوط الاتحاد السوفيتي سنة 1991 تهدف جميعها إلى تمكين الرأسمال والاقتصاد الأمريكي، من السيطرة التامة على مُقدرات العالم، مُستعملة القوة الخشنة، أي العسكرية والاقتصادية، بالإضافة إلى القوة الناعمة، أي العلوم والتكنولوجيا والثقافة والسينما، في خدمة هذا الهدف الوحيد.

الثلاثي السياسي المقدس الأمريكي هو أولاً، الوقوف ضد التمدد الشيوعي واحتواءه، ويتم ذلك عن طريق دعم الأنظمة الديكتاتورية المحافظة، والتصدي لكل القوى المُعارضة لها، ديمقراطية كانت أو غير ديمقراطية، تحت حُجة انتمائها للمعسكر الشيوعي.

المحور الثاني، هو تأمين تدفق النفط خارج المنطقة، عن طريق منع أي تحالفات أو تغيرات سياسية ممكنة تتناقض مع هذا الهدف، مثال ذلك، اتفاق أمن الخليج لعام 1945، أو اسقاط محمد مُصدق بإيران عام 1953، وعودة الشاه.

المحور الثالث الذي حصل في مرحلة متأخرة نسبياً، هو الدعم والالتزام الأمريكي بسلامة واستمرارية دولة إسرائيل، بعد تراجع الدور الأوروبي.

هذه المحاور الثلاث، تُمثل السياسة الأمريكية ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى لحظة انهيار الاتحاد السوفيتي، وهي كما يجب أن نفهمها، مترابطة وليست نقاط متفككة، فدعم إسرائيل هو أيضاً للحفاظ على ديمومة الأنظمة الديكتاتورية المحافظة، والتصدي للتوغل الشيوعي، دعم الأنظمة المحافظة هو أيضاُ للمحافظة على وسائل النفط وإبعاد الخطر الشيوعي. وحدها المحاولات القومية، كما حدث مع الرئيس عبد الناصر أو مُصدق في إيران، من وضع على المحك هذه السياسات وحاول إفشالها، ولكن ذلك لم يدم طويلاً، واستطاعت السياسة الأمريكية أن تحقق كل مرة أهدافها، فهزيمة عام 1967، وضع حداً لحلم عبد الناصر القومي، والإطاحة بمصدق أنهى أمل الإيرانيين بالتمكن من ثروتهم النفطية.

وحدها الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، بقيادة الإمام الخميني، من استطاعت إزعاج هذه السياسات ولمدة طويلة نسبية، وما نراه لحد اليوم من حصار لإيران، إلا محاولة أمريكية لإعادة الأمور إلى نصابها، وهو على ما يظهر، على طريق النجاح. الحروب الطويلة الأمد، هو أكبر مانع للشعوب والدول من التقدم الاقتصادي، وحسب الرئيس الأمريكي الأسبق، جيمي كارتر، بمقابلة حديثة، فإن ما سمح للصين بالوصول لما وصلت إليه، هي إنهاؤها لكل الحروب، التي كانت قد شاركت بها بنهاية السبعينات، وهذه نظرية اجتماعية لعلماء التاريخ، فلا حضارة ممكنة إلا بوجود السلام الدائم. لذلك فإن إدخال إيران ودول المنطقة العربية، وحتى روسيا، باُتون حروب طويلة مكلفة، هي أحد وسائل السياسة الأمريكية، لإبقاء هذه الأطراف، بموقع الضعيف والغير قادر على البدء بعملية بناء مستقلة، قد تُهدد المصلحة الاقتصادية الرأسمالية الأمريكية. ولكن للأسف هذه الأنظمة الاستبدادية، تستعمل هي أيضاً هذه الحروب، لإبعاد أي أمل ديمقراطي تغييري داخلي، فهي بشكل واعٍ أو غير واعٍ، باتباع سياسة الحروب، تُنهي أي أمل حقيقي بالوقوف أمام الهيمنة الأمريكية.

بعد انتهاء فترة الاتحاد السوفيتي، دخلت السياسة الأمريكية بوضع جديد، وهو الانفراد وسياسة القطب الواحد، وأصبحت تدخلاتها العسكرية أكثر حِدة، وبدون أي رادع، وهو ما أدى إلى حروب الخليج الثانية والثالثة، والتي كانت سابقاً، بحرب الخليج الأولى، حرب أمريكية ضد إيران، ولكن بأيادي عربية. كذلك فرض اتفاقيات أوسلو لصالح الطرف الإسرائيلي، بعد الانفراد بالفلسطينيين، والانتقال بمفهوم تحرير فلسطين، إلى مفهوم إقامة فلسطين، على جزء محدود منها.

نرى لذلك، أن الأهداف المُقدسة السابقة الذكر، التي حكمت السياسة الأمريكية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قد بدأت بالتغيير:

أولاً: لم يعد هناك حاجة للحد من المد الشيوعي بعد انهيار حائط برلين والاتحاد السوفيتي، وخروج دول عديدة منه، ودخولهم الاتحاد الأوروبي، حليف أمريكا. 

ثانياً: لم تعد الحاجة للنفط القادم من الشرق الأوسط بنفس الحدة، فالإنتاج الأمريكي من النفط الصخري، والتطور التكنولوجي، والحصول على مصادر مُتجددة للطاقة، أدى إلى أن تستقل أمريكا بشكل كامل اقتصادياً، ولم يعُد هناك ما يُهددها وجودياً، إن توقف إنتاج النفط العربي أو الإيراني. بالمقابل ازداد الطلب العالمي على النفط، وخصوصاً الطلب الصيني، والتي أصبحت القوة الاقتصادية الثانية بالعالم. الخطر السوفيتي انتهى، ولكن أمريكا تواجه خطراً من نوع آخر، وهو الخطر الاقتصادي الصيني العارم، لذلك فإن الاهتمام بمصادر النفط بالشرق الأوسط، أمريكياً سيستمر، حتى تستطيع أن تتحكم أمريكا، بمصادر تمويل الصين النفطية، عن طريق كَم الانتاج المسموح به وسعره. 

ثالثاً: هذا المحور للسياسة الأمريكية، وهو الدعم لإسرائيل، ما زال على حاله، بل ازداد، بسبب انعدام الاستقلالية العربية سياسياً واقتصاديا. الدور الإسرائيلي أمريكياً، انتقل من حاجة إسرائيل لحماية أمريكا من الخطر العربي (كما كان زمن عبد الناصر مثلاً)، إلى الحاجة إلى إسرائيل قوية، لدعم الأنظمة المحافظة، أمام ثورات شعوبها، هذا ما نراه وما يُفسر، التقارب العربي الإسرائيلي بين دول الثورات المضادة، المُعادية للربيع العربي، وإسرائيل. فهي تريد أن تحمي نفسها، وتجلب التعاطف الامريكي، عن طريق الارتماء بالحضن الإسرائيلي، لم تعد إسرائيل موجودة لمنع أي تحالفات بالمنطقة، قد تؤدي إلى تهديد وسائل نقل النفط، والذي قلت أهميته، وإنما فقط الحفاظ على وضع سياسي عربي مُفكك، لمنع أي انتصار للربيع العربي، أو تكامل وتضامن الشعوب العربية، بأُطر أنظمة ديمقراطية، ستكون بشكل شبه أكيد، خارج إطار السياسة الأمريكية. المد الإسلامي المُتطرف وظواهره العنيفة، هي أيضاً جزء لهذه السياسات الهادفة لخنق الربيع العربي.

ما هي السياسات الأمريكية المُستقبلية، بناءً على مُعطيات الماضي والحاضر، من الصعب التنبؤ بذلك، ولكن يبقى هناك أمل بالتغيير، نتيجة أشياء عدة صغيرة حالياً، ولكنها قد تكون كبيرة غداً، أولاً وأهم شيء، انتشار الوعي وانتفاضة الشباب العربي، ضد كل مخلفات القرن العشرين، من تبعية وتجزئة، وأنظمة شمولية وأنظمة عسكرية، وخنق للحريات حتى نلحق بدول العالم.  ثانيها، تطور الوسائل البديلة للطاقة، وتراجع دور النفط بالمستقبل، مما سيحد من الأهمية الاستراتيجية من وجود الأنظمة المحافظة بالسياسة الأمريكية، وإمكانية التخلي عنها تدريجياً، وهو ما قد يؤدي بشكل آخر إلى تقليل الاهتمام بالدور الإسرائيلي كفاعل مهم بالسياسة الأمريكية. وما تصريحات مرشح الرئاسة ساندرز، بأمريكا وغيره، وتغير لغة الصحافة هناك، إلا بدايات بسيطة لتحول ممكن. 

الخوف وفوضى السياسة

نشر بالقدس العربي بتاريخ 10 تموز 2017 مقال بقلم نزار بدران

أحداث الخليج الأخيرة، وتمزُق مجلس التعاون الخليجي، الذي فشل تماماً، ومنذ نشأته بتحقيق أي خطى حقيقية للوحدة، بمفهومها الشعبي، فتح الحدود أمام حركة الأشخاص والبضائع بدون عائق، والتكامل التدريجي للقوانين الداخلية لأعضائه، وانتهاج سياسات خارجية واقتصادية واحدة وتوحيد العملة. بدل ذلك لم يعمل المجلس طوال عهده، إلا على الهاجس الأمني، وتأمين حكم القلة، ذي الطابع القبلي، مُتلفحاً بغطاء الدين والشورى والبيعة.
الربيع العربي تعثر في دول كثيرة، وبأشكال مختلفة، بسب تعنت الأنظمة العربية، وإصرارها على الاستمرار بالحكم، رغم التغيرات الاجتماعية الكبيرة، التي حصلت بهذه الدول منذ أكثر من ثلاثين عاماً، خصوصاً على مفهوم تطور الطبقة الوسطى، وعولمة الاقتصاد والثقافة والعلم، ولكن ايضا المعلومة والفكر، الذي لم تستطع الحدود الجغرافية لدولنا العربية، منعه من الدخول إلى عقول وأفئدة الشباب.
رجال ونساء السياسة الحقيقيون، هم هؤلاء الناس، الذين فهموا ويفهمون، آليات مجتمعاتهم و القوى الاجتماعية الفاعلة بها، والذين يطورون خطابهم ومشروعهم السياسي والاجتماعي، بناء على تلك المعطيات المتغيرة دائماً. هنا تكمن صعوبة السياسة، لأنها بالإضافة للمعرفة والعلم الأكاديمي بحاجة إلى قوة الملاحظة والمتابعة وتصور الأشياء كما هي أو كما قد تكون. رجل السياسة القوي المؤثر هو ذلك الإنسان الذي يستطيع فهم مجتمعه ويطرح بناء على هذا الفهم الحلول المناسبة.
قوى المجتمع المختلفة والتي تعبر عن مصالح متناقضة يعبر عنها بالدول الديمقراطية بالأحزاب السياسية، والتي تضع بالسلطة وبالتناوب سياسيين من اتجاهات مختلفة وذلك للحفاظ على توازن المجتمع، فالذهاب بعيدا باتجاه يعدله فيما بعد الذهاب باتجاه آخر بناء على الحكم الشعبي الانتخابي.
في دول الخليج العربي ولكن أيضا بمعظم الدول العربية الأخرى لا يوجد رجال سياسة بهذا المفهوم وإنما أشخاص يعبرون عن مصالح شخصية عائلية أو قبلية لا دراية لهم بتناقضات المجتمع ولا بوسائل تماسكه، لا يملكون المقدرة لتوقع ما سيحدث ، وجودهم بمركز السلطة ليس بناء على معرفتهم العميقة بمجتمعاتهم أو لحملهم رسالة فكرية أو اجتماعية يريدون توصيلها، هؤلاء موجودون تقريبا بالصدفة إما بالوراثة والتي لا تعطي معرفة خاصة ، وأما الانقلابات العسكرية.
عندما كانت معادلة الحكم مبنية على العصبية المهيمنة التي تصل بالقوة وتتعامل مع باقي العصبيات الضعيفة من منظار الزبائنية (كما شرحها ابن خلدون) كانت هذه الأنظمة تملك القاعدة الصلبة لبقائها لأنها كانت تعامل المجتمع وقبائله من مفهوم الزبائن والواسطات والمصالح الشخصية الضيقة ، فالوظيفة أو التسجيل بالجامعة أو الحصول على عمل بالإدارة أو درجة أعلى أو فتح مشروع تجاري هو في معظم الأحيان نتاج منظار زبائني للحصول على الولاءات وليس من منظور المصلحة العامة، حتى الحصول على العلاج يكون في بعض الدول بمكرمة من هرم السلطة بدل أن يكون حقا للمريض وواجبا على المسؤول.
عندما انقلب الوضع مع الربيع العربي ورفض جيل الشباب المعولم الجديد هذا المفهوم وهو الطائق إلى الانفتاح على العالم وعلى مجتمعاته والراغب في تفجير طاقاته لصالح وطنه ، لم تستطع هذه الطبقة الحاكمة بكل أشكالها أن تتعامل معه وهو ما أدى إلى ذلك التخبط بالسياسات الحالية والتي قاسمها المشترك هو درء الخطر القادم على هذه العائلات الحاكمة أو المستولين على السلطة لأهداف مافوية. هؤلاء حتى ولو أرادوا ليست لهم المقدرة المعرفية والحنكة السياسية لمماشات التطورات الاجتماعية العميقة الحادثة بأوطاننا والتي طبعا لم يتابعها أحد من أفراد السلطة أو الأبواق الإعلامية و أشباه المفكرين الذين يهللون للسلطان دائما.
أجوبة الأنظمة حاليا ليست أبدا عقلانية ولا تعكس فهما سياسيا لمن يملك السلطة ، لذلك فلا أظن أننا سنجد بالايام والسنين القادمة توازنا جديدا للقوى الفاعلة بالأمة لوضعها على طريق الحداثة والسلامة.
الحروب المدمرة بالعراق وسوريا وليبيا واليمن والقمع بالبحرين وغيرها هو نتاج هذا الجهل الذي يطبع انظمتنا، فهي لن تستطيع طرح أي حل مبني على الوعي والمصلحة العامة وستبقى أسيرة الحس الأمني المرهف والرعب من ما ينتظرها بقادم الأيام عندما بدأت تستشعر فقدانها للنظام الثابت الزبائني الذي عاشت عليه لعشرات السنين.

كاتب عربي

الخوف وحده لا يكفي

الخوف وحده لا يكفي

القدس العربي

نزار بدران

May 16, 2017

منذ قديم الزمان، اعتمدت السلطة لتثبت وجودها، على مبدأ السيطرة بالقوة على مجموع الناس، وذلك أساساً بالتخويف والإرهاب، فالقتل والإخفاء والتجويع وغيره، كانت من الوسائل المُستعملة، حتى في أكبر الحضارات السابقة، وما زالت طبعاً، بدون تغيير في أيامنا هذه، في كثير من دول العالم، التي تتسلط عليها حكومات شمولية، ومنها جزء كبير من العالم العربي والإسلامي.
لكن هل التخويف والإرهاب، يكفي لبقاء هذه الدول، وتلك السلطات، هذا ما ينفيه المؤرخون والفلاسفة فابن خلدون مثلاً، انتقد العرب بقوة، واتهمهم باستعمال العنف والدمار لتثبيت حكمهم بعد الفترة الذهبية الأولى ، ولكنه أكد بشكل واضح، أن الشيء الوحيد الذي سيُوحد هؤلاء، ويجمع الرعية المسلمة تحت رايتهم، وتجعلها تتقبل قرارات السلطة، هي الدعوة. وهكذا أمن الأمويون والعباسيون وغيرهم، حكمهم على شعوب المنطقة، بالخلط الدائم بين التخويف والإيديولوجية، مستعملة دائماً غطاء الفكر الديني، لإبعاد خطر الثورات ضدها.
الأسلوب نفسه اُستعمل زمن الدولة العثمانية، فرغم استبداد الباب العالي، إلا أن من جمع الناس، هو الأدلجة الدينية ورفع راية الدعوة.
حدث ذلك أيضاً بالاتحاد السوفييتي، فإرهاب ستالين والنظام الشيوعي ، احتاج لاستمراريته سبعين عاماً، إلى إيديولوجية لينين وماركس، لتغطية الإجرام ضد الناس، كذلك الأمر بالصين وغيرها. ويظهر القائد رغم إجرامه، كمحبوب للجماهير والتي تستعد للتضحية من أجله.
هذا ظهر جلياً في بلاد العرب، زمن جمال عبد الناصر، ذي الشعبية الساحقة، والذي بالوقت نفسه، أسس لما نرى حالياً، من أنظمة عسكرية مُستبدة، ولم يفسح المجال يوماً، لانتشار الديمقراطية في مصر، ويُحاول السيسي حالياً، استغلال هذه الشعبية، ولو بعد سنوات طويلة لتثبيت حكم العسكر.
الدين والسلطة، أو الإيديولوجية والسلطة، هما رديفان لكل نظام استبدادي، هذا أيضاً ما نرى في إيران الإسلامية، أو فنزويلا الثورة الشافيزية .
وقد فهم النظام السوري ذلك، لقمع شعبه على مدار ستين عاماً، فأسس لما يدعي أنها نظرية الممانعة والمقاومة، ليحمي بها ظُلمَه، وهو يستمر بذلك رغم دمار سوريا على يديه، بينما لم يُمانع أو يُقاوم يوماً احتلال إسرائيل للجولان أو تحرير متراً من فلسطين.
عندما تسقط ورقة التوت الإيديولوجية، يتعرى النظام، وفي تلك اللحظة، الخوف وحده لا يكفي لحمايته من ثورة الجوعى والفقراء.
هذه الورقة لا تسقط، إلا بتطور فهم الناس ووعيهم، هذا ما حدث في الثورة الفرنسية، التي استنارت بفكر عظماء الفكر والفلسفة، لإزاحة الحكم الملكي الفاسد، بعد رفض الناس للسيطرة الفكرية للكنيسة الكاثوليكية، التي كانت تُبَرر كل ممارسات الإقطاع.
وهذا ما بدأ في فنزويلا، عندما زال رمز الفكر، تشافيز، والذي استطاع بقوة شخصيته وثورته البوليفارية، أن يجمع أبناء فنزويلا، رغم سياسات عوجاء، أدت لخراب أكبر البلاد ثراءً بالنفط.
وهذا ما حدث في دول أوروبا الشرقية، والتي لم تعد تتقبل الفكر الماركسي، كمنارة للهداية، بعد زوال الاتحاد السوفييتي للسبب نفسه. وهذا ما حرك جماهير الأمة في تونس ومصر واليمن والبحرين وغيرها، عندما لم تعُد الأنظمة قادرة على طرح غطاء فكري، يجمد التناقض بينها وبين شعوبها، وعندما وصلت طبقة الشباب العربي، إلى وعي كافٍ لذلك.
العلم والتعلم، ونشر المعرفة والثقافة ومُقارعة التيارات الدينية العقيمة أو الفكرية الشمولية، هو من سيُعري هذه الأنظمة، ولا يترك بيدها إلا القوة لفرض سيطرتها، ذلك الحين ستعمل جاهدة، ، لتأجيج النزاعات الداخلية أو خلق الأعداء الوهميين بالخارج، ولكن بدون جدوى، فهي تعلم تماما، أن الخوف وحده لا يكفي لبقاء أنظمة الاستبداد.

كاتب فلسطيني