عقلية المؤامرة بين ألعجز ألفكري والمرض ألنفسي. القدس العربي 25 نيسان 2020.

عقلية المؤامرة

 بين العجز الفكري والمرض النفسي 

د. نزار بدران

تكثر هذه الأيام ظهور العقلية التآمرية، خصوصاً بساحة التواصل الاجتماعي، وهو ما يُطلق عليه الناس نظرية المؤامرة، وكما يقول بيير أندريه تاغييف، فهذه التسمية  خطأ جزئي، لأن المؤامرة قد توجد حقاً. أول كتاب بهذا الصدد، هو لرجل الدين أوغستين بارويل، عام 1798 حين اعتبر الثورة الفرنسية 1789 مؤامرة ضد الدين الكاثوليكي.

تظهر عقلية المؤامرة أمام الأحداث المهمة الدراماتيكية، طبيعية أو اجتماعية، وتنقسم بشكل عام لجزئين حسب علماء الاجتماع، كلاهما يتجاهل الأسباب الحقيقية، المبنية على العلم والمعرفة المؤكدة، إلى أسباب مُختلقة. هؤلاء الذين ينتمون إلى القطاع المُحافظ من المجتمع (اليمين المتطرف)، يرون أن المؤامرة تأتي دائماً من الأسفل، أي الأقليات أو الجزء المهمش من المجتمع، كما حدث عند اتهام مجموعات معينة، بقيامها بنشر الطاعون أو الجُذاب بالقرون الماضية، وهو ما أدى إلى اضطهاد هذه الأقليات (الماسونيون واليهود). النوع الآخر من أصحاب العقلية التآمرية، هم الذين ينتمون إلى الأعلى، أي الجزء المثقف والمُعادي بشكل عام لكل أنواع السلطات، فهؤلاء يرون دائما الحدث، كمؤامرة مُحاكة من السلطة القائمة. فعندما ظهر مرض الايدز مثلاً، اُتهمت الحكومة الأمريكية بنشر المرض، لتقليل عدد سكان العالم بالدول الفقيرة، خصوصاً أفريقيا، أو كما قال حديثاً، آيات الله الخميني، تنشر أمريكا مرض الكورونا، لتغيير جينات الشعب الإيراني.

 وكمثل آخر، يعتبر البعض التطعيم ضد الأمراض، مؤامرة، تفسيرها مرتبط بالمستوى الاجتماعي لدعاة النظرية، بفرنسا أو الدول الغربية الأخرى، يُعتبر اللقاح ضد الأمراض من طرف هؤلاء، تآمر السلطات الحاكمة مع المختبرات الطبية لتحقيق أكبر قدر من الأرباح بالأضافة لمخاطره الكبيرة، وهو ما دفع جزء من الناس، إلى رفض تطعيم أبنائهم، مما أعاد لفرنسا مؤخراً، مرض الحصبة وبعض أمراض الطفولة المُعدية. نفس اللقاح بالدول الفقيرة، يُعتبر من قِبل حاملي هذه العقلية، كمؤامرة غربية، لتعقيم النساء المسلمات، بهدف تقليل عدد السكان، وهو ما زاد من انتشار أمراض وأوبئة خطيرة بدول مثل نيجيريا وباكستان، والتي إختفت ببقاع كثيرة من العالم.

نحن إذاً، أمام ظواهر عالمية غير عقلانية، تواكب دائماً، أي حدث مهم طبيعي أو إنساني الصنع. لا يختلف وباء الكورونا، عن غيره من الأحداث المهمة التراجيدية، التي تفتح مخيلات أصحاب الفكر التآمري.

علم ألإجتماع

تُبنى النظرية التآمرية حسب علماء الاجتماع على أربعة أعمدة،

أولاً: لا شيء يحدث بالصدفة، فموت الأميرة ديانا عام 1997، هو مؤامرة من ملكة بريطانيا، وليس حادث سير عرضي.

ثانياً: كل ما يحدث هو نتيجة إرادة مُسبقة مخفية، كمرض الإيدز مثلاً.

ثالثاً: لا شيء يبدو كما هو حقيقة، بل هو وهم أو خيال للتضليل، والحقيقة بمكان آخر.

وأخيراً: كل الأمور مترابطة، كما حدث بالفترة المكارثية بأمريكا، حيث اُتهم الشيوعيين بتدبير كل المؤامرات ضد الشعب الأمريكي، حتى استعمال الكلور لتنقية المياه، كان عند البعض مؤامرة شيوعية. يُضيف أصحاب الفكر التآمري المُعاصرون، نقطة خامسة: وهي جمع الأدلة الدامغة، ولكن هذه الأدلة لا تجمع، إلا بهدف إثبات النظرية، وتبتعد عن أي دليل عكس ذلك، أو يوضع كجزء من المؤامرة نفسها.

نجاح هذه النظريات مرتبط أيضاً، كما يقول بعض علماء الاجتماع والفلاسفة (آنا آرنت)، بحُب الناس للحصول على تفسير كامل للعالم وما يحدث به، وهو ما يتطابق طبعاً، مع أوهام نظرية المؤامرة التي تفسر كل شيء. لذلك فالكتب التي تُدافع عن النظريات التآمرية، تنتشر واسعاً بين الناس، بينما الكتب المبنية على الحقائق العلمية، لا يقرأها إلا القلة، لأنها لا تعطي جواباً كاملاً شافياً، بسبب طبيعة العلم المُتغير والمتطور.

علم النفس

علم النفس بدوره، يُعطينا تفسيراً للأسباب الموجودة خلف عقلية المؤامرة، لو قرأنا ما كتب سيغموند فرويد مؤسس علم النفس، حول الوهم الديني، بكتابه مستقبل وهم أو كتاب مأساة الثقافة، فإننا قد نجد تفسيراً لهذه النظرية، من نفس مُنطلق النقد الديني. يقول فرويد تُفسر الظواهر الطبيعية العنيفة، مثل الزلازل والفياضانات والأوبئة، بكونها إرداة إلهية، كعقاب للناس، وهو ما يُعطي هذه الظواهر، جزئياً، بُعداً إنسانياً، فيكفي أن نتضرع لله حتى يُبعد عنا ذلك. نستطيع بذلك الاعتقاد الديني بحسب فرويد، أن نضع الظواهر التراجيدية الطبيعية بدائرة الرقابة الإنسانية. نفس الشيء بالنسبة للأوبئة أو للجفاف أو غيره. تفسير فرويد للوهم الديني، مرتبط إذاً بالقلق الإنساني الناتج عن الأخطار التي تحيطه من كل الجهات، الطبيعة، الأمراض والمجتمع، ويضيف أيضاً أنه كلما تقدم العلم تراجعت الخرافات والأوهام وهو ما يدفع أصحابها إلى الألتجاء إلى مزيد من المعجزات لتغطية فشلهم.

قياسا على هذه النظرية، المبنية على علم النفس، يمكننا أن نقول، أن أصحاب نظرية المؤامرة هم بشكل عام، أناس قلقون بطبيعتهم (عقدة الاضطهاد)، وهم بذلك، بحاجة دائماً لتفسيرات كاملة مُشفية للغليل لما يحدث، حتى يتمكنوا من السيطرة على قلقهم هذا.

نظرية المؤامرة إذاً، تُعطي هؤلاء هذه الطمأنينة، لأنها تُفسر لهم كل شيء وبالتفاصيل. الوهم الديني بنظرية فرويد، اُستبدل هنا، بنظرية المؤامرة، ولنفس الهدف، أي إبعاد القلق والخوف. 

الفلسفة

من ناحية أخرى من منظار الفلسفه فإن النظرية السببية، هي أساس العلم والفلسفة معاً، أي لا شيء يحدث، أو يصبح قابلاً للفهم بدون أسباب، مهما كانت صعوبة تحديدها. تفسير ظاهرة ما، يعني أولاً، إظهار سبب أو أسباب ظهورها وهو ما يفسر النتيجة. من هذا المُنطلق، فإن أصحاب العقلية التآمرية، يعكسون هذه النظرية، فالأسباب عندهم تصبح النتائج، والنتائج هي الأسباب. 

فحين نتهم الصين بالتآمر لنشر هذا الوباء، لضرب أمريكا اقتصادياً، فنحن نضع الوباء بمرحلة ثانية تتبع المحرك الأول وهو ضرب الاقتصاد الأمريكي المرجو. طبعاً هناك اليوم من يعتبر أمريكا أساس انتشار المرض لضرب الاقتصاد الصيني، وأخيراً من يتهم فرنسا والصين معاً بهذه الفعلة الشائنة. عقلية المؤامرة إذاً تعكس الأشياء، وهو ما يُسهل عملية الفهم ويُبسطها، وبالتالي يُبعد عنا قلق البحث عن الأسباب أو فهم النتائج. 

ببلادنا العربية، هناك من يتهم إيران بنشر الوباء بالبحرين ودول الخليج، وطبعاً إيران تتهم أمريكا بنفس الشيء. 

الإنسانية أمام حرب عالمية ثالثة، عليها كلها، فلا يوجد متآمر، ولا ضحية تآمر، وإنما فيروس صغير هو السبب، انتقل من حيوان بري بالصين، إلى العالم كله وهو النتيجة، ما يُظهر هشاشة هذا العالم، وضرورة التضامن الشامل لمواجهة الأخطار.

تعليم أطفالنا ومنذ الصغر، مباديء النقد الفكري العقلاني، بدل تلقين الأوهام الدينية، والخزعبلات التقليدية، هي ضمان ألا نقع جميعاً، بفخ دُعاة المؤامرات الوهمية، هذه الدعوات التي قد لا تُفيد ولا تُضر ببعض الأحيان، ولكنها بأحيان أخرى قد تكون خطيرة جداً، فانتشار مرض شلل الأطفال، بدول عدة بأفريقيا وأسيا، رغم وجود لقاح فعال وأكيد وآمن ومتوفر ورخيص، هو أكبر دليل على خطورة هذه الأطروحات وضرورة التصدي لها.

كاتب ومحلل سياسي مستقل

السياسة الأمريكية بالشرق الأوسط بين الثابت والمتحرك. القدس العربي 05 آذار 2020

السياسة الأمريكية بالشرق الأوسط

  بين الثابت والمتحرك

د. نزار بدران

تتميز السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، بكونها انعكاساً لتطور الولايات المتحدة على مدى عقود، خصوصاً إنهاء زمن مضى، وهو القرن التاسع عشر، بقواه التقليدية، فرنسا وبريطانيا والدولة العثمانية، ودخول القرن العشرين، بعد اتفاقيات فرساي عام 1919، والبدء بالعد التنازلي السريع، لتراجع قوى الماضي إلى قوى القرن الجديد، المُتمثل بأمريكا من جهة والاتحاد السوفيتي من جهة أخرى. 

كانت الولايات المتحدة، عندما شاركت بالاتفاقيات الجديدة التي ترسم العالم، وخصوصاً حدود دول الشرق الأوسط، وأوضاعها السياسية كانت تمثل القوى الناشئة الشابة، والتي هي الأولى التي رفعت بوجه الآخرين شعار حق الشعوب بتقرير المصير، والذي رُفع لأول مرة من طرف الرئيس ويلسون، ولكن ذلك لم يمنعه من تطبيق سياسة واقعية، تتناقض تماماً مع هذا المبدء بأميركا اللاتينية، والتدخلات الأمريكية العديدة هناك منذ القرن التاسع عشر، وكذلك رفض الوقوف مع حق الشعب المصري مثلاً بالاستقلال عن بريطانيا. نحن إذاً منذ البدء، مع دولة جديدة ناشئة وذات إمكانيات تزداد قوة، وترفع قيم المجتمعات الإنسانية الحديثة، دون التخلي بنفس الوقت، عن سياسات واقعية، هي بدورها استمرار للزمن الماضي. 

في بداية القرن العشرين، ركزت الولايات المتحدة على البعد الحضاري والثقافي، بتعاملها مع المنطقة العربية، عن طريق تطوير البعثات الثقافية والتعليمية، مقابل التدخلات الأوروبية، ذات الطابع السياسي والاقتصادي. هذه السياسة الشبه انعزالية، لم تدم طويلاً، بعد الحرب العالمية الثانية، والانهيار الكامل لقوى الماضي الأوروبي، لصالح ظهور قوتين جديدتين.

انتقلت بذلك الولايات المتحدة، من كونها قوة ناشئة، إلى موقع قوة عظمى، بجانب القوة العظمى الأخرى وهي الاتحاد السوفيتي، وتقاسمتا العالم من خلال ما يُعرف بالحرب الباردة، والتي لم تكن باردة على كل شعوب العالم، حيث يُقدر ضحاياها بالعالم الثالث ب 34 مليون قتيل، هي إذاً حروب بالوكالة بين الدولتين العظمتين.

نلاحظ في تلك الفترة أن قوة الاتحاد السوفيتي العسكرية، والتي كانت تُضاهي القوة الأمريكية، لم تكن مرتكزة على قوة اقتصادية، كما كان الحال عليه بالولايات المتحدة، فببداية الخمسينات، أي بعد الحرب مباشرة، كان الإنتاج الأمريكي يُعادل نصف إنتاج العالم، استهلاكهم للطاقة، يُعادل أكثر من الثلث، مع تطور علمي وتكنولوجي سريع، لم تعرفة أية دولة أخرى، بينما لم يتجاوز سكان أمريكا 6 بالمئة من سكان المعمورة. رغم مظاهر العظمة السوفيتية، فإن هناك خلل واضح في الأرضية الاقتصادية، التي أدت فيما بعد إلى انهيار الاتحاد السوفيتي.

بعد انهيار حائط برلين، والذي تبع هزيمة الروس بأفغانستان، وفشلهم بالانتصار،  بما سماه دونالد ريغان، حرب النجوم، أي التسابق نحو التسلح، وكذلك الانفجار النووي الرهيب بتشورنوبيل الأوكرانية عام 1986، تفردت الولايات المتحدة، بلعب دور الدولة العظمى، وأصبحت تُسمى دولة القطب الواحد، وهو ما أدى ببعض أساتذة السياسة، من التصور بأننا وصلنا حقاً إلى نهاية التاريخ. 

طبعاً ظهور الصين ابتداءً من سنوات الثمانينات، مع سياسة دينغ كساو بينغ، الاقتصادية وتطورها السريع، أدى لعودة جزئية، لمفهوم العالم ذا القطبين أو المُتعدد الأقطاب.

في إطار هذا العرض العام، ما هي نقاط الثبات بالسياسة الأمريكية ونقاط التحول، الحقيقة أنه لا يمكن أن توجد وبشكل دائم وأبدي، نقاط ثابتة لأي سياسة مهما كانت، ولكن هناك سياسات توضع لمدى طويل استراتيجي، وأخرى سياسية قصيرة الأمد أو تكتيكية.

بحسب الباحثين الأمريكيين أنفسهم، وأذكر منهم  فيليب غولاب، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بباريس حديثا، وجورج بول مساعد وزير الخارجيه الأسبق بالستينات، فهناك ثلاث نقاط، تُعتبر الثلاثي المقدس بالسياسة الأمريكية بالشرق الأوسط، حتى سقوط الاتحاد السوفيتي سنة 1991 تهدف جميعها إلى تمكين الرأسمال والاقتصاد الأمريكي، من السيطرة التامة على مُقدرات العالم، مُستعملة القوة الخشنة، أي العسكرية والاقتصادية، بالإضافة إلى القوة الناعمة، أي العلوم والتكنولوجيا والثقافة والسينما، في خدمة هذا الهدف الوحيد.

الثلاثي السياسي المقدس الأمريكي هو أولاً، الوقوف ضد التمدد الشيوعي واحتواءه، ويتم ذلك عن طريق دعم الأنظمة الديكتاتورية المحافظة، والتصدي لكل القوى المُعارضة لها، ديمقراطية كانت أو غير ديمقراطية، تحت حُجة انتمائها للمعسكر الشيوعي.

المحور الثاني، هو تأمين تدفق النفط خارج المنطقة، عن طريق منع أي تحالفات أو تغيرات سياسية ممكنة تتناقض مع هذا الهدف، مثال ذلك، اتفاق أمن الخليج لعام 1945، أو اسقاط محمد مُصدق بإيران عام 1953، وعودة الشاه.

المحور الثالث الذي حصل في مرحلة متأخرة نسبياً، هو الدعم والالتزام الأمريكي بسلامة واستمرارية دولة إسرائيل، بعد تراجع الدور الأوروبي.

هذه المحاور الثلاث، تُمثل السياسة الأمريكية ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى لحظة انهيار الاتحاد السوفيتي، وهي كما يجب أن نفهمها، مترابطة وليست نقاط متفككة، فدعم إسرائيل هو أيضاً للحفاظ على ديمومة الأنظمة الديكتاتورية المحافظة، والتصدي للتوغل الشيوعي، دعم الأنظمة المحافظة هو أيضاُ للمحافظة على وسائل النفط وإبعاد الخطر الشيوعي. وحدها المحاولات القومية، كما حدث مع الرئيس عبد الناصر أو مُصدق في إيران، من وضع على المحك هذه السياسات وحاول إفشالها، ولكن ذلك لم يدم طويلاً، واستطاعت السياسة الأمريكية أن تحقق كل مرة أهدافها، فهزيمة عام 1967، وضع حداً لحلم عبد الناصر القومي، والإطاحة بمصدق أنهى أمل الإيرانيين بالتمكن من ثروتهم النفطية.

وحدها الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، بقيادة الإمام الخميني، من استطاعت إزعاج هذه السياسات ولمدة طويلة نسبية، وما نراه لحد اليوم من حصار لإيران، إلا محاولة أمريكية لإعادة الأمور إلى نصابها، وهو على ما يظهر، على طريق النجاح. الحروب الطويلة الأمد، هو أكبر مانع للشعوب والدول من التقدم الاقتصادي، وحسب الرئيس الأمريكي الأسبق، جيمي كارتر، بمقابلة حديثة، فإن ما سمح للصين بالوصول لما وصلت إليه، هي إنهاؤها لكل الحروب، التي كانت قد شاركت بها بنهاية السبعينات، وهذه نظرية اجتماعية لعلماء التاريخ، فلا حضارة ممكنة إلا بوجود السلام الدائم. لذلك فإن إدخال إيران ودول المنطقة العربية، وحتى روسيا، باُتون حروب طويلة مكلفة، هي أحد وسائل السياسة الأمريكية، لإبقاء هذه الأطراف، بموقع الضعيف والغير قادر على البدء بعملية بناء مستقلة، قد تُهدد المصلحة الاقتصادية الرأسمالية الأمريكية. ولكن للأسف هذه الأنظمة الاستبدادية، تستعمل هي أيضاً هذه الحروب، لإبعاد أي أمل ديمقراطي تغييري داخلي، فهي بشكل واعٍ أو غير واعٍ، باتباع سياسة الحروب، تُنهي أي أمل حقيقي بالوقوف أمام الهيمنة الأمريكية.

بعد انتهاء فترة الاتحاد السوفيتي، دخلت السياسة الأمريكية بوضع جديد، وهو الانفراد وسياسة القطب الواحد، وأصبحت تدخلاتها العسكرية أكثر حِدة، وبدون أي رادع، وهو ما أدى إلى حروب الخليج الثانية والثالثة، والتي كانت سابقاً، بحرب الخليج الأولى، حرب أمريكية ضد إيران، ولكن بأيادي عربية. كذلك فرض اتفاقيات أوسلو لصالح الطرف الإسرائيلي، بعد الانفراد بالفلسطينيين، والانتقال بمفهوم تحرير فلسطين، إلى مفهوم إقامة فلسطين، على جزء محدود منها.

نرى لذلك، أن الأهداف المُقدسة السابقة الذكر، التي حكمت السياسة الأمريكية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قد بدأت بالتغيير:

أولاً: لم يعد هناك حاجة للحد من المد الشيوعي بعد انهيار حائط برلين والاتحاد السوفيتي، وخروج دول عديدة منه، ودخولهم الاتحاد الأوروبي، حليف أمريكا. 

ثانياً: لم تعد الحاجة للنفط القادم من الشرق الأوسط بنفس الحدة، فالإنتاج الأمريكي من النفط الصخري، والتطور التكنولوجي، والحصول على مصادر مُتجددة للطاقة، أدى إلى أن تستقل أمريكا بشكل كامل اقتصادياً، ولم يعُد هناك ما يُهددها وجودياً، إن توقف إنتاج النفط العربي أو الإيراني. بالمقابل ازداد الطلب العالمي على النفط، وخصوصاً الطلب الصيني، والتي أصبحت القوة الاقتصادية الثانية بالعالم. الخطر السوفيتي انتهى، ولكن أمريكا تواجه خطراً من نوع آخر، وهو الخطر الاقتصادي الصيني العارم، لذلك فإن الاهتمام بمصادر النفط بالشرق الأوسط، أمريكياً سيستمر، حتى تستطيع أن تتحكم أمريكا، بمصادر تمويل الصين النفطية، عن طريق كَم الانتاج المسموح به وسعره. 

ثالثاً: هذا المحور للسياسة الأمريكية، وهو الدعم لإسرائيل، ما زال على حاله، بل ازداد، بسبب انعدام الاستقلالية العربية سياسياً واقتصاديا. الدور الإسرائيلي أمريكياً، انتقل من حاجة إسرائيل لحماية أمريكا من الخطر العربي (كما كان زمن عبد الناصر مثلاً)، إلى الحاجة إلى إسرائيل قوية، لدعم الأنظمة المحافظة، أمام ثورات شعوبها، هذا ما نراه وما يُفسر، التقارب العربي الإسرائيلي بين دول الثورات المضادة، المُعادية للربيع العربي، وإسرائيل. فهي تريد أن تحمي نفسها، وتجلب التعاطف الامريكي، عن طريق الارتماء بالحضن الإسرائيلي، لم تعد إسرائيل موجودة لمنع أي تحالفات بالمنطقة، قد تؤدي إلى تهديد وسائل نقل النفط، والذي قلت أهميته، وإنما فقط الحفاظ على وضع سياسي عربي مُفكك، لمنع أي انتصار للربيع العربي، أو تكامل وتضامن الشعوب العربية، بأُطر أنظمة ديمقراطية، ستكون بشكل شبه أكيد، خارج إطار السياسة الأمريكية. المد الإسلامي المُتطرف وظواهره العنيفة، هي أيضاً جزء لهذه السياسات الهادفة لخنق الربيع العربي.

ما هي السياسات الأمريكية المُستقبلية، بناءً على مُعطيات الماضي والحاضر، من الصعب التنبؤ بذلك، ولكن يبقى هناك أمل بالتغيير، نتيجة أشياء عدة صغيرة حالياً، ولكنها قد تكون كبيرة غداً، أولاً وأهم شيء، انتشار الوعي وانتفاضة الشباب العربي، ضد كل مخلفات القرن العشرين، من تبعية وتجزئة، وأنظمة شمولية وأنظمة عسكرية، وخنق للحريات حتى نلحق بدول العالم.  ثانيها، تطور الوسائل البديلة للطاقة، وتراجع دور النفط بالمستقبل، مما سيحد من الأهمية الاستراتيجية من وجود الأنظمة المحافظة بالسياسة الأمريكية، وإمكانية التخلي عنها تدريجياً، وهو ما قد يؤدي بشكل آخر إلى تقليل الاهتمام بالدور الإسرائيلي كفاعل مهم بالسياسة الأمريكية. وما تصريحات مرشح الرئاسة ساندرز، بأمريكا وغيره، وتغير لغة الصحافة هناك، إلا بدايات بسيطة لتحول ممكن. 

الخوف وفوضى السياسة

نشر بالقدس العربي بتاريخ 10 تموز 2017 مقال بقلم نزار بدران

أحداث الخليج الأخيرة، وتمزُق مجلس التعاون الخليجي، الذي فشل تماماً، ومنذ نشأته بتحقيق أي خطى حقيقية للوحدة، بمفهومها الشعبي، فتح الحدود أمام حركة الأشخاص والبضائع بدون عائق، والتكامل التدريجي للقوانين الداخلية لأعضائه، وانتهاج سياسات خارجية واقتصادية واحدة وتوحيد العملة. بدل ذلك لم يعمل المجلس طوال عهده، إلا على الهاجس الأمني، وتأمين حكم القلة، ذي الطابع القبلي، مُتلفحاً بغطاء الدين والشورى والبيعة.
الربيع العربي تعثر في دول كثيرة، وبأشكال مختلفة، بسب تعنت الأنظمة العربية، وإصرارها على الاستمرار بالحكم، رغم التغيرات الاجتماعية الكبيرة، التي حصلت بهذه الدول منذ أكثر من ثلاثين عاماً، خصوصاً على مفهوم تطور الطبقة الوسطى، وعولمة الاقتصاد والثقافة والعلم، ولكن ايضا المعلومة والفكر، الذي لم تستطع الحدود الجغرافية لدولنا العربية، منعه من الدخول إلى عقول وأفئدة الشباب.
رجال ونساء السياسة الحقيقيون، هم هؤلاء الناس، الذين فهموا ويفهمون، آليات مجتمعاتهم و القوى الاجتماعية الفاعلة بها، والذين يطورون خطابهم ومشروعهم السياسي والاجتماعي، بناء على تلك المعطيات المتغيرة دائماً. هنا تكمن صعوبة السياسة، لأنها بالإضافة للمعرفة والعلم الأكاديمي بحاجة إلى قوة الملاحظة والمتابعة وتصور الأشياء كما هي أو كما قد تكون. رجل السياسة القوي المؤثر هو ذلك الإنسان الذي يستطيع فهم مجتمعه ويطرح بناء على هذا الفهم الحلول المناسبة.
قوى المجتمع المختلفة والتي تعبر عن مصالح متناقضة يعبر عنها بالدول الديمقراطية بالأحزاب السياسية، والتي تضع بالسلطة وبالتناوب سياسيين من اتجاهات مختلفة وذلك للحفاظ على توازن المجتمع، فالذهاب بعيدا باتجاه يعدله فيما بعد الذهاب باتجاه آخر بناء على الحكم الشعبي الانتخابي.
في دول الخليج العربي ولكن أيضا بمعظم الدول العربية الأخرى لا يوجد رجال سياسة بهذا المفهوم وإنما أشخاص يعبرون عن مصالح شخصية عائلية أو قبلية لا دراية لهم بتناقضات المجتمع ولا بوسائل تماسكه، لا يملكون المقدرة لتوقع ما سيحدث ، وجودهم بمركز السلطة ليس بناء على معرفتهم العميقة بمجتمعاتهم أو لحملهم رسالة فكرية أو اجتماعية يريدون توصيلها، هؤلاء موجودون تقريبا بالصدفة إما بالوراثة والتي لا تعطي معرفة خاصة ، وأما الانقلابات العسكرية.
عندما كانت معادلة الحكم مبنية على العصبية المهيمنة التي تصل بالقوة وتتعامل مع باقي العصبيات الضعيفة من منظار الزبائنية (كما شرحها ابن خلدون) كانت هذه الأنظمة تملك القاعدة الصلبة لبقائها لأنها كانت تعامل المجتمع وقبائله من مفهوم الزبائن والواسطات والمصالح الشخصية الضيقة ، فالوظيفة أو التسجيل بالجامعة أو الحصول على عمل بالإدارة أو درجة أعلى أو فتح مشروع تجاري هو في معظم الأحيان نتاج منظار زبائني للحصول على الولاءات وليس من منظور المصلحة العامة، حتى الحصول على العلاج يكون في بعض الدول بمكرمة من هرم السلطة بدل أن يكون حقا للمريض وواجبا على المسؤول.
عندما انقلب الوضع مع الربيع العربي ورفض جيل الشباب المعولم الجديد هذا المفهوم وهو الطائق إلى الانفتاح على العالم وعلى مجتمعاته والراغب في تفجير طاقاته لصالح وطنه ، لم تستطع هذه الطبقة الحاكمة بكل أشكالها أن تتعامل معه وهو ما أدى إلى ذلك التخبط بالسياسات الحالية والتي قاسمها المشترك هو درء الخطر القادم على هذه العائلات الحاكمة أو المستولين على السلطة لأهداف مافوية. هؤلاء حتى ولو أرادوا ليست لهم المقدرة المعرفية والحنكة السياسية لمماشات التطورات الاجتماعية العميقة الحادثة بأوطاننا والتي طبعا لم يتابعها أحد من أفراد السلطة أو الأبواق الإعلامية و أشباه المفكرين الذين يهللون للسلطان دائما.
أجوبة الأنظمة حاليا ليست أبدا عقلانية ولا تعكس فهما سياسيا لمن يملك السلطة ، لذلك فلا أظن أننا سنجد بالايام والسنين القادمة توازنا جديدا للقوى الفاعلة بالأمة لوضعها على طريق الحداثة والسلامة.
الحروب المدمرة بالعراق وسوريا وليبيا واليمن والقمع بالبحرين وغيرها هو نتاج هذا الجهل الذي يطبع انظمتنا، فهي لن تستطيع طرح أي حل مبني على الوعي والمصلحة العامة وستبقى أسيرة الحس الأمني المرهف والرعب من ما ينتظرها بقادم الأيام عندما بدأت تستشعر فقدانها للنظام الثابت الزبائني الذي عاشت عليه لعشرات السنين.

كاتب عربي

الخوف وحده لا يكفي

الخوف وحده لا يكفي

القدس العربي

نزار بدران

May 16, 2017

منذ قديم الزمان، اعتمدت السلطة لتثبت وجودها، على مبدأ السيطرة بالقوة على مجموع الناس، وذلك أساساً بالتخويف والإرهاب، فالقتل والإخفاء والتجويع وغيره، كانت من الوسائل المُستعملة، حتى في أكبر الحضارات السابقة، وما زالت طبعاً، بدون تغيير في أيامنا هذه، في كثير من دول العالم، التي تتسلط عليها حكومات شمولية، ومنها جزء كبير من العالم العربي والإسلامي.
لكن هل التخويف والإرهاب، يكفي لبقاء هذه الدول، وتلك السلطات، هذا ما ينفيه المؤرخون والفلاسفة فابن خلدون مثلاً، انتقد العرب بقوة، واتهمهم باستعمال العنف والدمار لتثبيت حكمهم بعد الفترة الذهبية الأولى ، ولكنه أكد بشكل واضح، أن الشيء الوحيد الذي سيُوحد هؤلاء، ويجمع الرعية المسلمة تحت رايتهم، وتجعلها تتقبل قرارات السلطة، هي الدعوة. وهكذا أمن الأمويون والعباسيون وغيرهم، حكمهم على شعوب المنطقة، بالخلط الدائم بين التخويف والإيديولوجية، مستعملة دائماً غطاء الفكر الديني، لإبعاد خطر الثورات ضدها.
الأسلوب نفسه اُستعمل زمن الدولة العثمانية، فرغم استبداد الباب العالي، إلا أن من جمع الناس، هو الأدلجة الدينية ورفع راية الدعوة.
حدث ذلك أيضاً بالاتحاد السوفييتي، فإرهاب ستالين والنظام الشيوعي ، احتاج لاستمراريته سبعين عاماً، إلى إيديولوجية لينين وماركس، لتغطية الإجرام ضد الناس، كذلك الأمر بالصين وغيرها. ويظهر القائد رغم إجرامه، كمحبوب للجماهير والتي تستعد للتضحية من أجله.
هذا ظهر جلياً في بلاد العرب، زمن جمال عبد الناصر، ذي الشعبية الساحقة، والذي بالوقت نفسه، أسس لما نرى حالياً، من أنظمة عسكرية مُستبدة، ولم يفسح المجال يوماً، لانتشار الديمقراطية في مصر، ويُحاول السيسي حالياً، استغلال هذه الشعبية، ولو بعد سنوات طويلة لتثبيت حكم العسكر.
الدين والسلطة، أو الإيديولوجية والسلطة، هما رديفان لكل نظام استبدادي، هذا أيضاً ما نرى في إيران الإسلامية، أو فنزويلا الثورة الشافيزية .
وقد فهم النظام السوري ذلك، لقمع شعبه على مدار ستين عاماً، فأسس لما يدعي أنها نظرية الممانعة والمقاومة، ليحمي بها ظُلمَه، وهو يستمر بذلك رغم دمار سوريا على يديه، بينما لم يُمانع أو يُقاوم يوماً احتلال إسرائيل للجولان أو تحرير متراً من فلسطين.
عندما تسقط ورقة التوت الإيديولوجية، يتعرى النظام، وفي تلك اللحظة، الخوف وحده لا يكفي لحمايته من ثورة الجوعى والفقراء.
هذه الورقة لا تسقط، إلا بتطور فهم الناس ووعيهم، هذا ما حدث في الثورة الفرنسية، التي استنارت بفكر عظماء الفكر والفلسفة، لإزاحة الحكم الملكي الفاسد، بعد رفض الناس للسيطرة الفكرية للكنيسة الكاثوليكية، التي كانت تُبَرر كل ممارسات الإقطاع.
وهذا ما بدأ في فنزويلا، عندما زال رمز الفكر، تشافيز، والذي استطاع بقوة شخصيته وثورته البوليفارية، أن يجمع أبناء فنزويلا، رغم سياسات عوجاء، أدت لخراب أكبر البلاد ثراءً بالنفط.
وهذا ما حدث في دول أوروبا الشرقية، والتي لم تعد تتقبل الفكر الماركسي، كمنارة للهداية، بعد زوال الاتحاد السوفييتي للسبب نفسه. وهذا ما حرك جماهير الأمة في تونس ومصر واليمن والبحرين وغيرها، عندما لم تعُد الأنظمة قادرة على طرح غطاء فكري، يجمد التناقض بينها وبين شعوبها، وعندما وصلت طبقة الشباب العربي، إلى وعي كافٍ لذلك.
العلم والتعلم، ونشر المعرفة والثقافة ومُقارعة التيارات الدينية العقيمة أو الفكرية الشمولية، هو من سيُعري هذه الأنظمة، ولا يترك بيدها إلا القوة لفرض سيطرتها، ذلك الحين ستعمل جاهدة، ، لتأجيج النزاعات الداخلية أو خلق الأعداء الوهميين بالخارج، ولكن بدون جدوى، فهي تعلم تماما، أن الخوف وحده لا يكفي لبقاء أنظمة الاستبداد.

كاتب فلسطيني

البحر المتوسط شرخ فاصل ام جسر واصل

نشر بالعربي الجديد بتاريخ 08/03/2017

 

البحر المتوسط

شرخ فاصل ام جسر واصل

نزار بدران

 

منذ انتهاء الإمبراطورية الرومانية، انتهى مفهوم الحضارة المتوسطية الواحدة، أو المفهوم القديم للمتوسط ” بحرنا “، الذي وضعه الجغرافي اليوناني استرابون، بالقرن الأول، بمفهوم العالم المُتمدن،  هذا الشرخ ما زال قائماً، بين جنوب وشمال البحر المتوسط.

وُجدت زمن الإمبراطورية الرومانية، أول عولمة بمفهوم وجود دولة واحدة وحضارة واحدة، كل ساكن مهما كان مولده وأصله، هو مواطن روماني، يحتكم لما يُسمى بقوانين الجمهورية، دليل ذلك أن خمسة من أشهر أباطرة الرومان، كانوا من أصل سوري  معظمهم من حمص، وبالتحديد,كراكلا, غيتا, ايل جبل , سيفيروس الكسندر وفيليب العربي. وكذلك سيبتيمس سيفيروس من ليبيا, و ماكرينوس من الجزائر, .الآثار التي نجدها بروما، هي نفسها التي نجدها بليبيا والأردن وسوريا وغيرها.

هذه العولمة الأولى، انتهت بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، بالقرن الرابع، والتي حل بعدها ببضع قرون، بجنوب وشرق المتوسط فيما بعد الدولة الإسلامية. منذ ذلك الزمن، انتهى مفهوم وحدة البحر المتوسط، وبدل أن يكون بحيرة داخلية رومانية لدولة واحدة، أصبح حاجزاً أو جسراً بين حضارتين، الغربية المُنتهية والإسلامية الناشئة.

الحضارة الإسلامية، بُنيت بعد وصول العرب إلى بلاد الفرس ذات الحضارة العريقة، وهذا ما يُفسر أن جُل العلماء المسلمين مثل إبن سينا الفارسي، والفارابي من تركستان، والخوارزمي عالم الكيمياء، من أوزبكستان، والبخاري الفارسي وسيبوية من مواليد شيراز لغوي العربية الشهير. كل هؤلاء من أصول غير عربية، العرب في بداية الفتوحات الإسلامية، لم يدمروا حضارات من سبقهم، بل على العكس أعطوها إمكانيات أكبر للانتشار, من ناحية أخرى تمكنت الفتوحات الإسلامية لبلاد الشام من الوصول إلى قبائل تعرف التكلم باللغة اليونانية، وهو ما سهل حين ذاك، ترجمة مؤلفات أرسطو وأفلاطون وغيرهم، وفتح باب الحضارة الإسلامية، عندما ربط العرب بين الحضارة الفارسية العريقة، التي دخلت الإسلام، وعُظماء الفلاسفة الإغريق.

النزاع التاريخي بين شمال المتوسط وجنوبه، لم يكن حاجزاً لانتقال الحضارة، فرغم الفتوحات الإسلامية، والحروب الصليبية، وطرد المسلمين من الأندلس، فإن الأوروبيين فتحوا الأبواب على مصراعيها للحضارة العربية والإسلامية، والحضارة اليونانية التي حملها العرب لهم. فبالوقت الذي كان فردينان دارغون، يطرد المسلمين من الأندلس، ويدخل آخر معاقلهم بغرناطة، فإنه لم يحرق بل أخذ آلاف الكتب الموجودة في مكتباتها العريقة، ووزعها على أهم المراكز الأوروبية في ذلك الزمن، والذين بدأوا على الفور بترجمتها، واضعة بذلك أُسس انتقال الحضارة العربية إلى أوروبا، وأسست للنهضة الغربية.

الفكر العقلاني القادم من الأندلس وعلماء اليونان، أخذ مكان علم اللاهوت والغيبيات والخزعبلات، التي كان يعيش عليها الغرب بالقرون الوسطى، وأسست لفكر فلاسفة عظام، أمثال ديكارت وكانت، والذين استقوا من فكر ابن رشد وغيره، من علماء ذلك الزمن.

نرى نفس الشيء، ولكن بالاتجاه المُعاكس، أي أن الحملة النابليونية على مصر، بعد الثورة الفرنسية (1789)، ترافقت مع تطور الدراسات الشرقية، التي قام بها العلماء، في كافة الأوجه، اللذين أحضرهم نابليون معه، رغم أن الحملة لم تستمر إلا ثلاث سنوات (1789-1802)، إلا أن محمد علي باشا، اقتبس الفكر الحداثي الغربي، وبدأ بحملة واسعة، لإقامة دولة عربية حديثة، لم يُكتب لها النجاح، بسبب توافق السلطان العثماني، والقوى الأوروبية على هزيمته. نرى ذلك أيضاً بتونس، مع الوزير خير الدين، الذي وضع أسس الحداثة وأول دستور لدولة إسلامية سنة   1861 مقتبسا القوانين المدنية الاوروبية.

 

نرى ذلك مع فكر الإصلاحيين الإسلاميين، اللذين درسوا بالغرب، أمثال الشاعر الفيسلسوف الهندي الباكستاني، محمد إقبال، وكان أستاذاً بألمانيا وبريطانيا حتى انه كان له مدرسة واتباعا غربيين، ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني، اللذين أسسا لجريدة العروة الوُثقى بباريس، عام 1884، وحتى السلطان عبد الحميد الثاني، والذي وضع قبل انهيار الدولة ببضع سنين، أول دستور للإمبراطورية العثمانية، مع بدء تحديث الدولة، ووضع القوانين المدنية المُقتبسة عن الغرب.

هذا التفاعل الحداثي بين الشرق والغرب، بين شمال المتوسط وجنوبه، كان جسراً حضارياً، تعدى بحر الحروب والأطماع.

في كل زمن، نجد حضارة ومركزاً لإشعاعها، ووجود الحروب والنزاعات، لا تعني فصل الحضارة وتجزئتها، فالحضارة لها طابع إنساني، لا تستطيع الحروب منع انتشارها، بل قد تكون كما رئينا وسيلة لذلك. الحضارة العالمية، هي تلك التي يستطيع أي إنسان على وجه الأرض ان يجد نفسه فيها، ففكر أفلاطون وأرسطو تبناه علماء الإسلام، في بدايات الحضارة الإسلامية، قبل تجميد ذلك بإغلاق الاجتهاد، وإنهاء العقل لصالح النص.

من هذا المفهوم فنحن نعتقد، أن مفهوم الحضارة الغربية، كحضارة وُلدت بالغرب، ولا تصلح إلا للغرب، هو مفهوم خاطىء، فلولا الحضارة الإسلامية، لما وُجدت الحضارة الغربية، ولولا الحضارة اليونانية والفارسية، لما وُجدت الحضارة الإسلامية، ولولا وُجود الحضارة الرومانية لما وصلنا لشىء.

الحضارة هي نهر واسع جارٍ، تصب فيه أنهر صغيرة كثيرة، كل أمة وكل شعب يُساهم بها وبتطورها.

قيم حقوق الإنسان، والمساواة بين الناس، والدولة الديمقراطية، هي بعض من قيم حضارة هذا الزمن العالمية، وليست قيماً غربيه، وإن وُجدت وترعرعت بالغرب، بعد الثورة الفرنسية.

خصوصيات الشعوب لا تُترجم بحضارة خاصة بهم، تعادي او تتناقض مع الآخرين، بل بثقافات خاصة، تُغني الحضارة العالمية الواحدة. فالثقافة العربية هي ما أنتجته الخصوصية العربية، من أدب وشعر وهندسة معمارية وأشياء كثيرة لا تُعد ولا تُحصى، كذلك الثقافة الصينية أو الإفريقية، هذه الاختلافات في الثقافات ضرورية، لبناء عالم ملون جميل، يستطيع كل شعب أن يُعبر عن نفسه، ويُغني الثفافات الأخرى، ولكنهم كلهم يتفقون على إطار حضاري واحد. العولمة الحديثة لا تعني، أن نلتحق بالثقافات الغربية، بل على العكس، يجب الحفاظ على ثقافاتنا ولغتنا وكل خصوصياتنا، والعمل الدؤوب على منع ذوبانها واختفائها، تحت حُجة الحضارة المشتركة.

التمييز بين مفهوم الحضارة، وهي واحدة، ومفهوم الثقافة، وهي متعددة، مهم جداً، التراجع الثقافي الذي نراه حالياً بالعالم العربي، على مستويات عدة (كالفن والأدب وغيره) والإفقار الفكري العام، والابتعاد عن الحضارة والقيم العالية، والتقوقع في أُطر غيبية دينية، كما فعل الأوروبيون في القرون الوُسطى، قبل وصول الحضارة الإسلامية واليونانية لهم، هو ما يجب الانتباه إليه، علينا أن نفتح الأبواب والنوافذ كلها، لإدخال الحضارة لبلادنا، وإيصال ثقافتنا ومشاركتنا الحضارية، إلى العالم.

الأوضاع العربية الحالية، هي نتاج هذا البكاء المستمر، على حضارة فقدناها، والحُلم باستعادتها، وكأن نهر الحضارة السائر، باتجاه البحر، يمكن له العودة للخلف. الشعب الياباني أو الصيني أو الهندي، استطاع بناء دولة قوية ومتطورة، والعمل للانتماء للحضارة الإنسانية الحديثة، بدون أن يفقدوا شيئاً من خصوصياتهم وثقافاتهم، بل على العكس، أصبحوا من أكبر روافد هذه الحضارة، وقد يُصبحوا قريباً، وقبل مُنتصف القرن الواحد والعشرين، مصدرها الأساسي، كما هو الغرب حالياً.

تركيا وأندونيسيا، ودول مسلمة أخرى، بجنوب شرق آسيا، انطلقت بدورها إلى الإمام، وطورت التعليم والصناعة، والحكم الرشيد والديمقراطية. تبقى الدول العربية، هي حقيقة الاستثناء الوحيد بالعالم، وليس الإسلامية، والتي لا تستطيع، رغم ثرواتها الريعية الهائلة، وقد يكون بسببها، الالتحاق بالجوقة العالمية. الهوة الوحيدة التي تستمر بالاتساع بالعالم، هي بين شمال البحر المتوسط وجنوبه، وتقارير الأمم المتحدة، عن التنمية بالعالم، يطرق جرس الخطر بتقاريره السنوية، منذ عام 2002.

نهر الحضارة العالمي جارٍ منذ آلاف السنين، وهو يمر بكل الدول و الشعوب والأزمان، رفض الالتحاق به لن يضر أحداً غيرنا، وسنبقى خارج الحضارة والتاريخ.

الحراك الشبابي للربيع العربي، جاء لتصحيح هذه الخصوصية عندما رفع عالياً قيم حضارية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد وعليه ان يعمل للتخلص من كل قوى التقوقع والاثقال السياسية والاجتماعية التي تحاول ان تجره الى الوراء.

 

 

 

 

 

 

 

 

انتهاء ريادة النخبة الفلسطينية للفكر العربي

 

القدس العربي 16 شباط 2017

انتهاء ريادة النخبة الفلسطينية للفكر العربي

نزار بدران

قد يتفاجأ البعض بمواقف بعض المُفكرين الفلسطينيين، أو المسؤولين السياسيين، من الثورة السورية، وخصوصاً تلك الحركات التي كانت رمز الحرية والثورة بالعالم العربي.

الحدث السوري كان بالنسبة لجزء مهم من الفكر الفلسطيني بمثابة اسدال الستار عن الحلقة الاخيرة  من مسرحية استمرت لعقود كان فيها المفكر الفلسطيني رمز الامة للانعتاق والتحرر , لنجد بعضهم يلهثون تدريجيا وراء الانظمة التي كانت سبب نكبتنا وتبرر قمعها واجرامها بحق شعوب دولها.

استكمالاً لما كتبته سابقاً بشأن مواقف النخبة العربية، وعماها الإيديولوجي، الذي يمنعها من رؤية الأشياء كما هي ،فسنتطرق للوضع النخبوي الفلسطيني  والذي لم يكن احسن حالا.

إن مركزية القضية الفلسطينية تُحتم علينا أن نُحلل الموقف الفلسطيني من الأحداث العربية، وترابطهما الوثيق، فالشعب الفلسطيني مُهجر في كثير من دول الجوار، خصوصاً في سوريا ولبنان، وهو  واقع ضحية عنف جديد، يُضاف لعنف فقدان الوطن والعيش في الشتات.

الخصوصية الفلسطينية، والتي هي بقاء فلسطين تحت الاحتلال، قد تبرر المواقف الداعمة للنظام السوري، من عدد من المثقفين وجزء من عامة الناس، لأن الشعب الفلسطيني لم يُنه بعد، مرحلة التحرر الوطني. هل حقاً مواقف كهذه تُفيد القضية الفلسطينية، القضية المحورية للأمة العربية؟، وهل استطاع الفلسطينيون بالتصاقهم الدائم بمرحلة التحرر الوطني، الوصول إلى أي شكل حقيقي من الاستقلال الوطني؟، الحقيقة أن قطار التحرر الوطني في العالم قد فاتنا، وخصوصاً بعد تقزيم المطالب الوطنية من تحرير فلسطين وإقامة دولة العدالة الاجتماعية، المُسماة الدولة الفلسطينية الديمقراطية العلمانية، كما أُعلن في سنوات الستينات، إلى دويلة لا تتجاوز مساحتها، خمس فلسطين التاريخية، والاعتراف بسلب البقية الباقية، ونسيان حقوق اللاجئين.

لقد عمدت اتفاقيات أوسلو، إلى إنهاء حتى مفهوم هذه الدولة الصغيرة، والتي أُشبعت تقسيماً وتقطيعاً. ولم يحصد الفلسطينيون إلا اليأس ومجتمعا مجزءا بين تيارات وانتماءات ليس لها حقيقة علاقة بالمشروع الوطني الكبير، الذي وُضع في منتصف سنوات الستينات واستُشهد من أجله الآلاف.

عكس ذلك، أي الالتحاق بموجة التحرر، التي تلت سقوط الاتحاد السوفيتي، وانتهاء الحرب الباردة، وعمت مناطق شاسعة من العالم، قد تُقرب لنا مشروع التحرر الأصلي، أي بناء صرح دولة على كامل فلسطين وعودة اللاجئين. لهذا ليس من الضروري، أن يتناقض البعد الوطني والتحرر من المُستعمر، مع البُعد الاجتماعي والمطالبة بالحرية. ليس لذلك التناقض مبرر تاريخي حالياً، بعد نهاية الحرب الباردة، وسقوط مرجعية الفكر الاستبدادي، الذي كان يمثله الاتحاد السوفيتي، والدول الشيوعية الدائرة في فلكه، بل على العكس لن يكون لنا مشروع تحرري فاعل، إن تغاضينا، كما نفعل الآن، عن البعد الحقوقي والاجتماعي للشعب الفلسطيني.

لم يعد ممكناً أن نستمر، بتفسير اضطهاد الفلسطينيين في لبنان مثلاً، وسلبهم حقوقهم الإنسانية الأساسية، بالعمل والتملك، تحت حجة حماية القضية الفلسطينية، وكأن سلب حقوق الناس الاجتماعية، تضمن لهم حقوقهم الوطنية.

الشعب الفلسطيني، وخصوصاً المفكرين وقادة الرأي، عليهم النظر بتمعن إزاء هذه الازدواجية: الحرية والتحرر، فهما بالنسبة للشعب الفلسطيني، رديفان لنفس الهدف. أما  الابتعاد عن مفهوم دعم الأنظمة العربية الديكتاتورية، كما نرى للأسف بسورية، تحت حُجة تحرير فلسطين (وهو ما يعني فقط إقامة دولة على جزء صغير من فلسطين ومع سيادة ناقصة) لا يُقربنا، من مفهوم الجمع بين الحرية والتحرر.

لم يقبل نيلسون مانديلا بجنوب أفريقيا، بفصل هذين البعدين، وأصر على إقامة دولة واحدة، يحكمها القانون، وهو ما وصل إليه، بدل الجري وراء سراب تقسيم جنوب أفريقيا، بين السود الأغلبية والبيض الأقلية. علينا بفلسطين إذاً، وخصوصاً الذين يدعون المعرفة وقيادة الرأي العام، أو السياسيين من قادة الحركة السياسية، أن نبدأ بالسير نحو هذا النموذج، والالتحاق بمبادىء الربيع العربي. فشباب هذا الربيع، يمثلون حقاً مستقبل الأمة وحقها بالنهوض، بعد أكثر من مئة عام على التغييب.

إن مساندة الشعب السوري، في نضاله للحصول على حريته، هو وسيلتنا كذلك في فلسطين، للحصول على حريتنا وتحررنا في نفس الوقت. فماذا أفاد الشعب الفلسطيني السكوت عن النظام السوري عام 1982، عندما دمر مدينة حماة، وقتل أكثر من 30 ألف مواطن، وفي وقت حاصر طرابلس، وطرد الثورة الفلسطينية، كما أرادت إسرائيل وأمريكا خارجاً.

إن الالتحاق بموكب الربيع العربي، لن يكون عن طريق أطراف السلطة بكل أشكالها (بالضفة أو غزة أو بالخارج) ولا عن طريق المنظمات الفلسطينية المعارضة، لأنهم لم يستطيعوا الخروج من المعادلة الأولى للقرن الماضي وهي التحرر من الاستعمار، ولم يدخلوا إلى المعادلة الثانية وهي التحرر من الاستبداد، التي عمت العالم، أو لم يروها. هذا الالتحاق لن يتم إلا عن طريق شباب الشعب الفلسطيني، والذي عليه مهمة اللحاق بشباب الأمة، ورفع شعارات تتلاءم مع طبيعة المرحلة الجديدة. هذا الشباب عليه ان يفرز الفكر الفلسطيني التحرري ويضع أسس حراك وطني فلسطيني يكون مرتبطا بالمرحلة التاريخية الجديدة التي يعيشها العالم العربي وفلسطين.

لم تعد البرامج السياسية التي وضعتها الحركة الوطنية الفلسطينية بكل اطيافها خلال سنوات الستينات وحتى الثمانينات، قادرة على تجميع الجهد الفلسطيني او العربي, بل فشلت بذلك فشلا ذريعا. أما الشباب الفلسطيني وعبر ارتباطه بالحراك العربي والذي هو بدوره جزء من صورة العالم الجديدة في جانبها المضيئ, تحتم العمل من أجل مجتمعات تحكمها مصالح الشعوب ولا تهمش احدا.

الربيع العربي في بداياته عام 2011 كان نموذجا لحراك عالمي شبابي انتشر بشكل واسع، خصوصا بالدول الاوروبية من ايطاليا لاسبانيا وحتى امريكا وغيرها, تحت تسمية الحركات البديلة مبني على مفهوم الديمقراطية وحقوق الانسان. يستطيع الشباب الفلسطيني بدوره ان يكون نموذجا لهذا الفكر, وان لم يقم بهذا الدور فلن يقوم به احد.

إن الذين يدعمون النظام السوري وحماته الروس، ويعلنون رفضهم لمبادىء الربيع العربي، يسيرون عكس اتجاه التاريخ، ومكتوب عليهم الفشل، بعد أن خذلوا الشعب الذي احتضن الفلسطينيين، وكأنهم جزء منه، ولا ننسى أن الشهيد عز الدين القسام، قائد أول ثورة فلسطينية، كان سورياً من قرية جبلة قرب حلب، واستشهد على أرض فلسطين بقرية يعبد، وكان وما زال شيخ المجاهدين بفلسطين.

 

معايير الحضارة وحلم فيكتور هيجو

 

 نشر بالعربي الجديد بتاريخ 21  كانون الثاني 2017

معايير الحضارة وحلم فيكتور هيجو

نزار بدران

 

قد يظن البعض أن الحضارات تتطور فقط بفعل الإنسان كفاعل مباشر وحيد، وذلك عن طريق التقدم العلمي أو الاجتماعي وغيره من الأنشطة الإنسانية النبيلة، ولكن الحقيقة أن هذه الأنشطة، هي نتاج للفعل الحضاري وليست سببا له. أسباب الحضارة أو شروطها، قد حُددت من قِبل المؤرخين، وخصوصاً من اهتم منهم بالتاريخ الشامل، أو ما يُسمى التاريخ طويل الأمد، والذي وضعت اُسسه في النصف الأول من القرن العشرين.

هذه الشروط لم توضع اعتباطياً، وإنما بعد دراسات تاريخية موثقة، عن كيفية إنشاء وإنتهاء الحضارات. وقد نذكر أن أول من اهتم بهذا الأمر، كان ابن خلدون، خلال القرن الرابع عشر الميلادي، عندما حدد أسباب نشوء وانهيار الأمم والإمبراطوريات.

مثل هذه الأبحاث والتحليلات التاريخية، ليست وُجهات نظر المؤرخين، وإنما هي حقائق علمية، ُثبت بالدراسة تكرارها، مما أكد حقيقتها. يذكر مؤسس التاريخ الشامل فيرنان بروديل، وهو الدارس للحضارات المتوسطية ومرجعيتها بالعالم، أن نشوء أي حضارة استوجب ثلاثة شروط، وهذا ينطبق على الإمبراطورية الرومانية والإسلامية وغيرها في الشرق الأقصى وباقي العالم.

أولى هذه الشروط، هو وجود أرض شاسعة واسعة متكاملة ومتناسقة، الشرط الثاني، هو وجود أناس بعدد كاف يسكنون هذه الأرض ويعملون بها، تجمعهم قواسم مشتركة، وثالثها مرور فترة زمنية كافية من السلم، حتى تستطيع شعوب هذه الأرض أن تبني حضارة مشتركة. هذه حقيقة أشياء بسيطة ومنطقية، ولا نحتاج لجهد كبير حتى نُقنع بعضنا بصوابها.

الآن لو أردنا تطبيق هذه الشروط على أوضاعنا العربية، لوجدنا أننا قد قمنا بأيدينا بإنهاء كافة هذه الشروط وتدميرها، وكأننا لا نريد أن ننتمي لأي حضارة، ولا نريد أن ينشأ عندنا أي مستقبل لأبنائنا. نحن في الوطن العربي لنا أرض شاسعة، متناسقة ومتكاملة وتحوي ثروات متنوعة، من المعادن والزراعة والماء والشمس والهواء وغيرها، ولكن هذه الأرض قُسمت إلى 22 قطعة، مُحاطة بحدود لا يستطيع حتى الذباب تجاوزها، بدون إذن وفيزا، وكأن هناك من يريد أن يمنعنا من الخروج من الأقفاص التي وُضعنا فيها.

عندنا أيضاً الشرط الثاني، أي الشعب الكبير العدد، والمتناغم اللغة والعادات، وأغلب الأحيان المُعتقدات، 400 مليون مواطن، ولكنهم قُسموا إلى شعوب وقبائل مُتنافرة، لا تستطيع الاتصال بفعل الحدود، بل تتقاتل فيما بينها، داخل أقفاصها الضيقة، لتأكل الفُتات. ولتثبيت هذه الحدود، وهذه الصراعات الداخلية، أوجدنا لأنفسنا حكومات وسلطات لا يهمها إلا نفسها، وتتصرف كأن الوطن الصغير لكل شعب، هو ملكها الخاص، تُغلق عليه كل النوافذ والأبواب.

الشرط الثالث للحضارة، وهو الفترة الطويلة للسلم، لست بحاجة للكتابة عنها، فنحن لم ننعم من أكثر من قرن بيوم واحد من السلام، فإما حروب بين هذه الدول المشكلة للأمة، وإما قمع عنيف لحراك جماهيرها، أو قتال مع الجيران، كما رأينا في الحرب بين العراق وإيران.

تتوفر إذن للأمة كل شروط الحضارة، ولكنها دمرتها بأيديها، وقد نقول أيضاً بسبب الاستعمار وتدخل إسرائيل والقوى الأخرى، ولكن هذا التدخل ما كان ليحصل، لو حققنا شروط الحضارة فيما بيننا، بدل التقاتل والتجزئة.

لو أخذنا مثال أوروبا، فسنرى أن الاتحاد الأوروبي، حقق الشروط اللازمة لبناء حضارة عريقة، فهناك الأرض الشاسعة، حتى ولو كانت أقل ملاءمة وتكامُلاً من الأرض العربية، وهناك 500 مليون مواطن، حتى لو كانوا أقل تناغماً وتشابهاً من الشعوب العربية، فهؤلاء يتكلمون لغات عديدة، وينتمون لحضارات مختلفة، ولكنهم أمنوا لأنفسهم الشرط الثالث: أكثر من سبعين عاماً من السلام الداخلي الدائم، بعد أن قسمتهم ودمرتهم الحروب العالمية الأولى والثانية وما سبقها، 1000 عام قبل تلك الفترة، لم تعرف أوروبا يوماً واحداً من دون حرب.

الولايات المتحدة الأمريكية، أمنت نفس الشروط الثلاثة، من شعب كبير 320 مليون، على أرض شاسعة وشعوبا مختلفة عرقياً ولغوياً، ولكنها تعيش بسلام داخلي منذ عشرات السنين. قد نرى الشيء نفسه إزاء الهند أو الصين الحديثة أو إزاء البرازيل.

لن نستطيع حقاً بناء أي حضارة، كل على حده، وداخل أقفاصنا الصغير، حتى لو امتلكنا البترول والذهب والفضة. لن نستطيع بناء شيء ذا معنى، إلا إذا جمعنا أرضنا بأرض واحدة، وشعوبنا بأمة واحدة، وإنهينا حروبنا الداخلية العقيمة، وأسسنا للسلم الداخلي، الدائم والطويل، المبني على العدل والمساواة بين الناس، مهما كانت طوائفهم ولغاتهم وأعراقهم.

الأوطان المُتحضرة الحضارية، تُبنى بسواعد أبنائها، خصوصاً الذين يُوفرون لها شروط نجاحها، كما فعل غيرنا رغم حروبهم السابقة، فنحن لنا الأرض الواسعة، التي باركها الله، ولنا أمة واحدة كبيرة، حتى لو اختلفت أديانها وأعراقها ولغاتها، وننتمي لحضارة واحدة، كانت في السابق قد حققت هذه الشروط الثلاثة، فمتى ستنتهي حروبنا الداخلية وصراعاتنا، التي لا تخدم إلا أعداءنا؟.

ولنذكر بالحلم الأوروبي لفيكتور هيجو، مؤلف “البؤساء” في خطابه أمام مجلس السلم العالمي بباريس، عام 1848، أي قبل أكثر من قرن قبل بناء الاتحاد، والذي تلته وسبقته حروب ضروس بين هذه الدول. قال الشاعر والكاتب العالمي، وأمام سُخرية البعض من الحضور: “إنكم تقولون اليوم وأقول معكم، كلنا هنا نقول لفرنسا وإنجلترا ولبروسيا وللنمسا ولإسبانيا وإيطاليا وروسيا، نقول لهم: سيأتي يوم تسقط فيه الأسلحة من أيديكم، يوم ستبدو فيه الحرب سُخف، وستكون مستحيلة بين فرنسا وبريطانيا، وبين سان بترسبورغ وبرلين، وبين فيينا وتورينو.

سيأتي يوم، لا تكون هناك ساحات قتال، وإنما أسواق مفتوحة، للتجارة وعقول تتفتح للأفكار، سيأتي يوم تُستبدل فيه القنابل والرصاص، بالانتخابات وبالإقتراع، بالتحكيم المُحترم لهيئة مُستشارين عُظمى، تكون بالنسبة لأوروبا، مثلما هو البرلمان بالنسبة لإنجلترا والمجلس التشريعي لفرنسا.

من هنا فإن هدف السياسة العظيمة، السياسة الحقة، هو الاعتراف بكل الجنسيات، وإعادة إحياء الوحدة التاريخية بين الأمم، وجمعها كلها في حضارة واحدة، هي حضارة السلام، جماعة حضارية واحدة، تُضرب مثلاً للأمم التي لا تزال بربرية متوحشة، ليكون للعدل الكلمة العليا والأخيرة، التي كانت في الماضي للقوة”.

تحقق حُلم فيكتور هيجو، بعد قرن من خطابه، وبعد ملايين القتلى الذين سقطوا في الحروب العالمية بالقرن العشرين. هل نستطيع بأمتنا العربية، أن نوفر علينا هؤلاء القتلى، وهذه السنين الضائعة؟.