الخوف وفوضى السياسة

نشر بالقدس العربي بتاريخ 10 تموز 2017 مقال بقلم نزار بدران

أحداث الخليج الأخيرة، وتمزُق مجلس التعاون الخليجي، الذي فشل تماماً، ومنذ نشأته بتحقيق أي خطى حقيقية للوحدة، بمفهومها الشعبي، فتح الحدود أمام حركة الأشخاص والبضائع بدون عائق، والتكامل التدريجي للقوانين الداخلية لأعضائه، وانتهاج سياسات خارجية واقتصادية واحدة وتوحيد العملة. بدل ذلك لم يعمل المجلس طوال عهده، إلا على الهاجس الأمني، وتأمين حكم القلة، ذي الطابع القبلي، مُتلفحاً بغطاء الدين والشورى والبيعة.
الربيع العربي تعثر في دول كثيرة، وبأشكال مختلفة، بسب تعنت الأنظمة العربية، وإصرارها على الاستمرار بالحكم، رغم التغيرات الاجتماعية الكبيرة، التي حصلت بهذه الدول منذ أكثر من ثلاثين عاماً، خصوصاً على مفهوم تطور الطبقة الوسطى، وعولمة الاقتصاد والثقافة والعلم، ولكن ايضا المعلومة والفكر، الذي لم تستطع الحدود الجغرافية لدولنا العربية، منعه من الدخول إلى عقول وأفئدة الشباب.
رجال ونساء السياسة الحقيقيون، هم هؤلاء الناس، الذين فهموا ويفهمون، آليات مجتمعاتهم و القوى الاجتماعية الفاعلة بها، والذين يطورون خطابهم ومشروعهم السياسي والاجتماعي، بناء على تلك المعطيات المتغيرة دائماً. هنا تكمن صعوبة السياسة، لأنها بالإضافة للمعرفة والعلم الأكاديمي بحاجة إلى قوة الملاحظة والمتابعة وتصور الأشياء كما هي أو كما قد تكون. رجل السياسة القوي المؤثر هو ذلك الإنسان الذي يستطيع فهم مجتمعه ويطرح بناء على هذا الفهم الحلول المناسبة.
قوى المجتمع المختلفة والتي تعبر عن مصالح متناقضة يعبر عنها بالدول الديمقراطية بالأحزاب السياسية، والتي تضع بالسلطة وبالتناوب سياسيين من اتجاهات مختلفة وذلك للحفاظ على توازن المجتمع، فالذهاب بعيدا باتجاه يعدله فيما بعد الذهاب باتجاه آخر بناء على الحكم الشعبي الانتخابي.
في دول الخليج العربي ولكن أيضا بمعظم الدول العربية الأخرى لا يوجد رجال سياسة بهذا المفهوم وإنما أشخاص يعبرون عن مصالح شخصية عائلية أو قبلية لا دراية لهم بتناقضات المجتمع ولا بوسائل تماسكه، لا يملكون المقدرة لتوقع ما سيحدث ، وجودهم بمركز السلطة ليس بناء على معرفتهم العميقة بمجتمعاتهم أو لحملهم رسالة فكرية أو اجتماعية يريدون توصيلها، هؤلاء موجودون تقريبا بالصدفة إما بالوراثة والتي لا تعطي معرفة خاصة ، وأما الانقلابات العسكرية.
عندما كانت معادلة الحكم مبنية على العصبية المهيمنة التي تصل بالقوة وتتعامل مع باقي العصبيات الضعيفة من منظار الزبائنية (كما شرحها ابن خلدون) كانت هذه الأنظمة تملك القاعدة الصلبة لبقائها لأنها كانت تعامل المجتمع وقبائله من مفهوم الزبائن والواسطات والمصالح الشخصية الضيقة ، فالوظيفة أو التسجيل بالجامعة أو الحصول على عمل بالإدارة أو درجة أعلى أو فتح مشروع تجاري هو في معظم الأحيان نتاج منظار زبائني للحصول على الولاءات وليس من منظور المصلحة العامة، حتى الحصول على العلاج يكون في بعض الدول بمكرمة من هرم السلطة بدل أن يكون حقا للمريض وواجبا على المسؤول.
عندما انقلب الوضع مع الربيع العربي ورفض جيل الشباب المعولم الجديد هذا المفهوم وهو الطائق إلى الانفتاح على العالم وعلى مجتمعاته والراغب في تفجير طاقاته لصالح وطنه ، لم تستطع هذه الطبقة الحاكمة بكل أشكالها أن تتعامل معه وهو ما أدى إلى ذلك التخبط بالسياسات الحالية والتي قاسمها المشترك هو درء الخطر القادم على هذه العائلات الحاكمة أو المستولين على السلطة لأهداف مافوية. هؤلاء حتى ولو أرادوا ليست لهم المقدرة المعرفية والحنكة السياسية لمماشات التطورات الاجتماعية العميقة الحادثة بأوطاننا والتي طبعا لم يتابعها أحد من أفراد السلطة أو الأبواق الإعلامية و أشباه المفكرين الذين يهللون للسلطان دائما.
أجوبة الأنظمة حاليا ليست أبدا عقلانية ولا تعكس فهما سياسيا لمن يملك السلطة ، لذلك فلا أظن أننا سنجد بالايام والسنين القادمة توازنا جديدا للقوى الفاعلة بالأمة لوضعها على طريق الحداثة والسلامة.
الحروب المدمرة بالعراق وسوريا وليبيا واليمن والقمع بالبحرين وغيرها هو نتاج هذا الجهل الذي يطبع انظمتنا، فهي لن تستطيع طرح أي حل مبني على الوعي والمصلحة العامة وستبقى أسيرة الحس الأمني المرهف والرعب من ما ينتظرها بقادم الأيام عندما بدأت تستشعر فقدانها للنظام الثابت الزبائني الذي عاشت عليه لعشرات السنين.

كاتب عربي

الخوف وحده لا يكفي

الخوف وحده لا يكفي

القدس العربي

نزار بدران

May 16, 2017

منذ قديم الزمان، اعتمدت السلطة لتثبت وجودها، على مبدأ السيطرة بالقوة على مجموع الناس، وذلك أساساً بالتخويف والإرهاب، فالقتل والإخفاء والتجويع وغيره، كانت من الوسائل المُستعملة، حتى في أكبر الحضارات السابقة، وما زالت طبعاً، بدون تغيير في أيامنا هذه، في كثير من دول العالم، التي تتسلط عليها حكومات شمولية، ومنها جزء كبير من العالم العربي والإسلامي.
لكن هل التخويف والإرهاب، يكفي لبقاء هذه الدول، وتلك السلطات، هذا ما ينفيه المؤرخون والفلاسفة فابن خلدون مثلاً، انتقد العرب بقوة، واتهمهم باستعمال العنف والدمار لتثبيت حكمهم بعد الفترة الذهبية الأولى ، ولكنه أكد بشكل واضح، أن الشيء الوحيد الذي سيُوحد هؤلاء، ويجمع الرعية المسلمة تحت رايتهم، وتجعلها تتقبل قرارات السلطة، هي الدعوة. وهكذا أمن الأمويون والعباسيون وغيرهم، حكمهم على شعوب المنطقة، بالخلط الدائم بين التخويف والإيديولوجية، مستعملة دائماً غطاء الفكر الديني، لإبعاد خطر الثورات ضدها.
الأسلوب نفسه اُستعمل زمن الدولة العثمانية، فرغم استبداد الباب العالي، إلا أن من جمع الناس، هو الأدلجة الدينية ورفع راية الدعوة.
حدث ذلك أيضاً بالاتحاد السوفييتي، فإرهاب ستالين والنظام الشيوعي ، احتاج لاستمراريته سبعين عاماً، إلى إيديولوجية لينين وماركس، لتغطية الإجرام ضد الناس، كذلك الأمر بالصين وغيرها. ويظهر القائد رغم إجرامه، كمحبوب للجماهير والتي تستعد للتضحية من أجله.
هذا ظهر جلياً في بلاد العرب، زمن جمال عبد الناصر، ذي الشعبية الساحقة، والذي بالوقت نفسه، أسس لما نرى حالياً، من أنظمة عسكرية مُستبدة، ولم يفسح المجال يوماً، لانتشار الديمقراطية في مصر، ويُحاول السيسي حالياً، استغلال هذه الشعبية، ولو بعد سنوات طويلة لتثبيت حكم العسكر.
الدين والسلطة، أو الإيديولوجية والسلطة، هما رديفان لكل نظام استبدادي، هذا أيضاً ما نرى في إيران الإسلامية، أو فنزويلا الثورة الشافيزية .
وقد فهم النظام السوري ذلك، لقمع شعبه على مدار ستين عاماً، فأسس لما يدعي أنها نظرية الممانعة والمقاومة، ليحمي بها ظُلمَه، وهو يستمر بذلك رغم دمار سوريا على يديه، بينما لم يُمانع أو يُقاوم يوماً احتلال إسرائيل للجولان أو تحرير متراً من فلسطين.
عندما تسقط ورقة التوت الإيديولوجية، يتعرى النظام، وفي تلك اللحظة، الخوف وحده لا يكفي لحمايته من ثورة الجوعى والفقراء.
هذه الورقة لا تسقط، إلا بتطور فهم الناس ووعيهم، هذا ما حدث في الثورة الفرنسية، التي استنارت بفكر عظماء الفكر والفلسفة، لإزاحة الحكم الملكي الفاسد، بعد رفض الناس للسيطرة الفكرية للكنيسة الكاثوليكية، التي كانت تُبَرر كل ممارسات الإقطاع.
وهذا ما بدأ في فنزويلا، عندما زال رمز الفكر، تشافيز، والذي استطاع بقوة شخصيته وثورته البوليفارية، أن يجمع أبناء فنزويلا، رغم سياسات عوجاء، أدت لخراب أكبر البلاد ثراءً بالنفط.
وهذا ما حدث في دول أوروبا الشرقية، والتي لم تعد تتقبل الفكر الماركسي، كمنارة للهداية، بعد زوال الاتحاد السوفييتي للسبب نفسه. وهذا ما حرك جماهير الأمة في تونس ومصر واليمن والبحرين وغيرها، عندما لم تعُد الأنظمة قادرة على طرح غطاء فكري، يجمد التناقض بينها وبين شعوبها، وعندما وصلت طبقة الشباب العربي، إلى وعي كافٍ لذلك.
العلم والتعلم، ونشر المعرفة والثقافة ومُقارعة التيارات الدينية العقيمة أو الفكرية الشمولية، هو من سيُعري هذه الأنظمة، ولا يترك بيدها إلا القوة لفرض سيطرتها، ذلك الحين ستعمل جاهدة، ، لتأجيج النزاعات الداخلية أو خلق الأعداء الوهميين بالخارج، ولكن بدون جدوى، فهي تعلم تماما، أن الخوف وحده لا يكفي لبقاء أنظمة الاستبداد.

كاتب فلسطيني

البحر المتوسط شرخ فاصل ام جسر واصل

نشر بالعربي الجديد بتاريخ 08/03/2017

 

البحر المتوسط

شرخ فاصل ام جسر واصل

نزار بدران

 

منذ انتهاء الإمبراطورية الرومانية، انتهى مفهوم الحضارة المتوسطية الواحدة، أو المفهوم القديم للمتوسط ” بحرنا “، الذي وضعه الجغرافي اليوناني استرابون، بالقرن الأول، بمفهوم العالم المُتمدن،  هذا الشرخ ما زال قائماً، بين جنوب وشمال البحر المتوسط.

وُجدت زمن الإمبراطورية الرومانية، أول عولمة بمفهوم وجود دولة واحدة وحضارة واحدة، كل ساكن مهما كان مولده وأصله، هو مواطن روماني، يحتكم لما يُسمى بقوانين الجمهورية، دليل ذلك أن خمسة من أشهر أباطرة الرومان، كانوا من أصل سوري  معظمهم من حمص، وبالتحديد,كراكلا, غيتا, ايل جبل , سيفيروس الكسندر وفيليب العربي. وكذلك سيبتيمس سيفيروس من ليبيا, و ماكرينوس من الجزائر, .الآثار التي نجدها بروما، هي نفسها التي نجدها بليبيا والأردن وسوريا وغيرها.

هذه العولمة الأولى، انتهت بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، بالقرن الرابع، والتي حل بعدها ببضع قرون، بجنوب وشرق المتوسط فيما بعد الدولة الإسلامية. منذ ذلك الزمن، انتهى مفهوم وحدة البحر المتوسط، وبدل أن يكون بحيرة داخلية رومانية لدولة واحدة، أصبح حاجزاً أو جسراً بين حضارتين، الغربية المُنتهية والإسلامية الناشئة.

الحضارة الإسلامية، بُنيت بعد وصول العرب إلى بلاد الفرس ذات الحضارة العريقة، وهذا ما يُفسر أن جُل العلماء المسلمين مثل إبن سينا الفارسي، والفارابي من تركستان، والخوارزمي عالم الكيمياء، من أوزبكستان، والبخاري الفارسي وسيبوية من مواليد شيراز لغوي العربية الشهير. كل هؤلاء من أصول غير عربية، العرب في بداية الفتوحات الإسلامية، لم يدمروا حضارات من سبقهم، بل على العكس أعطوها إمكانيات أكبر للانتشار, من ناحية أخرى تمكنت الفتوحات الإسلامية لبلاد الشام من الوصول إلى قبائل تعرف التكلم باللغة اليونانية، وهو ما سهل حين ذاك، ترجمة مؤلفات أرسطو وأفلاطون وغيرهم، وفتح باب الحضارة الإسلامية، عندما ربط العرب بين الحضارة الفارسية العريقة، التي دخلت الإسلام، وعُظماء الفلاسفة الإغريق.

النزاع التاريخي بين شمال المتوسط وجنوبه، لم يكن حاجزاً لانتقال الحضارة، فرغم الفتوحات الإسلامية، والحروب الصليبية، وطرد المسلمين من الأندلس، فإن الأوروبيين فتحوا الأبواب على مصراعيها للحضارة العربية والإسلامية، والحضارة اليونانية التي حملها العرب لهم. فبالوقت الذي كان فردينان دارغون، يطرد المسلمين من الأندلس، ويدخل آخر معاقلهم بغرناطة، فإنه لم يحرق بل أخذ آلاف الكتب الموجودة في مكتباتها العريقة، ووزعها على أهم المراكز الأوروبية في ذلك الزمن، والذين بدأوا على الفور بترجمتها، واضعة بذلك أُسس انتقال الحضارة العربية إلى أوروبا، وأسست للنهضة الغربية.

الفكر العقلاني القادم من الأندلس وعلماء اليونان، أخذ مكان علم اللاهوت والغيبيات والخزعبلات، التي كان يعيش عليها الغرب بالقرون الوسطى، وأسست لفكر فلاسفة عظام، أمثال ديكارت وكانت، والذين استقوا من فكر ابن رشد وغيره، من علماء ذلك الزمن.

نرى نفس الشيء، ولكن بالاتجاه المُعاكس، أي أن الحملة النابليونية على مصر، بعد الثورة الفرنسية (1789)، ترافقت مع تطور الدراسات الشرقية، التي قام بها العلماء، في كافة الأوجه، اللذين أحضرهم نابليون معه، رغم أن الحملة لم تستمر إلا ثلاث سنوات (1789-1802)، إلا أن محمد علي باشا، اقتبس الفكر الحداثي الغربي، وبدأ بحملة واسعة، لإقامة دولة عربية حديثة، لم يُكتب لها النجاح، بسبب توافق السلطان العثماني، والقوى الأوروبية على هزيمته. نرى ذلك أيضاً بتونس، مع الوزير خير الدين، الذي وضع أسس الحداثة وأول دستور لدولة إسلامية سنة   1861 مقتبسا القوانين المدنية الاوروبية.

 

نرى ذلك مع فكر الإصلاحيين الإسلاميين، اللذين درسوا بالغرب، أمثال الشاعر الفيسلسوف الهندي الباكستاني، محمد إقبال، وكان أستاذاً بألمانيا وبريطانيا حتى انه كان له مدرسة واتباعا غربيين، ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني، اللذين أسسا لجريدة العروة الوُثقى بباريس، عام 1884، وحتى السلطان عبد الحميد الثاني، والذي وضع قبل انهيار الدولة ببضع سنين، أول دستور للإمبراطورية العثمانية، مع بدء تحديث الدولة، ووضع القوانين المدنية المُقتبسة عن الغرب.

هذا التفاعل الحداثي بين الشرق والغرب، بين شمال المتوسط وجنوبه، كان جسراً حضارياً، تعدى بحر الحروب والأطماع.

في كل زمن، نجد حضارة ومركزاً لإشعاعها، ووجود الحروب والنزاعات، لا تعني فصل الحضارة وتجزئتها، فالحضارة لها طابع إنساني، لا تستطيع الحروب منع انتشارها، بل قد تكون كما رئينا وسيلة لذلك. الحضارة العالمية، هي تلك التي يستطيع أي إنسان على وجه الأرض ان يجد نفسه فيها، ففكر أفلاطون وأرسطو تبناه علماء الإسلام، في بدايات الحضارة الإسلامية، قبل تجميد ذلك بإغلاق الاجتهاد، وإنهاء العقل لصالح النص.

من هذا المفهوم فنحن نعتقد، أن مفهوم الحضارة الغربية، كحضارة وُلدت بالغرب، ولا تصلح إلا للغرب، هو مفهوم خاطىء، فلولا الحضارة الإسلامية، لما وُجدت الحضارة الغربية، ولولا الحضارة اليونانية والفارسية، لما وُجدت الحضارة الإسلامية، ولولا وُجود الحضارة الرومانية لما وصلنا لشىء.

الحضارة هي نهر واسع جارٍ، تصب فيه أنهر صغيرة كثيرة، كل أمة وكل شعب يُساهم بها وبتطورها.

قيم حقوق الإنسان، والمساواة بين الناس، والدولة الديمقراطية، هي بعض من قيم حضارة هذا الزمن العالمية، وليست قيماً غربيه، وإن وُجدت وترعرعت بالغرب، بعد الثورة الفرنسية.

خصوصيات الشعوب لا تُترجم بحضارة خاصة بهم، تعادي او تتناقض مع الآخرين، بل بثقافات خاصة، تُغني الحضارة العالمية الواحدة. فالثقافة العربية هي ما أنتجته الخصوصية العربية، من أدب وشعر وهندسة معمارية وأشياء كثيرة لا تُعد ولا تُحصى، كذلك الثقافة الصينية أو الإفريقية، هذه الاختلافات في الثقافات ضرورية، لبناء عالم ملون جميل، يستطيع كل شعب أن يُعبر عن نفسه، ويُغني الثفافات الأخرى، ولكنهم كلهم يتفقون على إطار حضاري واحد. العولمة الحديثة لا تعني، أن نلتحق بالثقافات الغربية، بل على العكس، يجب الحفاظ على ثقافاتنا ولغتنا وكل خصوصياتنا، والعمل الدؤوب على منع ذوبانها واختفائها، تحت حُجة الحضارة المشتركة.

التمييز بين مفهوم الحضارة، وهي واحدة، ومفهوم الثقافة، وهي متعددة، مهم جداً، التراجع الثقافي الذي نراه حالياً بالعالم العربي، على مستويات عدة (كالفن والأدب وغيره) والإفقار الفكري العام، والابتعاد عن الحضارة والقيم العالية، والتقوقع في أُطر غيبية دينية، كما فعل الأوروبيون في القرون الوُسطى، قبل وصول الحضارة الإسلامية واليونانية لهم، هو ما يجب الانتباه إليه، علينا أن نفتح الأبواب والنوافذ كلها، لإدخال الحضارة لبلادنا، وإيصال ثقافتنا ومشاركتنا الحضارية، إلى العالم.

الأوضاع العربية الحالية، هي نتاج هذا البكاء المستمر، على حضارة فقدناها، والحُلم باستعادتها، وكأن نهر الحضارة السائر، باتجاه البحر، يمكن له العودة للخلف. الشعب الياباني أو الصيني أو الهندي، استطاع بناء دولة قوية ومتطورة، والعمل للانتماء للحضارة الإنسانية الحديثة، بدون أن يفقدوا شيئاً من خصوصياتهم وثقافاتهم، بل على العكس، أصبحوا من أكبر روافد هذه الحضارة، وقد يُصبحوا قريباً، وقبل مُنتصف القرن الواحد والعشرين، مصدرها الأساسي، كما هو الغرب حالياً.

تركيا وأندونيسيا، ودول مسلمة أخرى، بجنوب شرق آسيا، انطلقت بدورها إلى الإمام، وطورت التعليم والصناعة، والحكم الرشيد والديمقراطية. تبقى الدول العربية، هي حقيقة الاستثناء الوحيد بالعالم، وليس الإسلامية، والتي لا تستطيع، رغم ثرواتها الريعية الهائلة، وقد يكون بسببها، الالتحاق بالجوقة العالمية. الهوة الوحيدة التي تستمر بالاتساع بالعالم، هي بين شمال البحر المتوسط وجنوبه، وتقارير الأمم المتحدة، عن التنمية بالعالم، يطرق جرس الخطر بتقاريره السنوية، منذ عام 2002.

نهر الحضارة العالمي جارٍ منذ آلاف السنين، وهو يمر بكل الدول و الشعوب والأزمان، رفض الالتحاق به لن يضر أحداً غيرنا، وسنبقى خارج الحضارة والتاريخ.

الحراك الشبابي للربيع العربي، جاء لتصحيح هذه الخصوصية عندما رفع عالياً قيم حضارية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد وعليه ان يعمل للتخلص من كل قوى التقوقع والاثقال السياسية والاجتماعية التي تحاول ان تجره الى الوراء.

 

 

 

 

 

 

 

 

انتهاء ريادة النخبة الفلسطينية للفكر العربي

 

القدس العربي 16 شباط 2017

انتهاء ريادة النخبة الفلسطينية للفكر العربي

نزار بدران

قد يتفاجأ البعض بمواقف بعض المُفكرين الفلسطينيين، أو المسؤولين السياسيين، من الثورة السورية، وخصوصاً تلك الحركات التي كانت رمز الحرية والثورة بالعالم العربي.

الحدث السوري كان بالنسبة لجزء مهم من الفكر الفلسطيني بمثابة اسدال الستار عن الحلقة الاخيرة  من مسرحية استمرت لعقود كان فيها المفكر الفلسطيني رمز الامة للانعتاق والتحرر , لنجد بعضهم يلهثون تدريجيا وراء الانظمة التي كانت سبب نكبتنا وتبرر قمعها واجرامها بحق شعوب دولها.

استكمالاً لما كتبته سابقاً بشأن مواقف النخبة العربية، وعماها الإيديولوجي، الذي يمنعها من رؤية الأشياء كما هي ،فسنتطرق للوضع النخبوي الفلسطيني  والذي لم يكن احسن حالا.

إن مركزية القضية الفلسطينية تُحتم علينا أن نُحلل الموقف الفلسطيني من الأحداث العربية، وترابطهما الوثيق، فالشعب الفلسطيني مُهجر في كثير من دول الجوار، خصوصاً في سوريا ولبنان، وهو  واقع ضحية عنف جديد، يُضاف لعنف فقدان الوطن والعيش في الشتات.

الخصوصية الفلسطينية، والتي هي بقاء فلسطين تحت الاحتلال، قد تبرر المواقف الداعمة للنظام السوري، من عدد من المثقفين وجزء من عامة الناس، لأن الشعب الفلسطيني لم يُنه بعد، مرحلة التحرر الوطني. هل حقاً مواقف كهذه تُفيد القضية الفلسطينية، القضية المحورية للأمة العربية؟، وهل استطاع الفلسطينيون بالتصاقهم الدائم بمرحلة التحرر الوطني، الوصول إلى أي شكل حقيقي من الاستقلال الوطني؟، الحقيقة أن قطار التحرر الوطني في العالم قد فاتنا، وخصوصاً بعد تقزيم المطالب الوطنية من تحرير فلسطين وإقامة دولة العدالة الاجتماعية، المُسماة الدولة الفلسطينية الديمقراطية العلمانية، كما أُعلن في سنوات الستينات، إلى دويلة لا تتجاوز مساحتها، خمس فلسطين التاريخية، والاعتراف بسلب البقية الباقية، ونسيان حقوق اللاجئين.

لقد عمدت اتفاقيات أوسلو، إلى إنهاء حتى مفهوم هذه الدولة الصغيرة، والتي أُشبعت تقسيماً وتقطيعاً. ولم يحصد الفلسطينيون إلا اليأس ومجتمعا مجزءا بين تيارات وانتماءات ليس لها حقيقة علاقة بالمشروع الوطني الكبير، الذي وُضع في منتصف سنوات الستينات واستُشهد من أجله الآلاف.

عكس ذلك، أي الالتحاق بموجة التحرر، التي تلت سقوط الاتحاد السوفيتي، وانتهاء الحرب الباردة، وعمت مناطق شاسعة من العالم، قد تُقرب لنا مشروع التحرر الأصلي، أي بناء صرح دولة على كامل فلسطين وعودة اللاجئين. لهذا ليس من الضروري، أن يتناقض البعد الوطني والتحرر من المُستعمر، مع البُعد الاجتماعي والمطالبة بالحرية. ليس لذلك التناقض مبرر تاريخي حالياً، بعد نهاية الحرب الباردة، وسقوط مرجعية الفكر الاستبدادي، الذي كان يمثله الاتحاد السوفيتي، والدول الشيوعية الدائرة في فلكه، بل على العكس لن يكون لنا مشروع تحرري فاعل، إن تغاضينا، كما نفعل الآن، عن البعد الحقوقي والاجتماعي للشعب الفلسطيني.

لم يعد ممكناً أن نستمر، بتفسير اضطهاد الفلسطينيين في لبنان مثلاً، وسلبهم حقوقهم الإنسانية الأساسية، بالعمل والتملك، تحت حجة حماية القضية الفلسطينية، وكأن سلب حقوق الناس الاجتماعية، تضمن لهم حقوقهم الوطنية.

الشعب الفلسطيني، وخصوصاً المفكرين وقادة الرأي، عليهم النظر بتمعن إزاء هذه الازدواجية: الحرية والتحرر، فهما بالنسبة للشعب الفلسطيني، رديفان لنفس الهدف. أما  الابتعاد عن مفهوم دعم الأنظمة العربية الديكتاتورية، كما نرى للأسف بسورية، تحت حُجة تحرير فلسطين (وهو ما يعني فقط إقامة دولة على جزء صغير من فلسطين ومع سيادة ناقصة) لا يُقربنا، من مفهوم الجمع بين الحرية والتحرر.

لم يقبل نيلسون مانديلا بجنوب أفريقيا، بفصل هذين البعدين، وأصر على إقامة دولة واحدة، يحكمها القانون، وهو ما وصل إليه، بدل الجري وراء سراب تقسيم جنوب أفريقيا، بين السود الأغلبية والبيض الأقلية. علينا بفلسطين إذاً، وخصوصاً الذين يدعون المعرفة وقيادة الرأي العام، أو السياسيين من قادة الحركة السياسية، أن نبدأ بالسير نحو هذا النموذج، والالتحاق بمبادىء الربيع العربي. فشباب هذا الربيع، يمثلون حقاً مستقبل الأمة وحقها بالنهوض، بعد أكثر من مئة عام على التغييب.

إن مساندة الشعب السوري، في نضاله للحصول على حريته، هو وسيلتنا كذلك في فلسطين، للحصول على حريتنا وتحررنا في نفس الوقت. فماذا أفاد الشعب الفلسطيني السكوت عن النظام السوري عام 1982، عندما دمر مدينة حماة، وقتل أكثر من 30 ألف مواطن، وفي وقت حاصر طرابلس، وطرد الثورة الفلسطينية، كما أرادت إسرائيل وأمريكا خارجاً.

إن الالتحاق بموكب الربيع العربي، لن يكون عن طريق أطراف السلطة بكل أشكالها (بالضفة أو غزة أو بالخارج) ولا عن طريق المنظمات الفلسطينية المعارضة، لأنهم لم يستطيعوا الخروج من المعادلة الأولى للقرن الماضي وهي التحرر من الاستعمار، ولم يدخلوا إلى المعادلة الثانية وهي التحرر من الاستبداد، التي عمت العالم، أو لم يروها. هذا الالتحاق لن يتم إلا عن طريق شباب الشعب الفلسطيني، والذي عليه مهمة اللحاق بشباب الأمة، ورفع شعارات تتلاءم مع طبيعة المرحلة الجديدة. هذا الشباب عليه ان يفرز الفكر الفلسطيني التحرري ويضع أسس حراك وطني فلسطيني يكون مرتبطا بالمرحلة التاريخية الجديدة التي يعيشها العالم العربي وفلسطين.

لم تعد البرامج السياسية التي وضعتها الحركة الوطنية الفلسطينية بكل اطيافها خلال سنوات الستينات وحتى الثمانينات، قادرة على تجميع الجهد الفلسطيني او العربي, بل فشلت بذلك فشلا ذريعا. أما الشباب الفلسطيني وعبر ارتباطه بالحراك العربي والذي هو بدوره جزء من صورة العالم الجديدة في جانبها المضيئ, تحتم العمل من أجل مجتمعات تحكمها مصالح الشعوب ولا تهمش احدا.

الربيع العربي في بداياته عام 2011 كان نموذجا لحراك عالمي شبابي انتشر بشكل واسع، خصوصا بالدول الاوروبية من ايطاليا لاسبانيا وحتى امريكا وغيرها, تحت تسمية الحركات البديلة مبني على مفهوم الديمقراطية وحقوق الانسان. يستطيع الشباب الفلسطيني بدوره ان يكون نموذجا لهذا الفكر, وان لم يقم بهذا الدور فلن يقوم به احد.

إن الذين يدعمون النظام السوري وحماته الروس، ويعلنون رفضهم لمبادىء الربيع العربي، يسيرون عكس اتجاه التاريخ، ومكتوب عليهم الفشل، بعد أن خذلوا الشعب الذي احتضن الفلسطينيين، وكأنهم جزء منه، ولا ننسى أن الشهيد عز الدين القسام، قائد أول ثورة فلسطينية، كان سورياً من قرية جبلة قرب حلب، واستشهد على أرض فلسطين بقرية يعبد، وكان وما زال شيخ المجاهدين بفلسطين.

 

معايير الحضارة وحلم فيكتور هيجو

 

 نشر بالعربي الجديد بتاريخ 21  كانون الثاني 2017

معايير الحضارة وحلم فيكتور هيجو

نزار بدران

 

قد يظن البعض أن الحضارات تتطور فقط بفعل الإنسان كفاعل مباشر وحيد، وذلك عن طريق التقدم العلمي أو الاجتماعي وغيره من الأنشطة الإنسانية النبيلة، ولكن الحقيقة أن هذه الأنشطة، هي نتاج للفعل الحضاري وليست سببا له. أسباب الحضارة أو شروطها، قد حُددت من قِبل المؤرخين، وخصوصاً من اهتم منهم بالتاريخ الشامل، أو ما يُسمى التاريخ طويل الأمد، والذي وضعت اُسسه في النصف الأول من القرن العشرين.

هذه الشروط لم توضع اعتباطياً، وإنما بعد دراسات تاريخية موثقة، عن كيفية إنشاء وإنتهاء الحضارات. وقد نذكر أن أول من اهتم بهذا الأمر، كان ابن خلدون، خلال القرن الرابع عشر الميلادي، عندما حدد أسباب نشوء وانهيار الأمم والإمبراطوريات.

مثل هذه الأبحاث والتحليلات التاريخية، ليست وُجهات نظر المؤرخين، وإنما هي حقائق علمية، ُثبت بالدراسة تكرارها، مما أكد حقيقتها. يذكر مؤسس التاريخ الشامل فيرنان بروديل، وهو الدارس للحضارات المتوسطية ومرجعيتها بالعالم، أن نشوء أي حضارة استوجب ثلاثة شروط، وهذا ينطبق على الإمبراطورية الرومانية والإسلامية وغيرها في الشرق الأقصى وباقي العالم.

أولى هذه الشروط، هو وجود أرض شاسعة واسعة متكاملة ومتناسقة، الشرط الثاني، هو وجود أناس بعدد كاف يسكنون هذه الأرض ويعملون بها، تجمعهم قواسم مشتركة، وثالثها مرور فترة زمنية كافية من السلم، حتى تستطيع شعوب هذه الأرض أن تبني حضارة مشتركة. هذه حقيقة أشياء بسيطة ومنطقية، ولا نحتاج لجهد كبير حتى نُقنع بعضنا بصوابها.

الآن لو أردنا تطبيق هذه الشروط على أوضاعنا العربية، لوجدنا أننا قد قمنا بأيدينا بإنهاء كافة هذه الشروط وتدميرها، وكأننا لا نريد أن ننتمي لأي حضارة، ولا نريد أن ينشأ عندنا أي مستقبل لأبنائنا. نحن في الوطن العربي لنا أرض شاسعة، متناسقة ومتكاملة وتحوي ثروات متنوعة، من المعادن والزراعة والماء والشمس والهواء وغيرها، ولكن هذه الأرض قُسمت إلى 22 قطعة، مُحاطة بحدود لا يستطيع حتى الذباب تجاوزها، بدون إذن وفيزا، وكأن هناك من يريد أن يمنعنا من الخروج من الأقفاص التي وُضعنا فيها.

عندنا أيضاً الشرط الثاني، أي الشعب الكبير العدد، والمتناغم اللغة والعادات، وأغلب الأحيان المُعتقدات، 400 مليون مواطن، ولكنهم قُسموا إلى شعوب وقبائل مُتنافرة، لا تستطيع الاتصال بفعل الحدود، بل تتقاتل فيما بينها، داخل أقفاصها الضيقة، لتأكل الفُتات. ولتثبيت هذه الحدود، وهذه الصراعات الداخلية، أوجدنا لأنفسنا حكومات وسلطات لا يهمها إلا نفسها، وتتصرف كأن الوطن الصغير لكل شعب، هو ملكها الخاص، تُغلق عليه كل النوافذ والأبواب.

الشرط الثالث للحضارة، وهو الفترة الطويلة للسلم، لست بحاجة للكتابة عنها، فنحن لم ننعم من أكثر من قرن بيوم واحد من السلام، فإما حروب بين هذه الدول المشكلة للأمة، وإما قمع عنيف لحراك جماهيرها، أو قتال مع الجيران، كما رأينا في الحرب بين العراق وإيران.

تتوفر إذن للأمة كل شروط الحضارة، ولكنها دمرتها بأيديها، وقد نقول أيضاً بسبب الاستعمار وتدخل إسرائيل والقوى الأخرى، ولكن هذا التدخل ما كان ليحصل، لو حققنا شروط الحضارة فيما بيننا، بدل التقاتل والتجزئة.

لو أخذنا مثال أوروبا، فسنرى أن الاتحاد الأوروبي، حقق الشروط اللازمة لبناء حضارة عريقة، فهناك الأرض الشاسعة، حتى ولو كانت أقل ملاءمة وتكامُلاً من الأرض العربية، وهناك 500 مليون مواطن، حتى لو كانوا أقل تناغماً وتشابهاً من الشعوب العربية، فهؤلاء يتكلمون لغات عديدة، وينتمون لحضارات مختلفة، ولكنهم أمنوا لأنفسهم الشرط الثالث: أكثر من سبعين عاماً من السلام الداخلي الدائم، بعد أن قسمتهم ودمرتهم الحروب العالمية الأولى والثانية وما سبقها، 1000 عام قبل تلك الفترة، لم تعرف أوروبا يوماً واحداً من دون حرب.

الولايات المتحدة الأمريكية، أمنت نفس الشروط الثلاثة، من شعب كبير 320 مليون، على أرض شاسعة وشعوبا مختلفة عرقياً ولغوياً، ولكنها تعيش بسلام داخلي منذ عشرات السنين. قد نرى الشيء نفسه إزاء الهند أو الصين الحديثة أو إزاء البرازيل.

لن نستطيع حقاً بناء أي حضارة، كل على حده، وداخل أقفاصنا الصغير، حتى لو امتلكنا البترول والذهب والفضة. لن نستطيع بناء شيء ذا معنى، إلا إذا جمعنا أرضنا بأرض واحدة، وشعوبنا بأمة واحدة، وإنهينا حروبنا الداخلية العقيمة، وأسسنا للسلم الداخلي، الدائم والطويل، المبني على العدل والمساواة بين الناس، مهما كانت طوائفهم ولغاتهم وأعراقهم.

الأوطان المُتحضرة الحضارية، تُبنى بسواعد أبنائها، خصوصاً الذين يُوفرون لها شروط نجاحها، كما فعل غيرنا رغم حروبهم السابقة، فنحن لنا الأرض الواسعة، التي باركها الله، ولنا أمة واحدة كبيرة، حتى لو اختلفت أديانها وأعراقها ولغاتها، وننتمي لحضارة واحدة، كانت في السابق قد حققت هذه الشروط الثلاثة، فمتى ستنتهي حروبنا الداخلية وصراعاتنا، التي لا تخدم إلا أعداءنا؟.

ولنذكر بالحلم الأوروبي لفيكتور هيجو، مؤلف “البؤساء” في خطابه أمام مجلس السلم العالمي بباريس، عام 1848، أي قبل أكثر من قرن قبل بناء الاتحاد، والذي تلته وسبقته حروب ضروس بين هذه الدول. قال الشاعر والكاتب العالمي، وأمام سُخرية البعض من الحضور: “إنكم تقولون اليوم وأقول معكم، كلنا هنا نقول لفرنسا وإنجلترا ولبروسيا وللنمسا ولإسبانيا وإيطاليا وروسيا، نقول لهم: سيأتي يوم تسقط فيه الأسلحة من أيديكم، يوم ستبدو فيه الحرب سُخف، وستكون مستحيلة بين فرنسا وبريطانيا، وبين سان بترسبورغ وبرلين، وبين فيينا وتورينو.

سيأتي يوم، لا تكون هناك ساحات قتال، وإنما أسواق مفتوحة، للتجارة وعقول تتفتح للأفكار، سيأتي يوم تُستبدل فيه القنابل والرصاص، بالانتخابات وبالإقتراع، بالتحكيم المُحترم لهيئة مُستشارين عُظمى، تكون بالنسبة لأوروبا، مثلما هو البرلمان بالنسبة لإنجلترا والمجلس التشريعي لفرنسا.

من هنا فإن هدف السياسة العظيمة، السياسة الحقة، هو الاعتراف بكل الجنسيات، وإعادة إحياء الوحدة التاريخية بين الأمم، وجمعها كلها في حضارة واحدة، هي حضارة السلام، جماعة حضارية واحدة، تُضرب مثلاً للأمم التي لا تزال بربرية متوحشة، ليكون للعدل الكلمة العليا والأخيرة، التي كانت في الماضي للقوة”.

تحقق حُلم فيكتور هيجو، بعد قرن من خطابه، وبعد ملايين القتلى الذين سقطوا في الحروب العالمية بالقرن العشرين. هل نستطيع بأمتنا العربية، أن نوفر علينا هؤلاء القتلى، وهذه السنين الضائعة؟.

المذاهب الشمولية ومصادرة الفكر

نشر بالقدس العربي   21/09/2016

المذاهب الشمولية ومصادرة الفكر

نزار بدران

 

يشمل تعبير الشمولي كل فكر يقصي الآخر، ولا يترك له أي مكان في أي مكان، بل هو يحمل في ثناياه نفي هذا الآخر. مثل هذه الإيديولوجيات قديمها وحديثها تقع في مطب المُطلق، وتتصور أنها وصلت إلى الحقيقة التامة، ووصلت إلى جوهر الأشياء، فهم كأبي الكيمياء جابر بن حيان في القرن الثامن الميلادي، الذي كان يبحث عن الحجر الفلسفي الذي يحول كل شيء إلى ذهب.

ظن بعض الفلاسفة القدامى، أن كل شيء يحوي في داخله ألجوهر, وإذا وصلنا إليه حصلنا على المعرفة النهائية. بينما الحقيقة الأبدية والنهائية لم تعد موجودة، لا بالفكر ولا بالفلسفة، ولا حتى بالعلوم البحتة، كالفيزياء، فأينشتاين وضع أسس النظرية النسبية، وأثبت هو وثُلة كبيرة من علماء الفيزياء، عدم وجود أي تمركز للحقيقة أو جوهر الأشياء، وأن الأشياء أصلاً بما فيها الذرة والالكترون ليس لهما جوهر خاص، وإن كان لهم حالات نسبية، متغيرة ومتقلبة. هذه الفيزياء الحديثة، والتي أصابت حتى مفهوم الزمن والمكان، هي أساس العلوم المعرفية، وبدونها لما وُجد الحاسوب، الذي تقرأ عليه عزيزي القارئ هذه الكلمات، ولا “الجي بي أس”، الذي يوصلك بسهولة إلى أي عنوان، بأعقد المدن.

كوارث الاستبداد

الفكر الشمولي، لم يقبل ذلك، وكان النظام الشيوعي يتبنى مفهوم السببية، أي بمعنى أن لكل شيء مسار يسير باتجاهه، لا يمكن تحويله، مستنتجاً طبعاً، نظرية تطور الشعوب والمجتمعات، وحتمية دخولها النظام الشيوعي، والذي هو برأيهم، النهاية لمآل كل التناقضات.

هذا الفكر بدل أن يوصلنا إلى الجنة الموعودة، بروسيا أو الصين، أوصلنا طبعاً، إلى كوارث الاستبداد وحكم القلة، وما صاحبها في الدول الشيوعية من قتل وتشريد الملايين. كذلك الفكر النازي حمل في طياته أشياء مشابهة شمولية، ولم يصل هتلر، إلى مملكة الألف عام التي كان يعمل لإقامتها، بل إلى دمار ألمانيا وأوروبا.

الحروب الدينية التي عمت أوروبا خلال القرون الوسطى، بين الكاثوليك والبروتستانت، وتيارات دينية أخرى، تُذكرنا بآفة الحروب، التي دارت وما تزال تدور، في عالمنا الإسلامي، في حضن الفكر الشمولي الديني، ومنذ البدء. فكل مذهب يتصور امتلاكه للحجر الفلسفي والحقيقة الإلهية القادمة من الغيب, وليس في مخيلته مجال لفكره نفسه ، فكيف سيقبل بفكر الآخر؟.

النموذج الساطع، هو التيارات السلفية المتشددة، والتي لا تقبل إلا التقيد والخضوع للنص، كما حُدد قبل عشرة قرون، عندما حددت الخلافة العباسية ببغداد، المذهب السني، وأغلقت باب الاجتهاد وأنهت كل ما دار قبلها، في بدايات الإسلام، من حيوية فكرية, مثل فكر المعتزلة، ونقل وترجمة الفلسفة اليونانية في القرن الثامن والتاسع الميلادي.. وهذا بهدف تثبيت دعائم الحكم العباسي، وإنهاء كل التيارات المعارضة له، بتهمة الخروج عن الدين.. كتكفير الشيعة ومذاهب أخرى الخ..

أدى هذا الإعلان إلى إنهاء الفكر، والذي كان مصدر التطور الحضاري، خلال القرون الأولى للإسلام. استبدل هؤلاء العلماء والمفكرون، بالفقهاء وعلماء الدين،  الذين حددوا بشكل نهائي، مصادر المعرفة بما كان قيل وعُمل زمن السلف الصالح، ورفض كل ما لا يتطابق معه. إنهاء الاجتهاد هو الانتقال من حق الفكر المستقل، بموازاة الدين، إلى مرحلة إنهاء كل الاتجاهات الفكرية، والاكتفاء بالدين وحده. ولم نجد في المراحل اللاحقة، إلا القلة ممن خرجوا عن هذا الخط، أمثال ابن رشد، من الأندلس الأموية، والذي مات بمنفاه المراكشي، بالقرن الثاني عشر، أو ابن خلدون بالقرن الرابع عشر، والذي وضع أول تاريخ موضوعي، لا ديني، يصف الإمبراطوريات والدول، بما فيها الدولة الإسلامية، ويُعتبر لحد الآن مصدر فكر بعلم التاريخ والاجتماع.

الطوائف وأحزابها القديمة

عشرة قرون من الانغلاق الفكري، واعتماد الفقه والفقهاء كمرجعية علمية، أبعدتنا عن العلم والمعرفة، وأغرقتنا في التخلف والابتعاد عن الحضارة، بينما القرون القليلة، التي تلت ظهور الإسلام، كانت مليئة بالعطاء والعلم والمعرفة والفلسفة واستقبال الفكر المستقل، والتي ربطت العرب، كقوة عصبية حاكمة، كما يقول ابن خلدون، مع الحضارة الفارسية العريقة، وحضارة الإغريق، وسمحت بذلك بتفجر ما يسمى بالحضارة الإسلامية.

طوال أمد فترة الجمود، والتي شملت إنغلاق الفكر، بقرار سياسي من الخلافة العباسية، وبدعم من الأغلبية الشعبية المحافظة، وربط أي نشاط فكري بمرجعية دينية محددة، لا يجب أن يكون سبباً لاستمرار هذا الجمود، خصوصاً في هذا الزمن المنفتح على العالم، وتطور طبقة وسطى متعلمة، لم تعد تقبل بمسلمات الماضي، بل ترغب باللحاق بركب الحضارة العالمية، وبناء أمة منفتحة، تتخلص من قيود التحجر الفكري الديني الغيبي.

المذهب الحنبلي بالقرن التاسع، وما تبعه بالقرن الثالث عشر، من ظهور الفكر الأصولي المتطرف لإبن تيمية، والذي جُدد بقوة مع ظهور المذهب الوهابي، بالقرن الثامن عشر، هو للأسف الصيغة الطاغية على الوضع الحضاري والفكري بالعالم الإسلامي. بينما فكر المعتزلة المنفتح، ووصولهم للسلطة زمن الخليفة المأمون، لم يدم إلا بضعة عشرات من السنين.

كل الأسماء اللامعة للفكر الخلاق مثل ابن سيناء، والخوارزمي، والفارابي، وسيبويه، وهم في جلهم من شعوب غير عربية ذات انتماء للحضارة الفارسية لم تكن لتستطيع العطاء، لو عاشت في زمن إغلاق الاجتهاد، والاكتفاء بالنصوص الدينية، بالعلم والسياسة والمجتمع.

أسس التخلف الاجتماعي

منع التعددية الفكرية في المجتمع, ومنع حرية تشكيل الأحزاب، هي التي أسست للتخلف الاجتماعي والحضاري، الفكر الأحادي في هذا الزمن، هو ما يسمى حكم الحزب الواحد، كما هو الحال في دول حزب البعث العربي ألاشتراكي كسوريا، أو الحزب الوطني بمصر زمن  الرئيس حسني مبارك.

في الأزمان القديمة، كانت الاتجاهات ألفكرية, تأخذ دائماً غطاءاً مذهبياً، فالمذاهب الدينية، تعكس بالحقيقة التنوع السياسي للمجتمع، في زمن لم يكن هناك شيء يخرج عن إطار الدين.

وحدها الأنظمة الديمقراطية، هي التي تحمي التعدد الفكري، وحق تشكيل الأحزاب، وهو أساس قوة هذا النظام وسبب استمراريته، كما نرى حالياً بالغرب واليابان والبرازيل والهند وجنوب افريقيا وغيرها من الدول في كل أنحاء العالم.

أن تنتمي لطائفة محددة، في بلاد العرب حالياً، هو بالأساس انتماء لفكر سياسي اجتماعي، كان موجوداً في فترة معينة، قبل عدة قرون، وبظروف سياسية محددة، ويعكس صراعات سياسية معينة، لا يمكن الاعتماد عليها في زمننا هذا، لحل تناقضات مجتمعاتنا الحديثة، الطوائف يجب أن تبقى جزء من تاريخنا وليس جزء من حاضرنا، هي فقط أحزاب الماضي.

بالعكس فإن تشكيل الأحزاب السياسية، وتطوير مؤسسات المجتمع المدني، على أسس فكرية صرفة، محترمة توازنات القوى الاجتماعية، هي الكفيلة بإقامة دولة المواطنة، بدل دولة الطوائف.

لا يُتِصور حالياً، في دولة ديمقراطية، أن ينتمي أحد إلى اتجاه فكري، كان موجوداً قبل قرنين أو ثلاثة، مثل أحزاب الثورة أو الملكية الفرنسية، أو برامج أحزاب الحرب الأهلية الأمريكية، فكيف نقبل نحن، أن نبقى تابعين لأحزاب وُجدت قبل عشرة قرون؟. أن ندافع عن الحسن والحسين أو عن عمر وعثمان، لا يمكن أن يكون فكراً معاصراً مقبولاً، هؤلاء هم فقط جزء من التاريخ العربي الإسلامي لا أكثر ولا أقل.

الشمولية، هي وباء القرن العشرين، وقد ُبدئ التخلص منها في نهايات ذلك القرن، عندما انهارت الشيوعية، وتحررت دول أوروبا الشرقية، وكذلك تحررت دول أمريكا اللاتينية، وعديد من الدول الإفريقية والآسيوية. التغيرات السياسة بدول العالم، تبتعد دائما، عن فكر وسياسة الحزب الواحد، والقائد المُلهم، وتتجه نحو الديمقراطية والتعددية.

الأمة العربية لا يمكن أن تكون استثناء عن هذه القاعدة، وهي تعمل جاهدة للخروج من الاستبداد والفكر الشمولي، والذهاب نحو الديمقراطية والتعددية كغيرها، وسلاحها بذلك لن يكون إلا فكرياً حراً متجددا ، ولا مكان للفكر الديني الغيبي أو القومي الشمولي, أو العلماني الانتقائي، في هذه المعادلة.

اليوم العالمي لحرية الصحافة حرية التعبير وحرية التفكير

03/05/2015

اليوم العالمي لحرية الصحافة

حرية التعبير وحرية التفكير

د. نزار بدران

يحتفل العالم اليوم الثالث من أيار باليوم العالمي لحرية الصحافة وقد فُقد منذ بداية هذا العام عشرات الصحفيين وسُجن آخرون.

حرية الإعلام وتوصيل المعلومة هي أحد نتائج حرية التعبير وكانت أولى نقاط بيان حقوق الإنسان المُعلن من الأمم المتحدة للعام 1948، وأيضاً أولى نقاط إعلان حقوق الإنسان والمواطن للثورة الفرنسية للعام 1789 .

كان مقص الرقيب قبل زمن العولمة والإنترنت هو الوسيلة المُثلى لتحقيق غرض السلطات لمنع حرية التعبير والإعلام. يمنعون من النشر ما يريدون وبدون علم القارئ. اليوم مع انتشار وسائل التعبير والإعلام الإلكترونية أصبحت مهمة الرقيب على الأفكار التي لا تُلائم سلطته صعبة. وهو ما أدى برأيي إلى تحول هذه الرقابة من وضعها البدائي بالمقص والصفحات البيضاء إلى ممارسة العنف والإرهاب ضد الصحفيين والإعلاميين من سجن وإبعاد وقتل وذلك لتخويفهم وجعل الصحافة تُراقب نفسها بنفسها. هذا ما نراه حالياً في معظم وسائل الإعلام العربية المكتوبة أو المرئية أو المسموعة. فالابتعاد عن ذكر ممارسات بعض الزعماء أو تحليل أوضاع بعض الدول وعدم انتقادها، واضح لكل مشاهد وقارئ ومستمع.

المراقبة الذاتية هي في الحقيقة أخطر من مقص الرقيب، فالخوف من العقاب أشد بطشاً بالمعلومة والخبر والتحليل منه من المقص. وسائل هذا التخويف ليست فقط القتل في بعض الأحيان وإنما أيضاً بتجريم الكتابة؛ باعتماد قوانين ملتوية كالتغريم الذي يؤدي إلى الإفلاس أو المتابعة القانونية والتهديد بالسجن تحت حجج واهية مثل المساس بكرامة الشخص أو بالمشاعر الدينية أو عادات المجتمع أو التشجيع على الإرهاب والعنف. الهدف طبعاً هو منع أي صحفي من الممارسة العادية لمهنته بنقل الحدث والتعليق والتحليل.

ما الهدف من كل ذلك؟، ولماذا هذا الخوف من نقل الحقيقة للقارئ؟. إن الهدف هو منع الناس من التفكير. منع النشر والتعبير لا يمنع أحد من التفكير الذي لا تستطيع أن تصله يد الرقيب، إلا أن انعدام وسائل نقل الفكر للآخرين يمنع تطوره فالفكر لا يأتي إلا بالنقاش وتبادل ألآراء، الهدف إذا هو منع المواطن من التفكير وتركه فريسة للجهل والإعلام الرسمي.

66 صحفياً قُتلوا العام الماضي بحسب مراسلون بلا حدود وعشرات آخرون سُجنوا، ونُصت قوانين مُحدَة للإعلام بدول كثيرة كبيرة وصغيرة.

كل ذلك لمنعي ومنعك أيها القارئ العزيز من التفكير، وأن تستطيع أن تصل إلى أن الوضع الذي نعيشه ليس طبيعياً ويجب تغييره. إنما عليك عزيزي المواطن أن تبقى تحت رحمة الفكر الواحد الأوحد الذي يملك كل الحقيقة، فهو يهدف لتسهيل حياتك اليومية فأنت لست بحاجة لأن تفكر بالظلم والفقر الذي تعيش به !!.

أنت إذاً أيها القارئ والمواطن من يستطيع الدفاع عن الصحافة والصحفيين وحمايتهم عندما تستعمل الوسائل المتاحة في هذا الزمن، التي لا تستطيع يد الرقيب أن تصلها. فلتقرأ ما تشاء على صفحات التواصل ألاجتماعي  وتكتب ما تشاء وتقول ما تشاء ولن يستطيع الرقيب أن يوقف الصحفي الصغير المتواجد في كل واحد من ملايين القراء.

دفاعنا عن الصحفيين والصحافة هو دفاع عن حقنا في التفكير وإبداء الرأي. ونستطيع إن أردنا أن نكسر مقص الرقيب أو نلوي يده.

طبيب عربي مقيم في فرنسا