مفكرونا والعمى الأيديولوجي

24/03/2015

 

مفكرونا والعمى الأيديولوجي

د. نزار بدران

هنالك قواعد للفكر يلتزم بها المفكرون والمثقفون في العالم، لتحليل وشرح مشاكل الشعوب، قواعد هي بمثابة ثوابت لا يحيدون عنها، فمنها مثلاً حق الشعوب في تقرير مصيرها، أو الحق بحكم ديمقراطي. حق اللاجئين بالعودة إلى ديارهم، تحريم التطهير العرقي وغير ذلك. كل هذه الأشياء مُتفق عليها وموثقة في معاهدات دولية ومنصوص عليها في عشرات الكتب، وأي مُطلع ومهتم بأمور الناس يعرف ذلك، بشكل خاص الكتاب السياسيون والاجتماعيون والصحفيون وغيرهم من المفكرين. لكن بعضهم يستثني من هذا المنطق العام بعض شعوب الأرض، ويفصّلون لها تفسيرات وقوانين خاصة، لا علاقة لها بأي مفهوم قانوني إنساني.

أمثال هؤلاء كثرة كاثرة من المفكرين الغربيين، الذين يدافعون عن حق جزر القُمر أو شعب كوريا الشمالية بالحرية، ويتسابقون لمطالبة السودان بإعادة المهجرين، ويطالبون ملكة بريطانيا بالاعتذار عما حصل في أستراليا قبل قرون، ويدعمون حق كوسوفو بالاستقلال وتقرير المصير، وحق أوكرانيا بالخروج من السيطرة الروسية، ويناضلون ضد التطهير العرقي في كرواتيا والبوسنة، وإنهاء الفصل العنصري في أفريقيا الجنوبية.

كل ذلك رائع ويُشكرون عليه، ولكنهم عندما يصلون إلى القضية الفلسطينية، يعلنون أولوية الحفاظ على يهودية الدولة (إسرائيل) وينحازون إليها، على حساب حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم، وهو حق مؤسس وثابت في كافة مواثيق الأمم المتحدة. حتى أصبح النقاء العرقي أو الديني الذي يحاربونه في أصقاع الأرض، مجرد وِجهة نظر. كما أن اضطهاد الأقليات في العالم والتمييز العنصري، يصبح هو أيضاً موضوع أخذ وردّ، عندما يتعلق الأمر بسكان فلسطين الأصليين.

لحسن الحظ هناك قلة من الكتاب الغربيين. وكثيرون غيرهم، يحترمون القاريء ويلتزمون بمعايير الكتابة والأمانة، ولكن مفكري الفئة الأولى، يشكلون حالياً طرفاً مؤثراً بحكم مناصبهم الإعلامية وارتباطهم باللوبي الصهيوني.

هذه الآفة للأسف ليست حكراً على الإعلام الغربي والمثقفين الغربيين، ولكنها أصابت أيضاً جزءاً مهماً من الكتاب والمفكرين العرب، أصحاب الأسماء اللامعة والمعروفة، التي تقود في كثير من الأحيان اتجاه الرأي العام.

عندما اندلعت الثورات العربية في تونس ثم مصر، اتفق الجميع في تحليلاتهم على حق الشعوب العربية بالتحرر من الاستبداد، وبناء مجتمع تعددي حر، مصدر السلطة بيد الشعب، ونمنا وأصبحنا ونحن نتابع هذه الأحداث، وهذه الأقوال على شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد والتي في بعض الأحيان كانت أقرب لإعطاء التوجيهات للعمل اليومي، وتصورنا أنه لحُسن حظنا (النادر الحصول) لدينا طبقة مثقفة من الكتاب والمفكرين والسياسيين المعارضين ذوي الرأي السديد والهمة العالية، في إمكانهم إعطاء هذه الثورة العارمة بعدها الحقيقي والأصيل، في انتظار انتصار الثورة وبدء تبلور قيادات ثورية.

ولكن فوجئنا بعد ذلك وبسرعة بالانقلاب الكامل على ما قيل وكُتب بعد انطلاق الثورة السورية، التي لم تكن إلا استمراراً للربيع العربي، وكل مواطن سوري وعربي كان أصلاً في انتظار هذا الحدث في سوريا وغيرها، لشدة الحماس والإعجاب بالثورتين التونسية والمصرية وبعدهما الليبية.

بعض المفكرين وقادة الرأي، انقلبوا بين ثورة وضحاها إلى مدافعين عن أعتى نظام عربي، وأول نظام دمر مدينة عربية وهي “حماة” في العام 1982 لقمع الحراك الشعبي، وساهم بحصار وطرد الثورة الفلسطينية من لبنان، ولم يُعرف عنه أي انفتاح ديمقراطي. أصبح الحراك الشعبي السلمي عند هؤلاء المفكرين مؤامرة تحيكها إسرائيل والغرب الاستعماري، وأصبح التلويح بتقسيم الوطن، إن استمر الحراك، واقعاً ممكنا يجب تفاديه.

محور المقاومة والممانعة كما يسمى، يحمل بالنسبة لهم قدسية خاصة، لأهدافه السلطوية  الأولوية على حق المواطن السوري بالعيش بحرية واختيار قياداته. نسَوْا تماماً المبادئ العامة الإنسانية، وذلك لصالح اتجاهات إيديولوجية هي بالأصل غير فعالة، إن نظرنا من منظار ما حققه هذا المحور لقضية تحرير فلسطين.

الانتماء القوموي المُسيطر على الفكر، هو في الحقيقة مصدر هذا التناقض، لا سيما حين يحدد “المفكر العربي” انتماءه الأيديولوجي كبوصلة عمل، كل ما يسير باتجاهها صحيح، وعكس ذلك خطأ.

هذه البوصلة القوموية، تدفع نحو وضع كل عمل ثوري، لا يكون في اتجاه الكفاح ضد الاستعمار والصهيونية في خانة الاتجاه الخطأ، ومن هذا المُنطلق دعم المفكرون القومويون الثورة المصرية، ووقفوا ضد الثورة السورية، مع أن الثورتين حملتا نفس الشعارات وانطلقتا لذات الهدف.

ما لم يفهمه هؤلاء المفكرون، أن المواطن العربي أثبت من خلال إطلاق ثوراته وربيعه، أن تناقضه الأساسي هو مع أنظمته الجاثمة على صدره، والكاتمة لأنفاسه منذ عشرات السنين؛ وهو مستعد للتضحية بكل شيء، وذلك ما أثبته حجم التضحيات التي قدمها الشعب السوري للوصول إلى الحرية، واستعادة حقه ليكون مصدر السلطة، من دون أوصياء أو “قادة مُلهمين” أوصلوه إلى الهلاك.

إن أولوية مطلب الحرية والعدالة والكرامة، هي التي لم تكن بحسبان مفكرينا. على أن مبدأ محاربة الاستعمار والصهيونية وتحرير فلسطين، هو في قلب كل مواطن عربي، ولكن ترتيب الأولويات لهذا المواطن تختلف عنها عند هؤلاء المفكرين، وهذا ما أدى إلى تناقض المفكرين مع أنفسهم، بينما الشعوب العربية الثائرة لم تتناقض مع نفسها، وهي تدرك تماماً أن حريتها وحقها في الديمقراطية واختيار قادتها هو محور نضالها. وتدرك كذلك أفضل من هؤلاء المثقفين بأن تحرير الأوطان من الاستعمار واسترجاع فلسطين لا يمكن تحقيقه في ظل التجزئة وأنظمة الاستبداد، وحتى لو رفعت عالياً شعارات العداء لإسرائيل وأمريكا والعالم كله.

هؤلاء المفكرين سواء أكانوا في الغرب أم عندنا هم كالذي يضع نظارة ملونة لن يرى الأشياء على حقيقتها وبألوانها الطبيعية، إلا إذا أزاحها عن عينيه وفتحهما واسعا.

طبيب عربي مقيم في فرنسا

 

الديمقراطية ودولة المواطنة بديلا للاستبداد والدولة الطائفية

14/02/2016

الديمقراطية ودولة المواطنة

بديلا للاستبداد والدولة الطائفية

نزار بدران

من الصعوبة بمكان أن نُحلل سيادة وانتشار الطائفية، كفكر سياسي في كثير من الدول العربية، وانعكاساتها على الواقع الشعبي، على شكل تقتيل وتشريد وتهجير. نرى ذلك بالعراق وسوريا واليمن، وقد نرى ذلك أيضاَ في مناطق أخرى في القادم من الايام.

يرجع المحللون المتابعون، منابع هذه الطائفية ومواردها ومآلاتها، إلى التاريخ حديثه وقديمه، محاولين فهم الفوارق، بين مفاهيم الطوائف المختلفة للنصوص الدينية، خصوصاً الاتجاهات المُتطرفة والداعية للعنف. هم يُفسرون تصرفات المجموعات المتطرفة، بفهمها الخاطيء للنصوص التي اجمعت كل الطوائف على صحتها وتبنيها، على الرغم مما رست عليه تفاسير كل مجموعة وطائفة واستنتاجاتها منها، وهي على الأغلب تتعارض مع سواها، لتضعهم جميعاً في مواجهة بعضهم البعض.

من هنا شكل الابتعاد عن الفكر الإنساني لفهم الواقع الذاتي، واستنتاج ما يجب أن نفعله بأنفسنا، واستبدال ذلك بالفكر الديني النصي الغيبي المُطلق، مدعاة للمزيد من الصراعات، وليس إلى الحد منها، لأن “الحقيقة المطلقة”، كما فُسرت بالنص الديني، لا تقبل الجدل والمناقشة. وبما أن لكل طائفة تفسيرها، و”حقيقتها المطلقة” التي تستنتجها من النص ذاته، فالصراع باقٍ، ما لم يسترجع الإنسان حقه بالتفكير خارج الأطر الغيبية والدينية.

الطائفية إذن، لا يمكن أن تكون حقيقة في نص، أي نص ديني، وإنما هي العشائرية والقبلية، التي تُشرع لنفسها حق قتل واضطهاد ورفض الآخر، بناءً على نفس هذه النصوص المُشتركة لكل الطوائف.

الواقع الاجتماعي العشائري والقبلي والفئوي، هو إذن الأساس في تطور هذه الطائفية المقيتة، ومن هنا، فإن الرد على ذلك، لإعادة لُحمة المجتمع، هو بناء تفسير ديني عقلاني حداثي، يجمع الكل على فهم واحد، وإن اختلفت الطوائف وتعددت الأقليات. بناء مرجعيات دينية، مُتجددة متوحدة، قد يكون وسيلتنا لإنهاء التطرف الديني الأصولي والطائفية، التي تصول وتجول في بلاد العرب والمسلمين.

هذا ما نقرأه ونسمعه هذه الأيام، من عديد من المفكرين والمتعلمين وفقهاء الدين. ولكنه للأسف رغم عقلانيته الظاهرة هو خطأ، ولا يعكس الحقيقة، ولا يأخذ من المُعطيات الاجتماعية، إلا ما انتقى ولاءم فكره. هذا التحليل خاطيء لأنه يشبه الناظر إلى العالم الخارجي، من خلال ثقب صغير، فهو لا يرى من هذا العالم، إلا الشيء البسيط والقريب.

هؤلاء المفكرون تناسوا أهمية ترتيب التناقضات الاجتماعية، وأولويات حلها، فهم بهذا التحليل يستبدلون التناقض الأساسي للأمة، مع أنظمة الاستبداد، بتناقض ثانوي وهو اختلاف المفاهيم الدينية عند الطوائف المختلفة، أو المصالح عند الأقليات، متناسين التلاعب بها وتجييرها من قِبل الأنظمة، في مجتمعات محافظة، قليلة التعليم والمعرفة، وما زالت أكثر قرباً من الانتماء القبلي والعائلي منه إلى الانتماء للوطن والأمة.

يجب فهم الحقيقة التاريخية لتاجيج الطائفية عندنا، من واقع التجزئة العربية، وما نتج عنه من استبداد قائم منذ عشرات السنين، مضافٌ إليه وجود إسرائيل المرتبط جذرياً بهذه التجزئة، وتلك الديكتاتوريات، والتناغم الحالي بين الأنظمة العربية وإسرائيل، ضد ثورات شعوبها واضح للعيان، والتوافق السوري الروسي الإسرائيلي، لم يعد خافيا على أحد.

هذه الوضعية الجدلية، بين الوضع السياسي العربي من جهة، والاستبداد والتجزئة وإسرائيل من جهة أخرى، هي التي تُفسر ظهور الطائفية السياسية المفاجيء، في عالمنا العربي والإسلامي، كرد من هذه القوى المُتحالفة، ضد خطر الثورات العربية، والتي انطلقت من تونس.

إغراق هذه الأوطان بالدمار والحروب، هو رد هذا المحور، لمنع انبعاث روح الحرية. الطائفية والتطرف الديني الأصولي، هي أحد هذه الوسائل، والتي تحاول أن تستبدل تناقضات المجتمع، مع السلطات الاستبدادية، بتناقض مكونات المجتمع نفسه فيما بينها.

عندما كانت الأنظمة ممسكة بخناق شعوبها، لم تكن لتميز بين طائفة وأخرى، بين كرد وعرب أو سنة وشيعة، الكل كانوا في خانة الغائب والمقموع. ولكن الحراك الديمقراطي العربي، هو الذي أفزعهم وأظهر هشاشتهم، كما أن رد هذه الأنظمة العنيف، بين أن الأسلحة المُكدسة، لم تكن لتحارب بها إسرائيل حليفتهم، وإنما لمحاربة شعوبهم والتشبث بالسلطة.

الفكر الديني المحافظ، والتقاليد القبلية والعشائرية، والجهل وقلة التعلم، تُستعمل بسهولة لخلق التناقضات داخل المجتمع الواحد. للأسف جزء كبير من الكتاب، ومُدعي المعرفة، دخلوا في معمعة الطائفية، بقصد أو بغير قصد، وفسروا المآسي بوجود أو عمل طائفة مُحددة، فالصفوية وطبيعة المذهب الشيعي، في فهمهم، هو ما يُفسر الحرب بالعراق وتجزئته، مُتناسين ما قدمه هؤلاء، للدفاع عن وحدة العراق زمن الاحتلال البريطاني وهزيمته. في حين كان البربر هم من حارب بشمال المغرب، لتحريره من السيطرة الإسبانية والفرنسية، وكانوا من دعم عبد الكريم الخطابي. كذلك الأمر في زمن الثورة الجزائرية، ضد الاستعمار الفرنسي، والأقلية المسيحية بالمشرق هي من رفعت راية اللغة العربية والعروبة، في بداية القرن ضد الوجود العثماني، والقائمة طويلة.

الأنظمة الاستبدادية، هي إذاً، رديفة الطائفية وخالقته، عندما تخاف على وجودها وبقائها، من حراك جماهيرها. أما الانظمة الديمقراطية التي تأسست كناتج من نواتج القيم الإنسانية، وإيمانها بالحرية والمساواة والتآخي، فهي وحدها القادرة على بناء دولة المواطنة، بدل دول الرعايا والطوائف. هذه الدولة كانت هدف الثورات العربية. فهذه كانت الشعارات التي رفعتها رايات شباب التحرير, وشارع بورقيبة, وأطفال درعا, وساحات الاعتصام بالعراق واليمن. ولسحقها حركت الأنظمة الاستبدادية جيوشها ودباباتها وطائراتها, ولإنهائها خلقت الطائفية والتطرف الأصولي الديني. وللأسف نجحت هذه الأنظمة لحد الآن باحتواء الأمل مستبدلة إياه بالألم والدمار والتقتيل والتهجير.

على الأحزاب الشبابية الديمقراطية ومحبي ألحرية ان يبدأوا من اليوم بالعمل لأعادة بوصلة النضال ومحورة التناقض بين الأنظمة والشعوب الى الاتجاه ألسليم، ورفض محاولات الأنظمة المستميتة لخلق تناقضات جديدة, فيما هي تحاول جاهدة إبعاد التناقض الرئيسي – وهي أحد أطرافه الرئيسيين – مستبدلة إياه بتناقض وهمي داخل المجتمع، مصورة نفسها كونها هي الحل، أو وسيلة لحل هذا التناقض الجديد, آملة بأن تستعيد لنفسها دور حامي الديار، والمدافع عن الأقليات والمظلومين.

أنوار الفلسفة وظُلمات الجهل

28/11/2015

 

أنوار الفلسفة وظُلمات الجهل

نزار بدران

 

في الخميس الثالث من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) يحتفل العالم باليوم العالمي للفلسفة. وهي كلمة من أكثر الكلمات استعمالاً، ونسمعها بشكل مستمر، تُستعمل في تعابير لغوية عديدة، ومع ذلك لن تستطيع أن تجد شخصين يتفقان على تعريفها وإعطاء دلالاتها.

لكن الناظر إلى التاريخ، وخصوصاً التاريخ العربي الإسلامي، سيكتشف أن كل الحضارات بُنيت على الفلسفة، بدونها لا يوجد إبداع ولا تحضُر، هي حقيقة مصدر الإنارة لكل الناس، وليست حكراً على نخبة معينة.

الحضارة اليونانية أسست للفلسفة مع رجال عظام مثل أرسطو، الذي عاش بالقرن الرابع قبل الميلاد، ومعلم إسكندر المقدوني. بنى فلسفته على مفهوم أن الفكر هو الأداة والوسيلة للمعرفة، كذلك أفلاطون، مؤسس علم المنطق، الذي عاش بالقرن الخامس قبل الميلاد، والذي عرف الفلسفة “بالسعي الدائم لتحصيل المعرفة الكلية الشاملة، التي تستخدم العقل وسيلة لها، وتجعل الوصول إلى الحقيقة أسمى غاياتها”.

هذه الفلسفة أسست أيضاً للحضارة الإسلامية عندما نُقلت وطُورت في بلادنا مع ابن سينا والفارابي وعشرات غيرهم، وأهمهم ابن رشد، الذي عاش بالقرن الثاني عشر وعينه خليفة المُوحدين طبيباً ثم قاضياً بقرطبة، وأقبل على تفسير آثار أرسطو، اتهمه علماء الأندلس والمعارضين بالكفر والإلحاد، وأبعد إلى مراكش وتُوفي فيها.

لم يستطع الغرب الخروج من ظُلمات القرون الوسطى، إلا عندما نُقل له بدوره تلك الحضارة، عن طريق المسلمين بالأندلس، وبعد احتلال غرناطة، قام المُنتصرون بزمنه، بأخذ كل الكتب الموجودة بالمكتبات الأندلسية، وهي بالآلاف، وتُرجمت كلها ووُزعت تدريجياً على أنحاء أوروبا. قراءتها وفهمها سمح بخروج فلاسفة وعظماء أوروبيين أمثال ديكارت، مؤسس العقلانية وكانط وغيرهم.

الحضارة الصينية بُنيت أيضاً على فكر كنفوشيوس، الذي كان يُدعى نبي الصين، وعاش بالقرن السادس قبل الميلاد، واستمر فكره لقرون طويلة حتى وصول الشيوعية بالقرن العشرين، فكر مُسالم أخلاقي، تُختصر فلسفته بـ “أحب لغيرك ما تحب لنفسك”.

انتقلت الأمم من الحضارة المتنورة إلى الظُلمات، عندما ابتعدت عن الفلسفة، فبعد نفي ابن رشد من الأندلس إلى مراكش لم تقُم لنا قائمة، وحكم اليونانيون بالموت على فيلسوفهم سقراط، وسجن كهنوت روما علماءهم كجاليليو وكوبرنيك، واستنكروا عليهم كشوفاتهم، وحتى كون الأرض كروية وتدور حول الشمس.

لماذا هذا الترابط الوثيق بين الحضارة والفلسفة، لفهم ذلك علينا أن نُعطي تعريف الفلسفة المُتوافق عليه كحدٍ أدنى، وهو “ذلك النهج الذي يضع الإنسان كهدفه الوحيد مُستعملاً العقل كوسيلة والوجود كمجال”.

كل إنسان يعمل بمهنته بهذه المُعطيات، هو فيلسوف بعمله ومجاله، يُساعد على نشر النور وكل من دعا إلى الغيبيات والابتعاد عن العقل والفكر، والاعتماد على النصوص الغيبية والدينية لتفسيرها فقط، هو مبعث للظلمات.

استطاع ابن رشد في زمنه، أي القرن الثاني عشر، التوفيق بين الفلسفة والدين، عن طريق إعطاء الأولوية للعقل دائماً، ولم يكن ذلك مُعتبراً خروجاً عن الدين، بل إغناء له وهو ما يُسمى الاجتهاد، أي توفيق الدين مع العلم والفلسفة وليس العكس. لذلك دفع ابن رشد حياته ثمناً لإصراره على هذا النهج العلمي، فتحت ضغط شيوخ زمانه على خليفة الموحدين، أبو يعقوب، نُفي ومات في مراكش، وهو الذي فسر كتب أرسطو، ويُعتبر تفسيره لحد الآن، المرجعية الفلسفية لفهم هذا الفيلسوف اليوناني العظيم، ويكون بذلك قد سهل على الغرب فهم فلسفة اليونان، ووضعهم على طريق الخروج من القرون الوسطى، والوصول إلى زمن النهضة، بينما لم يتمكن، لسوء طالعنا، من فعل ذلك في ديار الإسلام.

نستنتج من ذلك أن تنحية العقل والفكر هو المصدر الأول لكل مآسينا، منذ ثمانية قرون، وإن لم نعد إلى هذا النهج، سنبقى خارج التاريخ. ففي بداية القرن العشرين حاول الشيخ محمد عبده، بناء فكر متنور مشابه، ولكنه لم يتمكن من الاستمرار، نتيجة الضغوط الاجتماعية المُحافظة والتي لا تقبل التغيير.

الاحتكام فقط إلى النصوص اللاهوتية، مهما كانت، تؤدي كما نرى وفي واقع تجاربنا المرة إلى خروج وحوش من بين ظهرانينا، لأن الاعتماد على النص يعني عملياً الاعتماد على تفسيراته العديدة، حسب المدارس الدينية، وهو ما يعني أن أي نص ديني مهما كان، يمكن أن يؤدي عند أُناس مثل الشيخ محمد عبده، إلى البناء والعلم وعند ظلاميي خوارج العصر إلى قطع الرؤوس ودمار المجتمع.

ناتج ذلك كله يفيد بأن العودة لفكر محمد عبده ومن قبله ابن رشد، وإعادة الاعتبار للفلسفة، قد يساهم أو ربما يكون كفيلا بإعطاء الأمة، أمل الانتقال من الظلمات إلى النور، وما ذلك على الله بعسير.

في بلاد الغرب تُدرس الفلسفة كمادة مهمة في البرامج المدرسية، في فرنسا تُفتتح دورة امتحانات نهاية المرحلة الثانوية بامتحان الفلسفة، الذي يتكلم عنه وتتباهى بالإجابة على أسئلته، كل وسائل الإعلام، المكتوبة والمسموعة والمرئية. أما في بلادنا فلا يوجد لمادة الفلسفة مكان، وهي مع الأبحاث العلمية، تُعتبر من الكماليات، بمعنى أن لا أولوية لها في ظروفنا الصعبة !.

 

في الترابط بين ظواهر التاريخ واعماقه

في الترابط بين ظواهر التاريخ واعماقه

د. نزار بدران

اب 2016 العربي الجديد

لم يعد التاريخ الحدثي القصير الأمد، واسميه مجازاً السريع، مرجعية لفهم تطور المجتمعات والأمم، التاريخ الحدثي هو ما تعلمناه صغاراً في المدارس، حول الأحداث كبيرها أو صغيرها، التي حدثت هنا أوهناك، وكأنها أسست لما بعدها، أو أنهت ما قبلها.

التاريخ الطويل الأمد، أو ما أسميه مجازاً البطيء، هو الآن ومنذ وصفه منتصف القرن الماضي وسيلة المؤرخين، لفهم تطور المجتمعات، ومحاولة للتنبؤ بمستقبلها، هو التاريخ اليومي، المستمر بين الأحداث.

لتقريب الصورة إلى القاريء، نقول أن المجتمع يتطور ويتغير مثل مجرى نهر عميق، تموجات السطح، هو التاريخ السريع الحدثي المرئي، ولكنه في الحقيقة يعكس التغيرات الجارية بشكل مستمر وغير الملحوظة في أعماق النهر. لذلك يقوم المؤرخون بدراسة هذا التاريخ المستمر، في حين تقلص الاعتماد على التاريخ الحدثي بشكل كبير.

المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل (1902-1985)، مؤسس هذا التصور الجامع للتاريخ، ذكر في إحدى مقابلاته، أن أصعب شيء عليه، حين وضع هذه النظرية الجديدة، في الأربعينيات، وكان حينها سجيناً لمدة خمس سنوات بألمانيا النازية، هو كيفية التركيز على هذا التاريخ البطيء وعدم الغرق بالتاريخ السريع، بينما كان هو نفسه، يعيش قمة هذا التاريخ الأخير، أي الحرب العالمية الثانية، ومآسيها وكوارثها، والذي كان كسجين، أحد ضحاياها.

هذا ما نواجهه حالياً، في عالمنا العربي، عندما نرى مجرى أحداث هذا التاريخ السريع الظاهري، والذي ببشاعته يُبعد عنا، فهم التاريخ الحقيقي للأمة، وهو تطورها الاجتماعي البطيء، منذ عشرات السنين، والذي تُرجم فقط، في موجات الربيع العربي، وردود فعل الأنظمة وداعميها وعنفهم اللامحدود. من الصعب أن نفهم أحداث سوريا أو اليمن ومصر وليبيا وتونس، إن تقوقعنا في إطار الأحداث الدامية الجارية وغارات طائرات أنظمة البراميل المتفجرة، رغم فظاعتها.

تاريخنا البطيء هذا، تمركز بشكل أساسي عند القرن الأخير، على فشل الدولة الوطنية لتحقيق أي شيء يُذكر. نذكر منها بعض الأمثلة:

  • فشل الدولة الوطنية في تحقيق رفاهية وحرية المواطن، بغض النظر عن السلطة, أو الانتقال الى الدولة المدنية الديمقراطية ووضع أسس الحكم الرشيد.
  • فشل الأنظمة العربية بكل أشكالها، الغنية بالبترول أو الفقيرة، ببناء اقتصاد إنتاجي، يهدف لإيجاد فرص عمل للمواطن وتفشي البطالة.
  • الفساد المُستشري بالمجال الاقتصادي ونهب ثروات الأوطان، لصالح أقلية حاكمة.
  • استمرارية الأنظمة بالتضييق على حرية الحركة للناس، داخل إطار الدول العربية بادعاء الأسباب الأمنية، مما يحد من أفق المواطن بوجود ظروف أفضل لحياته، على امتداد الساحة العربية.
  • عدم توفر أي متنفس ديمقراطي، للتعبير عن الظلم الواقع، والاستمرار بتمجيد الفكر الديني أو القومي، كوسيلة لكبح أي معارضة.
  • رهن مستقبل البلاد والعباد لمصلحة الأنظمة الفئوية الضيقة.
  • تدمير البنية التحتية التقليدية، عن طريق استخدام سياسات إعمارية وزراعية فوضوية، بناء على المحسوبيات والمصالح.
  • بناء سياسات خارجية وتحالفات، مبنية على مبدأ مصلحة الأنظمة، وليس بناء على مصلحة الشعوب (استثمارات مالية أو تنازلات عن السيادة في بعض الأحيان, والتطبيع مع إسرائيل والفشل في مواجهتها).
  • عدم التمكن من اقامة أي تجمع جهوي فعال لمصلحة المواطن العربي، كأتحاد المغرب العربي (1989)، والذي لم يتمكن حتى من فتح الحدود بين الدول الخمس الأعضاء, أو مجلس التعاون الخليجي (1981) والذي لم تترجم أفعاله إلا في النواحي الأمنية تقريبا. والفشل الذريع لجامعة الدول العربية (1945) لتحقيق أهدافها المعلنة عند تأسيسها.
  • الاستمرار بالتنابذ والتباعد وتكريس التجزئة (انفصال جنوب السودان).

في ذات الوقت تطور المجتمع خلال الأربعين سنة الأخيرة، نحو انتشار كبير للتعليم، وخلق طبقة وسطى واسعة، غير قادرة على الحصول على وظائف أو فرص عمل، وذلك كنتيجة لما تم ذكره سابقاً, وتطور المجتمع المدني ومطالبه.

من ناحية أخرى، التغيير في دور المرأة والعائلة، وظهور مفهوم المساواة بين الرجل والمرأة في الدراسة والعمل. وتراجع التطور الديمغرافي بشكل كبير، حيث الانخفاض المستمر بالمعدل العام للإنجاب في الدول العربية، منذ أواسط الثمانينات، بحدود طفلين لكل امرأة، وليس خمسة أطفال أو أكثر، كما كان سابقاً. هذا التوجه هو في طريق التأكيد بكافة الدول العربية، فقيرها وغنيها، محافظها ومتحررها من شرقها الى غربها، ومؤكد بالأحصائيات الدولية.

توازى كل ذلك مع موجة تحرر عالمية واسعة، بعد سقوط الأتحاد السوفيتي، وحصول الدول الأوروبية الشرقية الشيوعية السابقة على حريتها, كذلك التطور الديمقراطي الواضح الواسع في أمريكا اللاتينية وافريقيا ودول بجنوب شرق آسيا. لم يبق منطقة في العالم كما الحال في بلادنا العربية، ترتع بهذا المستوى من التخلف ومنع الحريات.

من ناحية أخرى تطور نظام التواصل العالمي، والذي فتح العالم أمام الشباب العربي الذي لم يعد يقبل بأن يستمر في قبول دور المواطن الرعية، المطلوب منه السمع والطاعة للسلطان، كما فعل الآباء من قبل, وهو التواق للحصول على حريته مثل الأخرين.

هذا ليس توصيفا حصريا، وانما بعض النقاط التي يجب على مؤرخينا ودارسي المجتمعات العربية، البحث فيها وتحليلها، لأن الأمة مع انطلاقة الربيع العربي بتاريخه السريع الذي توج كل هذه المتغيرات بتاريخها البطيء, بدأت رغم كل ما نرى؛ تحاول جاهدة الدخول في عالم الحداثة التي ابتعدت عنه منذ حوالي عشرة قرون، عندما غيّب العقل ودخلت الأمة العربية والإسلامية عالم الجهل والتقوقع، وآخر العقلانين كان ابن رشد الذي مات بمراكش منفيا عام 1198.

للأسف لا نكاد نجد في ما ينشر حاليا أي شيىء يذكر بدراسة التاريخ طويل الأمد البطيء للأمة، والذي هو التاريخ الحقيقي الفعال. هذه الدراسات النقدية التي يجب ان تركز على تاريخ الأزمات والترهل المستمر وأسبابه وحلوله, خصوصا تلك التناقضات الداخلية المرتبطة بتركيبتنا وبتاريخنا، وليس فقط العوامل الخارجية والاستعمار، والذي نعلق عليه دائما كل مآسينا, التاريخ طويل الأمد يعتبر كما يقول بروديل أم العلوم، فهو يحتاج من أجل فهمه معرفة كل نواحي الحياة من العلوم والجغرافيا الى علم الاجتماع والاقتصاد وليس فقط الأحداث.

يجب أن يدرس هذا التاريخ على الأقل، منذ نشأة الدولة الوطنية العربية، بعد إنهاء الخلافة العثمانية (1918) والتي برأيي تصل الى نهايته مسارها. نجاحاتها الوهمية بالتحرر الوطني من الاستعمار خلال الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، لم يعد كافيا لتبرير استمرارها أو التغطية على فشلها الذريع في كل النواحي. وعنفها المفرط الممارس حاليا بتاريخنا السريع هو دليل هذا الفشل واقتراب النهاية المنتظرة، والتي لا مفر منها حسب رؤية وحتمية التاريخ ألبطيء، وهذا ما حدث ويحدث مع كل الأنظمة والدول الفاشلة عبر العالم، منذ مئات السنين، مهما كانت قوية وجبارة, وكان مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون أول من استنتج ذلك في دراسته لتاريخ الأمم.

أشهر المؤلفات التي تركها ابن خلدون كتاب (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر) ومقدمته الشهيرة، حيث يعتبر هذا الكتاب من أكبر مساهمات ابن خلدون في علم الاجتماع، حيث كان تقديمه أول تقديم لا ديني للتاريخ.

إن عدم فهم الترابط العضوي بين التاريخ البطئ والسريع، واختصار الربيع العربي فقط بظواهره، وخصوصاً العنيفة المرتبطة برد الأنظمة، هو كمن يريد أن يدرس البحر فقط من خلال أمواجه المرئية المتلاطمة على الشواطيء، بدون الالتفات إلى التيارات العميقة الجبارة داخله، وهو ما يؤدي برأيي إلى انتشار نظرية المؤامرة الغربية بإنفجار هذا الربيع، في محاولة لفهم ما يحدث, عندما لا نستطيع أن نرى التطور البطيء للتاريخ الحقيقي، والذي لشدة بطئه وتطوره على مدى عشرات السنين، لا يمكن ملاحظته. لذلك وجب على المؤرخين وألاكاديميين، البدء بالتنقيب عن هذا التاريخ، وعدم الوقوف عند التاريخ الحدثي السريع.

إن انتهاء البحوث العلمية عن الشرق بالجامعات الغربية، والتي كانت ساحة تفاعل مع المفكرين المسلمين، خلال القرن التاسع عشر، كما حدث بين جمال الدين الأفغاني (1838-1897) والمفكر الفرنسي الشهير إيرنست رينان، حول مفهوم الحضارة الإسلامية، أو عن العلمانية مع الشيخ محمد عبده (1849-1905). هذا التوقف تم بسبب الخلط عند العرب في مرحلة لاحقة بين الاستشراق والاستعمار.

لقد كان من المنتظر أن يُتيح توقف الدراسات الشرقية في الغرب، إلى تطور هذا العلم في بلاد المصدر، أي الأقطار العربية، ولكن ذلك لم يحدث، واستُبدل بالبحوث الدينية أو ذات الطابع الغيبي، التي لا تستعمل وسائل البحث العلمي الحديث، إلا ما ندر.

الدراسات الشرقية حالياً في جامعة السوربون بباريس، هي مكون بسيط وثانوي، من دراسة تاريخ ولغات الشرق، ولم تعد مكونا أساسيا، وليس لها أي بُعد استكشافي، أو تفاعلي كما كان سابقاً، وذلك رغم محاولات بعض الإصلاحيين المسلمين، المقيمين بأوروبا تغيير ذلك، مثل الاستاذ الجامعي في السوربون هشام جعيط، صاحب المؤلفات العديدة، ومنها (أزمة الثقافة الإسلامية) والمفكر الإسلامي القدير محمد أركون، من أشهر مؤلفاته كتاب (نقد العقل الإسلامي)، والأستاذ عياض بن عاشور ومن مؤلفاته (الإسلام وفكر حقوق الإنسان).

من هنا تشكل ضرورة البحث العلمي في معطيات تاريخ الأمة طويل الأمد، أبرز المهام الراهنة، ومن دونه لن يكون ممكنا فهم الحاضر، أو إيجاد التصورات الواقعية للمستقبل، وذلك ما قد يعيد الحلقة المفقودة، بين الزحف العارم للجماهير نحو حياة جديدة حرة وكريمة، والفكر الضروري لقيادة هذا الحراك والدفع لإنجاحه بأقل الخسائر الممكنة.

بين حرية الصحافة وصحافة الحرية

 

بين حرية الصحافة وصحافة الحرية

د. نزار بدران*

أن تكون صحفيا أو أن تكون كاتبا، هذا يحملك تجاه الآخرين بعض المسؤولية, فمهنة الصحافة تهدف اولا لإعلام الناس بالحدث والتعليق عليه بموضوعية، وذلك تحت شعار “الخبر مقدس والتعليق حر” .

لكن ما نلاحظه اليوم بالصحافة، التي تعتبر نفسها بعيدة عن تأثير السلطة ولو جغرافيا؛ أن نقل الخبر يصطدم بانتقائية، حتى لا نزعج او نقلق بعض الحكام أو السياسات، بينما الواجب هو إخبار القارئ أاولا وأخيرا. القارئ له الحق الأكيد بمعرفة الحدث، ومعرفة ما يفعله هؤلاء الحكام, والصحافة بدورها هي الوسيط بين الحدث أو صاحب الحدث والمواطن القارئ.

نقد السلطة وليس مدحها، هو دور الصحافة الحرة الأول، مهما كانت السلطة، فالحكم له وسائله الخاصة الضخمة لعمله الدعائي.

أقول ذلك لأن الموقف التركي الأخير والاتفاق مع إسرائيل، والذي أدى الى استقالة رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو احتجاجا, لم يجد عند معظم الكتاب والصحفيين الذين قرأتهم بالصحافة المحلية أو المهاجرة إلا تصفيقا وتطبيلا, وكأننا حررنا القدس أو وضعنا أنفسنا على هذا النهج. نفس هؤلاء كانوا قد ملأوا الدنيا صراخا بعد انقلاب عبد الفتاح السيسي، وكانوا طبعا على حق.

هؤلاء المطبلون لاتجاه سياسي معين، نراهم دائما يدافعون عن السلطة التي تمثل هذا الأتجاه مهما انحرفت وعملت, ونحن لا ننسى المثقفين والكتاب المشاهير الذين كنا نراهم على قناة الجزيرة وغيرها، وهم يدفعون باتجاه إنجاح الثورة المصرية الديمقراطية ضد مبارك، وطبعا كانوا على حق، ولكنهم انقلبوا عليها تماما عندما وصل للسلطة اتجاه سياسي ظنوا أنه أقرب إليهم فكريا، ما قد يتيح لهم سرعة إشراكهم بالسلطة وحيازتهم امتيازات المناصب العليا, والأسماء اللامعة كثيرة في هذا المجال, متناسين كل ما اعلنوه من حب وغرام بالديمقراطية واحترام نتائج الانتخابات.

الآخرون الداعمون للتوجه الإسلاموي، كانوا على صواب عندما اعتبروا التغيير السياسي بمصر انقلابا وضربة للثورة والديمقراطية, ولكنهم لم يقولوا شيئا عندما بدأ حليفهم التركي بالابتعاد عن الديمقراطية وزج معارضيه بالسجون وملاحقة رفاقَهم الصحفيين وإعلان الحرب على الأكراد. واليوم يا للهول لا يجدوا شيئا يقولونه عندما انقلبت السياسة التركية رأسا على عقب, حتى الطرف المتضرر الأول والذي يدير غزة حاليا بارك هذا الاتجاه، مكتفيا بطبق من المساعدات الإنسانية التركية، والتي لن تمر إلا برضى اسرائيل.

ولو عدنا الى الخلف قليلا، عندما انعقد مؤتمر باريس الدولي للمناخ في نهاية عام 2015, مر هذا الحدث الهام تقريبا بدون تعليق، وكأنه لا يهمنا أبدا، مع أننا من أكثر المتضررين من التغيير المناخي, وذلك فقط لمراعاة المواقف السعودية والخليجية المناهضة للحد من استعمال البترول. هذا الحدث كان يجب أن يبلغ لملايين الناس، لأن الخبراء بما فيهم العرب، ينبؤوننا بأن الأجواء المناخية بمنطقة الخليج، ستصبح كارثية، في أواسط القرن الواحد والعشرين, لا سيما في تلك البلدان التي رفضت تقديم أي مقترحات والتزامات كباقي دول العالم (باستثناء الأمارات العربية المتحدة) وحاولت إعاقته.

جيوب حكام النفط أهم من مستقبل المواطن العربي الخليجي ومستقبل ابنائه. أدعو القارئ الخليجي والعربي للبحث بنفسه عن ما سيحل به في مستقبل الأيام، ليتأكد من هذه المعلومات. وفي نهاية المطاف سيعلم المواطن والقارئ بالحقائق، ففي هذا الزمن لا يستطيع أحد منع الناس من الإطلاع والمعرفة، ونحن في عالم مفتوح على الجميع وبكل الوسائل.

نأمل من صحفيينا بكل وسائل الإعلام المقروءة أو المسموعة أو المرئية، أن ينظروا ولو قليلا خارج الأطر والمربعات الأيديولوجية والأمنية التي تضعهم بها الأنظمة، فواجبهم الصحفي هو الإعلام الأمين, فهم كالطبيب أمام مريضه لا يحق له أن يخفي تشخيصه وحقيقة وضعه، وما حصل عليه من معلومات، وإلا أرسل به الى التهلكة.

الرؤى الخلاصية وأوهام نهاية التاريخ

 

الرؤى الخلاصية وأوهام نهاية التاريخ

د. نزار بدران

 

يتميز الإنسان بمقدرته على التطور الاجتماعي، أي على إقامة تاريخ خاص به، فالإنسان هو الوحيد الذي له هذا النوع من التاريخ، فنحن نتكلم عن تاريخ هذا الشعب أو هذه الأمة، وغير ذلك من الأشياء المرتبطة بالإنسان، ولا نتكلم عن تاريخ ممالك القطط أو العصافير، فهذه الأخيرة، لها تطور بيولوجي غريزي، ولكنها لا تملك تاريخاً اجتماعياً متطوراً. فالنمل والنحل لهما نظام معيشي اجتماعي، ولكنه فطري ولا يتغير مع تطور الزمن الملحوظ تطوره فقط في إطار التغير البيولوجي والوراثي.

هذه الخصوصية للإنسان، مهمة جداً، وهي ملحوظة بشكل واضح، منذ بدأ الإنسان باختراع الكتابة قبل ذلك. نحن نقول ما قبل التاريخ؛ وهذا لم يعن أنه لم يكن هناك تطوراً اجتماعياً في تلك الأزمان البعيدة، ولكنها غير مترجمة أو مدونة كتابياً. إلا أن الباحثين وجدوا طبعاً، رسوماً وغير ذلك من الآثار التي تظهر تطور الإنسان الاجتماعي منذ عشرات آلاف السنين.

على أن مفهوم التاريخ، يؤدي تلقائياً لمفهوم الحضارة، فهي نتاج الإنسان وسردياته التاريخية، وتترجم تطوره الفكري والمادي، وأدوات عمله ونظامه الاجتماعي واختراعاته، وما إلى ذلك بما فيه ظهور الأديان. الحضارة إذن ليست فقط نتاج فعل الإنسان وتفاعله مع الطبيعة، ولكن أيضاً فعله بنفسه، وبتحديد علاقات أعضاء مجتمعه فيما بينهم، وبكيفية حل التناقضات الناشئة.

إن اندفاع التاريخ المستمر إلى الأمام، مرتبط بوجود تناقضات اجتماعية لا تنتهي؛ حتى بعد حلها، فتناقض المجتمع البدائي المشاعي الأول، حل محله تناقض مجتمع العبيد والسادة الأحرار، كما حدث باليونان القديمة، ثم تناقض الإقطاعية الارستقراطية والفلاحين، كما حدث في أوروبا القرون الوسطى، وأخيراً التناقض الاجتماعي بين البرجوازية والعمال، في القرن التاسع عشر والعشرين، وظهور أشكال جديدة في الزمن الحديث، زمن العولمة والإنترنت.

لذلك لا تنتهي التناقضات داخل المجتمع، بل تتجدد، وحلها في فترة زمنية ما، ومكان ما، لا يعني إنهاء تطورها, ان تجددها بأشكال مختلفة، هو بالتحديد ما يُعرف بالتاريخ، وإلا لانتهى هذا التاريخ منذ زمن.

الأديان والإيديولوجيات على اختلافها، ذهبت كلها باتجاه توقف التاريخ ونهايته، وما قاله فوكوياما عن “نهاية التاريخ”، في زمن انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط الفكر الماركسي، لم يكن استثناءاً، فالشيوعية نفسها، طرحت نهاية التاريخ عن طريق الحل النهائي لتناقض المجتمع، بامتلاك الطبقة العاملة للسلطة ووسائل العمل، وإنهاء صراع الطبقات.

الإسلاميون من جهتهم يطرحون مفهوم، أن كل مشاكل المجتمع يمكن حلها (إن طبق الإسلام الصحيح)، وكل الأيدولوجيات تقريبا، حملت نفس المفهوم لنهاية التاريخ، الذي يتوقف عندما نطبق هذه الأيديولوجية أو تلك، وتُحل كل التناقضات والمشاكل، ويتعايش حينها الذئب مع الغنم بحب ووئام، كما يحلم المنتظرون لعودة المسيح أو الإمام المُخلص، وكان ذلك قد بدأ من قبل مع أفلاطون وجمهوريته المثالية.

إلا أن الأصوليين الإسلاميين، ذهبوا إلى أبعد من ذلك، فهم يظنون أن التاريخ قد انتهى عند حقبة بداية الإسلام والخلفاء الراشدين، وأن العودة لهذا الزمن، هي التي ستنهي التناقضات وحل الإشكالات بشكل أبدي، وهذا هو نفس المبدأ الخاطىء المبني على عدم فهم التاريخ وتطوره، ما يدفع بشكل غير واعٍ، عن طريق إنهاء هذا التاريخ، نحو مجتمعات شبيهة بممالك النمل والنحل، التي ليس لها أصلاً أي تاريخ، وعلاقاتها الاجتماعية لا تتبدل مع الزمن.

إن تطور المجتمعات الإنسانية الدائم نحو تناقضات جديدة، وحلول جديدة، هو إذن المبدأ العام، الذي يجبر الإنسان على الفكر والعمل، والبحث عن حل تناقضاته أولاً بأول، وليس البحث دوماً عن حلول خلاصية أبدية، حالياً أو سابقاً أو مستقبلاً،  ليس للفكر الإنساني دور بوضعها، بل يقتصر فقط على تفسيرها .

لا فرق إذن بين فكر فوكوياما الليبرالي، بعد وهمه بانتصار الليبرالية ونهاية التاريخ، أو الفكر الشيوعي الماركسي لدى نجاح ثورة أكتوبر بروسيا، أو أصوليو الدين الإسلامي، الذين أوقفوا عجلة التاريخ عند القرن السابع الميلادي، كلهم واهمون، بامتلاكهم أدوات إنهاء التاريخ، ناسين تماماً أن ذلك يُبعدهم عن الحضارات الإنسانية العديدة، ويقربهم من عالم جامد متكلس لا يتطور.

 

 

لمن الأولوية للحقوق الوطنية أم للحقوق المدنية؟

 

لمن الأولوية للحقوق الوطنية أم للحقوق المدنية؟

د. نزار بدران

عندما يصل الفلسطيني حامل الجنسية الغربية إلى فلسطين المُحتلة، يُطلب منه تفسير سبب قدومه، وضرورة تركه لإسرائيل في مدة لا تتجاوز الثلاثة أشهر. أما الفلسطيني حامل وثيقة السفر، لا يحق له أصلاً الوصول إلى هذه الحدود، أو طلب أي شيء.

عندما يصل الفرنسي اليهودي فلسطين المحتلة، يُمنح “الحق الإلهي” بالبقاء كامل عمره.

عندما يطلب اللاجئ الفلسطيني المُهجر من اليرموك، العودة إلى وطنه، يُطلب منه الذهاب للبحر، للموت غرقاً، إن لم يمت قصفاً وجوعاً، ووطنه على مرمى حجر.

عندما يُطالب اللاجئ الفلسطيني المُهجر من لبنان، بالعمل أو التملك، وهو المولود بمخيمات الشتات، يُعلن الكثير من اللبنانيبن، أنهم خائفون من التوطين، وعلى مستقبل القضية الفلسطينية، وعليه أن يعود إلى وطنه، وفي انتظار ذلك، يُحرم من كافة حقوقه المدنية حماية لحقوقه الوطنية، وهذا منطق عجيب.

عندما تختلف دولتان عربيتان، يُطلب من الفلسطيني أن يُغادر فوراً أراضيهما، كما حصل في الكويت والعراق، وعندما يريد المصريون الحصول على وُد إسرائيل، يتبرعون بحصار غزة وخنقها، كذلك الأمر عندما تتحسن العلاقات التركية الإسرائيلية، يُطلب من الفلسطيني مباركة هذا التقارب ودعمه، والفلسطيني هو العربي الوحيد الذي يحتاج إلى تأشيرة دخول عند ذهابه إلى تركيا.

عندما تصول وتجول الجيوش الإيرانية بسوريا، يُطلب من الفلسطيني أن يُبرر ذلك، وإلا يخسر أي دعم من محور المقاومة والممانعة، مع أنها تقصف مخيماته وتشرده من جديد.

الكل يضطهد الفلسطيني، تحت شعار حب فلسطين والدفاع عنها، وبنفس الوقت يطلب الغطاء الشرعي لعمله، عن طريق رضاء الفلسطيني عنه.

لائحة حقوق الإنسان للعام 1948، الصادرة عن الأمم المتحدة، تنص على حق كل إنسان بالعودة إلى وطنه والعيش بحرية واحترام حقوقه، هذه الشعارات ليست قابلة للنقاش والمتاجرة، لذلك وجب وضعها كأولوية مطلقة، فانتهاكها هو انتهاك للمواثيق الدولية، والتنازل عنها، غير مقبول، ويتناقض أيضاً مع تلك المواثيق. هذه ليست مطالب وإنما حقوق واجبة.

يجب على حقوقيينا وأحزابنا وساستنا، أن يتعاملوا معها كما هي بالقانون الدولي، وليس كمادة للنقاش والأخذ والعطاء، كما نرى هذه الأيام، إزاء مشاريع حل القضية الفلسطينية، على حساب اللاجئ الفلسطيني، المهجر المظلوم والمحروم، من أقل حقوقه المدنية، لصالح النقاء العرقي لإسرائيل أو الطائفي للبنان أو التعصب والعنصرية في بعض البلدان، وهي سياسات مُحرمة دولياً، وغير قابلة للدفاع عنها.

إنه لمن غير المقبول أن يتنازل عن حقه كإنسان، بحجة الحصول على دولة أو كيان سياسي، فنحن نرى دولاً وكيانات ذات عواصم، يُدمر بها الإنسان ويُقصف ويُقتل ويُحرم من حقوقه، كما هو الحال في العديد من الدول العربية والإسلامية.

متى سيعرف الناس، أن الحصول على حقوقهم المدنية كبشر، والمؤكدة بالمواثيق الدولية ولائحة حقوق الإنسان، والتي وقعت عليها كل الدول، بما فيها لبنان وإسرائيل، هي بداية لتحرير الوطن، وليس نهاية له. فالوطن لا يُحرر بحرمان المواطن، ولا يُبنى على نهب حقوقه بالعيش الكريم، والصحة والتعلم والسفر والذهاب والإياب، ولن نحرر وطناً بجيش من العبيد.

الدفاع عن الإنسان، الكامن في كل فلسطيني وعربي، وحقوق الفرد الأساسية، يجب أن يكون أساس أي عمل سياسي أو اجتماعي، ولا يمكن بناء سياسات وأحزاب بدون هذا الأساس المُؤسس لكل شيء. لا تُبنى الحضارة إلا على القيم، واساس الحكم هو العدل، ولا يمكن بناء الحق على الظلم، وكما قال ابن رشد، أكبر فلاسفة المسلمين (الحق واحد لا يتجزأ).