انتهاء ريادة النخبة الفلسطينية للفكر العربي

 

القدس العربي 16 شباط 2017

انتهاء ريادة النخبة الفلسطينية للفكر العربي

نزار بدران

قد يتفاجأ البعض بمواقف بعض المُفكرين الفلسطينيين، أو المسؤولين السياسيين، من الثورة السورية، وخصوصاً تلك الحركات التي كانت رمز الحرية والثورة بالعالم العربي.

الحدث السوري كان بالنسبة لجزء مهم من الفكر الفلسطيني بمثابة اسدال الستار عن الحلقة الاخيرة  من مسرحية استمرت لعقود كان فيها المفكر الفلسطيني رمز الامة للانعتاق والتحرر , لنجد بعضهم يلهثون تدريجيا وراء الانظمة التي كانت سبب نكبتنا وتبرر قمعها واجرامها بحق شعوب دولها.

استكمالاً لما كتبته سابقاً بشأن مواقف النخبة العربية، وعماها الإيديولوجي، الذي يمنعها من رؤية الأشياء كما هي ،فسنتطرق للوضع النخبوي الفلسطيني  والذي لم يكن احسن حالا.

إن مركزية القضية الفلسطينية تُحتم علينا أن نُحلل الموقف الفلسطيني من الأحداث العربية، وترابطهما الوثيق، فالشعب الفلسطيني مُهجر في كثير من دول الجوار، خصوصاً في سوريا ولبنان، وهو  واقع ضحية عنف جديد، يُضاف لعنف فقدان الوطن والعيش في الشتات.

الخصوصية الفلسطينية، والتي هي بقاء فلسطين تحت الاحتلال، قد تبرر المواقف الداعمة للنظام السوري، من عدد من المثقفين وجزء من عامة الناس، لأن الشعب الفلسطيني لم يُنه بعد، مرحلة التحرر الوطني. هل حقاً مواقف كهذه تُفيد القضية الفلسطينية، القضية المحورية للأمة العربية؟، وهل استطاع الفلسطينيون بالتصاقهم الدائم بمرحلة التحرر الوطني، الوصول إلى أي شكل حقيقي من الاستقلال الوطني؟، الحقيقة أن قطار التحرر الوطني في العالم قد فاتنا، وخصوصاً بعد تقزيم المطالب الوطنية من تحرير فلسطين وإقامة دولة العدالة الاجتماعية، المُسماة الدولة الفلسطينية الديمقراطية العلمانية، كما أُعلن في سنوات الستينات، إلى دويلة لا تتجاوز مساحتها، خمس فلسطين التاريخية، والاعتراف بسلب البقية الباقية، ونسيان حقوق اللاجئين.

لقد عمدت اتفاقيات أوسلو، إلى إنهاء حتى مفهوم هذه الدولة الصغيرة، والتي أُشبعت تقسيماً وتقطيعاً. ولم يحصد الفلسطينيون إلا اليأس ومجتمعا مجزءا بين تيارات وانتماءات ليس لها حقيقة علاقة بالمشروع الوطني الكبير، الذي وُضع في منتصف سنوات الستينات واستُشهد من أجله الآلاف.

عكس ذلك، أي الالتحاق بموجة التحرر، التي تلت سقوط الاتحاد السوفيتي، وانتهاء الحرب الباردة، وعمت مناطق شاسعة من العالم، قد تُقرب لنا مشروع التحرر الأصلي، أي بناء صرح دولة على كامل فلسطين وعودة اللاجئين. لهذا ليس من الضروري، أن يتناقض البعد الوطني والتحرر من المُستعمر، مع البُعد الاجتماعي والمطالبة بالحرية. ليس لذلك التناقض مبرر تاريخي حالياً، بعد نهاية الحرب الباردة، وسقوط مرجعية الفكر الاستبدادي، الذي كان يمثله الاتحاد السوفيتي، والدول الشيوعية الدائرة في فلكه، بل على العكس لن يكون لنا مشروع تحرري فاعل، إن تغاضينا، كما نفعل الآن، عن البعد الحقوقي والاجتماعي للشعب الفلسطيني.

لم يعد ممكناً أن نستمر، بتفسير اضطهاد الفلسطينيين في لبنان مثلاً، وسلبهم حقوقهم الإنسانية الأساسية، بالعمل والتملك، تحت حجة حماية القضية الفلسطينية، وكأن سلب حقوق الناس الاجتماعية، تضمن لهم حقوقهم الوطنية.

الشعب الفلسطيني، وخصوصاً المفكرين وقادة الرأي، عليهم النظر بتمعن إزاء هذه الازدواجية: الحرية والتحرر، فهما بالنسبة للشعب الفلسطيني، رديفان لنفس الهدف. أما  الابتعاد عن مفهوم دعم الأنظمة العربية الديكتاتورية، كما نرى للأسف بسورية، تحت حُجة تحرير فلسطين (وهو ما يعني فقط إقامة دولة على جزء صغير من فلسطين ومع سيادة ناقصة) لا يُقربنا، من مفهوم الجمع بين الحرية والتحرر.

لم يقبل نيلسون مانديلا بجنوب أفريقيا، بفصل هذين البعدين، وأصر على إقامة دولة واحدة، يحكمها القانون، وهو ما وصل إليه، بدل الجري وراء سراب تقسيم جنوب أفريقيا، بين السود الأغلبية والبيض الأقلية. علينا بفلسطين إذاً، وخصوصاً الذين يدعون المعرفة وقيادة الرأي العام، أو السياسيين من قادة الحركة السياسية، أن نبدأ بالسير نحو هذا النموذج، والالتحاق بمبادىء الربيع العربي. فشباب هذا الربيع، يمثلون حقاً مستقبل الأمة وحقها بالنهوض، بعد أكثر من مئة عام على التغييب.

إن مساندة الشعب السوري، في نضاله للحصول على حريته، هو وسيلتنا كذلك في فلسطين، للحصول على حريتنا وتحررنا في نفس الوقت. فماذا أفاد الشعب الفلسطيني السكوت عن النظام السوري عام 1982، عندما دمر مدينة حماة، وقتل أكثر من 30 ألف مواطن، وفي وقت حاصر طرابلس، وطرد الثورة الفلسطينية، كما أرادت إسرائيل وأمريكا خارجاً.

إن الالتحاق بموكب الربيع العربي، لن يكون عن طريق أطراف السلطة بكل أشكالها (بالضفة أو غزة أو بالخارج) ولا عن طريق المنظمات الفلسطينية المعارضة، لأنهم لم يستطيعوا الخروج من المعادلة الأولى للقرن الماضي وهي التحرر من الاستعمار، ولم يدخلوا إلى المعادلة الثانية وهي التحرر من الاستبداد، التي عمت العالم، أو لم يروها. هذا الالتحاق لن يتم إلا عن طريق شباب الشعب الفلسطيني، والذي عليه مهمة اللحاق بشباب الأمة، ورفع شعارات تتلاءم مع طبيعة المرحلة الجديدة. هذا الشباب عليه ان يفرز الفكر الفلسطيني التحرري ويضع أسس حراك وطني فلسطيني يكون مرتبطا بالمرحلة التاريخية الجديدة التي يعيشها العالم العربي وفلسطين.

لم تعد البرامج السياسية التي وضعتها الحركة الوطنية الفلسطينية بكل اطيافها خلال سنوات الستينات وحتى الثمانينات، قادرة على تجميع الجهد الفلسطيني او العربي, بل فشلت بذلك فشلا ذريعا. أما الشباب الفلسطيني وعبر ارتباطه بالحراك العربي والذي هو بدوره جزء من صورة العالم الجديدة في جانبها المضيئ, تحتم العمل من أجل مجتمعات تحكمها مصالح الشعوب ولا تهمش احدا.

الربيع العربي في بداياته عام 2011 كان نموذجا لحراك عالمي شبابي انتشر بشكل واسع، خصوصا بالدول الاوروبية من ايطاليا لاسبانيا وحتى امريكا وغيرها, تحت تسمية الحركات البديلة مبني على مفهوم الديمقراطية وحقوق الانسان. يستطيع الشباب الفلسطيني بدوره ان يكون نموذجا لهذا الفكر, وان لم يقم بهذا الدور فلن يقوم به احد.

إن الذين يدعمون النظام السوري وحماته الروس، ويعلنون رفضهم لمبادىء الربيع العربي، يسيرون عكس اتجاه التاريخ، ومكتوب عليهم الفشل، بعد أن خذلوا الشعب الذي احتضن الفلسطينيين، وكأنهم جزء منه، ولا ننسى أن الشهيد عز الدين القسام، قائد أول ثورة فلسطينية، كان سورياً من قرية جبلة قرب حلب، واستشهد على أرض فلسطين بقرية يعبد، وكان وما زال شيخ المجاهدين بفلسطين.

 

معايير الحضارة وحلم فيكتور هيجو

 

 نشر بالعربي الجديد بتاريخ 21  كانون الثاني 2017

معايير الحضارة وحلم فيكتور هيجو

نزار بدران

 

قد يظن البعض أن الحضارات تتطور فقط بفعل الإنسان كفاعل مباشر وحيد، وذلك عن طريق التقدم العلمي أو الاجتماعي وغيره من الأنشطة الإنسانية النبيلة، ولكن الحقيقة أن هذه الأنشطة، هي نتاج للفعل الحضاري وليست سببا له. أسباب الحضارة أو شروطها، قد حُددت من قِبل المؤرخين، وخصوصاً من اهتم منهم بالتاريخ الشامل، أو ما يُسمى التاريخ طويل الأمد، والذي وضعت اُسسه في النصف الأول من القرن العشرين.

هذه الشروط لم توضع اعتباطياً، وإنما بعد دراسات تاريخية موثقة، عن كيفية إنشاء وإنتهاء الحضارات. وقد نذكر أن أول من اهتم بهذا الأمر، كان ابن خلدون، خلال القرن الرابع عشر الميلادي، عندما حدد أسباب نشوء وانهيار الأمم والإمبراطوريات.

مثل هذه الأبحاث والتحليلات التاريخية، ليست وُجهات نظر المؤرخين، وإنما هي حقائق علمية، ُثبت بالدراسة تكرارها، مما أكد حقيقتها. يذكر مؤسس التاريخ الشامل فيرنان بروديل، وهو الدارس للحضارات المتوسطية ومرجعيتها بالعالم، أن نشوء أي حضارة استوجب ثلاثة شروط، وهذا ينطبق على الإمبراطورية الرومانية والإسلامية وغيرها في الشرق الأقصى وباقي العالم.

أولى هذه الشروط، هو وجود أرض شاسعة واسعة متكاملة ومتناسقة، الشرط الثاني، هو وجود أناس بعدد كاف يسكنون هذه الأرض ويعملون بها، تجمعهم قواسم مشتركة، وثالثها مرور فترة زمنية كافية من السلم، حتى تستطيع شعوب هذه الأرض أن تبني حضارة مشتركة. هذه حقيقة أشياء بسيطة ومنطقية، ولا نحتاج لجهد كبير حتى نُقنع بعضنا بصوابها.

الآن لو أردنا تطبيق هذه الشروط على أوضاعنا العربية، لوجدنا أننا قد قمنا بأيدينا بإنهاء كافة هذه الشروط وتدميرها، وكأننا لا نريد أن ننتمي لأي حضارة، ولا نريد أن ينشأ عندنا أي مستقبل لأبنائنا. نحن في الوطن العربي لنا أرض شاسعة، متناسقة ومتكاملة وتحوي ثروات متنوعة، من المعادن والزراعة والماء والشمس والهواء وغيرها، ولكن هذه الأرض قُسمت إلى 22 قطعة، مُحاطة بحدود لا يستطيع حتى الذباب تجاوزها، بدون إذن وفيزا، وكأن هناك من يريد أن يمنعنا من الخروج من الأقفاص التي وُضعنا فيها.

عندنا أيضاً الشرط الثاني، أي الشعب الكبير العدد، والمتناغم اللغة والعادات، وأغلب الأحيان المُعتقدات، 400 مليون مواطن، ولكنهم قُسموا إلى شعوب وقبائل مُتنافرة، لا تستطيع الاتصال بفعل الحدود، بل تتقاتل فيما بينها، داخل أقفاصها الضيقة، لتأكل الفُتات. ولتثبيت هذه الحدود، وهذه الصراعات الداخلية، أوجدنا لأنفسنا حكومات وسلطات لا يهمها إلا نفسها، وتتصرف كأن الوطن الصغير لكل شعب، هو ملكها الخاص، تُغلق عليه كل النوافذ والأبواب.

الشرط الثالث للحضارة، وهو الفترة الطويلة للسلم، لست بحاجة للكتابة عنها، فنحن لم ننعم من أكثر من قرن بيوم واحد من السلام، فإما حروب بين هذه الدول المشكلة للأمة، وإما قمع عنيف لحراك جماهيرها، أو قتال مع الجيران، كما رأينا في الحرب بين العراق وإيران.

تتوفر إذن للأمة كل شروط الحضارة، ولكنها دمرتها بأيديها، وقد نقول أيضاً بسبب الاستعمار وتدخل إسرائيل والقوى الأخرى، ولكن هذا التدخل ما كان ليحصل، لو حققنا شروط الحضارة فيما بيننا، بدل التقاتل والتجزئة.

لو أخذنا مثال أوروبا، فسنرى أن الاتحاد الأوروبي، حقق الشروط اللازمة لبناء حضارة عريقة، فهناك الأرض الشاسعة، حتى ولو كانت أقل ملاءمة وتكامُلاً من الأرض العربية، وهناك 500 مليون مواطن، حتى لو كانوا أقل تناغماً وتشابهاً من الشعوب العربية، فهؤلاء يتكلمون لغات عديدة، وينتمون لحضارات مختلفة، ولكنهم أمنوا لأنفسهم الشرط الثالث: أكثر من سبعين عاماً من السلام الداخلي الدائم، بعد أن قسمتهم ودمرتهم الحروب العالمية الأولى والثانية وما سبقها، 1000 عام قبل تلك الفترة، لم تعرف أوروبا يوماً واحداً من دون حرب.

الولايات المتحدة الأمريكية، أمنت نفس الشروط الثلاثة، من شعب كبير 320 مليون، على أرض شاسعة وشعوبا مختلفة عرقياً ولغوياً، ولكنها تعيش بسلام داخلي منذ عشرات السنين. قد نرى الشيء نفسه إزاء الهند أو الصين الحديثة أو إزاء البرازيل.

لن نستطيع حقاً بناء أي حضارة، كل على حده، وداخل أقفاصنا الصغير، حتى لو امتلكنا البترول والذهب والفضة. لن نستطيع بناء شيء ذا معنى، إلا إذا جمعنا أرضنا بأرض واحدة، وشعوبنا بأمة واحدة، وإنهينا حروبنا الداخلية العقيمة، وأسسنا للسلم الداخلي، الدائم والطويل، المبني على العدل والمساواة بين الناس، مهما كانت طوائفهم ولغاتهم وأعراقهم.

الأوطان المُتحضرة الحضارية، تُبنى بسواعد أبنائها، خصوصاً الذين يُوفرون لها شروط نجاحها، كما فعل غيرنا رغم حروبهم السابقة، فنحن لنا الأرض الواسعة، التي باركها الله، ولنا أمة واحدة كبيرة، حتى لو اختلفت أديانها وأعراقها ولغاتها، وننتمي لحضارة واحدة، كانت في السابق قد حققت هذه الشروط الثلاثة، فمتى ستنتهي حروبنا الداخلية وصراعاتنا، التي لا تخدم إلا أعداءنا؟.

ولنذكر بالحلم الأوروبي لفيكتور هيجو، مؤلف “البؤساء” في خطابه أمام مجلس السلم العالمي بباريس، عام 1848، أي قبل أكثر من قرن قبل بناء الاتحاد، والذي تلته وسبقته حروب ضروس بين هذه الدول. قال الشاعر والكاتب العالمي، وأمام سُخرية البعض من الحضور: “إنكم تقولون اليوم وأقول معكم، كلنا هنا نقول لفرنسا وإنجلترا ولبروسيا وللنمسا ولإسبانيا وإيطاليا وروسيا، نقول لهم: سيأتي يوم تسقط فيه الأسلحة من أيديكم، يوم ستبدو فيه الحرب سُخف، وستكون مستحيلة بين فرنسا وبريطانيا، وبين سان بترسبورغ وبرلين، وبين فيينا وتورينو.

سيأتي يوم، لا تكون هناك ساحات قتال، وإنما أسواق مفتوحة، للتجارة وعقول تتفتح للأفكار، سيأتي يوم تُستبدل فيه القنابل والرصاص، بالانتخابات وبالإقتراع، بالتحكيم المُحترم لهيئة مُستشارين عُظمى، تكون بالنسبة لأوروبا، مثلما هو البرلمان بالنسبة لإنجلترا والمجلس التشريعي لفرنسا.

من هنا فإن هدف السياسة العظيمة، السياسة الحقة، هو الاعتراف بكل الجنسيات، وإعادة إحياء الوحدة التاريخية بين الأمم، وجمعها كلها في حضارة واحدة، هي حضارة السلام، جماعة حضارية واحدة، تُضرب مثلاً للأمم التي لا تزال بربرية متوحشة، ليكون للعدل الكلمة العليا والأخيرة، التي كانت في الماضي للقوة”.

تحقق حُلم فيكتور هيجو، بعد قرن من خطابه، وبعد ملايين القتلى الذين سقطوا في الحروب العالمية بالقرن العشرين. هل نستطيع بأمتنا العربية، أن نوفر علينا هؤلاء القتلى، وهذه السنين الضائعة؟.

المذاهب الشمولية ومصادرة الفكر

نشر بالقدس العربي   21/09/2016

المذاهب الشمولية ومصادرة الفكر

نزار بدران

 

يشمل تعبير الشمولي كل فكر يقصي الآخر، ولا يترك له أي مكان في أي مكان، بل هو يحمل في ثناياه نفي هذا الآخر. مثل هذه الإيديولوجيات قديمها وحديثها تقع في مطب المُطلق، وتتصور أنها وصلت إلى الحقيقة التامة، ووصلت إلى جوهر الأشياء، فهم كأبي الكيمياء جابر بن حيان في القرن الثامن الميلادي، الذي كان يبحث عن الحجر الفلسفي الذي يحول كل شيء إلى ذهب.

ظن بعض الفلاسفة القدامى، أن كل شيء يحوي في داخله ألجوهر, وإذا وصلنا إليه حصلنا على المعرفة النهائية. بينما الحقيقة الأبدية والنهائية لم تعد موجودة، لا بالفكر ولا بالفلسفة، ولا حتى بالعلوم البحتة، كالفيزياء، فأينشتاين وضع أسس النظرية النسبية، وأثبت هو وثُلة كبيرة من علماء الفيزياء، عدم وجود أي تمركز للحقيقة أو جوهر الأشياء، وأن الأشياء أصلاً بما فيها الذرة والالكترون ليس لهما جوهر خاص، وإن كان لهم حالات نسبية، متغيرة ومتقلبة. هذه الفيزياء الحديثة، والتي أصابت حتى مفهوم الزمن والمكان، هي أساس العلوم المعرفية، وبدونها لما وُجد الحاسوب، الذي تقرأ عليه عزيزي القارئ هذه الكلمات، ولا “الجي بي أس”، الذي يوصلك بسهولة إلى أي عنوان، بأعقد المدن.

كوارث الاستبداد

الفكر الشمولي، لم يقبل ذلك، وكان النظام الشيوعي يتبنى مفهوم السببية، أي بمعنى أن لكل شيء مسار يسير باتجاهه، لا يمكن تحويله، مستنتجاً طبعاً، نظرية تطور الشعوب والمجتمعات، وحتمية دخولها النظام الشيوعي، والذي هو برأيهم، النهاية لمآل كل التناقضات.

هذا الفكر بدل أن يوصلنا إلى الجنة الموعودة، بروسيا أو الصين، أوصلنا طبعاً، إلى كوارث الاستبداد وحكم القلة، وما صاحبها في الدول الشيوعية من قتل وتشريد الملايين. كذلك الفكر النازي حمل في طياته أشياء مشابهة شمولية، ولم يصل هتلر، إلى مملكة الألف عام التي كان يعمل لإقامتها، بل إلى دمار ألمانيا وأوروبا.

الحروب الدينية التي عمت أوروبا خلال القرون الوسطى، بين الكاثوليك والبروتستانت، وتيارات دينية أخرى، تُذكرنا بآفة الحروب، التي دارت وما تزال تدور، في عالمنا الإسلامي، في حضن الفكر الشمولي الديني، ومنذ البدء. فكل مذهب يتصور امتلاكه للحجر الفلسفي والحقيقة الإلهية القادمة من الغيب, وليس في مخيلته مجال لفكره نفسه ، فكيف سيقبل بفكر الآخر؟.

النموذج الساطع، هو التيارات السلفية المتشددة، والتي لا تقبل إلا التقيد والخضوع للنص، كما حُدد قبل عشرة قرون، عندما حددت الخلافة العباسية ببغداد، المذهب السني، وأغلقت باب الاجتهاد وأنهت كل ما دار قبلها، في بدايات الإسلام، من حيوية فكرية, مثل فكر المعتزلة، ونقل وترجمة الفلسفة اليونانية في القرن الثامن والتاسع الميلادي.. وهذا بهدف تثبيت دعائم الحكم العباسي، وإنهاء كل التيارات المعارضة له، بتهمة الخروج عن الدين.. كتكفير الشيعة ومذاهب أخرى الخ..

أدى هذا الإعلان إلى إنهاء الفكر، والذي كان مصدر التطور الحضاري، خلال القرون الأولى للإسلام. استبدل هؤلاء العلماء والمفكرون، بالفقهاء وعلماء الدين،  الذين حددوا بشكل نهائي، مصادر المعرفة بما كان قيل وعُمل زمن السلف الصالح، ورفض كل ما لا يتطابق معه. إنهاء الاجتهاد هو الانتقال من حق الفكر المستقل، بموازاة الدين، إلى مرحلة إنهاء كل الاتجاهات الفكرية، والاكتفاء بالدين وحده. ولم نجد في المراحل اللاحقة، إلا القلة ممن خرجوا عن هذا الخط، أمثال ابن رشد، من الأندلس الأموية، والذي مات بمنفاه المراكشي، بالقرن الثاني عشر، أو ابن خلدون بالقرن الرابع عشر، والذي وضع أول تاريخ موضوعي، لا ديني، يصف الإمبراطوريات والدول، بما فيها الدولة الإسلامية، ويُعتبر لحد الآن مصدر فكر بعلم التاريخ والاجتماع.

الطوائف وأحزابها القديمة

عشرة قرون من الانغلاق الفكري، واعتماد الفقه والفقهاء كمرجعية علمية، أبعدتنا عن العلم والمعرفة، وأغرقتنا في التخلف والابتعاد عن الحضارة، بينما القرون القليلة، التي تلت ظهور الإسلام، كانت مليئة بالعطاء والعلم والمعرفة والفلسفة واستقبال الفكر المستقل، والتي ربطت العرب، كقوة عصبية حاكمة، كما يقول ابن خلدون، مع الحضارة الفارسية العريقة، وحضارة الإغريق، وسمحت بذلك بتفجر ما يسمى بالحضارة الإسلامية.

طوال أمد فترة الجمود، والتي شملت إنغلاق الفكر، بقرار سياسي من الخلافة العباسية، وبدعم من الأغلبية الشعبية المحافظة، وربط أي نشاط فكري بمرجعية دينية محددة، لا يجب أن يكون سبباً لاستمرار هذا الجمود، خصوصاً في هذا الزمن المنفتح على العالم، وتطور طبقة وسطى متعلمة، لم تعد تقبل بمسلمات الماضي، بل ترغب باللحاق بركب الحضارة العالمية، وبناء أمة منفتحة، تتخلص من قيود التحجر الفكري الديني الغيبي.

المذهب الحنبلي بالقرن التاسع، وما تبعه بالقرن الثالث عشر، من ظهور الفكر الأصولي المتطرف لإبن تيمية، والذي جُدد بقوة مع ظهور المذهب الوهابي، بالقرن الثامن عشر، هو للأسف الصيغة الطاغية على الوضع الحضاري والفكري بالعالم الإسلامي. بينما فكر المعتزلة المنفتح، ووصولهم للسلطة زمن الخليفة المأمون، لم يدم إلا بضعة عشرات من السنين.

كل الأسماء اللامعة للفكر الخلاق مثل ابن سيناء، والخوارزمي، والفارابي، وسيبويه، وهم في جلهم من شعوب غير عربية ذات انتماء للحضارة الفارسية لم تكن لتستطيع العطاء، لو عاشت في زمن إغلاق الاجتهاد، والاكتفاء بالنصوص الدينية، بالعلم والسياسة والمجتمع.

أسس التخلف الاجتماعي

منع التعددية الفكرية في المجتمع, ومنع حرية تشكيل الأحزاب، هي التي أسست للتخلف الاجتماعي والحضاري، الفكر الأحادي في هذا الزمن، هو ما يسمى حكم الحزب الواحد، كما هو الحال في دول حزب البعث العربي ألاشتراكي كسوريا، أو الحزب الوطني بمصر زمن  الرئيس حسني مبارك.

في الأزمان القديمة، كانت الاتجاهات ألفكرية, تأخذ دائماً غطاءاً مذهبياً، فالمذاهب الدينية، تعكس بالحقيقة التنوع السياسي للمجتمع، في زمن لم يكن هناك شيء يخرج عن إطار الدين.

وحدها الأنظمة الديمقراطية، هي التي تحمي التعدد الفكري، وحق تشكيل الأحزاب، وهو أساس قوة هذا النظام وسبب استمراريته، كما نرى حالياً بالغرب واليابان والبرازيل والهند وجنوب افريقيا وغيرها من الدول في كل أنحاء العالم.

أن تنتمي لطائفة محددة، في بلاد العرب حالياً، هو بالأساس انتماء لفكر سياسي اجتماعي، كان موجوداً في فترة معينة، قبل عدة قرون، وبظروف سياسية محددة، ويعكس صراعات سياسية معينة، لا يمكن الاعتماد عليها في زمننا هذا، لحل تناقضات مجتمعاتنا الحديثة، الطوائف يجب أن تبقى جزء من تاريخنا وليس جزء من حاضرنا، هي فقط أحزاب الماضي.

بالعكس فإن تشكيل الأحزاب السياسية، وتطوير مؤسسات المجتمع المدني، على أسس فكرية صرفة، محترمة توازنات القوى الاجتماعية، هي الكفيلة بإقامة دولة المواطنة، بدل دولة الطوائف.

لا يُتِصور حالياً، في دولة ديمقراطية، أن ينتمي أحد إلى اتجاه فكري، كان موجوداً قبل قرنين أو ثلاثة، مثل أحزاب الثورة أو الملكية الفرنسية، أو برامج أحزاب الحرب الأهلية الأمريكية، فكيف نقبل نحن، أن نبقى تابعين لأحزاب وُجدت قبل عشرة قرون؟. أن ندافع عن الحسن والحسين أو عن عمر وعثمان، لا يمكن أن يكون فكراً معاصراً مقبولاً، هؤلاء هم فقط جزء من التاريخ العربي الإسلامي لا أكثر ولا أقل.

الشمولية، هي وباء القرن العشرين، وقد ُبدئ التخلص منها في نهايات ذلك القرن، عندما انهارت الشيوعية، وتحررت دول أوروبا الشرقية، وكذلك تحررت دول أمريكا اللاتينية، وعديد من الدول الإفريقية والآسيوية. التغيرات السياسة بدول العالم، تبتعد دائما، عن فكر وسياسة الحزب الواحد، والقائد المُلهم، وتتجه نحو الديمقراطية والتعددية.

الأمة العربية لا يمكن أن تكون استثناء عن هذه القاعدة، وهي تعمل جاهدة للخروج من الاستبداد والفكر الشمولي، والذهاب نحو الديمقراطية والتعددية كغيرها، وسلاحها بذلك لن يكون إلا فكرياً حراً متجددا ، ولا مكان للفكر الديني الغيبي أو القومي الشمولي, أو العلماني الانتقائي، في هذه المعادلة.

اليوم العالمي لحرية الصحافة حرية التعبير وحرية التفكير

03/05/2015

اليوم العالمي لحرية الصحافة

حرية التعبير وحرية التفكير

د. نزار بدران

يحتفل العالم اليوم الثالث من أيار باليوم العالمي لحرية الصحافة وقد فُقد منذ بداية هذا العام عشرات الصحفيين وسُجن آخرون.

حرية الإعلام وتوصيل المعلومة هي أحد نتائج حرية التعبير وكانت أولى نقاط بيان حقوق الإنسان المُعلن من الأمم المتحدة للعام 1948، وأيضاً أولى نقاط إعلان حقوق الإنسان والمواطن للثورة الفرنسية للعام 1789 .

كان مقص الرقيب قبل زمن العولمة والإنترنت هو الوسيلة المُثلى لتحقيق غرض السلطات لمنع حرية التعبير والإعلام. يمنعون من النشر ما يريدون وبدون علم القارئ. اليوم مع انتشار وسائل التعبير والإعلام الإلكترونية أصبحت مهمة الرقيب على الأفكار التي لا تُلائم سلطته صعبة. وهو ما أدى برأيي إلى تحول هذه الرقابة من وضعها البدائي بالمقص والصفحات البيضاء إلى ممارسة العنف والإرهاب ضد الصحفيين والإعلاميين من سجن وإبعاد وقتل وذلك لتخويفهم وجعل الصحافة تُراقب نفسها بنفسها. هذا ما نراه حالياً في معظم وسائل الإعلام العربية المكتوبة أو المرئية أو المسموعة. فالابتعاد عن ذكر ممارسات بعض الزعماء أو تحليل أوضاع بعض الدول وعدم انتقادها، واضح لكل مشاهد وقارئ ومستمع.

المراقبة الذاتية هي في الحقيقة أخطر من مقص الرقيب، فالخوف من العقاب أشد بطشاً بالمعلومة والخبر والتحليل منه من المقص. وسائل هذا التخويف ليست فقط القتل في بعض الأحيان وإنما أيضاً بتجريم الكتابة؛ باعتماد قوانين ملتوية كالتغريم الذي يؤدي إلى الإفلاس أو المتابعة القانونية والتهديد بالسجن تحت حجج واهية مثل المساس بكرامة الشخص أو بالمشاعر الدينية أو عادات المجتمع أو التشجيع على الإرهاب والعنف. الهدف طبعاً هو منع أي صحفي من الممارسة العادية لمهنته بنقل الحدث والتعليق والتحليل.

ما الهدف من كل ذلك؟، ولماذا هذا الخوف من نقل الحقيقة للقارئ؟. إن الهدف هو منع الناس من التفكير. منع النشر والتعبير لا يمنع أحد من التفكير الذي لا تستطيع أن تصله يد الرقيب، إلا أن انعدام وسائل نقل الفكر للآخرين يمنع تطوره فالفكر لا يأتي إلا بالنقاش وتبادل ألآراء، الهدف إذا هو منع المواطن من التفكير وتركه فريسة للجهل والإعلام الرسمي.

66 صحفياً قُتلوا العام الماضي بحسب مراسلون بلا حدود وعشرات آخرون سُجنوا، ونُصت قوانين مُحدَة للإعلام بدول كثيرة كبيرة وصغيرة.

كل ذلك لمنعي ومنعك أيها القارئ العزيز من التفكير، وأن تستطيع أن تصل إلى أن الوضع الذي نعيشه ليس طبيعياً ويجب تغييره. إنما عليك عزيزي المواطن أن تبقى تحت رحمة الفكر الواحد الأوحد الذي يملك كل الحقيقة، فهو يهدف لتسهيل حياتك اليومية فأنت لست بحاجة لأن تفكر بالظلم والفقر الذي تعيش به !!.

أنت إذاً أيها القارئ والمواطن من يستطيع الدفاع عن الصحافة والصحفيين وحمايتهم عندما تستعمل الوسائل المتاحة في هذا الزمن، التي لا تستطيع يد الرقيب أن تصلها. فلتقرأ ما تشاء على صفحات التواصل ألاجتماعي  وتكتب ما تشاء وتقول ما تشاء ولن يستطيع الرقيب أن يوقف الصحفي الصغير المتواجد في كل واحد من ملايين القراء.

دفاعنا عن الصحفيين والصحافة هو دفاع عن حقنا في التفكير وإبداء الرأي. ونستطيع إن أردنا أن نكسر مقص الرقيب أو نلوي يده.

طبيب عربي مقيم في فرنسا

مفكرونا والعمى الأيديولوجي

24/03/2015

 

مفكرونا والعمى الأيديولوجي

د. نزار بدران

هنالك قواعد للفكر يلتزم بها المفكرون والمثقفون في العالم، لتحليل وشرح مشاكل الشعوب، قواعد هي بمثابة ثوابت لا يحيدون عنها، فمنها مثلاً حق الشعوب في تقرير مصيرها، أو الحق بحكم ديمقراطي. حق اللاجئين بالعودة إلى ديارهم، تحريم التطهير العرقي وغير ذلك. كل هذه الأشياء مُتفق عليها وموثقة في معاهدات دولية ومنصوص عليها في عشرات الكتب، وأي مُطلع ومهتم بأمور الناس يعرف ذلك، بشكل خاص الكتاب السياسيون والاجتماعيون والصحفيون وغيرهم من المفكرين. لكن بعضهم يستثني من هذا المنطق العام بعض شعوب الأرض، ويفصّلون لها تفسيرات وقوانين خاصة، لا علاقة لها بأي مفهوم قانوني إنساني.

أمثال هؤلاء كثرة كاثرة من المفكرين الغربيين، الذين يدافعون عن حق جزر القُمر أو شعب كوريا الشمالية بالحرية، ويتسابقون لمطالبة السودان بإعادة المهجرين، ويطالبون ملكة بريطانيا بالاعتذار عما حصل في أستراليا قبل قرون، ويدعمون حق كوسوفو بالاستقلال وتقرير المصير، وحق أوكرانيا بالخروج من السيطرة الروسية، ويناضلون ضد التطهير العرقي في كرواتيا والبوسنة، وإنهاء الفصل العنصري في أفريقيا الجنوبية.

كل ذلك رائع ويُشكرون عليه، ولكنهم عندما يصلون إلى القضية الفلسطينية، يعلنون أولوية الحفاظ على يهودية الدولة (إسرائيل) وينحازون إليها، على حساب حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم، وهو حق مؤسس وثابت في كافة مواثيق الأمم المتحدة. حتى أصبح النقاء العرقي أو الديني الذي يحاربونه في أصقاع الأرض، مجرد وِجهة نظر. كما أن اضطهاد الأقليات في العالم والتمييز العنصري، يصبح هو أيضاً موضوع أخذ وردّ، عندما يتعلق الأمر بسكان فلسطين الأصليين.

لحسن الحظ هناك قلة من الكتاب الغربيين. وكثيرون غيرهم، يحترمون القاريء ويلتزمون بمعايير الكتابة والأمانة، ولكن مفكري الفئة الأولى، يشكلون حالياً طرفاً مؤثراً بحكم مناصبهم الإعلامية وارتباطهم باللوبي الصهيوني.

هذه الآفة للأسف ليست حكراً على الإعلام الغربي والمثقفين الغربيين، ولكنها أصابت أيضاً جزءاً مهماً من الكتاب والمفكرين العرب، أصحاب الأسماء اللامعة والمعروفة، التي تقود في كثير من الأحيان اتجاه الرأي العام.

عندما اندلعت الثورات العربية في تونس ثم مصر، اتفق الجميع في تحليلاتهم على حق الشعوب العربية بالتحرر من الاستبداد، وبناء مجتمع تعددي حر، مصدر السلطة بيد الشعب، ونمنا وأصبحنا ونحن نتابع هذه الأحداث، وهذه الأقوال على شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد والتي في بعض الأحيان كانت أقرب لإعطاء التوجيهات للعمل اليومي، وتصورنا أنه لحُسن حظنا (النادر الحصول) لدينا طبقة مثقفة من الكتاب والمفكرين والسياسيين المعارضين ذوي الرأي السديد والهمة العالية، في إمكانهم إعطاء هذه الثورة العارمة بعدها الحقيقي والأصيل، في انتظار انتصار الثورة وبدء تبلور قيادات ثورية.

ولكن فوجئنا بعد ذلك وبسرعة بالانقلاب الكامل على ما قيل وكُتب بعد انطلاق الثورة السورية، التي لم تكن إلا استمراراً للربيع العربي، وكل مواطن سوري وعربي كان أصلاً في انتظار هذا الحدث في سوريا وغيرها، لشدة الحماس والإعجاب بالثورتين التونسية والمصرية وبعدهما الليبية.

بعض المفكرين وقادة الرأي، انقلبوا بين ثورة وضحاها إلى مدافعين عن أعتى نظام عربي، وأول نظام دمر مدينة عربية وهي “حماة” في العام 1982 لقمع الحراك الشعبي، وساهم بحصار وطرد الثورة الفلسطينية من لبنان، ولم يُعرف عنه أي انفتاح ديمقراطي. أصبح الحراك الشعبي السلمي عند هؤلاء المفكرين مؤامرة تحيكها إسرائيل والغرب الاستعماري، وأصبح التلويح بتقسيم الوطن، إن استمر الحراك، واقعاً ممكنا يجب تفاديه.

محور المقاومة والممانعة كما يسمى، يحمل بالنسبة لهم قدسية خاصة، لأهدافه السلطوية  الأولوية على حق المواطن السوري بالعيش بحرية واختيار قياداته. نسَوْا تماماً المبادئ العامة الإنسانية، وذلك لصالح اتجاهات إيديولوجية هي بالأصل غير فعالة، إن نظرنا من منظار ما حققه هذا المحور لقضية تحرير فلسطين.

الانتماء القوموي المُسيطر على الفكر، هو في الحقيقة مصدر هذا التناقض، لا سيما حين يحدد “المفكر العربي” انتماءه الأيديولوجي كبوصلة عمل، كل ما يسير باتجاهها صحيح، وعكس ذلك خطأ.

هذه البوصلة القوموية، تدفع نحو وضع كل عمل ثوري، لا يكون في اتجاه الكفاح ضد الاستعمار والصهيونية في خانة الاتجاه الخطأ، ومن هذا المُنطلق دعم المفكرون القومويون الثورة المصرية، ووقفوا ضد الثورة السورية، مع أن الثورتين حملتا نفس الشعارات وانطلقتا لذات الهدف.

ما لم يفهمه هؤلاء المفكرون، أن المواطن العربي أثبت من خلال إطلاق ثوراته وربيعه، أن تناقضه الأساسي هو مع أنظمته الجاثمة على صدره، والكاتمة لأنفاسه منذ عشرات السنين؛ وهو مستعد للتضحية بكل شيء، وذلك ما أثبته حجم التضحيات التي قدمها الشعب السوري للوصول إلى الحرية، واستعادة حقه ليكون مصدر السلطة، من دون أوصياء أو “قادة مُلهمين” أوصلوه إلى الهلاك.

إن أولوية مطلب الحرية والعدالة والكرامة، هي التي لم تكن بحسبان مفكرينا. على أن مبدأ محاربة الاستعمار والصهيونية وتحرير فلسطين، هو في قلب كل مواطن عربي، ولكن ترتيب الأولويات لهذا المواطن تختلف عنها عند هؤلاء المفكرين، وهذا ما أدى إلى تناقض المفكرين مع أنفسهم، بينما الشعوب العربية الثائرة لم تتناقض مع نفسها، وهي تدرك تماماً أن حريتها وحقها في الديمقراطية واختيار قادتها هو محور نضالها. وتدرك كذلك أفضل من هؤلاء المثقفين بأن تحرير الأوطان من الاستعمار واسترجاع فلسطين لا يمكن تحقيقه في ظل التجزئة وأنظمة الاستبداد، وحتى لو رفعت عالياً شعارات العداء لإسرائيل وأمريكا والعالم كله.

هؤلاء المفكرين سواء أكانوا في الغرب أم عندنا هم كالذي يضع نظارة ملونة لن يرى الأشياء على حقيقتها وبألوانها الطبيعية، إلا إذا أزاحها عن عينيه وفتحهما واسعا.

طبيب عربي مقيم في فرنسا

 

الديمقراطية ودولة المواطنة بديلا للاستبداد والدولة الطائفية

14/02/2016

الديمقراطية ودولة المواطنة

بديلا للاستبداد والدولة الطائفية

نزار بدران

من الصعوبة بمكان أن نُحلل سيادة وانتشار الطائفية، كفكر سياسي في كثير من الدول العربية، وانعكاساتها على الواقع الشعبي، على شكل تقتيل وتشريد وتهجير. نرى ذلك بالعراق وسوريا واليمن، وقد نرى ذلك أيضاَ في مناطق أخرى في القادم من الايام.

يرجع المحللون المتابعون، منابع هذه الطائفية ومواردها ومآلاتها، إلى التاريخ حديثه وقديمه، محاولين فهم الفوارق، بين مفاهيم الطوائف المختلفة للنصوص الدينية، خصوصاً الاتجاهات المُتطرفة والداعية للعنف. هم يُفسرون تصرفات المجموعات المتطرفة، بفهمها الخاطيء للنصوص التي اجمعت كل الطوائف على صحتها وتبنيها، على الرغم مما رست عليه تفاسير كل مجموعة وطائفة واستنتاجاتها منها، وهي على الأغلب تتعارض مع سواها، لتضعهم جميعاً في مواجهة بعضهم البعض.

من هنا شكل الابتعاد عن الفكر الإنساني لفهم الواقع الذاتي، واستنتاج ما يجب أن نفعله بأنفسنا، واستبدال ذلك بالفكر الديني النصي الغيبي المُطلق، مدعاة للمزيد من الصراعات، وليس إلى الحد منها، لأن “الحقيقة المطلقة”، كما فُسرت بالنص الديني، لا تقبل الجدل والمناقشة. وبما أن لكل طائفة تفسيرها، و”حقيقتها المطلقة” التي تستنتجها من النص ذاته، فالصراع باقٍ، ما لم يسترجع الإنسان حقه بالتفكير خارج الأطر الغيبية والدينية.

الطائفية إذن، لا يمكن أن تكون حقيقة في نص، أي نص ديني، وإنما هي العشائرية والقبلية، التي تُشرع لنفسها حق قتل واضطهاد ورفض الآخر، بناءً على نفس هذه النصوص المُشتركة لكل الطوائف.

الواقع الاجتماعي العشائري والقبلي والفئوي، هو إذن الأساس في تطور هذه الطائفية المقيتة، ومن هنا، فإن الرد على ذلك، لإعادة لُحمة المجتمع، هو بناء تفسير ديني عقلاني حداثي، يجمع الكل على فهم واحد، وإن اختلفت الطوائف وتعددت الأقليات. بناء مرجعيات دينية، مُتجددة متوحدة، قد يكون وسيلتنا لإنهاء التطرف الديني الأصولي والطائفية، التي تصول وتجول في بلاد العرب والمسلمين.

هذا ما نقرأه ونسمعه هذه الأيام، من عديد من المفكرين والمتعلمين وفقهاء الدين. ولكنه للأسف رغم عقلانيته الظاهرة هو خطأ، ولا يعكس الحقيقة، ولا يأخذ من المُعطيات الاجتماعية، إلا ما انتقى ولاءم فكره. هذا التحليل خاطيء لأنه يشبه الناظر إلى العالم الخارجي، من خلال ثقب صغير، فهو لا يرى من هذا العالم، إلا الشيء البسيط والقريب.

هؤلاء المفكرون تناسوا أهمية ترتيب التناقضات الاجتماعية، وأولويات حلها، فهم بهذا التحليل يستبدلون التناقض الأساسي للأمة، مع أنظمة الاستبداد، بتناقض ثانوي وهو اختلاف المفاهيم الدينية عند الطوائف المختلفة، أو المصالح عند الأقليات، متناسين التلاعب بها وتجييرها من قِبل الأنظمة، في مجتمعات محافظة، قليلة التعليم والمعرفة، وما زالت أكثر قرباً من الانتماء القبلي والعائلي منه إلى الانتماء للوطن والأمة.

يجب فهم الحقيقة التاريخية لتاجيج الطائفية عندنا، من واقع التجزئة العربية، وما نتج عنه من استبداد قائم منذ عشرات السنين، مضافٌ إليه وجود إسرائيل المرتبط جذرياً بهذه التجزئة، وتلك الديكتاتوريات، والتناغم الحالي بين الأنظمة العربية وإسرائيل، ضد ثورات شعوبها واضح للعيان، والتوافق السوري الروسي الإسرائيلي، لم يعد خافيا على أحد.

هذه الوضعية الجدلية، بين الوضع السياسي العربي من جهة، والاستبداد والتجزئة وإسرائيل من جهة أخرى، هي التي تُفسر ظهور الطائفية السياسية المفاجيء، في عالمنا العربي والإسلامي، كرد من هذه القوى المُتحالفة، ضد خطر الثورات العربية، والتي انطلقت من تونس.

إغراق هذه الأوطان بالدمار والحروب، هو رد هذا المحور، لمنع انبعاث روح الحرية. الطائفية والتطرف الديني الأصولي، هي أحد هذه الوسائل، والتي تحاول أن تستبدل تناقضات المجتمع، مع السلطات الاستبدادية، بتناقض مكونات المجتمع نفسه فيما بينها.

عندما كانت الأنظمة ممسكة بخناق شعوبها، لم تكن لتميز بين طائفة وأخرى، بين كرد وعرب أو سنة وشيعة، الكل كانوا في خانة الغائب والمقموع. ولكن الحراك الديمقراطي العربي، هو الذي أفزعهم وأظهر هشاشتهم، كما أن رد هذه الأنظمة العنيف، بين أن الأسلحة المُكدسة، لم تكن لتحارب بها إسرائيل حليفتهم، وإنما لمحاربة شعوبهم والتشبث بالسلطة.

الفكر الديني المحافظ، والتقاليد القبلية والعشائرية، والجهل وقلة التعلم، تُستعمل بسهولة لخلق التناقضات داخل المجتمع الواحد. للأسف جزء كبير من الكتاب، ومُدعي المعرفة، دخلوا في معمعة الطائفية، بقصد أو بغير قصد، وفسروا المآسي بوجود أو عمل طائفة مُحددة، فالصفوية وطبيعة المذهب الشيعي، في فهمهم، هو ما يُفسر الحرب بالعراق وتجزئته، مُتناسين ما قدمه هؤلاء، للدفاع عن وحدة العراق زمن الاحتلال البريطاني وهزيمته. في حين كان البربر هم من حارب بشمال المغرب، لتحريره من السيطرة الإسبانية والفرنسية، وكانوا من دعم عبد الكريم الخطابي. كذلك الأمر في زمن الثورة الجزائرية، ضد الاستعمار الفرنسي، والأقلية المسيحية بالمشرق هي من رفعت راية اللغة العربية والعروبة، في بداية القرن ضد الوجود العثماني، والقائمة طويلة.

الأنظمة الاستبدادية، هي إذاً، رديفة الطائفية وخالقته، عندما تخاف على وجودها وبقائها، من حراك جماهيرها. أما الانظمة الديمقراطية التي تأسست كناتج من نواتج القيم الإنسانية، وإيمانها بالحرية والمساواة والتآخي، فهي وحدها القادرة على بناء دولة المواطنة، بدل دول الرعايا والطوائف. هذه الدولة كانت هدف الثورات العربية. فهذه كانت الشعارات التي رفعتها رايات شباب التحرير, وشارع بورقيبة, وأطفال درعا, وساحات الاعتصام بالعراق واليمن. ولسحقها حركت الأنظمة الاستبدادية جيوشها ودباباتها وطائراتها, ولإنهائها خلقت الطائفية والتطرف الأصولي الديني. وللأسف نجحت هذه الأنظمة لحد الآن باحتواء الأمل مستبدلة إياه بالألم والدمار والتقتيل والتهجير.

على الأحزاب الشبابية الديمقراطية ومحبي ألحرية ان يبدأوا من اليوم بالعمل لأعادة بوصلة النضال ومحورة التناقض بين الأنظمة والشعوب الى الاتجاه ألسليم، ورفض محاولات الأنظمة المستميتة لخلق تناقضات جديدة, فيما هي تحاول جاهدة إبعاد التناقض الرئيسي – وهي أحد أطرافه الرئيسيين – مستبدلة إياه بتناقض وهمي داخل المجتمع، مصورة نفسها كونها هي الحل، أو وسيلة لحل هذا التناقض الجديد, آملة بأن تستعيد لنفسها دور حامي الديار، والمدافع عن الأقليات والمظلومين.

أنوار الفلسفة وظُلمات الجهل

28/11/2015

 

أنوار الفلسفة وظُلمات الجهل

نزار بدران

 

في الخميس الثالث من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) يحتفل العالم باليوم العالمي للفلسفة. وهي كلمة من أكثر الكلمات استعمالاً، ونسمعها بشكل مستمر، تُستعمل في تعابير لغوية عديدة، ومع ذلك لن تستطيع أن تجد شخصين يتفقان على تعريفها وإعطاء دلالاتها.

لكن الناظر إلى التاريخ، وخصوصاً التاريخ العربي الإسلامي، سيكتشف أن كل الحضارات بُنيت على الفلسفة، بدونها لا يوجد إبداع ولا تحضُر، هي حقيقة مصدر الإنارة لكل الناس، وليست حكراً على نخبة معينة.

الحضارة اليونانية أسست للفلسفة مع رجال عظام مثل أرسطو، الذي عاش بالقرن الرابع قبل الميلاد، ومعلم إسكندر المقدوني. بنى فلسفته على مفهوم أن الفكر هو الأداة والوسيلة للمعرفة، كذلك أفلاطون، مؤسس علم المنطق، الذي عاش بالقرن الخامس قبل الميلاد، والذي عرف الفلسفة “بالسعي الدائم لتحصيل المعرفة الكلية الشاملة، التي تستخدم العقل وسيلة لها، وتجعل الوصول إلى الحقيقة أسمى غاياتها”.

هذه الفلسفة أسست أيضاً للحضارة الإسلامية عندما نُقلت وطُورت في بلادنا مع ابن سينا والفارابي وعشرات غيرهم، وأهمهم ابن رشد، الذي عاش بالقرن الثاني عشر وعينه خليفة المُوحدين طبيباً ثم قاضياً بقرطبة، وأقبل على تفسير آثار أرسطو، اتهمه علماء الأندلس والمعارضين بالكفر والإلحاد، وأبعد إلى مراكش وتُوفي فيها.

لم يستطع الغرب الخروج من ظُلمات القرون الوسطى، إلا عندما نُقل له بدوره تلك الحضارة، عن طريق المسلمين بالأندلس، وبعد احتلال غرناطة، قام المُنتصرون بزمنه، بأخذ كل الكتب الموجودة بالمكتبات الأندلسية، وهي بالآلاف، وتُرجمت كلها ووُزعت تدريجياً على أنحاء أوروبا. قراءتها وفهمها سمح بخروج فلاسفة وعظماء أوروبيين أمثال ديكارت، مؤسس العقلانية وكانط وغيرهم.

الحضارة الصينية بُنيت أيضاً على فكر كنفوشيوس، الذي كان يُدعى نبي الصين، وعاش بالقرن السادس قبل الميلاد، واستمر فكره لقرون طويلة حتى وصول الشيوعية بالقرن العشرين، فكر مُسالم أخلاقي، تُختصر فلسفته بـ “أحب لغيرك ما تحب لنفسك”.

انتقلت الأمم من الحضارة المتنورة إلى الظُلمات، عندما ابتعدت عن الفلسفة، فبعد نفي ابن رشد من الأندلس إلى مراكش لم تقُم لنا قائمة، وحكم اليونانيون بالموت على فيلسوفهم سقراط، وسجن كهنوت روما علماءهم كجاليليو وكوبرنيك، واستنكروا عليهم كشوفاتهم، وحتى كون الأرض كروية وتدور حول الشمس.

لماذا هذا الترابط الوثيق بين الحضارة والفلسفة، لفهم ذلك علينا أن نُعطي تعريف الفلسفة المُتوافق عليه كحدٍ أدنى، وهو “ذلك النهج الذي يضع الإنسان كهدفه الوحيد مُستعملاً العقل كوسيلة والوجود كمجال”.

كل إنسان يعمل بمهنته بهذه المُعطيات، هو فيلسوف بعمله ومجاله، يُساعد على نشر النور وكل من دعا إلى الغيبيات والابتعاد عن العقل والفكر، والاعتماد على النصوص الغيبية والدينية لتفسيرها فقط، هو مبعث للظلمات.

استطاع ابن رشد في زمنه، أي القرن الثاني عشر، التوفيق بين الفلسفة والدين، عن طريق إعطاء الأولوية للعقل دائماً، ولم يكن ذلك مُعتبراً خروجاً عن الدين، بل إغناء له وهو ما يُسمى الاجتهاد، أي توفيق الدين مع العلم والفلسفة وليس العكس. لذلك دفع ابن رشد حياته ثمناً لإصراره على هذا النهج العلمي، فتحت ضغط شيوخ زمانه على خليفة الموحدين، أبو يعقوب، نُفي ومات في مراكش، وهو الذي فسر كتب أرسطو، ويُعتبر تفسيره لحد الآن، المرجعية الفلسفية لفهم هذا الفيلسوف اليوناني العظيم، ويكون بذلك قد سهل على الغرب فهم فلسفة اليونان، ووضعهم على طريق الخروج من القرون الوسطى، والوصول إلى زمن النهضة، بينما لم يتمكن، لسوء طالعنا، من فعل ذلك في ديار الإسلام.

نستنتج من ذلك أن تنحية العقل والفكر هو المصدر الأول لكل مآسينا، منذ ثمانية قرون، وإن لم نعد إلى هذا النهج، سنبقى خارج التاريخ. ففي بداية القرن العشرين حاول الشيخ محمد عبده، بناء فكر متنور مشابه، ولكنه لم يتمكن من الاستمرار، نتيجة الضغوط الاجتماعية المُحافظة والتي لا تقبل التغيير.

الاحتكام فقط إلى النصوص اللاهوتية، مهما كانت، تؤدي كما نرى وفي واقع تجاربنا المرة إلى خروج وحوش من بين ظهرانينا، لأن الاعتماد على النص يعني عملياً الاعتماد على تفسيراته العديدة، حسب المدارس الدينية، وهو ما يعني أن أي نص ديني مهما كان، يمكن أن يؤدي عند أُناس مثل الشيخ محمد عبده، إلى البناء والعلم وعند ظلاميي خوارج العصر إلى قطع الرؤوس ودمار المجتمع.

ناتج ذلك كله يفيد بأن العودة لفكر محمد عبده ومن قبله ابن رشد، وإعادة الاعتبار للفلسفة، قد يساهم أو ربما يكون كفيلا بإعطاء الأمة، أمل الانتقال من الظلمات إلى النور، وما ذلك على الله بعسير.

في بلاد الغرب تُدرس الفلسفة كمادة مهمة في البرامج المدرسية، في فرنسا تُفتتح دورة امتحانات نهاية المرحلة الثانوية بامتحان الفلسفة، الذي يتكلم عنه وتتباهى بالإجابة على أسئلته، كل وسائل الإعلام، المكتوبة والمسموعة والمرئية. أما في بلادنا فلا يوجد لمادة الفلسفة مكان، وهي مع الأبحاث العلمية، تُعتبر من الكماليات، بمعنى أن لا أولوية لها في ظروفنا الصعبة !.

 

في الترابط بين ظواهر التاريخ واعماقه

في الترابط بين ظواهر التاريخ واعماقه

د. نزار بدران

اب 2016 العربي الجديد

لم يعد التاريخ الحدثي القصير الأمد، واسميه مجازاً السريع، مرجعية لفهم تطور المجتمعات والأمم، التاريخ الحدثي هو ما تعلمناه صغاراً في المدارس، حول الأحداث كبيرها أو صغيرها، التي حدثت هنا أوهناك، وكأنها أسست لما بعدها، أو أنهت ما قبلها.

التاريخ الطويل الأمد، أو ما أسميه مجازاً البطيء، هو الآن ومنذ وصفه منتصف القرن الماضي وسيلة المؤرخين، لفهم تطور المجتمعات، ومحاولة للتنبؤ بمستقبلها، هو التاريخ اليومي، المستمر بين الأحداث.

لتقريب الصورة إلى القاريء، نقول أن المجتمع يتطور ويتغير مثل مجرى نهر عميق، تموجات السطح، هو التاريخ السريع الحدثي المرئي، ولكنه في الحقيقة يعكس التغيرات الجارية بشكل مستمر وغير الملحوظة في أعماق النهر. لذلك يقوم المؤرخون بدراسة هذا التاريخ المستمر، في حين تقلص الاعتماد على التاريخ الحدثي بشكل كبير.

المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل (1902-1985)، مؤسس هذا التصور الجامع للتاريخ، ذكر في إحدى مقابلاته، أن أصعب شيء عليه، حين وضع هذه النظرية الجديدة، في الأربعينيات، وكان حينها سجيناً لمدة خمس سنوات بألمانيا النازية، هو كيفية التركيز على هذا التاريخ البطيء وعدم الغرق بالتاريخ السريع، بينما كان هو نفسه، يعيش قمة هذا التاريخ الأخير، أي الحرب العالمية الثانية، ومآسيها وكوارثها، والذي كان كسجين، أحد ضحاياها.

هذا ما نواجهه حالياً، في عالمنا العربي، عندما نرى مجرى أحداث هذا التاريخ السريع الظاهري، والذي ببشاعته يُبعد عنا، فهم التاريخ الحقيقي للأمة، وهو تطورها الاجتماعي البطيء، منذ عشرات السنين، والذي تُرجم فقط، في موجات الربيع العربي، وردود فعل الأنظمة وداعميها وعنفهم اللامحدود. من الصعب أن نفهم أحداث سوريا أو اليمن ومصر وليبيا وتونس، إن تقوقعنا في إطار الأحداث الدامية الجارية وغارات طائرات أنظمة البراميل المتفجرة، رغم فظاعتها.

تاريخنا البطيء هذا، تمركز بشكل أساسي عند القرن الأخير، على فشل الدولة الوطنية لتحقيق أي شيء يُذكر. نذكر منها بعض الأمثلة:

  • فشل الدولة الوطنية في تحقيق رفاهية وحرية المواطن، بغض النظر عن السلطة, أو الانتقال الى الدولة المدنية الديمقراطية ووضع أسس الحكم الرشيد.
  • فشل الأنظمة العربية بكل أشكالها، الغنية بالبترول أو الفقيرة، ببناء اقتصاد إنتاجي، يهدف لإيجاد فرص عمل للمواطن وتفشي البطالة.
  • الفساد المُستشري بالمجال الاقتصادي ونهب ثروات الأوطان، لصالح أقلية حاكمة.
  • استمرارية الأنظمة بالتضييق على حرية الحركة للناس، داخل إطار الدول العربية بادعاء الأسباب الأمنية، مما يحد من أفق المواطن بوجود ظروف أفضل لحياته، على امتداد الساحة العربية.
  • عدم توفر أي متنفس ديمقراطي، للتعبير عن الظلم الواقع، والاستمرار بتمجيد الفكر الديني أو القومي، كوسيلة لكبح أي معارضة.
  • رهن مستقبل البلاد والعباد لمصلحة الأنظمة الفئوية الضيقة.
  • تدمير البنية التحتية التقليدية، عن طريق استخدام سياسات إعمارية وزراعية فوضوية، بناء على المحسوبيات والمصالح.
  • بناء سياسات خارجية وتحالفات، مبنية على مبدأ مصلحة الأنظمة، وليس بناء على مصلحة الشعوب (استثمارات مالية أو تنازلات عن السيادة في بعض الأحيان, والتطبيع مع إسرائيل والفشل في مواجهتها).
  • عدم التمكن من اقامة أي تجمع جهوي فعال لمصلحة المواطن العربي، كأتحاد المغرب العربي (1989)، والذي لم يتمكن حتى من فتح الحدود بين الدول الخمس الأعضاء, أو مجلس التعاون الخليجي (1981) والذي لم تترجم أفعاله إلا في النواحي الأمنية تقريبا. والفشل الذريع لجامعة الدول العربية (1945) لتحقيق أهدافها المعلنة عند تأسيسها.
  • الاستمرار بالتنابذ والتباعد وتكريس التجزئة (انفصال جنوب السودان).

في ذات الوقت تطور المجتمع خلال الأربعين سنة الأخيرة، نحو انتشار كبير للتعليم، وخلق طبقة وسطى واسعة، غير قادرة على الحصول على وظائف أو فرص عمل، وذلك كنتيجة لما تم ذكره سابقاً, وتطور المجتمع المدني ومطالبه.

من ناحية أخرى، التغيير في دور المرأة والعائلة، وظهور مفهوم المساواة بين الرجل والمرأة في الدراسة والعمل. وتراجع التطور الديمغرافي بشكل كبير، حيث الانخفاض المستمر بالمعدل العام للإنجاب في الدول العربية، منذ أواسط الثمانينات، بحدود طفلين لكل امرأة، وليس خمسة أطفال أو أكثر، كما كان سابقاً. هذا التوجه هو في طريق التأكيد بكافة الدول العربية، فقيرها وغنيها، محافظها ومتحررها من شرقها الى غربها، ومؤكد بالأحصائيات الدولية.

توازى كل ذلك مع موجة تحرر عالمية واسعة، بعد سقوط الأتحاد السوفيتي، وحصول الدول الأوروبية الشرقية الشيوعية السابقة على حريتها, كذلك التطور الديمقراطي الواضح الواسع في أمريكا اللاتينية وافريقيا ودول بجنوب شرق آسيا. لم يبق منطقة في العالم كما الحال في بلادنا العربية، ترتع بهذا المستوى من التخلف ومنع الحريات.

من ناحية أخرى تطور نظام التواصل العالمي، والذي فتح العالم أمام الشباب العربي الذي لم يعد يقبل بأن يستمر في قبول دور المواطن الرعية، المطلوب منه السمع والطاعة للسلطان، كما فعل الآباء من قبل, وهو التواق للحصول على حريته مثل الأخرين.

هذا ليس توصيفا حصريا، وانما بعض النقاط التي يجب على مؤرخينا ودارسي المجتمعات العربية، البحث فيها وتحليلها، لأن الأمة مع انطلاقة الربيع العربي بتاريخه السريع الذي توج كل هذه المتغيرات بتاريخها البطيء, بدأت رغم كل ما نرى؛ تحاول جاهدة الدخول في عالم الحداثة التي ابتعدت عنه منذ حوالي عشرة قرون، عندما غيّب العقل ودخلت الأمة العربية والإسلامية عالم الجهل والتقوقع، وآخر العقلانين كان ابن رشد الذي مات بمراكش منفيا عام 1198.

للأسف لا نكاد نجد في ما ينشر حاليا أي شيىء يذكر بدراسة التاريخ طويل الأمد البطيء للأمة، والذي هو التاريخ الحقيقي الفعال. هذه الدراسات النقدية التي يجب ان تركز على تاريخ الأزمات والترهل المستمر وأسبابه وحلوله, خصوصا تلك التناقضات الداخلية المرتبطة بتركيبتنا وبتاريخنا، وليس فقط العوامل الخارجية والاستعمار، والذي نعلق عليه دائما كل مآسينا, التاريخ طويل الأمد يعتبر كما يقول بروديل أم العلوم، فهو يحتاج من أجل فهمه معرفة كل نواحي الحياة من العلوم والجغرافيا الى علم الاجتماع والاقتصاد وليس فقط الأحداث.

يجب أن يدرس هذا التاريخ على الأقل، منذ نشأة الدولة الوطنية العربية، بعد إنهاء الخلافة العثمانية (1918) والتي برأيي تصل الى نهايته مسارها. نجاحاتها الوهمية بالتحرر الوطني من الاستعمار خلال الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، لم يعد كافيا لتبرير استمرارها أو التغطية على فشلها الذريع في كل النواحي. وعنفها المفرط الممارس حاليا بتاريخنا السريع هو دليل هذا الفشل واقتراب النهاية المنتظرة، والتي لا مفر منها حسب رؤية وحتمية التاريخ ألبطيء، وهذا ما حدث ويحدث مع كل الأنظمة والدول الفاشلة عبر العالم، منذ مئات السنين، مهما كانت قوية وجبارة, وكان مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون أول من استنتج ذلك في دراسته لتاريخ الأمم.

أشهر المؤلفات التي تركها ابن خلدون كتاب (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر) ومقدمته الشهيرة، حيث يعتبر هذا الكتاب من أكبر مساهمات ابن خلدون في علم الاجتماع، حيث كان تقديمه أول تقديم لا ديني للتاريخ.

إن عدم فهم الترابط العضوي بين التاريخ البطئ والسريع، واختصار الربيع العربي فقط بظواهره، وخصوصاً العنيفة المرتبطة برد الأنظمة، هو كمن يريد أن يدرس البحر فقط من خلال أمواجه المرئية المتلاطمة على الشواطيء، بدون الالتفات إلى التيارات العميقة الجبارة داخله، وهو ما يؤدي برأيي إلى انتشار نظرية المؤامرة الغربية بإنفجار هذا الربيع، في محاولة لفهم ما يحدث, عندما لا نستطيع أن نرى التطور البطيء للتاريخ الحقيقي، والذي لشدة بطئه وتطوره على مدى عشرات السنين، لا يمكن ملاحظته. لذلك وجب على المؤرخين وألاكاديميين، البدء بالتنقيب عن هذا التاريخ، وعدم الوقوف عند التاريخ الحدثي السريع.

إن انتهاء البحوث العلمية عن الشرق بالجامعات الغربية، والتي كانت ساحة تفاعل مع المفكرين المسلمين، خلال القرن التاسع عشر، كما حدث بين جمال الدين الأفغاني (1838-1897) والمفكر الفرنسي الشهير إيرنست رينان، حول مفهوم الحضارة الإسلامية، أو عن العلمانية مع الشيخ محمد عبده (1849-1905). هذا التوقف تم بسبب الخلط عند العرب في مرحلة لاحقة بين الاستشراق والاستعمار.

لقد كان من المنتظر أن يُتيح توقف الدراسات الشرقية في الغرب، إلى تطور هذا العلم في بلاد المصدر، أي الأقطار العربية، ولكن ذلك لم يحدث، واستُبدل بالبحوث الدينية أو ذات الطابع الغيبي، التي لا تستعمل وسائل البحث العلمي الحديث، إلا ما ندر.

الدراسات الشرقية حالياً في جامعة السوربون بباريس، هي مكون بسيط وثانوي، من دراسة تاريخ ولغات الشرق، ولم تعد مكونا أساسيا، وليس لها أي بُعد استكشافي، أو تفاعلي كما كان سابقاً، وذلك رغم محاولات بعض الإصلاحيين المسلمين، المقيمين بأوروبا تغيير ذلك، مثل الاستاذ الجامعي في السوربون هشام جعيط، صاحب المؤلفات العديدة، ومنها (أزمة الثقافة الإسلامية) والمفكر الإسلامي القدير محمد أركون، من أشهر مؤلفاته كتاب (نقد العقل الإسلامي)، والأستاذ عياض بن عاشور ومن مؤلفاته (الإسلام وفكر حقوق الإنسان).

من هنا تشكل ضرورة البحث العلمي في معطيات تاريخ الأمة طويل الأمد، أبرز المهام الراهنة، ومن دونه لن يكون ممكنا فهم الحاضر، أو إيجاد التصورات الواقعية للمستقبل، وذلك ما قد يعيد الحلقة المفقودة، بين الزحف العارم للجماهير نحو حياة جديدة حرة وكريمة، والفكر الضروري لقيادة هذا الحراك والدفع لإنجاحه بأقل الخسائر الممكنة.

بين حرية الصحافة وصحافة الحرية

 

بين حرية الصحافة وصحافة الحرية

د. نزار بدران*

أن تكون صحفيا أو أن تكون كاتبا، هذا يحملك تجاه الآخرين بعض المسؤولية, فمهنة الصحافة تهدف اولا لإعلام الناس بالحدث والتعليق عليه بموضوعية، وذلك تحت شعار “الخبر مقدس والتعليق حر” .

لكن ما نلاحظه اليوم بالصحافة، التي تعتبر نفسها بعيدة عن تأثير السلطة ولو جغرافيا؛ أن نقل الخبر يصطدم بانتقائية، حتى لا نزعج او نقلق بعض الحكام أو السياسات، بينما الواجب هو إخبار القارئ أاولا وأخيرا. القارئ له الحق الأكيد بمعرفة الحدث، ومعرفة ما يفعله هؤلاء الحكام, والصحافة بدورها هي الوسيط بين الحدث أو صاحب الحدث والمواطن القارئ.

نقد السلطة وليس مدحها، هو دور الصحافة الحرة الأول، مهما كانت السلطة، فالحكم له وسائله الخاصة الضخمة لعمله الدعائي.

أقول ذلك لأن الموقف التركي الأخير والاتفاق مع إسرائيل، والذي أدى الى استقالة رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو احتجاجا, لم يجد عند معظم الكتاب والصحفيين الذين قرأتهم بالصحافة المحلية أو المهاجرة إلا تصفيقا وتطبيلا, وكأننا حررنا القدس أو وضعنا أنفسنا على هذا النهج. نفس هؤلاء كانوا قد ملأوا الدنيا صراخا بعد انقلاب عبد الفتاح السيسي، وكانوا طبعا على حق.

هؤلاء المطبلون لاتجاه سياسي معين، نراهم دائما يدافعون عن السلطة التي تمثل هذا الأتجاه مهما انحرفت وعملت, ونحن لا ننسى المثقفين والكتاب المشاهير الذين كنا نراهم على قناة الجزيرة وغيرها، وهم يدفعون باتجاه إنجاح الثورة المصرية الديمقراطية ضد مبارك، وطبعا كانوا على حق، ولكنهم انقلبوا عليها تماما عندما وصل للسلطة اتجاه سياسي ظنوا أنه أقرب إليهم فكريا، ما قد يتيح لهم سرعة إشراكهم بالسلطة وحيازتهم امتيازات المناصب العليا, والأسماء اللامعة كثيرة في هذا المجال, متناسين كل ما اعلنوه من حب وغرام بالديمقراطية واحترام نتائج الانتخابات.

الآخرون الداعمون للتوجه الإسلاموي، كانوا على صواب عندما اعتبروا التغيير السياسي بمصر انقلابا وضربة للثورة والديمقراطية, ولكنهم لم يقولوا شيئا عندما بدأ حليفهم التركي بالابتعاد عن الديمقراطية وزج معارضيه بالسجون وملاحقة رفاقَهم الصحفيين وإعلان الحرب على الأكراد. واليوم يا للهول لا يجدوا شيئا يقولونه عندما انقلبت السياسة التركية رأسا على عقب, حتى الطرف المتضرر الأول والذي يدير غزة حاليا بارك هذا الاتجاه، مكتفيا بطبق من المساعدات الإنسانية التركية، والتي لن تمر إلا برضى اسرائيل.

ولو عدنا الى الخلف قليلا، عندما انعقد مؤتمر باريس الدولي للمناخ في نهاية عام 2015, مر هذا الحدث الهام تقريبا بدون تعليق، وكأنه لا يهمنا أبدا، مع أننا من أكثر المتضررين من التغيير المناخي, وذلك فقط لمراعاة المواقف السعودية والخليجية المناهضة للحد من استعمال البترول. هذا الحدث كان يجب أن يبلغ لملايين الناس، لأن الخبراء بما فيهم العرب، ينبؤوننا بأن الأجواء المناخية بمنطقة الخليج، ستصبح كارثية، في أواسط القرن الواحد والعشرين, لا سيما في تلك البلدان التي رفضت تقديم أي مقترحات والتزامات كباقي دول العالم (باستثناء الأمارات العربية المتحدة) وحاولت إعاقته.

جيوب حكام النفط أهم من مستقبل المواطن العربي الخليجي ومستقبل ابنائه. أدعو القارئ الخليجي والعربي للبحث بنفسه عن ما سيحل به في مستقبل الأيام، ليتأكد من هذه المعلومات. وفي نهاية المطاف سيعلم المواطن والقارئ بالحقائق، ففي هذا الزمن لا يستطيع أحد منع الناس من الإطلاع والمعرفة، ونحن في عالم مفتوح على الجميع وبكل الوسائل.

نأمل من صحفيينا بكل وسائل الإعلام المقروءة أو المسموعة أو المرئية، أن ينظروا ولو قليلا خارج الأطر والمربعات الأيديولوجية والأمنية التي تضعهم بها الأنظمة، فواجبهم الصحفي هو الإعلام الأمين, فهم كالطبيب أمام مريضه لا يحق له أن يخفي تشخيصه وحقيقة وضعه، وما حصل عليه من معلومات، وإلا أرسل به الى التهلكة.

الرؤى الخلاصية وأوهام نهاية التاريخ

 

الرؤى الخلاصية وأوهام نهاية التاريخ

د. نزار بدران

 

يتميز الإنسان بمقدرته على التطور الاجتماعي، أي على إقامة تاريخ خاص به، فالإنسان هو الوحيد الذي له هذا النوع من التاريخ، فنحن نتكلم عن تاريخ هذا الشعب أو هذه الأمة، وغير ذلك من الأشياء المرتبطة بالإنسان، ولا نتكلم عن تاريخ ممالك القطط أو العصافير، فهذه الأخيرة، لها تطور بيولوجي غريزي، ولكنها لا تملك تاريخاً اجتماعياً متطوراً. فالنمل والنحل لهما نظام معيشي اجتماعي، ولكنه فطري ولا يتغير مع تطور الزمن الملحوظ تطوره فقط في إطار التغير البيولوجي والوراثي.

هذه الخصوصية للإنسان، مهمة جداً، وهي ملحوظة بشكل واضح، منذ بدأ الإنسان باختراع الكتابة قبل ذلك. نحن نقول ما قبل التاريخ؛ وهذا لم يعن أنه لم يكن هناك تطوراً اجتماعياً في تلك الأزمان البعيدة، ولكنها غير مترجمة أو مدونة كتابياً. إلا أن الباحثين وجدوا طبعاً، رسوماً وغير ذلك من الآثار التي تظهر تطور الإنسان الاجتماعي منذ عشرات آلاف السنين.

على أن مفهوم التاريخ، يؤدي تلقائياً لمفهوم الحضارة، فهي نتاج الإنسان وسردياته التاريخية، وتترجم تطوره الفكري والمادي، وأدوات عمله ونظامه الاجتماعي واختراعاته، وما إلى ذلك بما فيه ظهور الأديان. الحضارة إذن ليست فقط نتاج فعل الإنسان وتفاعله مع الطبيعة، ولكن أيضاً فعله بنفسه، وبتحديد علاقات أعضاء مجتمعه فيما بينهم، وبكيفية حل التناقضات الناشئة.

إن اندفاع التاريخ المستمر إلى الأمام، مرتبط بوجود تناقضات اجتماعية لا تنتهي؛ حتى بعد حلها، فتناقض المجتمع البدائي المشاعي الأول، حل محله تناقض مجتمع العبيد والسادة الأحرار، كما حدث باليونان القديمة، ثم تناقض الإقطاعية الارستقراطية والفلاحين، كما حدث في أوروبا القرون الوسطى، وأخيراً التناقض الاجتماعي بين البرجوازية والعمال، في القرن التاسع عشر والعشرين، وظهور أشكال جديدة في الزمن الحديث، زمن العولمة والإنترنت.

لذلك لا تنتهي التناقضات داخل المجتمع، بل تتجدد، وحلها في فترة زمنية ما، ومكان ما، لا يعني إنهاء تطورها, ان تجددها بأشكال مختلفة، هو بالتحديد ما يُعرف بالتاريخ، وإلا لانتهى هذا التاريخ منذ زمن.

الأديان والإيديولوجيات على اختلافها، ذهبت كلها باتجاه توقف التاريخ ونهايته، وما قاله فوكوياما عن “نهاية التاريخ”، في زمن انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط الفكر الماركسي، لم يكن استثناءاً، فالشيوعية نفسها، طرحت نهاية التاريخ عن طريق الحل النهائي لتناقض المجتمع، بامتلاك الطبقة العاملة للسلطة ووسائل العمل، وإنهاء صراع الطبقات.

الإسلاميون من جهتهم يطرحون مفهوم، أن كل مشاكل المجتمع يمكن حلها (إن طبق الإسلام الصحيح)، وكل الأيدولوجيات تقريبا، حملت نفس المفهوم لنهاية التاريخ، الذي يتوقف عندما نطبق هذه الأيديولوجية أو تلك، وتُحل كل التناقضات والمشاكل، ويتعايش حينها الذئب مع الغنم بحب ووئام، كما يحلم المنتظرون لعودة المسيح أو الإمام المُخلص، وكان ذلك قد بدأ من قبل مع أفلاطون وجمهوريته المثالية.

إلا أن الأصوليين الإسلاميين، ذهبوا إلى أبعد من ذلك، فهم يظنون أن التاريخ قد انتهى عند حقبة بداية الإسلام والخلفاء الراشدين، وأن العودة لهذا الزمن، هي التي ستنهي التناقضات وحل الإشكالات بشكل أبدي، وهذا هو نفس المبدأ الخاطىء المبني على عدم فهم التاريخ وتطوره، ما يدفع بشكل غير واعٍ، عن طريق إنهاء هذا التاريخ، نحو مجتمعات شبيهة بممالك النمل والنحل، التي ليس لها أصلاً أي تاريخ، وعلاقاتها الاجتماعية لا تتبدل مع الزمن.

إن تطور المجتمعات الإنسانية الدائم نحو تناقضات جديدة، وحلول جديدة، هو إذن المبدأ العام، الذي يجبر الإنسان على الفكر والعمل، والبحث عن حل تناقضاته أولاً بأول، وليس البحث دوماً عن حلول خلاصية أبدية، حالياً أو سابقاً أو مستقبلاً،  ليس للفكر الإنساني دور بوضعها، بل يقتصر فقط على تفسيرها .

لا فرق إذن بين فكر فوكوياما الليبرالي، بعد وهمه بانتصار الليبرالية ونهاية التاريخ، أو الفكر الشيوعي الماركسي لدى نجاح ثورة أكتوبر بروسيا، أو أصوليو الدين الإسلامي، الذين أوقفوا عجلة التاريخ عند القرن السابع الميلادي، كلهم واهمون، بامتلاكهم أدوات إنهاء التاريخ، ناسين تماماً أن ذلك يُبعدهم عن الحضارات الإنسانية العديدة، ويقربهم من عالم جامد متكلس لا يتطور.