الديمقراطية ودولة المواطنة بديلا للاستبداد والدولة الطائفية

14/02/2016

الديمقراطية ودولة المواطنة

بديلا للاستبداد والدولة الطائفية

نزار بدران

من الصعوبة بمكان أن نُحلل سيادة وانتشار الطائفية، كفكر سياسي في كثير من الدول العربية، وانعكاساتها على الواقع الشعبي، على شكل تقتيل وتشريد وتهجير. نرى ذلك بالعراق وسوريا واليمن، وقد نرى ذلك أيضاَ في مناطق أخرى في القادم من الايام.

يرجع المحللون المتابعون، منابع هذه الطائفية ومواردها ومآلاتها، إلى التاريخ حديثه وقديمه، محاولين فهم الفوارق، بين مفاهيم الطوائف المختلفة للنصوص الدينية، خصوصاً الاتجاهات المُتطرفة والداعية للعنف. هم يُفسرون تصرفات المجموعات المتطرفة، بفهمها الخاطيء للنصوص التي اجمعت كل الطوائف على صحتها وتبنيها، على الرغم مما رست عليه تفاسير كل مجموعة وطائفة واستنتاجاتها منها، وهي على الأغلب تتعارض مع سواها، لتضعهم جميعاً في مواجهة بعضهم البعض.

من هنا شكل الابتعاد عن الفكر الإنساني لفهم الواقع الذاتي، واستنتاج ما يجب أن نفعله بأنفسنا، واستبدال ذلك بالفكر الديني النصي الغيبي المُطلق، مدعاة للمزيد من الصراعات، وليس إلى الحد منها، لأن “الحقيقة المطلقة”، كما فُسرت بالنص الديني، لا تقبل الجدل والمناقشة. وبما أن لكل طائفة تفسيرها، و”حقيقتها المطلقة” التي تستنتجها من النص ذاته، فالصراع باقٍ، ما لم يسترجع الإنسان حقه بالتفكير خارج الأطر الغيبية والدينية.

الطائفية إذن، لا يمكن أن تكون حقيقة في نص، أي نص ديني، وإنما هي العشائرية والقبلية، التي تُشرع لنفسها حق قتل واضطهاد ورفض الآخر، بناءً على نفس هذه النصوص المُشتركة لكل الطوائف.

الواقع الاجتماعي العشائري والقبلي والفئوي، هو إذن الأساس في تطور هذه الطائفية المقيتة، ومن هنا، فإن الرد على ذلك، لإعادة لُحمة المجتمع، هو بناء تفسير ديني عقلاني حداثي، يجمع الكل على فهم واحد، وإن اختلفت الطوائف وتعددت الأقليات. بناء مرجعيات دينية، مُتجددة متوحدة، قد يكون وسيلتنا لإنهاء التطرف الديني الأصولي والطائفية، التي تصول وتجول في بلاد العرب والمسلمين.

هذا ما نقرأه ونسمعه هذه الأيام، من عديد من المفكرين والمتعلمين وفقهاء الدين. ولكنه للأسف رغم عقلانيته الظاهرة هو خطأ، ولا يعكس الحقيقة، ولا يأخذ من المُعطيات الاجتماعية، إلا ما انتقى ولاءم فكره. هذا التحليل خاطيء لأنه يشبه الناظر إلى العالم الخارجي، من خلال ثقب صغير، فهو لا يرى من هذا العالم، إلا الشيء البسيط والقريب.

هؤلاء المفكرون تناسوا أهمية ترتيب التناقضات الاجتماعية، وأولويات حلها، فهم بهذا التحليل يستبدلون التناقض الأساسي للأمة، مع أنظمة الاستبداد، بتناقض ثانوي وهو اختلاف المفاهيم الدينية عند الطوائف المختلفة، أو المصالح عند الأقليات، متناسين التلاعب بها وتجييرها من قِبل الأنظمة، في مجتمعات محافظة، قليلة التعليم والمعرفة، وما زالت أكثر قرباً من الانتماء القبلي والعائلي منه إلى الانتماء للوطن والأمة.

يجب فهم الحقيقة التاريخية لتاجيج الطائفية عندنا، من واقع التجزئة العربية، وما نتج عنه من استبداد قائم منذ عشرات السنين، مضافٌ إليه وجود إسرائيل المرتبط جذرياً بهذه التجزئة، وتلك الديكتاتوريات، والتناغم الحالي بين الأنظمة العربية وإسرائيل، ضد ثورات شعوبها واضح للعيان، والتوافق السوري الروسي الإسرائيلي، لم يعد خافيا على أحد.

هذه الوضعية الجدلية، بين الوضع السياسي العربي من جهة، والاستبداد والتجزئة وإسرائيل من جهة أخرى، هي التي تُفسر ظهور الطائفية السياسية المفاجيء، في عالمنا العربي والإسلامي، كرد من هذه القوى المُتحالفة، ضد خطر الثورات العربية، والتي انطلقت من تونس.

إغراق هذه الأوطان بالدمار والحروب، هو رد هذا المحور، لمنع انبعاث روح الحرية. الطائفية والتطرف الديني الأصولي، هي أحد هذه الوسائل، والتي تحاول أن تستبدل تناقضات المجتمع، مع السلطات الاستبدادية، بتناقض مكونات المجتمع نفسه فيما بينها.

عندما كانت الأنظمة ممسكة بخناق شعوبها، لم تكن لتميز بين طائفة وأخرى، بين كرد وعرب أو سنة وشيعة، الكل كانوا في خانة الغائب والمقموع. ولكن الحراك الديمقراطي العربي، هو الذي أفزعهم وأظهر هشاشتهم، كما أن رد هذه الأنظمة العنيف، بين أن الأسلحة المُكدسة، لم تكن لتحارب بها إسرائيل حليفتهم، وإنما لمحاربة شعوبهم والتشبث بالسلطة.

الفكر الديني المحافظ، والتقاليد القبلية والعشائرية، والجهل وقلة التعلم، تُستعمل بسهولة لخلق التناقضات داخل المجتمع الواحد. للأسف جزء كبير من الكتاب، ومُدعي المعرفة، دخلوا في معمعة الطائفية، بقصد أو بغير قصد، وفسروا المآسي بوجود أو عمل طائفة مُحددة، فالصفوية وطبيعة المذهب الشيعي، في فهمهم، هو ما يُفسر الحرب بالعراق وتجزئته، مُتناسين ما قدمه هؤلاء، للدفاع عن وحدة العراق زمن الاحتلال البريطاني وهزيمته. في حين كان البربر هم من حارب بشمال المغرب، لتحريره من السيطرة الإسبانية والفرنسية، وكانوا من دعم عبد الكريم الخطابي. كذلك الأمر في زمن الثورة الجزائرية، ضد الاستعمار الفرنسي، والأقلية المسيحية بالمشرق هي من رفعت راية اللغة العربية والعروبة، في بداية القرن ضد الوجود العثماني، والقائمة طويلة.

الأنظمة الاستبدادية، هي إذاً، رديفة الطائفية وخالقته، عندما تخاف على وجودها وبقائها، من حراك جماهيرها. أما الانظمة الديمقراطية التي تأسست كناتج من نواتج القيم الإنسانية، وإيمانها بالحرية والمساواة والتآخي، فهي وحدها القادرة على بناء دولة المواطنة، بدل دول الرعايا والطوائف. هذه الدولة كانت هدف الثورات العربية. فهذه كانت الشعارات التي رفعتها رايات شباب التحرير, وشارع بورقيبة, وأطفال درعا, وساحات الاعتصام بالعراق واليمن. ولسحقها حركت الأنظمة الاستبدادية جيوشها ودباباتها وطائراتها, ولإنهائها خلقت الطائفية والتطرف الأصولي الديني. وللأسف نجحت هذه الأنظمة لحد الآن باحتواء الأمل مستبدلة إياه بالألم والدمار والتقتيل والتهجير.

على الأحزاب الشبابية الديمقراطية ومحبي ألحرية ان يبدأوا من اليوم بالعمل لأعادة بوصلة النضال ومحورة التناقض بين الأنظمة والشعوب الى الاتجاه ألسليم، ورفض محاولات الأنظمة المستميتة لخلق تناقضات جديدة, فيما هي تحاول جاهدة إبعاد التناقض الرئيسي – وهي أحد أطرافه الرئيسيين – مستبدلة إياه بتناقض وهمي داخل المجتمع، مصورة نفسها كونها هي الحل، أو وسيلة لحل هذا التناقض الجديد, آملة بأن تستعيد لنفسها دور حامي الديار، والمدافع عن الأقليات والمظلومين.

أنوار الفلسفة وظُلمات الجهل

28/11/2015

 

أنوار الفلسفة وظُلمات الجهل

نزار بدران

 

في الخميس الثالث من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) يحتفل العالم باليوم العالمي للفلسفة. وهي كلمة من أكثر الكلمات استعمالاً، ونسمعها بشكل مستمر، تُستعمل في تعابير لغوية عديدة، ومع ذلك لن تستطيع أن تجد شخصين يتفقان على تعريفها وإعطاء دلالاتها.

لكن الناظر إلى التاريخ، وخصوصاً التاريخ العربي الإسلامي، سيكتشف أن كل الحضارات بُنيت على الفلسفة، بدونها لا يوجد إبداع ولا تحضُر، هي حقيقة مصدر الإنارة لكل الناس، وليست حكراً على نخبة معينة.

الحضارة اليونانية أسست للفلسفة مع رجال عظام مثل أرسطو، الذي عاش بالقرن الرابع قبل الميلاد، ومعلم إسكندر المقدوني. بنى فلسفته على مفهوم أن الفكر هو الأداة والوسيلة للمعرفة، كذلك أفلاطون، مؤسس علم المنطق، الذي عاش بالقرن الخامس قبل الميلاد، والذي عرف الفلسفة “بالسعي الدائم لتحصيل المعرفة الكلية الشاملة، التي تستخدم العقل وسيلة لها، وتجعل الوصول إلى الحقيقة أسمى غاياتها”.

هذه الفلسفة أسست أيضاً للحضارة الإسلامية عندما نُقلت وطُورت في بلادنا مع ابن سينا والفارابي وعشرات غيرهم، وأهمهم ابن رشد، الذي عاش بالقرن الثاني عشر وعينه خليفة المُوحدين طبيباً ثم قاضياً بقرطبة، وأقبل على تفسير آثار أرسطو، اتهمه علماء الأندلس والمعارضين بالكفر والإلحاد، وأبعد إلى مراكش وتُوفي فيها.

لم يستطع الغرب الخروج من ظُلمات القرون الوسطى، إلا عندما نُقل له بدوره تلك الحضارة، عن طريق المسلمين بالأندلس، وبعد احتلال غرناطة، قام المُنتصرون بزمنه، بأخذ كل الكتب الموجودة بالمكتبات الأندلسية، وهي بالآلاف، وتُرجمت كلها ووُزعت تدريجياً على أنحاء أوروبا. قراءتها وفهمها سمح بخروج فلاسفة وعظماء أوروبيين أمثال ديكارت، مؤسس العقلانية وكانط وغيرهم.

الحضارة الصينية بُنيت أيضاً على فكر كنفوشيوس، الذي كان يُدعى نبي الصين، وعاش بالقرن السادس قبل الميلاد، واستمر فكره لقرون طويلة حتى وصول الشيوعية بالقرن العشرين، فكر مُسالم أخلاقي، تُختصر فلسفته بـ “أحب لغيرك ما تحب لنفسك”.

انتقلت الأمم من الحضارة المتنورة إلى الظُلمات، عندما ابتعدت عن الفلسفة، فبعد نفي ابن رشد من الأندلس إلى مراكش لم تقُم لنا قائمة، وحكم اليونانيون بالموت على فيلسوفهم سقراط، وسجن كهنوت روما علماءهم كجاليليو وكوبرنيك، واستنكروا عليهم كشوفاتهم، وحتى كون الأرض كروية وتدور حول الشمس.

لماذا هذا الترابط الوثيق بين الحضارة والفلسفة، لفهم ذلك علينا أن نُعطي تعريف الفلسفة المُتوافق عليه كحدٍ أدنى، وهو “ذلك النهج الذي يضع الإنسان كهدفه الوحيد مُستعملاً العقل كوسيلة والوجود كمجال”.

كل إنسان يعمل بمهنته بهذه المُعطيات، هو فيلسوف بعمله ومجاله، يُساعد على نشر النور وكل من دعا إلى الغيبيات والابتعاد عن العقل والفكر، والاعتماد على النصوص الغيبية والدينية لتفسيرها فقط، هو مبعث للظلمات.

استطاع ابن رشد في زمنه، أي القرن الثاني عشر، التوفيق بين الفلسفة والدين، عن طريق إعطاء الأولوية للعقل دائماً، ولم يكن ذلك مُعتبراً خروجاً عن الدين، بل إغناء له وهو ما يُسمى الاجتهاد، أي توفيق الدين مع العلم والفلسفة وليس العكس. لذلك دفع ابن رشد حياته ثمناً لإصراره على هذا النهج العلمي، فتحت ضغط شيوخ زمانه على خليفة الموحدين، أبو يعقوب، نُفي ومات في مراكش، وهو الذي فسر كتب أرسطو، ويُعتبر تفسيره لحد الآن، المرجعية الفلسفية لفهم هذا الفيلسوف اليوناني العظيم، ويكون بذلك قد سهل على الغرب فهم فلسفة اليونان، ووضعهم على طريق الخروج من القرون الوسطى، والوصول إلى زمن النهضة، بينما لم يتمكن، لسوء طالعنا، من فعل ذلك في ديار الإسلام.

نستنتج من ذلك أن تنحية العقل والفكر هو المصدر الأول لكل مآسينا، منذ ثمانية قرون، وإن لم نعد إلى هذا النهج، سنبقى خارج التاريخ. ففي بداية القرن العشرين حاول الشيخ محمد عبده، بناء فكر متنور مشابه، ولكنه لم يتمكن من الاستمرار، نتيجة الضغوط الاجتماعية المُحافظة والتي لا تقبل التغيير.

الاحتكام فقط إلى النصوص اللاهوتية، مهما كانت، تؤدي كما نرى وفي واقع تجاربنا المرة إلى خروج وحوش من بين ظهرانينا، لأن الاعتماد على النص يعني عملياً الاعتماد على تفسيراته العديدة، حسب المدارس الدينية، وهو ما يعني أن أي نص ديني مهما كان، يمكن أن يؤدي عند أُناس مثل الشيخ محمد عبده، إلى البناء والعلم وعند ظلاميي خوارج العصر إلى قطع الرؤوس ودمار المجتمع.

ناتج ذلك كله يفيد بأن العودة لفكر محمد عبده ومن قبله ابن رشد، وإعادة الاعتبار للفلسفة، قد يساهم أو ربما يكون كفيلا بإعطاء الأمة، أمل الانتقال من الظلمات إلى النور، وما ذلك على الله بعسير.

في بلاد الغرب تُدرس الفلسفة كمادة مهمة في البرامج المدرسية، في فرنسا تُفتتح دورة امتحانات نهاية المرحلة الثانوية بامتحان الفلسفة، الذي يتكلم عنه وتتباهى بالإجابة على أسئلته، كل وسائل الإعلام، المكتوبة والمسموعة والمرئية. أما في بلادنا فلا يوجد لمادة الفلسفة مكان، وهي مع الأبحاث العلمية، تُعتبر من الكماليات، بمعنى أن لا أولوية لها في ظروفنا الصعبة !.

 

في الترابط بين ظواهر التاريخ واعماقه

في الترابط بين ظواهر التاريخ واعماقه

د. نزار بدران

اب 2016 العربي الجديد

لم يعد التاريخ الحدثي القصير الأمد، واسميه مجازاً السريع، مرجعية لفهم تطور المجتمعات والأمم، التاريخ الحدثي هو ما تعلمناه صغاراً في المدارس، حول الأحداث كبيرها أو صغيرها، التي حدثت هنا أوهناك، وكأنها أسست لما بعدها، أو أنهت ما قبلها.

التاريخ الطويل الأمد، أو ما أسميه مجازاً البطيء، هو الآن ومنذ وصفه منتصف القرن الماضي وسيلة المؤرخين، لفهم تطور المجتمعات، ومحاولة للتنبؤ بمستقبلها، هو التاريخ اليومي، المستمر بين الأحداث.

لتقريب الصورة إلى القاريء، نقول أن المجتمع يتطور ويتغير مثل مجرى نهر عميق، تموجات السطح، هو التاريخ السريع الحدثي المرئي، ولكنه في الحقيقة يعكس التغيرات الجارية بشكل مستمر وغير الملحوظة في أعماق النهر. لذلك يقوم المؤرخون بدراسة هذا التاريخ المستمر، في حين تقلص الاعتماد على التاريخ الحدثي بشكل كبير.

المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل (1902-1985)، مؤسس هذا التصور الجامع للتاريخ، ذكر في إحدى مقابلاته، أن أصعب شيء عليه، حين وضع هذه النظرية الجديدة، في الأربعينيات، وكان حينها سجيناً لمدة خمس سنوات بألمانيا النازية، هو كيفية التركيز على هذا التاريخ البطيء وعدم الغرق بالتاريخ السريع، بينما كان هو نفسه، يعيش قمة هذا التاريخ الأخير، أي الحرب العالمية الثانية، ومآسيها وكوارثها، والذي كان كسجين، أحد ضحاياها.

هذا ما نواجهه حالياً، في عالمنا العربي، عندما نرى مجرى أحداث هذا التاريخ السريع الظاهري، والذي ببشاعته يُبعد عنا، فهم التاريخ الحقيقي للأمة، وهو تطورها الاجتماعي البطيء، منذ عشرات السنين، والذي تُرجم فقط، في موجات الربيع العربي، وردود فعل الأنظمة وداعميها وعنفهم اللامحدود. من الصعب أن نفهم أحداث سوريا أو اليمن ومصر وليبيا وتونس، إن تقوقعنا في إطار الأحداث الدامية الجارية وغارات طائرات أنظمة البراميل المتفجرة، رغم فظاعتها.

تاريخنا البطيء هذا، تمركز بشكل أساسي عند القرن الأخير، على فشل الدولة الوطنية لتحقيق أي شيء يُذكر. نذكر منها بعض الأمثلة:

  • فشل الدولة الوطنية في تحقيق رفاهية وحرية المواطن، بغض النظر عن السلطة, أو الانتقال الى الدولة المدنية الديمقراطية ووضع أسس الحكم الرشيد.
  • فشل الأنظمة العربية بكل أشكالها، الغنية بالبترول أو الفقيرة، ببناء اقتصاد إنتاجي، يهدف لإيجاد فرص عمل للمواطن وتفشي البطالة.
  • الفساد المُستشري بالمجال الاقتصادي ونهب ثروات الأوطان، لصالح أقلية حاكمة.
  • استمرارية الأنظمة بالتضييق على حرية الحركة للناس، داخل إطار الدول العربية بادعاء الأسباب الأمنية، مما يحد من أفق المواطن بوجود ظروف أفضل لحياته، على امتداد الساحة العربية.
  • عدم توفر أي متنفس ديمقراطي، للتعبير عن الظلم الواقع، والاستمرار بتمجيد الفكر الديني أو القومي، كوسيلة لكبح أي معارضة.
  • رهن مستقبل البلاد والعباد لمصلحة الأنظمة الفئوية الضيقة.
  • تدمير البنية التحتية التقليدية، عن طريق استخدام سياسات إعمارية وزراعية فوضوية، بناء على المحسوبيات والمصالح.
  • بناء سياسات خارجية وتحالفات، مبنية على مبدأ مصلحة الأنظمة، وليس بناء على مصلحة الشعوب (استثمارات مالية أو تنازلات عن السيادة في بعض الأحيان, والتطبيع مع إسرائيل والفشل في مواجهتها).
  • عدم التمكن من اقامة أي تجمع جهوي فعال لمصلحة المواطن العربي، كأتحاد المغرب العربي (1989)، والذي لم يتمكن حتى من فتح الحدود بين الدول الخمس الأعضاء, أو مجلس التعاون الخليجي (1981) والذي لم تترجم أفعاله إلا في النواحي الأمنية تقريبا. والفشل الذريع لجامعة الدول العربية (1945) لتحقيق أهدافها المعلنة عند تأسيسها.
  • الاستمرار بالتنابذ والتباعد وتكريس التجزئة (انفصال جنوب السودان).

في ذات الوقت تطور المجتمع خلال الأربعين سنة الأخيرة، نحو انتشار كبير للتعليم، وخلق طبقة وسطى واسعة، غير قادرة على الحصول على وظائف أو فرص عمل، وذلك كنتيجة لما تم ذكره سابقاً, وتطور المجتمع المدني ومطالبه.

من ناحية أخرى، التغيير في دور المرأة والعائلة، وظهور مفهوم المساواة بين الرجل والمرأة في الدراسة والعمل. وتراجع التطور الديمغرافي بشكل كبير، حيث الانخفاض المستمر بالمعدل العام للإنجاب في الدول العربية، منذ أواسط الثمانينات، بحدود طفلين لكل امرأة، وليس خمسة أطفال أو أكثر، كما كان سابقاً. هذا التوجه هو في طريق التأكيد بكافة الدول العربية، فقيرها وغنيها، محافظها ومتحررها من شرقها الى غربها، ومؤكد بالأحصائيات الدولية.

توازى كل ذلك مع موجة تحرر عالمية واسعة، بعد سقوط الأتحاد السوفيتي، وحصول الدول الأوروبية الشرقية الشيوعية السابقة على حريتها, كذلك التطور الديمقراطي الواضح الواسع في أمريكا اللاتينية وافريقيا ودول بجنوب شرق آسيا. لم يبق منطقة في العالم كما الحال في بلادنا العربية، ترتع بهذا المستوى من التخلف ومنع الحريات.

من ناحية أخرى تطور نظام التواصل العالمي، والذي فتح العالم أمام الشباب العربي الذي لم يعد يقبل بأن يستمر في قبول دور المواطن الرعية، المطلوب منه السمع والطاعة للسلطان، كما فعل الآباء من قبل, وهو التواق للحصول على حريته مثل الأخرين.

هذا ليس توصيفا حصريا، وانما بعض النقاط التي يجب على مؤرخينا ودارسي المجتمعات العربية، البحث فيها وتحليلها، لأن الأمة مع انطلاقة الربيع العربي بتاريخه السريع الذي توج كل هذه المتغيرات بتاريخها البطيء, بدأت رغم كل ما نرى؛ تحاول جاهدة الدخول في عالم الحداثة التي ابتعدت عنه منذ حوالي عشرة قرون، عندما غيّب العقل ودخلت الأمة العربية والإسلامية عالم الجهل والتقوقع، وآخر العقلانين كان ابن رشد الذي مات بمراكش منفيا عام 1198.

للأسف لا نكاد نجد في ما ينشر حاليا أي شيىء يذكر بدراسة التاريخ طويل الأمد البطيء للأمة، والذي هو التاريخ الحقيقي الفعال. هذه الدراسات النقدية التي يجب ان تركز على تاريخ الأزمات والترهل المستمر وأسبابه وحلوله, خصوصا تلك التناقضات الداخلية المرتبطة بتركيبتنا وبتاريخنا، وليس فقط العوامل الخارجية والاستعمار، والذي نعلق عليه دائما كل مآسينا, التاريخ طويل الأمد يعتبر كما يقول بروديل أم العلوم، فهو يحتاج من أجل فهمه معرفة كل نواحي الحياة من العلوم والجغرافيا الى علم الاجتماع والاقتصاد وليس فقط الأحداث.

يجب أن يدرس هذا التاريخ على الأقل، منذ نشأة الدولة الوطنية العربية، بعد إنهاء الخلافة العثمانية (1918) والتي برأيي تصل الى نهايته مسارها. نجاحاتها الوهمية بالتحرر الوطني من الاستعمار خلال الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، لم يعد كافيا لتبرير استمرارها أو التغطية على فشلها الذريع في كل النواحي. وعنفها المفرط الممارس حاليا بتاريخنا السريع هو دليل هذا الفشل واقتراب النهاية المنتظرة، والتي لا مفر منها حسب رؤية وحتمية التاريخ ألبطيء، وهذا ما حدث ويحدث مع كل الأنظمة والدول الفاشلة عبر العالم، منذ مئات السنين، مهما كانت قوية وجبارة, وكان مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون أول من استنتج ذلك في دراسته لتاريخ الأمم.

أشهر المؤلفات التي تركها ابن خلدون كتاب (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر) ومقدمته الشهيرة، حيث يعتبر هذا الكتاب من أكبر مساهمات ابن خلدون في علم الاجتماع، حيث كان تقديمه أول تقديم لا ديني للتاريخ.

إن عدم فهم الترابط العضوي بين التاريخ البطئ والسريع، واختصار الربيع العربي فقط بظواهره، وخصوصاً العنيفة المرتبطة برد الأنظمة، هو كمن يريد أن يدرس البحر فقط من خلال أمواجه المرئية المتلاطمة على الشواطيء، بدون الالتفات إلى التيارات العميقة الجبارة داخله، وهو ما يؤدي برأيي إلى انتشار نظرية المؤامرة الغربية بإنفجار هذا الربيع، في محاولة لفهم ما يحدث, عندما لا نستطيع أن نرى التطور البطيء للتاريخ الحقيقي، والذي لشدة بطئه وتطوره على مدى عشرات السنين، لا يمكن ملاحظته. لذلك وجب على المؤرخين وألاكاديميين، البدء بالتنقيب عن هذا التاريخ، وعدم الوقوف عند التاريخ الحدثي السريع.

إن انتهاء البحوث العلمية عن الشرق بالجامعات الغربية، والتي كانت ساحة تفاعل مع المفكرين المسلمين، خلال القرن التاسع عشر، كما حدث بين جمال الدين الأفغاني (1838-1897) والمفكر الفرنسي الشهير إيرنست رينان، حول مفهوم الحضارة الإسلامية، أو عن العلمانية مع الشيخ محمد عبده (1849-1905). هذا التوقف تم بسبب الخلط عند العرب في مرحلة لاحقة بين الاستشراق والاستعمار.

لقد كان من المنتظر أن يُتيح توقف الدراسات الشرقية في الغرب، إلى تطور هذا العلم في بلاد المصدر، أي الأقطار العربية، ولكن ذلك لم يحدث، واستُبدل بالبحوث الدينية أو ذات الطابع الغيبي، التي لا تستعمل وسائل البحث العلمي الحديث، إلا ما ندر.

الدراسات الشرقية حالياً في جامعة السوربون بباريس، هي مكون بسيط وثانوي، من دراسة تاريخ ولغات الشرق، ولم تعد مكونا أساسيا، وليس لها أي بُعد استكشافي، أو تفاعلي كما كان سابقاً، وذلك رغم محاولات بعض الإصلاحيين المسلمين، المقيمين بأوروبا تغيير ذلك، مثل الاستاذ الجامعي في السوربون هشام جعيط، صاحب المؤلفات العديدة، ومنها (أزمة الثقافة الإسلامية) والمفكر الإسلامي القدير محمد أركون، من أشهر مؤلفاته كتاب (نقد العقل الإسلامي)، والأستاذ عياض بن عاشور ومن مؤلفاته (الإسلام وفكر حقوق الإنسان).

من هنا تشكل ضرورة البحث العلمي في معطيات تاريخ الأمة طويل الأمد، أبرز المهام الراهنة، ومن دونه لن يكون ممكنا فهم الحاضر، أو إيجاد التصورات الواقعية للمستقبل، وذلك ما قد يعيد الحلقة المفقودة، بين الزحف العارم للجماهير نحو حياة جديدة حرة وكريمة، والفكر الضروري لقيادة هذا الحراك والدفع لإنجاحه بأقل الخسائر الممكنة.

بين حرية الصحافة وصحافة الحرية

 

بين حرية الصحافة وصحافة الحرية

د. نزار بدران*

أن تكون صحفيا أو أن تكون كاتبا، هذا يحملك تجاه الآخرين بعض المسؤولية, فمهنة الصحافة تهدف اولا لإعلام الناس بالحدث والتعليق عليه بموضوعية، وذلك تحت شعار “الخبر مقدس والتعليق حر” .

لكن ما نلاحظه اليوم بالصحافة، التي تعتبر نفسها بعيدة عن تأثير السلطة ولو جغرافيا؛ أن نقل الخبر يصطدم بانتقائية، حتى لا نزعج او نقلق بعض الحكام أو السياسات، بينما الواجب هو إخبار القارئ أاولا وأخيرا. القارئ له الحق الأكيد بمعرفة الحدث، ومعرفة ما يفعله هؤلاء الحكام, والصحافة بدورها هي الوسيط بين الحدث أو صاحب الحدث والمواطن القارئ.

نقد السلطة وليس مدحها، هو دور الصحافة الحرة الأول، مهما كانت السلطة، فالحكم له وسائله الخاصة الضخمة لعمله الدعائي.

أقول ذلك لأن الموقف التركي الأخير والاتفاق مع إسرائيل، والذي أدى الى استقالة رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو احتجاجا, لم يجد عند معظم الكتاب والصحفيين الذين قرأتهم بالصحافة المحلية أو المهاجرة إلا تصفيقا وتطبيلا, وكأننا حررنا القدس أو وضعنا أنفسنا على هذا النهج. نفس هؤلاء كانوا قد ملأوا الدنيا صراخا بعد انقلاب عبد الفتاح السيسي، وكانوا طبعا على حق.

هؤلاء المطبلون لاتجاه سياسي معين، نراهم دائما يدافعون عن السلطة التي تمثل هذا الأتجاه مهما انحرفت وعملت, ونحن لا ننسى المثقفين والكتاب المشاهير الذين كنا نراهم على قناة الجزيرة وغيرها، وهم يدفعون باتجاه إنجاح الثورة المصرية الديمقراطية ضد مبارك، وطبعا كانوا على حق، ولكنهم انقلبوا عليها تماما عندما وصل للسلطة اتجاه سياسي ظنوا أنه أقرب إليهم فكريا، ما قد يتيح لهم سرعة إشراكهم بالسلطة وحيازتهم امتيازات المناصب العليا, والأسماء اللامعة كثيرة في هذا المجال, متناسين كل ما اعلنوه من حب وغرام بالديمقراطية واحترام نتائج الانتخابات.

الآخرون الداعمون للتوجه الإسلاموي، كانوا على صواب عندما اعتبروا التغيير السياسي بمصر انقلابا وضربة للثورة والديمقراطية, ولكنهم لم يقولوا شيئا عندما بدأ حليفهم التركي بالابتعاد عن الديمقراطية وزج معارضيه بالسجون وملاحقة رفاقَهم الصحفيين وإعلان الحرب على الأكراد. واليوم يا للهول لا يجدوا شيئا يقولونه عندما انقلبت السياسة التركية رأسا على عقب, حتى الطرف المتضرر الأول والذي يدير غزة حاليا بارك هذا الاتجاه، مكتفيا بطبق من المساعدات الإنسانية التركية، والتي لن تمر إلا برضى اسرائيل.

ولو عدنا الى الخلف قليلا، عندما انعقد مؤتمر باريس الدولي للمناخ في نهاية عام 2015, مر هذا الحدث الهام تقريبا بدون تعليق، وكأنه لا يهمنا أبدا، مع أننا من أكثر المتضررين من التغيير المناخي, وذلك فقط لمراعاة المواقف السعودية والخليجية المناهضة للحد من استعمال البترول. هذا الحدث كان يجب أن يبلغ لملايين الناس، لأن الخبراء بما فيهم العرب، ينبؤوننا بأن الأجواء المناخية بمنطقة الخليج، ستصبح كارثية، في أواسط القرن الواحد والعشرين, لا سيما في تلك البلدان التي رفضت تقديم أي مقترحات والتزامات كباقي دول العالم (باستثناء الأمارات العربية المتحدة) وحاولت إعاقته.

جيوب حكام النفط أهم من مستقبل المواطن العربي الخليجي ومستقبل ابنائه. أدعو القارئ الخليجي والعربي للبحث بنفسه عن ما سيحل به في مستقبل الأيام، ليتأكد من هذه المعلومات. وفي نهاية المطاف سيعلم المواطن والقارئ بالحقائق، ففي هذا الزمن لا يستطيع أحد منع الناس من الإطلاع والمعرفة، ونحن في عالم مفتوح على الجميع وبكل الوسائل.

نأمل من صحفيينا بكل وسائل الإعلام المقروءة أو المسموعة أو المرئية، أن ينظروا ولو قليلا خارج الأطر والمربعات الأيديولوجية والأمنية التي تضعهم بها الأنظمة، فواجبهم الصحفي هو الإعلام الأمين, فهم كالطبيب أمام مريضه لا يحق له أن يخفي تشخيصه وحقيقة وضعه، وما حصل عليه من معلومات، وإلا أرسل به الى التهلكة.

الرؤى الخلاصية وأوهام نهاية التاريخ

 

الرؤى الخلاصية وأوهام نهاية التاريخ

د. نزار بدران

 

يتميز الإنسان بمقدرته على التطور الاجتماعي، أي على إقامة تاريخ خاص به، فالإنسان هو الوحيد الذي له هذا النوع من التاريخ، فنحن نتكلم عن تاريخ هذا الشعب أو هذه الأمة، وغير ذلك من الأشياء المرتبطة بالإنسان، ولا نتكلم عن تاريخ ممالك القطط أو العصافير، فهذه الأخيرة، لها تطور بيولوجي غريزي، ولكنها لا تملك تاريخاً اجتماعياً متطوراً. فالنمل والنحل لهما نظام معيشي اجتماعي، ولكنه فطري ولا يتغير مع تطور الزمن الملحوظ تطوره فقط في إطار التغير البيولوجي والوراثي.

هذه الخصوصية للإنسان، مهمة جداً، وهي ملحوظة بشكل واضح، منذ بدأ الإنسان باختراع الكتابة قبل ذلك. نحن نقول ما قبل التاريخ؛ وهذا لم يعن أنه لم يكن هناك تطوراً اجتماعياً في تلك الأزمان البعيدة، ولكنها غير مترجمة أو مدونة كتابياً. إلا أن الباحثين وجدوا طبعاً، رسوماً وغير ذلك من الآثار التي تظهر تطور الإنسان الاجتماعي منذ عشرات آلاف السنين.

على أن مفهوم التاريخ، يؤدي تلقائياً لمفهوم الحضارة، فهي نتاج الإنسان وسردياته التاريخية، وتترجم تطوره الفكري والمادي، وأدوات عمله ونظامه الاجتماعي واختراعاته، وما إلى ذلك بما فيه ظهور الأديان. الحضارة إذن ليست فقط نتاج فعل الإنسان وتفاعله مع الطبيعة، ولكن أيضاً فعله بنفسه، وبتحديد علاقات أعضاء مجتمعه فيما بينهم، وبكيفية حل التناقضات الناشئة.

إن اندفاع التاريخ المستمر إلى الأمام، مرتبط بوجود تناقضات اجتماعية لا تنتهي؛ حتى بعد حلها، فتناقض المجتمع البدائي المشاعي الأول، حل محله تناقض مجتمع العبيد والسادة الأحرار، كما حدث باليونان القديمة، ثم تناقض الإقطاعية الارستقراطية والفلاحين، كما حدث في أوروبا القرون الوسطى، وأخيراً التناقض الاجتماعي بين البرجوازية والعمال، في القرن التاسع عشر والعشرين، وظهور أشكال جديدة في الزمن الحديث، زمن العولمة والإنترنت.

لذلك لا تنتهي التناقضات داخل المجتمع، بل تتجدد، وحلها في فترة زمنية ما، ومكان ما، لا يعني إنهاء تطورها, ان تجددها بأشكال مختلفة، هو بالتحديد ما يُعرف بالتاريخ، وإلا لانتهى هذا التاريخ منذ زمن.

الأديان والإيديولوجيات على اختلافها، ذهبت كلها باتجاه توقف التاريخ ونهايته، وما قاله فوكوياما عن “نهاية التاريخ”، في زمن انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط الفكر الماركسي، لم يكن استثناءاً، فالشيوعية نفسها، طرحت نهاية التاريخ عن طريق الحل النهائي لتناقض المجتمع، بامتلاك الطبقة العاملة للسلطة ووسائل العمل، وإنهاء صراع الطبقات.

الإسلاميون من جهتهم يطرحون مفهوم، أن كل مشاكل المجتمع يمكن حلها (إن طبق الإسلام الصحيح)، وكل الأيدولوجيات تقريبا، حملت نفس المفهوم لنهاية التاريخ، الذي يتوقف عندما نطبق هذه الأيديولوجية أو تلك، وتُحل كل التناقضات والمشاكل، ويتعايش حينها الذئب مع الغنم بحب ووئام، كما يحلم المنتظرون لعودة المسيح أو الإمام المُخلص، وكان ذلك قد بدأ من قبل مع أفلاطون وجمهوريته المثالية.

إلا أن الأصوليين الإسلاميين، ذهبوا إلى أبعد من ذلك، فهم يظنون أن التاريخ قد انتهى عند حقبة بداية الإسلام والخلفاء الراشدين، وأن العودة لهذا الزمن، هي التي ستنهي التناقضات وحل الإشكالات بشكل أبدي، وهذا هو نفس المبدأ الخاطىء المبني على عدم فهم التاريخ وتطوره، ما يدفع بشكل غير واعٍ، عن طريق إنهاء هذا التاريخ، نحو مجتمعات شبيهة بممالك النمل والنحل، التي ليس لها أصلاً أي تاريخ، وعلاقاتها الاجتماعية لا تتبدل مع الزمن.

إن تطور المجتمعات الإنسانية الدائم نحو تناقضات جديدة، وحلول جديدة، هو إذن المبدأ العام، الذي يجبر الإنسان على الفكر والعمل، والبحث عن حل تناقضاته أولاً بأول، وليس البحث دوماً عن حلول خلاصية أبدية، حالياً أو سابقاً أو مستقبلاً،  ليس للفكر الإنساني دور بوضعها، بل يقتصر فقط على تفسيرها .

لا فرق إذن بين فكر فوكوياما الليبرالي، بعد وهمه بانتصار الليبرالية ونهاية التاريخ، أو الفكر الشيوعي الماركسي لدى نجاح ثورة أكتوبر بروسيا، أو أصوليو الدين الإسلامي، الذين أوقفوا عجلة التاريخ عند القرن السابع الميلادي، كلهم واهمون، بامتلاكهم أدوات إنهاء التاريخ، ناسين تماماً أن ذلك يُبعدهم عن الحضارات الإنسانية العديدة، ويقربهم من عالم جامد متكلس لا يتطور.

 

 

لمن الأولوية للحقوق الوطنية أم للحقوق المدنية؟

 

لمن الأولوية للحقوق الوطنية أم للحقوق المدنية؟

د. نزار بدران

عندما يصل الفلسطيني حامل الجنسية الغربية إلى فلسطين المُحتلة، يُطلب منه تفسير سبب قدومه، وضرورة تركه لإسرائيل في مدة لا تتجاوز الثلاثة أشهر. أما الفلسطيني حامل وثيقة السفر، لا يحق له أصلاً الوصول إلى هذه الحدود، أو طلب أي شيء.

عندما يصل الفرنسي اليهودي فلسطين المحتلة، يُمنح “الحق الإلهي” بالبقاء كامل عمره.

عندما يطلب اللاجئ الفلسطيني المُهجر من اليرموك، العودة إلى وطنه، يُطلب منه الذهاب للبحر، للموت غرقاً، إن لم يمت قصفاً وجوعاً، ووطنه على مرمى حجر.

عندما يُطالب اللاجئ الفلسطيني المُهجر من لبنان، بالعمل أو التملك، وهو المولود بمخيمات الشتات، يُعلن الكثير من اللبنانيبن، أنهم خائفون من التوطين، وعلى مستقبل القضية الفلسطينية، وعليه أن يعود إلى وطنه، وفي انتظار ذلك، يُحرم من كافة حقوقه المدنية حماية لحقوقه الوطنية، وهذا منطق عجيب.

عندما تختلف دولتان عربيتان، يُطلب من الفلسطيني أن يُغادر فوراً أراضيهما، كما حصل في الكويت والعراق، وعندما يريد المصريون الحصول على وُد إسرائيل، يتبرعون بحصار غزة وخنقها، كذلك الأمر عندما تتحسن العلاقات التركية الإسرائيلية، يُطلب من الفلسطيني مباركة هذا التقارب ودعمه، والفلسطيني هو العربي الوحيد الذي يحتاج إلى تأشيرة دخول عند ذهابه إلى تركيا.

عندما تصول وتجول الجيوش الإيرانية بسوريا، يُطلب من الفلسطيني أن يُبرر ذلك، وإلا يخسر أي دعم من محور المقاومة والممانعة، مع أنها تقصف مخيماته وتشرده من جديد.

الكل يضطهد الفلسطيني، تحت شعار حب فلسطين والدفاع عنها، وبنفس الوقت يطلب الغطاء الشرعي لعمله، عن طريق رضاء الفلسطيني عنه.

لائحة حقوق الإنسان للعام 1948، الصادرة عن الأمم المتحدة، تنص على حق كل إنسان بالعودة إلى وطنه والعيش بحرية واحترام حقوقه، هذه الشعارات ليست قابلة للنقاش والمتاجرة، لذلك وجب وضعها كأولوية مطلقة، فانتهاكها هو انتهاك للمواثيق الدولية، والتنازل عنها، غير مقبول، ويتناقض أيضاً مع تلك المواثيق. هذه ليست مطالب وإنما حقوق واجبة.

يجب على حقوقيينا وأحزابنا وساستنا، أن يتعاملوا معها كما هي بالقانون الدولي، وليس كمادة للنقاش والأخذ والعطاء، كما نرى هذه الأيام، إزاء مشاريع حل القضية الفلسطينية، على حساب اللاجئ الفلسطيني، المهجر المظلوم والمحروم، من أقل حقوقه المدنية، لصالح النقاء العرقي لإسرائيل أو الطائفي للبنان أو التعصب والعنصرية في بعض البلدان، وهي سياسات مُحرمة دولياً، وغير قابلة للدفاع عنها.

إنه لمن غير المقبول أن يتنازل عن حقه كإنسان، بحجة الحصول على دولة أو كيان سياسي، فنحن نرى دولاً وكيانات ذات عواصم، يُدمر بها الإنسان ويُقصف ويُقتل ويُحرم من حقوقه، كما هو الحال في العديد من الدول العربية والإسلامية.

متى سيعرف الناس، أن الحصول على حقوقهم المدنية كبشر، والمؤكدة بالمواثيق الدولية ولائحة حقوق الإنسان، والتي وقعت عليها كل الدول، بما فيها لبنان وإسرائيل، هي بداية لتحرير الوطن، وليس نهاية له. فالوطن لا يُحرر بحرمان المواطن، ولا يُبنى على نهب حقوقه بالعيش الكريم، والصحة والتعلم والسفر والذهاب والإياب، ولن نحرر وطناً بجيش من العبيد.

الدفاع عن الإنسان، الكامن في كل فلسطيني وعربي، وحقوق الفرد الأساسية، يجب أن يكون أساس أي عمل سياسي أو اجتماعي، ولا يمكن بناء سياسات وأحزاب بدون هذا الأساس المُؤسس لكل شيء. لا تُبنى الحضارة إلا على القيم، واساس الحكم هو العدل، ولا يمكن بناء الحق على الظلم، وكما قال ابن رشد، أكبر فلاسفة المسلمين (الحق واحد لا يتجزأ).

 

مصادر شرعية السلطة بين الأمس واليوم

 

مصادر شرعية السلطة بين الأمس واليوم

نزار بدران

 

تغيرت مصادر الشرعية للسلطة على مر الزمن، وما زالت أشكالها تتعايش حتى اللحظة بين القديم والحديث، وهو ما يُميز الدول عن بعضها البعض، بالنسبة لمفهوم العلاقة بين السلطة والشعب المحكوم.

يمكن اعتبار المفكر والعلامة الإسلامي، ابن خلدون (1332-1406)، مؤسس علم الاجتماع، أول من وصف هذه العلاقة، عندما درس تاريخ الدول والإمبراطوريات، بما فيها الدولة الإسلامية، واستنتج أن المُستولي على الحكم، هو بالأساس غريب عن الشعب أو الشعوب المحكومة، ويظهر ذلك حتى من لغته، وفي بعض الأحيان من لون جلده، كما كان ذلك زمن المماليك، الذين حكموا مصر ووصلوا بلاد الشام وشمال افريقيا والشرق الادنى ( 1250 – 1517).

منذ وُجدت السلطات والدول، وحتى القرن الثامن عشر، كان يمكن التمييز بين نوعين من الشرعية، الأولى هي “الشرعية الغيبية” المستندة بشكل عام إلى الدين أو المُعتقدات الدينية، والثانية هي “شرعية القوة”، استنادا إلى أصحاب السلاح والعصبية، كما يقول ابن خلدون، الذين يحكمون الجمهور المُسالم غير المُسلح، والعامل المُنتج، والفلاحين ومجموع الموظفين والعاملين في القطاع العام والخاص، حيث يجري التعامل معهم كقطيع ضريبي ليس إلا.

الثروة في تلك الأزمان، كانت هي الإنسان أساساً، فالمناطق العديدة التي تكتظ بالسكان، مثل بلاد ما بين النهرين ومصر، كانت محط أطماع كافة العصبيات والسلطات الناشئة، من سَيطر عليها بُنيت حضارته، ومن يفقدها يفقد مصدر ثروته وغناه. فُقدان الإمبراطورية الرومانية لمنطقة الشرق، يُعتبر أحد أسباب انهيارها، ووصول الفتوحات الإسلامية لتلك المناطق، هو أحد أسباب عظمتها، وفُقدانها فيما بعد أدى إلى انهيارها.

قد تتعايش شرعية السلطة الدينية مع شرعية سلطة القوة، وفي كثير من الأحيان تختلطان وتمتزجان سوية، كما حدث عندما كان خليفة بغداد يملك ولا يحكم، والسلطة الحقيقية بيد أحد السلاطين السلاجقة (الدولة السلجوقية ما بين 1037-1157) أو غيرهم. القاسم العام لهذه الفترة الطويلة، هو غياب أي مصدر للشرعية استنادا إلى الناس المحكومين، الذين لم يكن يُنظر إليهم إلا كوسيلة إنتاج بشكل أساسي.

كانت هذه الوضعية مُسيطرة على العالم أجمع، من الصين إلى أوروبا، مروراً بالدولة الإسلامية. نظرية ابن خلدون المعروضة بمؤلفه الشهير “مقدمة ابن خلدون”، والتي قدمت لكتابه “كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر” لعام 1377، كانت نظرية صحيحة وتحليل صائب لهذه الأوضاع. الاطلاع على هذا الفكر المبدع في القرن الرابع عشر، وجب أن يكون وفق مناهج كل الراغبين بالتعلم والتعليم.

استمر تحليل ابن خلدون صائباً بشكل عام، في توصيف الامم حتى بداية العصر الحديث، والذي بدأ مع نهوض الحضارة الغربية، وبدء الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر ببريطانيا أولاُ، حيث اسست لها الثورة ألعلمية، ثم الثورة الاجتماعية والسياسية التي تبعتها في فرنسا. انتقل بعدها العنصر المؤسس للإنتاج، أي مصدر الحضارة والغنى، من الإنسان وحده إلى الإنسان صاحب الآلة المُنتجة، والتي أدت إلى مضاعفة هذا الإنتاج عدة مرات، وبذا أصبحت الآلة والمواد الخام المُشغلة لها، هي مصدر الثروة والغنى والحضارة، وهو ما نقل مركز ثقل العالم من الصين والشرق الإسلامي إلى أوروبا.

تزامن ذلك مع انتقال الشرعية، من المصادر الدينية أو العصبيات المسلحة (الفاتيكان أو الملوك والإقطاعيين) إلى الشعب ممثلاً بالثورة الفرنسية، والتي كانت رائدة وطليعة بناء دولة المواطنة وحقوق الإنسان، واضعة اللوائح المُؤسسة لها. لينتشر هذا النظام فيما بعد بكل أوروبا، وأصبح هو الشكل الثالث الجديد لشرعية السلطة.

تزامن نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، مع انتقال الحضارة ومعاييرها من الشرق الأقصى (الصين) والأدنى (المنطقة الإسلامية) إلى أوروبا، بمفهوم بناء دول تستمد شرعيتها من شعوبها، عن طريق الانتخابات، وتعيد ترتيب علاقاتها الاجتماعية على اساس الحرية الفردية. هذا النظام الجديد كان محط أنظار المفكرين المسلمين، ومسؤولي الدولة العثمانية، وهو ما ساهم بوضع قوانين مدنية في نهاياتها، خصوصاً زمن السلطان عبد الحميد الثاني. كذلك كان ذلك مصدر تفكير، لإصلاحيين إسلاميين مشهورين، أمثال الشيخ محمد عبدو والشيخ جمال الدين الأفغاني، اللذان اختارا باريس لإصدار صحيفتهما الإصلاحية “العروة الوثقى”. كذلك إصلاحيون آخرون، خصوصاً في شمال أفريقيا، أمثال الوزير خير الدين (أول دستور لدولة مسلمة وُضع بتونس عام 1861). والنقاشات التي كانت دائرة بباريس بنهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كانت تُنقل أيضاً إلى مصر والشرق العربي، عن طريق الشيخين عبدو والأفغاني وتلاميذهما، وكان النقاش أيضاً محتدماً، كما بفرنسا، بين المدافعين عن العلمانية والفصل بين الدين والدولة، والداعين لنظام إسلامي حداثي يتفق مع العصر.

أنتهى كل ذلك، بعد وفاة الشيخ محمد عبدو في عام 1905، وبدء الحملات الاستعمارية الغربية، الفرنسية والبريطانية، على مصر وشمال أفريقيا وغيرها. هذه الحملات التي كانت تهدف للحصول على مصادر المواد الخام، الضرورية لتشغيل آلات الدول الصناعية الناشئة بأوروبا. هذه كانت سمة العصر، حيث لم تعد السيطرة على مصادر الكثافة السكانية، هو هدف الحروب وإنشاء الإمبراطوريات، وإنما السيطرة على مصادر الثروات الطبيعية وتأمين طرق وصولها إلى أوروبا.

التأثر بالحداثة الأوروبية، والحضارة الجديدة التي قامت على احترام حق المواطن، وأولويته كمصدر للشرعية، بدل القوة العصبية أو الدين، انتهت مع الحملة الغربية، والتي أدت إلى تأجيج الحراك الوطني التحرري ضد ألاستعمار، وتأكيد المعايير الدينية لتثبيت الهوية الإسلامية أولاً، ثم المعايير القومية لتأكيد عروبة الشعوب في مرحلة لاحقة.

لم يعد بالإمكان في ظل هذا التناقض العنيف مع الغرب، أن يسمع أي صوت لنشأة دولة جديدة مبنية على المبادئ التي حملتها الثورة الفرنسية والغرب عامة، وهذا ما أنهى أي فكر حداثي او إصلاحي من قبيل ما كانت تنشره صحيفة “العروة الوثقى”، وأدخلنا فيما بعد إلى زمن الديكتاتوريات العسكرية القومية المُعلنة عدائها لكل ما هو غربي، بما في ذلك مفهوم الحرية الاجتماعية.

وضعنا الحالي، هو نتاج الماضي، كما حلله ابن خلدون، وشرعية حكامنا ما زالت تأخذ إما بمبدأ “الشرعية الغيبية” المستند مباشرة إلى النصوص الدينية (إيران، السعودية، المغرب…..الخ) أو شرعية العصبيات والعسكر، كما هو الحال في مصر أو سوريا. الشرعية التي مصدرها الشعب تكاد لا توجد، وإن وُجدت يُقضى عليها أو يحاول الآخرون إنهاءها، حتى لا تصبح مثالاً. قد تُستبدل شرعية المواطنة في بعض المناطق، بشرعية القبيلة أو العائلة أو الطائفة، وهي بالحقيقة عودة إلى “الشرعية الدينية” ومشتقاتها.

الآن وقد دحرت الدول الوطنية الاستعمار، الذي خرج من مصر وسوريا والعراق والجزائر وباقي الدول العربية (باستثناء فلسطين)، لم يعد بالإمكان الاستمرار، بالدفاع عن النظام الذي وصفه ابن خلدون قبل ستة قرون، وعدم اللحاق بموكب الأنظمة السياسية الحديثة التي حلت محلها منذ حوالي قرنين, والتي هي الوسيلة الوحيدة للحصول على الحرية والتقدم الاجتماعي والاقتصادي.

هزيمة اليابان بالحرب العالمية الثانية، وقصفها من طرف أمريكا بقنبلتين ذريتين، لم يمنعها بعد ذلك من إنهاء حكم الامبراطور، والانتقال إلى الحكم الديمقراطي، مع أنه كان نظام عدوها اللدود. وانهيار حكم بينوشيه بتشيلي، الذي جاء بانقلاب عسكري مدعوما من الغرب وتحديدا الولايات المتحدة، والشركات المتعددة الجنسية، لم يمنع هذه الدولة من اعتماد النظام الديمقراطي، وشرعية الشعب بدل شرعية العسكر، كذلك الأمر بالبرازيل والأرجنتين وجنوب أفريقيا الحرة، بعد أن هزم مانديلا نظام التمييز العنصري الغربي.

في بلادنا الآن، لا يفيدنا بشيء الاستمرار برفع راية العداء للغرب كأولوية مطلقة، بينما مئات الآلاف يهربون ويموتون من أجل الوصول إلى أوروبا، وإنما الذهاب نحو الاستناد للشرعية القادمة من الشعب، بدل تلك القادمة من الغيب والعسكر، والعمل لتغيير أوضاعنا وعدم القبول بمصادرة حرياتنا العامة والخاصة وحقوقنا، تحت رايات مزيفة من العداء للغرب والاستعمار ورفع رايات الممانعة، على ما هو حال النظامين الحاكمين في كل من إيران وسوريا.

إن البدء بترتيب الأولويات في النظر إلى التناقضات، لصالح البدء بالبيت العربي الداخلي، هي أساس لحاقنا بالعالم الجديد ودخولنا فيه، وإلا فسنبقى وحدنا نبكي حظنا العاثر، ونعيش في كنف نظرية ابن خلدون التي عفا عليها الزمن.

الخيار السليم في زمن الخيارات الصعبة

الخيار السليم في زمن الخيارات الصعبة

نزار بدران

يقول إينشتاين، أنه من الأسهل تفجير نواة الذرة من تغيير أحكام مُسبقة عند البعض، هذه الأفكار المُسبقة، هي التي تُحضر لاعتبار الآخر، غريباً عجيباً، يجب التخلص منه، مثال ذلك، العُنصرية المُتفشية في كثير من الدول، والتي تعتبر الأفارقة مثلاً، أقل ذكاءً ومقدرة، حتى ولو وصل باراك أوباما، الإفريقي الأصل، لرئاسة أكبر دولة بالعالم مرتين. فهذا حكم لن يتغير عند هؤلاء، ذوي الأفكار المُسبقة.

في بلادنا تُعتبر المرأة، أقل مقدرة على إدارة الشأن العام، أو تسلم الوزارات والمهام الاستراتيجية، حتى ولو رأينا ما تقوم به أنجيلا ميركل، وما أوصلت إليه ألمانيا، من تقدم اقتصادي وحضاري مذهل، تجاوز كل الدول الأوروبية الأخرى، التي يحكمها رجال. في بلادنا هذا المثل، كما يقول أينشتاين، لن يُقنع أصحاب الأفكار المُسبقة عن المرأة، بتغيير رأيهم، ولا ألف غيره.

الأفكار المُسبقة، وما يردفها من اعتقادات بالحقائق المُطلقة، إذا استشرت في شعب أو أمة، فهي ستؤدي بدون أدنى شك إلى التخلف، والخروج من عالم التحضر، ومن عالمنا كله، هذا العالم الذي يبني نفسه على مفهوم البحث والعلم والمعرفة والتجربة، وليس على حقائق مُطلقة وأفكارٍ موروثةٍ من الآباء وآباء الآباء والأجداد.

تطوير الفكر والذات، بحاجة إذن، إلى التخلص مما ترسب من أفكار وأحكام مسبقة، على الأشياء والأفعال والناس. وكي يتم ذلك، لا توجد إلا وسيلة واحدة، وهي العلم واكتسابه، والاطلاع على ما يقول ويفعل الآخرون، وانفتاح الذهن على كل شيء جديد، وعدم الانغلاق وراء أبواب العادات والتقاليد المُغلقة، منذ قرون.

من ناحية أخرى، يقع كثير من الناس في فخ الاضطرار للاختيار بين المتضادات، وهو ما نلاحظه بشكل مستمر، هذه الأيام بالصحافة والإعلام. فالخلاف بين إيران والسعودية، أو النظام السوري وأطراف المعارضة بالثورة السورية، يدفع البعض بناءً على أحكامه المُسبقة، ضد هذا الطرف أو ذاك، فنحن مع إيران لأسباب مذهبية، أو مع السعودية إن كنا ضد السياسة الإيرانية وطائفية حكامها، فيجد الإنسان نفسه، إما مُدافعاً عن الحكم السعودي أو آيات الله الإيرانيين، مُتناسياً حقه بل واجبه، بأن يكون له موقف مستقل، للاختيار بين الأضداد. هذا ما حدث في القرن الماضي، عندما وقفت دول أوروبا الغربية في وجه النازية، فذلك لم يعن إرتماءها في أحضان الشيوعية، بل استمرت في خياراتها المستقلة وسيلة للحكم الأمثل، بانتهاجها الخيار الديمقراطي.

لنا الحق أن نختار خياراً ثالثاً، بين الاستبداد بالسلطة أو التطرف الديني، انحيازا لخيار الديمقراطية ودولة المواطنة، التي صدحت بها حناجر المتظاهرين بالملايين، في ساحة التحرير وشوارع وعواصم العرب.

الوقوف مع النظام السوري، بحُجة أن بعض أطراف المعارضة السورية، متهمة بالتعاون مع المجموعات المتطرفة الدينية، أو السكوت عن إسرائيل وامريكا، أو اندفاعها نحو العمل المُسلح، بديلا للاحتجاج السلمي، كل هذا، لا يجب أن يدفعنا إلى دعم ديكتاتورية النظام السوري والعمل لإبقائه، الحل هو الخيار الذي حمله أطفال درعا ومئات آلاف المتظاهرين في بداية الثورة، وتغنى بها إبراهيم القاشوش (سوريا بدا حرية)، والداعي للديمقراطية والدولة التعددية، والرافضة للتطرف الديني، والمنتمية للأمة العربية.

الهدف أن نستنير بآراء الآخرين وتجارب الشعوب، والعودة لتاريخنا وتاريخ غيرنا (فالمسلمون لم يختاروا بين الفرس والروم)، حتى نستطيع أن نفكر بأنفسنا ولأنفسنا، وكي لا نقع ضحية الاختيار الاضطراري، بين السيئ والأكثر سوءاً.

كمثال يوضح ذلك ويتفق عليه كل الناس، هو التناقض بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، رفضنا لسياسة التنسيق الأمني، والتعامل من طرف السلطة مع إسرائيل، أو رفضنا لسياسة حماس بقطاع غزة، من طرف الكثيرين، لم يدفعهم لدعم إسرائيل، والوقوف ضد الشعب الفلسطيني. لذلك فرفض البعض، لأطراف بالمعارضة السورية، أساءت للثورة من خلال مواقف دينية متطرفة، قادمة من العصور الوسطى، لا يجب أن يدفع باتجاه رفض مطالب الشعب السوري بالحرية والديمقراطية، وحقه بالثورة على الظلم، بل على العكس، يجب العمل لدعم الأطراف التي تقف مع الديمقراطية والتعددية، حتى لو كانت أقلية. فالوقوف مع الحق هو الأصل، حتى ولو كان هذا الحق ضعيفاً، ليس له سند من الدول الكبرى، أو دول المنطقة المؤثرة.

نحن نستطيع إذاً، أن نكون مع الشعب السوري بثورته ضد الظلم، وبنفس الوقت ضد القوى الدافعة لتأسيس نظام ديني متعصب أو ما يسمى 2″دولة الخلافة”. إن لم نفعل ذلك، فماذا سنقول للأطفال الجوعى بمضايا وغيرها، ولملايين المُهجرين والغارقين بالبحر؟.

من واجبنا إذن، أن نفكر دائماً، قبل الانصياع للمعادلات التي تُفرض علينا؛ النظام المُجرم أو المعارضة المُتخلفة؛ إيران آيات الله أو الحكم السعودي، وهذا ما نفعله تلقائياً، بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية او حماس، حيث لا أحد يختار إسرائيل، وينسى عذابات الشعب الفلسطيني ولاجئيه.

لا يمكن للكوليرا أو الطاعون، أن يكون خياراً مقبولاً من أي عاقل، بل الصحة والعافية فقط، هي الهدف، مهما كانت الكوليرا فتاكة وسريعة الانتشار، ومهما كان الطاعون رهيباً، ترتجف من خوفه الأبدان، ومهما تكن استعادة الصحة والعافية، صعبةً ومُكلفةً في كثير من الأحيان.

الخيار السليم في زمن الخيارات الصعبة DOWNLOAD LINK

المجتمع المدني بين الألم والأمل

المجتمع المدني بين الألم والأمل

نزار بدران

يقوم الناس بتنظيم أمور حياتهم اليومية عبر ما يسمى عادة بمنظومة المجتمع المدني، أي الهيئات، الجمعيات، النقابات، الاتحادات المهنية وغيرها، والتي هي بالضرورة مستقلة عن المجتمع السياسي، أحزابا ودولة وسلطة قائمة.

المجتمع المدني هو مجموع ملايين البشر أفراداً ومنظمات مقابل المجتمع السياسي المُشكل من السلطة والأحزاب.

باعتقادي هناك ثلاثة نماذج من المجتمعات المدنية: النمودج الأول يتجسّد في الدول الديمقراطية وفيه تُحَدد السلطة والأحزاب سياستها بناءً على متطلبات وتوجهات المجتمع المدني وذلك لأن هذا المجتمع السياسي مؤهل لاستلام السلطة وقياداتها وهو لا يُمثل أكثر من 1-2 % من مجموع السكان ( مثلاً لا يتعدى عدد أعضاء الحزب الاشتراكي في فرنسا، وهو الحزب الذي يتولى السلطة، أكثر من مئة ألف عضو في أحسن الأحوال). هذه الأحزاب لها آذان كبيره مفتوحة دائما وموجهة نحو المجتمع فهي تحاول فهمه واستباق رغباته، هدفها أن تحصل على رضاه وأصواته الانتخابية ، وبدون هذه العلاقة الجدلية بين المجتمع السياسي قليل العدد والمجتمع المدني متناهي الكبر لا يمكن وجود حضارة، أي مجتمع منظم متوازن القوى، يحل مشاكله بالقانون والدستور المُتفق عليه من الجميع.

أما النمودج الثاني فهو المُغيّب لهذه الجدلية والذي ينزع إلى الدكتاتورية والاستبداد.

المجتمع السياسي في هذه الحالة وحزبه المُتولي للسلطة، أطرش، يصمّ تماماً آذانه عن سماع  المجتمع المدني. هذا الانفصال بين القلة في السلطة والأغلبية بالمجتمع المدني يؤدي في النهاية لفقدان المجتمع السياسي بكل أشكاله سلطة أو معارضه; بوصلة العمل المُتحضر ويتحول المجتمع المدني في هذه الدول الاستبدادية إلى قطيع ضريبي أي مصدر رزق للسلطة، حياته تقتصر على دور المنهوب مقابل السلطة التي تلعب دور الناهب، بطرق مباشره عبر فرض  الضرائب أو غير مباشر بعدم وجود قوانين نافذة  تحمي حقوق العامل والمواطن. في النظام الديمقراطي السلطة في خدمة المجتمع، أما  في النظام الثاني فالمجتمع في خدمة السلطة.

النمودج الأخير مُرتبط بتوفر الخيرات المعدنية والطبيعية في كثير من الدول الاستبدادية كالنفط وغيره، وهو الذي أدى إلى خلق هذا النوع الثالث من المجتمعات، حيث فيه السلطة ناهبة لهذه الثروات الطبيعية، وبهذه المعادلة يكون وجود المجتمع المدني بملايينه العديدة ليس ذا فائده ويصبح بحق عبئاً عليها. ولكنها مُضطرة للحفاظ على السلم المدني قدر الإمكان بأن تُعطي جزءا من هذه الثروات له. يذهب أصلاً كدعم نقدي وليس للإستثمار وبناء وتطوير البنية التحتيه . اعتماد بعض الدول على الثروة النفطية بشكل هائل مثل الجزائر والذي تُشكل ما يقارب 98 % من الدخل القومي، هذا يعني بأن عمل المجتمع المدني لا يتعدى 2 % فقط من هذا الدخل. تُشكل بعض الدول الخليجية الصغيرة بعدد السكان، استثناءً لما ورد، ولكن لا يمكن القياس عليها بسبب حجمها السكاني القليل واستخدامها الكثيف لليد العامله الأجنبية والتي قد يتجاوز عددها عدد  السكان الأصليين اللذين يقومون بدور الضحية.

في هذا النموذج تصبح الثروة الوطنية نكبة للشعب، ومصدر للحروب التي لا تنتهي والسرقة الدائمة فيما هو يبقى فريسة الفقر والمرض،  ومثال ذلك ما يحدث في الكونجو بإفريقيا بلد الذهب والألماس أو العراق بلد النفط منذ عشرات السنين أو نموذج جنوب السودان وتشاد حديثاً، السلطة المستبده بكل أشكالها ليست بحاجة إلى رعاية قطيع ضريبي حتى يستمر بالعمل ولعب دور المنهوب.  وقد أظهرت الدراسات المتعلقة بتنمية القارة الأفريقية أن خارطة الثروات الطبيعية تتقاطع مع خارطة الحروب )الكونجو ، جنوب السودان وأنغولا( وأن أكثر الدول نمواً وسلاماً هي التي تفتقر للثروات الطبيعيه ( السنغال..).

هذه الثروة  النفطية ذاتها  في إطار المجتمع الديمقراطي (النموذج الأول) هي إغناء له، فالنرويج مثلاً البلد النفطي الأوروبي المهم الذي استطاع أن يحتل المرتبة الأولى حسب المعايير الدولية في مجال التنمية الإنسانيه والديمقراطية ومجال الأكثر سلميةً وأماناً بالعالم. تم اكتشاف النفط في هذه الدولة في أواسط الستينيات واستُعمل على مدى خمسة وعشرين عاماً في بناء الدولة والمجتمع لتصل إلى ما وصلت إليه، بعد ذلك، وفي عام  الف وتسعمئة وتسعين قرر النرويجيون وضع الموارد النفطيه  كافة في حساب خاص خارج وطنهم لا يتم استعماله ويُسمى حساب الأجيال القادمة. يهدف إلى وضع ريع احتياطي لما بعد انتهاء الثروة النفطية. يُقدر هذا الحساب في كانون الثاني من العام  الفين واربعة عشر  بستمئة وسبعة مليار يورو أي ما يُعادل مليون كرون أو 120000 يورو لكل مواطن، وعليه فكل نرويجي هو الآن مليونير بالعملة المحلية. يستمر النرويجيون في العمل وصيد السمك والتصنيع مما يُغنيهم عن البترول، ولا يتم استثمار ريع النفط في صناعة الأسلحة ولا السجائر. ويُستثمر فقط من طرف الشركات المسؤوله الصديقة للبيئة والبعيده عن السرقة (بمفهوم المال الحلال عند المسلمين).

هذا هو الحكم الرشيد الذي كان يجب أن يحدث في الدول ذات الثروات الطبيعية كافة، هذا فعلا رمز وعي المجتمع المدني النرويجي الذي أفرز أحزابه الديمقراطيه والذي حدد لها مسارها وسياساتها، فأين مجتمعاتنا من ذلك.

الغنى والفقر ليس نتاج فعل الطبيعة وثرواتها وإنما هو نتاج حيوية المجتمع المدني ومقدرته على فرز ومراقبة مجتمع سياسي يأتمر بأمره. الأصل بالأمم في هذا الزمن هو الشعب. هو مصدر السلطة ومصدر القانون.

المجتمعات المدنية الأوروبية بُنيت وترعرعت بعد قرون من النضال واستطاعت أن تفرض مجتمعا سياسيا مُكملا لها. استطاعت فرنسا وألمانيا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أن تبنيا معاً نواة التعاون بينهما في مجال الحديد والفحم لبناء ما دمرته الحرب بعد أن تخلصتا من وضع سياسي فاشي ونازي، كان متناقضاً تماماً مع مفهوم ومطالب المجتمعات في دولها.

بدأ البنيان الأوروبي الحديث فوراً بعد الحرب عن طريق فتح الحدود أمام حركة الطاقة (الفحم) ومواد البناء الأساسية ( الحديد) وكأن هاتين الدولتين لم تخوضا حرباً ضروسا  بينهما مُخلفة ملايين القتلى. أولوية التعاون بعد الحرب غلبت على أولوية الانتقام والمصالح الحزبية وهذا ما سمح ببناء أوروبا الحديثة، والتي تعرف منذ أكثر من ستين عاماً سلاماً بين دولها المشاركة لم تعرفه منطقة اخرى في العالم.

كما نرى فإن تقارب المصالح من فتح الحدود وبناء الجسور بين الشعوب، هو الذي يقود إلى الرخاء والاستقرار وإنهاء الحروب.

المجتمع الأوروبي قوي جداً، تُعبر عنه الاتحادات والنقابات وكذلك الجمعيات المختلفة في أمور شتى، والتي لا تترك صغيره ولا كبيره إلا وأبدت رأيها فيها، وتحركت ضدها حين الضرورة، يكون ذلك من خلال الانتخابات أو المظاهرات والاعتصامات. السلطة والأحزاب في أوروبا لا تستطيع أن تستعمل اللعبة الديمقراطية لتمرير ما لا يريده الناس أو ما يعتبرونه متناقضا مع مصالحهم وقيمهم.

لقد صوت البرلمان الفرنسي في سنة 1984 على مشروع قرار تطوير وإعانة المدارس الخاصة الدينية، وهو ما أدى إلى خروج الملايين الذين اعتبروا ذلك انتقاصاً للعلمانية وفصل الدولة عن الدين مما اضطر الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتيران وحكومته إلى التراجع عن هذا القانون رغم أنه كان مُقراً من قبل البرلمان. حدث ذلك أيضاً في 2006 عندما اضطرت الحكومة الفرنسية لسحب قانون العمل الذي عرضه دومينيك دوفيلبان، رئيس الوزراء، على البرلمان تحت ضغط المتظاهرين. أيضاً في سويسرا يصوت السكان مرات عدة  في السنة على القوانين كافة وهو ما يعتبر فعلا ديمقراطية مباشرة.

هذه نماذج تُعبر عن قوة المجتمع المدني المنظم في الدول الديمقراطية. النظام الديمقراطي يسمح بكل تأكيد بوجود هذه المعادله المتوازنه ويعطي للوسط السياسي حق التعبير عن مصلحة الناس وحق قيادة الدوله بناءً على فهمه لحاجات مجتمع مدني واع وقوي ومراقب لتصرفات السياسيين، وليس فقط مجموعة من الناس تذهب كل أربع أو خمس سنوات للتصويت لانتخاب ممثليها ثم تعود إلى سُباتها.

في وطننا العربي لا يوجد عملياً تعبير حقيقي على المجتمع المدني، النظام السلطوي الاستبدادي هو نتاج ذلك وليس سببه، وكما قال الرسول الكريم ” كما تكونوا يُولى عليكم”، فمن يقبل الانتقاص من حريته يتحمل مسؤولية ما يحدث له. في بلادنا ذات التاريخ المجيد نجد شبه انعدام للمجتمع المدني بمفهومه المنظم (النقابات، الاتحادات الحرة المستقلة …الخ) وانفراداً للأحزاب بالسطو على مقدرات الأمه، وهنا نحن لن نفرق بين الأحزاب والقوى المتواجده بالسلطة أو تلك الموجوده خارجها وحتى عندما تكون بالمعتقلات. في بلادنا إن استولت قوة معارضه على السلطه فهي لتستبدل سلطه انفرادية بسلطه أخرى  مشابهة  دون الالتفات للمجتمع المدني.

نرى هنا أن انعدام المجتمع المدني المنظم لا يستطيع أن يُفرز إلا أنظمة استبدادية.

انظر إلى الأنظمة العربية في دولنا منذ الخمسينيات ترى أن كل التغيرات السياسية بالسلطه كانت سلطوية، ولم يكن هناك أي نظام ديمقراطي على مدى أكثر من 60 عاماً. نؤكد هنا من جديد أن السبب الأساسي في ذلك هو انعدام الرقابة الشعبية على الأحزاب عن طريق الانتخابات مثلاً، وانعدام مفهوم تطوير المجتمع المدني، لدى هذه الأحزاب وانفرادها وترفعها على الاستماع للجمهور، وهذا ما قد نسميه بالطرش السياسي للأحزاب والذي قد نضيفه إلى عمى المجتمع المدني، أي عدم وجود مجتمع مدني منظم.

حتى نتمكن من تغييير شيء في واقعنا، أرى أن علينا أولاً نحن المواطنين العاديين، المهنيين، و المثقفين… كتاباً وصحفيين ومفكرين، أن نبدأ في وضع أسس لمجتمع مدني عربي قوي كأولوية وقبل أي شيء، وستكون السياسه والأحزاب بعد ذلك تحصيل حاصل. يتوجب لذلك الابتعاد عن الشعارات الحزبية والاقتراب من الشعارات الاجتماعية، كمثال واضح على ذلك هو الثورة التونسيه في كانون ثاني 2010، والتي بدأت ربيع المجتمعات المدنية العربية. لم يرفع التونسيون شعارات العداء للإمبرياليه والاستعمار كقوى السلطة والمعارضه منذ عشرات السنين، وإنما طالبوا بالعدالة الاجتماعية وكرامة المواطن. لم نر في هذه المظاهرات حرقا لأعلام فرنسا المُستعمر السابق أو أميركا امبراطورية العصر وداعمة إسرائيل، هذه حقاً هي روح المجتمع المدني، تبقى تونس لنا مدرسة مند البداية وحتى الآن، حيث تراجعت الأحزاب (مثلاً حزب النهضه) أمام مطلب الناس بقانون مدني اجتماعي، وأفرز الحراك التونسي عن وجه جديد فيه الأولوية للمواطن وحقوقه وخصوصاً حقه في تحديد سياسة الدوله وأيضاً مراقبتها بكل الوسائل، بما فيها التجمعات، الاعتصامات والمظاهرات.

في الدول الديمقراطية تُقابل مطالب المجتمع المدني دائما من السلطه بالنقاش والأخد والرد. وتُحل المشاكل المطروحه بناءاً على مطالب الناس. في دولنا لسوء حظنا قوبلت مطالب المتظاهرين في دول الربيع العربي بالقنابل والرصاص والبراميل المتفجره، هذا العنف المُفرط أمام مطالب الكرامة والحرية من مجتمع يدل على مدى مصداقية هذه المطالب وحاجتنا لها.

قتل الآلاف وتشريد الملايين هو جواب السلطه الطرشاء على حراك المجتمع بعد أن رفع عن عينيه الغشاوة وبدأ بالنظر باتجاه آخر غير اتجاه ما تريده السلطة الناهبه أو الأحزاب له من شعارات فضفاضه لتحييده عن الحراك لاستعادة دوره الطبيعي كأساس تُبنى له وعليه ومن أجله كل الشعارات.

 

 

باريس 28/1/2015

 

 

 

الهجرة الى الغرب البحث عن النعيم ام الهروب من العذاب

الهجرة إلى الغرب

البحث عن النعيم أم الهروب من العذاب

نزار بدران

 

الهجرة وشغف البحث عن كل ما هو جديد واكتشاف عوالم مجهولة ذو معنى إنساني جميل، فلولا ذلك ما وُجدت الإنسانية، فأول المهاجرين هم أجداد أجدادنا من آلاف السنين والذين وُلدوا في أدغال أثيوبيا أو صحاري تشاد ليعمروا الأرض كلها وصولاً إلى آخر الدنيا.

بدأ المسلمون تقويمهم الزمني بالهجرة وأسموه بالتقويم الهجري، تيمناً بهجرة الرسول الكريم من مكة إلى المدينة، حلم المسلمين القلة المظلومة بدأ يتحقق بهذه الخطوة. لنصل إلى ما عرفه العالم من عظمة الحضاره الإسلامية أيام مجدها.

الحق في الهجرة والتنقل حق شرعي لكل انسان مهما كان سببه؛ فأرض الله للجميع، إلا أن قوانين الدول الوطنية تحُد من ذلك وتضع شروطاً للهجرة تحصرها فقط في مجال استيراد المعرفة والمهارات النادرة أو في إطار اللجوء السياسي إذا اكتملت شروطه. الهجرة إذا هي دائماً شرعية بالمفهوم الإنساني حتى لو كانت غير قانونية بمفهوم الدول.

اليوم يأخذ مفهوم الهجرة معنى مناقضاً في هذا االزمن، هو عذاب دائم وموت محتمل في أعماق البحر.

الوصول إلى سواحل أوروبا أصبح لدى كثير من الشباب هدفاً يستهينون بالموت من أجله، علماً بأن كتابنا ومفكرينا لا يألون جهداً في تفسير أوضاع المهاجرين وخصوصاً المسلمين في أوروبا، فهم يذكروننا دائماً بالعنصرية المتنامية والاعتداءات حتى القتل في بعض الأحيان. ناهيك عن منع المسلمين من ممارسة شعائرهم الدينية بحرية في هذه البلاد.

يذكرنا هؤلاء المثقفون دائماً باستعمارية الغرب وكيف وكيف….. الخ، مع ذلك فإن الآلاف بل مئات الآلاف يركوب البحر للذهاب إلى هذا العذاب المُنتظر، الذي تحول إلى مقبرة مائية.

أليس ذلك عجيباً  … ولكن كما قال المتنبي: “السيف أصدق إنباءً من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب”، وبكل تأكيد فإن هؤلاء الشباب والشابات، وهم في كثير من الأحيان، قرؤوا هذه التحاليل والمقالات عن الغرب، وازنوا بين نار أوطانهم والجنة الموعودة بالغرب الذين يسمعون ويقرِؤون عنها في أماكن أخرى غير صفحات هؤلاء الكتاب الأفاضل، استخلصوا أن من حقوق الإنسان الأساسية حق التنقل والسفر بحرية والعوده إلى أوطانهم متى شاؤوا يمارسونه بوسائل وبأوضاع غير عادية.

نرى هنا خمسة من أشكال هذه الهجرة مرتبطة بالعوامل الاقتصادية والسياسية، الشكل الأول هو  اللجوء الاقتصادي : اختفاء الاقتصاد الوطني في الغرب لصالح اقتصاد العولمة، لم ينعكس فقط على تنقل أو صناعة البضائع بل شمل أيضاً  العمالة،

فقانون العرض والطلب والسوق الحر المميز للاقتصاد الرأسمالي ينطبق بحذافيره على سوق العمل. أصبحت الوظيفة الشاغرة في مكان ما في هذا الاقتصاد الرأسمالي الغربي مفتوحة أمام أفضل من يستطيع أن يشغلها، خصوصاً عندما تشح الموارد الإنسانية الكافية لاشغال هذه الوظائف. مما أدى إلى وجود عدد كبير من الأطباء والمهندسين وغيرهم من ذوي الكفاءات العالية في مستشفيات ومصانع الغرب ، قدموا من بلادهم بشكل مُمنهج وعادي وبدون عوائق، وتُعرض عليهم في بعض الأحيان محفزات كتسهيل تعلُم اللغة والحصول بعد فترة معينة على الجنسية. هذا النوع الأول يسير بكل الاتجاهات بين الدول وحتى الغربية منها، فكثير من الفرنسيين مقيمون في بريطانيا (250 ألف  فقط في لندن) أو أمريكا. وكثير من الأوروبيين ذوي الكفاءات يعملون في دول الخليج العربي.

هذا الوضع العولمي الطبيعي أدى في بعض الأحيان إلى إفقار الدول النامية من الكفاءات وهو ما يُسمى بسرقة العقول. هذه المُعضله لا يمكن معالجتها إلا اذا قُدم للمواطن العربي المُتعلم نفس الإمكانيات التي يحصل عليها في الغرب، وفُتح له باب التطور العلمي والحرية في الإبداع والتي يجدها بسهولة في بلاد المهجر.

الشكل الثاني من الهجره هي الهروب من الفقر والحاجة للبحث عن مصدر رزق ولو كان قليلا في بلاد الآخرين، سببه الأساسي الفساد وغياب الحقوق في بلادنا، فالعامل وإن وجد عملاً فهو بأجر قليل، ويُحرم تقريباً من الحقوق المرتبطة بالعمل كافة كالضمان الاجتماعي والصحي له ولعائلته، التقاعد، العطله والتكوين المهني، الانضمام للنقابات المستقلة للدفاع عن حقوقه والتعويض في حالة البطالة.

هذه حقوق منهوبة يأخذها أصحاب العمل لتحقيق أكبر قدر من الربح دون أي رادع قانوني، فالفساد يعُم البلاد والعباد والقوي يأكل الضعيف، وهو الذي يضع قوانين هذا الغبن لصالحه دائماً، هذه الوضعية ليست مرتبطة بفقر الدولة أوغناها.بل بمقدار احتكامها لقوانين عادله.

لا تُحل هذه الإشكالية إلا عندما يصبح العامل مواطن بحقوق كاملة، كما هو الوضع في الغرب. الحاجة أو الفقر مضاف إليها ضمان الحقوق المأمولة في أوروبا هي إذن السبب الأول في ذلك النوع من الهجرة.

الشكل الثالث وهي هجرة جديدة خاصة بنا هذه الأيام ؛ وهم الهاربون من الموت و الذين يعيشون وعائلاتهم تحت القصف اليومي والبراميل المتفجرة والرصاص هم الضحايا المباشرون لهمجية مغول العرب.

هؤلاء يهربون ولا يهاجرون، إنقاذ النفس والأهل هو هدفهم، هم اللاجئون وقد تقطعت بهم السبل من يجدون الأبواب الموصده في وجوههم من يموتون جوعاً وبردا. وصولهم لأوروبا هو عرضاً وليس هدفاً بذاته، فهم يقعون فريسة تجار الهجرة بعد هروبهم من الموت ليلقوه في كثير من الأحيان من جديد وسط البحر، وهذا أيضاً مصير جزء كبير من الفارين من الفقر وانعدام الأمل من الشكل الثاني للهجرة.

الشكل الرابع هو اللجوء السياسي المميز بقمع المعارضين والهادف إلى تكميم الأفواه ، هجرة قليلة … ولكنها ترمزالى رفض السلطه لأي شكل من أشكال التعبير والنقد. بشكل عام تذهب تلك الهجره إلى بلاد الغرب ولا نراها إلا في الدول الكاملة الديمقراطية، وإن دل على شيء فإنه يدل على أهمية الديمقراطية كوسيلة لحماية المُضطهدين فكرا، وجزء أكبر من المعارضين العرب الإسلاميين لجؤوا إلى أوروبا وبشكل خاص إلى بريطانيا ولم نرهم متوجهين إلى الباكستان أو السودان. ولا ننسى أن جزءا من كتابنا ومن الصحافة الحرة ومواقع التواصل الاجتماعي لا تستطيع ممارسة مهنتهم كما يشاؤون إلا في العواصم الغربية وهو ما يُفسر نجاح هذا الإعلام المهاجر عند المواطن والقارىء العربي، ورُغم انتقاداتهم  اللاذعة  والمحقة في أغلب الأحيان للسياسات الغربية فإنهم لا يشعرون بالقلق على حرية عملهم. وإن كان هناك تدخلات فهي في مُعظم الأحيان تحت ضغط الأنظمة العربية لإسكات الأقلام الحرة.

الشكل الخامس التهجير الطائفي المُرتبط بالتخلف، وتلاعب السلطه الاستبدادية بمكونات المجتمع المُتعايشة منذ مئات السنين، لتحويل تناقض المجتمع مع السلطه إلى تناقض المجتمع مع نفسه، وتعطي السلطه نفسها دور حامي الأقليات والديار، مما يمكنها من الاستمرار بالحكم مطبقة المثل المشهور (فرّق تسُد).

غناء الأمه في تنوعها، التنوع الديني والعرقي والثقافي،إن الصفاء العرقي أو الديني هو مفهوم عنصري، لا يؤدي إلا للحروب والدمار. مثال الولايات المتحدة الأمريكية يؤكد هذا المبدأ، فهم تقريباً كلهم مهاجرون أتو من كل حدب وصوب، وما زالوا يستجلبون الناس من كل مكان.

الكثير من الدول انتقلت من موضع الدول المهجرة لأهلها إلى دول تستقطب الآخرين، مثال ذلك في اليابان في الخمسينات والتي كانت مُصدره للفقراء الذاهبين إلى الحُلم الأمريكي، وفي السبعينات والثمانينات كوريا الجنوبية بعد تحولها من الحكم العسكري إلى دولة كاملة الديمقراطية.

لن تنتهي معاناة هذه الأمة إلا إذا توحدت جهودها لإنهاء الظلم والاستبداد، وإقامة العدل والديمقراطية والتي ستسمح ببناء صرح الوطن بأيدي أبنائه جميعاً وبمساعدة موارده الطبيعية الهائلة واحترام حقوق الإنسان ووضع قوانين عمل توفر فرص عمل كريم وتحترم حقوق العامل.

أسئله كبيرة يجب أن نطرحها على أنفسنا، نحن أبناء هذه الأمة  ونجيب عنها من أوطاننا وأحوالنا. الظلم السياسي والديني والاجتماعي المُستشري عندنا هو الذي يجب أن يكون محل تحليل ودراسة الكتاب والمثقفين والمتعلمين.

بناء اقتصاد إنتاجي (مبني على عمل الناس) وليس ريعي (مبني على بيع ثروات الوطن)، هو الذي سيسمح بوجود فرص عمل واقتصاد متقدم حتى ننهي معاناة اللجوء والهجرة وتنقلنا من منظومة الرعايا عند السلطان إلى مفهوم المواطن مصدر السلطة.

مساحة الأرض العربية بثرواتها الضخمة وإمكانيات أبنائها الأوفياء ستصبح يوما ان شاء الله أندلساً يأتي إليها ولأجلها الآخرون مُهاجرون لأوطاننا بحثاً عن العمل والعيش الكريم.