فلسطينيو 1948 عنوان المرحلة المُقبلة

13/02/2016

 

فلسطينيو 1948 عنوان المرحلة المُقبلة

نزار بدران

في أجواء مناسبة اليوم العالمي للتضامن مع حقوق الشعب الفلسطيني في فلسطين المحتلة عام 1948 الذي أطلقته القيادات الفلسطينية في الداخل الفلسطيني في يناير/كانون الثاني من كل عام، عبر سلسلة اجتماعات لها في الناصرة وفي أم الفحم، انعقد تحت قبة مجلس الشيوخ الفرنسي، يوم الثالث والعشرين من يناير/كانون الثاني بباريس، ندوة مخصصة لبحث وضع فلسطينيي الداخل، أي عرب 48، تحت عنوان “فلسطينيو إسرائيل”. شارك في الندوة أكاديميون فرنسيون، وشخصيات عربية فلسطينية من الداخل، نذكر منهم النائب العربي بالكنيست، المُنتخب حديثاً على اللائحة الموحدة، السيد باسل غطاس، وكذلك الأب فوزي خوري من الناصرة، والباحث الفرنسي دومنيك فيدال، والمؤرخ الإسرائيلي الناشط غادي الغازي وبحضور السيد سلمان الهرفي، سفير فلسطين بباريس وغيرهم.

أظهرت هذه المُداخلات، والتي استمرت يوماً كاملاً، مدى الظلم الواقعُ على أهلنا في أراضي فلسطين 48. بدءا بعمليات التهجير القسري، منذ عام 1948 وآلياته، من استيلاء على الأرض، وتدمير للقرى، وفرض نظام عسكري، حتى عام 1966. كل ذلك يتناقض مع قرارات الأمم المتحدة بالشأن الفلسطيني. النكبة بهذا الإطار، ليست حدثاً، وإنما مساراً مستمراً لم ينته لحد الآن، كما قال المؤرخ الإسرائيلي  الناشط غادي الغازي، مُظهراً العمل الدؤوب من السلطات الإسرائيلية، لدفع الفلسطينيين إلى الهجرة، عن طريق التضييق على قراهم، وعلى وسائل حياتهم.

وبحسب هذا المؤرخ، فإن إسرائيل تتبع سياسة الكيل بمكيالين، عندما يتعلق الأمر بالقرى والتجمعات العربية، فالجنسية الإسرائيلية لا تعني لهم حق المواطنة المُرتبط باليهودية، وهذا فهم خاص بإسرائيل، فهي تحرم هؤلاء من الدعم المالي لتطوير مشاريعهم، والنهوض بقراهم وتحسين أوضاعهم الصحية، فالدعم المُقدم للتعليم، هو خُمس ما يُقدم للمواطنين اليهود. الاعتمادات البلدية هي تقريباً النصف. الأحصائيات الإسرائيلية منذ العام 2003 إلى العام 2013، تُظهر تراجع متوسط الدخل عند العرب. فمثلاً مُعدل دخل العامل العربي، أقل من أربعين بالمئة من دخل نفس العامل الإسرائيلي اليهودي (حوالي الثُلث).

التضييق على القرى والتجمعات الفلسطينية، ظاهرٌ بوضوح، ويُخططُ له بحيث يدفع الفلسطينيين للخروج، ويُحضر بنفس الوقت، تطور التواجد اليهودي، مثال ذلك قريتا ميتار اليهودية وحورا العربية، المتواجدتان بشمال النقب المتجاورتان، قرية ميتار اُنشئت عام 1984 بجانب حورا. تُظهر الإحصائيات أن عدد سكان حورا العرب، هم 17 ألف نسمة، وسكان ميتار اليهود 6600 نسمة، أي أقل من النصف، بينما معدل الدخل للتجمع اليهودي هو 13524 شيكل شهرياً، مُقابل 5245 شيكل للعرب، أي أقل من النصف. من ناحية أخرى، مساحة الأرض التابعة للبلدية اليهودية، تُعطي كل ساكن 0.25 هكتار، بالمُقابل يُعطى 0.04 هكتار للمواطن العربي، أي أقل من الخُمس، هذا ما يعني، أن إمكانيات القرية العربية للتمدد واستيعاب التطور الطبيعي للسكان شبه مستحيلة (أُنظر الخارطة)، مقابل الإمكانيات المهولة للتمدد بالمستوطنة الإسرائيلية، هذه الحالة تبين مفهوم النكبة المُستمرة، وليس النكبة الحدث، أي التضييق المُستمر على العرب والتحضير المُستمر للتوسع الاستيطاني داخل إسرائيل نفسها.

التاريخ يؤكد ذلك، فبين عام 1948 و1950، تم طرد ما بين 80-85%، من البدو الفلسطينيين من ديارهم، والذين أُجبروا على البقاء بمنطقة تُسمى “السياج”، لا يستطيعون تعديها، واستمرت عملية التهجير لهم حتى عام 1960. التضييق على البدو لم يتوقف، فمع خطة برافر Prawer، لعام 2013، تم ترحيل 40 ألف مواطن ومصادرة أراضيهم، والذي حُددت لهم أماكن تواجد جديدة بشمال النقب، وذلك بهدف تدمير أماكن تواجدهم، كقرية أم الحيران وقرية عتير، تلك القرى الفلسطينية البدوية، والتي يُخطط الإسرائيليون، لبناء مستوطنة باسم حيران مكانها، هم يحضرون لذلك منذ خمس سنوات، بإقامة بؤر استيطانية عشوائية بجوارها، ولم تُفلح المساعي لمنع ذلك، وخصوصاً بعد رفض المحكمة العليا الإسرائيلية هذه الدعاوي.

من الجدير ذكره أن المحكمة اعترفت بأن أهالي أم الحيران لم يدخلوا أراضيهم بشكل غير قانوني، وإنهم يسكنون في وادي عتير، بأمر من الحاكم العسكري الإسرائيلي، في عام 1956، حيث أمرهم بالانتقال للمرة الثانية إلى “وادي عتير”، بعد أن كان نقلهم أول مرة إلى قرية “اللقية” في النقب.

الناظر إلى خريطة فلسطين، يرى بوضوح، أن السياسة الإسرائيلية الاستيطانية المُستمرة، منذ النكبة داخل فلسطين 48، هي نفسها تلك المُمارسة بالضفة الغربية، أو ما يُسمى بالأراضي المُحتلة، فقرية “سوسة” الفلسطينية بالضفة لا تفصلها عن القريتين المذكورتين، داخل أراضي 48 إلا الخط الأخضر، وهي نفسها مُهددة بالزوال، لإقامة مستوطنة مكانها، هي إذن نفس السياسة الصهيونية المستمرة منذ نشأة إسرائيل، ووجه الاختلاف الوحيد، كما يقول المؤرخ الغازي، هو استعمال الجيش الإسرائيلي، في أراضي الضفة الغربية، مُقابل “البوليس الإسرائيلي” داخل أراضي 48. هذه المقاربة بين الوضعين تبين أن الشعب الفلسطيني بكل أماكن تواجده داخل فلسطين هو هدف إسرائيليٌ للترحيل، وأن السياسة الصهيونية الاستيطانية، هي ذاتها منذ بدء النكبة.

المُتابع للسياسة الإسرائيلية، في مجال الاستيطان، يرى بوضوح، اتجاه إسرائيل الدائم نحو سياسة ثابتة منذ البدء وتتجذر يوماً بعد يوم، يلعب بها دعاة الاستيطان والمستوطنين، دوراً يزدادُ كبراً، يمكن القول، أن المستوطنين كانوا يُستعملون بالماضي، لدعم سياسة الحكومة وتبريرها، أما اليوم فهم يُشكلون الحكومة أصلاً، ويُحددون مساراتها. بموازاة ذلك، يزداد الرأي العام الإسرائيلي تطرفاً، في مجال الاستيطان، فزيادته هو الرد الدائم على أي تهديد مزعوم، من الداخل أو الخارج.

دولة عميقة وسلطة منتخبة

المؤرخ والناشط الإسرائيلي، غادي الغازي، يرى أن هناك دولة إسرائيلية عميقة، بغض النظر عن السلطة المُنتخبة، تسير دوماً نحو المزيد من الاستيطان، وطرد السكان العرب. قوى هذه الدولة، مُشكلة من الجيش والوزارات جميعها، والجهات المانحة الصهيونية، والوكالة اليهودية، والمؤتمر الصهيوني العالمي، هذه الأطراف الخمسة، تتحالف مع الحكومة، ومع الحركات الاستيطانية، لتقوية الاستيطان واستمرار المشروع الصهيوني.

مهمة الجيش واضحة، في حصار القرى العربية وتنفيذ الاستيطان، كل وزارة لها مُساهمة إدارية في هذه الوضعية، بغض النظر عن سياسات الدولة، المؤسسات المانحة العالمية الصهيونية، تقوم بجمع المال الضروري للمستوطنات داخل إسرائيل، كذلك الوكالة اليهودية، تفعل ذلك للمستوطنات في الأراضي المحتلة عام 67. المؤتمر الصهيوني العالمي يُعطي كل ذلك الإطار الإيديولوجي، بادعاء الهاجس الديمغرافي، وتزايد عدد السكان العرب، بوتيرة أكثر من السكان اليهود.

هذه التركيبة للدولة العميقة، تعمل بشكل شبه مستقل، عن الحكومة الإسرائيلية المُنتخبة، ومن هنا هي تُشكل تناقضاً مع مفهوم الديمقراطية بالحكم، لعدم خضوعها لأي سياسة رسمية أو رقابة. فهي تتصرف كالجمعيات غير الحكومية ذات الاهداف والتمويل والتنفيذ المُستقل، وأكبر مثل على ذلك، ما يحدث حالياً بالنقب، حيث يُباع حُلم الاستيطان هناك، كمادة تجارية ترفيهية، خارج أي اعتبار سياسي أو عقائدي، إنساني أو رسمي.

انتصار الصهيونية هو عندما استطاعت اختطاف الدين اليهودي، وربطه بمآرب سياسية، وهو أيضاً نقطة ضعفها، لأن الحركة الصهيونية، قدمت نفسها كحركة سياسية قومية علمانية، لرفع الظلم عن اليهود، ولكنها بررت إقامة دولة إسرائيل، على مبدأ ديني توراتي، لا يتوافق مع مبدأ العلمانية المُدعى، ولا مع مبدأ الدفاع عن المضطهدين.

التنوع يزعج الإسرائيليين

الأب فوزي الخوري من الجليل، بيّن محاولات الساسة الإسرائيليين، لتقسيم عرب 48، إلى طوائف مختلفة، بهدف محو هويتهم الفلسطينية الموحدة، مؤكداً أن المسيحيين يستقبلون بمدارسهم، ما بين 40 إلى 60% من الطلبة المسلمين، وأن النتائج الدراسية للطلاب لهذه المدارس، على مستوى إسرائيل، أفضل من المدارس الإسرائيلية نفسها. هذا التنوع يزعج المسؤولين الإسرائيليين، وهم يحاولون لذلك الضغط على هذه المدارس الخاصة، أو إعطاءها صبغة مسيحية فقط، وتسميتها بالآرامية، وهو ما رفضه الأب الخوري، وكافة القوى الفلسطينية المسيحية، وتضامن معها كل المدارس العربية الأخرى. دعم هذه المدارس، ضروري حالياً، لمواجهة الضغط الإسرائيلي لإبعادها عن بُعدها الوطني الفلسطيني.

تدخل السيد دومنيك فيدال، المؤرخ والصحفي الفرنسي، وعرض بإسهاب آليات العمل الصهيوني، والتي أدت إلى قيام إسرائيل، وهي تتناقض تماماً مع القرارات الدولية، بما فيه قرار تقسيم فلسطين عام 47، حيث أن نسبة السكان العرب للدولة الإسرائيلية الناتجة عن هذا التقسيم، كانت تُعادل عدد سكان اليهود تقريباً.

إسرائيل استعملت وبشكل مُمنهج، سياسة طرد الفلسطينيين، وقد ثبت تاريخياً زيف مفهوم خروج الفلسطينيين التلقائي بناءً على نداءات وُجهت لهم من قياداتهم ومن الدول العربية، فقد قام مؤخراً ما يسمى “المؤرخون الإسرائيليون الجدد” الذين يرفضون الانصياع للرواية الرسمية امثال “بني موريس” و “ايلان بابي” و”افي شلايم” ، بدراسة الأرشيفات علميا بعد فتحها للعموم، وبينوا أنه لم يوجد أي تسجيل صوتي للاذاعات العربية المسجلة عند ال “ب ب سي BBC”، أو أي وثيقة مكتوبة، تُثبت هذه الادعاءات.

يُقدر عدد المهجريين الذين خرجوا برضاهم حوالي 15% من السكان المليون ونصف في زمنه، يمثلون بشكل أساسي، البرجوازية المحلية أو المقيمين بفلسطين من الدول المجاورة، وتظهر الأرشيفات الإسرائيلية أن حوالي 85% من المُهجرين قد هُجروا بفعل عنف المجموعات المسلحة الإرهابية كالهاغاناة أو الأرجون، والذين لم يتوانوا عن طرد 400.000 فلسطيني بالدفعة الأولى من التهجير ما بين تشرين ثاني 1947 (قرار التقسيم) وحزيران 1948 (بضعة اسابيع بعد اعلان اسرائيل). واستمر ذلك فيما بعد بطرد وبتهجير 70.000 فلسطيني من اللد والرملة , وبحسب هؤلاء المؤرخين الجدد، كان ذلك بأمر من دافيد بن جوريون وايجال الون والضابط الشاب….اسحاق رابين.

تُبرر إسرائيل سياستها تجاه المواطنين العرب، بالقوانين العثمانية والبريطانية زمن الانتداب، فهي تُطبق قانوناً عثمانياً يُحول أي أرض لم تُزرع أو تُستغل، لمُلكية السلطان، تحت هذا البند، تُصادر إسرائيل كل أرض تعتبرها غير مُستغلة بما فيه الكفاية، وعلى صاحبها أن يُثبت دائماً عكس ذلك، وهو ما يصعب في كثير من الأحيان.

القانون زمن الوجود البريطاني، أعطى حكومة الانتداب الحق بمصادرة أي أرض لأسباب أمنية، بدون إعطاء أي تبرير، وهو ما تستعمله إسرائيل بشكل متزايد حالياً، لمصادرة أراضٍ كثيرة.

بن غوريون وحلم التهجير الكامل

لم يكن التهجير فقط زمن الحرب العربية الإسرائيلية، وإنما أيضاً بعد انتهائها، وذلك عن طريق طرد سكان شمال فلسطين، والتهجير الداخلي لبدو النقب. ولأسباب استراتيجية ذات علاقة ببريطانيا ودعمها لإسرائيل، لم يجر تهجير الفلسطينيين المسيحيين بنفس الكثافة، وهو ما يٌفسر بقاء مدن ذات أغلبية عربية مسيحية بشمال فلسطين كالناصرة. وفي زمنه، عبر بن غوريون عن غضبه، عندما زار شمال فلسطين، ورأى العرب وهو الذي كان يأمل أن يُهجروا جميعا، رغم خوفه من إزعاج حلفائه البريطانيين.

كذلك الأمر بالنسبة للدروز، والذين لم يُهجروا، وحُولوا إلى مجموعة سكانية تقبل التعامل مع السلطة الجديدة، هذا الوضع لم يؤمِن لهذه المجموعة السكانية، المساواة مع السكان اليهود، وما تزال الخدمات للقرى الدرزية، أقل منها من التجمعات اليهودية. نسبة الدروز داخل إسرائيل، قد لا تُشكل 2% (118000)، ولكن قتلاهم بحرب غزة الأخيرة، تجاوز العشرين بالمئة، وهو ما يبين أنهم يُستغلون فقط بالمهام القتالية الصعبة، بدون أن تستفيد من ذلك طائفتهم، وهو ما يُفسر مؤخراً، بوجود حراك درزي، مطالبٌ بحقوق مدنية وبالمساواة، وقد لا يدوم طويلاً منع هذه الطائفة من الانتماء لقوميتها الأصلية.

محاولات الحكومة الإسرائيلية، لتقسيم العرب لطوائف دينية أو عرقية، باءت بالفشل، وخصوصاً مع المسيحيين، كما ذكر الأب الخوري، والذين رغم بعض الأصوات الشاذة، لم يقبلوا الانسلاخ عن النسيج العربي. حتى إن ظهور وتنامي التيار الإسلامي الوطني، لم يُغير هذه المعادلة، فالانتخابات الأخيرة، أثبتت أن الصف العربي الموحد، يستطيع بتجميع كافة اتجاهاته وقواه، أن يُفشل السياسات الإسرائيلية، فقد حصلت اللائحة الموحدة على 13 مقعداً بالكنيست الإسرائيلي، وأصبحت بذلك المجموعة الثالثة. توحد هذه اللائحة العربية، كان أصلاً، رداً على رفع نسبة الحسم بدخول الكنيست إلى 3.4%، والذي كان سيؤدي، لو لم تتوحد كل القوى، إلى انعدام وجود أي تمثيل عربي تحت قبة الكنيست، وذلك رغم التدخل المباشر لنتنياهو بالحملة الانتخابية.

صراع الغريزة والبراغماتية

في مداخلته المهمة، بين النائب باسل غطاس، أن إسرائيل تُكرس حقوق اليهود القومية، حتى ولو لم يكونوا مقيمين (قانون حق العودة)، هذا ينعكس على كافة مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية للتجمعات العربية، واضعة إياها بالمراتب الخمس الأخيرة لمستوى التطور، بحسب معيار مركز الإحصاء الإسرائيلي المُكون من عشرة مراتب، و 90% من هذه القرى توجد بالمرتبتين الأخيرتين، هذا في تناقض واضح، مع التزامات إسرائيل أمام منظمة التعاون والتطور الاقتصادي “ocde”، حيث أقرت قبول إسرائيل كعضو بها في مطلع عام 2010.

لم تُحقق إسرائيل ما التزمت به من تطوير هذه القرى، ورفع مستواها الاجتماعي والاقتصادي. هذه السياسة قد تتناقض مع مصلحة إسرائيل نفسها، لأن إفقار النسيج العربي، والذي يُشكل حوالي 20% من السكان، سيُفقر إسرائيل نفسها، ولكن القوى اليمينية العقائدية، لا تريد للعرب أي خير، فهي لا تبحث عن إدماجهم بالمجتمع والاستفادة من عملهم، وإنما تسعى لترحيلهم للخارج، وتحقيق نقاء الدولة اليهودية.

وأضاف السيد غطاس، أن هناك في إسرائيل صراع بين الغريزة الدافعة لإضعاف العرب، والبرغماتية التي تذهب في الاتجاه المُعاكس، لذلك لم تستطع الحكومة الإسرائيلية، إقرار مشروع الخطة الخماسية لتطوير القرى العربية، بعد ثلاث جلسات عاصفة للحكومة.

الخطاب العنصري يزداد، وبمشاركة نتنياهو نفسه، والذي حذر الإسرائيليين، من إقامة دولة داخل الدولة (يعني الأقلية العربية)، ودعا في الانتخابات الأخيرة، بنفسه المنتخبين اليهود، إلى الذهاب إلى صناديق الاقتراع بكثافة، ليواجهوا بحسب تعبيره، جحافل المصوتين العرب، في تدخل غير مسبوق في تاريخ الانتخابات الإسرائيلية.

الأحزاب السياسية، المُمثلة للأقلية العربية، أصبحت أكثر نضجاً وفعالية بتعاملها في الداخل، وأيضاً في الأوساط الدولية، واستطاعت أن تنقل حقوق المواطن الفلسطيني داخل إسرائيل من خانة المشاكل الداخلية، كما تريد إسرائيل، إلى خانة القوانين الدولية، خصوصاً حقوق الإنسان، تلك المعاهدة التي وقعت عليها إسرائيل. تدويل قضايا عرب الداخل، أصبح أمراً مفروغاً منه، خصوصاً بعد طرح مشروع الدولتين، أو مشروع الدولة الواحدة.

حملات المقاطعة الاقتصادية والعلمية والأكاديمية لإسرائيل، لها تأثير كبير، وليس فقط على المستوى المادي الاقتصادي، ولكن للفزع الذي تبثه هذه المقاطعة، بين الأوساط العلمية والأكاديمية، والمجتمع المدني خشية عزلهم عن العالم، وهذا ما يبدو واضحاً في اجتماعات الهيئات ذات العلاقة، داخل المؤسسات الرسمية الإسرائيلية. وبحسب النائب غطاس، يبتعد حل الدولتين أكثر فأكثر، منذ اتفاقيات أوسلو، فقد نسفته إسرائيل عن طريق فرض أمر واقع جديد، وهو الاستيطان.

فلسطين عنوان المستقبل

المستقبل لا ينبئ بخير أو تغيير بهذه السياسة، فمنذ عام 2002، يحكم إسرائيل أحزاب يمينية متطرفة، ويحكم نتنياهو بشكل مستمر منذ سبع سنوات، وهو لا يواجه أي منافسة جدية، داخل حزبه أو الأحزاب المنافسة، ولا يُتوقع حدوث انتخابات سريعة قبل العام 2018، ولا يُتوقعُ حتى لو حدثت انتخابات جديدة، مع بديل حقيقي، أن يحدث تغيير ما بالسياسة الإسرائيلية، دليل ذلك ما قاله هيرتزوج، زعيم المعارضة العمالية الإسرائيلية بباريس، قبل أيام قليلة للرئيس فرنسوا هولاند ووزير خارجيته لوران فابيوس، بعدم إمكانية حل الدولتين، طالباً التراجع عن هذا المطلب، وكأنه مبعوث شخصي لرئيس الحكومة. وفي الحقيقةً الاحتلال لا يُكلفُ إسرائيل شيئاً، بل على العكس، يفيدها اقتصادياً.

على المستوى الفلسطيني، أضاف غطاس، بأن فشل محاولات التقريب والوحدة الداخلية بين فتح وحماس، مضاف ٌ إليه فقدان الشرعية الشعبية الملموس بالشارع الفلسطيني، تجاه هذه الأحزاب والسلطة، وفشل مشروع إقامة دولة فلسطينية، أو إيقاف الاستيطان، أو حتى إيقاف الاعتداءات على الأقصى الشريف، كل هذا يدفع الشباب الفلسطيني، للبحث عن حلول جديدة، قد تُسمى انتفاضة ثالثة أو هبة سلمية، وهذا كفيل بخلق أوضاع وحقائق جديدة، قد تسمح بتغيير الوضع الراهن.

الأوضاع الداخلية الفلسطينية المتدهورة، مضافٌ إليها استمرار المشروع الاستيطاني الصهيوني، مدعومٌ بالدولة العميقة، بما فيهم اللوبي الصهيوني واللوبي المسيحي الأصولي بأمريكا، لا يمكن أن يتغير إلا إذا أقر المجتمع الدولي، بضرورة التعامل مع الإستيطان الإسرائيلي، كما تعامل مع الخطر النووي الإيراني، والذي تم احتواءه وتحجيمه، عن طريق المقاطعة والمؤتمر الدولي، بمشاركة دول 5+1.

الدور الأوروبي مهم جداً، ليس لأنه فعال، ولكن لأسباب أخلاقية، فإسرائيل هي نتاج السياسات الأوروبية البريطانية والفرنسية خصوصاً، هي إذن مسؤولية الأب تجاه ابنه، وضرورة التدخل لردع هذا الابن، وهذا ما لا تفعله أوروبا حالياً.

كما رأينا فإنني أظن، أن السرد التاريخي يُظهر الآليات التي قامت بواسطتها إسرائيل، وإن مفهوم الاستيطان والتضييق على الفلسطينيين، هو القاسم المُشترك منذ البدء، وأن ذلك مُستمر بالأراضي التي اُحتِلت عام 1967، ولكن أيضاً مستمر بنفس الوتيرة في أراضي الداخل. لذلك فإنه لا يجوز تجزئة النضال الفلسطيني، بين أراضي 48 وأراضي 67.

إن فشل العمل الفلسطيني التقليدي الرسمي بألتمكن من استعادة كرامة الشعب الفلسطيني وحقوقة المعترف بها دوليا, يفسر الاتجاه نحو طرح فكر جديد يجمع طاقات الشعب الفلسطيني بكل اماكن تواجده، مبني على مفهوم حقوق الانسان ورفض التمييز الديني او القومي وقيم الانسانية الحديثة، مستفيدا من تجربة نلسون مانديلا وشعب جنوب افريقيا. على أن نزع الطبيعة الاستيطانية لإسرائيل، لا ينتهي إلا بالنضال الفلسطيني على الأرض، وتغيير المواقف الدولية، وهذا سيكون عنوان المرحلة المُقبلة.

طبيب وكاتب عربي مقيم في باريس

حلب برعم الأمل

 16/08/2016

حلب برعم الأمل

د. نزار بدران
تتحقق تحت أنظارنا معجزة حقيقية، عندما تنعكس موازين القوى لصالح الضعيف ضد القوي، قد لا يدوم ذلك، ولكن حدث كسر طوق الحصار عن حلب، من المقاتلين المُحاصرين، بوجه آلة حرب جبارة، بقيادة دولة عظمى كروسيا، لن يمر بدون نتائج سلبية على التحالف الروسي الإيراني السوري.

حلب حُوصرت لأول مرة من قِبل المغول، عام 1260م، وقُذفت بالجثث الموبوءة بالطاعون من قِبل هولاكو لنشر الوباء، ولكن هؤلاء، رغم تحالفهم مع الفرنجة وبعض ملوك الشرق، لم يتفادوا الهزيمة واندحروا بعين جالوت، وتاه جنودهم بالصحراء السورية، وماتوا جوعاً وعطشاً.

أبطال حلب المحاصرين؛ مقاتلون ومدنيون، لم يقبلوا بالعرض الروسي، بممرات آمنة لقنصهم، وفرض الاستسلام عليهم، بل ما حدث هو دفع الطرف الآخر المُحاصر، إلى الاعتراف بالهزيمة ولو مؤقتاً، هزيمة جالوت أمام داوود.

كيف حدث ذلك، وما هي الأسباب؟ كثيرون سيكتبون الآن ولاحقاً عن ذلك، ولكن ما يهمنا هو معنى هذا الصمود، ودور القوى المناضلة من أجل الحرية على ساحة الأرض العربية لنصرته. فصمود حلب هو نقطة البداية، لوقف موجة الثورة المضادة في العالم العربي، والتي وضعت حداً للربيع العربي، لم ينج منها مؤقتاً حتى الآن إلا تونس.

صمود النظام السوري، والدعم الهائل الذي يحصل عليه، مع تواطؤ واضح من أمريكا وإسرائيل والغرب، سمح بارتداد موجة الربيع العربي إلى الخلف، وهو ما بدا واضحاً في كل دول الربيع، من مصر إلى ليبيا واليمن والبحرين والعراق، هو إذن موجة ردة، متقدمة هادرة، أغرقت الأمة بالدماء والدمار، وفتحت الأبواب للقوى الظلامية لتجد لها موضع قدم.

التدخل الروسي لإنقاذ النظام السوري، الذي لم تستطع إيران وميليشياتها إنقاذه، كان من المفترض به أن يُؤتي أُكله، كما حدث بجمهورية الشيشان سابقاً، وهي الأقرب نظرياً، للمثل السوري، فسوريا لا تُشبه أفغانستان، التي في زمنها كان مجاهدوها الإسلاميين، وبكل أطيافهم معتدلين ومتطرفين، مدعومون من كل الدول الغربية والعربية والإسلامية وعلى رأسها أمريكا، ولم يكن يهمهم التطرف الديني لهؤلاء المجاهدين، ما داموا قادرين على استخدامهم واستثمارهم ضد السوفييت.

كان على بوتين أن يتعلم، من حصار ستالينغراد، فرغم قوة الجيش النازي السادس المُحاصر لهذه المدينة، إلا أنه وقع بدوره في فخ حصار آخر من الجيش الروسي الناشيء، وأجبره على الاستسلام ملحقا به الهزيمة.

الفشل الروسي لحد الآن، وهزيمة حلب الأخيرة، أمام حفنة من المقاتلين وصمود شعب حلب البطل، قد يكون نقطة البداية، لوقف موجة الارتداد الثوري العربي، وإعادة شيء من الحياة والأمل إلى تلك الجماهير المعذبة، بالرمادي والفلوجة والموصل وميدان التحرير وميادين الاعتصام بصنعاء وغيرها من العواصم. كل هذا بالتزامن مع ربيع تركي عارم، أظهر أن الشعب الموحد، بكل اتجاهاته، قادر على قلب كل المقاييس والمعايير رأساً على عقب.

نحن إذن في فترة الأمل بعد اليأس، أمل صغير وضعيف، ولكن البداية دائماً هكذا. نصر حلب هو أمل عودة الروح للأمة جمعاء، وهو ما يفرض عليها وعلى قواها المناضلة من أجل الحرية والديمقراطية، أن تنهض من جديد في كل أقطارها، وتسترجع الأمل في إمكانية التغيير من الأسفل، أي من الشعب، بدون انتظار القادة الملهمين، كما رأينا بحلب وتركيا، علينا إذن الدفع والعمل، لنشر ثقافة الصمود والأمل، بوجه آلة القتل والدمار، لأنظمة التجزئة، والتوقف عن الانكفاء للوراء واليأس.

حكم ملالي إيران، القادمون من غياهب التاريخ، وسلطة بوتين التواقة إلى الحكم الاستبدادي السوفيتي المنهار، يبذّرون أموال واقتصاد دولهم في محاولة لتحقيق أحلام العظمة، وتمكين أشخاصهم بالسلطة، على حساب تقدم وتطور بلادهم وديمقراطيتها. سيؤدي ذلك عاجلاً أم آجلاً، الى عودة الروح للحراك الديمقراطي الشعبي في هذه الدول، فالشعب الإيراني أو الروسي ليس له أدنى مصلحة بدخول حرب ضروس، طويلة ومكلفة في دولة مثل سوريا، ومحاربة شعبها وقهر إرادته ومطلبه العادل بالحرية، بل على العكس هذان الشعبان، هما بكل تأكيد، داعمان لهذه المبادىء، وتواقان هما أيضاً للوصول إليها.

دعم ثوار وأهل حلب وسوريا، يتم عن طريق نشر روح الصمود التي أظهروها، والإصرار على النصر، حتى ولو بدا ذلك متناقضاً مع بديهيات توازنات القوى والهيمنة المفروضة علينا.

تركيا مستقبل الشرق

تركيا مستقبل الشرق

د. نزار بدران

اب 2016

هناك رؤيتان لما جرى في تركيا مؤخرا, الأولى يمكن حصرها بما حدث من تآمر لبعض عناصر الجيش التواقون للانقلاب على الديمقراطية، والعودة إلى السلطة تحت شعار كاذب لحماية الديمقراطية والدفاع عن الكمالية والعلمانية، وهم متربصون بأول فرصة تبدو لهم سانحة, خصوصا أن السيد أردوغان كان قد اتخذ مؤخرا مجموعة من الإجراءات التي تعطي الانطباع بالتراجع عن الديمقراطية الشاملة، ومحاولة الاستيلاء على السلطة لشخصه، وهو لهذا السبب كان يعد لدستور يناسب ذلك الهدف، كما تعودنا للأسف في كثير من دول العالم الثالث التي تغير دساتيرها لتلائم طموحات زعمائها.

في هذه القراءة، ردة فعل الشعب كانت أهم حدث على الاطلاق، وأهم من الانقلاب نفسه, ورب ضارة نافعة، فالشعب أثبت للانقلابيين والجيش انه المقرر الأول والأخير, هذه الرسالة ستصل أيضا إلى أردوغان، وقد تحد من تطلعاته الاستفرادية، بحيث يعيد تركيا الى بداية عهد حزب العدالة والتنمية، وما شهده من انفتاح على مكونات الشعب التركي, والحفاظ والدفاع عن العلمانية والديمقراطية في كل مناحي الحياة.

القراءة الثانية هي التي تضعها في سياقها التاريخي، والذي بدأ منذ حوالي قرن بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية وقيام الدولة التركية ألحديثة، وعلاقة هذه الدولة مع جاراتها العربيات وإسرائيل وأوروبا. بشكل عام كانت السياسة التركية أقرب للتحالف مع اسرائيل. وقد ووجه المد الثوري الناصري بحزم من قبل تركيا، خصوصا أن توجهه نحو الإتحاد السوفيتي يتعارض مع التوجه التركي نحو الغرب. حتى أن اول اتفاقية اسرائيلية تركية وقعت عام 1958 بعد انهيار “حلف بغداد” الذي كانت تقوده تركيا، وأرست أسس التعاون الاقتصادي والعسكري والأمني بينهما. استمر هذا التقارب حتى بعد وصول الاسلاميين إلى السلطة وإرساء الديمقراطية، ومر بفترات مد وجزر، ولكنه لم يتزعزع الا بعد الاعتداء الاسرائيلي على السفينة مرمرة، والتي كانت في طريقها إلى غزة لكسر الحصار. ايران الشاه وتركيا وإسرائيل كونتا الإطار الاقليمي للحد من طموحات عبد الناصر بالوحدة العربية بالتعاون مع الغرب، ولم يتغير ذلك إلا بعد الثورة الاسلامية في إيران، ووصول أردوغان إلى السلطة في تركيا.

  إلا أن الحاجة الاسرائيلية الاستراتيجية لهذا التقارب، كان يضعف مع مرور الزمن، وتطبيع الأنظمة العربية لعلاقاتها مع إسرائيل، أظهر أنها لم تعد بحاجة لتشكيل تجمعات ما ضدها. ولكن انطلاق الربيع العربي والتغييرات الاجتماعية بالوطن العربي، أدت من جديد الى اثارة التخوف الإسرائيلي من احتمال قيام قوة عربية جديدة، لا يمكن السماح لها بالوجود.  كما فعل الغرب والعثمانيون زمن محمد علي باشا أو إجهاض التجربة الناصرية.

هذا بينما الشعوب العربية، مثل الشعب التركي والشعب الإيراني، بقيت وتبقى تواقة الى الحرية والوحدة والأنعتاق من تبعية أنظمتها للآخرين، ورفض التحالف مع اسرائيل، ولا تقبل بانتهاك حقوق الشعب الفلسطيني أو أي شعب آخر.

انطلاقا من هذا المفهوم، تعمل اسرائيل والدول المتأثرة بالصهيونية العالمية على إعادة تشكيل هذا التقارب من جديد، في انتظار المستقبل، خصوصا وأن العنف المروع المستخدم من الأنظمة العربية، واستثمار وتوظيف القوى الظلامية ضد شعوبها، لم ينه تطلعات هذه الشعوب للحرية.

لا يستطيع المحللون الغربيون ولا المتواجدون في مواقع القرار، التنبؤ بمستقبل الأنظمة العربية على المدى ألطويل، فعلماء الاجتماع يؤكدون وجود تغييرات اجتماعية عميقة داخل الدول العربية، وازدياد الهوة بين الأنظمة وشعوبها، وتراجع الاقتصاد العربي، وانعدام التنمية، وتفشي الفساد والبطالة، وتزايد الهوة بين دول شمال وجنوب البحر المتوسط، بعكس ما يحدث على صعيد العالم قاطبة في مناطق الجوار، وكل ذلك لا يمكن أن يدوم للأبد، لدى أمة غنية بثرواتها وأرضها وسكانها.

لعبت تركيا طوال سنوات الحرب الباردة، دور الحارس للخيمة الأوروبية الأطلسية، وعندما انتهت هذه الحرب، لم يسمح لها بدخول هذه الخيمة، كما كانت قد وعدت. وبقي الدور التركي ضمن الحلف الأطلسي، هو دور الجندي المدافع عن التخوم، وليس العامل الفاعل, وهو ما أدى الى التردد الأوروبي إزاء مسألة دخول تركيا للأتحاد.

شكل وصول الإسلاميين إلى السلطة في تركيا، وعبر عملية ديمقراطية متكاملة الدافع الرئيس لإبعاد تركيا أكثر عن الحلم الأوروبي، والدفع بها نحو مجالها الطبيعي، أي المنطقة الشرقية الإسلامية، حيث شكلت الجزء المؤسس لهذا الشرق،  وحجر الزاوية لتطوره. فقد جرى التعويل على أن يشكل انتشار النموذج التركي في نطاق المنطقة الإسلامية، أمل هذه الشعوب بالأنعتاق واللحاق بموكب الحضارة.

هذه الوضعية الخاصة بتركيا، وهي البحث عن دخول الإتحاد الأوروبي والانتماء الطبيعي للشرق والإسلام، أدى الى نوع من انفصام الشخصية التركية بين هويتين: اوروبية وإسلامية شرقية, الهوية الأوروبية جديدة ومتوازية مع الدولة الحديثة التي أرادت أن تبتعد عن الإرث العثماني، بعكس الهوية الشرقية الضاربة في أعماق التاريخ.

على أن التاريخ الطويل الأوروبي العثماني التنافسي، لا يمكن تجاوزه، لا من قبل الأوروبيين ولا الأتراك أنفسهم، وأفضل ما يمكن أن تصل إليه تركيا هو اتفاقية تبادل اقتصادي بشروط تفضيلية، كما هو الحال مع بعض الدول.

أما الإشكالية الوجودية لإسرائيل، فهي مرتبطة بالتجزئة العربية، وضرورة منع وجود كيان عربي موحد مستقل, لهذا تعمل اسرائيل لتثبيت التجزئة العربية ودعمها (كجنوب السودان) ودعم الأنظمة الاستبدادية العربية (كما حدث بمصر بعد الثورة أو سوريا حاليا). من ناحية أخرى وتحسبا لأي تغيرات مستقبلية غير محسوبة، تخطط أيضا من أجل إعادة التحالفات الإقليمية المحاصرة للأمة العربية، وهذا ما تفعله بشكل واضح من خلال إفريقيا حاليا، ولكن أيضا هذا ما تحاول اعادة إحياءه مع تركيا وإيران.

من هذا المنظار، نرى التحول الإيراني نحو التخلي عن المواجهة مع اسرئيل، تحت الضغط الأقتصادي الهائل من الغرب، والذي أجبر الإيرانيين على تغيير سياستهم العدائية تجاه “الشيطان الأكبر” وحلفائه، والقبول بكل شروطهم, حتى أن التدخل الإيراني إلى جانب النظام السوري، في محاولة لقمع ثورة الشعب السوري، لا يتناقض مع الهدف الإسرائيلي، لذلك لم يوضع على طاولة المباحثات الإيرانية الأمريكية.

أما تركيا بنظامها الديمقراطي، فهي عصية على التطويع, فشعبها هو من يحدد سياسته عن طريق انتخابات دورية، وقد اثبتت الأحداث الأخيرة تمسكه بذلك, وحدها الدول الدكتاتورية كإيران والدول العربية من يمكن تسيير سياساتها من الخارج بالترهيب والترغيب.

من هذه الرؤية، كان لا بد ان تتراجع تركيا عن الديمقراطية، وان تعود الى نظام استبدادي حتى يسهل عودتها للتحالفات الإقليمية القديمة، واستعادة دورها كحارس للغرب وليس كشريك فاعل. للأسف في الفترة الأخيرة قام السيد اردوغان بالسير في هذا الأتجاه، بالتضييق على المعارضة الديمقراطية والصحافة وإعادة العداء مع الأكراد بعد فترة انفتاح نموذجية.

كل هذا اعطى الانطباع بأن العودة عن الديمقراطية أمر ممكن, وهو برأيي ما  سهل التغيير الكبير في السياسة التركية بالنسبة لحصار غزة، والذي كان قد رفعه كشرط أساس لإعادة العلاقات مع اسرائيل, وكذلك السكوت عن الدور الروسي في سوريا, حتى أن آخر التصريحات الرسمية قبيل الأنقلاب الفاشل، من طرف الرئيس التركي ورئيس وزرائه، اعادت مخاوف الشارع العربي والشعب السوري من تخلي تركيا عن مواقفها الداعمة له. وقد كدنا ننسى تماما كل هذه الانقلابات بالسياسة بعد احداث الانقلاب العسكري الفاشل، والذي يمكن اعتباره دليل عدم الثقة لداعمي الانقلاب من الغرب والشرق بأردوغان رغم تراجعاته الأخيرة.

قد تكون هذه التراجعات في المواقف التركية قبيل الانقلاب محاولة من أردوغان لتجنب انقلاب بات على ما يظهر مؤكدا, وقد كان المتكهنون بالانقلاب كثر, ولا ننسى موقف بوتين بعد ساعة منه يعرض اللجوء السياسي على أردوغان، وكذلك ألمستشارة الألمانية، واعتبار كيري وزير الخارجية الأمريكي أن ما يحدث هو أزمة داخلية، ولم يجر اعتبار الإنقلاب من بدايته عملا مدانا دوليا، لكونه ضد حكومة منتخبة ديمقراطيا.

وحده الشعب التركي هو الذي مثل للحكومة التركية الشرعية طوق ألنجاة، كذلك قطاعات واسعة من الجيش، والتي لم تقبل هذه المرة الانضمام للانقلابيين، كما كان يحدث خلال الانقلابات السابقة.

الضربة التي لا تقتلك ستقويك، كما يقول المثل, نحن ننتظر من السيد أردوغان التراجع عن مواقفه الجديدة المتسامحة مع حصار غزة، والألتزام بالمعايير الديمقراطية الكاملة بالتعامل مع المعارضة، وإعادة الانفتاح نحو مكونات الشعب، وخصوصا الأكراد منهم.

نحن ننتظر من السيد أردوغان أيضا الاستمرار بالانفتاح على الشعوب العربية والاسلامية، مجاله الطبيعي، وهي التي ترى بتركيا تجربة واعدة بالنسبة لهم. تركيا تستطيع أن تكون طليعة تجمع شرقي، قد يعادل في المستقبل قوة الأتحاد الأوروبي الذي لا يشعر الشعب التركي أنه جزء منه، ولا يشعر الأوروبيون بأن تركيا هي جزء منهم.

نحن ننتظر من السيد أردوغان أن يكون على مستوى شعبه العظيم، والذي بجرأته وشجاعته وتضحياته من أجل ديمقراطيته، قد أعاد الأمل لكل المطالبين بالحرية، واليائسين من النصر في سوريا ومصر وفلسطين وكافة الأقطار الإسلامية.

 

في الترابط بين ظواهر التاريخ واعماقه

في الترابط بين ظواهر التاريخ واعماقه

د. نزار بدران

اب 2016 العربي الجديد

لم يعد التاريخ الحدثي القصير الأمد، واسميه مجازاً السريع، مرجعية لفهم تطور المجتمعات والأمم، التاريخ الحدثي هو ما تعلمناه صغاراً في المدارس، حول الأحداث كبيرها أو صغيرها، التي حدثت هنا أوهناك، وكأنها أسست لما بعدها، أو أنهت ما قبلها.

التاريخ الطويل الأمد، أو ما أسميه مجازاً البطيء، هو الآن ومنذ وصفه منتصف القرن الماضي وسيلة المؤرخين، لفهم تطور المجتمعات، ومحاولة للتنبؤ بمستقبلها، هو التاريخ اليومي، المستمر بين الأحداث.

لتقريب الصورة إلى القاريء، نقول أن المجتمع يتطور ويتغير مثل مجرى نهر عميق، تموجات السطح، هو التاريخ السريع الحدثي المرئي، ولكنه في الحقيقة يعكس التغيرات الجارية بشكل مستمر وغير الملحوظة في أعماق النهر. لذلك يقوم المؤرخون بدراسة هذا التاريخ المستمر، في حين تقلص الاعتماد على التاريخ الحدثي بشكل كبير.

المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل (1902-1985)، مؤسس هذا التصور الجامع للتاريخ، ذكر في إحدى مقابلاته، أن أصعب شيء عليه، حين وضع هذه النظرية الجديدة، في الأربعينيات، وكان حينها سجيناً لمدة خمس سنوات بألمانيا النازية، هو كيفية التركيز على هذا التاريخ البطيء وعدم الغرق بالتاريخ السريع، بينما كان هو نفسه، يعيش قمة هذا التاريخ الأخير، أي الحرب العالمية الثانية، ومآسيها وكوارثها، والذي كان كسجين، أحد ضحاياها.

هذا ما نواجهه حالياً، في عالمنا العربي، عندما نرى مجرى أحداث هذا التاريخ السريع الظاهري، والذي ببشاعته يُبعد عنا، فهم التاريخ الحقيقي للأمة، وهو تطورها الاجتماعي البطيء، منذ عشرات السنين، والذي تُرجم فقط، في موجات الربيع العربي، وردود فعل الأنظمة وداعميها وعنفهم اللامحدود. من الصعب أن نفهم أحداث سوريا أو اليمن ومصر وليبيا وتونس، إن تقوقعنا في إطار الأحداث الدامية الجارية وغارات طائرات أنظمة البراميل المتفجرة، رغم فظاعتها.

تاريخنا البطيء هذا، تمركز بشكل أساسي عند القرن الأخير، على فشل الدولة الوطنية لتحقيق أي شيء يُذكر. نذكر منها بعض الأمثلة:

  • فشل الدولة الوطنية في تحقيق رفاهية وحرية المواطن، بغض النظر عن السلطة, أو الانتقال الى الدولة المدنية الديمقراطية ووضع أسس الحكم الرشيد.
  • فشل الأنظمة العربية بكل أشكالها، الغنية بالبترول أو الفقيرة، ببناء اقتصاد إنتاجي، يهدف لإيجاد فرص عمل للمواطن وتفشي البطالة.
  • الفساد المُستشري بالمجال الاقتصادي ونهب ثروات الأوطان، لصالح أقلية حاكمة.
  • استمرارية الأنظمة بالتضييق على حرية الحركة للناس، داخل إطار الدول العربية بادعاء الأسباب الأمنية، مما يحد من أفق المواطن بوجود ظروف أفضل لحياته، على امتداد الساحة العربية.
  • عدم توفر أي متنفس ديمقراطي، للتعبير عن الظلم الواقع، والاستمرار بتمجيد الفكر الديني أو القومي، كوسيلة لكبح أي معارضة.
  • رهن مستقبل البلاد والعباد لمصلحة الأنظمة الفئوية الضيقة.
  • تدمير البنية التحتية التقليدية، عن طريق استخدام سياسات إعمارية وزراعية فوضوية، بناء على المحسوبيات والمصالح.
  • بناء سياسات خارجية وتحالفات، مبنية على مبدأ مصلحة الأنظمة، وليس بناء على مصلحة الشعوب (استثمارات مالية أو تنازلات عن السيادة في بعض الأحيان, والتطبيع مع إسرائيل والفشل في مواجهتها).
  • عدم التمكن من اقامة أي تجمع جهوي فعال لمصلحة المواطن العربي، كأتحاد المغرب العربي (1989)، والذي لم يتمكن حتى من فتح الحدود بين الدول الخمس الأعضاء, أو مجلس التعاون الخليجي (1981) والذي لم تترجم أفعاله إلا في النواحي الأمنية تقريبا. والفشل الذريع لجامعة الدول العربية (1945) لتحقيق أهدافها المعلنة عند تأسيسها.
  • الاستمرار بالتنابذ والتباعد وتكريس التجزئة (انفصال جنوب السودان).

في ذات الوقت تطور المجتمع خلال الأربعين سنة الأخيرة، نحو انتشار كبير للتعليم، وخلق طبقة وسطى واسعة، غير قادرة على الحصول على وظائف أو فرص عمل، وذلك كنتيجة لما تم ذكره سابقاً, وتطور المجتمع المدني ومطالبه.

من ناحية أخرى، التغيير في دور المرأة والعائلة، وظهور مفهوم المساواة بين الرجل والمرأة في الدراسة والعمل. وتراجع التطور الديمغرافي بشكل كبير، حيث الانخفاض المستمر بالمعدل العام للإنجاب في الدول العربية، منذ أواسط الثمانينات، بحدود طفلين لكل امرأة، وليس خمسة أطفال أو أكثر، كما كان سابقاً. هذا التوجه هو في طريق التأكيد بكافة الدول العربية، فقيرها وغنيها، محافظها ومتحررها من شرقها الى غربها، ومؤكد بالأحصائيات الدولية.

توازى كل ذلك مع موجة تحرر عالمية واسعة، بعد سقوط الأتحاد السوفيتي، وحصول الدول الأوروبية الشرقية الشيوعية السابقة على حريتها, كذلك التطور الديمقراطي الواضح الواسع في أمريكا اللاتينية وافريقيا ودول بجنوب شرق آسيا. لم يبق منطقة في العالم كما الحال في بلادنا العربية، ترتع بهذا المستوى من التخلف ومنع الحريات.

من ناحية أخرى تطور نظام التواصل العالمي، والذي فتح العالم أمام الشباب العربي الذي لم يعد يقبل بأن يستمر في قبول دور المواطن الرعية، المطلوب منه السمع والطاعة للسلطان، كما فعل الآباء من قبل, وهو التواق للحصول على حريته مثل الأخرين.

هذا ليس توصيفا حصريا، وانما بعض النقاط التي يجب على مؤرخينا ودارسي المجتمعات العربية، البحث فيها وتحليلها، لأن الأمة مع انطلاقة الربيع العربي بتاريخه السريع الذي توج كل هذه المتغيرات بتاريخها البطيء, بدأت رغم كل ما نرى؛ تحاول جاهدة الدخول في عالم الحداثة التي ابتعدت عنه منذ حوالي عشرة قرون، عندما غيّب العقل ودخلت الأمة العربية والإسلامية عالم الجهل والتقوقع، وآخر العقلانين كان ابن رشد الذي مات بمراكش منفيا عام 1198.

للأسف لا نكاد نجد في ما ينشر حاليا أي شيىء يذكر بدراسة التاريخ طويل الأمد البطيء للأمة، والذي هو التاريخ الحقيقي الفعال. هذه الدراسات النقدية التي يجب ان تركز على تاريخ الأزمات والترهل المستمر وأسبابه وحلوله, خصوصا تلك التناقضات الداخلية المرتبطة بتركيبتنا وبتاريخنا، وليس فقط العوامل الخارجية والاستعمار، والذي نعلق عليه دائما كل مآسينا, التاريخ طويل الأمد يعتبر كما يقول بروديل أم العلوم، فهو يحتاج من أجل فهمه معرفة كل نواحي الحياة من العلوم والجغرافيا الى علم الاجتماع والاقتصاد وليس فقط الأحداث.

يجب أن يدرس هذا التاريخ على الأقل، منذ نشأة الدولة الوطنية العربية، بعد إنهاء الخلافة العثمانية (1918) والتي برأيي تصل الى نهايته مسارها. نجاحاتها الوهمية بالتحرر الوطني من الاستعمار خلال الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، لم يعد كافيا لتبرير استمرارها أو التغطية على فشلها الذريع في كل النواحي. وعنفها المفرط الممارس حاليا بتاريخنا السريع هو دليل هذا الفشل واقتراب النهاية المنتظرة، والتي لا مفر منها حسب رؤية وحتمية التاريخ ألبطيء، وهذا ما حدث ويحدث مع كل الأنظمة والدول الفاشلة عبر العالم، منذ مئات السنين، مهما كانت قوية وجبارة, وكان مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون أول من استنتج ذلك في دراسته لتاريخ الأمم.

أشهر المؤلفات التي تركها ابن خلدون كتاب (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر) ومقدمته الشهيرة، حيث يعتبر هذا الكتاب من أكبر مساهمات ابن خلدون في علم الاجتماع، حيث كان تقديمه أول تقديم لا ديني للتاريخ.

إن عدم فهم الترابط العضوي بين التاريخ البطئ والسريع، واختصار الربيع العربي فقط بظواهره، وخصوصاً العنيفة المرتبطة برد الأنظمة، هو كمن يريد أن يدرس البحر فقط من خلال أمواجه المرئية المتلاطمة على الشواطيء، بدون الالتفات إلى التيارات العميقة الجبارة داخله، وهو ما يؤدي برأيي إلى انتشار نظرية المؤامرة الغربية بإنفجار هذا الربيع، في محاولة لفهم ما يحدث, عندما لا نستطيع أن نرى التطور البطيء للتاريخ الحقيقي، والذي لشدة بطئه وتطوره على مدى عشرات السنين، لا يمكن ملاحظته. لذلك وجب على المؤرخين وألاكاديميين، البدء بالتنقيب عن هذا التاريخ، وعدم الوقوف عند التاريخ الحدثي السريع.

إن انتهاء البحوث العلمية عن الشرق بالجامعات الغربية، والتي كانت ساحة تفاعل مع المفكرين المسلمين، خلال القرن التاسع عشر، كما حدث بين جمال الدين الأفغاني (1838-1897) والمفكر الفرنسي الشهير إيرنست رينان، حول مفهوم الحضارة الإسلامية، أو عن العلمانية مع الشيخ محمد عبده (1849-1905). هذا التوقف تم بسبب الخلط عند العرب في مرحلة لاحقة بين الاستشراق والاستعمار.

لقد كان من المنتظر أن يُتيح توقف الدراسات الشرقية في الغرب، إلى تطور هذا العلم في بلاد المصدر، أي الأقطار العربية، ولكن ذلك لم يحدث، واستُبدل بالبحوث الدينية أو ذات الطابع الغيبي، التي لا تستعمل وسائل البحث العلمي الحديث، إلا ما ندر.

الدراسات الشرقية حالياً في جامعة السوربون بباريس، هي مكون بسيط وثانوي، من دراسة تاريخ ولغات الشرق، ولم تعد مكونا أساسيا، وليس لها أي بُعد استكشافي، أو تفاعلي كما كان سابقاً، وذلك رغم محاولات بعض الإصلاحيين المسلمين، المقيمين بأوروبا تغيير ذلك، مثل الاستاذ الجامعي في السوربون هشام جعيط، صاحب المؤلفات العديدة، ومنها (أزمة الثقافة الإسلامية) والمفكر الإسلامي القدير محمد أركون، من أشهر مؤلفاته كتاب (نقد العقل الإسلامي)، والأستاذ عياض بن عاشور ومن مؤلفاته (الإسلام وفكر حقوق الإنسان).

من هنا تشكل ضرورة البحث العلمي في معطيات تاريخ الأمة طويل الأمد، أبرز المهام الراهنة، ومن دونه لن يكون ممكنا فهم الحاضر، أو إيجاد التصورات الواقعية للمستقبل، وذلك ما قد يعيد الحلقة المفقودة، بين الزحف العارم للجماهير نحو حياة جديدة حرة وكريمة، والفكر الضروري لقيادة هذا الحراك والدفع لإنجاحه بأقل الخسائر الممكنة.

بين حرية الصحافة وصحافة الحرية

 

بين حرية الصحافة وصحافة الحرية

د. نزار بدران*

أن تكون صحفيا أو أن تكون كاتبا، هذا يحملك تجاه الآخرين بعض المسؤولية, فمهنة الصحافة تهدف اولا لإعلام الناس بالحدث والتعليق عليه بموضوعية، وذلك تحت شعار “الخبر مقدس والتعليق حر” .

لكن ما نلاحظه اليوم بالصحافة، التي تعتبر نفسها بعيدة عن تأثير السلطة ولو جغرافيا؛ أن نقل الخبر يصطدم بانتقائية، حتى لا نزعج او نقلق بعض الحكام أو السياسات، بينما الواجب هو إخبار القارئ أاولا وأخيرا. القارئ له الحق الأكيد بمعرفة الحدث، ومعرفة ما يفعله هؤلاء الحكام, والصحافة بدورها هي الوسيط بين الحدث أو صاحب الحدث والمواطن القارئ.

نقد السلطة وليس مدحها، هو دور الصحافة الحرة الأول، مهما كانت السلطة، فالحكم له وسائله الخاصة الضخمة لعمله الدعائي.

أقول ذلك لأن الموقف التركي الأخير والاتفاق مع إسرائيل، والذي أدى الى استقالة رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو احتجاجا, لم يجد عند معظم الكتاب والصحفيين الذين قرأتهم بالصحافة المحلية أو المهاجرة إلا تصفيقا وتطبيلا, وكأننا حررنا القدس أو وضعنا أنفسنا على هذا النهج. نفس هؤلاء كانوا قد ملأوا الدنيا صراخا بعد انقلاب عبد الفتاح السيسي، وكانوا طبعا على حق.

هؤلاء المطبلون لاتجاه سياسي معين، نراهم دائما يدافعون عن السلطة التي تمثل هذا الأتجاه مهما انحرفت وعملت, ونحن لا ننسى المثقفين والكتاب المشاهير الذين كنا نراهم على قناة الجزيرة وغيرها، وهم يدفعون باتجاه إنجاح الثورة المصرية الديمقراطية ضد مبارك، وطبعا كانوا على حق، ولكنهم انقلبوا عليها تماما عندما وصل للسلطة اتجاه سياسي ظنوا أنه أقرب إليهم فكريا، ما قد يتيح لهم سرعة إشراكهم بالسلطة وحيازتهم امتيازات المناصب العليا, والأسماء اللامعة كثيرة في هذا المجال, متناسين كل ما اعلنوه من حب وغرام بالديمقراطية واحترام نتائج الانتخابات.

الآخرون الداعمون للتوجه الإسلاموي، كانوا على صواب عندما اعتبروا التغيير السياسي بمصر انقلابا وضربة للثورة والديمقراطية, ولكنهم لم يقولوا شيئا عندما بدأ حليفهم التركي بالابتعاد عن الديمقراطية وزج معارضيه بالسجون وملاحقة رفاقَهم الصحفيين وإعلان الحرب على الأكراد. واليوم يا للهول لا يجدوا شيئا يقولونه عندما انقلبت السياسة التركية رأسا على عقب, حتى الطرف المتضرر الأول والذي يدير غزة حاليا بارك هذا الاتجاه، مكتفيا بطبق من المساعدات الإنسانية التركية، والتي لن تمر إلا برضى اسرائيل.

ولو عدنا الى الخلف قليلا، عندما انعقد مؤتمر باريس الدولي للمناخ في نهاية عام 2015, مر هذا الحدث الهام تقريبا بدون تعليق، وكأنه لا يهمنا أبدا، مع أننا من أكثر المتضررين من التغيير المناخي, وذلك فقط لمراعاة المواقف السعودية والخليجية المناهضة للحد من استعمال البترول. هذا الحدث كان يجب أن يبلغ لملايين الناس، لأن الخبراء بما فيهم العرب، ينبؤوننا بأن الأجواء المناخية بمنطقة الخليج، ستصبح كارثية، في أواسط القرن الواحد والعشرين, لا سيما في تلك البلدان التي رفضت تقديم أي مقترحات والتزامات كباقي دول العالم (باستثناء الأمارات العربية المتحدة) وحاولت إعاقته.

جيوب حكام النفط أهم من مستقبل المواطن العربي الخليجي ومستقبل ابنائه. أدعو القارئ الخليجي والعربي للبحث بنفسه عن ما سيحل به في مستقبل الأيام، ليتأكد من هذه المعلومات. وفي نهاية المطاف سيعلم المواطن والقارئ بالحقائق، ففي هذا الزمن لا يستطيع أحد منع الناس من الإطلاع والمعرفة، ونحن في عالم مفتوح على الجميع وبكل الوسائل.

نأمل من صحفيينا بكل وسائل الإعلام المقروءة أو المسموعة أو المرئية، أن ينظروا ولو قليلا خارج الأطر والمربعات الأيديولوجية والأمنية التي تضعهم بها الأنظمة، فواجبهم الصحفي هو الإعلام الأمين, فهم كالطبيب أمام مريضه لا يحق له أن يخفي تشخيصه وحقيقة وضعه، وما حصل عليه من معلومات، وإلا أرسل به الى التهلكة.

إسرائيل تنجح في استعادة تحالفات الماضي

تموز 2016

 

إسرائيل تنجح في استعادة تحالفات الماضي

د. نزار بدران

فجّر انطلاق الثورات العربية السلمية، أو ما أطلق عليه “الربيع العربي”، من تونس قبل أكثر من خمس سنوات، تداعيات خطيرة وعديدة، بكافة الأقطار العربية بدون استثناء. عنف الرد على هذا الحراك السلمي، كما حدث بمصر أو ما نرى بسوريا واليمن، من تقتيل وتهجير وتدمير، بفعل الأنظمة، يدل على عمق هذا الحراك الديمقراطي السلمي، فالربيع العربي لم يرفع أبداً، شعارات التطرف الديني أو العنف السياسي، بل هي الأنظمة على اختلاف تحالفاتها، من دفع وأوجد كل هذا الإرهاب والعنف، من أجل منع أو تأخير؛ قدر الإمكان، انتصار ثورات الشعوب العربية المُنتظر.

رغم عنف وبشاعة المشهد العام، فإن عمق الأمة وحراكها التاريخي نحو الانعتاق، يبقى هو الأقوى، لأنه لا يعبر عن حدث أو رد فعل، وإنما عن تغيير تدريجي منذ عشرات السنين، على المستوى الاجتماعي والديموغرافي، مع تغيير عميق في تركيبة المجتمع العربي، خصوصاً فئة الشباب التي تريد الانضمام لموجة التحرر العام بالعالم، وما انطلاقة الربيع العربي، في لحظة معينة، إلا ترجمة ظاهرية لهذا التغيير الاجتماعي غير القابل للعودة إلى الوراء.

في هذا ألإطار نرى عودة التحالفات من كل حدب وصوب، للقضاء والالتفاف على هذا الحراك. حيث الحفاظ على إسرائيل وأمنها، هو السبب والمحرك الأساس للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، في حين أن بقاء أنظمة الاستبداد والتجزئة هو الكفيل ببقاء إسرائيل، أما انعتاق الشعوب وذهابها نحو الحرية والديمقراطية، فهو يشكل الخطر الوجودي على هذه الدولة، رغم قوتها، كما حدث لجنوب أفريقيا، بإنهاء نظام الفصل العنصري.

الناظر إلى التاريخ الحديث، يرى أن التحالفات الإقليمية وُجدت دائماً، لحصار الأمة العربية، المتطلعة إلى التقدم والانعتاق، كما حدث من التحالف الغربي العثماني ضد محمد علي باشا بمصر، في القرن التاسع عشر (1805-1848)، وكذلك التحالف الثلاثي ضد مصر بالخمسينات، بين فرنسا وبريطانيا وإسرائيل، وكذلك وهو ما يهمنا في هذه الأيام (التحالف الإيراني التركي الإسرائيلي) بالخمسينات والستينات ضد الرئيس جمال عبد الناصر وفكره الوحدوي.

الشرق الأوسط الجديد الذي يُطل برأسه علينا، هو برأيي إعادة إحياء هذا التحالف الثلاثي من جديد، بمباركة القوى ألعظمى لحصار أي مستقبل ديمقراطي للأمة العربية كما حدث دائماً.

هذا التحالف استوجب تغيير السياسات والأوضاع داخل إيران ومن ثم تركيا، فإيران قبلت بالتنازل عن أي مشروع قد يهدد أمن إسرائيل، وشرط إخراجها من الحصار الاقتصادي نهائياً، سيكون عودة الود الإسرائيلي، وسنرى ذلك في قادم الأيام. أما تركيا فهي تتجه للأسف في طريق مشابه، وسياسة أردوغان تتجه للتراجع عن المكاسب الديمقراطية لشعبه، وقمع الصحافة الحرة والمعارضة، والتراجع عن الانفتاح على المكون الكردي، ما يؤهل هذا النظام، للارتماء بالحضن الأمريكي الإسرائيلي كما نرى الآن. أما عودة التقارب والتحالف مع إسرائيل، فهو نتاج هذا الاتجاه الانفرادي بالسلطة، وغياب الرقابة الشعبية، ويُفسر استقالة رئيس الوزراء السابق، داوود أوغلو، الذي لم يرد على ما يظهر، أن يذهب في هذا الاتجاه.

الذين لا يريدون أن يعترفوا بعمق رغبة الأمة بالحرية وسيرورتها التاريخية نحوها، عليهم أن يروا كثافة القمع لهذه الشعوب، وتكالب الأعداء عليها من كل حدب وصوب، وعودة التحالفات العالمية والجهوية، وكأننا عدنا إلى زمن عبد الناصر أو محمد علي باشا. كل هذا هو دليل، على أن الربيع على هشاشة وروده وأزهاره،  أخاف هذه الفيلة الجبارة.

أملنا أن يعود الشعب التركي للمطالبة باستعادة الديمقراطية الكاملة، وأن يعود الشعب الإيراني للمطالبة بحقه بالانفتاح الديمقراطي، لأن هذه الشعوب هي بكل تأكيد، داعمة للشعب الفلسطيني والشعوب العربية، برغباتها وطموحاتها في الحرية والديمقراطية، وهي فقط التي ستتمكن من إفشال هذه التحالفات غير الطبيعية، وهي أملنا بنجاح التغيير القادم، في منطقتنا وفي العديد من الدول الإسلامية.

شروط أردوغان الثلاثة، لعودة العلاقة مع إسرائيل، لم يتحقق منها إلا شطرها المالي، أما رفع الحصار، فاستُبدل ببعض المساعدات الإنسانية. الاتفاق الإسرائيلي التركي، مع بقاء الحصار هو في الحقيقة انتصار للسياسة الإسرائيلية المبنية على حصار غزة ، لأنه يُشرعنها بشكل مباشر. وكان من الأفضل لنا ألا تضع تركيا أصلاً هذا الشرط، لأن التنازل عنه لا يعني العودة إلى الوضع السابق، وإنما القبول بالحصار كحقيقة مقبولة دولياً، ومن أقرب المقربين لحماس. فإسرائيل تُعلن على الملأ، أن الحصار البري والبحري سيستمر كما كان، وستراقب وتدقق كافة المساعدات التي ستقدمها الحكومة التركية.

العملية الإرهابية الأخيرة في مطار أتاتورك باسطنبول، ببشاعتها وعنفها، أدت إلى حجب الرؤية عن المواقف التركية الجديدة حيال الوضع الفلسطيني، والموافقة على الشروط الإسرائيلية، لعودة التنسيق الأمني والمخابراتي معها، وقد يكون الاعتذار لبوتين، عن إسقاط الطائرة الروسية، أحد هذه الشروط، بعدما رأينا خروج التحالف الإسرائيلي الروسي للعلن.

أما الداعمين للسياسة التركية من الكتاب والمثقفين والصحفيين، فهم كغيرهم، يهللون دوماً لنظام يدعمونه، مهما تقلب وتغير ومهما تغيرت وتطورت الأحداث, لا مكان عندهم للفكر والمراقبة المستقلة، فالعمى الإيديولوجي هو القاسم المشترك والأكبر في ما بينهم.

?الاستفتاء البريطاني تفكك الاتحاد الأوروبي أم المملكة المتحدة

 

الاستفتاء البريطاني

تفكك الاتحاد الأوروبي أم المملكة المتحدة؟

حزيران 2016

نزار بدران

سيقوم الشعب البريطاني الخميس في الثالث والعشرين من يونيو/حزيران الجاري، بالاستفتاء على بقائه أو خروجه من الاتحاد ألأوروبي، في أجواء يسودها الانقسام الحاد داخل ألمجتمع, خصوصاً بعد مقتل النائبة ألبريطانية جو كوكس، المؤيدة للبقاء والداعمة للقضية ألفلسطينية، .استفتاء اقترحه رئيس ألوزراء دافيد كاميرون في عام 2015، في خضم صراعه الداخلي مع الجناح الأكثر يمينية داخل حزبه ألحاكم (حزب المحافظين)، وذلك في حملته لإعادة انتخابه لذلك العام.

التجاوب الذي أبداه كاميرون لبقائه زعيما للحزب، ورئيسا الحكومة، مع الطرف الأكثر رغبة بالخروج من الاتحاد لأوروبي، لم يؤدي إلا إلى ازدياد ضغط هذا الطرف، والدفع لتحويل وعد كاميرون من مجرد وعد في حملة انتخابية، إلى حقيقة واقعة. سبع من وزرائه الثلاث والعشرون صوتوا لصالح الخروج، بزعامة عمدة لندن السابق بوريس جونسون، كذلك حوالي نصف نواب الحزب (130 من أصل 299 نائبا). هذه المواقف المعارضة لموقف رئيس الوزراء، الداعم لبقاء بريطانيا داخل الاتحاد أظهرت عمق الانقسام داخل الحزب الحاكم وهشاشته.

حزب العمال المعارض، بقيادة الاشتراكي جيرمي كوربين، أيد البقاء بغالبية ساحقة (217 من أصل 227 نائبا)، ولكنه لم يقم بحملة انتخابية لصالح البقاء، وترك الأمر لتوني بلير وغوردن براون، رؤساء الوزراء السابقين.

أراد كوربين أن يترك كاميرون يغرق لوحده، في وحل هذا الاستفتاء، وخصوصاً أن قاعدته الانتخابية، ليست على نفس المستوى من تأييد البقاء؛ كنواب الحزب، فهو اضطر كإشتراكي الاختيار بين أقل الضررين، البقاء داخل الاتحاد الأوروبي الليبرالي، أو الانكفاء على الجزر البريطانية، الأكثر ليبرالية.

الانقسام داخل بريطانيا، ظاهر على كل المستويات، وليس بين الأحزاب فقط، بل داخلها أيضاً، فهناك انقسام بين النخبة وعامة الشعب، فالنخبة التي بأغلبيتها الساحقة قادمة من جامعة أوكسفورد وكامبردج، لا تزيد عن 1%، ولكنها تستولي على مقاليد السلطة السياسية والاقتصادية.

وهناك الانقسام بين طبقات الشعب، فالطبقة العمالية منقسمة على نفسها بالتساوي، ولا تتفق مع النخبة الاقتصادية ورجال أعمال السيتي بلندن، من خلال أطروحاتهم الداعية للبقاء، ملوحين بخطر التراجع الاقتصادي الحاد في حالة الخروج.

هناك انقسام واضح أيضاً بين سكان لندن وسكان الأرياف خصوصاً بالشمال، فسكان لندن المتعددو الأصول، والمتواجدون في أكثر المدن تنوعاً وقوة مالية، يؤيدون البقاء، بنسبة تزيد عن 80%.

نرى هذا الانقسام أيضاً بين الطبقة السياسية وقطاعات عديدة من الشعب، فبعد الاستفتاء الاسكوتلندي عام 2014 على الاستقلال، فقد حزب العمال المعارض، تقريباً كل مقاعده في البرلمان المحلي (40 من أصل 41 نائباً)، في انتخابات مايو/أيار عام 2015، وهذا أحد الأسباب التي تدفع حزب العمال، لعدم دعم كاميرون، كما فعل لصالح بقاء اسكوتلندا داخل الاتحاد البريطاني.

الانقسام مُلاحظ أيضاً بين الأجيال، فمن هم دون سن الأربعين، يؤيدون البقاء بالاتحاد الأوروبي، وخصوصاً فئة الشباب ما بين 18 و25 سنة.

الأخطار المُحدقة بالمملكة المتحدة، ليست فقط على المستوى الاقتصادي، والذي هو موقع نقاش، ولكن من حيث وحدة بريطانيا نفسها، والمكونة من أربع شعوب. فالبرلمان الاسكوتلندي سيعود بشكل مؤكد لطرح مسألة الاستقلال عن بريطانيا، بعد فشل استفتاء 2014. وخروج بريطانيا سيكون بالنسبة لداعمي الاستقلال الاسكوتلندي، الفرصة الذهبية التي لا تُضيع، فهم يعلنون على الملأ، رغبتهم في البقاء داخل الاتحاد الأوروبي، ولكن خروج بريطانيا نفسها، سيعكس تماماً هذه المُعضلة، وقد يضع حداً للاتحاد مع بريطانيا الذي أُسس عام 1707.

الخطر الثاني هو عودة الحدود، بين إيرلندا الشمالية، والتي هي جزء من بريطانيا، والجنوبية والتي هي دولة مستقلة، عضو بالاتحاد الأوروبي، 40% من اقتصاد إيرلندا الشمالية الفقيرة نسبياً، يتم مع إيرلندا الجنوبية، وعودة الحائط الجمركي، سيعيق حركة المواصلات والأشخاص والتبادل التجاري بشكل كبير.

الهجرة هي أيضاً من الأسباب الدافعة، لتأييد الخروج من الاتحاد، فبولندا بعد انضمامها قبل سنوات قليلة، صدرت أكثر من مليون عامل إلى بريطانيا، مستغلة حرية الحركة داخل الاتحاد. على أن وصول ملايين المهاجرين من دول الشرق الأوسط وأفريقيا لأوروبا، زاد داخل الرأي ألعام من منسوب الشعور بخطر تضرر التركيبة الاجتماعية والاقتصادية لبريطانيا.

التلويح بدخول تركيا الاتحاد الأوروبي، خصوصاً بعد الاتفاق الأخير في آذار/مارس الماضي في شأن الحد من وصول اللاجئين، والذي ألغى تأشيرات الدخول للأتراك لأوروبا، بالإضافة لتسريع محادثات الانضمام، كان القشة التي قصمت ظهر البعير.

هل هناك خطر لانسحاب دول، قريبة فكرياً واجتماعياً من بريطانيا، مثل السويد من الاتحاد الأوروبي؟، هذا ممكن وعلينا انتظار ما سيأتي به المستقبل، علماً بأن المصلحة السويدية بالخروج ليست بنفس المستوى البريطاني، ولا الرأي العام بنفس الحدة.

الدول الأخرى القادمة من شرق أوروبا، مثل بولونيا وهنغاريا، رغم التصريحات النارية لقياداتها ضد الاتحاد، تستلم حالياً المليارات من اليوروات، القادمة من ذلك الاتحاد، وهو ما يمنعها من أي تفكير بالخروج، وخصوصاً وأن دولة كبولونيا، صدرت لأوروبا 2.5 مليون عامل خلال سنوات قليلة، من أصل 38 مليون ساكن (امتصاص البطالة)، وتستلم مبلغ 82.5 مليار يورو ما بين 2014-2020، حتى تصل إلى مستوى الدول الغربية، كما كان ذلك الحال سابقاً مع إسبانيا والبرتغال خلال القرن الماضي.

على السياسيين والنخبة الأوروبيين مسؤولية كبيرة بدفع الرأي العام نحو الانفصال، فهم كانوا يحملون دوما كل مآسيهم وفشلهم بدولهم، على بروكسل والمفوضية الأوروبية، متناسين أنهم بعد ذلك لن يستطيعوا الدفاع عن الاتحاد لصالح تطويره، وهو الفخ الذي وقع به السيد دافيد كاميرون.

هل ستتضرر الوحدة الأوروبية في حال انسحاب بريطانيا، هذا ليس مؤكداً، لأنه كما نسمع ونقرأ بالاعلام الأوروبي، كثير من الساسة يرون بريطانيا، كدولة مُعيقة لتطور الاتحاد، نحو مزيد من التكامل، والتخلص منها كما يقولون، سيدفع من جديد بالمحرك الألماني الفرنسي، لتكوين نواة صلبة، وإعطاء دفعة وحدوية جديدة على أسس أكثر فدرالية مما هو الحال حالياً.

الإعلام البريطاني، وخصوصاً الصحافة المكتوبة، لعبت وتلعب دوراً كبيراً جداً، بالتحريض على الخروج، والذهاب إلى عرض المحيط الأطلسي باتجاه الولايات المتحدة، ولكن تصريحات ومواقف أوباما مؤخراً، ذهبت في الاتجاه المعاكس لذلك، فهذا الخروج غير مرحب به من الطرف الأمريكي، كما ظن البريطانيون.

بريطانيا التي كانت في يوم من الأيام الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، قبلت أن تصبح دولة أوروبية عادية، ولكنها كما يظهر لم تقبل بعد، أن لا تكون الدولة العظمى داخل الاتحاد الأوروبي، هذه المرتبة التي تحتلها اليوم ألمانيا وبشكل أقل فرنسا.

يبقى أن نؤكد أن المُنتصر الأخير في هذا الاستفتاء، هو مفهوم الديمقراطية، والتي تُعطي الشعب ليس فقط حق الدخول بالاتحاد، ولكن أيضاً حق الخروج، رغم تخويف النخبة السياسية والاقتصادية، فالشعب يبقى سيد نفسه، ولا يقبل وصاية أحد.

 

نهر اللاجئين وبحر الرعب

نهر اللاجئين وبحر الرعب

حزيران 2016 القدس العربي

نزار بدران

أعلنت الأمم المتحدة في 7 حزيران، أن عدد اللاجئين اللذين ماتوا غرقاً بالمتوسط، بلغ منذ عام 2014، أكثر من عشرة آلاف.

عاد البحر المتوسط من جديد، منذ الاتفاق التركي الأوروبي، إلى ابتلاع هؤلاء الآلاف، من المهجرين والمعذبين بالأرض، انسداد طريق البلقان، أدى بشكل تلقائي وكما كان متوقعاً إلى عودة الموت من جديد، بعد فترة استراحة لم تدم فترة طويلة. لا شيء يوقف زحف هذا النهر الجاري، فهو كسيل الماء العارم بعد عاصفة مطرية أو طوفان، لا يوقفه شيء.

الممر الآمن عن طريق البلقان واليونان مروراُ بتركيا، أُغلق من قبل السلطات التركية المسلمة، لحفنة من الدولارات، ووعود جديدة لعودة حُلم الانضمام لأوروبا.

منع اللاجئين من المرور عبر تركيا، لحماية الدول الأوروبية، رفقاؤها بالحلف الأطلسي، من هجرة غير شرعية وغير منظمة، كان يمكن أن يكون مقبولاً، لو طُرحت حلول لتجفيف منبع هذا النهر، عن طريق فرض حل بسوريا، أو دعم التحرك نحو الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، في الدول الإفريقية والعربية المُصدرة للاجئين.

اللاجئ الذي يغامر بحياته وأهله وماله، لا يفعل ذلك حباً بالموت غرقاً، وإنما هرباً من موت مؤكد لموت محتمل، فقط تخفيض نسبة الموت بحياته هو الذي يدفعه الى ذلك، وإلا لكان هؤلاء مجانين، فمن يقبل أن يموت مع أطفاله غرقاً فقط للذهاب لحياة أفضل، حتى ولو كانت الجنة، لا أحد طبعاً.

ينتقد كثير من الكتاب والمراقبين، الاتحاد الأوروبي لمواقفه من اللاجئين، وإغلاق دول أوروبا الشرقية، ذات النزعة العنصرية، ممر البلقان، مع أن ألمانيا استقبلت حوالي المليون ودول أخرى مئات الآلاف.

السؤال الذي يجب أن يوجهه هؤلاء، هو بالأصح لتركيا أردوغان، وللدول العربية التي لا تتعامل مع اللاجئ السوري أو الفلسطيني أو العراقي أو من أي جنسية أخرى، إلا من منظور استعماله كأداة للضغط على الدول الغربية، في حالات للحصول على الدعم المالي، وفي حالة أخرى كتركيا، للحصول على تسهيلات دخول الاتحاد الأوروبي لمواطنيها، اللذين يعيشون في بلادهم ببحبوحة اقتصادية، كما قيل لنا، وللحصول أيضاً على بعض المليارات الإضافية، وبيع حُلم الانضمام لأوروبا من جديد، مُبتعدة بذلك عن العالم الإسلامي.

هكذا سياسات لا تأخذ قطعاً بالحسبان، مصلحة اللاجئ نفسه، الذي يتحول إلى بضاعة تُباع وتُشترى.

إرهاب البحر المتوسط ونهر الدموع والدماء، المُتدفق إله يومياً، هو أولاً مسؤولية دول المنبع لهذا النهر، ولكن أيضاً مسؤولية الدول الأخرى التي بدل أن تدعم أمل التغيير الديمقراطي، تُقوي أنظمة الاستبداد، كما في الموقف الإيراني الروسي، أو تمنع عمل أي شيء لوقف القتل الدائر في بلاد الشرق الأوسط، ليلاً نهاراً، كمعظم الدول الغربية وذلك تحت ضغط أطراف من لوبييات دول العرب وسلطاتهم المُستبدة، أو تجاوباً مع مصالح إسرائيل، كل ذلك لمنع زحف الربيع العربي.

نهر اللجوء سيستمر، ما دام الاستبداد هو نظام معظم دول الشرق الأوسط، وكما هُجر أبناء بلغاريا وبولونيا وهنجاريا، خلال الحرب العالمية الثانية، هرباً من النازية ثم هرباً من الشيوعية، فإن مهاجري هذا الزمن سيعودون إلى أوطانهم بعد هزيمة الاستبداد، كما هُزمت النازية والفاشية وهُزمت الشيوعية من بعدها.

والتاريخ يذكرنا بالحرب الأهلية الإسبانية بالثلاثينات، حيث هاجر مئات الآلاف إلى فرنسا، ولكن إسبانيا انتهت بهزيمة فرانكو، وإقامة نظام ديمقراطي، ولو بعد أربعين عاماً على نهاية الحرب الأهلية بالانتصار الوهمي للنظام الفاشي.

كل هذه الشعوب، هزمت أنظمتها الشمولية بنفسها، وعلينا نحن كعرب أن ننظر أولاً إلى أنفسنا، وأن نبني في أوطاننا أسس الديمقراطية والدولة الحديثة، ولا ننتظر دعم الغرب أو الشرق، علينا أن نُحمل أنفسنا المسؤولية فيما يحدث، فالآخرون لا يستطيعون فعل شيء فينا لو لم يجدوا بيننا من يعمل ضد شعبه وأمته.

وحدة قوى حداثة الأمة في كل أقطارها، هو إذن أمل المستقبل، لإنهاء الاستبداد وإخماد نهر الهجرة، وإعادة اللون الأزرق لمياه البحر المتوسط الهادئة.