مبادرة لتجميل وجه بوتين

08/11/2016

نشر بدنيا الوطن 

مبادرة لتجميل وجه بوتين

د. نزار بدران

تقوم السلطات الفلسطينية حالياً، باتصالات مع الإدارة الروسية، بشأن مبادرة جديدة، أطلقها فلاديمير بوتين قبل أشهر، بهدف إعادة المباحثات لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ومن المحتمل أن يقوم رئيس الوزراء الروسي، ديمتري ميدفيديف، بزيارة المنطقة في هذا الإطار قريباً، بحسب الإعلام الروسي. وبحسب بعض المحللين، فإن الهدف الأساسي للمبادرة، هو إفشال الجهود الفرنسية لعقد مؤتمر دولي بباريس، كانت قد رفضته إسرائيل.

نحن طبعاً لسنا ضد المبادرات الدولية، الهادفة للتوصل إلى تسوية للصراع، ولو كنا ندرك بأنها بشكل عام، ومنذ عشرات السنين، لم تفض إلى أي نتيجة تُذكر، ولكننا نستغرب أن نتوجه لروسيا الآن، وهي التي تقصف شعباً عربياً شقيقاً، وتدمر مستشفياته وتهدم منازل المواطنين السوريين على رؤوسهم، هذا الشعب الذي كان دعماً وسنداً لنا، فهو جزء منا ونحن جزء منه.

نستغرب أن نطلب من الرئيس بوتين، الذي يرفض فكرة الحرية والانعتاق للشعب السوري، أن يعمل شيئاً ليعطينا هذه الحرية. نستغرب أن نطلب ممن يمنع الحرية عن شعبه نفسه، ويضع معارضيه في السجون، إن لم يقتلهم، أن يعمل شيئاً للشعب الفلسطيني.

يجب أن نُذكر القيادة الفلسطينية، بأن التحالف الروسي الإسرائيلي، القائم تجاه الحرب السورية، والتقارب بين البلدين، واضح للقاصي والداني، ولم تكتف روسيا بدعم إسرائيل عسكرياً، حين أُنشئت عام 1948، بل زودتها بأكثر من مليون مواطن، سرقوا أرضنا، ويعملون حالياً، كلوبي صهيوني، للتأثير في السياسة الروسية وليس العكس.

في الوقت الذي ترتفع فيه أصوات الكثير من الناس والدول والمنظمات الحقوقية، للتنديد بالهجمات الروسية الإرهابية، ضد أبناء شعبنا السوري، فإنه ليس من اللائق للفلسطينيين، أن يتوددوا ويتقربوا من هذا الطرف، الذي لم نعرف منه، إلا التدمير والإجرام.

مجلس حقوق الإنسان نفسه، أخرج روسيا من عضويته، بسبب جرائمها الحالية في سوريا، فكيف نقبل على أنفسنا، أن نقوم بإعطاء بوتين شهادة حسن سلوك، في نفس الوقت الذي تدك فيه طائراته، مخيمات أبناء الشعب الفلسطيني في سوريا، كباقي السوريين. مستقبل الشعب الفلسطيني هو مع الشعب السوري، وليس مع الحكم الروسي، فلا يجوز لنا أن نسجل على أنفسنا، ولو مرة واحدة، أننا لسنا والشعب السوري في خندق واحد.

نأمل من القيادة الفلسطينية، أن تكون أكثر قرباً من جماهير الأمة، وتطلعات شعوبها، كما هو الحال بالنسبة للشعب الفلسطيني، الذي لا ولن يرى بعين السرور زيارات قادة عرب إلى كيان الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين المحتلة، في الوقت  الذي ينتهك هذا الكيان، حقوقه بالعيش في وطنه بكرامة وحرية، فكيف سيرانا الشعب السوري، ونحن نتعامل ونستقبل من يقتلونه يومياً؟.

 

حرب الجبناء في سوريا

26/08/2016

حرب الجبناء في سوريا

د. نزار بدران

ماذا فعل أطفال وأبناء حلب وسوريا، لروسيا وبوتين، حتى يستحقوا كل هذه الهمجية، والقتل القادم من السماء؟ غير مطالبتهم بالحرية.
صوت الحرية القادم من دمشق ودرعا وحلب وحمص وحماة، هو الذي أخاف قيصر الكرملين، فصوت الحرية عال وقوي، ويصل إلى كل مكان. صوت الحرية هذا سيصل للشعب الروسي، وإن تحرك فلن يُبقي على بوتين ولا على نظامه.
حرب الجبناء الروسية، هي حرب الخائف المُرتعد الأوصال، من صحوة شعبه، يريد عن طريق إسكات أصوات الآخرين في سوريا أن يطفئ نورها ونارها بموسكو.
أن يُقتل الأطفال والنساء، وتُدمر المدن بدون أي هدف عسكري، هي حرب الجبان، الذي يستقوي على الضعيف، لمعرفته بعدم امتلاك الثوار السوريين، لأسلحة قادرة على إسقاط طائراته.
حرب الجبناء، تتجلى في ضرب المدنيين، عندما يعجز “أرباب القوة” عن هزيمة المقاتلين، ليستعملوا التجويع وحصار المدن والقرى السورية، وسيلة لإسكات صوت الحرية. طائرات بوتين وصواريخه المُجنحة القادمة من إيران ومن البحر، لم تمنع الثوار من فك حصار حلب، ولم تمنع الشعب السوري من الالتفاف حول ثورته.
هل حقاً روسيا تولستوي وبوشكين وغوركي وتشايكوفسكي، الذين غنوا وأغنوا الإنسانية وقدموا لها روسيا الأدب العالمي، روسيا الفن والموسيقى، ستقبل طويلاً أن يقودها إلى المجهول مُجرم حرب؟. أبناء روسيا هم أيضاً تواقون إلى الحرية، ويتذكرون صمود ستالينغراد أمام الهمجية النازية، وسيصلهم لا محالة صوت أطفال حلب، ولن يقبل شعب روسيا أن يُلطخ تاريخه بهذه الجرائم، كما فعل هتلر في زمنه بألمانيا .
تحالف الجبناء، بموسكو وطهران، المرتعدون خوفاً من صحوة شعوبهم حتما ولو بعد حين، لن يُفيدهم شيئاً، فصوت الحرية أقوى وأعلى من انفجارات صواريخهم، وأزيز طائراتهم.

انهزم السوفييت في أفغانستان أمام المجاهدين، وسقط الاتحاد السوفيتي بقوته وجبروته وقنابله الذرية والهيدروجينية وآلاف صواريخه الموجهة. وتحررت دول أوروبا الشرقية من قبضة الروس، التي استمرت سبعون عاماً، ولم تستطع القوة العسكرية الشيوعية، الأكبر بالعالم، أن تمنع ذلك.
انتصر السود بجنوب أفريقيا، ولم تستطع حوالي نصف قرن من الفصل العنصري وقوة البيض العسكرية، وقنابلهم النووية من منع ذلك. وانتصر الشعب التشيلي على حكم العسكر، رغم آلة القتل الرهيبة، التي وضعها بينوشيه، لوئد الديمقراطية.
انتصر الشعب الفيتنامي، على جيش أمريكا، رغم قنابل النابالم، وآلاف الغارات الجوية وآلاف القتلى. وقبل ذلك، انتصر الشعب الجزائري الأعزل على المستعمر الفرنسي المُدجج بالسلاح، وغاندي المُسالم على الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.
صوت الحرية هو دائماً أعلى وأقوي من صوت المدافع والطائرات، حتى لو حمله أطفال بعمر عمران، الخارج من أنقاض بيته، أو إيلان الذي قذفه البحر على الشاطىء. فلا نامت أعين الجبناء.

زيارة النواب الفرنسيين إلى سوريا تحالف ضد من؟؟

04/03/2015

زيارة النواب الفرنسيين إلى سوريا

تحالف ضد من؟؟

نزار بدران

زار سوريا مؤخراً أربع من النواب الفرنسيين والمحسوبين على الأغلبية النيابية، حيث اجتمع النواب مع الرئيس بشار الأسد والمسؤولين السوريين.

المسؤولون الرسميون الفرنسيون وبشكل خاص رئيس الوزراء، فانس، استنكروا هذه الزيارة ولم يتبنوا نتائجها وحدثت ضجة إعلامية قوية، بشكل عام ضد هذه الزيارة التي تُعتبر خرقاً لقطع العلاقات الفرنسية السورية منذعام 2012.

كالعادة يمكن اعتبار هذه التصريحات الرسمية إبعاداً لشبهة تغيير السياسة الفرنسية، ولكن حقيقة كونها بالون اختبار هو شيء لا يمكن استبعاده وخصوصاً أن النواب المعنيين لا يُخفوا توافقهم مع السياسة الفرنسية الرسمية.

هل هناك حقاً نية لإشراك الأسد في التحالف الغربي العربي الإيراني ضد تنظيم الدولة ؟ كما يوحي لنا السادة النواب !!…. وهل حقاً الدول المُتحالفة حالياً ليست قادرة على هزيمة هذا التنظيم؟؟ وهل هي بحاجة لدعم جيش مُنهك  بحرب داخلية منذ أربع سنوات وقد تخصص بقصف المدنيين بالبراميل المتفجرة، ولم يختبر قوته منذ اكثر من اربعين سنه  إلا بقتل وقصف المدنيين في حماة عام 1982 أومخيم  تل الزعتر عام 1976 في جنوب  لبنان أو الأكراد السوريين او الدعم العسكري للتدخل الامريكي بالعراق عام 1991. وهل حقاً هذا ما ينقص القوة العسكرية الهائلة المُتراكمه في القواعد الأمريكية والعربية في المنطقة.

لنا الحق أن نطرح السؤال ونشكك في النوايا المُعلنة، الحقيقة بأن هناك إرادة غربية عربية إيرانية لإنهاء أي حراك ديمقراطي عربي وخصوصاً في سوريا، فالثورة السورية لم تجد إلا أعداء في وجهها، إيران وروسيا، ولكن الأشد فتكا هم من يدعون أنهم الأصدقاء والذين تركوا النظام السوري على مدار أربع سنوات يُهجّر الملايين ويقتل مئات الآلاف من الأبرياء، أطفالاً ونساء، يموتون بالبراميل، وصواريخ سكود، والسلاح الكيميائي، والبرد والجوع. هذا كله لم يكن سبباً لهم لوقف هذا الإجرام.

محاولات إعادة تأهيل النظام السوري هي في الحقيقة محاولة يائسة لإنقاذه من سقوط أكيد وخدمة لإسرائيل المُستفيد الأكبر من هذا النظام، وهي أيضاً تقرباً لآيات الله القابعين على صدر الشعب الإيراني والذي لم يجد من يدعمه عندما قام بانتفاضة سنة 2009 وبدأ بها ربيع المنطقة.

إسرائيل ومن يقع تحت تأثير اللوبي الصهيوني يعملون جاهدين وبكل الوسائل بما فيها إشعال الحروب الطائفية، على إنهاء الحراك الديمقراطي العربي، هذا الحراك الذي يعتبرونه بحق خطر وجودي على كيانهم.

مهما كانت قُوى الثورة ضعيفة، ومهما كانت هائلة قوة معسكر الثورة المضادة من اليمن إلى ليبيا والعراق والبحرين وسوريا وغيرها إلا ان هذا الحراك على ضعفة ووتميزه  ببعده الإنساني المُطالب بالحرية هو في الحقيقة المُستهدف من كل هذه السياسات العربية والغربية.

وليست داعش إلا ستار يختفي من ورائه هؤلاء الممثلون السيئون الذين يعملون لوقف مسيرة الأمة وخروجها من ماض أسود ودخولها عالم الحضارة والإنسانية.

نوابنا المحترمون قاموا عن وعي أو دونه بوضع فرنسا من جديد في معسكر الدول الداعمة للاستبداد وهي التي رفعت عالياً قيم الإنسانية والمساواة والعدالة في تعاملها مع دول وشعوب العالم خلال الخمسين سنة الأخيرة.

نأمل – ونحن نعرف تماما  وعي وتعلُق الشعب الفرنسي بقيم الحضارة الإنسانية ونضاله المُستمرمن أجلها –  بأن تنتهي هذه السياسات إلى الفشل.

04/03/2015

 

بوتين يهرب إلى الأمام!

10/10/2015

 

بوتين يهرب إلى الأمام!

نزار بدران

 

تُقدم العديد من وسائل الإعلام التدخل الروسي الحديث في سوريا،على أنه نتيجة سياسة روسية صائبة، مقابل التخبط الغربي والعربي، الذي تعودنا عليه منذ أربع سنوات، فالغرب وعلى رأسه أمريكا، يُعطي الانطباع بأنه اكتفى بالتصريحات الجوفاء، ولم يستطع أن يفعل شيئاً أمام التحالف السوري الإيراني الروسي. ولكن الحقيقة التي يجب الالتفات إليها، أن الأمر يختلف في رأيي عن ذلك كثيراً، فلو تصورنا لحظة أن التحالف السوري الروسي الإيراني كان مُنتصراً وثابتاً على الأرض، وأن قوات جيش بشار الأسد تتقدم على كل الجبهات، من درعا إلى حماة وحلب ودير الزور، لما احتاج هذا التحالف إلى تغيير تكتيكاته ودخول قوة عُظمى إلى ساحات الصراع.

لكن الحقيقة أن المشارفة على انهيار النظام السوري، وفشل النظام الإيراني والميليشيات المذهبية المسنودة من طهران في دعمه، رغم كل ما قدم حتى الآن، والخسائر الكبيرة التي مني بها حزب الله، وأمثاله من ميليشيات “الحشد المذهبي” العراقي والأفغاني، وانحسار أماكن تواجدهم لصالح قوى المعارضة، هو الذي أجبر قسراً، الرئيس فلاديمير بوتين، على دخول المعركة مباشرة، مُكرهاً وليس لكونه بطلاً سياسياً محنكاً. على أن فشل سياسة إيران في سوريا لإنقاذ النظام، رغم الدعم المالي والعسكري الهائل لروسيا، هو ما كان وراء القرار الروسي بالتدخل المباشر.

وكأي نظام غير ديمقراطي، يبني بوتين سياسته الداخلية والخارجية، على مبدأ قمع وإنهاء المعارضة الروسية؛ فهذا نظام لم يرث من الحكم الشيوعي إلا مؤسساته الاستخبارية والبوليسية، ولم يستعمل الديمقراطية والانتخابات إلا لسرقة روسيا وثرواتها، لصالح حكمه، وحكم المافيات التي يمثلها، في استعادة مكرورة لنهج حكم يحتكم ويستند بدوره لأوهام الذات القيصرية.

يأتي التدخل الروسي في سوريا، في إطار منع ولادة أي نموذج ديمقراطي في أي مكان، خوفاً من العدوى التي قد تصل إلى شعبه، ولكنه في نفس الوقت يُعطي المعارضة الروسية وسائل جديدة لتعبئة الرأي الداخلي ضد بوتين وسياساته، خصوصاً وأن ذكرى الحرب الأفغانية ليست بعيدة، ومئات الجنود الذين عادوا بتوابيت لروسيا، لم تُنس بعد، بالإضافة لمستوى الحياة المُتراجع مع الأزمة الاقتصادية، وانخفاض سعر النفط، وتكاليف حرب أوكرانيا.

بمعنى من المعاني، يشكل تدخل بوتين وبقوة عسكرية كبيرة، نوعا من الهروب إلى الأمام، حيث المخاطر تحدق وتحف بهذا التدخل من كل الجهات؛ الانتصار فيه يعني إنقاذ بشار الأسد وإنهاء الثورة، بينما الهزيمة فيه تحتم زوال بشار ونظامه. ولسوء حظ بوتين، فسوريا ليست الشيشان الصغيرة، ولن يستطيع أن ينجح في ما فشل فيه الإيرانيون، بكل قوتهم وقوة حلفائهم.

الصديق الوحيد للسياسة الروسية في هذه المرحلة هو إسرائيل، ونحن نرى ذلك كل يوم، فهي الوحيدة في العالم التي لها مصلحة حقيقية بإبقاء النظام السوري، لأنها تُدرك أن انتصار الربيع العربي، الذي سيتبع انهيار الحكم السوري، سيشكل خطراً على وجودها، فشعوب ربيع الأمة لن تقبل انتهاك حقوق جزء منها وهو الشعب الفلسطيني، وسرقة قطعة من أراضيها وهي فلسطين.

من هنا يمكن رؤية أن المشترك ونقطة الالتقاء في السياسة الدولية تجاه سوريا، هي مصلحة إسرائيل والأمن الإسرائيلي، وليس مُحاربة الإرهاب، كما يدعون ويخلقون لها الفزاعات، فالغرب بتخبطه الظاهري وفشله في دعم الثورة، يُترجم واقعياً، سياسات تتناقض مع مبادئ الديمقراطية المؤسسة له، وحتى لمصالحه المستقبلية، وذلك تحت تأثير ولصالح اللوبي الصهيوني، الذي ما زال مسيطراً على كثير من مواقع القرار ووسائل الإعلام. وروسيا من ناحيتها تتدخل كما تشاء، مداً وجزراً، وتتحالف عسكريا مع من كانوا يعتبرون ألد أعداء إسرائيل، أي إيران وحزب الله، بدون أي احتجاج إسرائيلي، بل على العكس، أُعطيت لها كل المباركة والتأييد.

لنفهم بوتين، علينا أن نُدرك مدى خوفه من الشعب الروسي ومطالبه الديمقراطية، ولنفهم الغرب علينا أن نُدرك الدور الإسرائيلي، في صياغة سياسات دوله.

قد يكون مستقبل سوريا والربيع العربي، مرتبط بشكل أو بآخر، بإرساء الديمقراطية الحقيقية في روسيا، وحينها لن تدافع إلا عن مصالح شعبها، وتتضامن مع حراك كل الشعوب، وتدعم حقوقهم بالديمقراطية والعيش الكريم. وقد يكون هروب بوتين الى الأمام “غلطة الشاطر” التي ستُعيد الصحوة والحراك إلى ملايين المقهورين في روسيا، حيث صادر بوتين حقهم بالحياة الكريمة، لصالح إمبراطوريته الوهمية. ورُب ضارة نافعة.

حلب برعم الأمل

 16/08/2016

حلب برعم الأمل

د. نزار بدران
تتحقق تحت أنظارنا معجزة حقيقية، عندما تنعكس موازين القوى لصالح الضعيف ضد القوي، قد لا يدوم ذلك، ولكن حدث كسر طوق الحصار عن حلب، من المقاتلين المُحاصرين، بوجه آلة حرب جبارة، بقيادة دولة عظمى كروسيا، لن يمر بدون نتائج سلبية على التحالف الروسي الإيراني السوري.

حلب حُوصرت لأول مرة من قِبل المغول، عام 1260م، وقُذفت بالجثث الموبوءة بالطاعون من قِبل هولاكو لنشر الوباء، ولكن هؤلاء، رغم تحالفهم مع الفرنجة وبعض ملوك الشرق، لم يتفادوا الهزيمة واندحروا بعين جالوت، وتاه جنودهم بالصحراء السورية، وماتوا جوعاً وعطشاً.

أبطال حلب المحاصرين؛ مقاتلون ومدنيون، لم يقبلوا بالعرض الروسي، بممرات آمنة لقنصهم، وفرض الاستسلام عليهم، بل ما حدث هو دفع الطرف الآخر المُحاصر، إلى الاعتراف بالهزيمة ولو مؤقتاً، هزيمة جالوت أمام داوود.

كيف حدث ذلك، وما هي الأسباب؟ كثيرون سيكتبون الآن ولاحقاً عن ذلك، ولكن ما يهمنا هو معنى هذا الصمود، ودور القوى المناضلة من أجل الحرية على ساحة الأرض العربية لنصرته. فصمود حلب هو نقطة البداية، لوقف موجة الثورة المضادة في العالم العربي، والتي وضعت حداً للربيع العربي، لم ينج منها مؤقتاً حتى الآن إلا تونس.

صمود النظام السوري، والدعم الهائل الذي يحصل عليه، مع تواطؤ واضح من أمريكا وإسرائيل والغرب، سمح بارتداد موجة الربيع العربي إلى الخلف، وهو ما بدا واضحاً في كل دول الربيع، من مصر إلى ليبيا واليمن والبحرين والعراق، هو إذن موجة ردة، متقدمة هادرة، أغرقت الأمة بالدماء والدمار، وفتحت الأبواب للقوى الظلامية لتجد لها موضع قدم.

التدخل الروسي لإنقاذ النظام السوري، الذي لم تستطع إيران وميليشياتها إنقاذه، كان من المفترض به أن يُؤتي أُكله، كما حدث بجمهورية الشيشان سابقاً، وهي الأقرب نظرياً، للمثل السوري، فسوريا لا تُشبه أفغانستان، التي في زمنها كان مجاهدوها الإسلاميين، وبكل أطيافهم معتدلين ومتطرفين، مدعومون من كل الدول الغربية والعربية والإسلامية وعلى رأسها أمريكا، ولم يكن يهمهم التطرف الديني لهؤلاء المجاهدين، ما داموا قادرين على استخدامهم واستثمارهم ضد السوفييت.

كان على بوتين أن يتعلم، من حصار ستالينغراد، فرغم قوة الجيش النازي السادس المُحاصر لهذه المدينة، إلا أنه وقع بدوره في فخ حصار آخر من الجيش الروسي الناشيء، وأجبره على الاستسلام ملحقا به الهزيمة.

الفشل الروسي لحد الآن، وهزيمة حلب الأخيرة، أمام حفنة من المقاتلين وصمود شعب حلب البطل، قد يكون نقطة البداية، لوقف موجة الارتداد الثوري العربي، وإعادة شيء من الحياة والأمل إلى تلك الجماهير المعذبة، بالرمادي والفلوجة والموصل وميدان التحرير وميادين الاعتصام بصنعاء وغيرها من العواصم. كل هذا بالتزامن مع ربيع تركي عارم، أظهر أن الشعب الموحد، بكل اتجاهاته، قادر على قلب كل المقاييس والمعايير رأساً على عقب.

نحن إذن في فترة الأمل بعد اليأس، أمل صغير وضعيف، ولكن البداية دائماً هكذا. نصر حلب هو أمل عودة الروح للأمة جمعاء، وهو ما يفرض عليها وعلى قواها المناضلة من أجل الحرية والديمقراطية، أن تنهض من جديد في كل أقطارها، وتسترجع الأمل في إمكانية التغيير من الأسفل، أي من الشعب، بدون انتظار القادة الملهمين، كما رأينا بحلب وتركيا، علينا إذن الدفع والعمل، لنشر ثقافة الصمود والأمل، بوجه آلة القتل والدمار، لأنظمة التجزئة، والتوقف عن الانكفاء للوراء واليأس.

حكم ملالي إيران، القادمون من غياهب التاريخ، وسلطة بوتين التواقة إلى الحكم الاستبدادي السوفيتي المنهار، يبذّرون أموال واقتصاد دولهم في محاولة لتحقيق أحلام العظمة، وتمكين أشخاصهم بالسلطة، على حساب تقدم وتطور بلادهم وديمقراطيتها. سيؤدي ذلك عاجلاً أم آجلاً، الى عودة الروح للحراك الديمقراطي الشعبي في هذه الدول، فالشعب الإيراني أو الروسي ليس له أدنى مصلحة بدخول حرب ضروس، طويلة ومكلفة في دولة مثل سوريا، ومحاربة شعبها وقهر إرادته ومطلبه العادل بالحرية، بل على العكس هذان الشعبان، هما بكل تأكيد، داعمان لهذه المبادىء، وتواقان هما أيضاً للوصول إليها.

دعم ثوار وأهل حلب وسوريا، يتم عن طريق نشر روح الصمود التي أظهروها، والإصرار على النصر، حتى ولو بدا ذلك متناقضاً مع بديهيات توازنات القوى والهيمنة المفروضة علينا.

الثورة السورية او الموت نيابة عن الاخرين

 

الثورة السورية

 أو الموت بالنيابة عن الآخرين!

د. نزار بدران 

في الخامس عشر من هذا الشهر، تكون قد مرت أربع سنوات على انطلاقة  الثورة السورية. ومذذاك يواجه الشعب السوري واللاجئون الفلسطينيون حرب إبادة من قِبل النظام السوري، لإبقائهم في بيت الطاعة..

هل كل هذا الدم النازف فقط بسبب تعنت النظام وجبروته، ونحن نرى جيشا مقطع الأوصال وشديد الإنهاك، وقد فقدت الطائفة العلوية – وهي عماد النظام-  الآلاف من أبنائها. بينما بات الكل يدرك أنه لولا الدعم الأجنبي، وخصوصا الروسي والإيراني، وتواطؤ الدول الغربية تحت ضغط اللوبي الصهيوني، لانتصرت الثورة السورية منذ زمن طويل.

لكن المستهدف حقيقة من هذه الحرب، والذي يفسر إصرار حلفاء النظام السوري على دعمه، هو إنهاء أي نفس ديمقراطي لما يشكله لهم من هاجس انتشار الحرية في بلادهم، وتصرفات بوتين في أوكرانيا وقمعه للمعارضة الروسية، واغتيال قادتها أكبر دليل على ذلك.

إيران آيات الله وأدت ربيعها سنة 2009، عندما قمعت “الثورة الخضراء” بقوة السلاح، ونفذت الاعدامات بالجملة. من يومها واستعدادات الدعم الايراني لكل حراك معاد للربيع العربي، من قبيل دعم الحوثيين باليمن، واستفراد الربيع البحريني، يعني أن الثورة المضادة بزعامة الملالي قد أطبقت في ليل على قوى الثورة في بلادنا، ليتضح أن هاجس قوى الثورة المضادة ذات التوجه الامبراطوري في إيران، ليس الدفاع عن الطائفة الشيعية كما تحاول أن تظهر، وإنما القضاء على أي مطالب بالحرية.

بدورها اسرائيل لم تكن لتتوقف يوما عن إظهار الخطر المحدق بها من المحور الايراني السوري اللبناني، لتطالب العالم بالتصدي له، ولكنها لم تنتهز فرصة انغماس هذا المحور بحرب داخلية طاحنة للانقضاض عليه، ومنعت عمليا أي تدخل غربي فعلي لصالح دعم الحراك الديمقراطي السوري، ولم تدع الحصان الأمريكي الهائج يتدخل إلا لصالح مصادرة الأسلحة الكيميائية وتدميرها، وذلك لتفادي خطر سقوطها بأيدي المعارضة وخروجها من اليد الأمينة. فالصهيونية تدرك ما يشكله الربيع العربي  وانتشار الديمقراطية من خطر وجودي على إسرائيل التي لم توجد إلا للامعان بتجزيء الأمة، والإبقاء على أنظمة الاستبداد.

من جهتها تحول الأنظمة العربية المرتعشة دون وصول أمل الحرية إلى شعوبها؛ لتقف صفا واحدا،  موحدة جهودها لمحاربة كل من نادى ورفع شعار أحقية المواطن باختيار قياداته السياسية عبر عملية ديمقراطية. فمن أجل ذلك تقوم حكومات الاستبداد بنقل تناقضاتها مع مجتمعاتها التي أفقرتها ونهبتها الى تناقضات داخل مكونات المجتمع نفسه،عامدة إلى خلق الأرضية  المناسبة للتناحر العرقي والطائفي، بينما الكل هم ضحايا هذه الأنظمة مند ستين عاما.

وحتى ترعب المطالبين بالحرية، فهي تلجأ إلى إثارة مخاطر الحركات الفاشية الجديدة، فيما هي وتحت راية محاربة الارهاب والتطرف، تقوم بتوحيد جهودها لقهر أي حراك ديمقراطي، وهذا ما سنراه في مؤتمر شرم الشيخ المزمع انعقاده لتكوين قوة مشتركة لمحاربة الإرهاب،  والذي يعني لهم طبعا كل من رفع كلمة الحرية، كما في رابعة العدوية، أو ساحة اللؤلؤة بالمنامة، وليس فاشيي “داعش”.

في الخلاصة فإن هذه الأنظمة لم تجتمع  لمحاربة إرهاب النظام السوري الذي قتل مئات الآلاف، وما اجتمعت لمحاربة إرهاب اسرائيل الذي يدمر غزة مرة كل سنتين، ويطرد الشعب الفلسطيني من أرضه يوميا ويحاول تهويد القدس.

الشعب السوري يدفع اذا ثمن الحرية التي يطالب بها المواطن العربي في أي بلد كان، فالضحايا الابرياء والأطفال المشردين والنساء الثكالى والشهداء، هم ثمن حريتنا جميعا.

لقد اصطدم تسونامي “الربيع العربي” الجارف في سوريا بصخرة تحالف المستبدين، وتواطؤ الغرب معهم. حتى أن ارتداده إلى الخلف هو أيضا جارف، فتواطؤ القوى المعادية لأي تغيير ديمقراطي في بلادنا، مستفيدين مما يجري في سوريا، أدى الى مذابح رابعة العدوية وارتداد الثورة المصرية وعودة مصر الى اسوأ مما كانت. لتتواصل موجات هذا التسونامي المرتد لتصل إلى ليبيا، حيث  وصل الأمر بأن يزود خليفة حفتر المدعوم من دول الخليج ومصر وأمريكا في آن واحد، بكل الوسائل للقضاء على الثورة الليبية التي تصور البعض مخطئا، أنها كانت صنيعة الغرب. وما يحدث في اليمن من انتشار للثورة المضادة التي يقودها الحوثيون، المدعومين مباشرة من إيران، إلا شكل آخر من أشكال هذا الارتداد.

الشعب السوري بإصراره على المضي بثورته، ورفضه العودة لزمن العبودية، يدفع من دم أبنائه ثمن حريتي وحريتك، وحقي وحقك بأن نعيش في وطن يحفظ لنا حقوقنا، ويدافع عنها، بدل أن نكون رعاعا وخدما للحكام وأسيادهم.

إن نصرة الشعب السوري هي إذن مهمة الأمة، ومهمة كل مواطن حر، من أجل الدفاع عن النفس. وسيكون انتصار الثورة السورية بمثابة نقطة اللا عودة، كي يتقدم الربيع العربي من جديد، وتتوقف أمواج الردة، بل وكي تعود الثورة من جديد الى ألق بداياتها.

وحدة كل قوى التغيير الديمقراطي في وطننا الكبير، والتوقف عن الانكفاء على مشاكلنا القطرية، والانتباه الى توحد معسكر أعداء الديمقراطية؛ هو الكفيل بإعادة البوصلة الى اتجاهها السليم، وإعطاء الزخم الضروري للنصر.

ليكن شعارنا كلنا سوريا وكلنا سوريون.