اقتراحات لتنظيم عمل الجاليه الفلسطينيه بفرنسا

اقتراحات لتنظيم عمل الجالية الفلسطينية بفرنسا

ورقة عمل للنقاش

د. نزار بدران

مقدمة

تتميز الجاليات الفلسطينية بالعالم الغربي، على قلة عددها النسبي، بمستواها الثقافي والعلمي والمهني المميز، وكذلك مقدرتها على الاندماج بالمجتمعات المحلية والمشاركة بالفعاليات الاجتماعية والسياسية لهذه المجتمعات. انفتاح هذه المجتمعات وديمقراطيتها العريقة، يسمح لأبناء الجالية بالتعبير الحر والعمل بدون عوائق كبيرة، رغم وجود مجموعات ضاغطة معادية بالصحافة والأحزاب السياسية.

هناك بُعدان لأعضاء الجالية الفلسطينية بفرنسا :

الُبُعد الأول، هو الانتماء إلى العمل الفلسطيني من منظار حراك سياسي مُعين، بانتماء رسمي أو غير رسمي، فقد ننطوي تحت فكر جبهة فلسطينية مُعينه، كحركة فتح أو حماس أو الجبهة الشعبية وغيرها، ونُدافع عن أهدافها وتصوراتها، وقد لا نكون منطويين تحت فكر معين لحركة معينة، وإنما نحمل فكراً مستقلاً، بمعنى الانتماء إلى تيار فكري كالليبراليين، أو الاشتراكيين، أو القوميين بدون انتماء لحركة سياسية، وهذا ما نسميه المستقلين.

هذا البُعد الأول، يعني وجود خلافات بالرؤى والتصورات ووسائل العمل، للوصول إلى الهدف الوطني، وهو مرتبط بتاريخ الشخص وانتماءه الطبقي، والتأثيرات التي عاشها بحياته بالوطن أو بالمهجر.

هذه الاختلافات بالرؤى، هي التعبير الصحي عن حيوية المجتمعات، وليس نقطة ضعف فيها، توحيد الرؤية السياسية لكل أطياف الشعب هو ما يُسمى الشمولية، أي عدم وجود الرأي المعارض، حيوية الديمقراطيات الغربية، مرتبطة بالتعددية السياسية والفكرية، وليس بتوحيد الرؤى وتشابهها.

لا يتفق الناس أجمعين إلا على القيم والمباديء العامة، وليس على الفكر الفلسفي والوسائل السياسية، عند الفلسطينيين، القيم والمباديء العامة، تُدعى الثوابت الوطنية، وهي بشكل عام مرتبطة ببعض النقاط القليلة والواضحة والمتوافقة مع مباديء حقوق الإنسان، المُعلن عنها منذ عام 1948 من قِبل الأمم المتحدة، وليس الشرعية الدولية، والتي هي نتاج توازنات سياسية لقوى مختلفة، والتي قراراتها ، تُعبر حين تبنيها عن موازين قوى ومصالح الأقوياء، ولا تعكس أبداً قيم الإنسانية (مثل قرار تقسيم فلسطين أو الاعتراف بإسرائيل).

فقرة واحد /ما نتفق عليه ) ما يجب أن نتبناة كمبادىء داخل جمعية الجالية للتعريف بنا أي من نحن )

نحن الفلسطينيون نتوافق إذاً على الثوابت الدائمة المرتبطة بالحقوق الإنسانية وهي أولاً حق تقرير المصير للشعوب، حق العودة لأرض فلسطين، وهو ما يتناقض مع قرار تقسيم فلسطين الشرعي حسب المعيار الاممي ،اعتبار القدس عاصمة لفلسطين ، حق اللاجئين بالعمل والعيش بكرامة، وهو ما يتناقض مع القوانين التميزية في كثير من الدول خصوصاً لبنان. حق المواطن بالتعبير عن رأية بحرية، وهو ما يتناقض مع مراقبة الفكر ووسائل التواصل الاجتماعي. حق الفلسطينيين بالتنقل والحركة وهو ما يتناقض مع حصار قطاع غزة وإغلاق المعابر. حق الفلسطينيين بانتخابات حرة نزيهة مُراقبة. حق الفلسطينيين بإطار شامل يجمعهم وهو منظمة التحرير الفلسطينية، وهو ما يتناقض مع الاختلاف الحالي بين الحركات الفلسطينية. الانتماء للأمة العربية، وهو ما يتناقض مع الانكفاء على النفس.

(فقرة اثنان /ما نختلف عليه( ما لا يجب أن نتبناه داخل جمعية الجالية

كلنا إذن نتوافق على ذلك، ولكننا ننتمي لمدارس فكرية مختلفة، أي سنختلف مثلاً على أهمية ودائمية العمل المسلح لتحرير فلسطين، على إقامة دولة فلسطينية بالضفة وغزة، على اعتماد الدين بالعمل السياسي في مجتمع متنوع بأديانه ومعتقداته، على طبيعة العلاقات مع الأنظمة العربية المحيطة، على علاقتنا مع اليسار الإسرائيلي وعلى الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، على أهمية المصالحة بين فتح وحماس، على كيفية إعادة اللحمة بين الأطياف السياسية الفلسطينية، على سياسة السلطة الفلسطينية، على اعتماد الكفاح السلمي والمظاهرات كوسيلة وحيدة للنضال، على تبعية الاقتصاد الفلسطيني للدعم الخارجي العربي أو الغربي، على مُعطيات الربيع العربي، وكُثر أخريات.

تنافر واختلاف الرؤى، مُقابل توحيد الثوابت والقيم، هو شيء يجب الحفاظ عليه، لإغناء الفكر وتقوية العمل، كما نرى بالدول الغربية. وحدها القاعدة الشعبية، عن طريق الانتخابات العامة، أو داخل الأطر الرسمية ( برلمانات، مؤسسات، جمعيات)، من يُحدد أي توجه يُعتمد للعمل، بعد التأكد من تطابقة مع القيم والثوابت ( أو الدستور بالدول الغربية).

لذلك فنحن لسنا دعاة تفرقة عندما نختلف، ولكننا دعاة إغناء فكري، ونُذكر بجملة تشرتشل، رئيس وزراء بريطانيا زمن الحرب العالمية الثانية بما معناه، سأحارب فكرك بما أستطيع من قوة ولكنني مستعد أن أموت من أجل أن تقول وتفكر كما تشاء، أو كما قال ميشيل روكار، رئيس وزراء فرنسا الأسبق أمام البرلمان الفرنسي عام 1988، (الحرية هي أن تكون حراً لتفكر بطريقة أخرى la liberté c’est le droit de penser autrement).

فقرة ثلاثة/ خصوصيات الجالية ومهامها (ما يجب أن نعمل داخل جمعية الجالية أي ما نريد) البُعد الثاني لأعضاء الجالية، هو كونهم بالتحديد، أبناء جالية بمعنى، مجموعة من الناس خرجوا طوعاً أو قصراً من أوطانهم، ويعيشون بأرض أخرى مع شعب آخر، هذه الوضعية الحالية للجالية بفرنسا، تفرض عليها واجبات جُدد ومختلفة عمن يعيش بأرض الوطن.

أولاً الدفاع عن هوية الجالية الفلسطينية، ونقل هذه الهوية إلى الأبناء كالغة العربية، والعادات، وقيم الانتماء لفلسطين، وتاريخ الوطن، حتى لا تتحقق نبوءة بن غوريون بأن الكبار يموتون والصغار ينسون.

ثانياً تقوية العلاقات الداخلية بين العائلات الفلسطينية وهم أصلاً قليلي العدد، مقارنة بالجاليات الأخرى ( الأرمن، البرتغاليون وغيرهم).

ثالثاً تطوير وسائل الاندماج بالمجتمع الفرنسي المستقبل، خصوصاً على مستوى التعلم والعمل والمشاركة السياسية والاجتماعية (مؤسسات، أحزاب، جمعيات)، ودعم الشباب الفلسطيني لذلك ( أبناء الجالية المولودين بالمهجر).

رابعاً تطوير وسائل التواصل مع الجاليات الفلسطينية الأخرى بأوروبا والعربية بفرنسا وغيرها كالمشاركة بمؤتمرات العودة والنشاطات العامة الأخرى.

خامساً توصيل رسالة فلسطين والحق الفلسطيني للمواطن الفرنسي، مُدركين تماماً أن السياسات الرسمية للحكومة والأحزاب، يُحددها الراي العام، وليس العكس، فالعمل مع المجتمع المدني الفرنسي هو من قد يغير المواقف السياسية الرسمية (مثال حملة المقاطعة,BDS).

سادساً دعم حقوق وكفاح المواطن الفلسطيني بكل أماكن تواجده.

سابعاً الدفاع عن مصالح الجالية ككل، بالانتماء لفلسطين والمشاركة بالقرارات المُتخذة خصوصاً ما تتعلق بحقوق اللاجئين والمغتربين، فالجاليات الفلسطينية يجب أن تكون إثراء للعمل والفكر الفلسطيني، وليس تمزيقاً للمجتمع وتشتيتاً لقواه، هي قوة إضافية مهمة لدعم الحق الفلسطيني، خصوصاً أنها متمكنة في كثير من الأحيان في الأطر المحلية الاجتماعية والسياسية.

فقرة اربعة/ خلاصة

خلاصة القول، أن على الجالية أن تقوم بمهامها المنوطة بها لكونها جالية، وبشكل خاص إعادة اللُحمة والوحدة للصف الفلسطيني بفرنسا، وثانياً السماح لكل الأعضاء بالتعبير الحر عن الرأي لإغناء النقاش والفكر الفلسطيني، كوسيلة وحيدة لحل الأزمات. تتبنى الجالية وتعمل للدفاع عن القيم المشتركة لأعضائها وهو ما نسميه الثوابت الفلسطينية، وبنفس الوقت تفتح صدرها لكل الآراء والآفكار الخارجة عن الثوابت ، بتناقضاتها وتضاربها، دون تبنيها.والتي يجب أن تطرح فقط من خارج أطر الجالية الرسمية أي خارج اجتماعات الهيئة الإدارية أو الجمعية العمومية، أو المنبر الإعلامي الرسمي للجالية بهذه الطريقة لا يتناقض الانتماء الحزبي مع الانتماء للجالية , وثالثا تعميق الإنتماء لفلسطين لابناء الجالية المولودين بفرنسا. رابعا تسهيل الاندماج بالوسط المحلي الفرنسي، والتعامل معه من خلال مؤسساته المدنية، هي أنجع الوسائل للتأثير بالقرار السياسي على مختلف مستوياته.

قد يكون فتح منبر إعلامي مستقل للجالية وسيلة مناسبة لتحقيق الوحدة وإثراء الفكر

ملحق

دور مؤسسات المجتمع المدني بالمشروع الوطني الفلسطيني

ما هي الاسس التي نستطيع ان نبني عليها لتفعيل دور المجتمع المدني للنهوض بمشروعنا الوطني المشترك. البعد الحقوقي وارتباطه بلائحة حقوق ألإنسان ,هو أول نقطة ارتكاز للدور المُناط بمؤسسات المجتمع ألمدني في إطار المشروع الوطني ألفلسطينيي والذي هو من منظار القانون الدولي مشروع حقوقي بامتياز، ويذكرنا ذلك بمشروع نيلسون مانديلا بجنوب أفريقيا، ونجاحه الباهر بالتحرر.

الُبعد السياسي هو الوجه الثاني لدور هده ألمؤسسات ويعني الدفع باتجاه احترام الثوابت ألفلسطينية من كافة القوى والأحزاب ألسياسية ,وخصوصاً حق العودة كاملاً غير منقوص.

البُعد التاريخي هو البعد الثالث لهذا ألدور, وهو التأكيد أيضاً أن فلسطين ليست فقط ملك الجيل ألحالي, لكنها أيضاً ملك الأجيال السابقة وخصوصاً الأجيال ألقادمة, لا يملك أحد حق التنازل عن أي جزء منها لصالح أي كان. فأبناءنا الذين وُلدوا بالمهجر, لهم نفس الحق التاريخي بأرض فلسطين ,ولا يستطيع أحد حرمانهم منه. حق السيادة على فلسطين, هو ملك الشعب ألفلسطيني, ماضياً وحاضراً ومستقبلا وليس مرتبطاً بمفهوم المُلكية الخاصة للأفراد.

البعد الرابع لدور المجتمع المدني بالمشروع ألوطني هو البُعد الاجتماعي، فمؤسسات هذا المجتمع بتنوع أعضائها وحيويتهم وتجددهم الدائم، الفكري والجيلي، هو منبع لا ينبض لكفاءات سياسية واجتماعيه أنبتتهم أرض ألواقع المبنية على القيم, وتستطيع المشاركة بجدارة بالعمل السياسي وتطوير المشروع الوطني. هي إذا الوسيلة لتجديد العمل السياسي عن طريق فتح المجال للأجيال الجديدة للمشاركة خارج أُطر الولاءات التقليدية أو الانغلاق الفكري .ونموذج مؤسسات المجتمع المدني بتونس بالتوافق الاجتماعي الناجح او نموذج نقابة العمال سوليدارنوش برئاسة ليش فاليزا ببولونيا بفتح باب الديمقراطيات بأوروبا الشرقية لهما التعبير الاكبر والأوضح عن اهمية العمل المدني.

لكل هذه الأسباب علينا أن نُركز بعملنا لفلسطين على مؤسسات المجتمع ألمدني, قبل الارتهان للتيارات ألسياسية, والتي بدون استثناء لم تستطع أن تُحقق المشروع الوطني الكبير

باريس أكتوبر 2018.

——–

لبنان والعراق بدايه نهايه الطائفية. القدس العربي 15 نوفمبر 2019

لبنان والعراق بداية نهاية الطائفية

د. نزار بدران

تسارع وَقع الثورات العربية، منذ نهاية العام السابق، والتي أصبحت ازدواجية، فالسودان ثارت مع الجزائر، والآن العراق مع لبنان، ولا شك أن المد يزيد انتشاراً وتسارعاً. في حين
تشابهت المُسببات بكل دول الثورات، فهي ذات أشكال اقتصادية، ولكن أيضاً فقدان الحريات العامة، وانتهاك مزمن لكرامة المواطن وسرقة حقوقه.

المواطنة الجامعة

خصوصيات الدول، والتي انعكست على مفهوم هوية الشعب، قد يُعطي الانطباع بثورات مُنعزلة، الواحدة عن الأخرى، بالتالي قد تكون النتائج مُتغايرة . لكن هتافات اللبنانيين، على أنغام موسيقى الثورة السورية، أو هتافات العراقيين، وهم معظمهم شيعة، ضد الهيمنة الإيرانية، ورفض كِلا الشعبين، للطائفية، التي تُشكل بكليهما شكل وبنية النظام، يظهر السعي إلى بناء لبنان وعراق المواطنة، بدل المُحاصصة، وهو ما سيُعطي الديمقراطية بُعدها الحقيقي، فلا يمكن بناء ديمقراطية بغطاء طائفي، فنحن بهكذا نظام، لا ننتخب من هو الأفضل، أو الأكثر كفاءة، وإنما من يُمثل الطائفة لدى السلطة، هو بذلك يؤكد على الزبائنية الاقتصادية والسياسية، ولا يُؤسس لأي مفهوم للمواطنة الجامعة.
أما اعتبار النظام السياسي العراقي أو اللبناني، ضمن عائلة الأنظمة الديمقراطية، فهو تجن على تلك الأخيرة، وتحريف معانيها العميقة النبيلة، هذه الأنظمة التحاصصية، هي منبع الفساد، وأبعد ما يكون عن مفهوم المواطنة والمصلحة العامة المشتركة. ولهذا يحق إذاً لكلا الشعبين أن يثورا على هكذا وضع، وأن يعملا عن طريق رفع شعار القضاء على المحاصصة الطائفية، إلى بناء دول حديثة، كما يستحق العراقيون واللبنانيون.
الرد الآتي من كلتا السلطتين في العراق ولبنان مترابط جداً، ففي هاتين الدولتين، نجد سلطة، هي بحقيقتها امتداد لنظام إيران الديني، والساعي لأهداف خاصة به، ليس لها أدنى علاقة بخصوصيات هاتين الدولتين العربيتين. كون الجمهور الشيعي، هو العنصر الأهم بالثورة العراقية، وقد قدموا لحد الآن عشرات الشهداء، وكون المكون الشيعي في لبنان، يُشارك كباقي الشعب اللبناني بثورته، يُظهر انتهاء زمن الحرب الأهلية والانتماء الطائفي، كمصدر للعمل السياسي أو التنظيم الاجتماعي.

رمز حداثة الأمة العربية

الثورة العراقية والثورة اللبنانية، هما رمز حداثة الأمة العربية، القادم لا محالة، بمواجهة قوى الماضي المتوحشة، وهما أفضل دعم لثورة الشعب السوري، والذي قتل وهُجر لمنع أي عدوى ثورية قد تأتي منه، في اللحظة التي اعتقد بها الحكام الإيرانيون، وأتباعهم في سوريا ولبنان، أنهم تمكنوا من الانتصار على الثورة، والحفاظ على نظام السيطرة الطائفي، في الدول الثلاث، أي إيران والعراق ولبنان، وتحصينها من أي مد ثوري، قد يأتي من سوريا، بتلك اللحظة بالضبط، اختار الشعب اللبناني والشعب العراقي، أن يقولا كلمتهما الحرة، ويُعلنا أن الوعي قد حل محل الجهل، والإرادة الحرة للأفراد، محل التبعية العمياء، والأخوة بين الجميع، محل التصارع والحروب الأهلية.
إيران قائدة هذا النظام الديني، القادم من القرون الوسطى، ستصل بدورها وقريباً، إلى صحوة شعبها، وهو الذي عودنا على شدة بأسه وشجاعته، وأظهر دائماً مستوى عاليا من الوعي. أما حراك العراقيين واللبنانيين، هو من سيُغذي الآن أمل الإيرانيين بالحرية، بدل تغذية السلطة الإيرانية لأتباعها بالسلاح والرجال، لذبح أبناء الثورة السورية.
الشعب الإيراني المُحاصر من أمريكا ومن نظامه الفاسد، حيث بلغت نسبة البطالة بين شبانه ما دون الثلاثين عاماً إلى أكثر من 25 في المئة، انهيار العملة المحلية لأقل من ثلث قيمتها منذ سنوات قليلة، تفشي الفساد الحكومي والذي وضع إيران في المرتبة 138 على 180 دولة في العالم، حسب تقرير منظمة الشفافية العالمية لعام 2018، هي بوضع أسوأ مما عليه العراق ولبنان، رغم ثروات شعبها وأرضها.
التحجج بالمقاومة ضد إسرائيل، كما يفعل النظام السوري، لن تُجدي نفعاً لمنع الشعب الإيراني من نيل حقوقه، والحصار الأمريكي الظالم، لن يُعطي النظام عذرية جديدة، بعد أربعين عاماً من الفشل.
الحراك الربيعي العربي، والذي بدأ عام 2011، هو الحدث الأهم منذ بداية القرن، ولن تتمكن سياسات قوى التخلف والاستبداد الإقليمية والعالمية، من إيقاف زحفه العارم، فالحدث هو من فعل ملايين الملايين، ورد فعل الأنظمة، هو رد قلة قليلة مستبدة.

كاتب ومحلل سياسي

كلمات مفتاحية

تطور تشريعات تحسين حقوق المراه . القدس العربي

تطور تشريعات تحسين حقوق المرأة

1 – أكتوبر – 2019

د. نزار بدران

أظهرت دراسة حديثة، نُشرت بداية هذا العام، عن تطور التشريعات التي تسنها 187 دولة في العالم، لتحسين حقوق المرأة، تقدما قليلاً إلى الأمام، خلال السنوات العشر الأخيرة، فالمؤشرات التي وُضعت لهذه الدراسة، التي قام بها البنك الدولي، مثل الفقر والبطالة والصحة والإعاقة والأحوال الشخصية وضحايا الحروب وغيرها، تُظهر بشكل عام، أن المرأة تتمتع على مستوى العالم بـ 75% من الحقوق على سُلم 100%، أي تقدمت بخمس نقاط عما كان عليه الوضع عام 2010. قليل جداً من الدول، حصلت على نسبة 100%، أي أنها سنت تشريعات تتطابق مع المعايير التي وضعتها الدراسة.

الحقوق النسوية

أظهرت معظم مناطق العالم تقدماً بمؤشر الحقوق النسوية، ما عدا العالم العربي (الشرق الاوسط وشمال إفريقيا حسب تسمية الدراسة)، والذي بقي على حاله بنسبة 47%، أي أنه تقريباً، ما عدا بعض الاستثناءات، لم يُغير بقوانين الأحوال الشخصية أو معاملات الطلاق والحضانة وتقاسم الإرث وأشياء عديدة أخرى، بل هناك بعض التراجع عن القوانين السابقة (بالإضافة للإهدار التام لحقوق المرأة السورية ودول حروب الثورة المضادة).
مقابل هذه النسبة المتدنية، فإن كل مناطق العالم الأخرى، شهدت تحسناً، أكبرها أمريكا الجنوبية، والتي انتقلت بالعشر سنوات الأخيرة من 70 إلى 79%، كذلك جنوب شرق آسيا من 65 إلى 70%، وجنوب آسيا من 50 إلـى 58%.
نحن نُعاني إذن بالدول العربية، من وضعية متحجرة، مرتبطة بعدم الاكتراث السياسي الرسمي بالتغيير، ولكن أيضاً، من التناسي الاجتماعي لحقوق المرأة، وتنامي البُعد الديني بمفهومه الأصولي، وببعض الأحيان سلبية المرأة نفسها للدفاع عن حقوقها. هذه خصوصية بالدول العربية، ولا تجدها بدول إسلامية أخرى، كتركيا أو أندونيسيا وغيرها، هي آتية إذاً من الإرث الاجتماعي العربي، وتقاليده وعاداته، وليس من بُعده الإسلامي فقط. مثال ذلك جرائم الشرف، والتي تذهب ضحيتها بنات ونساء المجتمعات المحافظة، عنفاً وقتلاً وحرماناً من أطفالهن.
جريمة القتل إذاً من أخ لأخته، أو أب لابنته، لا يمكن فهمها إلا من منظار ضعف الرجل القاتل، لأنه لا يقتل لمصلحة مادية معينة، بمقدار خوفه من المجتمع المحافظ، وما يُسمى السُمعة. هذا الشعور الذي يدفع إلى العنف بمستويات مختلفة، لا مثيل له عند المرأة، هي حرة من هذه العوائق، وخصوصاً أنها ضحيتها الأولى والوحيدة.

جريمة الشرف

اعتراف مجموعة من التشريعات العربية، بمفهوم جريمة الشرف، هو بالحقيقة شرعنة للقتل بدون عقاب، فبينما تعتبر التشريعات الغربية مثلاً، أن قتل الأب لابنته، أو الأخ لأخته، هي جريمة مُشدَدة لكونها وقعت على شخص ضعيف من طرف من له سلطة عليه، ويكون عقابها أكثر بكثير من عقاب جريمة قتل أخرى بطريقة مختلفة. هذه الجريمة لها مفهوم معاكس ببلاد العرب، أي أنها جريمة مخففة، لا تستحق المعاقبة تقريباً. وحده العقاب الذي سيكون على مستوى الجرم، ما سيشكل رادعاً حقيقياً، جريمة الشرف هي دليل جُبن من القاتل خوفا من مجتمعه، ولن تتوقف إلا إذا دُفع لجُبن أكبر من عقاب قد ينال حياته، فهؤلاء القتلة هم أصلا جبناء، وليسوا شجعانا كما يتصورون.
وعلى هذا يمكننا طبعاً أن نقيس على هذا المثل أوضاعا عديدة أخرى، مثل المساواة بالإرث، وحرية السفر، والعمل والدراسة وما إليه.
أرى أن مفهوم حقوق المرأة، المرتبط عضوياً بمفهوم حقوق الإنسان (إعلان الأمم المتحدة لعام 1948)، لا يكفي لتحديد مكانة المرأة بالمجتمعات الحديثة، بل عليها أيضاً أن تكون بموقع القيادة، والذي يصوغ القوانين، ويُحدد الاتجاهات للمجتمع. وحدها المرأة من موقعها القيادي المؤثر، من تستطيع أن تنقل المجتمع العربي التقليدي المُتشبث بعادات الماضي، إلى مستقبل حداثي حضاري.
هذا هو واجبها الآن وليس فقط حقها. الرجل العربي، حتى ولو كان مظلوماً ويشارك بالحراك الثوري، وحتى لو وصلنا إلى مجتمع التعددية والديمقراطية، لن يستطيع بحكم تقاليد الشرف والذكورية الفارغة، أن يسير إلى الأمام بهذا المجتمع، نحو حرية كل أفراده، رجالاً ونساءً.
مشاركة المرأة حالياً في السودان والجزائر، في الحراك الثوري والمساهمة بقيادته بجانب الرجال، وهذا واجبها، يعطيها الحق بهذين البلدين، أن تطالب عند إقرار الديمقراطية، بحقها كاملاً بالمشاركة بالسلطة، هذه المشاركة المُستحقة ستكون الضامن الحقيقي، للخروج من الورطة التاريخية، التي وجد بها الرجل العربي نفسه.

كاتب ومحلل سياسي مستقل

اسرائيل وحداثة القرن التاسع عشر

    إسرائيل وحداثة القرن التاسع عشر

    29 – أغسطس – 2019

    كلمات مفتاحية

    التعليقات

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    أسس الدولة الديمقراطية

    أسس الدولة الديمقراطية

    نزار بدران القدس العربي 17 آب 2019

    تمر دول عربيه عدة حاليا بثورات تهدف كلها إلى إقامة حكم مدني ديمقراطي، السودان والجزائر هي الدفعة الأولى من دول الربيع العربي الثاني والتي ستشمل عاجلا ام اجلا كافة الأرض العربية، فالثورات المضادة رغم عنفها المفرط وقوتها والدعم الاجنبي لن تغير تاريخ المنطقة السائر باتجاه الحريه والالتحاق بركب الحضاره العالمية

    هل الديمقراطية وهي الهدف المعلن لهذه الثورات

    ستؤمن لدولنا بالمستقبل الرخاء والعدالة والحرية لو درسنا الثورات الاجتماعية بالدول الأخرى بكل قارات الارض لرأينا أن نجاح الديمقراطية لا يعني نجاح النموذج السياسي المطروح وهو ما يهدد دائما بعودة الاستبداد تحت اشكال مختلفه، هذا ما نراه بروسيا بعد سقوط النظام الشيوعي فرغم الانتخابات وتأسيس نظام ديمقراطي بسنوات التسعينات إلا أن الوضع الحالي لا يختلف كثيرا عن الأنظمة المستبدة، نرى شيئا قريباً من ذلك ببعض دول أوروبا الشرقية، ولا ننسى حروب البلقان والتي تبعت انهيار النظام الشمولي بيوغسلاڤيا وانشاء أنظمة ديمقراطية، قريباً منا عودة النظام العسكري المصري بعد عام واحد من نظام ديمقراطي حقيقي.

    ما هي إذا الضوابط التي يجب علينا وضعها لنجاح المشروع الديمقراطي، هي حقيقه كثيرة مثل احترام حقوق الاقليات وانهاء النزاعات المسلحة وفتح المجال العام للنقاش الفكري وغيرها، ولكن هناك ثلاث نقاط محورية هي الأهم برأيي وهي، وضع دستور توافقي، احترام قيم حقوق الإنسان كما تنص عليها الأعراف والقوانين الدولية وأخيرا بناء المجتمع المدني القوي.

    الدستور كعقد اجتماعي هو توافقي بطبيعته وليس فقط قانون الاغلبيه الحاكمة بمعنى ان يعبر عن مجمل مكونات الشعب بارائه المختلفة وتنوعاته الثقافية والعرقية واللغوية، عدم احترام ذلك يجعل الدستور وسيلة الأغلبية لفرض سياساتها على الأقلية وهو ما يتناقص مع السلم الاجتماعي الذي هو هدف الدستور الأول، تغيير الدستور المستمر هو دليل غياب البعد التوافقي بالاصل أو الانحراف عن الديمقراطية، الإجماع على الدستور يعني توافقه مع رغبات الكل بمعنى توافق شبه كامل للاتجاهات الفكرية والسياسية داخل المجتمع وعدم ترك مجموعه من الناس على هامش الدولة، هذا التوافق يطرح على الشعب لتبنيه باستفتاء عام.

    لا يمكن بدولة ديمقراطية عريقة أن تضع دستورا ذا بعد ديني لأن الاديان متعددة والمعتقدات مختلفة لكل الشعوب، لا يمكن وضع دستور يحدد الهوية العرقية للدولة لأن الاعراق متعددة وهكذا بمجالات عديدة.

    يرتبط بالدستور التوافقي النقطه الثانيه وهي احترام حقوق الإنسان المتعارف عليها دوليا، فالمساواة بين المرأه والرجل او حقوق الطفل والحقوق الثقافية للاقليات واحترام حق اللجوء والعمالة الأجنبية وعشرات النقاط الأخرى تصب كلها باتجاه ربط النظام السياسي الجديد باواصل الحضاره العالميه الحديثه، فالحضارة الإنسانية واحدة تختلف مع الازمان ولكنها دائما ذا صبغة عالميه. الخلط كما حدث ببعض دول الربيع العربي الاول بين الحضارة الواحدة والثقافات المختلفة أدى إلى ترعرع اتجاهات متطرفة عنيفة وأفكار متخلفة تسحب المجتمع إلى الخلف تحت شعار خصوصيه الحضاره العربيه أو الاسلاميه، بينما لا توجد هناك أي خصوصيه لأي شعب مهما كان باطار المفهوم الحضاري بينما توجد خصوصيات ثقافيه كثيرة ومهمة تنوع المجتمعات وتزيدها بريقا كالادب والبناء والتعبير الفني وغيره، لا يمكن التمييز بحق المرأة بالارث مثلا او بتولي مناصب قيادية بحجة أنه جزء من الثقافة العربية بل هو جزء من حضارة سابقة لم تعد موجودة حاليا بأي مكان.

    لا توجد دولة ديمقراطية على وجه الارض تبنت مفهوما حضاريا خاص بها من اليابان البوذية إلى البرازيل الكاثوليكية أو جنوب افريقيا باعراقها المختلفة أو دول الاتحاد الأوروبي بماضيه المسيحي وحروبه الدينية.

    الدستور التوافقي المتناغم تماماً مع قيم حقوق الإنسان حيث لا يمكن ان يحتوي الدستور على مواد تتنافى مع هذه القيم هما أسس أي دولة تبحث عن الثبات السياسي والاجتماعي كي تتفرغ للبناء، ولكن هذان الاساسان قد تنهار أمام أطماع مجموعه من الناس ذوي الاهداف الخاصه والذين يحاولون إعادة عقارب الساعه إلى الوراء، من سيمنع إذا انتكاسة كهذه، النموذج الروسي او المصري واضح بذلك

    وحده المجتمع المدني القوي بمفهوم المؤسسات والجمعيات المنضمة له والتي هي بطبيعتها خارج اطر الدولة الرسميه هو من يملك القدرة على تأمين استمرارية النظام الديمقراطي، وتبعد خطر الفساد السياسي أو الانحراف عن الحقوق.

    المجتمع المدني الواعي يمنع المجتمع الديمقراطي نفسه من إهمال آراء وحقوق الاقليات وتبقيها حاضرة بالفعل السياسي والاجتماعي مبعدة بذلك خطر ما يسمى بدكتاتورية الأغلبية.

    مؤسسات المجتمع المدني حتى بالدول الديمقراطية تحافظ على تماسك المجتمع وتلاحمه وتراقب عمل الدولة والاحزاب. وحده المجتمع المدني كما نرى حاليا بثورة الشعب السوداني ومنظماته المدنية من يستطيع تثبيت أسس الديموقراطية الواعية بنفسها والمحترمة لحقوق كل مكونات المجتمع وهي برأيي من يؤمن ديمومة الدستور التوافقي وينجح بربط المجتمع والدولة الديمقراطية الناشئة بالمجتمع الدولي والحضارة الإنسانية المعاصرة

    كاتب و محلل سياسي مستقل

    مجتمع الرمال المتحركه ومؤشرات المستقبل القدس العربي 03 تموز 2019

    مجتمع الرمال المتحركة ومؤشرات المستقبل

    أظهرت دراسة إحصائية حديثة للباروميتر العربي، نُشرت بالـ «بي بي سي» (المركز الإعلامي البريطاني) الشهير، صورة مُغايرة للشباب العربي، عما هو مُتوقع. المؤشر يُظهر فقط، الوضع الراهن، كما تتصوره العينة المُختارة، بمعايير علمية مُعبرة عن الكل المجتمعي. هي إذاً صورة لحظية وليست حلولاً مطروحة. الذين لم يفهموا التاريخ والمجتمع، بمفهوم علمي، مبني على دراسة الظواهر والتطورات البطيئة، هم من لم يتوقعوا هذه الصورة، المجتمع وخصوصاً الأجيال الجديدة، تختلف دائماً عن الأجيال السابقة، وهي ترجمة لظاهرة التأقلم مع المُعطيات المحلية والعالمية المُتطورة دائماً، فالزمن لا يتجمد، والحدث مهما كان مهماً، لا يخلق التاريخ ولا يُغير المجتمع.

    الحروب والتغيرات السياسية

    التاريخ إذاً، ليس مجموعة من الأحداث الكبيرة والمهمة، مثل الحروب والتغيرات السياسية العنيفة، وإنما هي مجموع التغيرات البطيئة المتراكمة، والتي تؤدي إلى التغيير العميق والتطور، والتراكمات التي حدثت بالوطن العربي، منذ أكثر من ثلاثين عاماً، هي التي أدت إلى تغيُر في رؤية وممارسة الأجيال الجديدة، وأدت إلى الربيع العربي. نذكر منها: ازدياد التعليم خصوصاً للنساء، واللواتي دخلن عالم الجامعات والعمل، بل أصبحن في بعض التخصصات أكثر من الرجال. الانخفاض الكبير بنسبة الخصوبة، بسبب رفض المرأة الجديدة البقاء بالبيت والاستمرار بالمهام المُناطة بها كالإنجاب والترفيه عن الرجل، مُعدل النسبة الحالية للإنجاب العربي، لا يتعـدى المستويات العـالمية، ولا حـتى الأوروبيـة.
    تطور العلمنة الاجتماعية بمفهوم خروج معظم النشاطات، مثل العمل والتعليم، من دائرة الدروس الدينية والزوايا، إلى دائرة المعرفة الإنسانية، فالطب والهندسة والاقتصاد وباقي المهن، تعتمد على العلم الإنساني وليس على خوارق الغيبيات والعقل الخرافي، ولم يعد هناك عملياً مكان لدراسات علمية دينية.

    الإيديولوجيات التقليدية

    البدء باستبدال الإيديولوجيات التقليدية الجامدة الشمولية، السائدة حالياً، بقيم حقوقية نسعى لتحقيقها مرتبطة بالمحافظة على حقوق المواطن، الفرد الإنسان والذي يجب أن يكون هدف كل سياسة وعمل اجتماعي والمصدر الوحيد للشرعية. كما أن تطور بنية المجتمع المدني عن طريق بناء جمعياته ومنظماته، بعيداً عن الأُطر الرسمية للدولة والأحزاب السياسية، رغم القمع السياسي والمعيقات التي تُوضع أمامه.
    الثورة المعلوماتية التي فتحت الآفاق أمام الشباب، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي نافذة على العالم لآ يمكن اغلاقها، وهو ما حدّ من انتشار الفكر الواحد غير القابل للنقاش وهز الايديولوجيات السائدة، وأوصل نجاحات الشعوب الأخرى للشباب العربي الساعي للانعتاق.
    التحول التدريجي بالمُمارسة الدينية، من ممارسة اجتماعية مُراقِبة عامة مُعلنةٍ، إلى ممارسات فردية شخصية، كل يمارس دينه كما يشاء، بدون اتباع العلماء والشيوخ، رغم كثرتهم على صفحات الفيس بوك. كذلك اتساع مساحة المُمارسة الشخصية الفردية باللباس والطعام ونوعية العلاقات الاجتماعية.
    تراجع التدين حسب استطلاع الباروميتر العربي، ولو بنسبة قليلة، هو حقيقة، تقدم لقوى الحداثة الشبابية، التي لم تعد تقبل تدخل الدين ورجال الدين، بالحياة العامة والسياسة والاقتصاد، وكل صغيرة وكبيرة، وتبرر ظلم الحكام. البحث عن أسباب ذلك، كظاهرة سلبية يجب علاجها، هو برأيي خطأ، فهي على العكس ظاهرة صحية، تضع الأمور بمكانها، فالدين لم يعد له مكان بالسياسة والعلم بأي دولة بالعالم تدعي الحداثة، الصحيح أن مؤشر التدين يتزامن دائماً مع زيادة الجهل والظلم الاجتماعي، ويتناقص دائما مع تحسن مستوى الحريات العامة وارتفاع مستوى التعلم كما نرى بدول عديدة بالعالم. وهو ما يظهره المؤشر المذكور عند الطبقة الوسطى المتعلمة، والتي كانت موضوع الدراسة الإحصائية المذكورة.

    الممارسة الفردية

    الانتماء الديني قد يكون جزءا من الهوية الوطنية أو الممارسة الفردية، ولكنه ليس جزءاً من الفكر العلمي أو الفكر السياسي لتنظيم المجتمع خارج القواعد العامة المتفق عليها انسانيا. عودته إلى وضعه الطبيعي، أي الدعوة للقيم الإنسانية العامة والتضامن، هو موقعه العادي، وليس إقحام نفسه بالتنظيم الاجتماعي والسياسي للمجتمع، وهذا ما قد يحافظ على استمرارية الهوية الدينية على مدى طويل، ويترك مجالا للتدين داخل إطار الدولة الديمقراطية. ظهور التطرف الديني خلال السنوات الأخيرة والتشدد مع استعمال العنف، لتطبيق تعاليم الدين، ما هو بالحقيقة إلا انعكاس لتخوف الاتجاهات الدينية على نفسها من الانقراض، وهي ترى طبقة الشباب تبتعد عنها رويداً رويداً، هو إذاً نوع من أنواع التمترس في مجتمع متحرك ومتغير.
    هذه التحولات وغيرها كثيرة، لم يتبعها تغيير بالنظام السياسي القمعي الأبوي، والذي تحجر تماماً ولا يرى أي تغيير، مما يزيد التناقض بين هذه الطبقة الوسطى، الآخذة بالاتساع، والساعية إلى التواصل مع العالم، والانفتاح على الآخر، وبين هذه الأنظمة. النتيجة طبعاً ما نراه حالياً من انفجارات وثورات وما يتبعها من قمع وحروب، بين الجديد الطارىء، والقديم المتمكن بوسائل الاقتصاد والحكم المتمسك بالسلطة.
    أشياء أخرى كثيرة ذكرها هذا الاستقصاء الإحصائي، كوضع الديمقراطية بالدول العربية وتراجعها، وبشكل خاص الرغبة بالهجرة إلى الخارج، المرتبطة بعوامل اقتصادية، وانهيار منظومة الحريات العامة. هجرة الشباب أو البحث عن الهجرة، هي أكبر مؤشر على فشل النظام السياسي العربي، ونظام الدولـة القطـرية العربيـة.
    فهم مشاكلنا هو بيد شبابنا وطبقاتنا الوسطى، طبقة المتعلمين، رغم قلة عددهم النسبي، إلا أنها هي المُحرك الأساسي للتغيير. وعيهم بصعوبة المرحلة ورغبتهم العارمة بحياة حرة وكريمة، هي التي ستؤدي، عاجلاً أم آجلاً، إلى التغيير السياسي المأمول، الذي سيكون بداية الحل لمشاكل المجتمع وهمومه.

    محلل ومراقب سياسي مستقل

    كلمات مفتاحية

    تونس ومصر الأبيض والأسود… دروس النجاح والفشل

    تونس ومصر الأبيض والأسود… دروس النجاح والفشل

    القدس العربي 26 حزيران 2019

    د. نزار بدران

    ثورتا السودان والجزائر أظهرتا بوضوح استيعابهما لدروس الماضي القريب، خصوصاً الحصاد الكارثي للثورة المصرية من جهة، والنجاح البراق للثورة التونسية من جهة أخرى. هما إذن صورتان متناقضتان، لكنهما بالنسبة للثورات، تعتبران لحسن الحظ، خارطة طريق لنعرف ماذا يجب أن نفعل (تونس)، وماذا لا يجب أن نفعل (مصر).
    هاتان منارتان للثورات كل على طريقته، فالأولى تنير الطريق الصحيح، والثانية تمنعك من الوقوع بالحفر الكثيرة التي تملأ تلك الطريق. انتهى الأمر بالثورة المصرية لحكم عسكري، قلّ أن ترى أنظمة بمستوى تجرده من أي خُلق، وتحليه بكل صفات الإجرام، وآخر صيحاته مقتل الرئيس المنتخب الوحيد في تاريخ مصر الشهيد محمد مرسي.
    تعلمنا الثورة التونسية أن النصر بحاجة لتوحيد الشعب بكامله، وراء مجتمع مدني مزدهر قوي، تعلمنا أيضاً أنه لم يعد من مكان للأيديولوجيات، في زمن المطالبة بالحقوق الأساسية للإنسان التونسي، بالحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة، تعلمنا أن المرأة هي نصف المجتمع عددياً وحقوقياً، قيادة ودراسة وإبهاراً وإنتاجاً، تعلمنا السير في طريق الحداثة، والابتعاد عن قيم عتيقة أكل الدهر عليها وشرب، لا تمثل إلا اضطهاد الآخر واحتقار المرأة، وسرقة حقوقها وتطبيق شريعة السلطان الحاكم والرعية الطيّعة، حتى الحركة الإسلامية التونسية أظهرت حداثة وانسجاماً نسبياً وتأقلماً مع مجتمع الثورة ومطالبها.
    تعلمنا الثورة المصرية، أن تفاهم الثوار مع العسكر وبقايا النظام السابق، هو كارثة، وأن الفكر الإصلاحي لا يصلح في زمن الثورات، وحده إزالة النظام وكل أعمدته وبكل اشكاله، هو ما يمهد الطريق إلى النصر.
    تُعلمنا الثورة المصرية، أن من يتحالف مع العسكر وبقايا النظام من الليبراليين واليساريين وأحزاب المعارضة التقليدية، لا يغيّر من طبيعة النظام العسكري، ولا يسمح بالانتقال السلمي للسلطة، تُعلمنا أن الأولوية هي لبناء الدولة الديمقراطية، وليس الاستيلاء على السلطة.
    تُعلمنا الثورة المصرية، أن فقدان الفكر المستقل والارتماء بأحضان الأحزاب التقليدية بكل اشكالها، دينية أو علمانية، يسارية أو يمينية، لا يؤدي إلى نصر، هؤلاء لم يتمكنوا على مدار عشرات السنين إلا إنتاج شكل النظام المستبد نفسه حينما استلموا السلطة.
    تٌعلمنا الثورات كلها على امتداد الأرض العربية، أن تحالف قوى الثورات المضادة، مهما كانت خلافاتها الظاهرية، هو تحالف دائم وقوي ومدعوم من كل قوى الظلم والاستبداد في العالم، ويمتلك ترسانة أموال طائلة لقتل ووأد الثورات، وهو ما يعني أنه يجب على ثورتي السودان والجزائر أن تتضامنا وتتكاتفا، بوحدتهما وسلميتهما ووحدة أهدافهما ووسائلهما، وذلك هو طريقهما إلى النصر، وهي تَعلَم جيداً أن فشل وسحق أي ثورة هو المقدمة لسحق وتدمير الثورات الأخرى.
    نرى اليوم إصرار الثوار في السودان، على رفض مشاركة العسكر بقيادة المرحلة الانتقالية، وعنف رد المجلس العسكري، بفض الاعتصام وقتل العشرات، لهو دليل على صواب موقف الثوار.
    نرى أيضاً في السودان والجزائر، رفض التيارات الدينية، حتى الوسطية، وليس فقط تلك التي شاركت في السلطة، وهذا دليل على نُضج الفكر الثوري، والتوجه الأكيد نحو قيم جديدة للثورات العربية، ترفع شعارات المواطنة والسلطة المدنية، وتعايش الأجناس والأديان، واضعة هكذا أُسس بحيث تعود الأمة، إلى قيم الحضارة الإنسانية الشاملة، مُبتعدة عن الفكر السلفي، الراكض إلى الخلف، بحثاً عن أزمانٍ ذهبية قبل مئات السنين، وكأن التاريخ قد توقف عندها.
    هناك دروس كثيرة نتعلمها من تونس ومصر، وباقي الثورات العربية، ولكن هناك أيضاً العديد من الدروس التي نتعلمها من شعبي السودان والجزائر، وقد خطّا مساراً جديداً حداثياً، لثورات الربيع العربي الثاني، تختلف جذرياً عن ثورات الربيع الأول. يبقى على الثوار أن يُحددوا بأنفسهم، ما يحملونه من فكر، وما يسعون لتحقيقه من أهداف مُشتركة، خصوصاً في هذا الزمن الذي يجري فيه تغييب ومطاردة الكلمة الحرة والفكر المستقل، وكثر فيه المطبلون والمشكّكون بجدوى الثورة، والذين باعوا قلمهم وضمائرهم بأبخس الأثمان.

    محلل ومراقب سياسي مستقل