https://www.facebook.com/share/p/1CjRE4oG1w/
دول الخليج العربي، وهم القوة
نزار بدران
هذه هي المرة الثانية التي تهاجم فيها إيران دول الخليج العربي. فقبيل انسحاب القوات البريطانية منها عام 1971، وبموافقة ضمنية من الدولة المستعمرة، احتلت إيران ثلاث جزر عربية: طنب الصغرى والكبرى التابعتين لإمارة رأس الخيمة، وجزيرة أبو موسى التي قبلت إمارة الشارقة تقاسمها مع إيران. الانسحاب البريطاني الطوعي اعتُبر من قبل الدولة الجديدة انتهاكاً للاتفاقيات الموقعة منذ عشرات السنين بين ما كان يسمى “دول الهدنة” وبريطانيا العظمى، والتي وضعت حداً لأعمال القرصنة في الخليج وقايضت ثرواتها الوطنية، خصوصاً النفط، مقابل الحماية وتعويض مالي.
الحماية البريطانية المنتهية استُبدلت بحماية القوة العظمى الجديدة، الولايات المتحدة الأمريكية، بمعادلة النفط مقابل الحماية. نحن الآن وكأننا ننظر إلى الماضي، فبريطانيا لم تحمِ دول الخليج من الشهوة التوسعية لشاه إيران، فكان الاستقلال منقوصاً من أراضٍ غنية بالثروات وذات أهمية استراتيجية كبرى.
يشكل الهجوم الإيراني على دول الخليج جزئية ثانوية من الحرب الدائرة حالياً بين إسرائيل وأمريكا من جهة، وإيران ومليشياتها العربية من جهة أخرى، لكنه يشكل زلزالاً حقيقياً بالنسبة للدول العربية المتضررة: الإمارات، الكويت، قطر، السعودية، والبحرين, خصوصا بعد قصف مصافي النفط وحقول الغاز في اعتداء صارخ على دول جارة وليست عدوة ما سيؤدي إلى تراجع حاد في داخلات البلاد. قصف محطات تحلية المياه هو خطوة خطيرة ، لا يمكن إلا أن تظهر التخبط الحالي في السياسة الإيرانية بعد مقتل أهم رموز النظام.
بنت دول الخليج العربي ثرواتها وتطورها الاقتصادي الناجح ظاهرياً على ثلاثة أسس: الأساس الأول هو العائدات النفطية الهائلة، الثاني اليد العاملة الرخيصة القادمة من الهند ودول جنوب شرق آسيا، والأساس الأخير هو الحماية الأمريكية للأنظمة الحاكمة. تمكنت هذه الدول من إيجاد بنية تحتية فعالة، خصوصاً في مجال المطارات ذات الوزن العالمي، بالإضافة لتنويع جزئي للاقتصاد مثل إنتاج الألمنيوم بسبب توفرها على الطاقة الضرورية لذلك، وهو يشكل حالياً 15 بالمئة من تجارة هذا المعدن العالمية وكذلك الاسمدة.
ثبات النظام السياسي رغم بعض الاهتزازات، مثل حرب اليمن أو النزاع الداخلي السوداني، والاستمرار في الانتعاش الاقتصادي، أدى إلى الاعتقاد أن نموذج الدولة الخليجية هو نموذج ناجح لمفهوم الدولة القُطرية العربية، بخلاف ما هو عليه الحال في الدول العربية الأخرى مثل العراق، سوريا أو لبنان. هذا النموذج الاستثنائي الذي نجح في فتح الباب واسعاً أمام الاستثمارات العالمية في كافة المجالات. لكن الحرب الحالية تظهر بوضوح هشاشة هذا البناء، فالحماية الأمريكية المنتظرة مقابل تريليونات الدولارات، وكذلك التبعية الكاملة للسياسات الأمريكية في المنطقة، والتطبيع مع إسرائيل إرضاءً لأمريكا، كل ذلك فشل في إعطاء الغطاء الأمني الضروري للطفرة الاقتصادية، على عكس ما فعلته أمريكا مع إسرائيل والتي تتمتع بحماية كاملة من الأنظمة الدفاعية الأمريكية والدعم العسكري والسياسي اللامحدود.
ما تخشاه دول الخليج على المدى الطويل هو تراجع النمو الاقتصادي، خصوصاً الاستثمارات العالمية، وديمومة اليد العاملة الآسيوية، وذلك في حال طال أمد هذه الحرب المفروضة عليهم، واستمرار النظام الإيراني في الدفاع عن وجوده بكل الوسائل، وتوسيع الحرب وجعلها أكثر كلفة على الجميع.
عندما تهدأ المدافع والصواريخ، هل ستعود الثقة من جديد في الاقتصاد الخليجي؟ هل ستستمر المطارات بالعمل بنفس الوتيرة، وهل سيستمر الاستثمار في الاقتصاد الخليجي من قبل رؤوس الأموال العالمية على حاله؟ قد يكون لنا الحق أن نشك قليلاً في ذلك. فنحن نعلم جميعاً أهمية الثقة في مجال الاستثمار، وجُبْن رأس المال، الذي يبحث دائماً وقبل كل شيء عن الأمن والثبات السياسي، فهدفه الأول والأخير هو الربح.
يقف اليوم النجاح الاستثنائي لنموذج الدولة القُطرية في الخليج في السنوات الأخيرة أمام امتحان عسير، وهو امتحان الديمومة رغم الصعاب. فشل نموذج الدولة العربية القُطرية في حماية نفسها ومواطنيها على امتداد الوطن العربي سيبقى، برأيي، هو القاعدة، ونجاح هذا النموذج هو الاستثناء. لن تتمكن أي دولة في العالم من التقدم الدائم في مجال الاقتصاد دون قوة ذاتية تحميها، وليس استئجار هذه الحماية من دول أخرى. الدول لا تعمل إلا لصالحها فقط، ولصالح مجال انتمائها الاقتصادي والثقافي.
دراسة النموذج الاقتصادي في أوروبا الموحدة منذ البدء تظهر لنا أهمية التكامل الاقتصادي بين الأطراف الإقليمية ذات الانتماء التاريخي والثقافي الواحد، حتى لو اختلفت فيما بينها. كان هذا التكاتف هو الأساس الذي وضعه الآباء المؤسسون للاتحاد في سنوات الخمسينيات، بعد الحرب، مبتدئين بتوحيد سوق الطاقة والحديد، لبناء أوروبا وإنهاء الصراعات الداخلية والحروب.
النجاح المستدام للنموذج الخليجي يحتاج، لكي يصبح ممكناً، إلى أولاً: التكامل بين الدول الخليجية نفسها، من فتح الحدود، وتوحيد العملة والنظام الضريبي وغيره، وثانياً: إلى ربط وفتح هذا النموذج على الجوار العربي، خصوصاً مصر والعراق ودول بلاد الشام. ترابط اقتصاد هذه الدول في إطار حقيقي واعٍ بأهميته سيكون الوسيلة لحماية المجموعة كلها. فمصالحهم ستكون واحدة، والمخاطر المواجهة هي نفسها للجميع. لن تعود دول الخليج بحاجة للعمالة الآسيوية بهذه الحدة التي وصلت إليها، والتي قد تشكل في المستقبل خطراً حقيقياً على سيادتها وهويتها العربية وانتمائها للثقافة العربية.
هذا البنيان المرتبط بالمصلحة ولكن أيضاً بالتاريخ والثقافة والوجدان المشترك، سيُغني الجميع عن البحث عن الحماية من القوى الاستعمارية. النموذج البريطاني السابق وما نراه الآن من نموذج الحماية الأمريكي، واللذان شكلا مدخلاً لسرقة الثروات بدل حمايتها، والاهتمام فقط بحماية إسرائيل دون الاكتراث بأمن دول الخليج، ووضعها في مهب الريح الإيراني خدمةً لإسرائيل. فنحن لا مصلحة لنا في هذه الحرب التي فُرضت على الخليج من طرف من كان يفترض به حمايته، ولا عداوة لنا مع إيران الدولة العريقة المسلمة.
سيكون على مسؤولي الدول الخليجية المعتدى عليها، بعد انتهاء الصراع الحالي، أن يستخلصوا العبر سوياً: الارتدادات الاقتصادية والسياسية على المدى القريب والبعيد، كيفية استعادة ثقة الأسواق والمستثمرين، حماية البلاد من المخاطر الخارجية، وضع حد للخطر القادم من الجيران الأقوياء مثل إيران وإسرائيل. النموذج اللبناني أظهر بوضوح عبثية أي بناء اقتصادي بجوار جيش مدجج بالسلاح دون أي رادع. والآن نرى الشيء نفسه بجوار دولة مثل إيران، مهما كان نظامها السياسي.
التكامل الاقتصادي، كما نرى في أوروبا، أو حتى بدرجة أقل في دول الميركوسور في أمريكا اللاتينية، بالإضافة لانفتاح الأنظمة على شعوبها بدل تكميم الأفواه، وليس الارتماء في حضن الثعبان الأمريكي والإسرائيلي، هو من سيضمن ديمومة هذه الدول واقتصادها وحتى أنظمتها إن وعت الدرس جيداً. يكفي لذلك دراسة تجارب الدول والشعوب الأخرى.
facebook sharing buttontwitter sharing buttonpinterest sharing buttonemail sharing buttonsms sharing buttonsharethis sharing button