الناشطات العربيات… بناتك يا وطن

الناشطات العربيات… بَنَاتَك يا وطن

الناشطات العربيات… بَنَاتَك يا وطن

 د. نزار بدران 

اغتيال المحامية والناشطة الحقوقية، حنان البرعصي وسط بنغازي، بعد نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، انتقادات للفساد، لأحد أبناء خليفة حفتر، يُظهر لنا مدى إصرار قوى الثورة المضادة، على إسكات كل الأصوات وبكل الوسائل.
هؤلاء يريدون أن يُطفئوا نور الربيع العربي بجرائمهم، وكأن التاريخ سيعود للوراء.

الحراك المجتمعي الحديث

ما أريد إظهاره بهذا المقال، أن المرأة العربية، تُشارك وبكثافة في الحراك المجتمعي الحديث، خصوصاً للموجة الثانية من الربيع العربي، فأعداد النساء المشاركات في المظاهرات والاعتصامات، هي كبيرة جداً، يكفي أن ننظر لشاشات التلفزيون، لمظاهرات لبنان والجزائر والسودان والعراق، وأن نتذكر مظاهرات اليمن.
نحن أمام وعي جديد للمجتمع، بأهمية وضرورة مشاركة الجميع، رجالاً ونساء في العمل الثوري.
لم يعد هناك مجال هنا لإبقاء نصف المجتمع، جالساً ينتظر النصف الآخر لتحقيق حقوقه.
الوضع إذا يختلف عما كان عليه سابقا حين كان نضال المرأة لنيل حقوقها نخبويا ولم يتمكن من تحريك المجتمع بشكل فعال لصالحه (مثال المناضلات نوال السعداوي، هدى شعراوي في مصر)
شاركت المرأة وبقوة، بثورات التحرر الوطني من الاستعمار، ونذكر هنا كمثال، جميلة بوحيرد، وغيرها كثيرات، لكن الدول التي أتت بعد دحر المُستعمر، سلبت النساء حقوقهن المُنتَظرة، وهو الحق في المساواة دون التفريق مع الرجل، بالإضافة لسلب المجتمع ككل حقوقه السياسية، ببناء الدولة الديمقراطية والمواطنة.
المشاركة النسائية، والتي دُفع ثمنها غالياً، من قتل واغتصاب وسجن، هو في رأيي من أهم معالم الربيع العربي الثاني، والتي تُنبئ بوضوح بالشكل الذي سيأخذه المستقبل.
قتل الناشطات العراقيات أو الليبيات، سجن لُجَيْن الهذلول، ورفيقاتها بالسعودية لن يزيد هذه المشاركة إلا عنفوانا.
وكما نرى فإن احتلال النساء لمساحة واسعة، في التعبير على ساحات التواصل الاجتماعي وتواجدهن على أرض الواقع، أعطى الحراك العربي، بُعداً جديداً، هو البُعد الإنساني العقلاني، فالمرأة، بالإضافة لمعاناتها كمواطن مثل الرجل، تُعاني أيضاً من القيود الاجتماعية المفروضة عليها، مما يجعلها أكثر حساسية وتفهما، من هنا تنبع أهمية أن تكون في الصدارة، وموقع القيادة.

العوائق الاجتماعية

الحصول على الحرية في دولنا، على خلاف دول أخرى بالعالم، لا يعني فقط إسقاط النظام، بل يعني أيضاً، إسقاط العوائق الاجتماعية أمام المرأة، للمشاركة في بناء الوطن.
تعريف الوطن، حسب بعض الفلاسفة، هو «تلك المساحة من الأرض، والتي يعيش فيها، مجموعة من الناس، بهدف تحقيق حقوقهم وأحلامهم» تحقيق الحقوق هو إذاً نقطة الانطلاق، وليس شكل الأرض ومساحتها واسم عاصمتها.
المرأة العربية المعاصرة، وقد حصلت على مستوى أعلى من التعليم، حتى أنه في بعض الجامعات فإن عدد الطالبات يفوق عدد الطلبة الرجال، وتمكنت أيضا من الحد من الانفجار الديموغرافي، عن طريق تقليل عدد الولادات لكل امرأة (تقريباً وصلنا إلى ثلث النسبة التي كانت في سنوات السبعينيات وبداية الثمانينات في كافة الدول العربية) ما سمح لها بالخروج من البيت والتعلم والعمل، هي الآن مُؤهلة، لقيادة النضال الجماهيري، أكثر كثيراً من الرجل، وسبب ذلك أنها:
أولاً، الضحية الأكثر تضرراً، بسبب القيود الاجتماعية والعادات الذي تقع عليها وحدها، بالإضافة إلى الظلم السياسي العام، فهي إذا الأكثر مصلحة بالتغيير.
ثانياً، لكون الرجل، وللسبب نفسه، أي الأثقال الاجتماعية التي تُشكل سلاسل على قدميه، معاقاً عملياً، ولن يتمكن من صناعة تغيير يؤدي لتحرير النساء أيضا، أي كامل المجتمع.
تجارب الشعوب الأخرى، تُظهر أن هذا النقاش، لتحديد دور المرأة، كان يعني دائماً للرجل، البقاء في البيت ورعاية الأطفال. وبالنسبة للمرأة يعني الخروج من البيت والمشاركة بالنشاط الاجتماعي والعمل، ووضع سؤال حقوق المرأة، داخل الإطار السياسي.
فيما يُسمى ثورة ربيع الشعوب الأوروبية، منتصف القرن التاسع عشر، خرجت المرأة من بيتها وفرضت مشاركتها، رغم رفض الرجال، وأصبحت من بعد، أحد عناصر التقدم الاجتماعي، الذي نرى آثاره اليوم، بكل الدول الأوروبية.
لحظة الثورات على الاستبداد، هي تلك اللحظات التي تتمكن بها المرأة، من إعطاء زخم وحجم لهذه الثورات أولاً، وهي أيضاً من يسمح أن تعي المرأة، مهما كان موقعها ومستواها، حقوقها الاجتماعية.
هذا ما نراه في المشاركة الحاسمة، للمرأة بالثورات الحديثة، ونموذج كنداكات السودان أمامنا.
ما نراه أيضاً من تجارب الماضي، فالشعوب التي تُهمش دور المرأة في النضال، لا يمكن أن تصل إلى إرساء أسس الدولة الحديثة الديمقراطية كما يحصل بجزء كبير من الدول الإسلامية.
ليست المرأة إذاً، إضافة كمية على العمل الثوري، بل هي إضافة نوعية، فالمساواة، وتأمين حقوق الجميع، واحترام الآخر وفتح باب النقاش الاجتماعي، على كل المواضيع مهما كانت، دون أي محرمات وممنوعات، هو نتاج المشاركة النسائية، وليس أحد سمات التفكير الذكوري الأبوي العربي. ولنتأكد من ذلك، يكفي النظر إلى ما يقوله الناس، ذكوراً وإناثاً، على صفحات التواصل الاجتماعي، فالمدافعون في اتجاه الفكر المحافظ، هم أساساً من الرجال، والعكس صحيح.

القبول بنسائية المستقبل

الأجيال الجديدة من النساء، لم تعد لتقبل بهذا الظلم، ومشاركتهن الحالية الفعالة، والثمن المدفوع من دمائهن وحريتهن كما رأينا مع حنان البرعصي وقبلها زهراء سليمان وغيرهن، هو دليل إصرارهن على الوصول إلى التحرر من الاستبداد، ببرامج اجتماعية، تُبنى على قيم حضارة هذا الزمن
لم تعد تقبل هذه الأجيال، أن يُرَحَّل سؤال حقوق المرأة، مرة أخرى لأجل غير مُسمى، أي بعد سقوط الأنظمة، ولا تُلدغ المرأة من جحر واحد مرتين.
نحن إذاً أمام إشكالية مهمة في الوطن العربي، وهي القبول بنسائية المستقبل، فكراً وقيادة. فهو لن يكون مستقبلاً زاهياً، حيث تعم قيم المساواة والحداثة، إلا إذا أخذت المرأة دورها حقاً في حمله وولادته وخصوصاً في قيادته، ونذكر هنا بشعار الناشطات العراقيات، في المظاهرات النسائية، في شهر شباط- فبراير لهذا العام «بَنَاتَك يا وطن».

السياسة الأمريكية الخارجيه بين الأخلاق والمصالح. القدس العربي 18 نوفمبر 2020 نزار بدران

السياسة الأمريكية الخارجية… بين الأخلاق والمصالح

 د. نزار بدران 

لسنا في حاجة لبحث عميق، حتى نعلم أن السياسة الأمريكية الخارجية، في الشرق الأوسط وبشكل عام في العالم، لها دوافع تهم ما يعتبره الساسة الأمريكيون، مصلحة أمريكا العليا.
هل هناك مكان للأخلاق، في العمل السياسي الخارجي، وهل يمكن أن تتغير السياسة الأمريكية، تجاه القضايا العربية وخصوصاً القضية الفلسطينية.
وهل ستكون سياسة الرئيس الجديد، جو بايدن، أكثر أخلاقية من سابقاتها. هذه الأسئلة يجب أن تُطرح، ليس فقط على الساسة الأمريكيين، ولكن أيضاً على صانعي السياسة العربية، والفلسطينية بالتحديد.

التمييز بين الأخلاق والمصلحة

من المنظار الأمريكي، فالتمييز بين الأخلاق والمصلحة لا مكان له، هم يعتقدون أن الدفاع عن المصلحة الأمريكية في العالم، هو ما خوله لهم الشعب الأمريكي، وحملاتهم الانتخابية، يميناً أو يساراً، تُبنى دائماً على اعتبارات داخلية محضة، من اقتصاد وقوانين اجتماعية.
وحدها السياسة الداخلية، من تجمع بين المصلحة والأخلاق، لأن الأحزاب المتنافسة على السلطة، تبحث عن رضى الناخب الأمريكي، والذي في الوقت نفسه، يريد الانتعاش الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
من ناحية أخرى، فإن الترابط الأخلاقي بين السياسة الداخلية والخارجية، يأتي دائماً من الحراك المجتمعي، وليس من الإدارة، فالحرب في فيتنام مثلاً، حركت مئات الآلاف من المتظاهرين الأمريكيين، والمعارضين لتدخل بلادهم، وهو ما أدى بالنهاية، إلى المساهمة بالضغط للانسحاب وانتهاء الحرب.
حتى اللحظة، لم نر أي رئيس أمريكي يصل السلطة، بناء على موقف أخلاقي في السياسة الخارجية. في المقابل فإن كل الرؤساء الأمريكيين، تبجحوا بمواقف أخلاقية، لإعلان سياساتهم الخارجية، بما فيها مثلاً، الحرب على العراق، أو الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
وقد بينت الفيلسوفة آنا أرنت، في كتابها عن حرب فيتنام، بعنوان «من الكذب إلى العنف» مدى كذب الإدارة الأمريكية على مواطنيها، لتبرير التدخل الأمريكي، ثم لتبرير الهزيمة والانسحاب، حيث كان الغطاء الأخلاقي جاهزاً دائماً، لتغليف سياسات لا علاقة لها بالأخلاق، بل فقط بالمصالح.

القضية الفلسطينية

هنالك وجهان بالنسبة للقضية الفلسطينية، للتعامل السياسي مع أمريكا، الوجه الأول عدالة القضية، هذا العنصر لن يؤثر في الإدارة لصالحنا، وإلا لما حصل ما حصل، مع مسلمي البورما أو الصين، من ناحية طردهم أو اضطهادهم، دون ردود فعل دولية، لا غربية ولا إسلامية، وهم أصحاب قضية عادلة، لا يُناقش صحتها أحد. هذا لا يعني أن لا نطرح هذا البُعد، ولكننا يجب أن نطرحه، على الطرف الأمريكي السليم، وهو المجتمع المدني، وليس الإدارة. وحده المجتمع المدني ومنظماته، من يمكن أن يتقبل، ولو تدريجياً، عدالة القضية الفلسطينية، ومن ثم الضغط على حكوماته لتغيير سياساتها، لأننا كما قلنا سابقاً، فإن هذا البُعد لا يمكن أن يكون مؤثراً، إلا إذا ارتبط بالسياسة الداخلية.
نحن نعني نقل هذا البُعد الأخلاقي، من العلاقات الخارجية، مع الولايات المتحدة، إلى العلاقات الداخلية، أي مع المجتمع الأمريكي نفسه، وهو بهذه الحالة، قد يصبح فعالا حقاً. نرى مثلاً تجاوب الجناح اليساري، في الحزب الديمقراطي، مع حقوق الفلسطينيين (السيناتور بيرني ساندرز) ونجاح حملات مقاطعة إسرائيل على كل المستويات، ما دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى محاولة تجريم حركة البي دي إس، أمام قوانين الدول الغربية، ما يُظهر أهمية العمل، من طرف النشطاء بالساحة الأمريكية.
الوجه الثاني للعلاقة مع أمريكا، وهو في نظري الأهم، أن يكون هناك ثمن على أمريكا دفعه، أو مكسب تأخذه، نتيجة مواقف وسياسات، تؤيد الفلسطينيين ولو جزئياً، أو تُعاديهم.
هذا للأسف ما لا نملكه قطعاً، فنحن جردنا أنفسنا، من كل وسائل العمل، حين اختزلنا القضية الفلسطينية في الشعب الفلسطيني، بدل إبقائها قضية العرب الأولى. لا يستطيع الفلسطينيون، أن يُعطوا أمريكا شيئاً، أو يضغطوا عليها بشيء. بينما لو تواجدت، سياسات عربية ولو لبعض الدول، تتبنى كاملاً المنظار الفلسطيني، فقد نتمكن من تحقيق هذه المقايضة، استعمال الموقع الاستراتيجي، الثروات النفطية، التحالفات الدولية، المقاطعة التجارية وما إليه. تداعيات الحظر البترولي السعودي، وبقرار الملك فيصل عام 1973 على الاقتصاد الغربي يؤكد ذلك.

حركات التحرر العربي

اتفاقيات أوسلو، والتي أدت إلى اعتماد المفاوضات، كوسيلة وحيدة لتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني (ولو جزئياً) حرمت هذا الأخيرمن كل أدوات النضال، التي يعترف العالم بها، للشعوب المُحتلة والمُضطهدة، ولم تترك للقادة الفلسطينيين، إلا البُعد الأخلاقي لقضيتهم. ابتعاد دول عربية عدة، عن القضية الفلسطينية، وارتماؤهم بأحضان إسرائيل، جرد بدوره الفلسطينيين، من كل إمكانيات الضغط على الولايات المتحدة، بشكل فعال من منظار المصلحة المشتركة.
الترابط الضروري بين حركات التحرر العربي، من الاستبداد، والشعب الفلسطيني، قد يسمح لنا من جديد، وهو ما نأمله، بوضع يسمح أن نضع الحصان أمام عربة القضية الفلسطينية، أي استعمال إمكانيات الأمة العربية الهائلة، لصالح الضغط على سياسات الولايات المتحدة، ودول العالم الأخرى.
على العمل الوطني الفلسطيني، أن يأخذ في الحسبان، إمكانيات المستقبل على الساحة العربية، وفرضية تغيرات سياسية خلال السنوات المقبلة، وهو ما يجب أن يدفعنا، أن نقترب أكثر، من الحركات الشعبية العربية، وأن نتبنى برامج سياسية، ذات بُعد عربي، لإعادة القضية الفلسطينة، لحضن الأمة، حتى نتمكن من إضافة البُعد الاقتصادي الفعال، إلى جانب البُعد الأخلاقي. في انتظار ذلك، فإن انتشار الديمقراطيات في العالم، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، واتساع رقعة العولمة، والليبرالية الاقتصادية، أدى إلى إيجاد حركات شعبية من المجتمع المدني، وما يسمى بالحركات البديلة، بدول غربية عديدة، ذات فعالية مؤكدة، والتي قد تؤدي، إن استطعنا تفعيلها، لصالح قضيتنا، إلى إيجاد وسيلة ضغط محلية، داخل هذه الدول، لصالح وضع قوانين وسياسات تتناغم مع مصالح الشعب الفلسطيني.
إني أعتقد، أننا لن نسير إلى الأمام، إلا إذا وصلنا، إلى تلاحم هذين البُعدين، المصلحي والأخلاقي، حجم الأمة العربية، حجم التغيرات في المجتمعات المدنية في العالم، الرافعة لمبادئ حقوق الإنسان كمرجعية، سيكونان كفيلان من منظور تاريخي، بإحقاق الحق الفلسطيني، كما حصل في بلاد أخرى، كجنوب أفريقيا.
الرئيس الأمريكي الجديد، ذو الخبرة الكبيرة بالسياسات الخارجية، يفهم بكل تأكيد هذه اللغة، ولا ننسى، أن أول سنتين من حكمه، قد تكون مُكرسة للشؤون الخارجية، بسبب استمرار الجمهوريين، في السيطرة على مراكز السلطة الأخرى (مجلس الشيوخ، حكام الولايات، قضاة المحكمة العليا) وهو ما قد يمنعه، من التركيز على هذا الجزء من رئاسته، على الشؤون الداخلية، في انتظار احتمال استعادة هذه المراكز، لصالحه بعد عامين، عند الانتخابات البرلمانية المقبلة، منتصف ولايته.

الدرس الامريكي للعرب، الديموقراطية والوحدة. القدس العربي 10/11/2020 نزار بدران

راقب المشاهدون العرب، الانتخابات الأمريكية، بكثير من الاهتمام، وهم المحرومون من رؤية هكذا عملية سياسية داخل بلدانهم. يعود ذلك أيضاً لإدراك الجميع، أن هذه الدولة العظمى، تُحدد بسياساتها، مستقبل المواطن العربي، أكثر بكثير، من ساسة بلدانهم أنفسهم.
الوضع السياسي العربي، يُظهر مدى تخلف الأنظمة العربية، عن المعركة الحضارية للإنسانية، فنحن في واقع الحال، وبسبب هكذا أنظمة، لسنا إلا موضوعاً مطروحاً على طاولات الدول المؤثرة بالعالم، ولسنا طرفاً فاعلاً بحد ذاته.

سياسات فاعلة

سياسة أي دولة، تعتمد على قوتها بنواح عديدة، ولكن أيضاً على قوة الطرف الآخر لهذه السياسة، فالسياسة الأمريكية تجاه الصين مثلاً، ليست قراراً أمريكياً بحتاً، بل هو أيضاً قرار صيني، يُفرض على أمريكا، والعكس صحيح، فلكل طرف مصالح ووسائل قوة، تمنحه تحديد سياسات فاعلة.
لو نظرنا للأطراف العربية، كل دولة على حدة، قد نجد أن تلك الدولة أو الأخرى، هي ذات أهمية على المستوى الاقتصادي أو الجغرافي، إلا أنها غير مؤثرة، على المستوى السياسي، بمعنى أنها لا تستطيع أن تأخذ مواقف سياسية بناء على هذه القوة الاقتصادية، أو هذا الموقع الجغرافي المهم. ذلك لأسباب عديدة مُهمة منها، أن هدف أي نظام عربي تقريباً، هو البقاء بالسلطة، وليس الدفاع عن مصالح بلده.
هذا البقاء بالسلطة، هو الذي دفع رئيس مثل الأسد، لتدمير سوريا، ووضعها تحت الوصاية الأجنبية، أو هدر أموال الشعب السعودي بالمليارات، لدعم حامي النظام، الأمريكي ترامب، أو الدخول في معارك لا تُعبر عن مطامح الشعب السعودي.
الذين ينتظرون التغيير بالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بعد وصول الرئيس بايدن عليهم فقط أن ينظروا إلى مصالح أمريكا والقوى الفاعلة في الحزب الديمقراطي، خصوصا الجناح اليساري وليس للمواقف العربية مهما علا ضجيجها، لأنها لا تملك أي وسيلة للتأثير وتجري وراء الحماية الأمريكيه.
وما نرى من نصوص رسائل التهنئة العربية لبايدن والتي تنتظر كلها تدخل الولايات المتحده لحل مشاكلنا لدليل على العجز الكامل لهذه الحكومات وتبعيتها للمقرر الأمريكي.
السياسة الخارجية المُعلنة، هي الجزء المرئي من وسائل دولة ما للدفاع عن مصالحها، الجزء الأقل رؤية هو البُعد الداخلي لهذه السياسة الخارجية، أي نوع وكم ووحدة الدعم الشعبي، والوسائل الاقتصادية، وعناصر القوة المُتواجدة داخل هذه الدولة.
هذه العناصر هي، حجم الدولة السكاني والجغرافي والاقتصادي، ونوعية تحالفاتها الدولية، وأيضاً تمتعها بفترة سلم وأمان طويلة لتتمكن من البناء.
هذه الأسباب (سكان مساحة سلم) تسمح لها بالمشاركة بالحضارة الإنسانية من موقع الفاعل.
لو قارنا الولايات المتحدة ( 9,8 مليون كم مربع،328 مليون نسمه، تمايز سكاني وبعد جغرافي) مع الدول العربية ( 13,3مليون كم مربع، 429 مليون نسمه، ثروات لا تحصى، موقع جغرافي بين ثلاث قارات، تشابه سكاني ) فإننا سنلاحظ، أنه لا توجد أي دولة تملك هذه الوسائل للبناء الحضاري، بمعنى أن جزءا أو كل هذه العناصر مفقودة، فمصر دولة كبيرة السكان، لكنها محدودة المساحة والموارد، قطر أو الكويت في المقابل، لهما موارد، ولكنها تفتقر للعدد الكافي من السكان أو المساحة، وهكذا بكل الدول العربية، بالإضافة إلى أن كل هذه الدول، تفتقر إلى السلم الداخلي والخارجي، فهي إما مشغولة بالقمع والحروب الداخلية، أو مشغولة بالحروب الخارجية.

عناصر التأثير الحضاري

لو أخذنا كل دولة أو ولاية أمريكية على حدة، فلن نجد أي ولاية تمتلك عناصر التأثير الحضاري بمفردها، بسبب عدم امتلاكها للعناصر الثلاثة بنفس الوقت، مع أنها تتمتع جميعاً بالسلام منذ فترة طويلة، فالحجم السكاني أو المساحة أو الموارد، ستكون غير كافية لذلك. الهدف الأساسي للآباء المؤسسين للولايات المتحدة، كان هو إعطاء هذه الدول أساساً، إمكانية التجمع وبدء عملية حضارية، أثرت على الإنسانية جميعاً.
نحن في دولنا العربية، مهما كانت وسائل كل دولة وأهميتها ونظامها السياسي، لن نتمكن من المشاركة الفعالة، بالسياسة الدولية بمفهوم تغييرها لصالحنا، إلا إذا فهمنا أهمية تجميع القوى (سكان ومساحة ووسائل) في إطار النظام الديمقراطي كشرط اضطراري كما بأمريكا، وأنهينا حروبنا الداخلية والخارجية العقيمة، لنتمكن جميعاً من بناء أوطاننا.
العالم يتجه منذ سنوات عديدة، نحو التجمعات الكبيرة الديمقراطية، سكانياً وجغرافياً واقتصادياً، حتى ولو اختلفت اللغات والمسارات التاريخية، ورغم كل ما حصل من حروب وخلافات سابقة، هذا ما نراه مثلاً في الاتحاد الأوروبي.
التغير الديمقراطي المأمول، والذي يضع الشعب في موقع السلطة، كما حدث في تونس، سيكون المفتاح للولوج بهذا الطريق. فمثلاً لو توافقت دول شمال أفريقيا الخمس، على بناء اقتصادي وسياسي وحضاري مشترك (مساحة 6 ملايين كيلومتر مربع، سكان 101 مليون نسمة، موارد وثروات طبيعية هائلة) فهم بكل تأكيد سيكونون أكثر فعالية، وأكثر مساهمة، بتحديد السياسات التي تهمهم، وتهم شعوبهم، مما نراه حالياً عندما يغني كل على ليلاه، وليلى أمامهم لا يرونها.

كاتب ومحلل سياسي

مسلمو فرنسا بين ألمتاجرة والإسلاموفوبيا. القدس العربي 05/11/2020 نزار بدران

مسلمو فرنسا  

بين المُتاجرة والإسلاموفوبيا

د. نزار بدران

نتعرض نحن المسلمون المقيمون بفرنسا، لمن يحاول بشتى الوسائل، تمثيلنا والحديث بإسمنا من الخارج، وأقصد بشكل خاص، بعض الدول الإسلامية، وعلى رأسها تركيا، مستغلين ما قد يواجهه المسلمون من مصاعب مرتبطة بتقدم اليمين المتطرف وفكره العنصري.

العمليات الإرهابية بفرنسا، خطاب الرئيس ماكرون عن وضعية المسلمين داخل البلد، الصور الكاريكاتورية المنشورة بالصحافة، الموصوفة بالإسائة للرسول الكريم، تُفَسر وتحلل على أنها جزء من حملة فرنسية ضد المسلمين، ومحاولة للنيل من حقوقهم.

لو تركنا القلم والورقة لأبناء هذا البلد من المسلمين، لقالوا شيئاً آخر، فنحن هنا، مواطنون كالآخرين. وحده استعمال الدين الإسلامي السياسي من طرف بعض الدول، ومجموعات سياسية إسلامية، من يدفع باتجاه التمييز، وإظهار الجالية على أنها شيء آخر، وضحية للظلم الرسمي الفرنسي.

الإحصائيات المعلنة بفرنسا، تُظهر بوضوح، قرب المواطن المسلم بفرنسا، من قيم هذه الدولة، القادمة من الثورة الفرنسية، أي العلمانية، بما تعني من إخراج الدين من الأطر السياسية والقانونية، وقيم الجمهورية، والتي تعني حرية الناس والمساواة والتآخي بينهم.

يكفي أن نقبل أن نعطي أنفسنا جزءاً من الوقت، لسماع رئيس جامع باريس الكبير، السيد شمس الدين حافظ، وهو رجل مستقل، لا يُمثل الدولة الفرنسية، بل المواطنين المسلمين، أو رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، السيد محمد موسوي، أو أئمة جوامع أكبر المدن الفرنسية، بلا استثناء، لنعلم أنهم يتناقضون تماماً، مع الروايات التي يقصها ليلاً نهاراً، الإعلام التابع للإسلام السياسي، والإعلام الشعبوي، لخلق الأكاذيب. لم يقل أحد من هؤلاء، أن خطاب الرئيس ماكرون يُثير الكراهية ضد المسلمين، لم يقل أحد منهم، أنه ضدها ويرفضها، بل استبقوا الحدث، وقالوا أنهم كانوا قبل الرئيس الفرنسي، دعاة لهذا الفكر التنويري.

هم يطالبون بإسلام فرنسي، وأئمة فرنسيين منذ زمن، ولكن الدولة الفرنسية لم تهتم بذلك إلا حديثاً. هم من كانوا يطالبون بتعليم اللغة العربية بالمدارس، للحفاظ على لغتهم ونشرها، هم من كانوا يأملون، أن تدخل الدراسات الإسلامية، حضارة وتاريخاً للجامعات، وهي التي اختفت منها منذ عشرات السنين. كل هذه الأشياء التي قالها الرئيس، هي بالحقيقة استجابة لدعوات مسلمة قديمة بفرنسا، وليس بها أي بُعد إقصائي أو انتقاص حقوق. المطالبة بإشراك أوسع للشباب، بالحياة الاجتماعية والسياسية، عن طريق التعلم والعمل، هو أيضاً مطلب مسلم، لأننا كنا نشعر دوماً بالتهميش في هاتين الحالتين خصوصا بالضواحي، وهو ما وعد الرئيس ماكرون بالعمل عليه.

 الأحداث الإرهابية الأخيرة، تُبعدنا بكل تأكيد عن كل هذه المكتسبات، وتُعيدنا لمربع اللامواطنة، والعدو الداخلي أو الطابور الخامس. قتل معلم بمدرسته، أو إمرأة عجوز تصلي بكنيستها، أو أي إنسان، هي جريمة لا تُغتفر، ولا يمكن لأي مسلم بفرنسا، أن يجد لها تبريراً، أو تفسيراً عقلانياً اجتماعياً أو غيره، وربطها بإعادة نشر صور كاريكاتورية، بإحدى الصحف الساخرة الفرنسية، هو تلاعب بعقول البسطاء، وعكس معادلة السبب والنتيجة. المواطنون الفرنسيون المسلمون، يعلمون تماماً، أن الفكر الإسلامي المتطرف، لا يتغذى إلا من الجهل، وتأليب المشاعر والانفعالات والنظر دائما إلى الماضي.

يُتهم الرئيس ماكرون، بأنه قد اعتبر الدين الإسلامي مصدر الإرهاب، هذا الكلام خاطيء جداً، لا أحد ممن يعرف اللغة الفرنسية (كأبناء الجالية هنا)، قد سمع شيئاً من هذا القبيل، كلمة مسلم، مثل رجل مسلم، هي musulman، كلمة إسلامي، مثل ثوب إسلامي، هي islamique، وكلمة، إسلاموي، بمفهوم الانتماء إلى الفكر السياسي الإسلامي، هي islamiste، لم يستعمل ماكرون لا كلمة مسلم ولا كلمة إسلامي، بل كلمة إسلاموي، عندما تكلم عن الإرهاب، تماماً مثلما يكتبه كتابنا العرب، المحترمون للدين، عندما يتكلمون عن داعش. أن لا نفهم اللغة الفرنسية شيء، وأن نخترع التصريحات على لسان ماكرون، هو شيء آخر. نفس الشيء بالنسبة للصور المنشورة، فالذي دافع عنه ماكرون، هو حرية الصحافة بالنشر، وليس بالتحديد الصور المعنية، هذا ما أكده شيخ جامع باريس الكبير، وغيره من الشخصيات المسلمة، عند لقائهم بالرئيس، وتصريحاتهم موجودة في الإعلام. وللعلم، المحاكم والقضاء الفرنسي، ينظر دائماً بشكاوى ضد صحف عدة، من طرف رجال سياسة، أو من يعتبر نفسه مُهاناً.  للأسف لا أحد بالخارج، يكترث بما يقوله هؤلاء أو يستمع إليهم، وهم المعنيين بالأمر، ومن يمكن تسميتهم بممثلي الجالية المسلمة. 

دخول السيد أردوغان على الخط، وبهدف مفضوح، وهو استعمال قضية مُختلقة بنزاعاته السياسية مع فرنسا وأوروبا، أدى لإعطاء بُعد شعبي إسلامي، لمشروع التنديد بتصريحات ماكرون المُختلقة، حيث يتحرك الناس، بناءاً على مشاعر، تهم معتقداتهم الدينية، وقد استسلموا لما تكتبه الصحافة والإعلام العربي أو التركي. 

استعمال السيد أردوغان، للجالية المُسلمة، بوصف وضعها، بأنه أشبه بوضع اليهود، أيام اضطهادهم بأوروبا، هو افتراء، كَذَّبَه مباشرة ممثلوا الجالية بفرنسا، ولكن طبعاً، لا أحد يهتم أو ينقل تصريحاتهم. الرئيس التركي، يستطيع فعلاً التنديد ومقاطعة الصين، لما تفعله بملايين المسلمين هناك، وهذا يبدو أنه لا يعنيه، لأسباب تجارية، تاركاً ذلك للغرب. بإمكانه مقاطعة إسرائيل لحصارها غزة، بإمكانه مقاطعة أمريكا لإعلانها القدس، أولى القبلتين وثاني الحرمين الشريفين، عاصمة لإسرائيل، بإمكانه التنديد، بتدمير سوريا ومدنها، بطائرات حليفه الروسي بوتين، أو التنديد بالعسكر الحاكمين ببورما، لطردهم كل أبناء الجالية المسلمة إلى بنغلاديش.

بإمكان الرئيس التركي، أن يُعطي الأكراد، بشرق تركيا، حقوقهم، وأن يُخرج الصحفيين المعتقلين من السجون، بدل البكاء على حرية التعبير بفرنسا، بإمكانه التوقف عن اللهاث وراء أوهام إدخال تركيا الاتحاد الأوروبي، والذي يرى به عدواً للمسلمين، بدل إقامة تجمع إسلامي، مقابل التجمع الأوروبي، ودعم الثورات الديمقراطية، بإمكانه أخيراً، التذكير بأربع قرون من الاحتلال والتخلف، للوطن العربي وبسفر برلك.

الرئيس التركي، ووسائل إعلامه، ومن يسمع ما يقول، وكأنه حقيقة، هم أكبر خطر على الجالية المسلمة بفرنسا، ومن سيزيد التطرف.

المسلمون هنا، لهم خيار، أن يبقوا صامتين، منتظرين وصول مارين لوبين اليمينية المتطرفة للسلطة، حيث سيكونون بعدها، حقيقة، ضحايا لسياساتها التميزية، وحينها لن تنفعنا تصريحات أردوغان بشيء، أو يقفوا بوجه المحرضين، أتراكاً وعرب، واسترجاع حقهم بالتعبير عن أنفسهم، بالمشاركة بوضع السياسات المستقبلية، لما يتعلق بالممارسة الدينية والاندماج المجتمعي. التطرف اليميني الفرنسي، يتغذى بشكل يومي، من عدم مشاركة الجالية الفعال، بالعمل السياسي والاجتماعي. التنديد بالعمليات الإجرامية، والوقوف بجانب مكونات الشعب الفرنسي، بهذه المحنة، هي أفضل وسيلة لطرد شياطين العنصرية والكراهية والإسلاموفوبيا.

كاتب ومحلل سياسي

السودان، موسم الهجرة إلى اسرائيل

القدس العربي 27/10/2020

السودان: موسم الهجرة إلى إسرائيل

السودان: موسم الهجرة إلى إسرائيل

 د. نزار بدران 

في قصته الشهيرة «موسم الهجرة إلى الشمال» يُظهر الكاتب السوداني الكبير، الطيب صالح، شدة التعقيد خلف بساطة المظهر، فالحقيقة ليست دائماً، ما يبدو ظاهراً للعيان.
هذا تقريباً ما نراه حالياً، مع توجه السودان، إلى تطبيع علاقاته مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، فخلف وجود سلطة توافقية ناتجة عن الثورة، نجد تناقضات عميقة، بين مكونات هذه السلطة.

رموز الثورة المضادة

فالنموذج السوداني فريد من نوعه، من حيث تواجد الثورة والثورة المضادة، بنفس الوقت بقمة السلطة.
قوة الثورة المضادة، المُمثلة بالعسكر، وخصوصاً رجلها القوي «حمديتي» هي باستمرار سيطرتها على وسائل القوة، أي الجيش والشرطة بينما قوة الثورة، هي فقط بوعي الشعب واستعداده للتضحية لإنجاح ثورته.
من كان يتصور أن رموز الثورة المضادة، المتواجدين بالسلطة، سيتركونها بعد الفترة الانتقالية، ويذهبون للاستجمام، هو خاطئ، بمن فيهم قيادات الثورة.
هؤلاء كما حدث في مصر، مع عبد الفتاح السيسي، وزير دفاع الرئيس الشرعي الوحيد، محمد مرسي، أو قبله بينوشيه، وزير دفاع الرئيس أليندي في تشيلي، لا ينتظرون سوى اللحظة المناسبة، للانقضاض على السلطة وإنهاء الثورة.
ما رأينا في السودان، من رفض الولايات المتحدة، رفع اسم السودان عن لائحة الإرهاب، مع أن هذا الشعب، قام بثورة ديمقراطية، علمانية بالمعايير الحديثة، والاستمرار في حصار السودان، دون أدنى سبب، ما هو إلا إنعاش للثورة المضادة، لتتمكن من العودة.
أمريكا في أواخر أيام البشير، كانت على استعداد، لرفع اسمه عن قائمة الإرهاب، وكان البشير على ما يبدو، على استعداد للتطبيع مع إسرائيل.

اللوبي الصهيوني الأمريكي

ما يظهر على كونه، ابتزازا للثورة لصالح إسرائيل، هو بالحقيقة، محاولة إنهائها.
السودان اليوم، لم تقبل الثورة الاعتراف بإسرائيل، وإنما انتصرت الثورة المضادة، في أول معركة لها مع قوى الثورة، بدعم من معسكر كل الثورات العربية المضادة، من دول الخليج إلى مصر وغيره، ومع دعم الدولة الأكبر في العالم، ورئيسها الذي يلهث وراء اللوبي الصهيوني الأمريكي، للنجاح بالانتخابات المقبلة، بعد أيام قليلة.
الثورات المضادة العربية، تهرول نحو إسرائيل، طلباً للحماية من الثورات العربية الحالية والمقبلة، وإسرائيل تعرف ذلك وتطلب أغلى الأثمان، والنموذج المصري واضح، من تحالف إسرائيل ومصر، ضد أهل غزة وحقوق الشعب الفلسطيني.
في مواجهة تحالف قوى الثورة المضادة العربية وداعميها، لا يوجد للأسف، أي تحالف لقوى الثورة العربية، لا رسمياً ولا شعبياً، فعند اندلاع الثورة السودانية، كان الكثيرون، من الإسلاميين وغيرهم، يدعون أنها ثورة شيوعية كافرة إلى ما آخره، نادمين على جمال زمن البشير، والذي دمر البلاد باسم الشريعة والدين الإسلامي.
هذه الثورات العربية، إن لم تتضامن فيما بينها، شعبياً ورسمياً، ستؤكل كل واحدة على حدة، والنموذج المصري سيصبح النموذج الرسمي لمستقبلها.
من يظن مثلاً في تونس، أنه بمنأى عن عودة الثورة المضادة، فهو خاطئ، من حاصر السودان، بحجة واهية، يستطيع أن يفعل الشيء نفسه، في تونس أو الجزائر أو أي دولة أخرى.
تضامن قوى الثورات العربية، مع الثورة السودانية، هو أقل ما يمكن تقديمه لها بهذه الأيام العصيبة، بدل انتظار أن تؤكل كما أكل الثور الأبيض.

توحد الثورات

علينا أن نتعلم من الثورات المضادة، وهي تتضامن دائماً، وتوحد جهودها، ومنذ اليوم الأول، لسحق أي حراك شعبي في أي منطقة (ليبيا، البحرين، اليمن، سوريا، العراق…الخ)
توحد الثورات العربية، خلف شعارات واحدة، يجمع القوى، هو أكثر من ضروري، اتهام الثورة السودانية، بالتطبيع مع إسرائيل هو تجن عليها، الشعب السوداني، لن يقبل ذلك، وهو يدرك أكثر من غيره، أن أباطرة الفساد، ومجرمي حرب دارفور وساحات الاعتصام، يبحثون عمن يحميهم من هذا الشعب ومن المحاسبة المقبلة، لأفعالهم الشنيعة.
في نهاية قصة موسم الهجرة إلى الشمال، نعرف الحقيقة، وخفايا الأشياء، وحب الحياة، كما يعرفها أبناء الشعب السوداني العظيم.

مقابلة بفرانس 24

https://www.france24.com/ar/%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%AC/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%B4/20201026-%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D9%83%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9

الجريمة ألتي قصمت ظهر البعير، القدس العربي 24 أكتوبر 2020. نزار بدران

الجريمة ألتي قصمت ظهر البعير

د. نزار بدران

مع مقتل المعلم الفرنسي صاموئيل باتي على يد إرهابي شيشاني وبطريقة بشعة تذكرنا بداعش ومن شابهها،. نجد من جديد من يبرر او يتفهم او يقسم المسؤولية بين الجاني والضحية. يذكرني ذلك بجرائم التحرش الجنسي  والذي تتحمل دائما الضحية مسؤولية ما حدث لها، لعدم احتشامها او إثارة شهوات القاتل.

عندما حرقت داعش الطيار الأردني الشهيد معاذ الكساسبة عام 2015 لم يحمل أحدا المسؤولية للطيار بل داعش لخروجها عن كل قوانين الأسر والانسانية.  عندما يقتل المستوطنون الاسرائيليون  بالقدس حرقا الطفل الشهيد محمد أبو خضير عام 2014 لن نقبل ان تجد الصحافة والقضاء الاسرائيلي اعذار مخففة للحكم.

جريمة القتل لا يجب ان تجد من يبحث عن مساواة الجاني بضحيته وإلا فنحن لسنا بحاجة لاي قانون ينظم المجتمع، بل قانون الغاب يكفي. هذا ما نراه ببلادنا بجرائم الشرف والتي تعفي وتطلق سراح القاتل، بعكس قوانين الدول الغربية والتي تحكم على جريمة الشرف بشكل أقوى بسبب وجود سلطة للقاتل على ضحيته.

ما أقول لا يعني أن لا نفهم أسباب وظروف الجريمة لنتمكن من أخذ الاجرائات اللازمة لمنع تكرارها، التمييز بين السبب والنتيجة مهم جدا لأن ما توجب عمله مرتبط بالاسباب، فالتحرش الجنسي سببه الكبت الجنسي وليس ما تلبسه الضحية، هذا يعني ان الاجراءات المتخذة يجب ان تكون موجه نحو حل أزمة الكبت والتعامل بين الجنسين, وهو ما يدفعنا إلى مساعدة الشباب كتخفيض نفقات الزواج ماديا، او مساعدة العائلة المكونة الجديدة، وليس اجرائات لفرض النقاب على النساء، او تخفيف الأحكام على الجناة وقبول جرائمهم.

بالعودة لمقتل الاستاذ الفرنسي ذبحا، فاتهامه بأنه السبب بذلك هو تجني عليه ، ما قام به هو جزء من أساليب التعليم الغربية والتي تفضل النقاش في الأشكاليات المطروحة داخل المدارس لإثارة النقاش بدل خلق الكره المتبادل ورفض الآخر، وليس الاستسلام والتراجع ، حرية التعبير هي أحد أسس المجتمع الغربي، وهي بفرنسا محدودة نسبيا عن طريق ربطها باحترام قيم العلمانية واسس الثورة الفرنسية، على خلاف أمريكا أو بريطانيا حيث لا توجد حدود تقريباً.

الإعلام الساخر هو تقليد ثوري قديم حين كانت الصحافة منذ قرون، ما بعد الثورة الفرنسية تتهكم دائما على رجال الدين المسيحيين وعلى الكنيسة وعلى الساسة، وهو ما أسس لثقافة النقد الساخر ذا الانتشار الواسع وبقبول كل الأطراف.

 الوجود الإسلامي بالمجتمع الغربي حديث النشأة نسبيا، بدأ مع النصف الثاني من القرن الماضي ، وأخذ منذ التسعينات بعدا جديدا قريباً لما حدث بدول المشرق والمغرب العربي من حيث الارتداد نحو التعصب الديني وظهور الاسلام السياسي،  المجتمع المسلم بفرنسا تأثر إذا بالتغيرات السياسية والاجتماعية بالدول  المصدرة للهجرة.

من ناحية أخرى ما نراه حالياً بالغرب ومنذ ظهور الحركات الاسلاميه المتطرفة مثل القاعدة أو داعش هو بالحقيقة امتداد لهذه الحركات وليس التطور الطبيعي للمكون المسلم، ولا رد فعل على ما يسمى تهميش جزء من المجتمع ذا الاصول المسلمة. دليل ذلك أن هذا التهميش كان أكثر وضوحا بالستينات والسبعينات حين كان هولاء العمال المهاجرون يسكنون مدن الصفيح. من ناحية أخرى فإن الأفراد المتورطين بالهجمات الإرهابية ينتمون بشكل عام لطبقة وسطى تعيش بظروف مادية حسنة ولا ينتمون حقيقة لطبقة الفقراء. ولكن يمكننا ملاحظة ان الذهاب إلى صيغة متشددة للاسلام بفرنسا والغرب بشكل عام هو إمتداد لما يحدث بدول المهاجرين الأصلية دافعا باتجاه الانعزالية والخصوصية والتي لا تتوافق مع ما يعتبره الناس هنا أسس مجتمعاتهم .مثال ذلك محاولة الفصل بين الذكور والاناث بالمدارس خصوصا بدروس الرياضة، رفض مشاركة البنات او حتى الأولاد بدروس تخص البيولوجية او التوعية الجنسية، التميز بالمظهر لاظهار الانتماء الديني، كل هذه الأشياء تطرح على الدولة إشكالية التعليم العلماني ومساواة الرجل بالمرأة وتوحيد المناهج التعليميه.

للأسف فإن تضخم التيار المحافظ الإسلامي أعطى للمتشددين والمتزمتين فرصة الوجود والتأثير بالشباب عن طريق ايجاد حاضنة إجتماعية تتقبل طروحاتهم وعائلات تربي ابنائها على رفض النموذج الذين يعيشون بداخله، مما يخلق نوع من إنفصام الذات وبلبلة فكرية تسيئ الى التطور الحر واكتساب وسائل الفكر المستقل.

  هذه الأعمال الإرهابية حتى ولو كانت فردية ستنعكس على المجتمع المسلم الغربي والمسلم الفرنسي بشكل خاص مهمشة المسلمين أكثر وأكثر، فهو الآن متهم بكونه أعطى الغطاء الذي منح المجرمين شرعية جرائمهم، هذا ما نسمعه الأن بوسائل الإعلام الغربية وما عبر عنه مئات آلاف المتظاهرين بعد الجريمة.

الخطاب الذي القاه الرئيس ماكرون قبل أسابيع قليلة حول الانفصالية التي يتهم بها المسلمين أخذت مع هذآ الحدث بعدها الحقيقي، هو بخطابه الداعي إلى إسلام تنويري يفتح المدارس للغة العربية والجامعات للدراسات الإسلامية تاريخا وحضارة، ودامجا الطلبة من أصول إسلامية مع الاخرين بدون تمييز وواعدا بفتح مجالات التكوين المهني والعمل لهم، مبعدا بذلك الاصوليين والمتشددين القابضين على أدمغة الشباب المسلم ، هذا الخطاب يعطينا طوق نجاة حتى لا نصبح الضحية النموذجيه لليمين المتطرف الذي ينتظر على الأبواب، وقد يصل السلطة بالانتخابات الرئاسية المقبلة، برنامجه السياسي لا يحتوي على أي بعد تنويري وانما فقط عنصري واقصائي، هذا الخطاب الذي يجد بما حدث وسيلة للتطور والسيطرة مستغلا غضب الناس وتزايد العداوة تجاه المسلمين.

التفاعل الإيجابي مع خطاب الرئيس ماكرون من المؤسسات الإسلامية وخصوصا أنها لم تندد بالخطاب بل دعمته في معظم ما جاء به، العمل الدؤوب لابعاد الاصوليين والقبول بدون تردد بالدفاع عن القيم المؤسسة للدولة الفرنسية، التضامن الواضح مع بقية الشعب الفرنسي المصدوم وإظهار ذلك بكافة الوسائل المتاحة واستنكار ما حدث بأعلى صوت وهذا ما بدأ،  المشاركة بالحملة الانتخابية القادمة تحضيرا وتصويتا قد يعيد المكون المسلم بفرنسا لمربع المواطنة المسالمة الفاعلة بنفسها وبمجتمعها وتراجع خطاب الكراهية بين الجانبين.  نرى العدد الكبير من الكفاءات بكل المجالات بين ابناء الجالية وهم يساهمون كاطباء ومهندسين وتقنيين وعمال وفي كل المجالات المنتجة. يستطيعون حقا لو استرجعوا حقهم بالفكر المستقل وممارسة دينهم إن أرادوا مثل الآخرين ( الهنود او الصينيين مثلا) بدون خلط الدين بالسياسة او القانون ان يصبحوا مصدر إلهام للمجتمع الفرنسي والغربي وحلقة وصل لبناء الجسور بين الشعوب بدل العيش بمتاهات إلاوهام.

كاتب ومحلل سياسي

التطبيع الخليجي الإسرائيلي ثمن الحماية وكلفة ألاستبداد . القدس العربي 20 أكتوبر 2020

التطبيع الخليجي الإسرائيلي

 ثمن الحماية وكلفة الاستبداد

د. نزار بدران

حتى نفهم الدوافع الحقيقة، وراء تطبيع العلاقات بين بعض الدول العربية وإسرائيل، في هذه الفترة بالذات، علينا أن نطرح على أنفسنا سؤال بسيط وهو، ما هو الشيء الذي يحرك هذا النظام أو ذاك، بمعنى ما هو المُحرك العملي لفعله.

بالدول الديمقراطية، حيث الانتخابات حرة، يوكل بها الشعب حزباً أو مجموعة، لتحقيق مصلحته ومآربه بشفافية كاملة، تحت مراقبة المجتمع المدني. فإننا بالأنظمة الديكتاتورية، نرى أن هذا الشعب، غائب أو مُغيب تماما، فالنظام موجود بقدرة قادر، أو بفعلة فاعل، وليس له من قريب أو بعيد، أي ارتباط بالإرادة العامة للمواطنين، ولا يحمل أي برنامج مُحدد شفاف، يتوافق مع رغبات الأغلبية من الشعب.

السلطة المستبدة، هي التي تضع السياسات بشكل منفرد، خارج المجتمع، والذي ما عليه إلا أن يقبل بها، بغض النظر عن الأضرار التي قد تصيبه. هذه السلطة قد تكون بيد شخص واحد، بمعنى أن كل مراكزها، تُؤتمر بأمره، ولا مكان للتوازن بين قوى مختلفة، كما كان الحال عليه زمن الرئيس صدام حسين أو حافظ الأسد أو جمال عبد الناصر. أو قد يكون هناك مراكز متعددة في السلطة، يربطها توازن مصالح، كما نرى مثلاً ببعض الدول الملكية كالمغرب أو السعودية سابقاً.

في الحالة الأولى، أي حكم الشخص الواحد، تسير الأمور، في حالة الاحتجاجات الشعبية، نحو المواجهة العنيفة، العنف هو الوسيلة الوحيدة التي يُحسن استعمالها المستبد الفرد، بينما في حالة المجموعة المتحالفة المستبدة بالسلطة، فإننا قد نرى تغيرات أو انقلابات، داخل السلطة نفسها (ما يُسمى ثورة القصر)، قد تؤدي إلى تخفيض مستوى العنف والخسائر بحالة انفجار ثورة شعبية، هذا ما نراه مثلاً بلبنان مع توازن زعماء الطوائف، أو ما نراه بالمملكة المغربية، حيث أن القوة النافذة بالسلطة، اضطرت لاعتماد سياسة انفتاحية، قد تؤدي إلى تخفيف حدة التوترات، وتسمح بتغيير بطيء ولكن سلمي. عكس ذلك الوضع بالسعودية، تحول من حكم عائلة مالكة، مع توزيع مراكز السلطة، على العائلة الحاكمة، إلى سلطة الفرد الواحد، منذ تولي الأمير محمد بن سلمان عملياً أمر البلاد، وهذا ما قد لا قد يُحمد عقباه.

هذه الدول الاستبدادية بكل أنواعها، تُحدد سياساتها الداخلية والخارجية، بناءً على ما تعتبره مصلحة بقاء النظام وديمومته، فمثلاً، عندما يقوم الرئيس، عبد الفتاح السيسي، بالارتماء بأحضان أمريكا، والتفاهم على حصار غزة، فهو بكل تأكيد لا يهدف لحماية الشعب الفلسطيني أو سكان سيناء، بل العكس تماماً، هو يدفع الثمن لقاء دعم أمريكا له، ضد تطلعات شعبه بحكم ديمقراطي، الذي سيكون بالتأكيد داعماً لأهل غزة، وليس مشاركاً بحصارها. نفس الشيء تقريباً زمن الرئيس الأسبق حسني مبارك، ورغبته العارمة بتوريث السلطة لأولاده.

ما هو إذاً المحرك وراء سياسات الدول الخليجية ألتي تطبع أو ستطبع مع إسرائيل، هل هو المصلحة الوطنية العليا لدولهم، أو للأمة العربية، أو الرغبة الجامحة بإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس، لحل النزاع، حتى تتمكن هذه الدول من البناء والتعمير وتحقيق أحلام شعوبها، أم ماذا؟، الحقيقة أن مُحرك هذه الحكومات، هو بكل بساطة، شعورهم بأن زمن جديد قد بدء، منذ سقوط الأنظمة الديكتاتورية، ببقاع كثيرة بالعالم، وأن دورهم هو على الأبواب. هذه الأنظمة تبحث إذاً عن حامٍ لها، واهمة أن إسرائيل وأمريكا، تستطيعان مساعدتها بفعالية، للوقوف أمام تطلعات شعوبها، بالوصول للحكم الرشيد، شرعيته الشعب وليس العائلة أو الأوهام الغيبية. مقابل ذلك تدفع الثمن الذي يُطلب منها وبدون تردد، مالاً واعترافاً وعلاقات وغيره.

السياسة الأمريكية بالشرق الأوسط، مرتبطة بشكل وثيق بالمصالح الإسرائيلية، لذلك فإن الثمن المطلوب دائماً، لحماية هذا النظام أو ذاك، أو لتقديم المساعدات أو رفع العقوبات الدولية، هو دائماً الموافقة على الإرتماء بإحضان إسرائيل والتحالف معها، وتسهيل سيطرتها على مقدرات الأمة، هذا أيضاً ما هو مطلوب من السودان، لرفع اسمها عن قائمة الدول الداعمة للإرهاب، مع أن الشعب السوداني، قام بثورة أطاحت بالنظام الإرهابي، فبدل مساعدته بإرساء الديمقراطية، يُحاصر من جديد لإجباره على دفع الثمن الإسرائيلي المطلوب، ونجد بين العسكر المشاركين، بالمرحلة الانتقالية، من يروق له هذا التوجه، بدعم دول الثورات المضادة المُطبعة. لكن الشعب السوداني بوعيه وبوعي المكون المدني للسلطة، لن ينجر على ما يبدو وما نأمل لهذه المطالب الأمريكية، رغم حاجته الماسة للدعم الاقتصادي. هذا ما يُميز أنظمة الربيع العربي عن الأنظمة الديكتاتورية، حيث لا مكان للرأي العام في سياساتهم. نحن نعتقد أيضاً أن الثمن المطلوب من الحكومة الإيرانية، لرفع العقوبات الأمريكية عنها، هو مرتبط أيضاً بالسياسة الإيرانية تجاه إسرائيل، وليس كما يُدعى، دعم الشعب الإيراني لإرساء نظام ديمقراطي أو التخلي عن مشروع نووي خيالي. 

حماية الأمة من الخطر التطبيعي الداهم، والذي كما رأينا سابقاً، مع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل منذ أكثر من أربعين عاماً، لا تؤدي إلى أي ازدهار، وإنما فقط حماية النظام الموقع المُطبع. فمثلاً من وجهة نظر الحكم المصري، فإن التطبيع الساداتي باتفاقيات كامب ديفيد، هو ناجح، لأنه استطاع الحفاظ على ديمومة النظام العسكري، وإفشال ثورة 25 يناير، طبعاً النتيجة هي عكسية للشعب المصري، والذي ازداد فقراً، وفقد كل أشكال الحرية. 

هذه الأنظمة تطرح على الأمة إشكالية مهمة، وهي ماذا ستكون عليه الأحوال بالمستقبل، وماذا سنترك لأبناءنا من بعدنا. تُبذر الثروات، وتضيع السيادة وتُقسم الأوطان (جنوب السودان) وذلك فقط كأثمان ندفعها جميعاً، حتى تبقى هذه الأنظمة جاثمة على صدورنا. 

لا حل إذاً إلا بتوحيد جهود كل قوى المجتمع، خصوصاً القوى الشبابية المنتمية للمستقبل، والباحث على اللحاق بركب الأمم، لزعزعة أنظمة الردة والاستبداد، ولدعم أنظمة الثورات والربيع العربي، حتى لا تضطر قهراً للسير بجانب هذه الأنظمة، وراء الخطط الإسرائيلية الأمريكية. دعم السودان مثلاً واجب علينا، خصوصاً وهو يأن، تحت وطأة العقوبات الأمريكية، وويلات الفيضانات العارمة والفقر، وقد أضاع البشير، الرئيس المخلوع، جنوب البلاد الغني بالبترول، كثمن دفعه حتى يُرفع اسمه عن قائمة الإرهاب، وما زال النظام الجديد، متأرجحاً بين المدنيين والعسكر، بين الجديد والقديم.

الاستمرار بالحراك الديمقراطي العربي، كما نرى بلبنان والعراق والجزائر، التضامن الحقيقي لهذه الحركات قد يكون الوسيلة الفعالة، لعودة الروح إلى أمة ال 400 مليون مواطن، بإمكانياتها الهائلة، المُبذرة حالياً كثمن لبقاء الاستبداد.

كاتب ومحلل سياسي

التهافت على إنتقاد الرئيس ماكرون . القدس العربي 13 أكتوبر 2020. نزار بدران

يتهافت الكتاب المسلمون، في مناطق عديدة في العالم وبعض الزعماء، على الرد على الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وكأنه بخطابه الشهير، قد توجه إلى الأمة الإسلامية، من دانيها إلى قاصيها.
والغريب أن هذا الإجماع، كان مفقوداً تماماً، عندما تدخل الرئيس الفرنسي، في الشأن اللبناني وعين نفسه حاكماً للبلاد، مُحدداً سياساتها مُتجاوزاً كل الأعراف، مُعيداً تقريباً زمن الانتداب، بل على العكس، وجد من الكُثر الترحيب والدعم.

البُعد الانفعالي

يحق لأي شخص طبعاً، أن يُعلق وينتقد كلام أي رئيس في العالم، ولكن المشكلة بالنسبة لخطاب الرئيس ماكرون، هو هذا البُعد الانفعالي بالرد عليه من خارج فرنسا، وبحدة وتحد، بينما المعنيون بالأمر، أي مسلمو فرنسا، لم يكونوا بتلك الحدة، بل على العكس، فمعظم المسؤولين بالهيئات الإسلامية الجامعة، وحتى رئيس جامع باريس، مع بعض التحفظ، بسبب خلافات داخلية داخل المؤسسات الإسلامية، وشيوخ جوامع عدة في مدن فرنسية رئيسية، لم يجدوا حرجاً في ما قاله الرئيس الفرنسي، بل أعلنوا أنهم كانوا ضد التطرف الإسلامي لفئة قليلة، وأنهم مع أن تبني فرنسا، مع مسلميها الـ 6 ملايين، وسائل التعبير وممارسة دينهم، بما يتوافق مع قيم الجمهورية الفرنسية العلمانية.
لم نر أي مظاهرات عربية أو إسلامية، داخل فرنسا، أو احتجاجات شعبية، ولا حتى في الأحياء ذات الأغلبية المسلمة، علماً أن هذه الأمور، شيء مألوف في فرنسا، خصوصاً زمن السترات الصفراء.
الرئيس الفرنسي، قال شيئاً يهم الشعب الفرنسي، والمسلمين الفرنسيين، أو المقيمين في فرنسا، وخصوصاً المتدينين منهم، والذين هم قبل غيرهم، يودون عزل المسلمين الأصوليين، الذين كانوا وصمة الشر التي لحقت بنا جميعاً هنا، ووضعتنا في مهب رياح الانتخابات الفرنسية، والتي ستجري بكل تأكيد، بين اليمين المكروني، واليمين اللوبيني المتطرف.

القوانين العلمانية

لا توجد أي مصلحة في هذا الجو، لملايين المسلمين الفرنسيين، أن يظهروا وكأنهم، دُعاة انفصال وانعزال، عن المجتمع الذين هم جزء منه، ويرفضون قوانين الدولة التي يعيشون بها وكرههم لها.
هم يدركون ذلك، وقد فهموا أفضل من غيرهم مقولة «من أحب قوماً فهو منهم».
وقد أظهرت دراسة، نشرها معهد مونتين الشهير 2016 بعنوان «الإسلام الفرنسي ممكن» بإشراف الأستاذ المتخصص، من أصول مسلمة، «حكيم القروي» أن ثلاثة أرباع المسلمين في فرنسا، يؤيدون البقاء والعيش بكنف القوانين الفرنسية العلمانية، وقد تكون هذه الدراسة جزءا من الوثائق التي أغنت تفكير الرئيس ماكرون.
ينتقد كثيرون أيضاً، أن هذا الخطاب، يذهب في اتجاه اليمين المتطرف لأسباب انتخابية، تهدف سرقة أصوات الناخبين اليمينيين، قد يكون هذا الوصف صحيحاً، لو تناسينا أن أهم جزء من الخطاب، ليس هو مراقبة الجمعيات الإسلامية، على المستوى المالي والتنظيمي، بل هي الإجراءات الإيجابية، نحو المسلمين في فرنسا، مثل تعليم اللغة العربية في المدارس بدل أن تُترك لبعض دعاة السلفية في الزوايا، هذا ما لا يقبله اليمين الفرنسي المتطرف ولا حتى غير المتطرف.
هو أيضاً ضرورة إرسال الأطفال، ابتداءً من سن الثالثة إلى المدارس الحكومية، وإلغاء التدريس في البيوت، إلا لذوي الإعاقات والأمراض، هو إعادة فتح الجامعات الفرنسية، مثل جامعة السوربون للدراسات الإسلامية، بما فيها الحضارة والدين الإسلامي، وهو ما كان قد اختفى منها، بعد انتهاء الاستعمار، هو إعطاء ملايين المسلمين بفرنسا، إمكانية أن يُكَوِّنُوا بأنفسهم أئمتهم، وألا يستوردوهم من الخارج، وهو ما أدخل الفكر السلفي والأصولي إلى عدد ليس بالقليل إلى الجوامع، هو أيضاً إعطاء جيل الشباب، من أصول مسلمة وسائل التعلم والحصول على فرص عمل. لا أظن أن كل ذلك، مكتوب بالبرامج الانتخابية لليمين المتطرف، والذي يركز على ضرورة عزل المسلمين ومراقبتهم وإعادتهم إلى بلادهم الأصلية، حاملين فكراً وتصرفاً عنصرياً واضحاً.
من ناحية أخرى، فإن المسلمين في فرنسا، كجزء من النسيج الوطني، وكباقي مكونات المجتمع، وضعوا خطاب ماكرون، محل أخذ ورد، رفض وقبول، تحية أو تنديد، لكن لا أحد يمنع هؤلاء من التصويت ضده وضد قوانينه، وهم كثر، ويستطيعون بكل تأكيد لو تحركوا كمجموعة، أن يحددوا أهم مراكز السلطة في فرنسا.
من يجد نفسه مظلوماً، فالمحكمة الدستورية مفتوحة لنقد قرارات الدولة، وغير ذلك كثير. هل إخوتنا في الدول الإسلامية، يستطيعون التمتع بهذه الإمكانيات.
من ناحية أخرى، لماذا يهتم الرئيس التركي بهذا الشأن، وكأننا في فرنسا رعايا أتراك، بينما هو يتعامل مع اللاجئين السوريين وأغلبيتهم مسلمون، كبضاعة تجارية، يُهدد بها أوروبا دائماً، إن لم يفعلوا كذا وكذا ويدفعوا، فسيفتح باب الهجرة للاجئين للزحف على أوروبا.

ما أود أن أعرفه، هو بأي حق يقف السيد اردوغان، سداً منيعاً أمامهم للذهاب إلى أوروبا إن كانت تلك رغبتهم، ويُجبر جزءا منهم على المخاطرة، للسفر بالبحر، ليصبحوا طعاماً لأسماك القرش. أليس الأصح، أن تُحترم الحقوق الإنسانية لهؤلاء، وأن يُعتبروا بشراً، وليس فقط وسيلة ضغط سياسية، وأداة طيعة بين يديه، مُستغلاً ضعفهم وضيق حالهم.

الإعدامات العشوائية في مصر


ما هو موقف الأزهر الشريف، من الإعدامات العشوائية في مصر، وقد أعدم السيسي 15 شاباً بريئا، بعد موجة المظاهرات الأخيرة، وبموافقة مفتي الديار المصرية.
أين العدالة الإلهية وفعالية الأزهر من ذلك، أليس ذلك دليلا قاطعا على أزمة مؤسسات الدين الإسلامي، أم أن الصياح مع الذئاب على خطاب الرئيس ماكرون، أسهل له ويستطيع أخذه بلا أدنى مخاطرة.
عندما يصبح المواطن العربي، والمواطن المسلم، بوطنه بلا قيمة، ولا يجد من يحميه أو يدافع عنه، فإننا نجد العشرات، ممن يتطوعون للدفاع عما يتصورونه، حقوق المواطنين المسلمين في فرنسا، وكأننا هنا نعيش دون حقوق، وننتظر من أئمة ومشايخ الشرق والشرق الأقصى، أن يهبوا للدفاع عنا.
الانتخابات الفرنسية قريبة، وهي دائماً المناسبة، لطرح جميع مشاكل البلد السياسية والاجتماعية، والإتحاد الأوروبي، والعلاقة مع روسيا وأمريكا، والبريكست، والتلوث البيئي وألف شيء آخر، ولولا وجود الانتخابات الحرة في النظام الديمقراطي، لما اهتم أحد بمشاكل الناس ومعاناتهم، كما يحدث للأسف في بلادنا العربية والإسلامية.
الانتخابات هي الفرصة الذهبية، التي تسمح لكل مجموعة اجتماعية، التعبير عن مشاكلها وهمومها. فلننظر أولاً إلى أنفسنا، ونحاول تصليح حالنا، والدفاع عن المستضعفين في بلادنا، عن المشردين والمحرومين من العمل والسكن والصحة، عن المعرضين للكوليرا كما نرى في اليمن، أو بالنوم بالعراء في دول الشعوب المُهجرة كالعراق وسوريا.
نأمل من مفكرينا وكتابنا، أن يلتفتوا ولو قليلاً إلى معاناة هؤلاء الفقراء على طول البلاد وعرضها، فقد نكون بهذه الحالة، أكثر إفادة للناس، وأكثر احتراماً لقيم الأخوة التي يحملها الدين الإسلامي.
نحن واثقون، أن الجالية المسلمة والعربية في فرنسا، تستطيع تنظيم نفسها، لو أرادت واجتهدت، وأن تكون أكثر فعالية من أجل الدفاع عن مصالحها، وهذا ما بدأنا نراه في عدد كبير من الدول الأوروبية، وهي ليست في حاجة لأئمة ومشايخ الوهابيين والأصوليين.

كاتب ومحلل سياسي

الفصل التعسفي للتلاميذ الفلسطينيين في لبنان. القدس العربي 01 أكتوبر 2020. نزار بدران

قامت السلطات اللبنانية مؤخراً، ومع بداية العام الدراسي الجديد، كما ذكر بمصادر إعلامية وبمواقع التواصل الاجتماعي للمؤسسات المجتمع المدني، بفصل عدة آلاف من التلاميذ الفلسطينيين، المُسجلين في المدارس اللبنانية، وعدم قبول أي طالب فلسطيني جديد.
الأسباب الحقيقية لذلك لم تُعلن بشكل واضح، ولكن النتائج ستكون كارثية على هؤلاء التلاميذ وعلى عائلاتهم في زمن الكورونا، حيث يتوجب عليهم، الالتحاق في مدارس أخرى، وهي في معظم الأحيان، إن وُجدت، تبعد مسافات طويلة عن أماكن سكنهم، وتفرض على هؤلاء التلاميذ الصغار، أن يفترقوا عن مدارسهم، ورفاقهم، وأساتذتهم.

السياسة التمييزية

ما هو ظاهر للوهلة الأولى للعيان، أن هذه السياسة التمييزية، والتي تحمل شعار اللبناني أولاً، مع أن الفلسطينيين متواجدون هناك منذ أكثر من سبعين عاماً، تهدف إلى التجاوب مع زيادة عدد الطلبة اللبنانيين، بعد تدهور الوضع المالي، لعديد من أهالي التلاميذ اللبنانيين المسجلين في المدارس الخاصة، وهو ما دفعهم إلى البحث للالتحاق في المدارس اللبنانية المكتظة. طرد التلميذ الفلسطيني، كان إذاً الحل السهل لهذه الإشكالية.
ما يُظهر بشاعة هكذا قرار، هي تلك التفاصيل العنصرية التي يحتويها، فهو يقسم التلاميذ إلى ثلاثة أنواع، أولاً، اللبناني أباً، ثانياً، التلميذ الذي له أم لبنانية وأب فلسطيني، وأخيراً، التلميذ الفلسطيني أباً وأماً، وإعطاء الأولوية طبعاً، بناء على هذا التسلسل.

نظام طائفي

الآن لو وضعنا هذه السياسة الجديدة، بإطار السياسة الرسمية اللبنانية، منذ عشرات السنين، فإننا لن نستغرب من شيء، فالفلسطيني بلبنان، ضحية نظام طائفي، يُطبق عليه قوانين تمنعه من العمل، في المؤسسات اللبنانية بمجالات عديدة، مثل الطب والهندسة وعشرات المهن الأخرى، وحتى بالتملك والتوريث هو الضحية السهلة، والتي لا يدافع عنها أحد.
في هذه الفترة الصعبة على القضية الفلسطينية، حيث تم تقليص الخدمات المُقدمة من الأنوروا للاجئين الفلسطينيين، خصوصاً في المجال التعليمي، واكتظاظ المدارس التابعة لها، وعدم مقدرتها على تقديم الخدمات لكافة الطلبة، يُطرد التلميذ الفلسطيني من مدرسته، ويُترك على قارعة الطريق، وكأن حقوق الناس الإنسانية، لا تعني في شيء، السلطات اللبنانية، ولا حتى المؤسسات المهتمة في شؤون اللاجئين. فصل اللبناني عن الفلسطيني، حتى على مقاعد الدراسة، يحتوي على هدف سياسي، وهو إبعاد اللبناني عن التفاعل مع القضية الفلسطينية، وإعطاؤه الانطباع أن مآسيه، هي بسبب الوجود الفلسطيني، وليس من فشل الإدارة اللبنانية المزمن، بحل مشاكل لبنان.
الفكر الطائفي السائد، يفصل الفلسطيني عن اللبناني، بمجالات العمل والسكن والتعليم، ولا أستغرب أن هذا الفصل، قد يمتد أيضاً، داخل المكونات اللبنانية نفسها. نأمل من الحراك الديمقراطي اللبناني، الداعي إلى إلغاء الطائفية، أن ينتبه إلى خطورة تلك السياسة التعليمية المتبعة، والتي لا تهدف إلا إلى إحكام السيطرة، على التلاميذ اللبنانيين أنفسهم، وتثبيت البُعد الطائفي، وهو ما يتناقض تماماً مع أهداف هذا الحراك.
لا يمكن أن يكون طرد التلميذ الفلسطيني حلاً، لمشاكل نقص الأماكن في المدارس اللبنانية، فقطع اليد، لن يحل أبداً مرض أحد الأصابع.

كاتب ومحلل سياسي فلسطيني مستقل