تطور تشريعات تحسين حقوق المراه . القدس العربي

تطور تشريعات تحسين حقوق المرأة

1 – أكتوبر – 2019

د. نزار بدران

أظهرت دراسة حديثة، نُشرت بداية هذا العام، عن تطور التشريعات التي تسنها 187 دولة في العالم، لتحسين حقوق المرأة، تقدما قليلاً إلى الأمام، خلال السنوات العشر الأخيرة، فالمؤشرات التي وُضعت لهذه الدراسة، التي قام بها البنك الدولي، مثل الفقر والبطالة والصحة والإعاقة والأحوال الشخصية وضحايا الحروب وغيرها، تُظهر بشكل عام، أن المرأة تتمتع على مستوى العالم بـ 75% من الحقوق على سُلم 100%، أي تقدمت بخمس نقاط عما كان عليه الوضع عام 2010. قليل جداً من الدول، حصلت على نسبة 100%، أي أنها سنت تشريعات تتطابق مع المعايير التي وضعتها الدراسة.

الحقوق النسوية

أظهرت معظم مناطق العالم تقدماً بمؤشر الحقوق النسوية، ما عدا العالم العربي (الشرق الاوسط وشمال إفريقيا حسب تسمية الدراسة)، والذي بقي على حاله بنسبة 47%، أي أنه تقريباً، ما عدا بعض الاستثناءات، لم يُغير بقوانين الأحوال الشخصية أو معاملات الطلاق والحضانة وتقاسم الإرث وأشياء عديدة أخرى، بل هناك بعض التراجع عن القوانين السابقة (بالإضافة للإهدار التام لحقوق المرأة السورية ودول حروب الثورة المضادة).
مقابل هذه النسبة المتدنية، فإن كل مناطق العالم الأخرى، شهدت تحسناً، أكبرها أمريكا الجنوبية، والتي انتقلت بالعشر سنوات الأخيرة من 70 إلى 79%، كذلك جنوب شرق آسيا من 65 إلى 70%، وجنوب آسيا من 50 إلـى 58%.
نحن نُعاني إذن بالدول العربية، من وضعية متحجرة، مرتبطة بعدم الاكتراث السياسي الرسمي بالتغيير، ولكن أيضاً، من التناسي الاجتماعي لحقوق المرأة، وتنامي البُعد الديني بمفهومه الأصولي، وببعض الأحيان سلبية المرأة نفسها للدفاع عن حقوقها. هذه خصوصية بالدول العربية، ولا تجدها بدول إسلامية أخرى، كتركيا أو أندونيسيا وغيرها، هي آتية إذاً من الإرث الاجتماعي العربي، وتقاليده وعاداته، وليس من بُعده الإسلامي فقط. مثال ذلك جرائم الشرف، والتي تذهب ضحيتها بنات ونساء المجتمعات المحافظة، عنفاً وقتلاً وحرماناً من أطفالهن.
جريمة القتل إذاً من أخ لأخته، أو أب لابنته، لا يمكن فهمها إلا من منظار ضعف الرجل القاتل، لأنه لا يقتل لمصلحة مادية معينة، بمقدار خوفه من المجتمع المحافظ، وما يُسمى السُمعة. هذا الشعور الذي يدفع إلى العنف بمستويات مختلفة، لا مثيل له عند المرأة، هي حرة من هذه العوائق، وخصوصاً أنها ضحيتها الأولى والوحيدة.

جريمة الشرف

اعتراف مجموعة من التشريعات العربية، بمفهوم جريمة الشرف، هو بالحقيقة شرعنة للقتل بدون عقاب، فبينما تعتبر التشريعات الغربية مثلاً، أن قتل الأب لابنته، أو الأخ لأخته، هي جريمة مُشدَدة لكونها وقعت على شخص ضعيف من طرف من له سلطة عليه، ويكون عقابها أكثر بكثير من عقاب جريمة قتل أخرى بطريقة مختلفة. هذه الجريمة لها مفهوم معاكس ببلاد العرب، أي أنها جريمة مخففة، لا تستحق المعاقبة تقريباً. وحده العقاب الذي سيكون على مستوى الجرم، ما سيشكل رادعاً حقيقياً، جريمة الشرف هي دليل جُبن من القاتل خوفا من مجتمعه، ولن تتوقف إلا إذا دُفع لجُبن أكبر من عقاب قد ينال حياته، فهؤلاء القتلة هم أصلا جبناء، وليسوا شجعانا كما يتصورون.
وعلى هذا يمكننا طبعاً أن نقيس على هذا المثل أوضاعا عديدة أخرى، مثل المساواة بالإرث، وحرية السفر، والعمل والدراسة وما إليه.
أرى أن مفهوم حقوق المرأة، المرتبط عضوياً بمفهوم حقوق الإنسان (إعلان الأمم المتحدة لعام 1948)، لا يكفي لتحديد مكانة المرأة بالمجتمعات الحديثة، بل عليها أيضاً أن تكون بموقع القيادة، والذي يصوغ القوانين، ويُحدد الاتجاهات للمجتمع. وحدها المرأة من موقعها القيادي المؤثر، من تستطيع أن تنقل المجتمع العربي التقليدي المُتشبث بعادات الماضي، إلى مستقبل حداثي حضاري.
هذا هو واجبها الآن وليس فقط حقها. الرجل العربي، حتى ولو كان مظلوماً ويشارك بالحراك الثوري، وحتى لو وصلنا إلى مجتمع التعددية والديمقراطية، لن يستطيع بحكم تقاليد الشرف والذكورية الفارغة، أن يسير إلى الأمام بهذا المجتمع، نحو حرية كل أفراده، رجالاً ونساءً.
مشاركة المرأة حالياً في السودان والجزائر، في الحراك الثوري والمساهمة بقيادته بجانب الرجال، وهذا واجبها، يعطيها الحق بهذين البلدين، أن تطالب عند إقرار الديمقراطية، بحقها كاملاً بالمشاركة بالسلطة، هذه المشاركة المُستحقة ستكون الضامن الحقيقي، للخروج من الورطة التاريخية، التي وجد بها الرجل العربي نفسه.

كاتب ومحلل سياسي مستقل

الإعلانات

اسرائيل وحداثة القرن التاسع عشر

    إسرائيل وحداثة القرن التاسع عشر

    29 – أغسطس – 2019

    كلمات مفتاحية

    التعليقات

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    أسس الدولة الديمقراطية

    أسس الدولة الديمقراطية

    نزار بدران القدس العربي 17 آب 2019

    تمر دول عربيه عدة حاليا بثورات تهدف كلها إلى إقامة حكم مدني ديمقراطي، السودان والجزائر هي الدفعة الأولى من دول الربيع العربي الثاني والتي ستشمل عاجلا ام اجلا كافة الأرض العربية، فالثورات المضادة رغم عنفها المفرط وقوتها والدعم الاجنبي لن تغير تاريخ المنطقة السائر باتجاه الحريه والالتحاق بركب الحضاره العالمية

    هل الديمقراطية وهي الهدف المعلن لهذه الثورات

    ستؤمن لدولنا بالمستقبل الرخاء والعدالة والحرية لو درسنا الثورات الاجتماعية بالدول الأخرى بكل قارات الارض لرأينا أن نجاح الديمقراطية لا يعني نجاح النموذج السياسي المطروح وهو ما يهدد دائما بعودة الاستبداد تحت اشكال مختلفه، هذا ما نراه بروسيا بعد سقوط النظام الشيوعي فرغم الانتخابات وتأسيس نظام ديمقراطي بسنوات التسعينات إلا أن الوضع الحالي لا يختلف كثيرا عن الأنظمة المستبدة، نرى شيئا قريباً من ذلك ببعض دول أوروبا الشرقية، ولا ننسى حروب البلقان والتي تبعت انهيار النظام الشمولي بيوغسلاڤيا وانشاء أنظمة ديمقراطية، قريباً منا عودة النظام العسكري المصري بعد عام واحد من نظام ديمقراطي حقيقي.

    ما هي إذا الضوابط التي يجب علينا وضعها لنجاح المشروع الديمقراطي، هي حقيقه كثيرة مثل احترام حقوق الاقليات وانهاء النزاعات المسلحة وفتح المجال العام للنقاش الفكري وغيرها، ولكن هناك ثلاث نقاط محورية هي الأهم برأيي وهي، وضع دستور توافقي، احترام قيم حقوق الإنسان كما تنص عليها الأعراف والقوانين الدولية وأخيرا بناء المجتمع المدني القوي.

    الدستور كعقد اجتماعي هو توافقي بطبيعته وليس فقط قانون الاغلبيه الحاكمة بمعنى ان يعبر عن مجمل مكونات الشعب بارائه المختلفة وتنوعاته الثقافية والعرقية واللغوية، عدم احترام ذلك يجعل الدستور وسيلة الأغلبية لفرض سياساتها على الأقلية وهو ما يتناقص مع السلم الاجتماعي الذي هو هدف الدستور الأول، تغيير الدستور المستمر هو دليل غياب البعد التوافقي بالاصل أو الانحراف عن الديمقراطية، الإجماع على الدستور يعني توافقه مع رغبات الكل بمعنى توافق شبه كامل للاتجاهات الفكرية والسياسية داخل المجتمع وعدم ترك مجموعه من الناس على هامش الدولة، هذا التوافق يطرح على الشعب لتبنيه باستفتاء عام.

    لا يمكن بدولة ديمقراطية عريقة أن تضع دستورا ذا بعد ديني لأن الاديان متعددة والمعتقدات مختلفة لكل الشعوب، لا يمكن وضع دستور يحدد الهوية العرقية للدولة لأن الاعراق متعددة وهكذا بمجالات عديدة.

    يرتبط بالدستور التوافقي النقطه الثانيه وهي احترام حقوق الإنسان المتعارف عليها دوليا، فالمساواة بين المرأه والرجل او حقوق الطفل والحقوق الثقافية للاقليات واحترام حق اللجوء والعمالة الأجنبية وعشرات النقاط الأخرى تصب كلها باتجاه ربط النظام السياسي الجديد باواصل الحضاره العالميه الحديثه، فالحضارة الإنسانية واحدة تختلف مع الازمان ولكنها دائما ذا صبغة عالميه. الخلط كما حدث ببعض دول الربيع العربي الاول بين الحضارة الواحدة والثقافات المختلفة أدى إلى ترعرع اتجاهات متطرفة عنيفة وأفكار متخلفة تسحب المجتمع إلى الخلف تحت شعار خصوصيه الحضاره العربيه أو الاسلاميه، بينما لا توجد هناك أي خصوصيه لأي شعب مهما كان باطار المفهوم الحضاري بينما توجد خصوصيات ثقافيه كثيرة ومهمة تنوع المجتمعات وتزيدها بريقا كالادب والبناء والتعبير الفني وغيره، لا يمكن التمييز بحق المرأة بالارث مثلا او بتولي مناصب قيادية بحجة أنه جزء من الثقافة العربية بل هو جزء من حضارة سابقة لم تعد موجودة حاليا بأي مكان.

    لا توجد دولة ديمقراطية على وجه الارض تبنت مفهوما حضاريا خاص بها من اليابان البوذية إلى البرازيل الكاثوليكية أو جنوب افريقيا باعراقها المختلفة أو دول الاتحاد الأوروبي بماضيه المسيحي وحروبه الدينية.

    الدستور التوافقي المتناغم تماماً مع قيم حقوق الإنسان حيث لا يمكن ان يحتوي الدستور على مواد تتنافى مع هذه القيم هما أسس أي دولة تبحث عن الثبات السياسي والاجتماعي كي تتفرغ للبناء، ولكن هذان الاساسان قد تنهار أمام أطماع مجموعه من الناس ذوي الاهداف الخاصه والذين يحاولون إعادة عقارب الساعه إلى الوراء، من سيمنع إذا انتكاسة كهذه، النموذج الروسي او المصري واضح بذلك

    وحده المجتمع المدني القوي بمفهوم المؤسسات والجمعيات المنضمة له والتي هي بطبيعتها خارج اطر الدولة الرسميه هو من يملك القدرة على تأمين استمرارية النظام الديمقراطي، وتبعد خطر الفساد السياسي أو الانحراف عن الحقوق.

    المجتمع المدني الواعي يمنع المجتمع الديمقراطي نفسه من إهمال آراء وحقوق الاقليات وتبقيها حاضرة بالفعل السياسي والاجتماعي مبعدة بذلك خطر ما يسمى بدكتاتورية الأغلبية.

    مؤسسات المجتمع المدني حتى بالدول الديمقراطية تحافظ على تماسك المجتمع وتلاحمه وتراقب عمل الدولة والاحزاب. وحده المجتمع المدني كما نرى حاليا بثورة الشعب السوداني ومنظماته المدنية من يستطيع تثبيت أسس الديموقراطية الواعية بنفسها والمحترمة لحقوق كل مكونات المجتمع وهي برأيي من يؤمن ديمومة الدستور التوافقي وينجح بربط المجتمع والدولة الديمقراطية الناشئة بالمجتمع الدولي والحضارة الإنسانية المعاصرة

    كاتب و محلل سياسي مستقل

    مجتمع الرمال المتحركه ومؤشرات المستقبل القدس العربي 03 تموز 2019

    مجتمع الرمال المتحركة ومؤشرات المستقبل

    أظهرت دراسة إحصائية حديثة للباروميتر العربي، نُشرت بالـ «بي بي سي» (المركز الإعلامي البريطاني) الشهير، صورة مُغايرة للشباب العربي، عما هو مُتوقع. المؤشر يُظهر فقط، الوضع الراهن، كما تتصوره العينة المُختارة، بمعايير علمية مُعبرة عن الكل المجتمعي. هي إذاً صورة لحظية وليست حلولاً مطروحة. الذين لم يفهموا التاريخ والمجتمع، بمفهوم علمي، مبني على دراسة الظواهر والتطورات البطيئة، هم من لم يتوقعوا هذه الصورة، المجتمع وخصوصاً الأجيال الجديدة، تختلف دائماً عن الأجيال السابقة، وهي ترجمة لظاهرة التأقلم مع المُعطيات المحلية والعالمية المُتطورة دائماً، فالزمن لا يتجمد، والحدث مهما كان مهماً، لا يخلق التاريخ ولا يُغير المجتمع.

    الحروب والتغيرات السياسية

    التاريخ إذاً، ليس مجموعة من الأحداث الكبيرة والمهمة، مثل الحروب والتغيرات السياسية العنيفة، وإنما هي مجموع التغيرات البطيئة المتراكمة، والتي تؤدي إلى التغيير العميق والتطور، والتراكمات التي حدثت بالوطن العربي، منذ أكثر من ثلاثين عاماً، هي التي أدت إلى تغيُر في رؤية وممارسة الأجيال الجديدة، وأدت إلى الربيع العربي. نذكر منها: ازدياد التعليم خصوصاً للنساء، واللواتي دخلن عالم الجامعات والعمل، بل أصبحن في بعض التخصصات أكثر من الرجال. الانخفاض الكبير بنسبة الخصوبة، بسبب رفض المرأة الجديدة البقاء بالبيت والاستمرار بالمهام المُناطة بها كالإنجاب والترفيه عن الرجل، مُعدل النسبة الحالية للإنجاب العربي، لا يتعـدى المستويات العـالمية، ولا حـتى الأوروبيـة.
    تطور العلمنة الاجتماعية بمفهوم خروج معظم النشاطات، مثل العمل والتعليم، من دائرة الدروس الدينية والزوايا، إلى دائرة المعرفة الإنسانية، فالطب والهندسة والاقتصاد وباقي المهن، تعتمد على العلم الإنساني وليس على خوارق الغيبيات والعقل الخرافي، ولم يعد هناك عملياً مكان لدراسات علمية دينية.

    الإيديولوجيات التقليدية

    البدء باستبدال الإيديولوجيات التقليدية الجامدة الشمولية، السائدة حالياً، بقيم حقوقية نسعى لتحقيقها مرتبطة بالمحافظة على حقوق المواطن، الفرد الإنسان والذي يجب أن يكون هدف كل سياسة وعمل اجتماعي والمصدر الوحيد للشرعية. كما أن تطور بنية المجتمع المدني عن طريق بناء جمعياته ومنظماته، بعيداً عن الأُطر الرسمية للدولة والأحزاب السياسية، رغم القمع السياسي والمعيقات التي تُوضع أمامه.
    الثورة المعلوماتية التي فتحت الآفاق أمام الشباب، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي نافذة على العالم لآ يمكن اغلاقها، وهو ما حدّ من انتشار الفكر الواحد غير القابل للنقاش وهز الايديولوجيات السائدة، وأوصل نجاحات الشعوب الأخرى للشباب العربي الساعي للانعتاق.
    التحول التدريجي بالمُمارسة الدينية، من ممارسة اجتماعية مُراقِبة عامة مُعلنةٍ، إلى ممارسات فردية شخصية، كل يمارس دينه كما يشاء، بدون اتباع العلماء والشيوخ، رغم كثرتهم على صفحات الفيس بوك. كذلك اتساع مساحة المُمارسة الشخصية الفردية باللباس والطعام ونوعية العلاقات الاجتماعية.
    تراجع التدين حسب استطلاع الباروميتر العربي، ولو بنسبة قليلة، هو حقيقة، تقدم لقوى الحداثة الشبابية، التي لم تعد تقبل تدخل الدين ورجال الدين، بالحياة العامة والسياسة والاقتصاد، وكل صغيرة وكبيرة، وتبرر ظلم الحكام. البحث عن أسباب ذلك، كظاهرة سلبية يجب علاجها، هو برأيي خطأ، فهي على العكس ظاهرة صحية، تضع الأمور بمكانها، فالدين لم يعد له مكان بالسياسة والعلم بأي دولة بالعالم تدعي الحداثة، الصحيح أن مؤشر التدين يتزامن دائماً مع زيادة الجهل والظلم الاجتماعي، ويتناقص دائما مع تحسن مستوى الحريات العامة وارتفاع مستوى التعلم كما نرى بدول عديدة بالعالم. وهو ما يظهره المؤشر المذكور عند الطبقة الوسطى المتعلمة، والتي كانت موضوع الدراسة الإحصائية المذكورة.

    الممارسة الفردية

    الانتماء الديني قد يكون جزءا من الهوية الوطنية أو الممارسة الفردية، ولكنه ليس جزءاً من الفكر العلمي أو الفكر السياسي لتنظيم المجتمع خارج القواعد العامة المتفق عليها انسانيا. عودته إلى وضعه الطبيعي، أي الدعوة للقيم الإنسانية العامة والتضامن، هو موقعه العادي، وليس إقحام نفسه بالتنظيم الاجتماعي والسياسي للمجتمع، وهذا ما قد يحافظ على استمرارية الهوية الدينية على مدى طويل، ويترك مجالا للتدين داخل إطار الدولة الديمقراطية. ظهور التطرف الديني خلال السنوات الأخيرة والتشدد مع استعمال العنف، لتطبيق تعاليم الدين، ما هو بالحقيقة إلا انعكاس لتخوف الاتجاهات الدينية على نفسها من الانقراض، وهي ترى طبقة الشباب تبتعد عنها رويداً رويداً، هو إذاً نوع من أنواع التمترس في مجتمع متحرك ومتغير.
    هذه التحولات وغيرها كثيرة، لم يتبعها تغيير بالنظام السياسي القمعي الأبوي، والذي تحجر تماماً ولا يرى أي تغيير، مما يزيد التناقض بين هذه الطبقة الوسطى، الآخذة بالاتساع، والساعية إلى التواصل مع العالم، والانفتاح على الآخر، وبين هذه الأنظمة. النتيجة طبعاً ما نراه حالياً من انفجارات وثورات وما يتبعها من قمع وحروب، بين الجديد الطارىء، والقديم المتمكن بوسائل الاقتصاد والحكم المتمسك بالسلطة.
    أشياء أخرى كثيرة ذكرها هذا الاستقصاء الإحصائي، كوضع الديمقراطية بالدول العربية وتراجعها، وبشكل خاص الرغبة بالهجرة إلى الخارج، المرتبطة بعوامل اقتصادية، وانهيار منظومة الحريات العامة. هجرة الشباب أو البحث عن الهجرة، هي أكبر مؤشر على فشل النظام السياسي العربي، ونظام الدولـة القطـرية العربيـة.
    فهم مشاكلنا هو بيد شبابنا وطبقاتنا الوسطى، طبقة المتعلمين، رغم قلة عددهم النسبي، إلا أنها هي المُحرك الأساسي للتغيير. وعيهم بصعوبة المرحلة ورغبتهم العارمة بحياة حرة وكريمة، هي التي ستؤدي، عاجلاً أم آجلاً، إلى التغيير السياسي المأمول، الذي سيكون بداية الحل لمشاكل المجتمع وهمومه.

    محلل ومراقب سياسي مستقل

    كلمات مفتاحية

    تونس ومصر الأبيض والأسود… دروس النجاح والفشل

    تونس ومصر الأبيض والأسود… دروس النجاح والفشل

    القدس العربي 26 حزيران 2019

    د. نزار بدران

    ثورتا السودان والجزائر أظهرتا بوضوح استيعابهما لدروس الماضي القريب، خصوصاً الحصاد الكارثي للثورة المصرية من جهة، والنجاح البراق للثورة التونسية من جهة أخرى. هما إذن صورتان متناقضتان، لكنهما بالنسبة للثورات، تعتبران لحسن الحظ، خارطة طريق لنعرف ماذا يجب أن نفعل (تونس)، وماذا لا يجب أن نفعل (مصر).
    هاتان منارتان للثورات كل على طريقته، فالأولى تنير الطريق الصحيح، والثانية تمنعك من الوقوع بالحفر الكثيرة التي تملأ تلك الطريق. انتهى الأمر بالثورة المصرية لحكم عسكري، قلّ أن ترى أنظمة بمستوى تجرده من أي خُلق، وتحليه بكل صفات الإجرام، وآخر صيحاته مقتل الرئيس المنتخب الوحيد في تاريخ مصر الشهيد محمد مرسي.
    تعلمنا الثورة التونسية أن النصر بحاجة لتوحيد الشعب بكامله، وراء مجتمع مدني مزدهر قوي، تعلمنا أيضاً أنه لم يعد من مكان للأيديولوجيات، في زمن المطالبة بالحقوق الأساسية للإنسان التونسي، بالحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة، تعلمنا أن المرأة هي نصف المجتمع عددياً وحقوقياً، قيادة ودراسة وإبهاراً وإنتاجاً، تعلمنا السير في طريق الحداثة، والابتعاد عن قيم عتيقة أكل الدهر عليها وشرب، لا تمثل إلا اضطهاد الآخر واحتقار المرأة، وسرقة حقوقها وتطبيق شريعة السلطان الحاكم والرعية الطيّعة، حتى الحركة الإسلامية التونسية أظهرت حداثة وانسجاماً نسبياً وتأقلماً مع مجتمع الثورة ومطالبها.
    تعلمنا الثورة المصرية، أن تفاهم الثوار مع العسكر وبقايا النظام السابق، هو كارثة، وأن الفكر الإصلاحي لا يصلح في زمن الثورات، وحده إزالة النظام وكل أعمدته وبكل اشكاله، هو ما يمهد الطريق إلى النصر.
    تُعلمنا الثورة المصرية، أن من يتحالف مع العسكر وبقايا النظام من الليبراليين واليساريين وأحزاب المعارضة التقليدية، لا يغيّر من طبيعة النظام العسكري، ولا يسمح بالانتقال السلمي للسلطة، تُعلمنا أن الأولوية هي لبناء الدولة الديمقراطية، وليس الاستيلاء على السلطة.
    تُعلمنا الثورة المصرية، أن فقدان الفكر المستقل والارتماء بأحضان الأحزاب التقليدية بكل اشكالها، دينية أو علمانية، يسارية أو يمينية، لا يؤدي إلى نصر، هؤلاء لم يتمكنوا على مدار عشرات السنين إلا إنتاج شكل النظام المستبد نفسه حينما استلموا السلطة.
    تٌعلمنا الثورات كلها على امتداد الأرض العربية، أن تحالف قوى الثورات المضادة، مهما كانت خلافاتها الظاهرية، هو تحالف دائم وقوي ومدعوم من كل قوى الظلم والاستبداد في العالم، ويمتلك ترسانة أموال طائلة لقتل ووأد الثورات، وهو ما يعني أنه يجب على ثورتي السودان والجزائر أن تتضامنا وتتكاتفا، بوحدتهما وسلميتهما ووحدة أهدافهما ووسائلهما، وذلك هو طريقهما إلى النصر، وهي تَعلَم جيداً أن فشل وسحق أي ثورة هو المقدمة لسحق وتدمير الثورات الأخرى.
    نرى اليوم إصرار الثوار في السودان، على رفض مشاركة العسكر بقيادة المرحلة الانتقالية، وعنف رد المجلس العسكري، بفض الاعتصام وقتل العشرات، لهو دليل على صواب موقف الثوار.
    نرى أيضاً في السودان والجزائر، رفض التيارات الدينية، حتى الوسطية، وليس فقط تلك التي شاركت في السلطة، وهذا دليل على نُضج الفكر الثوري، والتوجه الأكيد نحو قيم جديدة للثورات العربية، ترفع شعارات المواطنة والسلطة المدنية، وتعايش الأجناس والأديان، واضعة هكذا أُسس بحيث تعود الأمة، إلى قيم الحضارة الإنسانية الشاملة، مُبتعدة عن الفكر السلفي، الراكض إلى الخلف، بحثاً عن أزمانٍ ذهبية قبل مئات السنين، وكأن التاريخ قد توقف عندها.
    هناك دروس كثيرة نتعلمها من تونس ومصر، وباقي الثورات العربية، ولكن هناك أيضاً العديد من الدروس التي نتعلمها من شعبي السودان والجزائر، وقد خطّا مساراً جديداً حداثياً، لثورات الربيع العربي الثاني، تختلف جذرياً عن ثورات الربيع الأول. يبقى على الثوار أن يُحددوا بأنفسهم، ما يحملونه من فكر، وما يسعون لتحقيقه من أهداف مُشتركة، خصوصاً في هذا الزمن الذي يجري فيه تغييب ومطاردة الكلمة الحرة والفكر المستقل، وكثر فيه المطبلون والمشكّكون بجدوى الثورة، والذين باعوا قلمهم وضمائرهم بأبخس الأثمان.

    محلل ومراقب سياسي مستقل

    إيران وأمريكا أعداء اليوم حلفاء الغد

    إيران وأمريكا أعداء اليوم حلفاء الغد

    منذ 3 ساعات

    د. نزار بدران

    تزداد يوميا حرارة منطقة الخليج العربي، بالتزامن مع التهديدات الأمريكية ضد إيران، والردود الإيرانية التي تتوعد «الشيطان الأكبر» برد صاعق. هذه التهديدات والتهديدات المضادة، تعطينا انطباعا كاذبا بتوازن قوى ما بين هاتين الدولتين، أو على الأقل توازي وسائل الرعب ما بينهما. إيران ليست بقوة امريكا، ولكنها تستطيع استعمال سياسة الردع والرد المدمر ضد مصالح تلك الأخيرة بالخليج، أو ضد حلفائها المباشرين، أو ضد إسرائيل عن طريق القوة الإيرانية والقوى المتحالفة معها على مبدأ الانتماء الطائفي.
    التجربة العراقية وحروبها المتعددة، وكذلك تطور العلاقات الأمريكية الكورية الشمالية، يظهر بما لا مجال فيه للشك، أن الأنظمة الشمولية، وهو القاسم المشترك، لهذه الدول الثلاث، لا تبحث أبداً عن التصادم مع أمريكا، ولا تملك أصلاً وسائل هذا الصدام. فأول هذه الوسائل لكسب المعركة، هو الدعم الشعبي للنظام القائم، وهو ما كان مُنعدما تماما مع صدام حسين، كذلك الأمر مع كيم جون أون، وطبعاً أيضاً مع آيات الله الحاكمين بإيران.
    الشعب الكوري والإيراني يعيشان حالياً كابوساً حقيقياً، اسمه النظام القائم وليس أمريكا، والتناقض الحقيقي داخل هذه الدول، ليس بين شعوبها وحكوماتها من جهة؛ وأمريكا من جهة أخرى، وإنما بين هذه الشعوب وأنظمتها الشمولية المجرمة.
    استنزف النظام الإيراني كافة عائداته النفطية بحروب خارجية، ذات بُعد طائفي، لم تُجد شيئاً، ولم يستفد منها المواطن الإيراني، بل على العكس دمرت إمكانيات البلاد بالتقدم الاقتصادي. الديكتاتورية والفساد السياسي والاقتصادي، أبعد كل أمل بالحرية عند الإيرانيين، مع هكذا نظام، والذي لا يمكن إصلاحه بأي شكل من الأشكال.

    رفضت النظام

    أظهر الشعب الإيراني، منذ حوالي عشر سنوات، ومن خلال انتفاضات قُمعت بقوة النار والحديد، رفضه لهذا النظام وتطلعه الحقيقي نحو الحرية والديمقراطية، هو التطلع نفسه الذي كانت تعيشه شعوب أوروبا الشرقية، أو أمريكا اللاتينية قبل زوال أنظمتها العسكرية، هو الآن أيضاً نفس التطلع، الذي تعيشه شعوب الدول العربية، وأظهر لنا هذا الأيام، شعبا السودان والجزائر، تعطشهما للحرية ووعيهما العالي بالمخاطر المُحيقة بهما، من الأنظمة الجاثمة على صدورها، ورفضهما لأي تدخل، عربي خليجي أو أجنبي، لن يكون إلا لصالح النـظام الـقائم.
    الشعب الإيراني لا يريد أن تبقى إيران على عكس دول الثورات، أو حتى تركيا، على هامش العالم وتحت سيطرة نظام قادم من القرون الوسطى. الشعب الإيراني يتطلع لحريته، وليس للالتفاف حول نظام دمر البلاد والعباد.
    لذلك هذا النظام يُدرك تماماً، أنه ليس بواد الصمود أمام العجرفة والجبروت الأمريكي، لأن ظهره الشعبي مكشوف تماماً، كما حصل مع صدام حسين. هذا النظام لن يُقدم على أي مبادرة ضد «الشيطان الأكبر»، بل سيقبل إملاءاته كاملة، لأنها وسيلته الوحيدة لحماية نفسه من الثورة المُنتظرة ضده.

    التهديدات الأمريكية

    التهديدات الأمريكية أيضاً، لا تهدف إلى إلغاء المشروع النووي الإيراني، وهو الذي تم التنازل عنه أصلاً، مع اتفاق عام 2015، هذا أول دليل على ما نقوله، فلو كان الشعب الإيراني داعماً لنظامه، لما تراجع آيات الله عن برنامجهم النووي.
    ما هو المطلوب إذا أمريكياً من إيران، ما الذي يُحرك السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ولصالح من، وهل حقاً هي مُهددة، ونحن نرى انحناء الأنظمة العربية الخليجية ومصر، ووضع أنفسهم تحت حماية الرئيس دونالد ترامب، والذي لا يجد حرجاً، باستخفاف وازدراء هؤلاء الحلفاء، وامتصاص معظم مواردهم المالية والنفطية، واستعمال الجيش المصري، فقط لحصار غزة، ودعم قوى الثورات المضادة، كما يحدث في ليبيا. أمريكا حقيقة، لا يُهدد مصالحها أحد، وتواجد الروس في سوريا، هو اصلاً بموافقة ضمنية أمريكية، والحكم التركي، رغم إعلاء الصوت مرة أو أخرى، يتراجع دائماً، أمام البُعبع الأمريكي (موضوع القس الأمريكي، أو الامتناع عن تزويد الثوار السوريين بأسلحة ضد الطيران وغيره).
    أمريكا حالياً بسياساتها، لا تهدف إلى درء خطر ما مُحدق بمصالحها أو تواجدها العسكري، وإنما تُخطط لصياغة جديدة لمنطقة الشرق الأوسط، تتماشى مع مصالح الحليف المُدلل إسرائيل. أمريكا تُخطط لخلق تحالفات مُستقبلية، تضمن أمن وسلامة وسيطرة إسرائيل على المدى الطويل، تبدأ مع صفقة القرن، والتي ستُنهي أي أمل للفلسطينيين بالعودة، وتستمر مع بناء تحالفات عربية إسرائيلية، كما نرى حالياً مع مصر ودول الخليج، وتنتهي بإيجاد تحالف أوسع، بين إسرائيل وإيران وأيضاً تركيا.
    الخُطة الأمريكية برأيي، هي وضع درع واق لإسرائيل من اي خطر مستقبلي آت من الشعوب العربية، وخصوصاً وأن معظم الدول العربية، وحتى أكثرها ثباتاً هي على كف عفريت، وإمكانية انتشار الربيع العربي، من جديد، كما نرى في السودان والجزائر، يُهدد بتدمير اي سياسة طويلة الأمد بين هذه الدول وإسرائيل، ومحاولات التقارب بين عمر البشير وإسرائيل قبل سقوطه لم يحمه من الثورة الشعبية.
    إيران وإسرائيل، أو إيران وإسرائيل وتركيا، هي بالنسبة لأمريكا واللوبي الصهيوني، الأكثر ضماناً. فالديمقراطية التركية لم تمنع التقارب التركي الإسرائيلي وتزايد التبادل الاقتصادي (إعادة العلاقات بعد حادثة سفينة مرمرة بدون تحقيق شرط رفع الحصار عن غزة)، كذلك حتى ولو تحولت إيران إلى دولة ديمقراطية، فقد لا تُهدد أمن وسلامة إسرائيل، بل قد تُبقي تحالفها معها، وهو الشيء، الذي لا يمكن توقعه من الشعوب العربية، من محيطها إلى خليجها. وضع أُسس تحالفات مستقبلية، حول المنطقة العربية، ولصالح إسرائيل على مدى طويل، هو برأيي الدافع المخفي للسياسة الأمريكية تجاه إيران.
    نحن نُدرك، والتاريخ علمنا ذلك، أن النظام الديمقراطي هو الوحيد القادر على رفض الإملاءات الأجنبية، بينما الأنظمة الديكتاتورية، لا تتوانى عن التحالف، مع ألد أعداء شعوبها، حفاظاً على بقائها، هي شديدة على شعوبها، ولينة بيد الأعداء.
    مستقبل النظام الإيراني الحالي يتأرجح، بين الخضوع للإملاءات الأمريكية والتحالف مع إسرائيل (وليس التخلي عن مشروع عسكري أو نووي وغيره من الكلام الفارغ)، أو السقوط تحت ضغط حراك شعبي، مُنتظر وآت لا محالة. من سيسبق إذاً، الثورة الشعبية الإيرانية لإسقاط النظام، أم قبول الإملاءات الأمريكية والرضوخ للتحالفات الجديدة. هذا النظام من منظار غريزته للبقاء بالسلطة، قد يفضل الحل الأمريكي، والذي قد يُؤمن له دعم الرئيس ترامب والغرب، بمواجهة شعبه مستقبلا، كما حصل مع حليف إيران النووي الكوري الشمالي كيم جون أون الذي آثر البقاء بالسلطة على مواجهة الولايات المتحدة.

    مراقب ومحلل سياسي مقيم في باريس

    كلمات مفتاحية

    دروس أولية من الثوره الجزائريه

    دروس أولية من الثورة الجزائرية… الثورة اليقظة

    القدس العربي

    12 – أبريل – 2019

    د. نزار بدران

    الثورة الجزائرية السلمية الشعبية، والتي تمكنت حتى اللحظة، من زعزعة النظام، وإقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقه، هي حدث تاريخي بكل معنى الكلمة، وتأثيرها على المنطقة العربية ودول أخرى بالعالم، سيكون عميقاً وكبيراً. فالشعب الجزائري بعفويته، استطاع أن يُعطينا دروساُ، بالحنكة السياسية والعمل الفعال الخلاق، لم يكن بالإمكان توقع حدوثه، ولا حتى من أعتى أخصائيي السياسة وعلم المجتمع.

    مدرسة الأجيال

    ماذا نستطيع لحد الآن الاستخلاص من هذه الدروس، وقد تصبح مدرسة للأجيال والشعوب الأخرى؟. أول هذه الدروس، هو أن لا شيء يقهر إرادة الشعب، عندما يكون موحداً، وبعيداً عن الطائفية، فالشعب الجزائري بعربه وبربره، خرج كرجل واحد وروح واحدة، يهتف طالباً الحرية والديمقراطية، واضعاً إسقاط النظام، كل النظام، هدفه الوحيد، الطائفية التي تعم دولاً في المشرق العربي كالعراق وسوريا، بين الشيعة والسنة، والأكراد والعرب والعلويين، هي أحد أسباب فشل الحراك الثوري الديمقراطي، الدرس الجزائري، سيكون لهذه الشعوب، مصدر إلهام لسلوك طريق الصواب، والاتحاد لإسقاط الأنظمة الاستبدادية.
    لم يقبل الشعب الجزائري، بسقوط رمز النظام، أي رئيس الجمهورية، بل أصر على إسقاط الزمرة الحاكمة كاملة، مُتهماً إياها بكونها عصابة، ولا يقبل أن يترك مصيره بيد العسكر، حتى ولو أظهر قائد الجيش تعاطفاً مع الثوار، فهو واع بكون هذه القيادة، مُعينة أصلاً من النظام وهي جزء منه. هذا ما لم يحدث بمصر، عندما ترك الشباب ساحات النضال، بمجرد سقوط مبارك، تاركين للعسكر مُهمة استكمال المشوار، ونعرف جميعنا الآن إلى أي مكان ومنزلق خطر أرسلنا هذا المشوار.

    تفريق المتظاهرين

    وُلوج الحركات الإسلامية، ومنهم الإخوان المسلمون، واختراقهم لثورات الربيع الأول مع فكرهم الإصلاحي اللفظي، هو ما أدى إلى وُصول الجيش للسلطة، وتمسكهم بها، وعودة الديكتاتورية العسكرية لحكم مصر، هذا ما لا نراه حالياً في الجزائر، حيث يتميز الإسلاميون باختفائهم تقريباً عن الساحات، ورفض الشارع الجزائري، إعطاءهم مساحة سياسية للتأثير بالأحداث، والقليل منهم الذين يظهرون على شاشات التلفزة، يُغردون خارج سرب المتظاهرين، ويطرحون أفكاراً وسطية، تقبل التعاون مع جزء من السلطة، بدل الفكر الثوري التغييري الشامل للشعب الثائر.
    لقد أدى فكر الحركات الإسلامية في دول المشرق العربي، إلى تطور التطرف الديني، وظهور الجماعات الجهادية، واستعمال العنف التكفيري، ليس ضد السلطة الظالمة، ولكن ضد الثوار أنفسهم، وفتح الباب لعودة الثورة المضادة وانتصارها كما رأينا في سوريا.

    نزول ملايين المتظاهرين الجزائريين دفعة واحدة، وبكل جمعة، أفسد على السلطة إمكانية استعمال القوة لتفريق المتظاهرين وقمعهم، الحجم الهائل للمظاهرات وتنوعها وانتشارها بكل البلاد، كان الوسيلة المُثلى، لحشر النظام وقواه القمعية بالزاوية، وبالتالي استسلامه بالنهاية.
    وهذا ما فطن إليه متظاهرو السودان، والذين اتبعوا حديثاً الأسلوب الجزائري، أي وضع الكثافة العالية للمتظاهرين، لإبطال مفعول العنف المُتوقع من الجيش أو الشرطة، مُضافاً إلى السلمية والانتظام التام، وعدم مهاجمة رموز السلطة، كمؤسسات الحزب الحاكم أو الإدارات الأمنية.
    من الدروس المهمة أيضاً، الاعتماد على المجتمع المدني ومنظماته المهنية، حتى ولو لم تكن مُعترفا بها، لتنظيم وإدارة الحراك، بدل الأحزاب السياسية، فالمجتمع المدني يحمل تطلعات الشباب الحقوقية، برفع الظلم والعدالة الاجتماعية والحرية، مُبتعداً عن الفكر الحزبي الضيق، الذي لا يهتم إلا للوصول للسلطة وتحديد هويتها الإيديولوجية، بدل بناء الدولة، وهذا ما يفسر فشل الأحزاب الذريع بكل الثورات العربية.
    رفع شعارات الحضارة الإنسانية الحديثة، وبناء دولة ديمقراطية مُنفتحة على العالم، والتي لا تفرق بين أبنائها، مهما كانت لغاتهم ودياناتهم وأجناسهم، ولا تفرق بين المرأة والرجل وتحفظ حقوق الإنسان، مُبتعدة هكذا عن الإدعاء بالفكر الخاص بالعرب أو بالمسلمين، المُنطوي على نفسه والدافع نحو التفرقة والصراعات التي لا تنتهي. حتى أن رفض التدخل الخارجي، بكل أشكاله، كان واضحاً بشعارات المتظاهرين، قاطعاً الطريق على نظرية المؤامرة، التي عمت الثورات العربية الأخرى.

    الصبغة النسائيه

    الصبغة النسائية الواضحة والقوية، للحراك الجزائري، ونراه أيضاً في الثورة السودانية الحالية، هو دليل على أن المرأة العربية، لم تعد تقبل البقاء بالبيت بانتظار ما سيفعله الرجل لها، بل تأخذ زمام الأمور وتبادر للمشاركة، بل لقيادة الحراك الثوري، وهو ما يعطيه فكراً وبُعداً أكثر واقعية، ويبتعد عن العنتريات الرجولية، والفكر المحافظ القامع لحقوق الإنسان.
    تحديد الدول المُعادية للثورات العربية بأسمائها، وإظهار وعي المتظاهرين بدورها ورفضهم لتدخلها، حتى ولو حاولت دول مثل السعودية والإمارات، إعطاء الانطباع بتفهم الحراك بالإعلام، بينما هي بالخفاء، تحاول استنساخ التجربة المصرية وإيصال العسكر إلى السلطة.

    العلم الفلسطيني

    يرفع المتظاهرون الجزائريون، العلم الفلسطيني بشكل قوي، وهو العلم الوحيد تقريباً المرفوع خارج العلم الوطني أو الأعلام الجهوية، وهذا ما يُفزع برأيي كل دعاة الشؤم في العالم العربي وباقي العالم، ممن يدعون أن القضية الفلسطينية قد تم نسيانها، وهي بطريق الاحتواء التام، وأن الشعوب مشغولة بثوراتها، ولم تعد تهتم بفلسطين. رفع العلم الفلسطيني بجانب علم الثورة الجزائرية، يوصل رسالة من الشعب الجزائري الثائر بالملايين، أن قضية فلسطين بالنسبة له، هي قضية داخلية خاصة مثل قضاياه الداخلية الأخرى كالحرية والعدالة الاجتماعية، ويعتبر الشعب الجزائري أن فلسطين هي جزء منه، ولن يقبل المساومة على قضيتها، وهذا هو الشعور الشعبي العربي العام، وهو ما يحفظ لفلسطين أمل التحرير، بعد زوال الأنظمة المافياوية الحاكمة، والتي لا تُمثل أبداً بسياساتها تطلعات شعوبها، لتحرير هذه البقعة من الأرض العربية، وتُعيد مركزية القضية الفلسطينية بقضايا الأمة.
    الثورة الجزائرية ستُعلم وتُلهم باقي الشعوب العربية وغيرها، وتضع لهم خريطة طريق وأسلوب الثورة الناجحة الفعال، وهي التي تعلمت من دروس وأخطاء الربيع العربي الأول وعرفت كيف تتفاداه.

    كاتب ومحلل سياسي