الربيع العربي عودة الإنسان نزار بدران

الربيع العربي عودة الإنسان نزار بدران
CLICK HERE TO READ OR DOWNLOAD THE BOOK

ملخص كتاب الربيع العربي: عودة الإنسان
يركز عنوان الكتاب على إظهار مركزية الإنسان كهدف للحراك قبل أي اعتبار آخر.
هذا العمل هو محاولة لشرح أسباب ودوافع الربيع العربي وغاياته, ذلك رغم تعنت الطبقة المسيطرة على مقدرات الأمة منذ عقود طويلة.
اهتم الجزء الأول من الكتاب وصف الوضع العربي عشية انطلاق هذا الحراك الشبابي, وما وصلت له الحالة العربية في ظل الأنظمة على مدار عقود.
ناقش الجزء الثاني من الكتاب المعطيات الاجتماعية (السوسيولوجية) وتطورها في الحالة العربية وذلك بمعزل عن الوعي المباشر منذ أكثر من ثلاثين عاما, وخصوصا تطور الطبقة الوسطى وعودة المرأة إلى الواجهة كرافعة وقائدة, وترابط ذلك بالتغيرات العميقة التي حدثت بالعالم أجمع.
الجزء الثالث هو طرح ومناقشة لمفهوم الدولة المدنية الحديثة والتي هي الهدف الأساسي لهذا الربيع مركزا على مفاهيم مثل الديمقراطية الدولة المدنية وأهمية المجتمع المدني. اخذين بالاعتبار تجارب الشعوب الأخرى والطرح الفكري بالغرب وتجربته التاريخية.
الجزء الأخير هو استمرار للطرح الفكري من خلال إعادة نشر جزء من مقالاتي التي نشرت بالصحافة وخصوصًا الصحافة العربية بلندن..
نأمل من هذا العمل مساعدة عامة الناس على فهم ما يشعرون به واعطاء هؤلاء الذين يتوقون للتغيير وسائل فهم الحدث ومكانته بالمجرى العام للتاريخ العربي.

لمن يود الكتاب الورقي هو موجود على امازون amazon وعلى

https://www.morebooks.de/

هل أنت سعيد ؟. نزار بدران

 هل أنت سعيد؟

كنت جالساً على مقعد خشبي بإحدى ساحات باريس،  وهي ساحة مربعة مُحاطة بأبنية متشابهة،  مُصممة بأسلوب القرن الخامس عشر،  ويتوسطها تمثال لأحد ملوك فرنسا،  يُحيط به مجموعات من المساحات الخضراء والنوافير،  حيث تعج بالناس عندما يأتي الربيع،  وتبدأ الشمس بالظهور لتدفئة قلوبهم.  
تقدم مني رجل بالخمسينيات وسألني: 

 –  هل أنت سعيد؟  

كما يبدو فقد لاحظ هذا الرجل غرقي بأحلامي،  وقد أعطيته انطباعاً بالحزن.  كنت نادرا ما اطرح هذا السؤال على نفسي،  هل أنا سعيد؟  وإن كنت كذلك،  فكيف لي أن أعرف؟  تذكرت عندها ما قالته لي إحدى صديقاتي،  وهي ممرضة بإحدى المستشفيات التي عملت بها،  عندما سألتها إن كانت سعيدة.

– نحن أبناء جزر الكراييب،  نحمل السعادة داخلنا،  ولسنا بحاجة لشيء حتى نكون سعداء.  حكمة بالغة عندما نعرف أن ماري ملاك،  وهذا اسمها،  قد توفيت عن عمر ثمان وأربعين عاماً،  من مرض وراثي أخذته عن أمها.  حتى آخر يوم بحياتها،  كنت أراها والابتسامة تعلو شفتيها،  وكأن الحياة تضحك لها،  قائلة،  سأنتصر على المرض.

نحن سعداء عندما نحمل السعادة بأنفسنا،  وكيف لنا أن نفعل ذلك؟  ماري ملاك لم تقل لي ما هي طريقتها،  ولكن عندما نرى بشرتها السمراء،  وتاريخ الاستعباد الذي كان نصيب أجدادها قبل التحرر،  نفهم أن مفهوم السعادة هذا كان أحد وسائل سكان هذه الجزر للبقاء على قيد الحياة،  وإلا لانتهوا نفسياً وجسدياً.
 
ولكن ماذا سيفعل هؤلاء الذين لا يحملون السعادة داخلهم،  وهم كثر.  ذكرني ذلك بالعديد من معارفي بالعمل والحياة،  لكل وسيلته الخاصة للبحث عن السعادة.  هناك من ينغمس بالعمل خصوصاً إن كان عملاً مُختاراً.  هل العمل يُعطي السعادة؟  قد يكون ذلك صحيحاً لو كان الناس يحبونه،  ولكن الغالبية العظمى منا،  تنتظر نهاية يوم العمل بفارغ الصبر،  ومع ذلك فلو لم نعمل لكنا أكثر بؤساً.  لم أجد حتى اللحظة أناساً لا يعملون وسعداء بسبب ذلك،  حتى ولو لم يكونوا بحاجة مادية للعمل،  فهم يبحثون دائماً عما يسمونه “القيام بعمل مفيد للمجتمع”.  هم إذاً سعداء عندما يقومون بشيء من هذا القبيل.  حق التقاعد هو أحد مطالب الطبقة العاملة الأساسية،  والذي تمكنت بالعديد من الدول من الحصول عليه،  ولكن ماذا يفعل الناس عندما يتقاعدون؛  البحث عن شيء يشغلهم،  حتى لو كان دون أجر.

لكثرة المعارض الفنية بباريس،  وخصوصاً للرسامين،  كنت أظن أن الفن هو أحد الوسائل الأساسية للحصول على السعادة،  فسألت أحد أصدقائي،  وهو رسام مشهور من أصل روسي،  عن مردود الرسم على نفسه وسعادته،  فقال لي مُتنهداً:

–  لا تدوم سعادتي بالرسم،  إلا عندما أمارسها،  بعدها تتكدس اللوحات في المخزن،  ومن الصعب أن أجد من يشتريها.  ولكني أستمر بالرسم لأني لا أتصور نفسي دون ذلك.  الرسم هو ما يعوضني عن نقص العطف الذي كان من نصيبي طفلاً،  ويُعطيني نوعاً من النشوة،  قد لا أستطيع الحصول عليها ببساطة في المجالات الأخرى؛  فالأعراف الاجتماعية،  لا تسمح لي مُعاشرة أي امرأة تُعجبني،  أو أكل أي وجبة أحبها.  سعادة صديقي الفنان هي إِذَا بديل للملذات التي لا يستطيع الحصول عليها،  وقد تكون وسيلته أيضاً للتسلل لها.  أما بالنسبة لمحبيه،  ومُشاهدي رسوماته،  فهذا يشحذ خيالهم ويُعوضهم مؤقتاً عما لا يستطيعون تحقيقه من ملذات.  
 
لم أر في حياتي امرأة نرجسية مثل صديقة تمتلك مؤسسة للطباعة،  فهي كانت تظن أن الطبيعة (وليس الطباعة)،  لم تخلق مثلها على وجه الأرض.  لم تكن سعادتها ببيع الكتب وطباعتها والتعرف على الْكُتَّاب،  مشاهيرهم ومغموريهم،  وإنما أن يمتدح الناس عملها ويُثنون عليه،  هي لا تعيش إلا من خلال تلك المرآة،  التي تعكس لها ما تتصوره صورتها بعيون الآخرين.  بهذه الطريقة تجد السعادة من خلال الانكفاء على نفسها وليس عند الآخرين.  هي عكس هؤلاء الآخرين الذين تزداد سعادتهم،  بتزايُد فتوحاتهم العاطفية،  فهم يبحثون عنها دائماً خارجهم.

سألت نفسي هل اَلتَّدَيُّن يجلب السعادة؟  ولكن هؤلاء الناس وهم كُثر،  يتشابهون تماماً ويُمارسون نفس الطقوس،  وقد طُلب منهم أن يبتعدوا عن ملذات الدنيا،  ومصادر سعادتها المادية والنفسية،  للتركيز على التسامي والابتعاد عن الجسد والاقتراب من الروح.  قد نجد شيئاً قريباً من ذلك عند أتباع اليوجا.  بالنسبة لي،  هذه الطريقة للحصول على السعادة،  هي أكثرها ابتعاداً عن حقيقة البشر ورغباتهم،  وكأنها كمن يُحاول دائماً السباحة عكس تيار النهر،  فهذا ينهكه ولا يوصله إلى المنبع.  بعض ديانات شرق آسيا القديمة،  تمشي مع التيار ولا تُعارضه،  ولكنها تُهذب السابح والنهر وتزيل منه الصخور وكل ما قد يُشكل خطراً للسابح وللآخرين،  هذا للأسف ما لا تفعله الديانات التقليدية.

أحد أصدقائي بالعمل،  وهو طبيب نفسي يُدعى فريد،  قال لي يوماً:

–  لا تبحث عن السعادة فهي غير موجودة،  فالبحث عنها ليست غريزة زرعتها الطبيعة بنا.

–  ولكن أليس البحث عن الملذات يؤدي للسعادة،  وهي غرائز فينا؟

– الملذات،  أجابني صديقي الطبيب النفسي،  لا يمكن أن تكون إلا لحظية،  بينما البحث عن السعادة هو البحث عن حالة دائمة أو على الأقل طويلة الأمد،  وهو ما يتناقض مع مفهوم اللذة المبني على النشوة.

– ولماذا لا تكون النشوة حالة من السعادة؟

– النشوة هي حالة قصيرة جداً كما تعرف،  وإلا فستفقد جاذبيتها،  فمثلاً إن كنت تحب شراباً معيناً ستنتشي عندما تشربه،  ولكن لو فعلت ذلك بشكل متكرر ومُتقارب،  فستختفي هذه النشوة.  فاللذة وابنتها النشوة،  هو شعور لا يمكن أن يوجد،  إلا إذا كان لحظياً،  أي قصير الأمد.  حينها سألته:

– وهل الحب هو مصدر سعادة؟

– سؤال مهم حقيقة،  هناك من يبحث عن السعادة من خلال حُب الآخر،  أو يكون هو نفسه موضوعاً للحُب،  ولكن المُحِب يضع نفسه بموقع هش جداً،  فلا يوجد أسوأ من أن يفقد الإنسان المُحب موضوع حُبّه،  فتنعكس هذه السعادة،  إلى بؤس كامل.  تذكر قصة صديقنا م. ب.،  والذي قتل نفسه شنقاً،  عندما هجرته زوجته لتعيش حُبًّا جديداً.

– وكيف يمكن أن نحصل على السعادة إذاً؟

– بدرء المخاطر،  أجابني فريد،  وهي الغريزة الوحيدة الموجودة بنا منذ البدء.

– أي مخاطر؟

– مخاطر الطبيعة،  مثل الزلازل والكوارث الطبيعية أو الأمراض،  ولكن أكبر خطر يُهدد سعادة الإنسان هو الظلم الاجتماعي. 


– أكثر من الكوارث الطبيعية؟

– أكثر بكثير،  من أحد أسباب اَلتَّدَيُّن الرئيسية هو هذا اَلظُّلْم،  فالدينُ يحاول أن يُهَدِّء نفس المظلوم،  عن طريق وعد إلهي بالعدل في حياة أخرى،  عندما يَعِزّ ذلك بالدنيا.

– وهل هناك وسائل أخرى؟

– المجتمع قد يُشكل للبعض مصدر بؤس،  فيبتعدوا عن الاختلاط بالناس،  وقد يصل الأمر إلى الاعتزال الكامل،  وإيجاد حياة خاصة خارج المجتمع،  كما يفعل بعض الرهبان.  ثم استأنف صديقي الطبيب النفسي:

– نحن بحاجة إذاً لنكون سعداء،  إلى وسائل لدرء الأخطار،  وأخرى لدرء الأمراض،  وهذا العلم كفيل به قدر المُستطاع،  ولكن أهم شيء هو الحصول على العدالة الاجتماعية وتأمين الحقوق.  

صديقي الطبيب النفسي،  وضع إصبعه على موضع الحقيقة،  فالفراشة ليست بائسة،  رغم قصر عمرها،  فهي تلون نفسها لدرء الأذى عنها،  وقد يكون ذلك مصدر سعادتها،  وسعادتنا برؤيتها.

–  لماذا لا تُجبني على سؤالي؟  قال الرجل وقد نسيت وجوده أمامي،  بالساحة الباريسية المربعة،  ثم أردف:

– هل أنت سعيد؟

– لا أدري يا صديقي أجبته،  فأنا لا أسأل نفسي هذا السؤال.

– وكيف ذلك؟  ألا تعرف اسمك؟  أنا أبحث عن رجلٍ يُدعى سعيد،  أعطاني موعداً في هذه الساحة.

قصة من خيالي كتبتها بناء على مفهوم سيجموند فرويد للسعادة

مفهوم الأمة القومية. نزار بدران القدس العربي 28 يناير 2021

مفهوم الأمة القومية

28 – يناير – 2021

مفهوم الأمة القومية

 د. نزار بدران 

حجم الخط

تطالب قوى الثورة والتغيير بالدول العربية، منذ نهاية 2010، بإسقاط النظام وتحقيق العدالة الاجتماعية والحصول على الحرية، كل شعب يسعى عن طريق النضال السلمي، مُعتمداً على حشد جماهيري كبير، إلى الوصول إلى هذه الأهداف. هل سقوط النظام الاستبدادي، سيُعيد تلقائياً حلول نظام توافقي مدعوم من كافة أطياف المجتمع، وهل يمكن بناء السِلم الاجتماعي بمجرد سقوط النظام.
هذه الأسئلة وغيرها، تُرسلنا إلى مفهوم الجمع الاجتماعي والرغبة بالعيش المشترك، فتحت الأنظمة الديكتاتورية تجمد المجتمع، نجاح الثورة يُنهي حالة التجمُد هذه، ويُظهر تناقضات لم تكن مرئية في بعض الأحيان.

سقوط النظام الشيوعي

النموذج الأكبر لذلك، هو سقوط النظام الشيوعي بيوغوسلافيا، والتي حل محلها فوراً تقسيم البلاد حسب الأديان، بين الأرثوذكس والكاثوثيك والمسلمين (صربيا، كرواتيا، سلوفانيا والبوسنة) أي العودة إلى زمن ما قبل وصول الحكم الشيوعي، وهذا أدى إلى حروب طويلة بين هذه الشعوب دون طائل، تهدف إلى الحصول على النقاء العرقي والديني لكل بلد، وهو ما لم يمنع من عودة الأمور بمرحلة أخرى إلى التقارب تحت سقف الانضمام الى الاتحاد الأوروبي، الذي لا يعترف بالتمييز العرقي أو الديني.
النموذج الآخر المُغاير، هو جنوب إفريقيا بقيادة نلسون مانديلا، والتي انتقلت إلى الديمقراطية دون أي تفسخ للمجتمع، فلم تُقسم البلاد بين البيض والسود، ولم يتم مُصادرة أملاك وأراضي البيض، لصالح السود، ولم يُدعى إلى طرد البيض وعودتهم لأوروبا ( كما حدث مثلاً في زيمبابوي أو الجزائر) قريباً منا نرى أن انهيار نظام صدام حسين الاستبدادي في العراق، تبعه تدخلات غربية عديدة وصراعات داخلية على مبدأ الانتماء الديني مؤدياً إلى دمار البلاد. هذه أسئلة تُطرح على الشباب الثائر، والساعي لإسقاط الأنظمة الاستبدادية، إلى أين أنتم سائرون، والى أي مجتمع أنتم تسعون؟
تجارب الأمم المختلفة في العالم، منذ الثلاثة قرون الأخيرة، أي منذ سقوط الإمبراطوريات ونشأة الأمم، وانتهاء الشرعيات المُستمدة لصالح سيادة الشعب، تُظهر أن مفهوم الأمة ووحدتها ومبرر وجودها، يختلف من أمة إلى أخرى، ومن مفهوم فلسفي إلى آخر، وذلك مرتبط بشكل خاص، بتاريخ وظروف كل أمة أو كل شعب.
هناك بشكل عام ثلاثة تصورات لمفهوم الأمة، وعلى شعوب الدول العربية، وقادة ثوراتها، أن يُحددوا أي نموذج يختارون.
النموذج الأول، وهو النموذج المبني على العنصر الثقافي العرقي، أي الانتماء إلى لغة وثقافة واحدة، وعنصر عرقي واحد، وهو تقريباً النموذج الذي بُنيت عليه ألمانيا، والذي أدى إلى اعتبار كل مجموعة سكانية، تتكلم اللهجات الألمانية، كجزء من ألمانيا والعنصر الآري، وأسس لحرب 1870، ثم الحرب العالمية الاولى والثانية، يتناسى المُدافعون عن هذا المفهوم، أن المناطق المُتكلمة باللغة الألمانية في دول الجوار لألمانيا، تحتوي أيضاً على سكان يتكلمون لغات أخرى، وهو مدعاة لطرد هؤلاء أو التنكيل بهم -.هذه هي التجربة الأوروبية وأحد أسباب الكوارث التي عمت القارة، بالنصف الأول من القرن العشرين، بعد انتشار التصور العرقي الثقافي للشعوب.
النموذج الثاني، يذكرنا بقيام دولة اليونان، أو بعض دول أوروبا الشرقيه، ومؤخراً دولة الاحتلال الإسرائيلي. هذا النموذج مرتبط بثلاثة عناصر، وهي وحدة اللغة، وحدة الدين ووحدة الأسطورة الوطنية المؤسسة.
استطاع سكان اليونان، بالثلث الأول من القرن التاسع عشر، زمن ما يسمى بالثورة اليونانية، تحديد هوية وطنية، عن طريق الربط بين الدين الأرثوذكسي واللغة اليونانية، وأيضاً إعادة الارتباط بالأسطورة التاريخية لماضي اليونان المجيد، بعصر الحضارة اليونانية القديمة، بفضل الاكتشافات العلمية بزمنه.
نرى شيئاً قريباً من ذلك، في بولندا ورومانيا ودول شرق أوروبا، والتي أدت مثلاً في بلاد البلقان، إلى حروب متعاقبة، مما أدى إلى مفهوم البلقنة، أي التجزئة على مبدأ الدين واللغة، وهذا ما رأيناه أيضاً في حروب البلقان بعد سقوط الشيوعية.
نشأة دولة باكستان بعد استقلال الهند، وانتهاء الهيمنة الاستعمارية البريطانية، اعتمد نفس المنطق، أي الدين المشترك واللغة المشتركة ومحاولات لإيجاد قصة تاريخية مشتركة.
ضرورة تواجد العناصر الثلاثة لنشأة الدول الحديثة، أجج الحروب في كثير من المناطق بالعالم، فالانتماء لنفس الدين، لا يعني تشكيل أمة واحدة، والتكلم باللغة نفسها لا يمنع التمايز، وحدها النقطة الثالثة، أي الأسطورة المشتركة، من يُعطى النقطتين الأوليتين فاعليتهما لإيجاد الأمة.
من هذا المنظار نفسه، أُسست دولة الاحتلال الإسرائيلي، حيث تمكنت من جمع جزءاً مهماً من يهود العالم داخل فلسطين، لا يجمعهم حقيقة، إلا عنصر الدين المشترك، فالعنصران الآخران، أي اللغة والقصة المشتركة، تم تكوينهما بشكل يتناقض مع التاريخ الحقيقي، فاليهود في دول العالم، ما كانوا يتكلمون اللغة نفسها، فاليهودي الأثيوبي أو البولندي أو العربي، يتكلمون بلغات بلادهم الأصلية، تمكنت إسرائيل من إعادة الحياة للغة العبرية، حتى أصبحت اللغة المشتركة لسكان إسرائيل، وهو ما حقق لهم العنصر الثاني لتكوين الأمة. عنصر الأسطورة المشتركة، وجدوه عن طريق العودة للأسطورة التوراتية الدينية والوعد الإلهي، هذه القصة المشتركة ليس لها بُعد تاريخي حقيقي، كما كان مثلاً مع نشأة الأمة اليونانية، والعودة لأمجاد أرسطو وأفلاطون وألكسندر المقدوني.
إعطاء بُعد تاريخي لمقولة دينية لإنشاء دولة، فيه طبعاً الكثير من التناقض، مع الطبيعة المُعلنة لدولة إسرائيل، وهي العلمانية، إي إبعاد الدين عن السياسة والقانون، ولكنهم لم يستطيعوا اعتماد القصة المشتركة الحقيقية، وهي موجودة تاريخياً، وأقصد بها المذابح والجرائم التي اُرتكبت بحق اليهود في أوروبا وروسيا، عبر قرون خصوصاً مع مذابح النازية، هذه القصة الحقيقية، هي جزء من التاريخ الحقيقي، وليست تاريخ اللاهوتي المُتخيل، ولكنها لا تعطيهم في حالة تبنيها، الحق بإقامة دولة بفلسطين بالتحديد، ولهذا تم استبعادها، كأحد عناصر مفهوم الأمة اليهودية عند الحركة الصهيونية.
النموذج الثالث من تكوين الأمة، هو ذلك الذي يُبنى على عنصر التاريخ المُشترك أي الماضي، والمشروع المُشترك أي المستقبل، والمُعتمد على الاختيار الحُر والإرادة الحرة لكل مواطن. هذا التصور الذي رأيناه مطبقاً مثلاً بالولايات المتحدة الأمريكية، أو حديثاً دولة جنوب أفريقيا، لا يتبنى مفهوم العرق أو الدين أو اللغة المشتركة، كأساس لتكوين الأمة، ولا حتى الحدود الطبيعية، أو مفهوم المصلحة الاقتصادية البحتة.
هذا التصور هو الأكثر قرباً حالياً، لتشكيل الدول الديمقراطية الحديثة، مهما كان التصور الذي أسسها سابقاً، فلم يعد مكان بالدول الغربية مثلاً، لاعتماد الدين أو العرق، لتحديد الهوية الوطنية.
فقط الماضي المشترك بأمجاده وانتصاراته، ولكن أيضاً وبشكل أكثر تأثيراً، مآسيه وهزائمه والمعاناة المشتركه، من يحدد الانتماء للامة، والرغبة باستمرار ذلك المشروع التاريخي، من يُؤكد البقاء به.
الإرادة الحرة للأفراد والمجموعات، بما فيها حق تقرير المصير للشعوب، هي حجر الأساس لبناء هذه اللأمم، وكما يقول إرنست رنان، الفيلسوف الفرنسي في نهاية القرن التاسع عشر، الأمة هي استفتاء يومي لإظهار الانتماء المشترك للمجموعة (الإرادة الحرة لأفرادها بأن يبقوا جزءاً منها).
أي نظام سياسي ديمقراطي حديث، يبني أمته على أسس العرق أو الدين أو اللغة، يضع بنفس الوقت وسائل هدمه ودماره، من القوى الداخلية والقوى الخارجية؛ نموذج جمهورية الصرب، برئاسة ميلوزيفتش، بعد انهيار يوغوسلافيا الشيوعية، كان نظاماً منتخباً من الشعب، ولكنه بنى تصوره للوطن على العرق الصربي والدين الأرثوذكسي واللغة الصربية، وهو ما أدخله ضد كوسوفو والبوسنة أو كرواتيا الكاثولوكية، وأدى بالنهاية لحروب دامت سنوات، قبل عودة الشعب الصربي، لمفهوم أكثر حضارية، بدل البحث عن دولة النقاء العرقي.
انفصال جنوب السودان المسيحي، كلف أكثر من مليوني قتيل، لرغبة الرئيس المعزول عمر البشير ونظامه، اعتماد الدين الإسلامي بالهوية الوطنية والنظام السياسي، متناسياً أبناء الجنوب واختلافاتهم العرقية والدينية عن الشمال.
الانتماء الطائفي المعلن، كهوية في العراق وسوريا ولبنان وإيران ودول أخرى، هو تهديد مباشر لوحدة هذه الدول ونموها.
انغلاق إسرائيل على مفهوم الدين كهوية للدولة والمواطن، يحرم أكثر من مليون ونصف فلسطيني، داخل الخط الأخضر، من حقوقهم الأساسية بالمساواة، ويغلق الباب نهائياً لأي حل سلمي للقضية الفلسطينية، مبني على حق العودة للاجئين الفلسطينيين، حتى لا يُهدد الفلسطينيون الطابع الديني اليهودي للدولة الإسرائيلية. وللأسف نجد بالغرب، وبأعرق الدول الديمقراطية، من يُدافع عن هكذا تصور (تحت ضغط اللوبي الصهيوني) رغم تناقض هذا الموقف الواضح، مع القيم التي بُنيت عليها هذه الدول.

النموذج المُنفتح

يمكننا إعطاء أمثلة كثيرة عن فشل النموذج القومي، المبني على خصوصيات مستقلة عن الإرادة الحرة للأفراد، فالعرق واللغة والدين، هي أشياء مفروضة علينا وليست اختياراً لأي فرد، وحده النموذج المُنفتح ذا البُعد التاريخي والإرادة الحرة، من يتجاوب برأيي، مع مفاهيم وأسس الحضارة الإنسانية الحديثة.
قد يقول قائل، أن هذا النموذج الثالث، المبني على حرية الاختيار، قد يؤدي إلى تفكيك الدولة وخروج أجزاء منها، هذا لم نره يحدث بأي مكان، إن حُفظت حقوق الناس، وأُكد مبدأ المساواة بينهم، فالإنفصاليون لا يبررون عملهم دائماً، إلا باستعادة حقوقهم الأساسية.
شباب الثورات العربية، وهم يبنون دولهم الديمقراطية، عليهم أن يطرحوا هذا السؤال بصراحة، أي أمة تريدون أن تبنوا، وبأي وطن تريدون أن تعيشون. الجواب سهل نظرياً، لكن من يسمع ويقرأ ويرى ما يحدث على امتداد الأرض العربية، ويُتابع سياسات الأنظمة، الجارية وراء السيطرة والبقاء، والتي توقد النار دائماً، للتناقضات الاجتماعية، العرقية واللغوية والدينية، لتؤمن بقاء سيطرتها. الذي يراقب ذلك يعرف أن الطريق ليس سهلاً، وأن الانتماءات العرقية والدينية، ما زالت بأوج عنفوانها.
على شباب الأمة وثوارها، أن يعملوا للإنتقال من معطيات لتحديد الأمة، مأخذوة من أشياء ورثناها بلا أدنى إختيار، إلى تشغيل العقل والعمل لبناء أمة متسامحة، تُعامل أبناءها جميعاً، بنفس المقدار من المساواة والاحترام، مهما اختلفت أديانهم ولغاتهم وأجناسهم. لو نظرنا حولنا بالدول الأخرى، فسنرى أن النجاح هو فقط حليف هذا النوع من الأمم.

 كاتب ومحلل سياسي

القبلية بين السلطة والمجتمع، ليبيا والسودان نموذجا. نزار بدران القدس العربي 16/12/2020

هل النزعة القبلية، عائق أمام الثورات؟ هذا سؤال يُطرح دائماً، عندما نتكلم عن ثورات الربيع العربي، فنحن نعتبر كشيء مُسَلم به، أن البُعد القبلي في المجتمعات العربية، يُعيق تطورها، خصوصاً تلك البلدان المحكومة بعائلات عريقة، بناء على مفهوم العصبية الأقوى. هذا سؤال واضح ومشروع، والإجابة المُتوقعة عليه، هو بالإيجاب.
عُقدت في معهد العالم العربي في باريس، ندوة حول هذا الموضوع، شارك فيها مختصون في الشأن العربي الاجتماعي، وخصوصاً ليبيا والسودان. أظهرت أن الإجابة على السؤال المطروح، ليست بالسهولة المُنتظرة، وككل المسائل الاجتماعية، هناك احتمالات مختلفة، وإجابات متعددة، وليست إجابة واحدة. بهذا المقال نود أن نضيف البعد النظري لما طرح في الندوة وما جادت به تحليلات الأكاديميين بشكل مختصر واعطاء بعض الأمثلة.

الإبستيميا

من الناحية النظرية، فقد حدد علم الاجتماع لتعريف مفهوم القبلية، مجموعة من المعطيات، تشرح تطور العلاقات بين البشر منذ القِدم. المُعطى الأول، هو البُعد العصبي لهذه المجموعات البشرية، بمعنى تعاضدها وتكاتفها، ويُبنى على وحدة المفهوم الثقافي، الهوياتي، أو ما يوصف بالإبستيميا Episteme، حسب نظرية ميشيل فوكو، الفيلسوف الفرنسي الشهير.
نُعَرِّف الإبستيميا، «مجموعة المفاهيم المُتفق عليها، والتي لم تعد مجالاً للنقاش». هي تلك المفاهيم والمعايير، التي اكتسبناها منذ الطفولة، والتي شربناها مع حليب أمهاتنا، هي مجموعة التقاليد والعادات، والانتماء الديني أو المذهبي.
هذا النوع من الثقافة الثابتة، يختلف عن الثقافة المُكتسبة، والتي هي نتاج التَّعَلُّم والمعرفة العلمية. نتيجة لذلك، فإن الفرد في هذا النظام الاجتماعي، مُغَيَّب لصالح المجموعة. الوحدة الأساسية للتركيبة الاجتماعية، هي إذاً «القبيلة» والتي تنظر دائماً إلى الماضي لإعادة تكراره، وهو ما يُسمى بالمجتمعات التقليدية المحافظة، وتفتقر نتيجة لذلك لأي رؤية مستقبلية.
مُقابل ذلك، فإن المجتمعات الحديثة، والتي تجاوزت البُعد القبلي، هي بشكل عام، تلك الدول والمجتمعات، التي تمكنت من بناء مفهوم المُواطن والمُوَاطنة، أي أن الوحدة الأساسية للمجتمع، هو «الفرد» ولكن بمفهومه التاريخي، أي ذلك الفرد الذي ظاهرياً، يقوم بتحديد قوانينه بنفسه، ويعمل لمصلحته الخاصة، بينما يَصُب ذلك بالحقيقة، بالعملية التاريخية المُشتَركة، لكل المجتمع، فهؤلاء الأفراد يصنعون التاريخ سوياً.
تنظر هذه المجتمعات، عكس المجتمعات القبلية، إلى المستقبل، وتتناسى الماضي، هي إذاً مجتمعات مشروعاتية، أي لا ترى الحاضر إلا من منظار المشاريع الموضوعة دائماً للمستقبل.

الإشباع والتبلور

من ناحية أخرى، فإن المجتمعات المحافظة، ذات النظرة التقليدية الثابتة، نحو الماضي (السلف، التقاليد..الخ) تتغير هي أيضاً بشكل بطيء غير ملحوظ، وهو ما يُفسر عدم بقاء الإنسان على حاله منذ آلاف السنين، يحدث هذا نتيجة التراكمات الصغيرة، والكثيرة المتتابعة، والتي تصل بالنهاية، لوضعية ما يُسميها عالم الاجتماع الأمريكي، من أصل روسي، بيتريم سوروكين، «بالإشباع» والذي يؤدي إلى تغيرات نوعية، للتركيبة الاجتماعية، ناتجة عن تبلور الأوضاع في اتجاه جديد، بسبب عامل داخلي أو خارجي، قد يكون صغيراً.
نظرية الإشباع والتبلور، تنطبق أيضاً على كافة المجتمعات بما فيها تلك الحديثة، فأي وضع ما، عندما يطول كثيراً، يؤدي إلى انفضاض الناس، وحتى دون سبب واضح، دافعهم البحث عن التجديد.
ما هي العلاقات التي تربط قبائل وأطراف المجتمع القبلي، حسب الباحثين بالأمر، فإن العلاقات بين هذه المجموعات البشرية، تُبنى على مفهوم القبلية الاجتماعية، أي المرتبطة بالوظيفة المُناطة بهذه المجموعة أو تلك، وهو ما يؤدي إلى تكاملها وتعاونها، وليس بالضرورة تصادمها، هنا نرى مثلاً، قبائل الرعي أو قبائل الصيد، المزارعين أو صيادي الأسماك، سُكان الجبال أو السهول، التمايُز إذاً، هو بنوع الوظيفة، وليس مبنياً إضطرارياً على عِرق أو لغة أو دين.
هذا ما كان عليه الوضع على ما يظهر في ليبيا والسودان، حتى وصول المستَعمِر الإيطالي من جهة، والإنكليزي من جهة أخرى، أو بشكل أقل وضوحاً، بدول شمال أفريقيا، قبل الوصاية والاحتلال الفرنسي.
تمخضت قريحة المستعمر، لإحكام قبضته على الشعوب المُستَعمَرَة، عن تحويل القبلية الاجتماعية الوظيفية، إلى قبلية عرقية. ورسم خطوطا على خارطته، ليُحدد لكل قبيلة مكاناً وموطناً، وهذا أدى عن طريق الزبائنية الاقتصادية، إلى إيجاد صراعات داخلية، مزقت هذه القبائل، على الأُسس الجديدة. وأوضح مثال على ذلك اختلاق المستعمر البلجيكي عِرْقَيْ التوتسي والهوتو بروندا وهما ينتميان لللغة والدين نفسيهما ويعيشون على الأرض نفسها.
كلمة «إثني أو إثنية» هي بالأصل غير موجودة باللغات المحلية، وتم إيجادها من طرف المُستعمر الأوروبي، حيث أنها ظهرت لأول مرة، عام 1896، في كتاب «انتقاءات اجتماعية» لعالم الأنثروبولوجيا الفرنسي، جورج فاشير دو لابوج، حيث وسع مفهوم الأجناس (الانتقاء الطبيعي لداروين) من البيولوجيا إلى الأشياء الاجتماعية. بدوره قام الطبيب جورج مونتاندون، عام 1935 بتعريف الإثنية «كتجمع طبيعي، يحتوي على كل الصفات الإنسانية، بمعنى البيولوجية والاجتماعية» وذلك في كتابه، «الإثنية الفرنسية».
نحن إذاً أمام محاولة لإعطاء غطاء علمي، لوضع إنساني عنصري، وبأهداف السيطرة الاستعمارية.

الحس الوطني

رغم ذلك، فإن الحس الوطني الجامع، لهذه القبائل، لم يمنعها كما يريد المستعمر، من التمرد والنضال، من الحصول على الاستقلال. ولكن للأسف، فإن الأنظمة التي حكمت الدول حديثة الاستقلال، استغلت الإرث الاستعماري، عن طريق الاستمرار بمفهوم القبلية العرقية، لتتمكن هذه الأنظمة، البعيدة عن المفهوم الديمقراطي، من السيطرة كما كان عليه الوضع، زمن الاستعمار، وفي أحيان أكثر من ذلك.
نحن إذاً، أمام استعمالات مختلفة لمفهوم القبلية، تبدأ بالتوزيع الوظيفي والتكامل في سوق مشتركة، لا تمنع الأفراد من تغيير انتمائهم القبلي، إلى مفهوم التسابق لإرضاء المستعمر، وفيما بعد، إلى مفهوم دعم الأنظمة الاستبدادية، وذلك للحصول على امتيازات زبائنية.
ليبيا: النموذج الليبي مثلاً، والذي وضع القبيلة كنقطة ارتكاز للمجتمع، لم يمنع مدن مثل بنغازي أو مصراتة، أن تكونا مدناً متنوعة الأجناس والأديان، ومتسامحة وناشطة جداً على المستوى الاقتصادي، قبل قيام الدولة الوطنية.
قبائل المناطق الثلاث الليبية، والتي يزيد عددها عن مئة، وجدت وسائل التكامل فيما بينها. الاستعمار الإيطالي، ومن قبله البريطاني والفرنسي، هو من شجع الخلافات بين مكونات ليبيا الاجتماعية، ذاهباً في اتجاه تفعيل التناقضات العرقية والدينية واللغوية (عرب طوارق أمازيغ التبو). وقد استمر ذلك بعد الاستقلال 1951 عن طريق الزبائنية السياسية والاقتصادية، والتي تبناها الحكم الملكي، للحصول على شرعيته ودعم القبائل له، وهو ما أدى إلى تزايد التناقضات بينها، بهدف الحصول على حصص من الثروة والسلطة.
انقلاب مُعمر القذافي 1968 وإرسائه نظاماً شمولياً، لم يزيد الوضع إلا سوءاً، حيث أجج هذا النظام الجديد الخلافات القبلية، مُعطياً قبيلته الخاصة أكبر الامتيازات، ومستعملاً العـنف والزبائنية لإرضـاخ ما تبـقى.
في هذه الظروف الصعبة لعبت القبلية في بعض الأحيان دور الحامي لأبنائها.
التغيرات الديموغرافية بدورها لم تعدل الانتماء والولاء القبلي، فرغم أن نسبة سكان الأرياف للمدن قد انقلبت تماما لصالح المدن (من 45٪ عام 1964 إلى 85٪ عام 1995) إلا أن هؤلاء القادمين من الريف أو الصحراء قد حملوا معهم ولاءاتهم، وهذا ما نراه حالياً في النزاع المسلح بين المسيطرين على شرق البلاد أو غربها. (هذه الظاهرة واضحة أيضا في مدن عربية عدة مثل عمان في الأردن أو المدن الخليجية الحديثة).
السودان: وكنموذج آخر، السودان دولة ذات أعراق ولغات وأديان متنوعة، ولم تكن هذه القبلية عائقاً أمام قيام تكامل بينها، ففي دارفور مثلا توجد قبائل عربية، وهم بشكل خاص رعاة وتجار إبل، ويقومون تايخياً بدور التاجر الوسيط، بين قبائل دارفور، والدول الإفريقية الأخرى المجاورة. في المقابل كانت هناك، قبائل أخرى غير عربية، تعيش من تربية المواشي، وخصوصاً الأبقار (البقارة). كما في النموذج الليبي، فإن الْمُسْتَعْمِر، ومن بعده النظام الإسلامي الاستبدادي، لعمر البشير، من حَوَّل هذه القبلية الوظيفية، إلى قبلية عرقية ولغوية (يوجد لغات عديدة في السودان) مُشعلاً الحروب الداخلية، مؤدياً مثلاً، إلى انفصال جنوب السودان المسيحي، ومذابح دارفور. وما اعتماد السلطات الجديدة في السودان، أولوية حل النزاعات الداخلية، وإنهاء العنف المسلح، ونجاحها بذلك، إلا دليل على سطحية هذه الخلافات، وارتباطها بشكل وثيق بالسلطة.
من هنا فنستطيع القول، أن القبلية لم تكن لتمنع قيام حس وطني شامل، والدفع في اتجاه التحرر والاستقلال بصورتها الطبيعة الوظيفية، في المقابل فهي تُستعمَل دائماً بصورتها العرقية المختلقة من طرف المُستعمِر، للسيطرة الكاملة على السكان والثروات، وتُستعمل عن طريق الأنظمة الاستبدادية، الآتية بعد الاستعمار، لتمكينها من البقاء.
إنتقال جزء كبير من البداوة إلى المدن ساهم بانفتاح تلك الأخيرة وتحررها تدريجيا من قيود التقاليد. وكما رأينا، في ثورة شباب ليبيا عام 2011، وشباب السودان عام 2018، فهي لم تمنع ظهور ظاهرة الإشباع الاجتماعي، فكانت الثورة التونسية المجاورة، نقطة البلورة لذلك.

 كاتب ومحلل سياسي

رفض ترامب لنتائج الانتخابات… نزاع الدولة والسلطة نزار بدران 07/12/2020 القدس العربي

الانتخابات الأمريكية، وخصوصاً تعنت الرئيس ترامب، بالاعتراف في هزيمته، وإعادة عد البطاقات الانتخابية في بعض الولايات، فُهِمَ من قِبل بعض الكتاب والمراقبين، وكأن الديمقراطية الأمريكية، أصبحت في مهب الريح. هذا طبعاً طرح مُبَسط، لأن التلاعب في الانتخابات، الذي يحدث في دول عديدة في العالم، هو دائماً من طرف السلطة الحاكمة، وليس من طرف المعارضة، أو الحزب الذي هو خارج السلطة.
التلاعب يتم بهذه الدول كما رأينا في روسيا أو مصر، يهدف لإبقاء نظام غير شرعي، استبدادي ضد رغبة المواطنين.
نحن إذاً في أمريكا، بمعادلة أن السلطة السياسية، المُمَثَلة في الرئيس الحالي، تريد فقط أن تعطي الانطباع للمواطنين المؤيدين له، أنه لم يخسر حقيقة، وسيكون جاهزاً للعودة بعد أربع سنوات. هي نوع من الحملة الانتخابية الاستباقية، لكن طبعاً بأسلوب ترامب الخاص والشخصي. ابتعاد شخصيات مهمة، من الحزب الجمهوري عنه، وحتى وزير العدل نفسه، يدل على ذلك.

الاستفادة من التجربة

الدرس الذي يهمنا كعرب، هو الاستفادة من التجربة الأمريكية الاستثنائية، للتمييز بين مفهوم الدولة ومفهوم السلطة السياسية، وهو ما بدى مشوشاً ومختلطاً في أذهان معظم المواطنين، وحتى السياسيين والمثقفين.
في الولايات المتحدة، صمدت الدولة أمام ادعاءات المسؤولين عن السلطة السياسية، وفرضت وبشكل بارد ومنهجي إرادتها، وهي دائماً الأعلى.
الدولة حسب أحد تعريفاتها، ولها تعريفات كثيرة، هي «مجموعة الأجهزة السياسية، والإدارية، والقانونية والمؤسسات التابعة لمجتمع منظم».
تحتاج هذه الدولة لكي تبقى إلى السيطرة، وأيضاً إلى طاعة المواطنين، هذه السيطرة، ورديفتها الطاعة، لا تتم إلا إذا تقبل المجتمع شرعية الدولة، وبالتالي يتقبل طاعتها.

العادات والتقاليد والبعد القبلي

هناك ثلاثة أنواع من الشرعية للدولة:
أولها تلك الآتية من العادات والتقاليد والبعد القبلي، مُعطياً لها بُعداً مقدساً، مثال الأنظمة الملكية الوراثية.
القانون هنا، يأتي في معظم الأحيان من الحق الإلهي المُعطى للسلطة وليس من الشعب.
ثانيها تلك الآتية من شخصية القائد، أو ما يُسمى القائد الملهم، ذا الشخصية القوية أو الكاريزما، كما نرى مثلاً مع الرئيس جمال عبد الناصر أو فيدل كاسترو، القدسية هنا مُعطاة للفرد المُسيطر على السلطة.
القانون هنا، يأتي من الشخص أو الحزب المسيطر وليس من الشعب. النوع الثالث من الشرعيات، هي تلك العقلانية، والتي تُبنى على الإيمان بشرعية القانون، المُتَفَقُ عليه، والذي يُعطي من في السلطة، شرعية اتخاذ القرارات.
القُدسية هنا هي للقوانين المؤسسة للدولة. القانون هنا، يأتي من الإرادة العامة للجميع، أي من الشعب، عن طريق الانتخابات، الشرعيتين الأولى والثانية، بعيدة عن الشرعية الحديثة، والتي أسست للدول الديمقراطية، وهي جزء من حضارات الماضي، ولم يعد لها مكاناً حالياً بأي دولة تحترم إرادة مواطنيها.
تبدأ الدولة الحديثة، عندما تنفصل السلطة السياسية عن شخص الزعيم، وحين يتم التمييز، بين السلطة السياسية والملكية الخاصة (ما سمح بوجود الشأن العام). السلطة السياسية، هي جزء من الدولة، وإحدى مؤسساتها، وليست الدولة نفسها، هي إذاً مؤسسة مُخولة من قِبل الدولة، بأخذ القرارات التي تهم المجتمع بشكل سيادي.
القرار السياسي، يعني القرار العام، وهو عكس القرار الذي يهم الخواص، أو الملكية الخاصة. السياسيون المنتخبون للسلطة، بمن فيهم الرئيس، هم موظفون فيها، ولا يملكونها. هي تتجاوزهم دائماً، فهم مارون، وهي باقية.

مفهوم الدولة

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، انتشر النظام الثالث لمفهوم الدولة، أي دولة القانون، في كل أنحاء العالم، وهو ما يُسمى «ربيع الشعوب» لكن الأنظمة الاستبدادية، اضطرت أمام هذا التطور العالمي، إلى التراجع الشكلي، عن شرعيتها الإلهية أو الفردية، وذلك عن طريق التحايل وإعطاء انطباع للجمهور والدول الأخرى، بديمقراطية النظام، أي اعتماده شرعية الإرادة العامة للشعب، بينما هي تفعل العكس.
الرئيس بوتين، يُنظم دورياً انتخابات، يُمنع فيها أي صوت معارض، وحتى يقوم بتسميم معارضيه، كذلك الوضع في تركيا، مع وضع مئات آلاف الأصوات الحرة في السجون، من كُتاب وصحافيين، تحت حجة الانقلاب المزعوم، والضغط السياسي على المعارضة. أو إيران، مع الشرعية الدينية المُعطاة للولي الفقيه، بينما يُنتخب رئيس دولة وبرلمان دون سلطات حقيقية.
في بعض الدول الملكية، نرى انتخابات لا تُسفر عن برلمان فعلي، وأغلبية تستلم السلطة، وإنما برلمانات شكلية، بينما يبقى مصدر السلطة هو نفسه، أي الحق الإلهي العائلي القبلي.
هذه السلطات تتجنى على السلطة السياسية وعلى الدولة بالوقت نفسه، متوهمة بملكيتها والسيطرة عليها، بينما هي بالحقيقة تلغي وجودها، فهذه الدول لا توجد بها دولة حقيقية، تحفظ حقوق المواطنين، ولا سلطة تُدير الشأن العام.

طريق الإرادة العامة

الدولة إذاً، في الدول الحديثة الديمقراطية، هي التي تُحدد عن طريق الإرادة العامة، وسائل عمل السلطة السياسية، تُعطيها وتأخذ منها هذا الحق، متى شاءت، كما نرى الآن في الولايات الأمريكية المتحدة.
العمل السياسي، مصدره الشعب، والذي يوكل السلطة السياسية به، والتي تأتمر بأمره وليس العكس. الإنسان الحر هو الذي يُطيع القانون، وليس الذي يطيع أوامر إنسان آخر.
ما رأينا في الولايات المتحدة، هو أحد مظاهر عظمة الدولة الأمريكية، الاحتجاجات على الانتخابات ونتائجها، يُحكم بها أمام القانون، وهو وحده من يُحدد إن شابت هذه الانتخابات مُخالفات، وليس جعجعة أحد رجال السلطة، حتى ولو كان الرئيس الأمريكي، أقوى رجل في العالم.

الناشطات العربيات… بناتك يا وطن

الناشطات العربيات… بَنَاتَك يا وطن

الناشطات العربيات… بَنَاتَك يا وطن

 د. نزار بدران 

اغتيال المحامية والناشطة الحقوقية، حنان البرعصي وسط بنغازي، بعد نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، انتقادات للفساد، لأحد أبناء خليفة حفتر، يُظهر لنا مدى إصرار قوى الثورة المضادة، على إسكات كل الأصوات وبكل الوسائل.
هؤلاء يريدون أن يُطفئوا نور الربيع العربي بجرائمهم، وكأن التاريخ سيعود للوراء.

الحراك المجتمعي الحديث

ما أريد إظهاره بهذا المقال، أن المرأة العربية، تُشارك وبكثافة في الحراك المجتمعي الحديث، خصوصاً للموجة الثانية من الربيع العربي، فأعداد النساء المشاركات في المظاهرات والاعتصامات، هي كبيرة جداً، يكفي أن ننظر لشاشات التلفزيون، لمظاهرات لبنان والجزائر والسودان والعراق، وأن نتذكر مظاهرات اليمن.
نحن أمام وعي جديد للمجتمع، بأهمية وضرورة مشاركة الجميع، رجالاً ونساء في العمل الثوري.
لم يعد هناك مجال هنا لإبقاء نصف المجتمع، جالساً ينتظر النصف الآخر لتحقيق حقوقه.
الوضع إذا يختلف عما كان عليه سابقا حين كان نضال المرأة لنيل حقوقها نخبويا ولم يتمكن من تحريك المجتمع بشكل فعال لصالحه (مثال المناضلات نوال السعداوي، هدى شعراوي في مصر)
شاركت المرأة وبقوة، بثورات التحرر الوطني من الاستعمار، ونذكر هنا كمثال، جميلة بوحيرد، وغيرها كثيرات، لكن الدول التي أتت بعد دحر المُستعمر، سلبت النساء حقوقهن المُنتَظرة، وهو الحق في المساواة دون التفريق مع الرجل، بالإضافة لسلب المجتمع ككل حقوقه السياسية، ببناء الدولة الديمقراطية والمواطنة.
المشاركة النسائية، والتي دُفع ثمنها غالياً، من قتل واغتصاب وسجن، هو في رأيي من أهم معالم الربيع العربي الثاني، والتي تُنبئ بوضوح بالشكل الذي سيأخذه المستقبل.
قتل الناشطات العراقيات أو الليبيات، سجن لُجَيْن الهذلول، ورفيقاتها بالسعودية لن يزيد هذه المشاركة إلا عنفوانا.
وكما نرى فإن احتلال النساء لمساحة واسعة، في التعبير على ساحات التواصل الاجتماعي وتواجدهن على أرض الواقع، أعطى الحراك العربي، بُعداً جديداً، هو البُعد الإنساني العقلاني، فالمرأة، بالإضافة لمعاناتها كمواطن مثل الرجل، تُعاني أيضاً من القيود الاجتماعية المفروضة عليها، مما يجعلها أكثر حساسية وتفهما، من هنا تنبع أهمية أن تكون في الصدارة، وموقع القيادة.

العوائق الاجتماعية

الحصول على الحرية في دولنا، على خلاف دول أخرى بالعالم، لا يعني فقط إسقاط النظام، بل يعني أيضاً، إسقاط العوائق الاجتماعية أمام المرأة، للمشاركة في بناء الوطن.
تعريف الوطن، حسب بعض الفلاسفة، هو «تلك المساحة من الأرض، والتي يعيش فيها، مجموعة من الناس، بهدف تحقيق حقوقهم وأحلامهم» تحقيق الحقوق هو إذاً نقطة الانطلاق، وليس شكل الأرض ومساحتها واسم عاصمتها.
المرأة العربية المعاصرة، وقد حصلت على مستوى أعلى من التعليم، حتى أنه في بعض الجامعات فإن عدد الطالبات يفوق عدد الطلبة الرجال، وتمكنت أيضا من الحد من الانفجار الديموغرافي، عن طريق تقليل عدد الولادات لكل امرأة (تقريباً وصلنا إلى ثلث النسبة التي كانت في سنوات السبعينيات وبداية الثمانينات في كافة الدول العربية) ما سمح لها بالخروج من البيت والتعلم والعمل، هي الآن مُؤهلة، لقيادة النضال الجماهيري، أكثر كثيراً من الرجل، وسبب ذلك أنها:
أولاً، الضحية الأكثر تضرراً، بسبب القيود الاجتماعية والعادات الذي تقع عليها وحدها، بالإضافة إلى الظلم السياسي العام، فهي إذا الأكثر مصلحة بالتغيير.
ثانياً، لكون الرجل، وللسبب نفسه، أي الأثقال الاجتماعية التي تُشكل سلاسل على قدميه، معاقاً عملياً، ولن يتمكن من صناعة تغيير يؤدي لتحرير النساء أيضا، أي كامل المجتمع.
تجارب الشعوب الأخرى، تُظهر أن هذا النقاش، لتحديد دور المرأة، كان يعني دائماً للرجل، البقاء في البيت ورعاية الأطفال. وبالنسبة للمرأة يعني الخروج من البيت والمشاركة بالنشاط الاجتماعي والعمل، ووضع سؤال حقوق المرأة، داخل الإطار السياسي.
فيما يُسمى ثورة ربيع الشعوب الأوروبية، منتصف القرن التاسع عشر، خرجت المرأة من بيتها وفرضت مشاركتها، رغم رفض الرجال، وأصبحت من بعد، أحد عناصر التقدم الاجتماعي، الذي نرى آثاره اليوم، بكل الدول الأوروبية.
لحظة الثورات على الاستبداد، هي تلك اللحظات التي تتمكن بها المرأة، من إعطاء زخم وحجم لهذه الثورات أولاً، وهي أيضاً من يسمح أن تعي المرأة، مهما كان موقعها ومستواها، حقوقها الاجتماعية.
هذا ما نراه في المشاركة الحاسمة، للمرأة بالثورات الحديثة، ونموذج كنداكات السودان أمامنا.
ما نراه أيضاً من تجارب الماضي، فالشعوب التي تُهمش دور المرأة في النضال، لا يمكن أن تصل إلى إرساء أسس الدولة الحديثة الديمقراطية كما يحصل بجزء كبير من الدول الإسلامية.
ليست المرأة إذاً، إضافة كمية على العمل الثوري، بل هي إضافة نوعية، فالمساواة، وتأمين حقوق الجميع، واحترام الآخر وفتح باب النقاش الاجتماعي، على كل المواضيع مهما كانت، دون أي محرمات وممنوعات، هو نتاج المشاركة النسائية، وليس أحد سمات التفكير الذكوري الأبوي العربي. ولنتأكد من ذلك، يكفي النظر إلى ما يقوله الناس، ذكوراً وإناثاً، على صفحات التواصل الاجتماعي، فالمدافعون في اتجاه الفكر المحافظ، هم أساساً من الرجال، والعكس صحيح.

القبول بنسائية المستقبل

الأجيال الجديدة من النساء، لم تعد لتقبل بهذا الظلم، ومشاركتهن الحالية الفعالة، والثمن المدفوع من دمائهن وحريتهن كما رأينا مع حنان البرعصي وقبلها زهراء سليمان وغيرهن، هو دليل إصرارهن على الوصول إلى التحرر من الاستبداد، ببرامج اجتماعية، تُبنى على قيم حضارة هذا الزمن
لم تعد تقبل هذه الأجيال، أن يُرَحَّل سؤال حقوق المرأة، مرة أخرى لأجل غير مُسمى، أي بعد سقوط الأنظمة، ولا تُلدغ المرأة من جحر واحد مرتين.
نحن إذاً أمام إشكالية مهمة في الوطن العربي، وهي القبول بنسائية المستقبل، فكراً وقيادة. فهو لن يكون مستقبلاً زاهياً، حيث تعم قيم المساواة والحداثة، إلا إذا أخذت المرأة دورها حقاً في حمله وولادته وخصوصاً في قيادته، ونذكر هنا بشعار الناشطات العراقيات، في المظاهرات النسائية، في شهر شباط- فبراير لهذا العام «بَنَاتَك يا وطن».

السياسة الأمريكية الخارجيه بين الأخلاق والمصالح. القدس العربي 18 نوفمبر 2020 نزار بدران

السياسة الأمريكية الخارجية… بين الأخلاق والمصالح

 د. نزار بدران 

لسنا في حاجة لبحث عميق، حتى نعلم أن السياسة الأمريكية الخارجية، في الشرق الأوسط وبشكل عام في العالم، لها دوافع تهم ما يعتبره الساسة الأمريكيون، مصلحة أمريكا العليا.
هل هناك مكان للأخلاق، في العمل السياسي الخارجي، وهل يمكن أن تتغير السياسة الأمريكية، تجاه القضايا العربية وخصوصاً القضية الفلسطينية.
وهل ستكون سياسة الرئيس الجديد، جو بايدن، أكثر أخلاقية من سابقاتها. هذه الأسئلة يجب أن تُطرح، ليس فقط على الساسة الأمريكيين، ولكن أيضاً على صانعي السياسة العربية، والفلسطينية بالتحديد.

التمييز بين الأخلاق والمصلحة

من المنظار الأمريكي، فالتمييز بين الأخلاق والمصلحة لا مكان له، هم يعتقدون أن الدفاع عن المصلحة الأمريكية في العالم، هو ما خوله لهم الشعب الأمريكي، وحملاتهم الانتخابية، يميناً أو يساراً، تُبنى دائماً على اعتبارات داخلية محضة، من اقتصاد وقوانين اجتماعية.
وحدها السياسة الداخلية، من تجمع بين المصلحة والأخلاق، لأن الأحزاب المتنافسة على السلطة، تبحث عن رضى الناخب الأمريكي، والذي في الوقت نفسه، يريد الانتعاش الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
من ناحية أخرى، فإن الترابط الأخلاقي بين السياسة الداخلية والخارجية، يأتي دائماً من الحراك المجتمعي، وليس من الإدارة، فالحرب في فيتنام مثلاً، حركت مئات الآلاف من المتظاهرين الأمريكيين، والمعارضين لتدخل بلادهم، وهو ما أدى بالنهاية، إلى المساهمة بالضغط للانسحاب وانتهاء الحرب.
حتى اللحظة، لم نر أي رئيس أمريكي يصل السلطة، بناء على موقف أخلاقي في السياسة الخارجية. في المقابل فإن كل الرؤساء الأمريكيين، تبجحوا بمواقف أخلاقية، لإعلان سياساتهم الخارجية، بما فيها مثلاً، الحرب على العراق، أو الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
وقد بينت الفيلسوفة آنا أرنت، في كتابها عن حرب فيتنام، بعنوان «من الكذب إلى العنف» مدى كذب الإدارة الأمريكية على مواطنيها، لتبرير التدخل الأمريكي، ثم لتبرير الهزيمة والانسحاب، حيث كان الغطاء الأخلاقي جاهزاً دائماً، لتغليف سياسات لا علاقة لها بالأخلاق، بل فقط بالمصالح.

القضية الفلسطينية

هنالك وجهان بالنسبة للقضية الفلسطينية، للتعامل السياسي مع أمريكا، الوجه الأول عدالة القضية، هذا العنصر لن يؤثر في الإدارة لصالحنا، وإلا لما حصل ما حصل، مع مسلمي البورما أو الصين، من ناحية طردهم أو اضطهادهم، دون ردود فعل دولية، لا غربية ولا إسلامية، وهم أصحاب قضية عادلة، لا يُناقش صحتها أحد. هذا لا يعني أن لا نطرح هذا البُعد، ولكننا يجب أن نطرحه، على الطرف الأمريكي السليم، وهو المجتمع المدني، وليس الإدارة. وحده المجتمع المدني ومنظماته، من يمكن أن يتقبل، ولو تدريجياً، عدالة القضية الفلسطينية، ومن ثم الضغط على حكوماته لتغيير سياساتها، لأننا كما قلنا سابقاً، فإن هذا البُعد لا يمكن أن يكون مؤثراً، إلا إذا ارتبط بالسياسة الداخلية.
نحن نعني نقل هذا البُعد الأخلاقي، من العلاقات الخارجية، مع الولايات المتحدة، إلى العلاقات الداخلية، أي مع المجتمع الأمريكي نفسه، وهو بهذه الحالة، قد يصبح فعالا حقاً. نرى مثلاً تجاوب الجناح اليساري، في الحزب الديمقراطي، مع حقوق الفلسطينيين (السيناتور بيرني ساندرز) ونجاح حملات مقاطعة إسرائيل على كل المستويات، ما دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى محاولة تجريم حركة البي دي إس، أمام قوانين الدول الغربية، ما يُظهر أهمية العمل، من طرف النشطاء بالساحة الأمريكية.
الوجه الثاني للعلاقة مع أمريكا، وهو في نظري الأهم، أن يكون هناك ثمن على أمريكا دفعه، أو مكسب تأخذه، نتيجة مواقف وسياسات، تؤيد الفلسطينيين ولو جزئياً، أو تُعاديهم.
هذا للأسف ما لا نملكه قطعاً، فنحن جردنا أنفسنا، من كل وسائل العمل، حين اختزلنا القضية الفلسطينية في الشعب الفلسطيني، بدل إبقائها قضية العرب الأولى. لا يستطيع الفلسطينيون، أن يُعطوا أمريكا شيئاً، أو يضغطوا عليها بشيء. بينما لو تواجدت، سياسات عربية ولو لبعض الدول، تتبنى كاملاً المنظار الفلسطيني، فقد نتمكن من تحقيق هذه المقايضة، استعمال الموقع الاستراتيجي، الثروات النفطية، التحالفات الدولية، المقاطعة التجارية وما إليه. تداعيات الحظر البترولي السعودي، وبقرار الملك فيصل عام 1973 على الاقتصاد الغربي يؤكد ذلك.

حركات التحرر العربي

اتفاقيات أوسلو، والتي أدت إلى اعتماد المفاوضات، كوسيلة وحيدة لتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني (ولو جزئياً) حرمت هذا الأخيرمن كل أدوات النضال، التي يعترف العالم بها، للشعوب المُحتلة والمُضطهدة، ولم تترك للقادة الفلسطينيين، إلا البُعد الأخلاقي لقضيتهم. ابتعاد دول عربية عدة، عن القضية الفلسطينية، وارتماؤهم بأحضان إسرائيل، جرد بدوره الفلسطينيين، من كل إمكانيات الضغط على الولايات المتحدة، بشكل فعال من منظار المصلحة المشتركة.
الترابط الضروري بين حركات التحرر العربي، من الاستبداد، والشعب الفلسطيني، قد يسمح لنا من جديد، وهو ما نأمله، بوضع يسمح أن نضع الحصان أمام عربة القضية الفلسطينية، أي استعمال إمكانيات الأمة العربية الهائلة، لصالح الضغط على سياسات الولايات المتحدة، ودول العالم الأخرى.
على العمل الوطني الفلسطيني، أن يأخذ في الحسبان، إمكانيات المستقبل على الساحة العربية، وفرضية تغيرات سياسية خلال السنوات المقبلة، وهو ما يجب أن يدفعنا، أن نقترب أكثر، من الحركات الشعبية العربية، وأن نتبنى برامج سياسية، ذات بُعد عربي، لإعادة القضية الفلسطينة، لحضن الأمة، حتى نتمكن من إضافة البُعد الاقتصادي الفعال، إلى جانب البُعد الأخلاقي. في انتظار ذلك، فإن انتشار الديمقراطيات في العالم، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، واتساع رقعة العولمة، والليبرالية الاقتصادية، أدى إلى إيجاد حركات شعبية من المجتمع المدني، وما يسمى بالحركات البديلة، بدول غربية عديدة، ذات فعالية مؤكدة، والتي قد تؤدي، إن استطعنا تفعيلها، لصالح قضيتنا، إلى إيجاد وسيلة ضغط محلية، داخل هذه الدول، لصالح وضع قوانين وسياسات تتناغم مع مصالح الشعب الفلسطيني.
إني أعتقد، أننا لن نسير إلى الأمام، إلا إذا وصلنا، إلى تلاحم هذين البُعدين، المصلحي والأخلاقي، حجم الأمة العربية، حجم التغيرات في المجتمعات المدنية في العالم، الرافعة لمبادئ حقوق الإنسان كمرجعية، سيكونان كفيلان من منظور تاريخي، بإحقاق الحق الفلسطيني، كما حصل في بلاد أخرى، كجنوب أفريقيا.
الرئيس الأمريكي الجديد، ذو الخبرة الكبيرة بالسياسات الخارجية، يفهم بكل تأكيد هذه اللغة، ولا ننسى، أن أول سنتين من حكمه، قد تكون مُكرسة للشؤون الخارجية، بسبب استمرار الجمهوريين، في السيطرة على مراكز السلطة الأخرى (مجلس الشيوخ، حكام الولايات، قضاة المحكمة العليا) وهو ما قد يمنعه، من التركيز على هذا الجزء من رئاسته، على الشؤون الداخلية، في انتظار احتمال استعادة هذه المراكز، لصالحه بعد عامين، عند الانتخابات البرلمانية المقبلة، منتصف ولايته.