غورباتشوف ووهم التغيير

غورباتشوف ووهم التغيير

د. نزار بدران. القدس العربي 04/09/2022

أثار موت أول وآخر رئيس سوفيتي، ميخائيل غورباتشوف، تعليقات عديدة في الصحافة العالمية وفي الأوساط السياسة. فهذا الرجل، كان وبجدارة، رجل القرن العشرين. وما زالت سنوات حكمه الستة، من عام 1985 إلى عام 1991، حيث استقال علناً أمام جماهير الشعوب السوفيتية، ومن على شاشة التلفزيون، بعد أن رفض البرلمان، إصلاحاته الليبرالية الهادفة لربط اقتصاد الاتحاد السوفيتي المُتهالك مع الاقتصاد العالمي. ما زالت تلك الفترة تُلقي بظلالها على مناطق كثيرة في العالم، وآخرها الحرب الحالية في أوكرانيا. لكن هذه السنوات العِجاف، بالنسبة للروس، حيث ازداد الوضع الاقتصادي تدهوراً، بدل أن يتحسن، مع سياسات البريسترويكا، أي إعادة البناء، لم تكن كذلك بالنسبة لباقي دول الاتحاد السوفيتي سابقاً، فكل دول أوروبا الشرقية، عندما تم رفع الغطاء السوفيتي عن قادتها الشيوعيين المُستبدين، انتقلت وبشكل سريع إلى الأنظمة الديمقراطية، والتحقت في معظمها بالاتحاد الأوروبي، وحتى بحلف شمال الأطلسي. أكبر رمز على هذا التغيير الهائل، هو انهيار حائط برلين، عام 1989، والذي كان يرمز للحرب الباردة وتمزق القارة الأوروبية. انتقلت ألمانيا الشرقية لحضن ألمانيا الغربية، وتدريجياً انتقلت باقي الدول، إلى حضن الاتحاد الأوروبي مع ما يُمثل ذلك بالنسبة لشعوبها من نعمة اقتصادية وحرية مُستَعادة. 

في المقابل، لم يستفد المواطن الروسي من أي شيء، لا على المستوى الاقتصادي، والذي زاد سوءا، ولا على المستوى السياسي أو الفساد ولا على المستوى الرمزي مع انهيار إمبراطورية كانوا هم عمدتها. تدريجياً وبسبب ذلك، ورغم الدعم الشعبي في بدايات السنوات الست، إلا أن الأمور عادت إلى أشبه ما كانت عليه زمن السوفيت، خصوصاً بعد وصول الرئيس بوتين خلفاً للرئيس يلتسن المُثير للجدل، الذي أنهى حرية الصحافة، وكافة الحريات المدنية الأخرى، بعد أن كانت في أوجها زمن غورباتشوف، وأغلق وعطل كافة المؤسسات المدنية، مثل جمعيات حقوق الإنسان. أُغلقت أيضاً جميع الأبواب أمام المعارضة، ولم يعُد يُسمَع إلا صوت الرئيس وجوقته الدعائية. الآن وبعد فترة بضعة سنوات من التحسن الاقتصادي، بسبب انفتاح الأسواق الغربية، أمام الغاز والنفط الروسي، نرى غرق روسيا في مستنقع أوكرانيا، والذي لن ينتج عنه إلا الأسوء بالنسبة للروس، وهو خطر تفكك الاتحاد الروسي.

لم يستطع الرئيس غورباتشوف، رغم حسن نيته، في إخراج الاتحاد السوفيتي من محنته الاقتصادية الطاحنة، التي كان يعيشها في منتصف الثمانينات، رغم إنهائه الحرب في أفغانستان عام 1988. لم تستطع إصلاحاته الليبرالية وانفتاحه على الغرب وإنهاء الحرب الباردة، من تعديل هذا الوضع. المصاعب لم تكن قليلة؛ في الداخل هناك تلك الطبقة الموغلة في الفساد والمستفيدة من حكم الحزب الشيوعي منذ سنوات طويلة، لم يكن لها أية مصلحة بالانتقال إلى الديمقراطية والحكم الرشيد، مع ما يعني ذلك من مكافحة سرقة المال العام. كما أنه لم يستطع تحقيق ما كان يُخطط له من الحد من الإنفاق العسكري، وتحويل الميزانية إلى الإنتاج لصالح المواطن، بسبب قوة المُمسكين بهذه الصناعة والمستفيدين منها. من ناحية أخرى لم يكن بالإمكان طلب الدعم من الدول الغربية، ألمانيا مثلا كانت في أوج مرحلة التوحيد (بين شرقها وغربها) ولم يكن المستشار كول، على استعداد أو مقدرة لمد يد العون. رفض أيضاً الرئيس الأمريكي ريغان، دعم غورباتشوف اقتصادياً ومادياً، بسبب تفكك البُنية الاقتصادية للدولة، وكما قال، لم يكن ليضع مليارات الدولارات في بئر بدون قاع. كانت الصين في ذلك الوقت، بزعامة دنج كزاو بنج، في موقف معاد لغورباتشوف، خصوصاً أنه دعم الحركة الديمقراطية فيها، بعد مذابح ساحة تيننمن في بكين، عام 1989، كما أن نموذجه بالإصلاح السياسي، لا يتناسب أبداً مع أهداف وتطلعات الحزب الشيوعي الصيني، الذي لم يكن يركز إلا على الاقتصاد.

رفض الشعب الروسي لسياساته الاقتصادية وخذلان الغرب له، كتب على هذا الرجل الفشل في بلاده نفسها، بينما نجحت سياساته في الدول الأخرى التابعة سابقاً للاتحاد السوفيتي. 

هل من درس للعرب وشعوب الأرض في ذلك؟. بالنسبة لي فالشيء الذي أستخلصه، هو أن التغيير السياسي لا يمكن أن يأتي بدون إرادة شعبية، تكون هي مصدره وموجهته، الإصلاح من داخل القصر لا يقلب الأوضاع، على الأكثر قد يُصلح بعض الشيء، لكنه في النهاية يصبح مضراً. التغيير لا يمكن أن يأتي إلا من القاعدة. دون ثورات عميقة، تُنهي النظام السابق بكل أعمدته، لا يمكن بناء شيء ثابت. هذا ما تعلمناه من ثورة قصر غورباتشوف، وصوله للسلطة، كرئيس المكتب السياسي للحزب الشيوعي، لم يغير شيئاً في هيكلة السلطة السوفيتية المُتحجرة، والتي في النهاية أزالته. أن ما حمله هذا الرجل، للأسف وحَلُم به، هو حلم كل مواطن في روسيا وفي العالم، الحرية والديمقراطية والرفاهية والسلام. كل ذلك لن يتحقق في دولنا العربية، إن انتظرنا المسيح المنقذ، فلا إصلاحات النظام الطائفي في لبنان، ستُجدي نفعاً، ولا تلك التي يقوم بها أمير المملكة السعودية، أو الحكم الانفرادي الحالي في تونس. 

على شعوبنا أن تستعيد حقها الطبيعي، بأن تكون هي مصدر العمل والفعل السياسي، ومن يُحدد ما يجب فعله، ومن يُمثلها لتحقيقه وإعطاءه سلطة مراقبة. وحدها الشعوب، عن طريق الثورات، من يُزيل كل العقبات والصعاب للنجاح.

وما فشل الرئيس غورباتشوف، إلا بسبب نسيانه لتلك المعادلة البديهية البسيطة، لكنه أيضاً لم يكن من موقعه، في قلب السلطة، ليستطيع القيام بثورة، فأعداءه هم بنفس الوقت أصدقاءه، كانوا محيطين به داخل قصر الكرملين، أو كانوا في عواصم الدول الغربية، والذين لم يكن يهمهم إلا الانتصار في الحرب الباردة، وإبعاد الخطر السوفيتي، ودحر الشيوعية.

حرية التعبير والتفكير مقابل حرية التقديس والتكفير

نزار بدران. القدس العربي 29/08/2022

على هامش محاولة تنفيذ فتوى الإمام الخميني بحق الكاتب البريطاني الهندي سلمان رشدي بسبب رواية كتبها قبل أكثر من ثلاثين عاما لم يعجب عنوانها غلاة التدين الإسلامي، فلا أظن أنهم قد قَرَأوها، فهم غير معنيين أصلا بالأدب العالمي، لكنهم وصموها بالكفر، وحق إذن قتل الرجل دون أدنى محاكمة، بالإضافة إلى الأعمال الإرهابية التي حصلت في السنوات الأخيرة في أوروبا ضد دعاة حرية الفكر والتعبير، واستمرارها في بلاد عديدة من بلاد المسلمين كأفغانسان والعراق، وما يواكبها من قتل للمدنيين الأبرياء، والمدافعين عن الحق بحرية الرأي والإيمان. كذلك تراجع الهيئات الرسمية الدينية عن دورها بالاستنكار وإخراج القتلة من دائرة الإنسانية، والاكتفاء باعتبارهم فقط فئة ضالة نرجو من الله عودتها للطريق الصحيح، ظهر للمجال العام إشكالية حق التعبير الحر وحدوده، هل هناك أشياء يمكن التفكير والتعبير عنها وأشياء أخرى لا تقبل ذلك.

المساحة المفتوحة للرأي

في بلادنا من النادر أن نجد من يطرح السؤال عن كيفية تحديد تلك المساحة المفتوحة للرأي والنقاش والتعبير، وتلك المغلقة، وهل هذه المساحات ثابتة مع الزمن وهل هي نفسها عند كل شعوب الأرض.
بداية سأعطي تعريفا للمصطلحات وبعض المفاهيم .
أولا: حرية التعبير هي إمتداد لحرية التفكير فالكتابة أو الكلام أو الرسم أو السينما هي إمتداد لفكرة أو معتقد داخل الدماغ ، التفكير يسبق إذا التعبير وحرية الأول يحدد حرية التالي والعكس صحيح.
ثانياً: في المقابل فالمقدس هو ما يرفض أن يكون موضع نقاش وهو مرتبط عضويا بمفهوم التكفير فمثلا وجود الله أو الجنة وأشياء أخرى كثيرة هي رمز واضح لما هو مقدس عند المسلمين، الشيء نفسه عند المسيحيين كاليسوع أو الصليب، الشيء نفسه عند الهندوس والبوذيين الذين يقدسون تماثيل بوذا وأشياء أخرى عديدة. لكن استعمال الدين كمصدر للسياسة والتقنين المجتمعي أضفى على تلك القوانين ثياب القدسية وأخرجها من دائرة الفكر والنقاش العام، وسمح بفرض ما تشاءه السلطة من نوعية وشرعية وأساليب الحكم تحت غطاء القدسية وبدون الرجوع إلى النقاش الاجتماعي، الخروج عنها أصبح تحت طائلة التكفير والعقاب وليس إبداء رأي مخالف.

تتسع حرية التعبير عند اتساع دائرة حرية التفكير، وتتراجع المقدسات، والعكس صحيح، فكلما زاد المنطق الغيبي المبني على ما يعتبره المدافعون عنه مُقَدَّسا، تتراجع حرية التفكير وتكبر دائرة التكفير.
هذا ما حصل في أوروبا في الثلاثة قرون الأخيرة، وهو إخراج الدين من السياسة والعمل المجتمعي، وهو ما سمح بوضعهما في إطار النقاش العام، وتحديد القدسية بحيز صغير.

إعمال العقل

هذا كان فكر إبن رشد او ما يقال عن المعتزلة ومبدأ الشك الذي تبنوه، إعمال العقل في كل شيء وحرية الاختيار بعيدا عن المقدسات والمحرمات.
في العالم الإسلامي يُرْفَض القبول بالتفكير بأهم ثلاثة أشياء:
أولاً: قدسية الدين مع أنه في الوقت نفسه يقنن حياة الناس أي الشريعة، فالمقدس هو بالتعريف خارج النقاش لذلك لا تُعَلَّم الفلسفة في المدارس لأنها لا تقبل الغيبيات والمقدسات.
ثانياً: السياسة لأنها حكر على السلطة وَيُعَلِّمُوا أطفالنا دائما عدم الحق في التدخل في السياسة، فشرعية الحاكم جزء من الأشياء المقدسة، وفي معظم الأحيان يحكم بإسم الدين.
ثالثا: الْمُحَرَّم الكلام فيه نهائيا هو الجنس، فنعيش في أوهام طبيعة الجنس الآخر، وما يحق ولا يحق دون أدنى دراية مما يزيد الكبت والتحرش، وانتقاص حقوق الأضعف أي المرأة. في بلاد المسلمين حرية التعبير هي بمستوى حرية التفكير المسموح بها، هي إذا شبه معدومة، إلا إذا عشنا في بلاد الغرب لنتمكن من الكلام. جزء كبير من وسائط الإعلام العربية تصدر من الدول الغربية، بما فيها الإعلام القريب من الفكر الإسلامي. عندما نكون هكذا، يخرج المحرومون من حق التعبير والتفكير في بلادنا، الملتزمون فقط بالمقدسات الدينية أي التي يمنع التفكير بها، يخرج هؤلاء ليشرحوا للغرب منابع وأساليب التعبير السليم، نحن حقا نعيش في عالم وحدنا، وكأن الإنسانية لم تقاتل وتضحي منذ قرون لاسترجاع حقها باعتبار حرية الفكر المستقل خارج الأطر الغيبية، كان إبن رشد ومدرسته تدافع عن ذلك في القرن الثاني عشر ودفع الثمن لشيوخ زمنه وتم نفيه. ولكن فكره هذا عندما وصل أوروبا بعد سقوط الأندلس، مَكَّنَهَا من البدء بزمن التنوير، وهي التي كانت في القرون الوسطى تعيش ويلات الحروب الدينية.

الفكر النَّيِّر

هل سنسترجع فكر إبن رشد أم سنستمر برفضه كما نفعل منذ ثمانية قرون. إن أردنا ذلك فهذا الفكر النَّيِّر هو ما نراه اليوم في الغرب وفي جزء كبير من دول العالم المتحضر، واسترجاعه هو حق أصيل لنا، فنحن من ترجم أرسطو ومن فسره للغرب، وَطَوَّرَه على يد وفكر العلامة إبن رشد وآخرين.
عندما توضع المقدسات والمحرمات مكان الفكر، يصبح التعدي والقتل أحد وسائل التعبير الحر، كما عشناه على أجساد أبنائنا وأهالينا مع التنظيمات المتطرفة كداعش والقاعدة في سوريا والعراق وغيرها، أو كذلك منع الرسم الحر، وناجي العلي كان نموذجا لذلك. هذا الخلط وعكس المفاهيم المنطقية واضح للأسف من كلام وكتابة العشرات من كتابنا الذين يتفهمون دوافع الجريمة تحت حجة تعبير «أدين الجريمة ولكن…» هكذا يعطى المجرم أو أي مختل شرعية عمله وتشجيعها، لأنه يعتقد أنه يقوم بعمل نيابة عن ملايين المسلمين فيصبح أمام نفسه بطلا، ويعتبره كذلك آلاف الناس ألبسطاء. يكفي أن نتابع وسائل التواصل الاجتماعي لنرى الكم الهائل من رسائل الدعم والتفهم والتشجيع لهذه الأفعال المشينة.
مسؤولية من يعتبر نفسه مؤثرا في الرأي العام كبيرة جداً، ويجب أن لا نكتب ما يمكن فهمه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، كتشجيع وتشريع للقتل. في آخر تغريدة لمهاتير محمد رئيس ماليزيا السابق ذي الشعبية الساحقة عند المسلمين، بعد مقتل أستاذ فرنسي على يد شاب شيشاني داعشي، لم يتوان عن تشريع قتل ملايين الفرنسيين، هو نموذج لهذا الانحراف الذي يسقط به بقصد أو غير قصد قادة الرأي العام.
الإمام الخميني ملهم الثورة الإسلامية عاش عشرين عاما في فرنسا حليفة الشاه في زمنه ولم يمنعه أحد من نشر فكره المحرض على الثورة، بينما كان إصدار فتوى إعدام سلمان رشدي من أول قراراته بعد عودته لإيران وما تلاه من اجتثاث أقرب المقربين له مثل الرئيس الأول لإيران أبو الحسن بني صدر لعدم امتثالهم التام لمقدساته.

تحطيم الوجدانية أو الضربة القاضية /القدس العربي 26/07/2022

تحطيم الوجدانية أو الضربة القاضية

 د. نزار بدران

هناك الكثير ما يمكن قوله بشأن فوائد التجمع على التفكك والوحدة على التمزق؛ المصالح الاقتصادية ، تكاتف الإخوة لحماية الديار، فتح الحدود لعبور الأفراد والبضاىع، حرية العمل والتعلم ، حرية الاستثمار، بناء السلم والسلام، واشياء عديدة جدا تفسر تماما لماذا تجمعت سبع وعشرون دولة لإقامة الاتحاد الأوروبي ، كذلك تجمع دول أمريكا الجنوبية أوتجمع دول أمريكا الشمالية.

إقامة تكتلات واسعة

نحن إذا أمام ظاهرة لإقامة تكتلات واسعة، وما دعم الغرب لأوكرانيا بالمال والسلاح إلا أحد ظواهره. الاسباب الوجيهه تبدو كالشمس ليست في حاجة إلى شرح وتبرير.
العرب يشكلون في هذه الظاهرة استثناء عجيبا ، فهم بالإضافة لكل ما ذكرنا من أسباب، تجمعهم أيضا عوامل إضافية مهمة جدا، في غالبيتهم الساحقة تجمعهم وحدة اللغة ، ووحدة التاريخ ، وللغالببة العظمى وحدة الانتماء الديني، هذه العوامل الأخيرة لا نجدها في مناطق أخرى في العالم ، فدول أوروبا تتكلم لغات عدة، حتى أن في داخل بعض دولها مثل بلجيكا أو سويسرا يتكلم الناس لغات مختلفة.
ولكن أهم شيء يميزنا هو ما أسميه وحدة الوجدان. وحدة الوجدان هذه تعني أنني أشعر بالآخر وكأنه جزء مني وأنا جزء منه ، نحب ما يحب ونكره ما يكره ، يترجم ذلك بحبنا كلنا للغناء والموسيقى العربية من أي قطر أتت ، نحب كلنا الأكل العربي مهما كان موطنه، نحب الأدب والشعر العربي، نحب الهندسة المعمارية العربية.
نحن أصدقاء لشعوب عديدة مثل الأتراك أو الإيرانيين ونتمنى لهم كل خير، ولكن لا تجمعنا معهم وجدانية مشتركة.
لكن أوضح شكل لهذه الوجدانية هي تضامننا كشعوب عندما يعتدى علينا ، لن تجد من سيقف مع المعتدي من أبناء الأمة ( باستثناء الأنظمة).
كنا كلنا لبنانيين عندما غزت إسرائيل جنوب لبنان ، وعراقيين عندما كان المعتدي إيران أو الولايات المتحدة.
وكلنا فلسطينيون في حروب غزة المتعددة، كل إنسان في هذه الأرض العربية الواسعة يرى أن تضامنه الوجداني العاطفي مع فلسطين هو حاصل تحصيل وليس بحاجة لشرح الأسباب والعلل لذلك ، الوجدانية ليست بحاجة لتبرير ومصالح مشتركة ، هي مثل الحب تعبير مباشر من القلب، وما إقالة الوزيرة الأميرة التي رفضت لقاء المسؤولين الإسرائيليين في البحرين إلا أحد مظاهره المشرفة.

الأنظمة العربية

قد يسأل القارئ لما هذا الإصرار على هذا الجانب ونحن نريد أن نحكم العقل أولا. الجواب أن الأنظمة العربية حطمت كل عوامل الوحدة التي ذكرناها في البداية، وتفرض علينا التفرقة والتناقض وتقوي كل أشكال الطائفية والنزاعات الداخلية، فلا اقتصاد ولا حدود نحميها بل دول على شكل سجون. لكنها لم تستطع أن تحطم وتجزئ وجدانيتنا الواحدة.
هنا اكتشف أنني كنت مخطئا في تقديري هذا، لأن قيادات الشعب الفلسطيني وفئات من مثقفيه والذي هو مركز هذه الوجدانية لم تجد حرجا في وضعنا خارج الوجدانية العربية تحت حجج واهية ، ماذا يعني العودة لحضن الأسد ، وهل هذا ما ينتظره الشعب السوري من أخيه الفلسطيني، قبل ذلك الارتماء باحضان النظام الإيراني.
أليس ذلك هي أحسن وسيله لتحقيق أمل إسرائيل بإبعاد الشعوب العربية عن الشعب الفلسطيني ، ألا تفسر هذه اللامبالاه بآلام إخوتنا في سوريا او مناطق اخرى ابتعادهم عنا ، هل التنسيق الأمني مع إسرائيل من جهه ومع القوى الفاشية في المنطقة من جهة أخرى، والوقوف مع الأنظمة ضد الشعوب أليس ذلك سببا بانهيار شارع الدعم العربي لفلسطين ، لم نر أحدا ما عدا القلة القليلة تحتج في العاصمة المغربية على زيارة رئيس الأركان الإسرائيلي ، ولا الزيارات المتعددة لمسؤولين إسرائيليين للدول المطبعة، ونحن كنا أول من ذهب ليهنئ ويدعم الوزير الأول المغربي حين وقع اتفاقيات التطبيع برعاية أمريكية، في محاولة فاشلة لانقاذه عن طريق تفعيل الوجدان الفلسطيني للشعب المغربي.
الوجدان المشترك هو كالإسمنت يلصق قطع الطوب بقوة لنبني بيتنا الواحد، هذا واضح جدا في الوجدان الأمريكي وما يعطي القوة لهذا البلد ، كل الأمريكيين فخورون للانتماء لهذا البلد مهما اختلفت ألوانهم، وينحنون أمام علمها، هو الوجدان المشترك من ينقص حاليا في أوروبا ويجعل بناءها هشا رغم نجاح الاتحاد الواضح في المجال الاقتصادي ، كما رأينا مع انسحاب بريطانيا.
هو حالياً يعود للحياة مع الاعتداء الروسي على أوكرانيا وتهديد أمن اوروبا، والذي أعطى الشعور للمواطنين الأوروبيين أنهم في قارب واحد.
الوجدان الواحد يقوى أمام الأزمات والحروب في كل بلاد العالم ، إلا على ما يبدو في بلادنا ، فكلما اعتدي علينا وسرقت أراضينا وهجرت شعوبنا ، كلما زدنا فرقة.
نحن نعيش الآن محاولة جادة وتنفذ بأيدينا لتدمير الوجدان العربي المشترك، والذي كان آخر مظهر من مظاهر التضامن، تشارك فيها ليس فقط الأنظمة المستبدة ولكن أيضا من يدعون الدفاع عن فلسطين وشعبها، هو كمن يحل الصمغ أو يزيل الإسمنت، والذي دونه لن نستطيع بناء أي شيء صلب ودائم.

طفولة الشعوب. القدس العربي 17/07/2022

طفولة الشعوب

طفولة الشعوب
نزار بدران

لم يكتف مؤسس علم النفس الحديث سيجموند فرويد بشرح أعماق النفس البشرية وما تحتوي من تناقضات، بل وسع ذلك إلى المجتمعات وليس فقط الأفراد. حاول فرويد إسقاط مفهوم طفولة الأفراد وتطورهم التدريجي نحو البلوغ على المجتمعات الإنسانية، ما يميز الطفل عن البالغ هو الحرية التي يتمتع بها هذا الأخير والمسؤولية التي تنبثق عنها ، أي المقدرة على تحديد ما يريد بنفسه والعمل الجاد على تحقيقه. الطفل لا يمتلك هذه الإمكانية، هو تحت رقابة والديه اللذان يحددان له ما يجب أن يفعل أو ما يجب الامتناع عنه. لذلك هو فاقد للحرية وبنفس الوقت لا يحمل أية مسؤولية. والداه يجازيانه إن نجح ويعاقبانه إن فشل. مقابل ذلك فهما يؤمنان له الحماية وكل مقومات الحياة.
طفولة الشعوب عند فرويد تعني عدم تمكن شعب ما من تحمل مسؤولية حياته، هو يبحث دائما عن أب يحميه ويتحمل مسؤولية ما يحصل له. فرويد يفسر هكذا كثيرا من المعتقدات الغيبية، والتي تحدد للانسان ما يجب أو ما لا يجب عمله، دون الحاجة إلى تحمل عناء التفكير بنفسه، مع ما يتبع ذلك من جزاء أو عقاب. بدأت طفولة الشعوب هذه بالانحسار في الأزمنة الحديثة، بعدما سادت البشرية قرونا طويلة، وبدأت شعوب كثيرة تصل إلى مرحلة البلوغ. هذا يعني أن هذه الشعوب بدأت تحصل على حريتها، وما ينتج عن ذلك من تحمل مسؤولية نفسها. هي تقرر مصيرها ولا تنتظر عقاب أو جزاء أحد، ولم تعد تبحث عن أب يحميها ويتحمل مسؤولية فشل أعمالها.

هل وصلت الدول العربية إلى هذه المرحلة؟ وهل تحررت من مرحلة الطفولة، هل استرجعت حريتها وواجب تحمل مسؤولية نفسها. لو أردنا استكشاف ذلك مما يكتبه الذين يعتبرون أنفسهم مفكري الأمة وممثليها على المستوى الثقافي والفكري والسياسي ، فإننا قد يراودنا بعض الشك.
مثلا لا حصرا ، بعد ستين عاما من استقلال الجزائر، وطرد المستعمر إلى لا عودة، ما زالت السلطة الجزائرية تحمل فرنسا بشكل خاص مسؤولية فشلها الاقتصادي وفقر حال المواطن، وتتهمها بالوقوف وراء الاحتجاجات الشعبية التي عمت البلاد. في المقابل نرى قوى المعارضة السياسية تتهم السلطة بدورها التبعية لفرنسا. وما زال الشعب الجزائري يحاول بنفسه مباشرة استرجاع حقه بتحمل مسؤولية نفسه ، والشعوب قادرة على ذلك. نفس الشيء تقريبا نجده في أماكن متعددة حتى أن جزءا من الطبقة السياسية اللبنانية لم يتوان عن طلب تدخل فرنسا المستعمر السابق لحل مشاكله مع شعبه، معلنا بهذه الطريقة تصرفا طفوليا غير مسؤول. هذه الوضعية تناسب بكل تأكيد اطراف السلطة أولا ، لأنها تبعد عنهم مسؤولية الدمار الذي يحل في بلادنا بسببهم، فدمار سوريا ليس نتيجة براميل النظام ، وإنما بسبب المؤامرات التي حاكها المستعمرون.

في المقابل لو قرأنا قليلا عن الهند، والتي عانت من الاستعمار البريطاني لقرون طويلة (1757–1947) ، فإننا لا نرى أحدا يتهم بريطانيا بمآسي الهند الحالية ولا حتى تقسيمها عند الاستقلال، هي الآن أحد دول مجموعة العشرين وتعرف أعلى معدل نمو بينها منذ عام 2014. الصين أيضا تم استعمارها من قبل دول غربية عدة ، ومن اليابان. لا أظن أنني بحاجة لاذكر القارىء بمكانة ونضج الصين حاليا والتي تعامل اعتى الدول من مفهوم الند. على مستوى أقل، دولة مثل فيتنام ، وهي تشبه بحجمها كثيرا من دولنا العربية، عانت كثيراً من الاستعمار الفرنسي ثم الحرب الأمريكية لسنوات طويلة، هذا لم يمنعها من أن تدخل مجموعة ما يسمى نمور آسيا الناشئة ، معظم إنتاجها يصدر للولايات المتحدة عدوها السابق ، ومعظم قطاعها السياحي المزدهر موجه للسياحة الأمريكية، لا أحد في فيتنام يضيع وقته بتوجيه اللعنات والدعوات بالموت لأمريكا.
هذه علامات نضج الشعوب وبلوغها سن الرشد. تلك التي تخرج من عباءة المحتل لتبني نفسها، وتتحمل مسؤولية ذلك ، نحن خرجنا من السيطرة الغربية (باستثناء فلسطين)، ولكن بقينا اطفالا، نفتقد الشعور بالمسؤولية تجاه أنفسنا، ونكتفي بالشكوى والعويل.
هذا لا يعني ان ننسى تاريخ الماضي، وما يعلمنا من عبر، ولكن لا يصح استعماله فقط من أجل التهرب من مسؤوليتنا في أزمات تاريخنا الحاضر.

لتوضيح ماهية النضج وماهية الطفولة، يكفي أن نقارن كيفية تعاملنا وتعامل الدول الناضجة في مواجهة نفس النوع من الأزمات. النموذج الأول هو إشكالية اللجوء. كيف تصرفنا نحن دولا وشعوبا مع اللاجئين أبناء جلدتنا ولغتنا وديننا، الهاربين من جحيم الحرب في سوريا والعراق مثلا أو الهاربين من الفقر والبؤس في دول أخرى، وكيف تصرفت الدول الغربية وشعوبها مع اللاجئين القادمين بظروف مشابهه تماما من اوكرانيا، هم لاجئون أوروبيون ينتمون للثقافة والفكر الغربي في جميع نواحي حياتهم مرشحين للالتحاق بالاتحاد الأوروبي. تصرفنا مع لاجئينا كان هو حجزهم وإخراجهم من سوق العمل، وحتى وضعهم داخل مخيمات أقرب للسجون ، تنتظر المعونات الدولية ، من استطاع هرب وذهب بأي وسيلة إلى دول الغرب. أما الدول الغربية مع اختلاف لغاتها وأوضاعها الاقتصادية فقد استقبلت اللاجئين الأوكرانيين كأبنائها. ومنحتهم الحق في الإقامة والعمل ، بالإضافة للدعم المادي وادخال أبنائهم المدارس وغير ذلك كثير. كيف ينظر المواطن اللبناني إلى أخيه اللاجىء السوري أو الفلسطيني، ينظر إليه كمنافس خطير على لقمة العيش، بلا أدنى حقوق إنسانية، والدولة اللبنانية لا ترى فيه إلا خطرا على التوازن الطائفي.
النموذج الآخر هو كيف تصرفت الدول الغربية مع الهجوم المدمر الروسي على أوكرانيا، وكيف تعاملت الدول العربية مع نفس الهجوم الروسي على سوريا. كثيرا من المواقف العربية الرسمية ومجموعة كبيرة من دعاة الفكر والأدب وحتى افرادا بسطاء وقفوا إلى جانب المحتل في موقف غريب جداً, بينما تقف كل الشعوب الأوروبية دون استثناء وبكل مكوناتها واتجاهاتها الفكرية من أقصى اليسار الى اقصى اليمين وحكوماتها مع الشعب الأوكراني، وتزوده بكل ما يحتاجه.
أخيرا كيف تتعامل الدول العربية مع الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تهم المواطن العربي، وكيف تتعامل الدول الغربية في ظروف مشابهة. في أوروبا يجري توحيد الطاقات كما رأينا مع جائحة كورونا، الحدود الداخلية لدول الاتحاد مفتوحة دائما، توحيد سوق العمل وقوانينه، لا حدود أمام من يود الاستثمار العمل أو التعلم. مقابلها في بلادنا، حدود حديدية لا يمكن تجاوزها، وما يؤدي ذلك من استحالة إقامة أي مشاريع مشتركة واضاعة ملايين من فرص العمل.
أن ننتقد الغرب لأنه لم يستقبل اللاجئ السوري أو العراقي أو الأفغاني بنفس الطريقة التي استقبل بها اللاجئ الأوكراني، هو ناتج عن عقدة عربية خاصة بنا دون غيرنا، وهي أن على الغرب مسؤولية حل مشاكلنا وليس مسؤوليتنا نحن،. الحرب في أوكرانيا هي حرب في أوروبا ويتحمل الغرب المسؤولية في التعامل مع نتائجها، وهو يقبل من أجل ذلك ان يدفع الثمن من رفاهيته ومستوى معيشته. علينا نحن كشعوب وحكومات أن نواجه مشكلة الحروب الداخلية واللجوء والهجرة في بلادنا ، وليس الاكتفاء فقط بتصديرها إلى أوروبا.
حياة الأمم مثل حياة الأفراد تمر دائما بمرحلة طفولة، قد تطول أو قد تقصر، ولكن يجب أن تنتهي. معظم شعوب العالم حولنا نماذج لما وجده فرويد في علمه، ودليل على صدق استنتاجاته.








توقعات نهاية الحرب في اوكرانيا. القدس العربي 19/5/2022

توقعات نهاية الحرب في اوكرانيا

د. نزار بدران

هل من إمكانية لتوقع كيفية إنتهاء الحرب الروسية على أوكرانيا، والتي يبدو أنها ستطول كثيراً. يوحي الوضع الحالي، والتصريحات الرسمية، للمسؤولين الروس، أنهم رغم إنهاك جيشهم وخسائره الكبيرة، مصرون على الاستمرار حتى ولو اضطروا إلى استعمال الوسائل النووية، وما تحمل من نتائج كارثية على الإنسانية جمعاء وكوكب الأرض.

كيف لنا في هذه الغابة الشائكة، من الاحتمالات المتناقضة، أن نتوقع المستقبل، ولو القريب منه. هل الغرب على استعداد لدعم أوكرانيا إلى ما لا نهاية، وهل الصين ستبقى على موقفها المتفرج، البعيد حقيقة عن التحالف مع روسيا. لا نرى حتى اللحظة، إلا زيارات رؤساء ومسؤولي الدول الغربية إلى كييف، وإعلان جزء كبير منهم، عن النية لإيقاف بوتين وفرض الهزيمة الكاملة عليه. هل هذا حقاً موقف استراتيجي، أم تكتيكي، في انتظار عودة الخطاب الروسي إلى نبرة أقل حدية. ما أظنه شخصياً مربط الفرس، في هذه التوقعات، هو تحديد طبيعة النظام الروسي، فهي من سيُحدد مدى استعداد الجيش الروسي، السير بالحرب رغم الصعاب أو التوقف. 

الأنظمة السياسية المستبدة، والتي ينتمي إليها بوتين، (رغم انتخاباته المشوهة، حيث لا وجود لأي معارض)، ليس لها جميعا نفس اللون. هناك بتقديري على الأقل ثلاثة أنواع؛ الأول ذلك الذي يتبع مبدأ العقد الاجتماعي، على طريقة توماس هوبز. أي تخلي الناس عن حريتهم بإرادتهم لصالح النظام المُستبد، مقابل تأمين هذا النظام لهم الأمن والسلام والازدهار. هدفه الأساسي، إنهاء الصراعات الداخلية. هذا النموذج ينطبق على الصين، فهو ينطلق دائماً من مصلحة الشعب والدولة الصينية، من منظار المستولين على السلطة. فرغم مذابح تينن من، عام 1989، وقمع المعارضة، إلا أن الصين تؤمن لمواطنيها السلم والأمن والتقدم المستمر.

النموذج الثاني، هو الأنظمة العقائدية، وهي شديدة الخطورة، لأنها لا تبحث عن حماية الدولة والشعب وتأمين الحياة الكريمة، وإنما إلى انتصار فكر عقائدي معين. مثال ذلك الاتحاد السوفيتي سابقاً، أو كمبوديا بول بوت، أو حديثاً، الأنظمة الدينية كما نرى في إيران أو أفغانستان. المهم هو تطبيق ما يظنونه أفكار ماركس هنا، أو الشريعة هناك، رغم كل ما تؤدي إلى تناقض مع مصالح الشعب بالأمن والسلام والحياة الكريمة.

النموذج الثالث، هو ذلك النظام المافيوي، المبني على استيلاء مجموعة من أصحاب النفوذ على السلطة، لصالحهم الخاص فقط، دون اي اعتبار لأي عقيدة أو أي مصلحة وطنية. هدفهم الوحيد هو الاستحواذ على موقع القرار، وما الدولة والشعب، إلا وسائل لتحقيق هذه المصلحة، دون أي اعتبار للأمن والسلم الداخلي، أو ازدهار البلاد وتطورها. هذا للأسف، يُعبر عن الأوضاع في كثير من الدول العربية، خصوصاً ذات الثروات المعدنية أو النفطية، والتي لا يهم السلطة فيها، إلا سرقة هذه الثروات لصالح المسؤولين فقط. وهو ما يُؤدي إلى إفقار المواطن وإضعاف الوطن، مقابل زيادة غناء أهل السلطة وعملائها.

من هذا المنظار، كيف لنا أن نصنف نظام بوتين. هل هو عقائدي (كما كان مثلاً هتلر أو ستالين)؟. أم ينتمي إلى عائلة الدول ذات العقود الاجتماعية، حتى ولو كانت على طريقة هوبز. الناظر لبوتين ومن أين أتى، وما فعل منذ وصوله للحكم، بعد أن ورثة عن يلتسن، مقابل صفقة حماية له. يُلاحظ انتماء هذا الأخير، إلى العائلة الثالثة، أي الأنظمة المافاوية. هو لا يملك عقيدة سياسية معينة، ينتمي لأقصى اليمين وأقصى اليسار بنفس الوقت، وهو ما يُفسر دعم هؤلاء له في كل دول العالم، وتسميته بالرفيق عند بعضهم، رغم احتضانه من كل أحزاب وحكام اليمين المتطرف في العالم، كما نرى مع ترامب وبولسنارو ومارين لوبين. هو لم يؤمن للشعب الروسي الحد الأدنى من الحياة الكريمة، عندما نرى مدى تراجع القوة الشرائية للمواطن، وتخلف البلاد على كافة المستويات، بما فيها التغطية الصحية، والصناعة، رغم الدخل الهائل الناتج عن بيع الغاز والنفط. فكل الصناعة التي ورثها عن الاتحاد السوفيتي، موجهة فقط نحو السلاح. هي إذاً دولة ريعية بامتياز، هذا الريع كما نرى، يذهب إلى طبقة الأوليغارك الروسية، وليس إلى جيب المواطن.

لو عدنا من جديد إلى توقع نتائج الحرب، فإننا نرى، أن الأنظمة العقائدية مستعدة للذهاب إلى الهاوية والدمار، كما فعل هتلر في زمنه، وكما تفعل إيران وأفغانستان حالياً. بينما النظام المبني على العقد الاجتماعي، على الطريقة الصينية، يبقى عقلانياً، لا يمكنه تدمير البلاد والعباد، فقط لإرضاء شخص أو مجموعة من المتسلطين. في المقابل، محرك النظام المافيوي الأساسي هو البقاء في السلطة، مهما كان الثمن، وكل ما يفعله يصب في هذا الاتجاه. الحرب على أوكرانيا، تهدف أساساً، إلى إبعاد خطر وجود ديمقراطية في جوار روسيا، قد تكون مصدر عدوى لشعبها، حتى أن بوتين فعل نفس الشيء في دول غير مجاورة بعيدة، مثل سوريا. كل التدخلات الروسية في إفريقيا، هي أيضاً بنفس الهدف، أي دعم الأنظمة المافياوية المشابهة وإبعاد خطر الديمقراطية، هو ما يُسميه أصدقاء بوتين «إنهاء السيطرة الغربية، وإقامة نظام متعدد الأقطاب»، بينما في الحقيقة، الشيء لا علاقة له لا في الغرب ولا في الأقطاب. الهدف هو فقط إحكام السيطرة على روسيا وشعبها.

ماذا يمكن لبوتين عمله الآن، وهو يواجه ما لم يتوقعه في مشروعه الأوكراني، والذي حطم صمود شعبها، أحلامه الوردية. هل سيتصرف كدولة مثل الصين، أي البحث عن مصلحة الشعب الروسي. هذا ليس في وارد وفكر هكذا النظام، أم سيذهب للنهاية، وتطبيق منطق (علي وعلى أعدائي يا رب) كالأنظمة العقائدية، هذا أيضاً ليس ممكناً، فهو لا يُدافع عن عقيدة معينة. وليس عدائه للغرب إلا حجة واهية يُقدمها فقط للشعب الروسي، ليبقى مكبل اليدين. كل ناهبي ثروات روسيا، قطط بوتين السمينة، لا يستثمرون أموالهم المنهوبة إلا في البنوك الغربية والأمريكية خصوصاً، وليس في الاقتصاد الروسي.

ما أتوقعه أن يدخل بوتين في مربع النظام العراقي لصدام حسين، أي إنهاء الحرب، دون رفع العقوبات كاملة، ودون أي انتصار لبوتين، لكن مقابل ألا يعمل الغرب على إسقاطه من السلطة؛ هدفه الوحيد. هم أصلاً غير راغبين في ذلك، فقد فشلت هذه السياسة في مناطق أخرى في العالم. ولا أظن أنهم مهتمون حقاً، في تغيير شكل النظام الروسي. تاريخ الغرب الحديث، يُظهر أنهم لم يقدموا أي دعم حقيقي للمعارضة الروسية، بل العكس، تعاملوا مع بوتين كشريك موثوق به، وسكتوا عن كل جرائمه السابقة، داخل وخارج روسيا.

بعد انتهاء الحرب، ستبقى روسيا محاصرة بحجة جرائم الحرب وانتهاك حقوق الإنسان في أوكرانيا، واحتلال شبه جزيرة القرم، ولكن سيبقى نظام بوتين جاثماً على صدور الروس. الحل الوحيد لهذه المصيدة، التي تقع فيها روسيا، هو أن يتحرك أبناؤها، للتخلص من العصابة التي تحكمهم منذ أكثر من عشرين عاماً، ولم تؤدي، كما قالت الصحفية الروسية المعارضة انا بوليتكوفسكايا والتي اغتالها بوتين عام 2006، إلا إلى الهاوية السحيقة.

دول الغرب، ستضم أوكرانيا لها، وسيتوسع ويقوى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، عكس ما يوهم به بوتين شعبه، وستعود الحياة العادية للعالم، ولن يجد بوتين حلفاءً يحمونه و يدعمونه، فحجم روسيا الاقتصادي لا يسمح بذلك. القوة النووية، لا يمكنها تغيير شيء. هي لا تصلح إلا إلى الإحكام على الشعب الروسي والانفراد به، كما يفعل كيم جونج أون في كوريا الشمالية. 

محبو وداعمو بوتين، من مثقفي الأحزاب اليسارية العربية، أظهروا بمواقفهم الغريبة، مدى إصابتهم بالعمى السياسي. وأضاعوا تلك الفرصة للعودة من جديد، لصف الشعوب المناضلة من أجل طرد المُحتل مهما كان وفي أي مكان كان. خصوصاً وأننا رأينا ونرى دائماً، ما يفعل المُحتل الروسي الشرس، في مدن عربية عزيزة على قلوبنا جميعاً مثل حلب. وما أظهره من عنف لا حدود له ضد السكان المدنيين العُزل في سوريا والشيشان. هل هكذا نظام ممكن أن يكون موضع دعمنا، وهو يدمر أعز ما نملك. سينتصر الشعب الأوكراني الشجاع لا محالة، كما فعلت قبله كل الشعوب الشجاعة، من الجزائر إلى فيتنام، وسيشكل ذلك بالنسبة لنا عودة للأمل من جديد في سوريا ومن بعدها شعلة الربيع العربي. 

التحالف الصيني الروسي… حقيقة أم خيال / القدس العربي 08/04/2022

التحالف الصيني الروسي… حقيقة أم خيال؟

 د. نزار بدران

مع استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا وتزايد أعداد اللاجئين الفارين إلى دول الجوار الأوروبي، واكتشاف فظاعات الحرب على السكان المدنيين، كما رأينا مع القتلى المدنيين في مدينة بوتشا وحصار ماريوبول، يتساءل الكثيرون إن كان هناك دور لدولة بحجم الصين لإنهاء هذه الحرب، ووضع حد لنتائجها الكارثية.
الأمل المعقود على الصين مرتبط بما يتصوره بعض الساسة، من وجود تحالف صيني روسي. الإعلان المشترك في بداية الألعاب الشتوية الأولمبية في بكين، يدل على ذلك، حيث أعلن الرئيس الصيني كسي جنبنج أن العلاقات بين البلدين قوية كالصخر.
هل هذه العلاقة هي بهذه القوة حقا ؟ وهل تاريخ العلاقات بينهما يوحي بمثل هذا التحالف المعلن.
ما يربط البلدين هو في الحقيقة صداقة «كاذبة» ولكنها غامضة، كاذبة، لأنها مبنية فقط على كرههما المشترك للأنظمة الليبرالية الديمقراطية، ولكل الثورات الديمقراطية في العالم.

مرتزقة فاغنر

حرب سوريا وحالياً أوكرانيا تقعان في إطار قمع هذه الثورات. تواجد مرتزقة فاغنر في بقاع عديدة في العالم كذلك. ضغط بكين المستمر على هونغ كونغ وتهديدها لتايوان هو بنفس الهدف. يتقاسم النظامان أيضا رغبتهما للثأر من ماض قريب، والخوف من التحالفات الجديدة، خصوصاً في جنوب المحيط الهادئ بقيادة الولايات المتحدة. كذلك رغبتهما في إيجاد عالم آخر جديد خارج الغرب.
لكننا أيضا نرى غموض هذه العلاقة، فالصين لم تصوت لصالح روسيا في الأمم المتحدة في إدانتها للغزو الروسي.
هناك غموض أيضا في علاقتهما الاقتصادية؛ لا ترى الصين روسيا كموقع أساسي لمشروعها الاقتصادي، فهي تنظر إلى الشرق، بينما تنظر روسيا نحو الغرب. حجم التجارة الخارجية للصين مع روسيا لا يتعدى اثنين بالمئة فقط، بينما بالنسبة لروسيا هذا يمثل عشرين بالمئة.
من جهة أخرى تسعى الصين لتصبح قوة اقتصادية عالمية مهيمنة، وهي تملك مقومات ذلك، بينما لا تملك روسيا مشروعا مشابها، ولا تملك المقومات نفسها.
ما يجمعهما حقا، هو ما يملكان من قوة لإيذاء المشاريع الغربية ومحاولة إعاقتها، كتمدد حلف شمال الأطلسي أو التجمعات الاقتصادية السياسية في المحيط الهادئ، كتجمع دول الأوكس (أستراليا، المملكة المتحده، الولايات المتحدة)

التوازن الاستراتيجي

تميزت العلاقات بين الصين والاتحاد السوفييتي بالعداء، وتحولت بعد انهيار هذا الأخير إلى علاقة تعاون مع خليفته روسيا، خصوصاً بعد زيارة الرئيس الصيني، لي بنج لموسكو، في بداية التسعينيات، وإنشاء ما سمي بالتوازن الاستراتيجي في نهاية العقد. تزامن ذلك أيضا مع التقارب مع الهند القوة الناشئة الجديدة.

لكن أكثر ما زاد التقارب بينهما كان حرب القرم عام 2014، بعد أن فرضت الدول الغربية مجموعة من العقوبات على روسيا.
وضعت الصين حلا لهذه العقوبات، فقد فتحت بكين لموسكو باب الأمان، وزاد التبادل التجاري بينهما بشكل كبير ليصل إلى عشرين مليار دولار في عام 2021. هذا ما أنهى أي شعور بالخطر السياسي من طرف نحو الآخر، كما كان سابقاً.
هل سيتكرر هذا السيناريو من جديد مع الحرب على أوكرانيا، ورد الدول الغربية مختلف تماما هذه المرة؟
تتقاسم الصين وروسيا أيضا رؤيتهما لمفهوم الأمن القومي، هو يعني لهما أولا، الأمن السياسي، أي ثبات وديمومة النظام، ذلك قبل الأمن الاجتماعي أو الاقتصادي، كل شيء يجير لهذا الهدف، فهما تضعان سلامة النظام قبل كل شيء. هذه إحدى صفات الأنظمة المستبدة بشكل عام. الإعلان المشترك في بداية الألعاب الأولمبية في بكين هذا العام وضع على رأس أولوياته، انتقاد الأنظمة الليبرالية الديموقراطية، وتمجيد نظام بكين وموسكو كصورة لمستقبل الأنظمة في العالم.

الخلافات الجوهرية

هذا التوافق الظاهري، لا يجب أن يخفي عن الأنظار مجموعة من الاختلافات والخلافات الجوهرية والتي تبدو بعيدة عن الصداقة.
التوغل الصيني في آسيا الوسطى وإفريقيا أخذ المكان الذي تركه الاتحاد السوفييتي، والذي هيمن لعقود على جزء كبير منها. تشارك الصين حاليا في تطوير البنية التحتية لمعظم دول القارة الأفريقية، حتى أن مقر الاتحاد الإفريقي بنته الصين في أديس أبابا عام 2012 وهي لا تظهر أي شكل من الاهتمام بالأمور السياسية الداخلية لهذه الدول، ما فتح لها أبوابا واسعة.
من ناحية أخرى، استولت الصين أيضا على مكانة الاتحاد السوفييتي في ما يخص استكشاف الفضاء، والذي كان رائدا في هذا المجال. ولا ننسى يوري غاغارين الروسي، أول رجل في التاريخ يصل الفضاء ويدور حول الأرض. التعاون الحالي بين البلدين في مشروع الوصول إلى القمر مثلا هو مشروع صيني، ولا تلعب فيه روسيا إلا دورا ثانويا.
نستطيع القول إن الصين هي أحد كبار المستفيدين من انهيار وتمزق الاتحاد السوفييتي، هو ما سمح لها أن تصبح القوة الثانية في العالم على المستوى الاقتصادي، ويعتقد الصينيون أن القرن الواحد والعشرين سيكون قرنا صينيا بامتياز.
بعد أكثر من ستة أسابيع من الحرب في أوكرانيا، لم تفعل الصين شيئا مع أو ضد روسيا. بل اكتفت السلطات بإعلان مبادئ عامة، أي وقوفها مع السلام ضد الحرب، وحدها وسائل الإعلام الصينية ومواقع التواصل الاجتماعي من يكرر ادعاءات موسكو بشأن اتهام الغرب وأمريكا خصوصاً، بإشعال الحرب والتحضير لاستعمال الأسلحة البيولوجية.
هل تريد الصين حقا أن تتوسط لحل النزاع القائم. اجتماع دول الاتحاد الأوروبي والصين، والذي عقد في الأول من نيسان – أبريل في العاصمة الأوروبية بروكسل، لم يظهر أي تحمس للصين لفعل ذلك، ورفضت الطلب الأوروبي بالتوسط.
هي برأيي تنتظر تطور الأمور حتى تعرف كيف تستغل هذه الحرب لصالحها، كي تظهر بعد الحصول من الغرب على تنازلات كثمن، وكأنها منقذة العالم من حرب مدمرة، فهي الوحيدة التي تملك الأوراق الكافية لإجبار بوتين على التراجع، مع إعطائه مخرجا لحفظ ماء الوجه أمام شعبه.
ولكن هل حقا تريد الصين إنقاذ روسيا من الانهيار، ونحن رأينا أنها استفادت من تفكك الاتحاد السوفييتي.
هل قرار الرئيس بوتين في حربه على أوكرانيا هو شيء ممكن للصين تقبله؟
لا أظن أن القادة الصينيين مستعدون للسير في مشروع يفرض عليهم من الخارج، حتى ولو كان من حليف. هذا يعني اقحامهم في نزاع قد يكون مسلحا مع أمريكا والغرب، وهم يشكلون سوقها التجاري الأول، ومن أمن بسوقهم الاستهلاكي الكبير والاستثمارات الهائلة، ازدهار الصناعات الصينية.
أظن على عكس ذلك إن دولة تزن عشر مرات روسيا سكانا واقتصادا، لا يمكنها أن تسير في مشروع يهدف الى إعادة إحياء قدرات الاتحاد السوفييتي عدوها السابق.

أزمات عالمية

لا أحد منا يتصور مثلا أن تجر الولايات المتحدة إلى حروب وأزمات عالمية دون أن تكون صاحبة القرار فيه.
لا يمكن لأي رئيس صيني أن يسير عكس ما تخطط له الصين منذ سنوات عديدة، وهو أن تصبح القوة الأولى في العالم، بواسطة استعمال القوة الناعمة، أهم مشروع اقتصادي في العالم حاليا هو مشروع طريق الحرير الجديد، الذي يمر في جزئه الشمالي في ست عشرة دولة من دول آسيا الوسطى وشرق أوروبا.
هذا المشروع توقف تماما مع الحرب، فأوكرانيا هي إحدى هذه الدول.
حرب بوتين المتهورة، ستلحق أيضا الضرر في المشروع الصيني الكبير لإعادة توحيد الصين، عن طريق ضم تايوان والسيطرة السياسية على هونغ كونغ.
فقد وحدت هذه الحرب، وما أعادت من ذكريات الحروب العظمى الأوروبية، السياسات والشعوب الغربية، التي كان تفرقها مصدر ثقة الصين بمشاريعها العملاقة خصوصاً بعد تجربة احتلال شبه جزيرة القرم دون رد فعل غربي وازن.
النظام الصيني رغم استبداده، إلا أنه عقلاني يخطط وينفذ، الوقائع على الأرض تعطيه المصداقية في ذلك، فقد استطاعت الصين إخراج مئات الملايين من الفقر المدقع، يوما بعد يوم يتمتع الشعب الصيني بمستوى دخل ورفاهية أكبر، بينما مع بوتين ونظامه فإننا نرى في روسيا عكس ذلك تماما.
من ينتظر أن تنقذ الصين روسيا هو خاطئ في رأيي، هي فقط تنتظر متى سيضع الدب الروسي ركبة على الأرض حتى تبدأ بأخذ نصيبها من الوليمة.
كاتب فلسطيني

د. نزار بدران

 

دروس الحرب للشرق والغرب/ القدس العربي 22/03/2022

دروس الحرب للشرق والغرب

دروس الحرب للشرق والغرب

د. نزار بدران

لم تنتهي الحرب الروسية على أوكرانيا بعد، وقد تدوم طويلا. من الصعب التكهن بنتائج هذا الصراع وتأثيراته على العالم، لكننا نستطيع أن نستخلص بعض العبر من مسرى الأحداث. 

ما يهمني هنا، هو ما يحصل حالياً بالوعي الجماعي للشعوب والحكومات. فما كان مُسلماً به يوم 23 شباط، تحطم على صخرة الهجوم الروسي يوم 24. هذه المُسلمات موجودة في كل بقاع الأرض، هي تُشبه المواد المنومة، فنحن نعتقدها دائمة أبدية.

السلام الدائم

أولى هذه المُسلمات في القارة الأوروبية، هي ديمومة السلام. فمنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، قبل أكثر من 75 عاماً، لم تشهد الساحة الأوروبية صراعات بين دولها الرئيسية تُهدد سلامها ورفاهيتها. هذا الانطباع بانتهاء زمن الحروب، خصوصاً بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وما تبع ذلك من تقدم اقتصادي، وتقدم تقني وعلمي في كافة المجالات، أنسى الشعوب والحكومات، الأُسس التي بُني عليها الاتحاد الأوروبي. ما أدى مثلاً، لخروج بريطانيا قبل بضعة سنوات لحماية سوق عملها من وُصول العمالة القادمة من دول أوروبا الشرقية، بشكل خاص، كذلك هو ما دفع باتجاه رفض الدستور الأوروبي في كافة الاستفتاءات، وعودة الدعوات لسيطرة الدول على حدودها، وتقوية أحزاب سياسية يمينية متطرفة، ترفع شعار القومية وحتى الخروج من الاتحاد.

الشعور بالسلام الأبدي، أصبح إذاً عائقاً أمام استكمال الوحدة الأوروبية، دافعاً نحو تحوله إلى نادي دول وشعوب غنية، لا تتقاسم مخاوف وُجودية حقيقية. هي فقط تتنافس على من يقطف ثمار الازدهار الاقتصادي.

 عادت فجأة أوروبا، إلى المفهوم المؤسس للاتحاد: إنهاء الحروب في القارة أولاً وقبل كل شيء. هو ما سيؤدي بتقديري إلى تأسيس وعي آخر بديل، يدفع بالاتجاه المعاكس، أي مزيد من الوحدة، ومزيد من القوة العسكرية، والتلاحم مع الولايات المتحدة تحت مظلة حلف شمال الأطلسي.

 بدأت ملامح هذا الاتجاه واضحة في صحوة المارد الألماني، وخروجه من عقدة القوة العسكرية، أول خطواتها هي تخصيص مئة مليار دولار، لتطوير الصناعات العسكرية. شيء كهذا كان مستحيلاً حدوثه قبل الحرب، الاتجاه العام في كافة الدول الغربية، كان نحو تقليل المصاريف العسكرية. من ناحية أخرى، بدأت دول أوروبا المحايدة بالتفكير للانتماء للاتحاد وحلف الناتو لحماية نفسها. هذا يُظهر أيضاً خطأ التحاليل السياسية التي كانت تنتظر انفراط العقد الغربي، وانحلاله لصالح القُوى النامية، خصوصاً الصين. 

أولوية الاقتصاد 

ثاني هذه المُسلمات، وهو مرتبط بالأول، هي أولوية الاقتصاد على السياسة. التنافس التجاري العالمي لكسب مزيد من الأسواق، هو ما يُحدد الخيارات السياسية، وليس العكس. تُرجم ذلك على مستوى أوروبا وأمريكا بتناسي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في دول عدة، ومنها طبعاً روسيا بوتين. لم تُعر الدول الغربية اهتماماً لتراجع الحريات العامة في الاتحاد الروسي، ولا حتى لحروبه الداخلية، وتدميره جزء من شعبه، كما فعل مع جمهورية الشيشان، ومحو عاصمتها من الوجود. كذلك تعميق مركزية الدولة على حساب حقوق الجنسيات والقوميات المُشكلة للاتحاد. وقمع المعارضة السياسية وتحييد الإعلام والسيطرة على القضاء وتزوير الانتخابات بكافة الوسائل، للوصول لبرلمان يتبع قرارات الرئيس دون أدنى اعتراض. لم يرى الأوروبيون والأمريكيون أن هذه أسبابا كافية لإعادة النظر في علاقاتهم مع بوتين، ولا حتى تدخله العسكري عام 2014، واحتلاله أجزاء من جمهورية أوكرانيا، وقبلها مناطق من جورجيا. هذه الأولوية، أي الاقتصاد قبل السياسة، هي من منع التضامن مع الشعب الروسي، الذي هو الضحية الأولى لهذا النظام.

أولوية الربح التجاري، ليس خصوصية غربية، فنحن نراها في كل دول العالم، ما سمح باستمرار قمع المعارضة بدول عدة، مثل الدول العربية، أو قمع الأقليات كما حدث ويحدث مع الأقليات المسلمة في الصين أو بورما أو الهند. 

الحرب الروسية على أوكرانيا، أفاق الغرب من نوم عميق، دعم الأنظمة الاستبدادية، ليس دوماً مصدر رفاهية، بل كما نراه الآن في الحالة الروسية، هو مصدر رعب وتهديد بحرب عالمية ثالثة.

الأزمة الحالية قد تؤدي إلى وعي جديد أيضاً، وهو العودة إلى أولوية السياسة على الاقتصاد. بناء نظام اقتصادي عالمي يأخذ بالحسبان الحكم الرشيد واحترام حقوق الإنسان في كل دول العالم، وليس فقط في الدول الغربية والديمقراطية. هذا طبعاً أمنيات طوباوية، لكن الظرف الحالي قد يكون مناسباً للدفع بهذا الاتجاه.

أوروبا والعرب

هل سيكون هناك تغييراً في السياسات الغربية تجاه القضايا العربية، أولها الحرب الروسية على سوريا منذ 2015، كذلك حق الشعب الفلسطيني بالعودة إلى وطنه والحصول على حقوقه، والحالة الأوكرانية تُذكر الجميع، بأن الشعب الفلسطيني يُعاني من ويلات الاحتلال منذ عقود عديدة، ولا يجد من يُناصره. كذلك حراك الشعوب العربية للتحرر من الأنظمة المُستبدة منذ عام 2011، وما نراه من عودة هذه الأنظمة بدعم من الدول الغربية، تحت شعار، أولوية الربح الاقتصادي على السياسة أو ما يسمى السياسة الواقعية. 

ما نراه الآن، يُشير إلى العكس، فالحاجة لحصار روسيا، تدفع أمريكا لرفع العقوبات عن النظام الإيراني المستبد، وبعض الديكتاتوريات في أمريكا اللاتينية. لكن هذا في الحقيقة هو عمل سياسي واضح الهدف، وسينتهي بمجرد انتهاء الحاجة إليه (عزل بوتين وتعويض البترول والغاز الروسي).

هذا الوعي الغربي الجديد، بأولوية السياسة على المصالح الاقتصادية، لن يُترجم إلى فعل على أرض الواقع، إلا حين تقوم شعوب البلاد المحرومة من الحرية بالدفاع عن نفسها، كما يفعل الشعب الأوكراني هذه الأيام. الانخراط في العمل النضالي، للحصول على الإصلاحات المرجُوة في كل دولة، هو من سيدفع الغرب والدول الديمقراطية، بشكل عام، نحو احترام حقوق الشعوب الأخرى. هل ستتمكن المعارضة العربية وشباب الربيع العربي من الدفع بهذا الاتجاه، مع فضح التواطؤ الغربي مع أنظمة مثل النظام المصري أو عسكر السودان والتمييز العرقي في فلسطين. 

على شعوب حوض البحر المتوسط شماله وجنوبه، أن تعي وحدة مصيرها، ازدهار الشمال لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، على حساب فقر الجنوب، ديمقراطية الشمال على حساب دعم استبدادية الجنوب. مآسي الهجرة إلى أوروبا وانتشار الإرهاب في دول الجنوب كما في دول الشمال، هو دليل على ضرورة توحيد مصالح الجميع وليس تضاربها. مصالح دول الجنوب هي أولاً بالحصول على الحرية والديمقراطية، هذا ما على دول الشمال أن تفهمه لتتمكن من الاحتفاظ برفاهيتها وأمن مواطنيها على المدى البعيد.

الدرس الأوكراني للشعوب

الدرس الأخير لهذا الحرب، هو درس الشعب الأوكراني للشعوب العربية، الصمود والوحدة التي أبداها هذا الشعب المُذهل، واستعداده للتضحية مهما كانت التكاليف، هو الأساس في هزيمة مشروع الديكتاتور الروسي، بوتين لا يريد على حدوده، ولا حتى في العالم، أي نفس ديمقراطي.

لن نهزم أعدائنا فقط بالصياح والاستجداء وطلب الدعم والتأييد، عندما نكون نحن أنفسنا من يجلب المُحتَل لبلادنا، كما حدث في سوريا مع التواجد الإيراني والروسي، أو في العراق بعد الحرب على الكويت، وتكوين تحالف غربي عربي مسلم لاحتلال هذا البلد. نحن من جلبنا إيران إلى اليمن عن طريق الحوثيين، والروس إلى ليبيا عن طريق المُشير حفتر. هذه خصوصية عربية تاريخية، أن نجلب المُحتَل عندنا ثم نبكي منه، والمثل الفلسطيني مع اتفاقيات أوسلو والتنسيق مع إسرائيل على مستويات عدة، مع توسيع الاستيطان بنفس الوقت.

درس الشعب الأوكراني للعرب، هو أن ننهض بأنفسنا أولاً، قبل أن نطلب دعم الآخر. الرئيس زيلنسكي، رفض العرض الأمريكي بالهرب من كييف في بداية الحرب، وأظهر شجاعة لا نجدها عند معظم قيادات الأمة العربية ولا حتى معارضيها. هذا الرئيس الشاب القادم من عالم الفن، سيتمكن بشجاعة شعبه من هزيمة المشروع الروسي، ولا ننسى أن الرئيس رونالد ريغان، هو الذي أسقط الاتحاد السوفيتي، وكان في بداية حياته ممثل أفلام كوبوي فاشل. 

الشعب الأوكراني يُدعى تاريخياً بالقوزاق، والذي لم يقبل يوماً الاستعمار والتبعية لأحد، فكلمة قوزاق تعني باللغة الأوكرانية الرجال الأحرار.

الحرب الباردة الثانية وحوض المتوسط

القدس العربي 10 آذار 2022

د. نزار بدران

لن تتوقف تداعيات الغزو الروسي  لأوكرانيا، على القارة الأوروبية فقط، بل ستتجاوزها إلى أماكن كثيرة في العالم. 

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، نتيجة ما كان يُسمى «حرب النجوم»، التي فرضها الرئيس الأمريكي، دونالد ريغان في الثمانينات، والتي هي عبارة عن سباق تسلح باهظ الثمن، لم يتمكن السوفيت من مجاراته. تصور الجميع أن ذلك يعني نهاية الحرب الباردة. ما سمح مع بداية القرن الواحد والعشرين، في انفتاح روسي اقتصادي واجتماعي، على أوروبا وأمريكا، ولكن أيضاً على بقية العالم، خالقاً نوعاً من الطبقة المستفيدة، التي استولت على الإرث السوفيتي، واستثمرته خارج روسيا، خصوصاً في الدول الغربية. 

تعايش الغرب مع هذه الوضعية، المُريحة بالنسبة له. إسكات المعارضة الروسية، التطور بالنظام السياسي الروسي، نحو انفراد بوتين بالسلطة، وعدم سماحه بوجود إمكانيات حقيقية للتغيير، مسيطراً على كل مفاصل الدولة، بما فيها القضاء والإعلام. كل ذلك، اُعتبر من طرف الغرب كوضع مقبول. وكما ادعى بعض الباحثين، فإن الروس والجنس السلافي بشكل أوسع، ليس مستعداً لتقبل الديمقراطية (كما يُقال الآن عن العرب والمسلمين)، ولم يعرفها في تاريخه قط.

تمكن الاتحاد الروسي، وريث الاتحاد السوفيتي الرسمي (لكن دون إمكانياته الاقتصادية والبشرية) من الدخول قليلاً قليلاً، مناطق العالم التي كانت سابقاً، تدور في فلك السوفيت. من هذا المنطق، رأينا عودة الروس إلى منطقة البحر المتوسط. 

لم تضع أمريكا أية عوائق لهذا الانتشار الروسي الجديد، ذلك من مُنطلق عدم وجود أهمية استراتيجية لهذه المنطقة الآن خصوصاً بعد انتهاء تداعيات هجمات نيويورك عام 2001، فالخطر الشيوعي لم يعد موجوداً، الحاجة الماسة للنفط القادم من الشرق الأوسط، لم يعد أولوية مع تحول أمريكا من دولة مُستهلكة إلى أكبر مُنتج للعالم للنفط والغاز. حماية أمن إسرائيل الاستراتيجي لها، لم يعد بهذه الضرورة، فهذه الدولة، تمكنت من فرض هيمنتها على عدد كبير من الدول والأنظمة العربية، والتي لم تعد تعتبرها عدوة، إن لم تُصبح حليفة. هذه الأسباب سمحت كما نرى، بعودة الروس لسوريا ودعم النظام البعثي. تدمير سوريا وتقتيل أهلها وتشريدهم، لم تكن تعتبره أمريكا سبباً كافياً، لتغيير سياساتها في المنطقة، خصوصاً مع وجود توافق واضح بين إسرائيل وروسيا.

انتهاء الاهتمام بالشرق الأوسط، كمنطقة استراتيجية لأمريكا، وانتقال ذلك الاهتمام إلى الصين وجنوب شرق آسيا، هو ما أدى مثلاً إلى تراجع الرئيس أوباما سنة 2013، عن معاقبة النظام السوري عسكرياً.

ما لم ينتبه إليه المعسكر الغربي، هو إمكانية العودة من جديد لأيام الحرب الباردة، خصوصاً مع انتقال معظم دول الاتحاد السوفيتي السابق، نحو أنظمة ديمقراطية، تتناقض تماماً مع شكل نظام موسكو.

الغزو الروسي لأوكرانيا بهذا الشكل الفج، ومحاولة إنهاء استقلال دولة أوروبية، من الدول السابقة للاتحاد السوفيتي، التي حصلت على استقلالها بعرق جبينها، رغم محاولات موسكو المتعددة لمنع ذلك؛ من تسميم رئيسها الأول إلى احتلال أجزاء من أوكرانيا عام 2014، تحت ذرائع عرقية. هذا أيقظ تماماً المارد الغربي من أحلامه الوردية، وأعاده إلى إمكانية الحرب الشاملة المدمرة، على الساحة الأوروبية، مع التهديد الروسي بحرب نووية.

من هذا المنطلق فإننا نرى، أن التواجد الروسي في البحر المتوسط، الذي كان مقبولاً ومسكوتاً عنه، لعدم تشكيله إزعاجاً للقوى الغربية، أصبح الآن، جزءاً من الحرب الباردة الساخنة الجديدة. 

أول مظاهر ذلك، هو عودة تركيا إلى حضن الغرب، وإغلاقها ممر الدردنيل والبوسفور، أمام السفن الروسية، وتزويدها أوكرانيا بالطائرات المُسيرة، وهي التي لم تفعل أي شيء من هذا القبيل لدعم الشعب السوري، بل أنها طورت علاقاتها مع روسيا واشترت منها منصات صواريخ س س 400 رغم معارضة أمريكا. هذه المرة، لم يحتاج الأمر إلا إلى مكالمة هاتفية واحدة من الرئيس بايدن، حتى تنخرط تركيا من جديد في التحالف مع الغرب، واضعة نفسها في موضع العدو المُحتمل لروسيا، وهدفاً لأسلحتها في حالة حرب شاملة، كما كان عليه الحال زمن الحرب الباردة الأولى. من المتوقع مقابل ذلك، أن تستعيد تركيا الدعم الأمريكي الأوروبي لاقتصادها المُتهالك، هذا ما يبحث عنه الرئيس أردوغان، في مُحاولة لاسترجاع شعبيته المُتآكلة. وما قاله الرئيس بايدن، عندما كان مرشحاً للرئاسة، بضرورة إزاحة أردوغان عن السلطة، أصبح في خبر كان.

هذه الوضعية الجديدة لتركيا، قد تسمح للشعب السوري وقواه الحية، إن استغلت الفرصة، من تحسين مواقعها في مواجهة القوات الروسية، بعد أن تراجع الاهتمام بالحرب السورية، لصالح الحرب في أوكرانيا.

هل هناك انعكاسات على القضية الفلسطينية؟ لا نظن ذلك، فالقيادة الفلسطينية مُتخبطة، ولا تملك أصلاً مشروعاً وطنياً واضحاً. إسرائيل كعادتها ستتأقلم مع الوضع الجديد مهما كان، وستكون مع الطرف الأقوى، رغم اتجاهها الطبيعي حالياً لدعم الموقف الروسي أو الحياد، بسبب الجالية الروسية الكبيرة، التي تتجاوز المليوني إسرائيلي من أصول روسية. 

نرى أيضاً، بنفس المفهوم، استعداد الغرب وأمريكا لإنهاء الملف النووي الإيراني. لكن ذلك لن يتم، إلا من منظار محاصرة موسكو. أي رفع للعقوبات عن إيران، سيهدف فقط حالياً إلى عزل روسيا، وليس إلى تخفيف الضغط على أحد حلفائها في المنطقة.

السودان بدوره، والذي حصل زمن الرئيس البشير، على دعم مجموعات المرتزقة الروس فاغنر، قدم على ما يُقال كميات كبيرة من الذهب للخزينة الروسية (رحلات حديثة لحمديتي إلى موسكو)، لحمايتها من العقوبات. قد يجد هذا البلد نفسه أيضاً من جديد، بدائرة الاهتمام الغربي. أمريكا لم تقم رغم تبجحها بالعكس، بدعم التغيير الديمقراطي السوداني، تاركة المجال للعسكر الإحكام على السلطة، بدعم من حليفتها المقربة إسرائيل. دعم هؤلاء العسكر، وخصوصاً حمديتي للروس، بفتح مناجم الذهب أمامهم، لن يبقى أمراً داخلياً سودانياً، بل سيقع على ما أظن، في دائرة العقوبات الأمريكية الغربية، ولن يكون هناك مجال للعسكر وحلفائهم الإسرائيليين، إلا الانضمام للمقاطعة أمام خطر دعم الإدارة الأمريكية، للانتقال الديمقراطي السوداني من جديد.

التقارب العسكري الروسي الجزائري، وتحالفاتهم القديمة والجديدة، وأحدثها في مالي، والتعاون الاقتصادي والعلمي ومجالات عديدة أخرى منذ سنوات طويلة، خصوصاً بعد إلغاء الديون الروسية على الجزائر عام 2006، بقيمة 4.7 مليون دولار، مقابل صفقات عديدة، منها إقامة محطة نووية لإنتاج الكهرباء، كان مُنتظرا أن ترى النور ما بين 2025-2030. التشابه بين النظامين بطبيعتهما العسكرية، وتنامي الخطر عليهما من التحولات الجارية على المستوى الاجتماعي. كل ذلك لم يكن يعني كثيراً الإدارة الأمريكية، حتى دخول الجيش الروسي لأوكرانيا.

هنالك مناطق ودول عديدة، بمنطقة البحر المتوسط وأفريقيا، يتواجد فيها الروس، دون انزعاج أمريكي، مثل أفريقيا الوسطى ومالي.

الرد الغربي الأمريكي على الغزو الروسي، سينتقل تدريجياً إلى كل هذه المناطق. فنحن عشنا الحرب الباردة الأولى، ونعرف أن وقودها كان دائماً من فقراء العالم وليس من أغنيائها. يُقدر عدد ضحايا الحرب الباردة، بين الاتحاد السوفيتي والغرب، بأكثر من ثلاثين مليون قتيل، كلهم طبعاً في الدول الفقيرة. هل نحن على أبواب حرب باردة جديدة، والعودة بمسلسل المجازر بحق شعوب «العالم الثالث». ؟

أخطاء الدب الروسي

أخطاء الدب الروسي. القدس العربي 28/02/2022

د. نزار بدران

منذ الحرب العالمية الثانية، لم نر وضعاً يهدد السلم العالمي كما نراه الآن في الحرب الروسية على أوكرانيا. فمن خلف ستار تلك الحرب نرى خطر المواجهة العسكرية، بين قوى نووية عظمى، وما يشكل ذلك من كارثة على الإنسانية والحياة على كوكب الأرض. 

عندما قرر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إطلاق حملته ضد أوكرانيا، لأسباب يعتبرها وجيهة، لم يكن على ما أظن، قد حسب كل النتائج الممكنة، وأولها توحيد الشعب الأوكراني كله خلف جيشه وقيادته السياسية. مرد ذلك برأيي، هو في طبيعة الأنظمة الديكتاتورية، والتي ينفرد فيها شخص واحد في اتخاذ القرار. في الدول الديمقراطية، هناك هيئات ولجان وخبراء وأشياء كثيرة تسبق القرار السياسي، ذلك في جو من البحث عن المعرفة الدقيقة للمسببات والنتائج المحتملة قبل اتخاذ أي قرار. أما في دولة مثل روسيا، حيث القرار هو في يد شخص واحد، فإن هذه الهيئات المُفترض فيها تشخيص المشاكل وتقديم الاقتراحات، بناء على معرفة دقيقة، تتميز بشيئين هما: أولاً التملق للرئيس، وإعطاءه المقولات التي تناسب توجهه ورغباته، وثانيهما، عدم الكفاءة بالدور المنوط بها، ذلك لأن التعيينات بهذه اللجان والمناصب العليا، يتم عبر آلية الولاء وليس المقدرة (ونحن متعودون على ذلك في بلادنا). هذا يؤدي إلى ضبابية كاملة أمام الرئيس، والذي يتخذ قراره النهائي دون أي رؤية حقيقية.

من هذا المُنطلق، فإننا نقول أن النظام الاستبدادي، هو خطر حقيقي على شعبه أولاً، قبل أن يكون خطراً على الآخرين. والأمثلة كثيرة من نظام صدام حسين وبشار الأسد إلى عمر البشير ومادورو بفنزويلا والملالي بإيران.

لو أردنا بعد بضعة أيام من صمود الشعب والجيش الأوكراني، تقييم النتائج على المدى المتوسط والبعيد، مهما كانت نتيجة الصراع، انسحاب أو احتلال روسي، فإننا نستطيع إعطاءها عنواناً عاماً، هو أن الرئيس بوتين حقق وبسرعة فائقة، كل ما كان يبحث عن إبعاده، أي أنه سيصل على نتائج عكسية تماماً عما كان يأمل.

على المستوى الأوكراني، لم يعد هذا الشعب الصديق للروس، والذي يتقاسم معه الأصول السلافية والثقافة والدين وحتى اللغة، لن يعود صديقاً بعد اليوم. تدمير مدنه وحصارها وقتل أبنائه وتشريد مئات الآلاف، ليس من علامات الصداقة المُتفق عليها. ستقترب أوكرانيا أكثر وأكثر من حُلفائها الغربيين، والمُطالبة بالالتحاق بالاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، حتى تحمي نفسها من الدب الروسي. صمودها لحد الآن يُبرر لها ذلك، فهذا الصمود، هو أيضاً حماية لأوروبا، سيعترف الأوروبيون بذلك ولن يستطيعوا رفض طلبها. هذا ما سيُقرب حدود الناتو من روسيا بدل إبعادها.

على المستوى الأوروبي، فإن التيارات الاجتماعية والفكرية، التي كانت وراء رفض الصيغة الفيدرالية للاتحاد، هذا عُبر عنه عن طريق رفض الدستور الأوروبي في جميع الاستفتاءات التي حصلت سابقاً، حتى العودة للخلف وبدء الخروج من الاتحاد، كما فعلت بريطانيا عام 2016. هذا التيار سيتراجع، أكبر معبر عنه هو اليمين المتطرف الذي يقاسمه بوتين الفكر. التهديد الوجودي الذي استشعره الأوروبيون، خصوصاً الخطر النووي، يدفع نحو تقوية أواصر الاتحاد، ودفعه باتجاه العسكرة والتسلح، كما رأينا مع القرارات الألمانية الأخيرة، وانضمام كل الدول الأوروبية الخارجة عنه، مثل السويد.

على مستوى حلف شمال الأطلسي، أي بشكل خاص، التواجد العسكري الأمريكي في أوروبا، إنه لمن المؤكد توسع هذا الحلف نحو دول جديدة، وإعادة الحياة له، بعد فترة سُبات تلت انهيار الاتحاد السوفيتي، والانتهاء المُفترض للحرب الباردة. سنرى أن التيارات الفكرية المُعارضة له أوروبياً، وخصوصاً أمريكياً، لن تصمد بعد عودة الخطر الروسي إلى أوروبا، وما يشمله من تهديد بحرب عالمية ثالثة. 

على مستوى جنوب البحر المتوسط والمنطقة العربية، فهناك التواجد الروسي منذ عام 2015 بسوريا، والمسكوت عنه غربياً. فدول الناتو لم تكن تعتبر هذا النزاع ذا بُعد استراتيجي لها، بل فقط اشكالية تكتيكية. عودة الحرب الباردة، وحتى الساخنة، قد تُغير الموقف الغربي ودول حلف شمال الأطلسي، في كل أماكن تواجدهم، بما فيه سوريا وليبيا وبعض الدول الأفريقية.

بالنسبة لإسرائيل، بسبب وجود ملايين المواطنين من أصول روسية، فإن موقعها لن يكون مريحاً، هذا ما يفتح للفلسطينيين، إن استغلوا الفرصة، الإمكانية لتعميق الشرخ الأمريكي الإسرائيلي وقد امتنعت إسرائيل يوم الجمعة الماضي في الأمم المتحدة عن إدانة الهجوم الروسي، وهو ما أثار حفيظة الأميركيين. 

على مستوى الصين، فإن المراهنين على التحالف الروسي الصيني، واهمون، كما كانوا واهمين مع التحالف الروسي الصيني لإنقاذ إيران. الصين لا تنزعج كثيراً من تغيير اتجاهات الاهتمام الأمريكي من جنوب وشرق آسيا إلى أوروبا وروسيا. هذا سيضعها في موقع أكثر راحة، وهي قوة اقتصادية بشكل أساسي، وتبني علاقاتها مع الغرب، على مبدأ التبادل التجاري، وليس على مستوى التحالفات الإيديولوجية. روسيا في هذا المجال الاقتصادي، لا تُشكل وزناً راجحاً، حتى تقوم الصين بالابتعاد عن أمريكا، أو إزعاجها، فأمريكا أكبر مُستهلك في العالم لبضائعها. الميزان التجاري بينهما، هو بشكل كبير لصالح الصين، ما كان السبب الرئيسي للخلاف بينهما زمن الرئيس دونالد ترامب وحالياً. كما أن هذه الأزمة، بحرفها اهتمامات أمريكا والغرب بشكل عام، تُعطي الصين حرية أكبر بالتحكم في منطقتها الجغرافية، خصوصاً مع تايوان وتطوير طرق الحرير، مشروعها الاقتصادي الكبير.

الأهم هو على المستوى الروسي، بوتين لم يكن حقيقة يبحث عن مواجهة أمريكا أو الناتو، بل فقط إبعاد كل توجه ديمقراطي في الدول المجاورة لروسيا، كما فعل في جورجيا وأوكرانيا أيضاً، عندما ضم شبه جزيرة القرم. خوفه من العدوى الديمقراطية في بلاده، هو برأيي الدافع الرئيسي لسياساته، تحت غطاء الخطر القادم من الغرب. لكن صمود الشعب والجيش الأوكراني، والدعم الهائل الذي يحصلون عليه من الغرب، لن يسمح بالنجاح هذه المرة، على عكس المرات السابقة. هذا ما سبب في بدء الشعب الروسي بالتعبير الواضح عن رفضه لسياسات بوتين العسكرية. كلما زاد طول الحرب والمقاومة، وتوسع المستنقع الأوكراني، كلما زاد تحرك الشعب الروسي وزاد وعيه بالخطر المُحدق به من هكذا سياسات انفرادية.

أمريكا والغرب كعادتهما، لن يرفعا العقوبات ولن يتوقفا عن دعم أوكرانيا، وإعادة تمركز الناتو وتوسعه في أوروبا، بل سيذهبان برأيي أيضاً إلى محاولة تحييد الخطر الروسي، حتى لو انتهت الحرب الأوكرانية لصالح أو ضد بوتين. كما عودتنا السياسات الأمريكية في مناطق أخرى في العالم، فإنها ستدفع نحو تقوية المعارضة الديمقراطية للنظام، ولكن أيضاً للأسف، نحو تقوية التوجهات القومية، والتي ستؤسس لمشاكل داخلية لروسيا، قد تصل إلى حد مطالبة بعض القوميات بالاستقلال، كما رأينا مثلاً بالشيشان، والثمن الباهظ الذي دفعته لذلك. تحييد الخطر الروسي لن يكون مرتبطاً بنوعية النظام السياسي الروسي، هو مثل الخطر المصري على إسرائيل، فهو ليس مرتبطاً بنوعية النظام المصري، بل بطبيعة الخطر المتواجد بشكل عضوي في الطرف الروسي. ستقوم أمريكا برأيي، بمحاولة استكمال إنهاء الحرب الباردة، والتي على ما يبدو لم تكن قد انتهت كما ظن الجميع. بعد تفكيك الاتحاد السوفيتي، لن يكون من المُستبعد أن تستمر في محاولات لتفكيك الاتحاد الروسي. ونحن نعلم أن روسيا تحتوي على 128 جنسية مختلفة، ولكن الروس يشكلون الأغلبية الكبرى، علما أن بوتين تراجع عن معاهدات عديدة مع هذه المناطق وُقَّعَت بعيد انهيار الاتحاد السوفيتي، لصالح سلطة مركزية قوية على عكس طموحات هذه القوميات.

النظام السياسي في روسيا، المبني على حكم الفرد ورجال الأعمال الفاسدين، هو في الحقيقة أكبر خطر على روسيا حالياً ومستقبلاً. وليس كما يدعي بوتين الخطر الغربي، والذي كان في طريقه للانحسار والاختفاء، لصالح نزاع جديد مع الصين.

على الدول الغربية أن تتعلم أيضا أن دعم الأنظمة التسلطية كما يفعلون في بلاد عديدة، وكما فعلوا مع بوتين، ساكتين عن انتهاكاته المستمرة للدول المجاورة او لحقوق معارضته ، هو سيف ذو حدين، وان إحترام حقوق الشعوب بالحرية والديمقراطية لا يجوز أن يضحى به لصالح منافع اقتصادية مؤقته. 

بالنسبة لنا، الاختباء خلف الشعارات الفارغة، وتصنيف الناس داخل علب فكرية، كما نرى حالياً في النقاشات الدائرة في دولنا، لن تُفيد شيئاً. علينا رؤية الأشياء كما هي، وليس كما نتمنى.

حروب بوتين. القدس العربي 26/02/2022

حروب بوتين

هناك من يُهلل للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين لقراره بغزو أوكرانيا هادفا إسقاط ديمقراطيتها وتعيين حكومة تابعة له، وكأننا أعداء لهذا البلد، الذي تقيم فيه جالية عربية كبيرة مزدهرة، وفي جامعاتها الكثير من الطلبة العرب.
فهم الحرب على أوكرانيا من منظار وقوف مُفترض لبوتين مع القضية الفلسطينية، أو حق سوريا بالجولان، هو هراء. فروسيا بوتين أرسلت ملايين المواطنين لإسرائيل، وهذا أقوى سلاح أُعطي لها. كما أنها دمرت سوريا بغاراتها الجوية، وهجرت ملايين المدنيين العُزل، وتدخلت بقواتها الخاصة لدعم البشير في السودان وحفتر بليبيا، ضد إرادة شعوبهما بالحرية.
وقوف بعض المثقفين اليساريين مع بوتين، المدعوم من كل الحركات اليمينية المتطرفة بالعالم، وهذا واضح هنا في فرنسا، هو فقط جزء من هذيان يتملكهم منذ عشرات السنين يُسمى «أمريكا». كل مقاييسهم هي أمريكا. كل مواقفهم تبنى فقط بناء على من هو ضد أمريكا، أو معها. هم يجردون أنفسهم من حرية التفكير المستقل. فمثلا قد أكون مع الصين في خلافها مع أمريكا، وضد الصين لموقفها من هونغ كونغ، أو الأقلية المسلمة هناك. الأساس بالمثقف أن يفكر بنفسه، وليس فقط دعم أو معارضة. هم كمن يحاول دائماً الاختيار بين الكوليرا و الطاعون، ولا يرون أبداً، الاختيار الثالث المستقل وهو الصحة الجيدة.
ما هي الدوافع الحقيقية لحرب بوتين الجديدة، هل هي حقاً المقاطعات الشرقية الناطقة بالروسية، أو خطر تمدد الناتو. في زمن الرئيس الأمريكي ترامب، وفي بداية عهد الرئيس بايدن، كنا نرى من ينتظر انتهاء دور الحلف، خصوصاً مع ظهور الرغبة الأمريكية بالتخلي عن حلفائها الأوروبيين، والتوجه نحو أولويتها الجديدة أي الصين، الآن مع أفعال بوتين نرى العكس أي العودة لتقوية وتماسك هذا الحلف لعشرات السنين القادمة. ولن تستطيع روسيا، حتى لو احتلت أوكرانيا منع ذلك.

ماذا يُحرك سياسة الرئيس بوتين بشكل عام، هل هو حقاً الدفاع عن روسيا ومصالحها، أم عن نظامه وبقائه في السلطة. اتجه بوتين منذ وصوله للحكم في مسارين متوازيين، الأول هو إرساء نظام أوتوقراطي فردي، يزداد يوماً بعد يوم، والثاني هو محاربة أي توجه ديمقراطي بالدول المجاورة له، مثل أوكرانيا وجورجيا وكازاكستان، وحتى البعيدة كما نرى مثلاً ببعض الدول العربية وفنزويلا.
مصالح روسيا الحقيقية، هي بناء وطن حيث يجد كل مواطن حقوقه محفوظة، بالصحة والتعليم والعمل والعيش الكريم. هل حقق بوتين ذلك لشعبه على مدى أكثر من عشرين عاماً من حكم منفرد؟. هل أمن للمواطن الروسي حرية التعبير عن الرأي، وهو يضع كل معارضيه في السجون، ويسرق الانتخابات، ويبدل الدستور كما يشاء ويُقيد كل وسائل الإعلام.
ما يُحرك بوتين هو فقط خوفه من هذا الشعب الروسي نفسه، وهو يتململ بين الحينة والأخرى. هذا الشعب لا يبحث عن تدمير أوكرانيا، فهو لم يشعر مرة بالعداء نحوها، فشعب أوكرانيا قريب جداً من الروس، تاريخاً ولغة وثقافة، رغم ما فرض ستالين عليهم من مجاعة مُختلقة قتلت حوالي ستة ملايين شخص في بداية الثلاثينيات.
إلهاء الشعب بحروب خارجية وأعداء وهميين هي لعبة تقليدية للأنظمة الديكتاتورية، هذه الأنظمة والتي بالنهاية لا تُشكل خطراً إلا على شعوبها، هذا ما رأيناه مع صدام حسين بحروبه الدائمة، ومع بشار الأسد مع تدمير سوريا، ومع الرئيس السوداني السابق عمر البشير، حين قسم السودان وفقد الجنوب.
الخوف من الشعب الروسي التواق للحرية، هو دافع النظام وليس الخوف من الناتو أو الغرب، والذي لم يعد يُعير بالاً لروسيا منذ عشرات السنين، فدخلها القومي لا يتجاوز الدخل القومي لإسبانيا. كل اهتمام الغرب كان متجهاً للصين، القوة الجديدة الوحيدة في العالم، ولكن قوة اقتصادية قبل كل شيء، وليس قوة احتلال وحروب.
العودة للتاريخ يُرينا أن حروب الأقوياء على الضعفاء تفشل دائماً. رأينا ذلك مع أمريكا بفيتنام وأفغانستان، ومع الاتحاد السوفييتي بأفغانستان، ولكن أيضاُ في فنلندا نهاية الثلاثينات، حين حاول ستالين ضم هذا البلد إلى الاتحاد بالقوة، ففشل بذلك خاسراً مئات الآلاف من القتلى من جيشه أمام بأس وعناد الشعب الفنلندي، والذي لا يتجاوز خمسة ملايين نسمة. الحل هو فقط بيد الشعب الروسي، والذي آمل أن لا يسكت طويلاً عما يتلاعب بمستقبله وأمله بالديمقراطية.