الوضع الصحي لأسرى وسجناء الحرية

 

الوضع الصحي

لأسرى وسجناء الحرية

نزار بدران

 

التقرير السنوي لمنظمة الصحة العالمية، بخصوص الوضع الصحي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، المنشور خلال شهر أيار (مايو) من هذا العام، والذي سبقه خلال الشهر نفسه من العام 2014، يُظهر بشاعة المعاملة التي يتلقاها الأسرى الفلسطينيون على يد سجانيهم الإسرائيليين.

فمنذ الاحتلال سنة 1967 ولحد الآن، أسر أكثر من 800 ألف فلسطيني، وهو ما يعني أن كل عائلة فلسطينية عانت بشكل أو بآخر ومباشرة، من أسر أحد أفرادها. ومنذ انتفاضة الأقصى عام 2000، دخل السجون الإسرائيلية 75 ألف أسير منهم 9 آلاف طفل.

يتقاطع داخل هذه السجون كل شرائح المجتمع الفلسطيني، رجالاً ونساءً، أطفالاً وكباراً، كتاباً ورجال سياسة، نواباً أو مسؤولين، لا تخلو مهنة من أسراها؛ طلاباً، جامعيون، مهندسون أو أطباء أو مهنيين.

ويستمر التقرير بتفصيل الأوضاع, فمن بين أكثر من 5 آلاف أسير حالياً، هناك 190 طفل و19 امرأة. 1500 مريض منهم لا يجدون العلاج المناسب، فمنهم المصاب بالشلل النصفي أو الكامل، أمراض القلب والرئتين، أمراض الكبد والكلى، الأمراض العصبية وأمراض السرطان والأمراض المُزمنة التي هي في حاجة لمراقبة وعلاج مستمرين. ظروف الحياة سيئة جداً، وجود الحشرات بكثافة، سوء التغذية وعدم وجود نظام للتهوية أو ضد الرطوبة. والاعتداء على بعض السجناء والتعذيب للاعتراف.

بحسب الوزارة الفلسطينية لشؤون الأسرى، فإن هناك 204 من الأسرى اُستشهدوا منذ العام 1967، منهم 71 تحت التعذيب، 53 بسبب الإهمال الطبي، كذلك تم تصفية 74 أسيرا داخل السجون أو فوراً بعد إطلاق سراحهم. يُمارس ضد الأسرى التعنيف والعزل الانفرادي للرجال والنساء على حد سواء، وتوجد عدة حالات لعائلات اعتقل منها الأم والأب، وتُرك الأطفال بدون أية عناية أو رعاية.

هؤلاء الأسرى يقاومون الجلاد، ويضحون بالغالي والنفيس، لنيل حريتهم والعودة لعائلاتهم وعملهم، والدفاع عن القيم التي أُسروا من أجلها، الإضراب عن الطعام هو أحد هذه الوسائل، ويُظهر مدى استعدادهم للتضحية بكل شيء؛ حتى بحياتهم لرفع الضيم.

السجان الإسرائيلي يُدرك أيضاً أن هؤلاء الأسرى، هم رمز حرية الشعب الفلسطيني، لذلك يريدون كسر إرادتهم، بما فيه استعمال التغذية القسرية المُحرمة دولياً، وقد ينتج عنها عواقب وخيمة. واستعمال الاعتقال الاداري.

المواطن الفلسطيني داخل فلسطين، هو أيضاً سجين الاحتلال، فالخروج من الضفة الغربية أو دخولها يتم بشق الأنفس، التنقل بين المدن والقرى مُقطع بسبب الحواجز العسكرية والمستوطنات واعتداءات المستوطنين المتكررة، كذلك بسبب الجدار الفاصل.

أهلنا في غزة هم أيضاً في سجن كبير، لا دخول ولا خروج للأشخاص، ولا للبضائع والأدوية إلا برضى السلطات الإسرائيلية، ومعاناتهم على معبر إيرتز أو معبر رفح، يُظهر مدى احتقار إسرائيل للقيم والمبادئ المُتعارف عليها. أهمية صمود الأسير الفلسطيني تنبع من هذا الترابط بالمعاناة بينه وبين أبناء شعبه.

الأسير الفلسطيني حر، لأنه يرفض الذُل والهوان، ويُطالب حتى الموت بحقوقه، والشعب الفلسطيني حر إن اتبع هذا الطريق وسار عليه، ورفض التعاون مع الاحتلال والاعتراف به، الحرية هي في النفس قبل أن تكون بالجسد.

السجان الإسرائيلي يعتقد نفسه حراً، ولكنه حقيقة سجين فكره الصهيوني الاستعلائي العنصري، عُزلة إسرائيل تتزايد في العالم والجدار الفاصل لا يزيدها إلا عُزلة. هي تبني القلاع والأسوار، واضعة نفسها في سجن من نوع آخر، محكمة الجنايات الدولية قد تبدأ لو أحسنا استعمال القانون الدولي، في دفع إسرائيل ومجرمي الحرب إلى الرعب، مما ينتظرهم أمامها، وبعض الإسرائيليين المشبوهين بدأوا بتحاشي السفر إلى الخارج، خوفاً من إلقاء القبض عليهم، بطلب من محاكم بعض الدول الأوروبية.

نلسون مانديلا أمضى 27 عاماً أسيراً بسجون الفصل العنصري بجنوب إفريقيا، ولكنه ما لان يوما، ولم يتراجع قيد أُنمله عن حقوق شعبه بالمساواة، رافعاً دوماً راية القيم الإنسانية عالياً. عندما مات بكاه البيض أكثر مما بكاه السود، لأنه حررهم أيضاً من سجن الأبارتايد الذي وضعوا أنفسهم فيه. من يظن أن حريته تكتمل باضطهاد وانتقاص حرية الآخرين خاطئ، فهو أيضاً ناقص الحرية، ولن تكتمل حريته إلا عندما ينال الجميع حريتهم ويحصلون على حقوقهم، وخصوصاً حق العودة إلى الوطن الذي سلبه منهم هؤلاء السجانون.

من درس التاريخ وتجارب الآخرين نتعلم ونعلم الآخرين أن الأسير الفلسطيني هو الحر، حر بحبه لحريته ولصموده، وأن جلاده هو السجين الحقيقي، لأنه يرفض حرية الآخرين، ويعيش في عقلية المُحاصر وراء جدران قلاعه الوهمية.

الهجرة الى الغرب البحث عن النعيم ام الهروب من العذاب

الهجرة إلى الغرب

البحث عن النعيم أم الهروب من العذاب

نزار بدران

 

الهجرة وشغف البحث عن كل ما هو جديد واكتشاف عوالم مجهولة ذو معنى إنساني جميل، فلولا ذلك ما وُجدت الإنسانية، فأول المهاجرين هم أجداد أجدادنا من آلاف السنين والذين وُلدوا في أدغال أثيوبيا أو صحاري تشاد ليعمروا الأرض كلها وصولاً إلى آخر الدنيا.

بدأ المسلمون تقويمهم الزمني بالهجرة وأسموه بالتقويم الهجري، تيمناً بهجرة الرسول الكريم من مكة إلى المدينة، حلم المسلمين القلة المظلومة بدأ يتحقق بهذه الخطوة. لنصل إلى ما عرفه العالم من عظمة الحضاره الإسلامية أيام مجدها.

الحق في الهجرة والتنقل حق شرعي لكل انسان مهما كان سببه؛ فأرض الله للجميع، إلا أن قوانين الدول الوطنية تحُد من ذلك وتضع شروطاً للهجرة تحصرها فقط في مجال استيراد المعرفة والمهارات النادرة أو في إطار اللجوء السياسي إذا اكتملت شروطه. الهجرة إذا هي دائماً شرعية بالمفهوم الإنساني حتى لو كانت غير قانونية بمفهوم الدول.

اليوم يأخذ مفهوم الهجرة معنى مناقضاً في هذا االزمن، هو عذاب دائم وموت محتمل في أعماق البحر.

الوصول إلى سواحل أوروبا أصبح لدى كثير من الشباب هدفاً يستهينون بالموت من أجله، علماً بأن كتابنا ومفكرينا لا يألون جهداً في تفسير أوضاع المهاجرين وخصوصاً المسلمين في أوروبا، فهم يذكروننا دائماً بالعنصرية المتنامية والاعتداءات حتى القتل في بعض الأحيان. ناهيك عن منع المسلمين من ممارسة شعائرهم الدينية بحرية في هذه البلاد.

يذكرنا هؤلاء المثقفون دائماً باستعمارية الغرب وكيف وكيف….. الخ، مع ذلك فإن الآلاف بل مئات الآلاف يركوب البحر للذهاب إلى هذا العذاب المُنتظر، الذي تحول إلى مقبرة مائية.

أليس ذلك عجيباً  … ولكن كما قال المتنبي: “السيف أصدق إنباءً من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب”، وبكل تأكيد فإن هؤلاء الشباب والشابات، وهم في كثير من الأحيان، قرؤوا هذه التحاليل والمقالات عن الغرب، وازنوا بين نار أوطانهم والجنة الموعودة بالغرب الذين يسمعون ويقرِؤون عنها في أماكن أخرى غير صفحات هؤلاء الكتاب الأفاضل، استخلصوا أن من حقوق الإنسان الأساسية حق التنقل والسفر بحرية والعوده إلى أوطانهم متى شاؤوا يمارسونه بوسائل وبأوضاع غير عادية.

نرى هنا خمسة من أشكال هذه الهجرة مرتبطة بالعوامل الاقتصادية والسياسية، الشكل الأول هو  اللجوء الاقتصادي : اختفاء الاقتصاد الوطني في الغرب لصالح اقتصاد العولمة، لم ينعكس فقط على تنقل أو صناعة البضائع بل شمل أيضاً  العمالة،

فقانون العرض والطلب والسوق الحر المميز للاقتصاد الرأسمالي ينطبق بحذافيره على سوق العمل. أصبحت الوظيفة الشاغرة في مكان ما في هذا الاقتصاد الرأسمالي الغربي مفتوحة أمام أفضل من يستطيع أن يشغلها، خصوصاً عندما تشح الموارد الإنسانية الكافية لاشغال هذه الوظائف. مما أدى إلى وجود عدد كبير من الأطباء والمهندسين وغيرهم من ذوي الكفاءات العالية في مستشفيات ومصانع الغرب ، قدموا من بلادهم بشكل مُمنهج وعادي وبدون عوائق، وتُعرض عليهم في بعض الأحيان محفزات كتسهيل تعلُم اللغة والحصول بعد فترة معينة على الجنسية. هذا النوع الأول يسير بكل الاتجاهات بين الدول وحتى الغربية منها، فكثير من الفرنسيين مقيمون في بريطانيا (250 ألف  فقط في لندن) أو أمريكا. وكثير من الأوروبيين ذوي الكفاءات يعملون في دول الخليج العربي.

هذا الوضع العولمي الطبيعي أدى في بعض الأحيان إلى إفقار الدول النامية من الكفاءات وهو ما يُسمى بسرقة العقول. هذه المُعضله لا يمكن معالجتها إلا اذا قُدم للمواطن العربي المُتعلم نفس الإمكانيات التي يحصل عليها في الغرب، وفُتح له باب التطور العلمي والحرية في الإبداع والتي يجدها بسهولة في بلاد المهجر.

الشكل الثاني من الهجره هي الهروب من الفقر والحاجة للبحث عن مصدر رزق ولو كان قليلا في بلاد الآخرين، سببه الأساسي الفساد وغياب الحقوق في بلادنا، فالعامل وإن وجد عملاً فهو بأجر قليل، ويُحرم تقريباً من الحقوق المرتبطة بالعمل كافة كالضمان الاجتماعي والصحي له ولعائلته، التقاعد، العطله والتكوين المهني، الانضمام للنقابات المستقلة للدفاع عن حقوقه والتعويض في حالة البطالة.

هذه حقوق منهوبة يأخذها أصحاب العمل لتحقيق أكبر قدر من الربح دون أي رادع قانوني، فالفساد يعُم البلاد والعباد والقوي يأكل الضعيف، وهو الذي يضع قوانين هذا الغبن لصالحه دائماً، هذه الوضعية ليست مرتبطة بفقر الدولة أوغناها.بل بمقدار احتكامها لقوانين عادله.

لا تُحل هذه الإشكالية إلا عندما يصبح العامل مواطن بحقوق كاملة، كما هو الوضع في الغرب. الحاجة أو الفقر مضاف إليها ضمان الحقوق المأمولة في أوروبا هي إذن السبب الأول في ذلك النوع من الهجرة.

الشكل الثالث وهي هجرة جديدة خاصة بنا هذه الأيام ؛ وهم الهاربون من الموت و الذين يعيشون وعائلاتهم تحت القصف اليومي والبراميل المتفجرة والرصاص هم الضحايا المباشرون لهمجية مغول العرب.

هؤلاء يهربون ولا يهاجرون، إنقاذ النفس والأهل هو هدفهم، هم اللاجئون وقد تقطعت بهم السبل من يجدون الأبواب الموصده في وجوههم من يموتون جوعاً وبردا. وصولهم لأوروبا هو عرضاً وليس هدفاً بذاته، فهم يقعون فريسة تجار الهجرة بعد هروبهم من الموت ليلقوه في كثير من الأحيان من جديد وسط البحر، وهذا أيضاً مصير جزء كبير من الفارين من الفقر وانعدام الأمل من الشكل الثاني للهجرة.

الشكل الرابع هو اللجوء السياسي المميز بقمع المعارضين والهادف إلى تكميم الأفواه ، هجرة قليلة … ولكنها ترمزالى رفض السلطه لأي شكل من أشكال التعبير والنقد. بشكل عام تذهب تلك الهجره إلى بلاد الغرب ولا نراها إلا في الدول الكاملة الديمقراطية، وإن دل على شيء فإنه يدل على أهمية الديمقراطية كوسيلة لحماية المُضطهدين فكرا، وجزء أكبر من المعارضين العرب الإسلاميين لجؤوا إلى أوروبا وبشكل خاص إلى بريطانيا ولم نرهم متوجهين إلى الباكستان أو السودان. ولا ننسى أن جزءا من كتابنا ومن الصحافة الحرة ومواقع التواصل الاجتماعي لا تستطيع ممارسة مهنتهم كما يشاؤون إلا في العواصم الغربية وهو ما يُفسر نجاح هذا الإعلام المهاجر عند المواطن والقارىء العربي، ورُغم انتقاداتهم  اللاذعة  والمحقة في أغلب الأحيان للسياسات الغربية فإنهم لا يشعرون بالقلق على حرية عملهم. وإن كان هناك تدخلات فهي في مُعظم الأحيان تحت ضغط الأنظمة العربية لإسكات الأقلام الحرة.

الشكل الخامس التهجير الطائفي المُرتبط بالتخلف، وتلاعب السلطه الاستبدادية بمكونات المجتمع المُتعايشة منذ مئات السنين، لتحويل تناقض المجتمع مع السلطه إلى تناقض المجتمع مع نفسه، وتعطي السلطه نفسها دور حامي الأقليات والديار، مما يمكنها من الاستمرار بالحكم مطبقة المثل المشهور (فرّق تسُد).

غناء الأمه في تنوعها، التنوع الديني والعرقي والثقافي،إن الصفاء العرقي أو الديني هو مفهوم عنصري، لا يؤدي إلا للحروب والدمار. مثال الولايات المتحدة الأمريكية يؤكد هذا المبدأ، فهم تقريباً كلهم مهاجرون أتو من كل حدب وصوب، وما زالوا يستجلبون الناس من كل مكان.

الكثير من الدول انتقلت من موضع الدول المهجرة لأهلها إلى دول تستقطب الآخرين، مثال ذلك في اليابان في الخمسينات والتي كانت مُصدره للفقراء الذاهبين إلى الحُلم الأمريكي، وفي السبعينات والثمانينات كوريا الجنوبية بعد تحولها من الحكم العسكري إلى دولة كاملة الديمقراطية.

لن تنتهي معاناة هذه الأمة إلا إذا توحدت جهودها لإنهاء الظلم والاستبداد، وإقامة العدل والديمقراطية والتي ستسمح ببناء صرح الوطن بأيدي أبنائه جميعاً وبمساعدة موارده الطبيعية الهائلة واحترام حقوق الإنسان ووضع قوانين عمل توفر فرص عمل كريم وتحترم حقوق العامل.

أسئله كبيرة يجب أن نطرحها على أنفسنا، نحن أبناء هذه الأمة  ونجيب عنها من أوطاننا وأحوالنا. الظلم السياسي والديني والاجتماعي المُستشري عندنا هو الذي يجب أن يكون محل تحليل ودراسة الكتاب والمثقفين والمتعلمين.

بناء اقتصاد إنتاجي (مبني على عمل الناس) وليس ريعي (مبني على بيع ثروات الوطن)، هو الذي سيسمح بوجود فرص عمل واقتصاد متقدم حتى ننهي معاناة اللجوء والهجرة وتنقلنا من منظومة الرعايا عند السلطان إلى مفهوم المواطن مصدر السلطة.

مساحة الأرض العربية بثرواتها الضخمة وإمكانيات أبنائها الأوفياء ستصبح يوما ان شاء الله أندلساً يأتي إليها ولأجلها الآخرون مُهاجرون لأوطاننا بحثاً عن العمل والعيش الكريم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من الملام نحن ام البحر؟

 

من الملام نحن أم البحر؟

 

نزار بدران

 

تُحرك صورة الطفل الشهيد على أحد شواطئ البحر المتوسط، في نفوسنا الألم والبكاء، ولكننا نعلم تماماً أن آلاف الأطفال قُتلوا قبله، وما زال هناك من هو مرشح لأن يُقتل بعده، ولا يبكي عليهم أحد. تفنن النظام السوري بتعذيب شعبه وقتله بالغازات السامة، أو بالبراميل المتفجرة، أو التعذيب وقطع الأطراف والموت جوعاً وعطشاً داخل السجون، وهذا ما رأينا صوره بالآلاف. النظام السوري هو نظام إرهابي بامتياز، وليس فقط نظام استبدادي يرعب معارضيه، لأنه يقتل الأبرياء تخويفاً لمن قد يُفكر بالاحتجاج عليه.

لو لم يتحرك الإعلام الغربي بكثافة، لما تحرك أحد، ولا ذكر الخبر في بلاد العرب أحد، لو لم تتناقله وسائل التواصل الاجتماعي بكثافة، لبقي كغيره في غياهب النسيان.

الإعلام العربي والكُتاب العرب، يلومون دوماً الغرب على كذا وكذا، ويُلقون بالمسؤولية على كاهل الأنظمة العربية، لأنها هي المسؤولة عما يحدث، ويلومون روسيا وإيران. المشكلة أن كل هذه الاتهامات لهذه الأطراف تعني تحديد مُعسكر الأعداء الجلادين؛ النظام السوري وداعميه والساكتين عن إجرامه، ولكن لا أحد يلوم أو يذكر الأطراف التي تقف في صف الاتجاه المُعاكس، أي مُمثلو الضمير العربي والشباب العربي، من حركات اجتماعية وسياسية، ومن جماهير ثائرة.

نحن نرى عشرات الآلاف في أوروبا يتظاهرون، دعماً للاجئين السوريين، وعشرات الآلاف يستعدون لفتح بيوتهم الخاصة وقلوبهم لاستقبالهم، حتى في أيسلندا التي لا يزيد عدد سكانها عن 300 ألف نسمة. بينما لا نرى أي مظاهرة  تضامن شعبي مُعلن في شوارع عمان، القاهرة، الرياض، الرباط أو الجزائر، أين هم الإسلاميون والقوميون، واليساريون والعلمانيون، واتحادات الطلاب والعمال، والمهنيون وجمعيات التضامن وغيرها.

نحن ندرك أن الأنظمة العربية، هي جزء من المشكلة، وليست هي الأولى بالمساهمة في الحل، ولذلك ليس من المفيد ذكرها والطلب منها فتح الحدود، فهي               لن تقبل، ولكن من حقنا أن نطلب من كل مواطن عربي، أن يفتح قلبه وبيته ومحفظته لأبناء وأطفال سوريا، ويرفع صوته ضد حكامه، من حقنا أن نصرخ بوجه الأحزاب العربية والهيئات الاجتماعية، المحسوبة على معسكر الشعب؛ أين أنتم؟.

معسكر الأعداء أكثر تضامنا مع أهدافه المعلنة والمضمرة، وها هو يواصل العمل ضد الربيع العربي، وبدون أدنى رحمة، بينما معسكر التغيير والنهوض من الإستبداد ما زال نائماً ومُقسماً. وحدها مظاهرات جنوب العراق وبيروت قد تعيد لنا بعض الأمل في صحوة جديدة.

وامعتصماه، صرخة لا يجب انتظار الجواب عليها من أنظمة الظُلم والإجرام المُنتشرة على طول الوطن العربي وعرضه، والتي تُمسك برقاب 430 مليون إنسان، وإنما إلى هؤلاء الناس مباشرة، نحن الآن في زمن الشعوب وقد ولى الظلم والاستبداد في مُعظم أرجاء المعمورة، فمتى سنعود لنصحو من جديد، بانتظار ذلك، إن غرق أطفالنا في البحر، أو ماتوا حرقاً في فلسطين أو حماة، فلا يجب أن نلوم إلا أنفسنا.

اسئلة الى اللاجئ السوري

اسئله الى اللاجئ السوري

نزار بدران

لم يعد في أي بقعة في سوريا مكان آمن، تكالبت على شعبها قوى الاستبداد وقوى التخلف القادمة من القرون الوسطى. لم يعد هناك قرية آمنة ولا بيت آمن، لا تميز آلة القتل الأسدية الإيرانية الروسية بين طفل ومقاتل، أو امرأة ورجل. مئات الآلاف فقدوا أرواحهم، وآلاف البيوت دُمرت، حقول القمح والزيتون حُرقت، وآثار أجدادنا وتاريخنا هُدمت.

شُرد ملايين البشر المدنيين الآمنين، داخل وخارج بلادهم، ووجهت صرخة الحرية التي انطلقت من حناجر أطفال، درعا بجحيم من النار.

أين نحن في بلادنا العربية من كل ذلك، ننظر إلى سفن الغرق المتوسطية ومئات آلاف اللاجئين، بعد أن امتلأت بهم دول الجوار. أين نحن من استقبال هؤلاء المهجرين من بلاد العرب، ونحن نغني بلاد العرب أوطاني من الشام لتطوان؛ لم تُفتح أبواب دول شمال أفريقيا، إلا لآلاف قليلة، تُعد على أصابع اليد الواحدة، وأُغلقت تماماً أبواب الخليج (وبشهادة المنظمات الإنسانية الدولية)، والتي لا تستقدم اللاجئ السوري إلا للعمل، كأي عمالة أخرى بالعالم.

حق اللجوء حق إنساني طبيعي، كفلته المواثيق الدولية، وواجب استقبال هؤلاء المُهجرين كذلك. الاستقبال الألماني الحافل لمئات الآلاف، والذي تبعته الدول الأوروبية الغربية الأخرى هو النموذج الذي يجب أن يُحتذى، بدل أن يُنتقد. ولتعرف عزيزي القارئ، الجواب على الأسئلة التي تُراود خُلدك، اطرحها فقط على اللاجئ السوري، أو ضع نفسك مكانه لحظة واحدة، اسأله عن رأيه باستقبال إخوته العرب، بمصر وليبيا وتونس ودول الخليج، وعن ظروفه المعيشية بدول الجوار.

في أوروبا الغربية الآن، يدخل اللاجئ من الباب الواسع، ويندمج بالمجتمع الذي خرج بالآلاف لاستقباله، له حق العمل والإقامة، والتنقل والمساعدة المالية، والضمان الصحي والاجتماعي، له حق السكن وتعليم أطفاله بأحسن المدارس فوراً، والمئات فُتحت لهم خصيصاً بألمانيا.

اسأل هذا اللاجئ عن وضعه بلبنان، وعيشه بخيام تخلعها الريح، أو تحرقها شمس الصيف، أو تُدفن تحت الثلج، اسأل هذا اللاجئ عن فرص العمل التي وُفرت له، ومساواته بأخيه العربي الآخر.

اسأل اللاجئ الفلسطيني بمخيم عين الحلوة، فهو هناك منذ سبعه وستين عاماً، لماذا يُمنع من العمل بثمانين مهنة، بما فيها الطب والهندسة، ولا يُسمح له البناء والتوريث والعلاج، اسأل اللاجئ الفلسطيني إن كان مخيم عين الحلوة، هو بالنسبة له الأفضل والأقرب والأنسب، لتحضير عودته إلى فلسطين، وهو المخيم المُحاصر ويعيش أهله على الكفاف. هل اللاجئ الفلسطيني هو النموذج الذي تعطيه الدول العربية للاجئ السوري الجديد.

 

الدين المُعاملة كما يقول المثل، فأين نحن من حُسن استقبال اللاجئ مهما كان، أين حقوقه ببلادنا. حكومات الدول العربية، لم ترى باللاجئ الفلسطيني، إلا خطر محدق بها، قد يدفع تضامن شعبها معه، إلى اضطرابات داخلية، واستقبال اللاجئ السوري قد يُهدد أمن البلاد، وثبات الحكم. هذه هي المحاور الحقيقة للسياسات العربية تجاه اللاجئين، أبناء نفس الوطن ونفس الأمة ونفس اللغة، وفي كثير من الأحيان نفس الدين.

انتقدنا أوروبا عندما أغلقت أبوابها لسنوات بوجههم، ونحن كذلك، أما الآن فلا يحق لنا أن ننتقد استقبالهم الحافل الإنساني، عندما نرى بيئتنا العربية. نموذج اللجوء الفلسطيني التاريخي، منذ سبعه وستون عاماً، ونموذج اللجوء السوري الآن، يُحتم علينا أن ننظر أولاً إلى أنفسنا، ونقوم بتقويمها ونحن دول غنية بمساحتها وثرواتها الهائلة.

اللاجئ الفلسطيني والسوري بالغرب هو سند لشعبه، والدعم الذي يؤمنه هؤلاء، على المستوى المادي والسياسي لأوطانهم، وتأثيرهم الحالي والمستقبلي على السياسة الغربية، لصالح قضايا فلسطين وحرية سوريا، هو ما يُخيف اسرائيل ويدفعها لدعم مواقف دول شرق أوروبا العنصرية، مثل بلغاريا والمجر ومساعدتهم ببناء أسوارهم العنصرية، على غرار ما تعمل بفلسطين، لأنها تخاف من هؤلاء بأوروبا، أكثر بكثير من خوفها منهم في مخيمات اللجوء بالدول العربية المجاورة، الأكثر قرباً لفلسطين جغرافياً ولكن الأقل تأثيراً وخطراً عليها.

مئات الآلاف اللذين ذهبوا لأوروبا الغربية، قد يكونوا خسارة للشعب السوري، لبناء وطنهم بعد سقوط النظام، ولكنهم أيضاً قد يكونون مصدر قوة ودعم له، كما هو اللاجئ الفلسطيني في أوروبا، بينما الخسارة الحقيقة التي لا تُعوض والكارثة التي لا تُقاس، هو مقتل مئات الآلاف من السوريين، تحت براميل بشار المُتفجرة، هؤلاء ذهبوا ولن يعودوا، مهندسين وأطباء وعمال ومهنيين، أطفال المستقبل وشابات وشباب الشعب، هؤلاء ذهبوا برضا إسرائيل، وهم حق خسارة لا تُقدر بثمن.

اندماج اللاجئين بدول أوروبا الغربية، سيُزود هذه الدول بقوة عمل جديدة، وألمانيا لها تجربة كبيرة، فقد استوعبت شعب دولة كاملة، سبعة عشر مليون مواطن من ألمانيا الشرقية عام 1989 بعد سقوط الجدار، كلفها ذلك مئات المليارات، ولكنها أصبحت أكثر قوة على كل المستويات. لم يكن لتُفتح الأبواب الأوروبية بهذا الحجم، لو لم تتحرك الشعوب الأوروبية، وتُظهر انتمائها أولاً للإنسانية وترحب باللاجئين، مما أجبر الحكام على إعادة النظر بسياساتهم تجاه استقبال هؤلاء.

حان الوقت لوضع حد لنزيف هذا الجرح الدامي، وتظافر كل جهود أبناء الأمة، لنصرة إخوتهم بسوريا.

استشهاد الطفل السوري، إيلان، فتح أعين الغربيين على إنسانيتهم، فهل سيفتح أيضاً عيوننا على إنسانيتنا وعروبتنا.

 

 

 

بوتين والهروب الى الأمام

 

بوتين والهروب إلى الأمام!

نزار بدران

 

تُقدم العديد من وسائل الإعلام التدخل الروسي الحديث في سوريا،على أنه نتيجة سياسة روسية صائبة، مقابل التخبط الغربي والعربي، الذي تعودنا عليه منذ أربع سنوات، فالغرب وعلى رأسه أمريكا، يُعطي الانطباع بأنه اكتفى بالتصريحات الجوفاء، ولم يستطع أن يفعل شيئاً أمام التحالف السوري الإيراني الروسي. ولكن الحقيقة التي يجب الالتفات إليها، أن الأمر يختلف في رأيي عن ذلك كثيراً، فلو تصورنا لحظة أن التحالف السوري الروسي الإيراني كان مُنتصراً وثابتاً على الأرض، وأن قوات جيش بشار الأسد تتقدم على كل الجبهات، من درعا إلى حماة وحلب ودير الزور، لما احتاج هذا التحالف إلى تغيير تكتيكاته ودخول قوة عُظمى إلى ساحات الصراع.

لكن الحقيقة أن المشارفة على انهيار النظام السوري، وفشل النظام الإيراني والميليشيات المذهبية المسنودة من طهران في دعمه، رغم كل ما قدم حتى الآن، والخسائر الكبيرة التي مني بها حزب الله، وأمثاله من ميليشيات “الحشد المذهبي” العراقي والأفغاني، وانحسار أماكن تواجدهم لصالح قوى المعارضة، هو الذي أجبر قسراً، الرئيس فلاديمير بوتين، على دخول المعركة مباشرة، مُكرهاً وليس لكونه بطلاً سياسياً محنكاً. على أن فشل سياسة إيران في سوريا لإنقاذ النظام، رغم الدعم المالي والعسكري الهائل لروسيا، هو ما كان وراء القرار الروسي بالتدخل المباشر.

وكأي نظام غير ديمقراطي، يبني بوتين سياسته الداخلية والخارجية، على مبدأ قمع وإنهاء المعارضة الروسية؛ فهذا نظام لم يرث من الحكم الشيوعي إلا مؤسساته الاستخبارية والبوليسية، ولم يستعمل الديمقراطية والانتخابات إلا لسرقة روسيا وثرواتها، لصالح حكمه، وحكم المافيات التي يمثلها، في استعادة مكرورة لنهج حكم يحتكم ويستند بدوره لأوهام الذات القيصرية.

يأتي التدخل الروسي في سوريا، في إطار منع ولادة أي نموذج ديمقراطي في أي مكان، خوفاً من العدوى التي قد تصل إلى شعبه، ولكنه في نفس الوقت يُعطي المعارضة الروسية وسائل جديدة لتعبئة الرأي الداخلي ضد بوتين وسياساته، خصوصاً وأن ذكرى الحرب الأفغانية ليست بعيدة، ومئات الجنود الذين عادوا بتوابيت لروسيا، لم تُنس بعد، بالإضافة لمستوى الحياة المُتراجع مع الأزمة الاقتصادية، وانخفاض سعر النفط، وتكاليف حرب أوكرانيا.

بمعنى من المعاني، يشكل تدخل بوتين وبقوة عسكرية كبيرة، نوعا من الهروب إلى الأمام، حيث المخاطر تحدق وتحف بهذا التدخل من كل الجهات؛ الانتصار فيه يعني إنقاذ بشار الأسد وإنهاء الثورة، بينما الهزيمة فيه تحتم زوال بشار ونظامه. ولسوء حظ بوتين، فسوريا ليست الشيشان الصغيرة، ولن يستطيع أن ينجح في ما فشل فيه الإيرانيون، بكل قوتهم وقوة حلفائهم.

الصديق الوحيد للسياسة الروسية في هذه المرحلة هو إسرائيل، ونحن نرى ذلك كل يوم، فهي الوحيدة في العالم التي لها مصلحة حقيقية بإبقاء النظام السوري، لأنها تُدرك أن انتصار الربيع العربي، الذي سيتبع انهيار الحكم السوري، سيشكل خطراً على وجودها، فشعوب ربيع الأمة لن تقبل انتهاك حقوق جزء منها وهو الشعب الفلسطيني، وسرقة قطعة من أراضيها وهي فلسطين.

من هنا يمكن رؤية أن المشترك ونقطة الالتقاء في السياسة الدولية تجاه سوريا، هي مصلحة إسرائيل والأمن الإسرائيلي، وليس مُحاربة الإرهاب، كما يدعون ويخلقون لها الفزاعات، فالغرب بتخبطه الظاهري وفشله في دعم الثورة، يُترجم واقعياً، سياسات تتناقض مع مبادئ الديمقراطية المؤسسة له، وحتى لمصالحه المستقبلية، وذلك تحت تأثير ولصالح اللوبي الصهيوني، الذي ما زال مسيطراً على كثير من مواقع القرار ووسائل الإعلام. وروسيا من ناحيتها تتدخل كما تشاء، مداً وجزراً، وتتحالف عسكريا مع من كانوا يعتبرون ألد أعداء إسرائيل، أي إيران وحزب الله، بدون أي احتجاج إسرائيلي، بل على العكس، أُعطيت لها كل المباركة والتأييد.

لنفهم بوتين، علينا أن نُدرك مدى خوفه من الشعب الروسي ومطالبه الديمقراطية، ولنفهم الغرب علينا أن نُدرك الدور الإسرائيلي، في صياغة سياسات دوله.

قد يكون مستقبل سوريا والربيع العربي، مرتبط بشكل أو بآخر، بإرساء الديمقراطية الحقيقية في روسيا، وحينها لن تدافع إلا عن مصالح شعبها، وتتضامن مع حراك كل الشعوب، وتدعم حقوقهم بالديمقراطية والعيش الكريم. وقد يكون هروب بوتين الى الأمام “غلطة الشاطر” التي ستُعيد الصحوة والحراك إلى ملايين المقهورين في روسيا، حيث صادر بوتين حقهم بالحياة الكريمة، لصالح إمبراطوريته الوهمية. ورُب ضارة نافعة.

انتفاضة ثالثة ام ربيع فلسطيني؟

 

انتفاضة ثالثة أم ربيع فلسطيني؟

نزار بدران

تعم الأراضي الفلسطينية حالياً موجة من الاحتجاجات العارمة، يقودها شباب وفتية فلسطينيون، كما كان ذلك دائماً، فالشباب كانوا دوماً سباقون للعطاء دفاعاً عن الوطن، ذلك صحيح الآن، وصحيح أيضاً في أيام الثورة الفلسطينية الأولى، بقيادة الشيخ عز الدين القسام وما تلاها.

هؤلاء الشباب لا يتطلعون لتحقيق هدف مرسوم لهم، من قِبل القيادات والمختصون بالسياسة والمفاوضات الاستراتيجية، وإنما يؤكدون بعفوية، ولكن بإصرار، ثوابت الشعب الفلسطيني، وثوابت الفكر الإنساني. الحق أولاً والدفاع عنه حتى الموت؛ الحق بحياة كريمة عادية، والتنقل والعمل والدراسة، الحق بالخروج والدخول من وطنهم، الحق بالتعبير عن رأيهم، الحق بتملك أراضيهم وأراضي آبائهم من قبلهم، الحق بان لا تُمارس ضدهم العنصرية المقيتة ولا توضع حولهم الأسوار لعزلهم عن بعضهم البعض وعن العالم.

الشاب الفلسطيني له الحق بدخول القدس والصلاة بالأقصى وكنيسة القيامة متى شاء، الحق بالبناء والتعمير وتعليم لغته وتاريخه لأولاده وليس الخضوع لتاريخ مزور. الحق لابن اللاجئ المُهجر من أكثر من ستين عاماً بالعودة إلى قرية أبيه وزرع أرض جده. الحق بانتخاب قياداته ومراقبتها وتغييرها متى شاء, الحق بالعيش بدون احتلال ومكافحته.

هؤلاء يريدون ان يكونوا أناساً لهم كامل الحقوق المُعترف بها ككل شباب العالم، وتؤكدها كل المنابر الدولية والهيئات الأممية، وليست قابلة للنقاش والمناقصات.

شبابنا لا تهمهم المحادثات العبثية الدائرة منذ عشرات السنين مع العدو، ولا يريدون أن يستجدوا دويلة صغيرة مُقسمة مليئة بالمستوطنين كقطعة الخبز العفنة.

قيادات الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده، لم تعد تفهم هؤلاء الشباب، وما زالت تصر على نقاش تحسين شروط الاستسلام، المفروضة من إسرائيل وحُماتها الغربيون.

الشباب الفلسطيني يريد أن يربط الحق الفلسطيني ببوصلة الربيع العربي، الهادف إلى بناء أمة جديدة، لا تقبل الضيم والاستبداد، والتي ترفع شعارات الحرية والكرامة عالياً، وتسعى لبناء دول تضع حق المواطن العربي في المقدمة، وتبني بناءاً عليه سياساتها الداخلية والخارجية. دول تُكرس مواردها وثرواتها لخدمته ونموه، دول تسعى جميعاً لبناء صرح الأمة على أسس الديمقراطية, وتعامل الآخر تعامل الند للند.

شعارات شبابنا في القدس وغزة واللد أو المدن الفلسطينية الأخرى، تلتحق بنفس الشعارات التي رُفعت بتونس أو ساحة التحرير أو مدارس درعا وساحات صنعاء، وحدة الهدف ستخلُق وحدة الوسيلة وتجميع القوى لتحقيقها.

ستعود القضية الفلسطينية الهم الأول للأمة، وتحرير فلسطين هدفها، بعد أن تتخلص من براثن الاستبداد وحكم القلة المُستغلة، النضال من أجل الحرية وإزالة الظلم ودحر الاستبداد، لا يتناقض مع هدف إزالة الاحتلال وتحرير الوطن، بل على العكس هو شرطه الأول، لذلك فإن تفاعل شباب فلسطين مع شباب الأمة، ومواءمة شعاراتهم وتوحيد أهدافهم، هو الجديد على الحركة الوطنية الفلسطينية، والتي للأسف عزلت نفسها منذ أكثر من خمسين عاماً عن بُنيتها العربية الشعبية وحاضنتها الطبيعية، برفع شعارات انعزالية، تدعي ظاهرياً حماية القرار الفلسطيني، ولكنها بالحقيقة قزمت القضية ووضعتها في مهب الريح.

نأمل أن تكون الأحداث الجارية بداية الربيع الفلسطيني العربي، وليس فقط هبة جديدة لبعض الوقت، توقفها عجلة السياسة ودهاء الحكام.

 

أردغان والنصف الأخر من الشعب التركي

 

أردوغان والنصف الآخر من الشعب التركي

 

نزار بدران

 

في الانتخابات البرلمانية التي جرت قبل أيام، أعطى الشعب التركي من جديد السلطة كاملة لحزب العدالة والتنمية، وتشير التقديرات إلى أن البرلمان المُنتخب، سيتمكن من تمرير مطالب الرئيس، رجب طيب اردوغان، بتغيير الدستور، وتحويل الحكم إلى نظام رئاسي.

للأسف فإن المؤشرات التي سبقت هذه الانتخابات، أظهرت جلياً تعنت الرئيس أردوغان، وبُعده التدريجي عن الالتزام بالمفاهيم الديمقراطية، وواجب احترام الجميع اغلبية ومعارضة، وهو الذي استعمل القمع في ساحة تقسيم وغيرها ضد المتظاهرين، وحاول إلصاق تهمة التحالف مع “إرهابيي” حزب الشعب الكردستاني بحزب الشعوب الديمقراطي، ومؤججاً النزعة القومية الكردية والتركية، محاولاً بذلك إنزال هذا الحزب المعارض إلى أقل من عشرة بالمئة، الضرورية له للمشاركة بالبرلمان.

وإذا كان الشعب التركي قد صوت بأقل بقليل من خمسين بالمئة، لصالح سياسة الحزب الحاكم، وجدد له الثقة، إلا أننا لا يجب أن ننسى أن أكثر بقليل من خمسين بالمئة، قد صوتوا لأحزاب أخرى لا تقبل هذه السياسة.

على الرئيس أردوغان، كرئيس لكل الأتراك، وليس لجزء منه فقط، ان ينظر لهذا الانقسام بالتناصف بين الشعب التركي، فضعف المعارضة وعدم قدرتها على صياغة مشتركة لبرنامج حكم، هو  في الحقيقة الذي سمح له بتحقيق أهدافه. فالديمقراطية الحقة لا تكتفي بحكم نصف الشعب لنصفه الآخر، ولكنها تأخذ بالحسبان آراء جميع الناس، خصوصاً الأقليات، العرقية منها كالأكراد، أو المطالب الاجتماعية والسياسية. ومحك نجاح حكومة أردوغان الجديدة، هو برأيي بمقدار ما سيحترم المنتصر بالانتخابات مطالب الآخرين.

إن تراجع هامش الحريات العامة والفردية، والاستمرار بانتهاك حرية الصحافة والصحفيين، كما رأينا خلال الفترة القليلة الماضية، من إيقاف الصحفيين أو إرهابهم، مما أدى لهرب بعضهم للخارج، واغلاق قنوات معارضة ومقاضاتها, بشهادة المراقبين الأمميين، والمضايقات الأمنية والقضائية للمعارضين، يتنافى تماماً مع مفهوم الحكم الديمقراطي، يُضاف إليه عدم تمكن حزب الشعوب الديمقراطي من الاستمرار الطبيعي بحملته الانتخابية، واضطراره لإلغائها، بسبب التفجيرات التي أصابت تجمعه باسطنبول.

نأمل من القيادة التركية في برلمانها الجديد، أن تعود إلى القواعد العادية للحكم الديمقراطي، الذي يفتح المجال واسعاً أمام حرية الصحافة، مهما كانت انتقاداتها، وإلى احترام حقوق المواطن بالتعبير. وسترينا الأيام والأسابيع القادمة إن كان انتصار أردوغان هو حقاً انتصار للديمقراطية، وليس انتخابا لديكتاتور من طراز جديد. فالشعب التركي بإعطائه نصف الأصوات للحزب الحاكم، أفهمه في نفس الوقت أن عليه احترام الجميع، عندما أعطى النصف الآخر أو أكثر بقليل من الأصوات للمعارضين.

وإذ تراقب شعوب الأمة العربية والإسلامية التجربة التركية منذ سنوات، فلكونها نموذج ديمقراطي ناجح في كل المجالات، ويكذب ادعاءات كثير من المثقفين ووسائل الإعلام الغربية، بكون هذه الشعوب، ليست مؤهلة لدخول الديمقراطية الحقة. وما التراجعات الأخيرة في مجال احترام الحريات العامة، والموثقة من طرف المؤسسات الدولية المختصة، إلا إعادة إحياء لهذه المخاوف، وضربة موجهة لمن يرى في النموذج التركي الطريق التي يجب أن نسير عليها.

أملنا ألا تكون تجربة السنوات الثلاث عشرة الأخيرة، ونتائج انتخابات حزيران الماضي، بمثابة الممحاة الماسحة لعبر ودروس الانتخابات الجديدة. وإنما الحكمة الحقة تقتضي ليس استخلاص الدروس من الانتصارات، ولكن أيضاً وكذلك استخلاصها من الهزائم. فالشعب التركي قال كلمته بكل حرية، وعلى الجميع احترامها، ويبقى على الحكم الجديد أن لا يُخطىء فهم هذه الكلمة، حتى يُبعد شبح الصدام العنيف بين نصفي المجتمع التركي.