حوار بانا الحلبية وآنا الروسية

نشر بالقدس العربي بتاريخ 21 ديسمبر 2016

حوار بانا الحلبية وآنا الروسية

 

نزار بدران

 

لم تبك بانا، تلك الطفلة الحلبية الصغيرة، ذات السنوات السبعة، وهي تخبرنا بأن رسائلها القصيرة اليومية ستتوقف، وأنها مع أمها، قد تُقتلان قريباً، وأن ألعابها قد أُحرقت. لم تبك بانا لأنها أدركت بحسها المُرهف، أن لا أحد سيأتي لإنقاذها وإنقاذ أمها وأهل حلب، لم تبك لأن البكاء، هو علامة استجداء، وهي لم ولا تريد أن تستجدي من لا يملك الشعور والإحساس الإنساني. قُتل أهل حلب وهجروا، وقد تكون قد قُتلت مايا مثل مئات من ألاطفال السوريين.

 

لم تبك آنا أخماتوفا، الفتاة الروسية الشاعرة، وهي تحت الحصار بمدينة ليننغراد، المُدمرة والمحاصرة من قبل الألمان، قبل مغادرتها لها، وقد رأت جثث الأطفال الذين ماتوا جوعاً حولها، بل كما فعلت بانا الحلبية، أخذت قلمها وبدأت بكتابة قصيدة قبل ان تتحرك روسيا. قالت فيها:

 

أنت التي لم تصبحي قبري

يا مدينة الجرانيت مدينتي الجهنمية الغالية

أنت شاحبة ومجمدة وصامتة

وداعك ليس إلا وهماً

وإنفصالي عنك مستحيل

ظلي على حيطانك

صورتي فوق مياه قنواتك

ووقع خطواتي عالقة داخل صالات متحف الهيرمتاج

بينما روسيا تنظر وهي تعض شفتاها باتجاه آخر.

 

ليننغراد الروسية، دُمرت على أيدي الألمان، وفقدت أكثر من مليون قتيل مدني، قبل أن يتحرك الجيش الروسي، مُتأخراً لفك حصارها، والذي استمر تقريباً 900 يوم خلال الحرب العالمية الثانية. وحلب السورية دُمرت من قِبل الروس، بعد حصار دام أكثر من عام، ولم يأت أحد لإنقاذها، في الحالتين لم يكترث أحد للمدنيين، وحدهم المُحاصرون، من دافعوا عن أهاليهم وأبنائهم.

 

بعد ليننغراد، وضعت الأمم المتحدة، لائحة من ثلاثين بنداً لحقوق الإنسان، وقعتها كل دول العالم، هذه اللائحة هي الصرخة التي تقول “لن نقبل أن يحدث ذلك مرة أخرى”، واحتفلنا بذكراها قبل بضعة أيام.

 

أين نحن الآن غربا وشرقا، من هذه التواقيع وهذه الإلتزامات، ونحن نرى مأساة ليننغراد تتكرر من جديد، ولكن هذه المرة بأسلحة دمار روسية، وهذه المرة لم يأت أحد لإنقاذها.

أي مستقبل سنبني لأبنائنا من بعدنا، وهم يرون ماذا فعلنا بهذه اللائحة النبيلة، وقد مُزقت وأُلقيت بحاويات النفايات. هذا أهم سؤال نطرحه على أنفسنا، أفراداً أو مجتمعات، سعادة أبنائنا من بعدنا، تهمنا أكثر من سعادتنا.

 

إنه لمن الغريب، أن تجتمع كل دول العالم، بمؤتمرات سنوية، للبحث بالتغييرات المناخية، علماً بأن هذه التغيرات، لن تحصل إلا بعد سنوات طويلة، وذلك حفاظاً على مستقبل الأجيال القادمة، وفي نفس الوقت لا تكترث ببناء تلك الأجيال، على المبادىء التي وضعتها لنفسها عبر لائحة حقوق الإنسان.

 

أن نبني لأطفالنا مجتمعا سليما، يعني أولاً أن يكون مجتمعا متضامنا مع نفسه ومع الآخرين، قبل سلامة الماء والهواء، فسلامة الماء والهواء، لا معنى لها عندما تُدك مدن مثل حلب بالبراميل المتفجرة والغازات السامة، ويموت أهلها جوعاً، كما حدث قبل ذلك لأهل ليننغراد. أن يرى أبناؤنا يومياً، دمار حلب على رؤوس أطفالها وسكانها، ولا يرون منا إلا عدم ألاكتراث, لن يخلق إلا مجتمع المستقبل الناقص الطموح، والذي لا تتجاوز آماله حدود بلده الصغير، أو حتى عائلته أو نفسه.

 

إننا من حيث لا نحسب، نبني لهم أوطاناً، لا يعيشون فيها إلا للأكل ولقمة العيش، ولا تكترث بأي قيم إنسانية، لم نر في شوارع وعواصم العرب، أي مظاهرات تُذكر، ولا سمعنا من أي رئيس حزب معارض، أي رأي يخالف رأي السلطة في بلاده.

 

يقول المثل “أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض”، فمن يضمن لأبناء الدول العربية، ألا يصلهم يوماً هذا الدمار الحادث بسوريا. الوقوف مع الشعب السوري الآن ونصرته، هي الوسيلة لوقف أن يصلنا طوفان الدمار إلى كل أوطاننا، فالأنظمة العربية وتشبثها بالسلطة، ودعم القوى العُظمى لها، أمر مفروغ منه. وهذا سيدفعُ كل واحد منها، للعمل بأن تحذو حذو “النموذج الأسدي”، عندما تتململ شعوب هذه الدول، عندها لن نستطيع حماية أبنائنا ولا أنفسنا، وسنبكي من جديد، كما بكينا على العراق وسوريا وفلسطين من قبلها، ولن نجد من يتضامن معنا ويمد لنا يد العون.

 

الإعلانات

مبادرة لتجميل وجه بوتين

08/11/2016

نشر بدنيا الوطن 

مبادرة لتجميل وجه بوتين

د. نزار بدران

تقوم السلطات الفلسطينية حالياً، باتصالات مع الإدارة الروسية، بشأن مبادرة جديدة، أطلقها فلاديمير بوتين قبل أشهر، بهدف إعادة المباحثات لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ومن المحتمل أن يقوم رئيس الوزراء الروسي، ديمتري ميدفيديف، بزيارة المنطقة في هذا الإطار قريباً، بحسب الإعلام الروسي. وبحسب بعض المحللين، فإن الهدف الأساسي للمبادرة، هو إفشال الجهود الفرنسية لعقد مؤتمر دولي بباريس، كانت قد رفضته إسرائيل.

نحن طبعاً لسنا ضد المبادرات الدولية، الهادفة للتوصل إلى تسوية للصراع، ولو كنا ندرك بأنها بشكل عام، ومنذ عشرات السنين، لم تفض إلى أي نتيجة تُذكر، ولكننا نستغرب أن نتوجه لروسيا الآن، وهي التي تقصف شعباً عربياً شقيقاً، وتدمر مستشفياته وتهدم منازل المواطنين السوريين على رؤوسهم، هذا الشعب الذي كان دعماً وسنداً لنا، فهو جزء منا ونحن جزء منه.

نستغرب أن نطلب من الرئيس بوتين، الذي يرفض فكرة الحرية والانعتاق للشعب السوري، أن يعمل شيئاً ليعطينا هذه الحرية. نستغرب أن نطلب ممن يمنع الحرية عن شعبه نفسه، ويضع معارضيه في السجون، إن لم يقتلهم، أن يعمل شيئاً للشعب الفلسطيني.

يجب أن نُذكر القيادة الفلسطينية، بأن التحالف الروسي الإسرائيلي، القائم تجاه الحرب السورية، والتقارب بين البلدين، واضح للقاصي والداني، ولم تكتف روسيا بدعم إسرائيل عسكرياً، حين أُنشئت عام 1948، بل زودتها بأكثر من مليون مواطن، سرقوا أرضنا، ويعملون حالياً، كلوبي صهيوني، للتأثير في السياسة الروسية وليس العكس.

في الوقت الذي ترتفع فيه أصوات الكثير من الناس والدول والمنظمات الحقوقية، للتنديد بالهجمات الروسية الإرهابية، ضد أبناء شعبنا السوري، فإنه ليس من اللائق للفلسطينيين، أن يتوددوا ويتقربوا من هذا الطرف، الذي لم نعرف منه، إلا التدمير والإجرام.

مجلس حقوق الإنسان نفسه، أخرج روسيا من عضويته، بسبب جرائمها الحالية في سوريا، فكيف نقبل على أنفسنا، أن نقوم بإعطاء بوتين شهادة حسن سلوك، في نفس الوقت الذي تدك فيه طائراته، مخيمات أبناء الشعب الفلسطيني في سوريا، كباقي السوريين. مستقبل الشعب الفلسطيني هو مع الشعب السوري، وليس مع الحكم الروسي، فلا يجوز لنا أن نسجل على أنفسنا، ولو مرة واحدة، أننا لسنا والشعب السوري في خندق واحد.

نأمل من القيادة الفلسطينية، أن تكون أكثر قرباً من جماهير الأمة، وتطلعات شعوبها، كما هو الحال بالنسبة للشعب الفلسطيني، الذي لا ولن يرى بعين السرور زيارات قادة عرب إلى كيان الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين المحتلة، في الوقت  الذي ينتهك هذا الكيان، حقوقه بالعيش في وطنه بكرامة وحرية، فكيف سيرانا الشعب السوري، ونحن نتعامل ونستقبل من يقتلونه يومياً؟.

 

نحو ويستفاليا عربية

 

 نحو ويستفاليا عربية/ القدس العربي

د. مدى الفاتح

Nov 02, 2016

لا شك أن اليوم الذي تم فيه إقرار مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول كان مميزاً بالنسبة لتاريخ العلاقات الدولية، فقد كان يهدف لإنهاء تلك الحالة من الفوضى وتلك الحروب المستعرة التي لا تعرف حدوداً ولا تراعي حقوقاً للجار، بل تؤمن بالتمدد المستمر على حساب كل منطقة ضعيفة أو هشة بذريعة حماية المصالح أو الأقليات الدينية، أو لأي من الأسباب التي قد تكون أحياناً تافهة.
مفهوم «عدم التدخل» هو مفهوم حديث نسبياً فهو يرتبط بوجود دول ذات حدود معلنة، وهذه النقطة الأخيرة لم تتوفر إلا في القرون الأخيرة، أما قبل ذلك فلم تكن هنالك حدود بالمعنى الحديث وكانت الدول تقف عندما تعجز عن ضم المزيد وتتناقص مساحاتها تبعاً لضعفها وتآكلها.
ويستفاليا هي الاتفاقية التي أنهت إحدى أشرس الحروب الدينية في أوروبا، ونعني بذلك الحرب التي وقعت في القرن السابع عشر (1618-1648) والتي حصدت ملايين الضحايا. في الواقع فإن تلك الحرب لم تكن سوى امتداد لحروب طويلة بين الطوائف المسيحية المختلفة، التي حرص فيها كل طرف على إجبار الآخرين على اتباع طريقه.
كانت الاتفاقية التي جاءت بعد سلسلة طويلة من المشاورات إنجازاً تاريخياً مهماً، بتركيزها على ثلاثة مبادئ هي أولاً: إقرار الفصل بين السياسة الداخلية والخارجية، الأمر الذي لا يتأتى إلا بالتشديد على عدم التدخل في شؤون الغير، خاصة الشؤون الدينية، وثانياً: الاتفاق على أن حاكم كل أمة هو من يحدد ديانة من يحكمهم، فلا يجوز مساعدة اتباع دين معينّ أو طائفة على الثورة أو محاولة تغيير نظام الحكم، ثم يأتي المبدأ الثالث الذي سيكتسب أهمية خاصة وهو المتعلق بمبدأ الدفاع الجماعي والمشترك.
منذ ذلك الوقت تطور الأمر ليصبح التدخل في شؤون الدول الأخرى خطيئة كبرى واتهاماً يسرع الجميع لنفيه والتبرؤ منه، فأصبح، على عكس ما كان في السابق، من غير المقبول إعلان نية التدخل السياسي أو العسكري في شؤون دولة مجاورة أو بعيدة ومهما كانت الأسباب.
هكذا ومع ويستفاليا تشكلت القناعة الجديدة لدى الدول الأوروبية بعبثية الصراع البيني، بمعنى الصراع فيما بينها كدول كبرى ومتحضرة. وكان من أهم نتائجها اقتناع عدد من الفلاسفة والمفكرين بأن أكبر أخطاء الماضي كانت المحاولة الدائمة للتنافس طمعاً في الثروات المادية والبشرية داخل الحزام الأوروبي. دعا أولئك المفكرون للبحث عن إطار جديد يقوم على التعاون والتشارك عوضاً عن التنافس المحموم الذي يفضي إلى الحرب والتدمير، ومن هنا يمكن القول إن روح ويستفاليا كانت حاضرة مع الأوروبيين وهم يصنعون اتحادهم الحديث والكبير. كان من المعروف بالنسبة للجميع أن سبب الحروب التاريخية الكبرى كان المساعي المستمرة للتدخل عبر حدود الدول الأخرى طمعاً في السيطرة وخدمة المصالح، لكن الجديد كان الاتفاق على طي تلك الصفحة والانتقال من «الحالة الغابية» إلى حالة أكثر احتراماً وإنسانية.
ويستفاليا ستساهم في وحدة أوروبا وفي ولادة دول مترامية قوية كألمانيا التي لم تكن إبان الحرب إلا مجرد مقاطعات متفرقة بائسة ومتناحرة. هذا التوحيد في الرؤى سيكون مهماً من أجل تنسيق الجهود الأوروبية التي أرادت التفرغ لمواجهة تهديد الامبراطورية العثمانية. هذه الوصفة الجديدة لم تنجح، بطبيعة الحال، كحل أبدي لصراعات الدول الكبرى ولم تستطع الصمود أمام النهم الأوروبي للموارد بعد الثورة الصناعية، ذلك النهم الذي تحول لحرب عالمية كبرى لا تبقي ولا تذر. كانت تلك الحروب العالمية الدموية نكسة كبيرة لتراث التفاهمات السياسية ومشاريع تنسيق جهود الدول الكبرى التي بدأت منذ عهد ويستفاليا. الاتفاقية المهمة ستجرفها الأطماع السياسية للقادة الأوروبيين ورغبتهم غير المحدودة في التوسع والسيطرة على حساب الآخرين، رغم ذلك فإن اسم ويستفاليا ما يزال يرمز للتفاهم ومبدأ حسن الجوار والتعايش المشترك، حتى إن البعض يقول إن الواقع كان سيصبح أكثر مرارة لولا هذا الاتفاق، فقد أنهت تلك المعاهدة تاريخاً طويلاً من محاولات الاستئصال المتبادل بين المذاهب المسيحية، التي كان يكفّر بعضها بعضاً، كما أنهت حقبة سوداء من حقب التاريخ الأوروبي، التي تعلقت بمحاولات استغلال العقيدة والتعصب الطائفي من أجل خدمة المصالح السياسية والأهداف التوسعية.
ولأن هناك شبهاً بين ذلك الواقع التاريخي الأوروبي وبين حالة التجييش الطائفي التي تعيشها المنطقة العربية حالياً فقد دعت طروحات حديثة لاستلهام عقلانية ويستفاليا وتطبيقها على الإقليم الذي تتناوشه الصراعات ذات الأساس المذهبي.
التطبيق هنا لا يعني عملية قص ولصق بسيطة، وليس المطلوب بأي حال محاكاة بنود تلك الاتفاقية وتنزيلها على واقع مغاير ومختلف، فإن ذلك سيبدو كمن يحاول زرع نبتة في غير موطنها ولا بيئتها. ويستفاليا كانت ابنة شرعية للثقافة والتاريخ الأوروبي وقد سبقتها في محاولات رأب الصدع السياسي والاجتماعي عدة اتفاقات مماثلة، كما تلتها اتفاقيات ومعاهدات أخرى لم تؤد فقط لتوحيد أوروبا ولكن لجمع العالم تحت مظلة أممية واحدة. لكن الفائدة التي يمكن الخروج بها من هذه القصة هي أن التصالح ممكن وأن العقل البشري الذي استطاع إنقاذ أرواح الملايين التي كانت تزهق في حروب عبثية وملاحقات هوياتية عبر الحدود الأوروبية، ذلك العقل هو ذاته الموجود اليوم لدى الفرقاء في المنطقة. أما الشيء الوحيد والفارق الأهم بين الحالتين العربية والأوروبية فهو عدم امتلاك القرار السيادي وعدم وجود إرادة حقيقية للتغيير في ظل وجود قيادات وزعامات وهيئات، «وطنية» أحياناً، مستفيدة من تلك الحالة من الفوضى والعبث بدماء الأبرياء.
كاتب سوداني

المذاهب الشمولية ومصادرة الفكر

نشر بالقدس العربي   21/09/2016

المذاهب الشمولية ومصادرة الفكر

نزار بدران

 

يشمل تعبير الشمولي كل فكر يقصي الآخر، ولا يترك له أي مكان في أي مكان، بل هو يحمل في ثناياه نفي هذا الآخر. مثل هذه الإيديولوجيات قديمها وحديثها تقع في مطب المُطلق، وتتصور أنها وصلت إلى الحقيقة التامة، ووصلت إلى جوهر الأشياء، فهم كأبي الكيمياء جابر بن حيان في القرن الثامن الميلادي، الذي كان يبحث عن الحجر الفلسفي الذي يحول كل شيء إلى ذهب.

ظن بعض الفلاسفة القدامى، أن كل شيء يحوي في داخله ألجوهر, وإذا وصلنا إليه حصلنا على المعرفة النهائية. بينما الحقيقة الأبدية والنهائية لم تعد موجودة، لا بالفكر ولا بالفلسفة، ولا حتى بالعلوم البحتة، كالفيزياء، فأينشتاين وضع أسس النظرية النسبية، وأثبت هو وثُلة كبيرة من علماء الفيزياء، عدم وجود أي تمركز للحقيقة أو جوهر الأشياء، وأن الأشياء أصلاً بما فيها الذرة والالكترون ليس لهما جوهر خاص، وإن كان لهم حالات نسبية، متغيرة ومتقلبة. هذه الفيزياء الحديثة، والتي أصابت حتى مفهوم الزمن والمكان، هي أساس العلوم المعرفية، وبدونها لما وُجد الحاسوب، الذي تقرأ عليه عزيزي القارئ هذه الكلمات، ولا “الجي بي أس”، الذي يوصلك بسهولة إلى أي عنوان، بأعقد المدن.

كوارث الاستبداد

الفكر الشمولي، لم يقبل ذلك، وكان النظام الشيوعي يتبنى مفهوم السببية، أي بمعنى أن لكل شيء مسار يسير باتجاهه، لا يمكن تحويله، مستنتجاً طبعاً، نظرية تطور الشعوب والمجتمعات، وحتمية دخولها النظام الشيوعي، والذي هو برأيهم، النهاية لمآل كل التناقضات.

هذا الفكر بدل أن يوصلنا إلى الجنة الموعودة، بروسيا أو الصين، أوصلنا طبعاً، إلى كوارث الاستبداد وحكم القلة، وما صاحبها في الدول الشيوعية من قتل وتشريد الملايين. كذلك الفكر النازي حمل في طياته أشياء مشابهة شمولية، ولم يصل هتلر، إلى مملكة الألف عام التي كان يعمل لإقامتها، بل إلى دمار ألمانيا وأوروبا.

الحروب الدينية التي عمت أوروبا خلال القرون الوسطى، بين الكاثوليك والبروتستانت، وتيارات دينية أخرى، تُذكرنا بآفة الحروب، التي دارت وما تزال تدور، في عالمنا الإسلامي، في حضن الفكر الشمولي الديني، ومنذ البدء. فكل مذهب يتصور امتلاكه للحجر الفلسفي والحقيقة الإلهية القادمة من الغيب, وليس في مخيلته مجال لفكره نفسه ، فكيف سيقبل بفكر الآخر؟.

النموذج الساطع، هو التيارات السلفية المتشددة، والتي لا تقبل إلا التقيد والخضوع للنص، كما حُدد قبل عشرة قرون، عندما حددت الخلافة العباسية ببغداد، المذهب السني، وأغلقت باب الاجتهاد وأنهت كل ما دار قبلها، في بدايات الإسلام، من حيوية فكرية, مثل فكر المعتزلة، ونقل وترجمة الفلسفة اليونانية في القرن الثامن والتاسع الميلادي.. وهذا بهدف تثبيت دعائم الحكم العباسي، وإنهاء كل التيارات المعارضة له، بتهمة الخروج عن الدين.. كتكفير الشيعة ومذاهب أخرى الخ..

أدى هذا الإعلان إلى إنهاء الفكر، والذي كان مصدر التطور الحضاري، خلال القرون الأولى للإسلام. استبدل هؤلاء العلماء والمفكرون، بالفقهاء وعلماء الدين،  الذين حددوا بشكل نهائي، مصادر المعرفة بما كان قيل وعُمل زمن السلف الصالح، ورفض كل ما لا يتطابق معه. إنهاء الاجتهاد هو الانتقال من حق الفكر المستقل، بموازاة الدين، إلى مرحلة إنهاء كل الاتجاهات الفكرية، والاكتفاء بالدين وحده. ولم نجد في المراحل اللاحقة، إلا القلة ممن خرجوا عن هذا الخط، أمثال ابن رشد، من الأندلس الأموية، والذي مات بمنفاه المراكشي، بالقرن الثاني عشر، أو ابن خلدون بالقرن الرابع عشر، والذي وضع أول تاريخ موضوعي، لا ديني، يصف الإمبراطوريات والدول، بما فيها الدولة الإسلامية، ويُعتبر لحد الآن مصدر فكر بعلم التاريخ والاجتماع.

الطوائف وأحزابها القديمة

عشرة قرون من الانغلاق الفكري، واعتماد الفقه والفقهاء كمرجعية علمية، أبعدتنا عن العلم والمعرفة، وأغرقتنا في التخلف والابتعاد عن الحضارة، بينما القرون القليلة، التي تلت ظهور الإسلام، كانت مليئة بالعطاء والعلم والمعرفة والفلسفة واستقبال الفكر المستقل، والتي ربطت العرب، كقوة عصبية حاكمة، كما يقول ابن خلدون، مع الحضارة الفارسية العريقة، وحضارة الإغريق، وسمحت بذلك بتفجر ما يسمى بالحضارة الإسلامية.

طوال أمد فترة الجمود، والتي شملت إنغلاق الفكر، بقرار سياسي من الخلافة العباسية، وبدعم من الأغلبية الشعبية المحافظة، وربط أي نشاط فكري بمرجعية دينية محددة، لا يجب أن يكون سبباً لاستمرار هذا الجمود، خصوصاً في هذا الزمن المنفتح على العالم، وتطور طبقة وسطى متعلمة، لم تعد تقبل بمسلمات الماضي، بل ترغب باللحاق بركب الحضارة العالمية، وبناء أمة منفتحة، تتخلص من قيود التحجر الفكري الديني الغيبي.

المذهب الحنبلي بالقرن التاسع، وما تبعه بالقرن الثالث عشر، من ظهور الفكر الأصولي المتطرف لإبن تيمية، والذي جُدد بقوة مع ظهور المذهب الوهابي، بالقرن الثامن عشر، هو للأسف الصيغة الطاغية على الوضع الحضاري والفكري بالعالم الإسلامي. بينما فكر المعتزلة المنفتح، ووصولهم للسلطة زمن الخليفة المأمون، لم يدم إلا بضعة عشرات من السنين.

كل الأسماء اللامعة للفكر الخلاق مثل ابن سيناء، والخوارزمي، والفارابي، وسيبويه، وهم في جلهم من شعوب غير عربية ذات انتماء للحضارة الفارسية لم تكن لتستطيع العطاء، لو عاشت في زمن إغلاق الاجتهاد، والاكتفاء بالنصوص الدينية، بالعلم والسياسة والمجتمع.

أسس التخلف الاجتماعي

منع التعددية الفكرية في المجتمع, ومنع حرية تشكيل الأحزاب، هي التي أسست للتخلف الاجتماعي والحضاري، الفكر الأحادي في هذا الزمن، هو ما يسمى حكم الحزب الواحد، كما هو الحال في دول حزب البعث العربي ألاشتراكي كسوريا، أو الحزب الوطني بمصر زمن  الرئيس حسني مبارك.

في الأزمان القديمة، كانت الاتجاهات ألفكرية, تأخذ دائماً غطاءاً مذهبياً، فالمذاهب الدينية، تعكس بالحقيقة التنوع السياسي للمجتمع، في زمن لم يكن هناك شيء يخرج عن إطار الدين.

وحدها الأنظمة الديمقراطية، هي التي تحمي التعدد الفكري، وحق تشكيل الأحزاب، وهو أساس قوة هذا النظام وسبب استمراريته، كما نرى حالياً بالغرب واليابان والبرازيل والهند وجنوب افريقيا وغيرها من الدول في كل أنحاء العالم.

أن تنتمي لطائفة محددة، في بلاد العرب حالياً، هو بالأساس انتماء لفكر سياسي اجتماعي، كان موجوداً في فترة معينة، قبل عدة قرون، وبظروف سياسية محددة، ويعكس صراعات سياسية معينة، لا يمكن الاعتماد عليها في زمننا هذا، لحل تناقضات مجتمعاتنا الحديثة، الطوائف يجب أن تبقى جزء من تاريخنا وليس جزء من حاضرنا، هي فقط أحزاب الماضي.

بالعكس فإن تشكيل الأحزاب السياسية، وتطوير مؤسسات المجتمع المدني، على أسس فكرية صرفة، محترمة توازنات القوى الاجتماعية، هي الكفيلة بإقامة دولة المواطنة، بدل دولة الطوائف.

لا يُتِصور حالياً، في دولة ديمقراطية، أن ينتمي أحد إلى اتجاه فكري، كان موجوداً قبل قرنين أو ثلاثة، مثل أحزاب الثورة أو الملكية الفرنسية، أو برامج أحزاب الحرب الأهلية الأمريكية، فكيف نقبل نحن، أن نبقى تابعين لأحزاب وُجدت قبل عشرة قرون؟. أن ندافع عن الحسن والحسين أو عن عمر وعثمان، لا يمكن أن يكون فكراً معاصراً مقبولاً، هؤلاء هم فقط جزء من التاريخ العربي الإسلامي لا أكثر ولا أقل.

الشمولية، هي وباء القرن العشرين، وقد ُبدئ التخلص منها في نهايات ذلك القرن، عندما انهارت الشيوعية، وتحررت دول أوروبا الشرقية، وكذلك تحررت دول أمريكا اللاتينية، وعديد من الدول الإفريقية والآسيوية. التغيرات السياسة بدول العالم، تبتعد دائما، عن فكر وسياسة الحزب الواحد، والقائد المُلهم، وتتجه نحو الديمقراطية والتعددية.

الأمة العربية لا يمكن أن تكون استثناء عن هذه القاعدة، وهي تعمل جاهدة للخروج من الاستبداد والفكر الشمولي، والذهاب نحو الديمقراطية والتعددية كغيرها، وسلاحها بذلك لن يكون إلا فكرياً حراً متجددا ، ولا مكان للفكر الديني الغيبي أو القومي الشمولي, أو العلماني الانتقائي، في هذه المعادلة.

Un islam français est possible

 

http://www.institutmontaigne.org/fr/publications/un-islam-francais-est-possible

http://www.institutmontaigne.org/res/files/publications/institut_montaigne_-_un_islam_francais_est_possible.pdf

Un islam français est possible R A P P ORT SEPTEM B R E 2 016 Résumé Le fondamentalisme religieux se diffuse avec vigueur sur notre territoire pendant que s’exacerbent les polé- miques autour de l’inscription des signes d’appartenance islamique dans l’espace public, suscitant crispations et angoisses. Ces peurs sont renforcées par une méconnaissance générale des musulmans de France, de leurs aspirations et de leurs pratiques religieuses. Aujourd’hui, le discours sur l’islam et l’image de l’islam sont très largement fabriqués par les djihadistes, les salafistes et les autres émetteurs de discours intégristes. Dans leur majorité, les musulmans de France ne participent pas de cet islam-là. Le portrait de cette majorité silencieuse que dresse l’Institut Montaigne dans ce rapport est inédit en France. La méconnaissance dont elle est l’objet s’explique en grande partie par la difficulté à connaître précisément la sociologie de la population musulmane vivant en France. C’est pour y porter remède qu’une enquête pionnière, aux méthodes rigoureuses, a été conduite avec l’Ifop auprès de plus de 1 000 personnes de confession ou de culture musulmanes. Les discours et les propositions qui émergeront dans le cadre de la campagne présidentielle de 2017 ne manqueront pas d’être alimentés par les préjugés, par la peur, voire par la haine. Il s’agit non seulement de répondre par la connaissance aux défis que les événements tragiques de 2015 et de 2016 ont fait naître, mais aussi d’éclairer les débats à venir d’éléments solides et objectifs. L’Institut Montaigne est convaincu que construire un islam français est possible. Mais son organisation, son financement, ses liens avec l’État ainsi qu’avec les pays dits « d’origine » doivent se transformer sous peine, faute de résultat, de rendre insupportables les tensions sociales que chaque attentat approfondit. Pour cela, cinq mutations majeures doivent être engagées. 1. « Sortir l’islam de France de la minorité » en comprenant, enfin, que les musulmans ne sont ni des mineurs qu’il faut mettre sous tutelle ni des irresponsables toujours divisés qu’il faudrait considérer avec commisération sans jamais les croire capables d’agir efficacement. L’atteinte de cet objectif est conditionnée par deux impératifs. • Mettre fin à la tutelle – longtemps acceptée voire encouragée par la France – d’États étrangers, qui ne tolèreraient en aucune manière sur leur sol ce qu’ils pratiquent en France. Mettre un terme à cette situation nécessite que les flux financiers venus de ces pays ne soient plus dirigés vers « leur » communauté, mais, de façon claire et transparente, vers une organisation reconnue dont les moyens seront utilisés dans l’intérêt de l’ensemble des musulmans de France, quelle que soit leur origine. • Faire émerger de nouveaux cadres, religieux et laïcs, nés en France, soucieux de prendre en main une communauté embryonnaire et de répondre aux très nombreux défis auxquels sont confrontés les musulmans de France. 2. Assurer à l’islam de France des ressources financières transparentes, destinées à un usage collectif, afin de structurer une véritable organisation de l’islam, de salarier les imams et de répondre à « la nouvelle fierté islamique » de nombreux musulmans de France, qui font de l’islam un objet moins religieux qu’identitaire. 3. Contribuer, autant que le permet la loi de 1905, à la lutte contre le discours fondamentaliste, notamment via le financement de la formation culturelle et du travail des aumôniers dans tous les lieux fermés (écoles, prisons, armées, établissements hospitaliers, etc.) et via l’enseignement de l’arabe à l’école publique. 4. Une réflexion doit enfin être engagée sur l’absence de l’islam du concordat qui régit, encore aujourd’hui, la relation entre les cultes et l’État en Alsace-Moselle. Il en va de l’égalité entre les citoyens et de la capacité de l’État de créer une faculté de théologie capable de travailler rapidement sur des interprétations religieuses compatibles avec la société française d’aujourd’hui. 5. Lever les ambiguïtés qui pèsent sur certaines pratiques locales (baux emphytéotiques, carrés confessionnels, garanties d’emprunt) afin de garantir aux musulmans que ces pratiques juridiques sont conformes à la Constitution. INSTITUT MONTAIGNE Institut Montaigne : 59, rue La Boétie – 75008 Paris Tél. +33 (0)1 53 89 05 60 – Fax +33 (0)1 53 89 05 61 – http://www.institutmontaigne.orghttp://www.desideespourdemain.fr

 

Faire émerger un islam français : les propositions de l’Institut Montaigne

• Étendre le concordat à l’islam en Alsace-Moselle afin d’assurer la formation des cadres religieux musulmans en France. L’islam n’est pas intégré au régime concordataire alsacien et mosellan. Par conséquent, le financement du culte musulman – et plus largement celui des nouveaux cultes – n’est pas aligné sur le régime dont bénéficient les quatre cultes reconnus (catholique, luthérien, calviniste, juif). • Permettre le financement du culte (construction des lieux de culte, salariat des imams, formation théologique) par l’Association musulmane pour un islam français, qui centralisera le produit d’une redevance sur la consommation halal. Pour que l’islam français puisse se doter d’une ligne théologique compatible avec la société française et afin qu’il puisse rompre avec les discours diffusés par les États émetteurs d’idéologie rigoriste, il faut créer des instances – gérées par une nouvelle génération de musulmans – capables de produire et de diffuser des idées et des valeurs françaises. • Élire un grand imam de France afin de conduire le travail intellectuel et théologique destiné à poser les jalons d’un islam français. • L’administration recrute des aumôniers, assurant une « fonction » qui, par essence, relève du religieux et du spirituel. Aussi, nous recommandons de créer un Institut français des aumôniers pour former culturellement et recruter des aumôniers. • Équiper juridiquement les collectivités locales pour favoriser l’émergence d’un islam local intégré (baux emphytéotiques, carrés confessionnels, garanties d’emprunt, etc.). Bien qu’interdits par la loi, les carrés musulmans sont encouragés par les autorités publiques, ce qui crée une situation d’insécurité juridique. • Enseigner l’arabe classique à l’école publique pour réduire l’attractivité des cours d’arabe dans les écoles coraniques et dans les mosquées. • Développer la connaissance sur l’islam : – connaître et prendre la mesure de la situation par des statistiques religieuses. La réticence française à l’égard des recensements religieux et des estimations d’appartenance religieuse ne permet pas de suivre finement l’évolution des composantes religieuses au sein de la population ; – rédiger un ouvrage scolaire d’histoire commun avec l’Italie, l’Espagne, le Maroc, l’Algérie et la Tunisie, afin de mettre en perspective historique les apports mutuels et les convergences religieuses et culturelles entre les deux rives de la Méditerranée. • Créer un Secrétariat aux Affaires religieuses et à la Laïcité, placé sous la tutelle du Premier Ministre, et lui rattacher le Bureau central des cultes. Il aurait pour principales missions : – d’adresser un signal politique fort, en sortant les relations avec les cultes du prisme sécuritaire – que peut induire le rattachement actuel du bureau des cultes au ministère de l’Intérieur –, et en favorisant une logique interministérielle dans les relations avec les différents cultes ; – de répondre à l’administration éclatée de l’imamat, de gérer l’attribution de visas aux imams étrangers, de gérer la formation des aumôniers et l’Institut français des aumôniers, de contrôler les associations cultuelles ; – d’assurer la liaison entre les pouvoirs publics, la Caisse d’assurance vieillesse invalidité maladies cultes (CAVIMAC) et les cultes ; – de garantir l’application de la loi de 1905, la neutralité des services publics, en ne reconnaissant aucun culte et en traitant toutes les confessions religieuses de façon égale ; – d’assurer la police administrative des cultes ; – d’entretenir des relations régulières et constructives avec les autorités religieuses et les associations cultuelles dans chaque département – notamment par la nomination d’un délégué aux affaires religieuses et à la laïcité dans chaque préfecture de département ou de région.