لمن الأولوية للحقوق الوطنية أم للحقوق المدنية؟

 

لمن الأولوية للحقوق الوطنية أم للحقوق المدنية؟

د. نزار بدران

عندما يصل الفلسطيني حامل الجنسية الغربية إلى فلسطين المُحتلة، يُطلب منه تفسير سبب قدومه، وضرورة تركه لإسرائيل في مدة لا تتجاوز الثلاثة أشهر. أما الفلسطيني حامل وثيقة السفر، لا يحق له أصلاً الوصول إلى هذه الحدود، أو طلب أي شيء.

عندما يصل الفرنسي اليهودي فلسطين المحتلة، يُمنح “الحق الإلهي” بالبقاء كامل عمره.

عندما يطلب اللاجئ الفلسطيني المُهجر من اليرموك، العودة إلى وطنه، يُطلب منه الذهاب للبحر، للموت غرقاً، إن لم يمت قصفاً وجوعاً، ووطنه على مرمى حجر.

عندما يُطالب اللاجئ الفلسطيني المُهجر من لبنان، بالعمل أو التملك، وهو المولود بمخيمات الشتات، يُعلن الكثير من اللبنانيبن، أنهم خائفون من التوطين، وعلى مستقبل القضية الفلسطينية، وعليه أن يعود إلى وطنه، وفي انتظار ذلك، يُحرم من كافة حقوقه المدنية حماية لحقوقه الوطنية، وهذا منطق عجيب.

عندما تختلف دولتان عربيتان، يُطلب من الفلسطيني أن يُغادر فوراً أراضيهما، كما حصل في الكويت والعراق، وعندما يريد المصريون الحصول على وُد إسرائيل، يتبرعون بحصار غزة وخنقها، كذلك الأمر عندما تتحسن العلاقات التركية الإسرائيلية، يُطلب من الفلسطيني مباركة هذا التقارب ودعمه، والفلسطيني هو العربي الوحيد الذي يحتاج إلى تأشيرة دخول عند ذهابه إلى تركيا.

عندما تصول وتجول الجيوش الإيرانية بسوريا، يُطلب من الفلسطيني أن يُبرر ذلك، وإلا يخسر أي دعم من محور المقاومة والممانعة، مع أنها تقصف مخيماته وتشرده من جديد.

الكل يضطهد الفلسطيني، تحت شعار حب فلسطين والدفاع عنها، وبنفس الوقت يطلب الغطاء الشرعي لعمله، عن طريق رضاء الفلسطيني عنه.

لائحة حقوق الإنسان للعام 1948، الصادرة عن الأمم المتحدة، تنص على حق كل إنسان بالعودة إلى وطنه والعيش بحرية واحترام حقوقه، هذه الشعارات ليست قابلة للنقاش والمتاجرة، لذلك وجب وضعها كأولوية مطلقة، فانتهاكها هو انتهاك للمواثيق الدولية، والتنازل عنها، غير مقبول، ويتناقض أيضاً مع تلك المواثيق. هذه ليست مطالب وإنما حقوق واجبة.

يجب على حقوقيينا وأحزابنا وساستنا، أن يتعاملوا معها كما هي بالقانون الدولي، وليس كمادة للنقاش والأخذ والعطاء، كما نرى هذه الأيام، إزاء مشاريع حل القضية الفلسطينية، على حساب اللاجئ الفلسطيني، المهجر المظلوم والمحروم، من أقل حقوقه المدنية، لصالح النقاء العرقي لإسرائيل أو الطائفي للبنان أو التعصب والعنصرية في بعض البلدان، وهي سياسات مُحرمة دولياً، وغير قابلة للدفاع عنها.

إنه لمن غير المقبول أن يتنازل عن حقه كإنسان، بحجة الحصول على دولة أو كيان سياسي، فنحن نرى دولاً وكيانات ذات عواصم، يُدمر بها الإنسان ويُقصف ويُقتل ويُحرم من حقوقه، كما هو الحال في العديد من الدول العربية والإسلامية.

متى سيعرف الناس، أن الحصول على حقوقهم المدنية كبشر، والمؤكدة بالمواثيق الدولية ولائحة حقوق الإنسان، والتي وقعت عليها كل الدول، بما فيها لبنان وإسرائيل، هي بداية لتحرير الوطن، وليس نهاية له. فالوطن لا يُحرر بحرمان المواطن، ولا يُبنى على نهب حقوقه بالعيش الكريم، والصحة والتعلم والسفر والذهاب والإياب، ولن نحرر وطناً بجيش من العبيد.

الدفاع عن الإنسان، الكامن في كل فلسطيني وعربي، وحقوق الفرد الأساسية، يجب أن يكون أساس أي عمل سياسي أو اجتماعي، ولا يمكن بناء سياسات وأحزاب بدون هذا الأساس المُؤسس لكل شيء. لا تُبنى الحضارة إلا على القيم، واساس الحكم هو العدل، ولا يمكن بناء الحق على الظلم، وكما قال ابن رشد، أكبر فلاسفة المسلمين (الحق واحد لا يتجزأ).

 

الإعلانات