صفقة القرن سياسة الأسد والثعلب

نزار بدران

القدس العربي 25 شباط فبراير 2020

يُصنّف الكثيرون مشروع ترامب أنه وعد بلفور آخر، أي إعطاء فلسطين من جديد من لا يملك لمن لا يستحق، هذا قد يكون تعريفاً لما يُسمّى بصفقة القرن، وهي كما نرى جميعاً نتاج التوافق الأمريكي – الاسرائيلي الكامل، والتواطؤ العربي والتحاشي الأوروبي، ويُنذر بنكبة جديدة وتهجير آخر.
نستطيع أن نغوص كما يفعل الكثيرون بالتفاصيل والأسباب والظروف والنتائج وظُلم ذوي القُربى واضطهاد الاستعمار العالمي…الخ، ولكن السؤال الوحيد الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا، كفلسطينيين أولاً، هو ماذا يجب أن نفعل، وهل لنا تصور وسياسة مُحددة، لمواجهة المشاريع المُعادية.

الهدف المرجو

الحقيقة أن دراسة الموقف الفلسطيني، بكل أشكاله الرسمية، في غزة والضفة ودول الجوار، أو حتى المواقف الشعبية، يُظهر مدى فقر الفكر الفلسطيني، وانطفاء ما كنا نتصوره الشعلة الثورية الفلسطينية التي تضيء الطريق للآخرين.
علم السياسة بكل بساطة يقول، أنه لا توجد سياسات بدون وسائل مناسبة لتحقيقها. أن تُحدد رغبة ما لا معنى له، إلا بعد تأمين وسائل الوصول إلى الهدف المرجو. الوسيلة الفاعلة للوصول للهدف، تجمع دائماً بين القوة والذكاء، القوة وحدها، أو الذكاء والدهاء وحدهما، لا يكفيان، فالأسد رغم قوته لن يتمكن من تفادي الكمائن، والثعلب رغم دهائه، لن يتمكن من منع الذئاب من أكله. إن أردت أن تنجح بامتحان دراسة، فعليك أن تُذاكر وتقرأ، وإن أردت أن تحصل على حقوقك، فلن يكفيك البكاء، بل يجب أولاً تأمين الوسائل الفاعلة للحصول عليها.
من هذا المنظار، فنحن الفلسطينيون، قررنا بأنفسنا، ومنذ بداية السبعينات، أن نتخلى عن كل الوسائل المُتاحة للنضال وتحقيق الأهداف، فالحركة الوطنية الفلسطينية، قامت بعزل نفسها عن الشعوب العربية، واعتبار فلسطين ملكاً خاصاً للشعب الفلسطيني، الوحيد المُخول بتقرير مصيرها. وحتى يتلاءم الهدف مع الوسيلة، قمنا بتقزيم الأحلام الفلسطينية، من تحرير الوطن كاملاً من النهر إلى البحر، وإقامة الدولة الديمقراطية، وعودة جميع اللاجئين، إلى تحرير ما أمكن، والاكتفاء بأراضي 67 وصلنا بعد ذلك عبر اتفاقيات أوسلو، إلى تقزيم أكبر للأهداف، وهو إقامة دولة، ناقصة السيادة على غزة والضفة الغربية، والتغاضي الضمني عن حق العودة لكل فلسطين.
وبعد استشهاد ياسر عرفات، رفعنا شعاراً آخر لتقزيم الوسائل وهو، المفاوضات كوسيلة وحيدة للحصول على الحقوق، بينما لم تتوقف إسرائيل يوماً واحداً، من زيادة تسلحها وبكل الأشكال. تخلينا عن دور الأسد بالسياسة، واكتفينا بدور الثعلب، بدون كفاءة حقيقية. تقزيم الأهداف ووسائل النضال، ثم انحسار الدعم الشعبي العربي والعالمي، هو بسبب انعدام أي رؤية للقيادات الفلسطينة المُتعاقبة، لتمكين نفسها من الحصول على وسائل سياساتها، وعدم دمج النضال الفلسطيني التحرري بإطار عربي أكبر.
لم يأت التراجع عن الأهداف الأصيلة للشعب الفلسطيني، من تحرير كامل وطنه، بسبب قوة الأعداء والدعم اللامتناهي الإمريكي لهم، وإنما بسبب ضبابية الأهداف وعدم ملائمة الوسائل التي وُضعت لتحقيقها. يجب إذاً أن نأخذ منحى آخر، يهدف إلى وُضوح الرؤية وفعالية الوسيلة، الرؤية هي الحصول على الحقوق كاملة، والوسيلة هي القوة التي تتناسب مع هذا الهدف، والذكاء بربطهما.
مُقابل قوة اسرائيل وأمريكا ودعم حلفائهم، لا يمكن أن نضع فقط الشعب الفلسطيني، مهما كبُرت عزيمته واشتدت تضحياته، بل يجب وضع شيء موازٍ لذلك، أي مجموع الأمة العربية مدعومة من العالم الإسلامي والدول الصديقة.
وقعت الأمة العربية منذ فترة الاستقلال وطرد الاستعمار، تحت نير أنظمة، أهدرت مقدرات البلاد، وأكدت على التجزئة والفُرقة وغيّبت الجماهير العربية صاحبة القضية الفلسطينية الحقيقية.

النأي بالنفس

نحن إذاً كفلسطينيين، فضّلنا النأي بالنفس عن كل هذا ومُهادنة الجميع، والنتيجة هي ما نرى، الانتقال من السيىء للأسوء ، ومن تنازل إلى آخر، حتى أنه لم يتبق تقريباً ما نتنازل عنه، لنحصل على رضى إسرائيل وأمريكا، لا السكوت عن حصار غزة، ولا منع أي حراك جماهيري، حتى ولو كان سلمياً، على مدار سنوات طويلة ضد الاحتلال.
كيف إذاً ترجو هذه القيادات، أن يقف الشعب الفلسطيني، كرجل واحد خلفها، وهي التي جلست على الشرعية الانتخابية، حيث أصبحت الانتخابات بخبر كان، تحت حُجة الخلافات والنزاعات الداخلية، أو خصوصية القدس وغيرها من أعذار عجيبة يصعب قبولها.
المطلوب من الشعب الفلسطيني حقاً، هو أن يرفض كل أشكال التنازل السياسي عن حقوقه بكامل وطنه المكونة من 27009 كم مربع، وليس بُقع هنا وهناك، على خارطة ترامبية، تشبه سطح القمر.
المطلوب من الشعب الفلسطيني، أن يُعلن الرفض التام، بانتظار تبدل الأحوال، فلسطين هي جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، وحدها هذه الأمة من يستطيع أن يُشكل الوزن والقوة الكافية لتحريرها، وهو طبعاً ما نحن بعيدون عنه الآن. المطلوب إذاً هو عدم التنازل، إلى أن تستيقظ هذه الأمة، وهي في طريقها إلى ذلك، وما نراه هنا أو هناك، في دول عربية عدة، من انتشار للربيع العربي لدليل على ذلك، حروب حكومات الثورات المضادة، في دول عديدة أخرى، لمنع نجاح الثورات، لن يُغيّر شيئاً من مسار التاريخ، عاجلاً أم آجلاً ستعود فلسطين إلى حضن الأمة، وما تصريحات الرئيس التونسي، قيس سعيد، إلا دليل على ذلك، فدول وشعوب الربيع العربي، لن تقبل الحيف والظلم الواقع في فلسطين. سبعون عاماً من تفتت الأمة، هو من فتت المطالب الفلسطينية، ولن تتوحد هذه المطالب بمطلب واحد، وهو تحرير فلسطين وعودة شعبها، إلا عندما ينتهي تفتت الأمة نفسه.
نحن الفلسطينيون، علينا الآن أن نكون جزءاً لا يتجزأ من الربيع العربي، والذي لو تضامنا معه بدل أن نقف بوجهه، سيُعطينا تلك الوسائل الضرورية لتحقيق الأهداف والسياسات، التي نود اعتمادها لتحرير وطننا.
نأمل أن تكون المواقف المُعلنة حديثاً، من القيادة الفلسطينية، والبحث عن العودة للمبادىء وتوحيد الصفوف، قراراً استراتيجياً، وليس فقط جزءاً من سياسة بهدف الضغط للعودة للمحادثات بشروط أفضل، وأن تقع سياسة ترامب الهوجاء بكمائن لم يرها لأنه تبنى فقط سياسة الأسد ونسي دور الثعلب بعكسنا تماماً.

رسالة إلى محمد بوعزيزي

شعر نزار بدران. القدس العربي 06 شباط فبراير 2020

اذْهَبْ فَقَدْ وَصَلَتْ رِسَالَتُك السَّمَاء،
اذْهَبْ إلَى كُلِّ البِلاد
اذْهَبْ إلَى كُلِّ الْعِبَاد
يَا بَائعَ اللَّيْمُونِ قَدْ كُنْتَ الضِّيَاء
كَيْف يئِستَ حَتَّى الْمَوْتِ، وَاخْتَرْتَ الْفَنَاء،
يَا بَائعَ الزَّيْتُونِ، وَصَلَت رِسَالَتُك الشُّهُود
وَتَجَاوَزْت كُلَّ الْحُدُود
الذُّلٌّ مَوْتُ الأبرياء وَالدّمْعُ ثَوْبُ الْكِبْرِيَاء
وَالْحُلُمُ وَجْهٌ لِلْقَمَر لا يَخْتَفِي إلَّا لِيَظْهَرَ مَنْ جَدِيد
اذْهَبْ وَقَد أشْعَلَتْهَا نَارًا مُقَدَّسَةً عَلَى مَنْ خَانَ عَهْدَ اللَّه
فانحسرَ الرَّمَاد

أَنْظُرُ إِلَى التَّحْرِيرِ فِي بَغْدَادَ
أَشْبَهَ مَا تَكُونُ إلَى العرين
وَشَبَابِهَا مِثْلَ الْغُصُونِ الْخُضْر
لا تُكْسَرْ
لا فَرْقَ بَيْنَ الجائِعِين أَو الْعُرَاة
لا فَرْقَ بَيْنَ الْيَاسَمِينِ وَزُهْرَةِ اللَّوْزِ الْجَدِيد
الْفَرْقُ مَعَ كُلِّ الطُّغَاة

بَيْرُوتُ تَحْمِلُ قَلْبَهَا الدامي هَدِيَّة وَتَبْحَثُ عَنْ مُحَمَّد،
بَيْرُوتُ تَخْلَعُ كُلّ أَشْوَاكَ الزَّمَانِ وتعلنُ الزَّمَنَ الْجَدِيد،
يَا بَائعَ التُّفَّاحِ هَل جَفِّفْتَ دَمْعَك،
وَصَلَت رِسَالتُكَ الرَّقِيقَةُ فابتسم

يَا مَنْ رَأَيْتَ كَرَامَةَ الْإِنْسَانِ وَهْمَاً فِي حَيَاتِك،
وَتَقُومُ غِرْبَانُ الظَّلامِ بنهشِ لحمِك فِي مَمَاتَك
وَصَلَتْ رِسَالَتُك الْمَدَائِنَ وَالْعَوَاصِمَ وَالْمَمَالِك
رَأَيْتَ وَجْهَكَ فِي عُيُونِ الْقَادِمِين مِنْ الشَّمَالِ إِلَى الجَنُوب
والسائرين مِن الشُّرُوق إلَى الْغُرُوب
وشوارعُ الخُرْطُومِ أَعْطَت حُكْمَهَا
لا وَقْتَ لِلْمَوْتِ المبرمجِ،
سَقَطَت عُرُوشُ الْقَشِّ والأتبان،
وَانْدَفَعَتْ مِيَاهُ النِّيل كالطوفان
حَامِلِهً رِسَالَتَك الْأَخِيرَةَ

يَا بَائعَ السَّمَكِ المجففِ بَيْن أكواخِ الصَّفِيحِ
مَا كُنْت تَدْرِي
وَالذِّئَابُ تَدُور حَوْلَك مَا كُنْت تَجْرِي
لَم تَرَ الْمَوْتَ المفاجئ
لَمْ تَقُلْ سَأصيرُ طَيْرًا بِالسَّمَاء
أَرَى الضِّيَاءَ وَأَمُوتُ قُرْبَ الْأَنْبِيَاء
يَا ابْنَ الحُسَيْمةِ
مَا كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتَ ارْتِطَامِ الْمَوْج
بالصَّخْرِ الْمُكَابِر
وَلا الرِّيَاحَ تَهُبُّ مِنْ كُلِّ المعابر
بَل هَمْسةً لِصَغِيرَةٍ تَأْتِيَك مِنْ بَيْتٍ فَقِير
وَتَنهُّداتِ حَبِيبَةٍ تطهو الفطائر
وتنتظرُ الْأَمِيرْ
فَوَقَفْتَ كَالْقَدَرِ المرير
تَحْمِي بِضَاعَتِك الْبَسِيطَةَ مِن بَراثِنٍ مَزَّقَتْ مَعْنَى الضَّمِير
وَصَلَت رِسَالَتُكَ الحزينةُ يَا مُحَمَّد
يَا بَائعَ السمكِ المجمد

يَا بائِعَ التَّمْرِ المعطرِ وَالْحَلِيب
اذْهَبْ فَقَدْ وَصَلَت رِسَالَتُك الْمَنَابِر وَالْمَقَابِر
وَكُلَّ نَافِذَةٍ محطمةٍ
وَبَابٍ لَمْ يَعُدْ يُغْلَق
وَمَزْرَعَةٍ بِلا عِنَب
وحقلٍ لَمْ يَعُدْ يُسْقَى
وَأَرْضٍ باللظى تَحَرَّق
وَبَعْد اليأس جَاءَ الغَيْثُ يُعْلِن عَوْدَة الْأَحْلام
وميلادَ الرَّبِيع وزقزقةَ السنونو وَالْحَمَام
وَعَبْدُ الْقَادِرِ الْمَدْفُونُ بِالصَّدْر
يناجينا وَيَهْدِيَنَا . ويجمعُنا وَيُلْهِمُنَا
وَيَدْفَعُ مِن يعادينا
ونحملُه كنقش الْعَيْن بالبدر

اذْهَبْ يَا بَائعَ الْأَوْهَامِ والقصصِ المثيرةِ
يَا مَنْ جَعَلْتَ مِنْ الْمَمَاتِ وِلادَةً لِلْقَادِمِين
وَحَمَلَت نَعَشَك سَائِرا
وَدَفَعْت جِلْدَك سَاتِرا
رَفَعَت عُنْوَانَ الْأَمَل حِين انطفى أَمْلُك
وَوجدتَ يُنبوعَ الْحَيَاةِ حِينَ انْتَهَى أَلَمُك
فَاذْهَبْ إِلَى الرَّحْمَن
قَدْ وَصَلَتْ رِسَالَتُك الأثيرة

رجل الدولة ورجل السياسة… تعازي الخيبة

تتمايز مواقف الدول ورجال السياسة، بناء على مُعطيات مادية وفكرية وعقائدية، وبناء على قوة أُممهم الاقتصادية والعسكرية وتأثيرها بالعالم، هي مرتبطة أيضاُ، بشكل قوي، بشخصية المسؤول والظروف التي تُحيط به، فكلما زادت هذه الظروف صعوبة وسوءا، وكلما قلت قوة الدولة، انحرفت المواقف عن القيم المرفوعة، لصالح المصالح الآنية، وذلك لدرء الأذى أو التغلب على مصاعب اللحظة.
ما يُميز رجل الدولة، الذي يدخل التاريخ، عن رجل السياسة، الذي لن يذكره أحد، هو مقدرة الأول على تحديد سياسات الحاضر مُتعلماً من تجارب الماضي، لتفاديها وعدم تكرارها، بهدف الحفاظ على المستقبل.

السياسات الانتهازية

هو إذاً ينطلق من الماضي للمستقبل مروراً بالحاضر. بينما الثاني، أي رجل السياسة العادي، هو من يتميز بالحنكة لفهم الحاضر، من أجل حل مشاكل الحاضر، اعتماداً على ظروف الحاضر، هذا الرجل له رؤية آنية بسيطة ساكنة، ورجل الدولة له رؤية ديناميكية معقدة.
نموذج ذلك ما رأيناه حديثاً من مواقف لحركة حماس، من خلال زيارة اسماعيل هنية رئيس مكتبها السياسي للتعزية، وقبوله بدعمه النظام الإيراني علنياً، من خلال تصريحات تُمجد الفريق قاسم سليماني، هنية من مُنطلق البحث عن مصادر دعم، من دولة مهمة بالمنطقة، في زمن شح فيه الدعم العربي، والدول الصديقة، وزاد الخناق على الشعب الفلسطيني ومؤسساته، تبنى مواقف تتوافق مع تصوره للصالح الفلسطيني حاضراً، وهو كمسؤول أمام هذا الشعب، له الحق بالبحث عن الوسائل المناسبة لتحقيق ذلك.
لكن هل هذا هو موقف رجل دولة، أم عمل سياسي سطحي، نحن أبعد ما يكون عن مواقف الرجال العظام، ونقع بفخ السياسات الانتهازية القاتلة، والتي لا تزيد الأزمة إلا تعقيداً.

مخيم اليرموك

نحن بذلك تناسينا الماضي والمستقبل وحتى الحاضر، لصالح اللحظة الراهنة، الماضي هو مثلاً، دعم ياسر عرفات لصدام حسين بحرب الخليج الثانية، والتي لم تُغير حاضراً حينها، وأدت لمستقبل سيئ للفلسطينيين، الذين طُردوا بعشرات الآلاف من دول الخليج، ولكن أيضاً مستقبل أسود في العراق نفسه، بعد وصول النظام الجديد، ونذكر بهيام مجموعة من اللاجئين الفلسطينيين على وجوههم بالصحراء بين العراق والأردن، لفترة طويلة، قبل أن تقبل البرازيل استقبالهم.
الحاضر المنسي، هو قتل وتهجير مئات الآلاف من أبناء الشعب السوري، بأيدي إيران وروسيا، وكذلك تهجير قسم كبير من الفلسطينيين، للمرة الألف من مخيم اليرموك وغيره.
هل إعطاء شهادة عذرية لإيران، مقابل دعم موعود، ستُفيد الحاضر الفلسطيني، وتحفظ المستقبل، هل هناك شخص عاقل يتصور أن النظام الإيراني سيبقى للأبد ضد رغبة شعبه، والتي أظهرتها الاحتجاجات المُتكررة، رغم 1500 قتيل من بين المتظاهرين، بشهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، لقد سقطت كأوراق الخريف، كثير من هذه الأنظمة الاستبدادية .
هل هذه المواقف التي تستعدي الشعب السوري المظلوم، ستحمي مستقبل الشعب الفلسطيني، ونحن نُدرك أن نظام الأسد وداعميه، لن يتمكن من البقاء طويلاً، وانتشار الثورات العربية بكل مكان حالياً، دليل سير التاريخ العربي بـطريق جـديدة.
حدثت مثل هذه السياسات الآنية في الماضي، عندما ذهبت وُفود من السلطة في الضفة الغربية وحماس من غزة لموسكو، لإجراء محادثات مصالحة، تحت إشراف بوتين، والذي شارك وما زال بتدمير مدن سورية بطائراته، وكأن ما يحدث بحماة أو حلب لا يعني مستقبلنا قبل حاضرنا.

المعايير الفلسطينية

مُعارضتنا للسياسات الأمريكية، المُعادية لفلسطين وحق شعبها، ودعم الرئيس الأمريكي لإسرائيل بلا محاسب أو رقيب، يُبرر أن نقف ضد أمريكا، ولكن ذلك لا يُبرر أن ندعم نظاماً لم يقل عن أمريكا فتكاً وقتلاً، كنظام الملالي في إيران.
كنا نتمنى، على من اختار، كرمز للثورة الفلسطينة، اسم المجاهد الشهيد عز الدين القسام إبن حلب، التي دمرتها إيران وحلفاؤها، أن يَرُدوا الجميل للشعب السوري، وأن يقفوا بصفه دائماً، مهما كثُرت الإغراءات والدعم الموهوم المقبل من أعدائه.
عودتنا إيران وأتباعها، أن تنتقم من الغارات الإسرائيلية العديدة، على مواقعها في سوريا، بزيادة قصف وتدمير الشعب السوري، ولا أظن أن أحداً منا سيدعم هكذا أفعال.
كنا نود من هنية، وباقي القادة الفلسطينيين، أن يتبنوا مواقف تتناغم مع ما نطلبه نحن الفلسطينيين من الآخرين، فلو تبنت دول العالم المعايير الفلسطينية بالعلاقات الدولية، أي تلك المبنية على المصلحة الآنية المادية، بدون اعتبار أخلاقي، فلن يقف معنا أحد، فما مصلحة دولة مثل السويد أو كندا أو غيرها، أن تقف مع الحق الفلسطيني، لإقامة دولة فلسطينية، أو رفع الحصار عن غزة، على حساب علاقاتها مع إسرائيل، هل نستطيع تقديم شيء لهم مقابل ذلك، طبعاً لا شيء، بينما هناك تبادل مصالح أكبر بكثير مع إسرائيل من ذلك الموجود مع الفلسطينيين.
ماضينا هي تجاربنا الفاشلة التي يجب أن نتعلم منها، حاضرنا مأساوي، ولكن تحسين شروطه، لا يجب أن يتم على حساب مستقبلنا، هذا المستقبل الذي سيكون، وبكل تأكيد، مع كلا الشعبين السوري والإيراني، وليس مع أنظمتهما الحاكمة حالياً.
نتمنى من الساسة الفلسطينيين، أن يتبنوا مواقف رجال الدول العظام، والتي تحفظ المستقبل وتبنيه، وليس مواقف آنية متقلبة، كما يفعل رجال السياسة الذين لم يفهموا التاريخ.

مراقب ومحلل سياسي فلسطيني

معالم الربيع العربي الثاني. القدس العربي 11 ديسمبر 2019

معالم الربيع العربي الثاني
د. نزار بدران
ربيع الشعوب العربية هو الحدث الأهم، منذ بداية القرن في العالم، قبلنا قامت شعوب أخرى بثورات مشابهة، نذكر منها دول شرق أوروبا حديثاً بعد سقوط الإتحاد السوفييتي، ودول أمريكا اللاتينية بعد فترة الحكم العسكري، ولكن أول من حمل إسم «ربيع الشعوب» كانت ثورة الشعوب الأوروبية بالنصف الأول من القرن التاسع عشر، والتي توجت عام 1848 بثورة شبه شاملة في أوروبا، لم ينج منها سوى روسيا القيصرية.
ورغم هزيمة الثورة في معظم هذه الدول، إلا أن التحولات التي تبعتها تدريجيا، أدت إلى انهيار زمن الامبراطوريات والممالك والأمراء، والذهاب إلى زمن الدول القومية ذات السيادة، حيث توحدت ألمانيا وايطاليا وبلجيكا، هذه الدول القومية لم تنه التنافس والتقاتل الذي إستعر في النصف الأول من القرن العشرين، لينتهي بايجاد حل نهائي وهو الإتحاد الأوروبي، المبني أولا على أسس اقتصادية. أما التجربة العربية الحديثة فهي تختلف جذريا عن سابقاتها، بكونها لا تهدف إلى قيام دول قومية، وإنما ديمقراطيات ذات بعد قومي جامع
.
حراك ثوري عاصف

بعد جمود دام عشرات السنين، وبعد مرحلة أنظمة الانقلابيين العسكرية، أو تلك الثورية التي تبعت الاستقلال الوطني بالدول العربية، بدأت الأمة بحراك ثوري عاصف جديد انطلق من تونس ولم يتوقف، مرحلة عنف رد الثورة المضادة والتدخل الأجنبي الصارخ، وما رأيناه من قتل وتهجير الملايين في سوريا وليبيا واليمن والبحرين، كان يهدف لإطفاء الحريق الآتي من تونس.
ظن أعداء الثورة، أنهم نجحوا عندما تراجعت الثورة السورية، كما ظن هؤلاء أن تدمير مدن كاملة مثل حلب وحمص والموصل والرقة وصنعاء وعدن وبنغازي وطرابلس، سوف يكون رادعاً فعالاً ونهائياً، خصوصاً في ظل الدعم اللامحدود لقوى أجنبية إقليمية أو دولية، مثل إيران أو روسيا، وسكوت مشبوه للدول الغربية، وتخبط بالمواقف التركية، وهدوء تام على الحدود مع إسرائيل، وعدم الرد على أي من غاراتها على دول محور المقاومة، المُنشغل بإخماد ثورة سوريا.
تراجع القضية الفلسطينية، وتوغل الاستيطان، وبلع القدس، هي أيضاً إحدى نتائج ارتماء أنظمة الردة في أحضان إسرائيل، حتى تحميها وتضمن لها الدعم الأمريكي. كذلك الغياب شبه الكامل، لقيادة الحراك الوطني، حزبي أو مستقل، والغياب لأي فكر يُعبر عن تطلعات الناس، بل على العكس، ارتماء هؤلاء المثقفين والكتاب بأحضان الأنظمة والدفاع عنها. كل هذا أظهر عقم الفكر العربي، وعقم القلم العربي، عن مُسايرة الأحداث الجمة، بل عمل على العكس على إفشالها
.
الثورة المضادة

انحسار الربيع لبضع سنوات، سماه البعض فشلاً، خريفاً أو شتاءً، خصوصاً مع انتشار الحركات الإسلامية الفاشية المتطرفة، لصالح قوى الثورة المضادة، فكان من يئس بالكاملً من أي نجاح وانتصار، وكان من أظهر ابتهاجه بالحدث، وتطبيله لحكام الإجرام وأنظمة القتل والبراميل المتفجرة.
لم يتصور أي طرف عودة الحراك والثورة، من حيث لا يتوقعون، وبقوة هائلة، جرفت أمامها طغاة الفساد، أمثال بوتفليقة في الجزائر، والبشير في السودان، وبدأت بإسقاط أنظمة الفساد في العراق ولبنان، هذه الأنظمة وداعموها، سقطوا في مفاجأة، لم يكن مفكروهم والمصفقون لهم قد توقعوها، فهم يتخبطون ويتوجهون بكل الاتجاهات دون تخطيط ولا تفكير، تجاوبهم مع مطالب الحراك الشعبي، ليس واردا لديهم، بقدر ما يقومون بمناورات المخادعة باهتة اللون، للالتفاف على مطالب الثورة، لكن وعي الشباب الثائر، وتعلمه من دروس الماضي، لم يسمح بنجاح هذه المحاولات، الجارية على قدم وساق في الجزائر، عن طريق انتخابات صورية، أو تلك الجارية في العراق أو لبنان، مع محاولات البعض الخروج بأقل الخسائر.
مشكلتهم أن الأمة عن طريق أبنائها بالشوراع والساحات، قد أعادت ترتيبات أوراق أولوياتها كاملة، فلم يعد التناقض الأساسي مع الخارج، أي ضد الاستعمار، وإنما مع هذه الأنظمة نفسها، فالحصول على الحرية، وتأسيس دول ديمقراطية، مبنية على حقوق المواطن ومركزيته، هو الهدف الوحيد لهذه الفترة، وهو ما يلخصه الشعار الأول للثورات العربية، «الشعب يريد إسقاط النظام.»

خصوصيات الربيع العربي الثاني

ما يميز الحراك العربي في مرحلته الثانية، هو انتهاء الخوف من الثورة المضادة، والتي أظهرت فشلها على كل الأصعدة، فهي لم تحقق أي إصلاح داخلي، ذات معنى، بل ركزت كل جهودها، على سحق أي نفس ثوري ديمقراطي، مهما كان، كما يفعل الرئيس السيسي حالياً في مصر، وزادت بحدة الأزمات الداخلية، الخوف وحده كسياسة، لفرض وجود هذه الأنظمة، لم يعد كافياً ولا ممكناً، والشجاعة الفائقة لثوار العراق، وتحديهم لآلة الموت العسكرية الحاكمة والداعمة، يظهر مدى هذا الإصرار للسير من جديد بالمشوار الثوري إلى نهايته.
المُطالبة بإسقاط السلطة كاملة، بدل رأس السلطة، بدءا بثورة السودان، هو دليل تعلم هذه الثورات، من تجارب المرحلة الأولى. رفض العسكر كحكام، مهما كانوا، هو شعار أصبح بديهيا، كما نرى في الجزائر «مدنية ماشي عسكرية»، أو «يسقط يسقط حكم العسكر». التجربة المصرية كانت بكل تأكيد مصدر إلهام لكل هذه الشعارات، والتي ربطت، بين مدنية الدولة المرجوة، وإبعاد العسكر النهائي، كشرط لنجاحها.
ما يميز هذا الحراك الجديد أيضاً، هو تراجع القوى والأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية، رغم معاناتها في فترة الربيع العربي الأول، وحتى يمكننا القول، أن الحراك الثاني يرفض هذه التوجهات الإسلامية، وهو ما رأيناه بوضوح في السودان والجزائر والعراق، مرد ذلك برأيي، هو كون هؤلاء أقرب إلى الفكر الاصلاحي منه إلى الثوري، واستعدادهم الدائم للتعاون مع السلطة القائمة، وهو ما يتناقض مع مطالب الجماهير الثائرة.
وظهور قيادات من المجتمع المدني، وخصوصاً من التجمعات المهنية، كما رأينا في السودان، أعطى زخماً وقوة جديدة، لم تكن موجودة بالحراك الأول.
تزامن الثورات الحديثة بدول عدة، أعطاها قوة هائلة جديدة، وأظهر البعد القومي وليس القطري، كما أنه أربك أعداء الحراك المحليين والقوى الأجنبية، كما نرى ذلك في هشاشة السياسة الإيرانية، التي تفاجأت بأكثر من ثورة في العراق ولبنان، كانت تُعتبر مناطق تحت سيطرتها، بالإضافة للحراك الثوري الإيراني نفسه، والذي لن يتوقف، حتى لو تراجع لبعض الوقت من شدة القمع. كما أن إنهاك قوى الثورة المضادة، لم يعد يسمح لدول مثل إيران، إرسال عشرات آلاف الجنود، لإطفاء ثورات الدول المجاورة كما حدث سابقاً مع سوريا.

تهميش القضية الفلسطينية

لقد تغنى كثيرون من معارضي الثورات العربية، أنها همشت القضية الفلسطينية، والتي لم تعد أولوية العمل، الحقيقة هو العكس، فالجماهير التي أعطت لتناقضها الرئيسي، التعريف السليم، أي مع الأنظمة الاستبدادية، وليس مع الاستعمار أو الامبريالية، أعطى الانطباع بصحة طرح هؤلاء المشككين، لكن الظن أن تحرير فلسطين، سيتم من خلال هذه الأنظمة، كان خطأً فادحاً، ما نراه حالياً، من ارتماء للأنظمة بحضن إسرائيل لدليل على ذلك. الترتيب السليم لسلم الأولويات، هو من سيحرر الإنسان العربي، القادر حينها على تحرير ما تبقى من أوطانه تحت الاحتلال.
مظاهرات الجزائريين واللبنانيين والتوانسة وحملهم أعلام فلسطين، وإنشادهم لأهازيجها، يعني للداني والقاصي، أن فلسطين هي جزء من الهم الداخلي العربي، ولكل شعوبه، ولن يقبل أي مواطن حر في بلده، أن يتعامل مع أحد مستقبلاً، بدون الأخذ بالاعتبار للمصلحة الفلسطينية.
الربيع العربي، بموجته الثانية، هو تصحيح لمسار الموجة الأولى، من ناحية الوسائل، ولكنه يسير نحو الهدف نفسه: بناء المجتمع العربي الحديث، هو الآن على الطريق السليم، لكن هذا لا يعني أن الأنظمة أصبحت أقل عنفاً، لكن هشاشتها، وهشاشة داعميها، أصبحت أكبر، وسقوطها لم يعد إلا مسألة وقت. وقت قد يكون أقصر مما يمكن تصوره.

محلل ومراقب سياسي مستقل

في يومها العالمي دور الفلسفة باضاءة فكر الثورات العربيه. القدس العربي 22 نوفمبر 2019

في يومها العالمي
دور الفلسفة باضاءة فكر الثورات العربية

د. نزار بدران

يحتفل العالم بالواحد والعشرين من شهر نوفمبر باليوم العالمي للفلسفة، قليلون هم من يهتمون بهذا الحدث والاحتفاء به، خصوصاً بعالمنا العربي، والذي وضع الفلسفة كالبحث العلمي، في مجال الكماليات واللاضروريات. الدول القوية، الغنية، هي من تُكرس أموالاً كثيرة للبحث العلمي، مما يمكنها من البقاء دائماً بالطليعة. نفس الشيء، وإن لم يكن منظوراً كالبحث العلمي ينطبق على الفلسفة، وضرورة الاعتناء بها وتعليمها لكل الأجيال لأهميتها بتطوير الوعي.
الدولة الحديثة والتي وُلدت، مع انطلاق النهضة الأوروبية قبل قرون، ارتبطت عضوياً بموضوع الفكر الإنساني، كمصدر وحيد للمعرفة، والانتهاء تماماً من قرون طويلة، صُبغت بمعتقدات دينية وخرافية، هذا الانتقال لم يكن ممكناً، إلا مع ظهور فلاسفة كبار، أسسوا لعصر الأنوار، بداية بهيوم إلى كانط وهيجل وشوبنهاور وغيرهم.
لإظهار أهمية الفلسفة بوطننا العربي، سأتوقف عن السرد النظري، وسأحاول أن أُظهر للقاريء من خلال أربعة معطيات فلسفية أساسية، الجوانب العملية والحياتية للفلسفة، عن طريق ربطها بالثورات الاجتماعية، الجارية حالياً ببلادنا، أو ما يُسمى بثورات الربيع العربي.

أولى المعطيات وأهمها، هو وحدانية العقل كمصدر للفكر، أي الابتعاد عن اعتماد المعطيات الغيبية الدينية كمرجعية سياسية وأداة حكم. هذه وسيلتنا الوحيدة لإنهاء الخلافات الطائفية، فبخلاف الفكر الإنساني المتغير والمتطور والناظر دوماً إلى المستقبل، لا تقبل المعطيات الدينية أي تبديل، ولا تطرح نفسها للنقد، وإنما فقط للتفسير ناظرة إلى الماضي، فهي بطبيعتها مقدسة، ومصدرها خارج الفكر والعقل الإنساني، فالمسلم أو المسيحي، السني أو الشيعي، لا يحمل قناعات عقلانية، تبناها فكرياً، وإنما صوراً حملها منذ نعومة أظافره، وأصبحت جزء من هوية، وليس جزء من فكر، لا يمكن لأحد أن يُغير دين ومعتقدات أحد آخر بالمناظرة والطرح الفكري، وإلا لرأينا نفس نسب الأديان لمعظم دول العالم، وهذا ليس عليه الحال، فتقريبا 95 بالمئة من سكان الصين، لهم نفس الدين، كذلك الأمر بدول مثل بولندا أو البرازيل، التنوع الديني الموجود بالدول العربية مثلاً قادم من التاريخ، وليس من تغيير الناس لدياناتهم. هذا البُعد الهوياتي للدين، عندما يأخذ بُعداً سياسياً، هو من يُهدد السلم الاجتماعي، ويدفع لنزاعات لا تنتهي، لأن كل طرف يحمل الحقيقة المطلقة، ولا يقبل التنازل عنها، بينما مكان الدين كهوية، هو فقط رفع القيم الإنسانية المشتركة، التي تحملها كل الأديان، كالتآخي والتعاون بين الشعوب والأجناس.
الحراك الثوري اللبناني والعراقي المناوئ للمحاصصة الطائفية كعنوان رئيسي له هو التعبير الأوضح لهذه المعطاة الفلسفية.

المُعطى الثاني المُكمل لذاك، هو التمييز بين أشكال الوعي الذهني، هناك ثلاث مستويات لذلك، الأول هو العلم، وهو يعني دراسة القوانين التي تفسر الطبيعة، ومجالها بامتياز هو البحث العلمي، ذلك البحث المتراكم منذ آلاف السنين، والذي كان صغيراً ببداياته، ولكنه أصبح هائلاً بالحجم والنوع حالياً، وليس له حدود نهائية، هذا البحث يُحدد بنتائجه النقطة الثانية وهي المعرفة، أي الجزء من العلم والذي تم تحديد هويته ومعرفته، قد يفترض العلم وجود كواكب ومجرات عدة، البحث العلمي هو من سيضع هذه النظرية داخل إطار المعرفة. المستوى الأخير هو المُعتقد، بمفهوم ما اكتسبناه بطفولتنا من صور وأفكار ذات صبغة دينية أو تقليدية اجتماعية، هي مُعطيات داخل الذهن الإنساني، قادمة من الماضي وليست نتاج العلم أو البحث العلمي، ولا تدخل لذلك داخل أطر المعرفة وإنما إطار تحديد الهوية والانتماء. محاولات البعض بزج الدين بإطار العلم، عن طريق تفسير بعض الظواهر الطبيعية، أو الاكتشافات العلمية بنصوص دينية، هو شيء يبتعد تماماً عن العلم الحق، وأيضاً عن الدين، والذي لم يُحمل نفسه هذه المسؤولية.

المُعطى الثالث الفلسفي، هو تعريف الهوية الإنسانية، باستقلالية الفكر، أو ما أُطلق عليه “الحاكمية”، وهو يعني أن ما يميز الإنسان هو الحُكم على الأشياء بشكل مستقل، أي الابتعاد عن الفكر الجاهز المفروض والذي يرفض النقاش. احتكار طبقة أو سلطة تحديد ماهية النظام الاجتماعي أو ما يجب أن يفكر به الناس يتنافى مع هذه المعطاة الفلسفية. الحكم الشمولي أو الديكتاتوري يصادر حق الناس الطبيعي بوضع قوانينهم وتنظيم أمور حياتهم.
الحضارة الإنسانية الحديثة بنيت على الأسس الديمقراطية بمفهوم استعادة الناس لحقهم باستقلالية الفكر، ويتساوى كافة الناس بهذا الحق، وهو ما يعبر عنه عن طريق الانتخابات والتمثيل البرلماني، الاغلبية بهذه الحالة تمثل ما يمكن تسميته بالعقل الجماعي أو حكم الأغلبية.
مطالبة الجماهير المتظاهرة والثائرة بالدول العربيه بإسقاط الأنظمة الاستبدادية واستبدالها بأنظمة منتخبة مدنية هو التعبير الأفضل لهذه المعطاة الفلسفية.
كان ابن رشد وهو فيلسوف مسلم من الأندلس قد دافع عن استقلالية الفكر واولوية العقل قبل الفلاسفة الأوروبيين بعدة قرون، ولكن لم يسمعه بزمانه غلاة الدين والمتسلطين على الحكم، ولكن كتاباته وترجمته المميزة لفكر أرسطو أبو الفلسفة اليونانية وتعليقاته عليها هي التي ألهمت الفكر الغربي فيما بعد.
المُعطى الرابع والأخير، الذي أريد ذكره، هو أن الفلسفة وضعت الإنسان بمكان المركز، وكما يقول إيمانويل كانط، بالقرن الثامن عشر، فإن الإنسان هو هدف بذاته، ولا يمكن أن يُستعمل كوسيلة، الإنسان هو الهدف النهائي لكل جهد وعمل إنساني. وهو ما يتناقض عملياً مع الواقع العربي، حيث لا نرى بالمواطن إلا وسيلة للنهب والسرقة، ولا توضع سياسات لصالحه، وإنما لصالح المجموعة المُتمسكة بالسلطة.
ولدلالة على هذه المقولة الفلسفية نعطي مثال استخدام الجاليات المهاجرة بالدول العربية كوسيلة ضغط او انتقام نظام من آخر ، فالجالية الفلسطينية بالكويت او السعوديه كانت ضحية الموقف المنسوب لياسر عرفات زمن الحرب العراقية واحتلال الكويت حيث طرد معظم الفلسطينيين. كذلك وضع نفس هذه الجالية بليبيا زمن القذافي . يمكن أن نرى ذلك للأسف بالخلافات بين فتح وحماس وما يتبعة من مضايقات من هذه السلطة أو تلك للموظفين من قطع رواتب أو تحديد حريات عامة.
النظام المصري كغيرة من الأنظمة القهرية لا يتوانى عن اعتقال أبناء او اقارب معارضيه كانتقام وتخويف. استعمال داعش للنساء وحتى الاطفال لتنفيذ هجمات انتحارية هو أكثر الأشكال وضوحا لتحويل الإنسان من هدف للعمل والجهد إلى مجرد قنبلة تفجر متى يريد الزعيم. خارج الدول العربية نرى مثلا إستخدام تركيا للاجئين السوريين وغيرهم كورقة ضغط على بعض الدول الأوروبية من ناحية منعهم من السفر او التهديد بفتح الحدود أمامهم للذهاب إلى أوروبا الغربية.
عدم احترام مركزية الإنسان هو إنهاء لانسانيته. مطالب الثوار بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية هو ترجمة أمينة لهذه المقولة الفلسفية.

ثورات الربيع العربي، تُظهر أن المفاهيم الفلسفية العريقة، والتي بُنيت عليها الحضارة الغربية الحديثة، وكل الأمم الديمقراطية بالعالم هي نفسها التي تحرك الناس بالشوارع والساحات، دافعة باتجاه بناء الدولة الحديثة، والتي تضع الإنسان المواطن، بالمركز كهدف لكل سياساتها وجهدها، وتحمي حقه بالحرية، واستقلالية الفكر، عن طريق الانتخابات وغيره من الوسائل، وتؤمن له السلم الاجتماعي، عن طريق نبذ الطائفية والقوالب الفكرية، التي تتنافى مع المفهوم الفلسفي لحرية الفكر المستقل “الحاكمية”.
تعليم الفلسفة بالمدارس، باعتبارها مادة مهمة لنتعلم كيف نتعلم وكيف ننقد، وتطوير البحث الفلسفي العربي، بناءً على تاريخنا الطويل، والانفتاح على المقولات الفلسفية للشعوب الأخرى، وكلها متقاربة ومتساوية، يحمل بنظري نفس الأهمية التي يحملها البحث العلمي، فلا علم ممكن بدون وعي وفكر متطور.

كاتب و محلل سياسي