سوريا حبيبتي شعر نزار بدران القدس العربي 19 أذار 2020

كَفْكِفْ‭ ‬دموعَك‭ ‬يا‭ ‬أُبَيّ‭ ‬واقْبَل‭ ‬مَمَاتي‭ ‬
واذْهَبْ‭ ‬إلَى‭ ‬قِمَمِ‭ ‬الجبالِ‭ ‬البيض‭ ‬
وافترش‭ ‬السَّحَاب‭ ‬
اقرأ‭ ‬كتابَ‭ ‬اللَّهِ‭ ‬ما‭ ‬بَعْدَ‭ ‬المغيب
وادْعُ‭ ‬المُجِيب‭ ‬
لا‭ ‬تَخْشَ‭ ‬بَعْدَ‭ ‬الْيَوْمِ‭ ‬أشباحَ‭ ‬الظلَام‭ ‬
لا‭ ‬تَخْشَ‭ ‬بَعْدَ‭ ‬الآنَ‭ ‬أَشْبَاهَ‭ ‬الأَنام‭ ‬
إنِّي‭ ‬مع‭ ‬القاشوش**‭ ‬أَنعَمُ‭ ‬بالهناء‭ ‬
ونسطِّرُ‭ ‬الكَلماتِ‭ ‬وَالنَّغَمَاتِ‭ ‬
ونعلّم‭ ‬الأَلحَانَ‭ ‬للشهداء‭ ‬
ونُذَكِّرُ‭ ‬الأَمْوَاتَ‭ ‬بالأحيَاء‭ ‬
‭ ‬
كَانَ‭ ‬لِي‭ ‬بَيْتٌ‭ ‬وكراسٌ‭ ‬وَمَدْرَسَةٌ‭ ‬
وألعابٌ‭ ‬وأصْحَابٌ‭ ‬وأحلامٌ‭ ‬مكدسة‭ ‬
وأُمٌ‭ ‬تَصْنَع‭ ‬الْحَلْوَى‭ ‬مِن‭ ‬الْعَسَلِ‭ ‬
وجدٌ‭ ‬يَدْعو‭ ‬الرَّحْمَنَ‭ ‬بِالفَجْر‭ ‬
وَيُشْعِلُ‭ ‬شِيشَةَ‭ ‬الْمِلَل‭ ‬
وحُبّ‭ ‬لا‭ ‬أبوحُ‭ ‬بِه‭ ‬
وميعادٌ‭ ‬بِقُرب‭ ‬الحائِط‭ ‬المَهْدُوم‭ ‬
أهمِسُ‭ ‬خَائِفًا‭ ‬مغروم‭ ‬
يَا‭ ‬لَيْلَى‭ ‬مَتَى‭ ‬الْقُبَلِ‭ ‬
‭ ‬
وذات‭ ‬صَباح‭ ‬ٍ
بَعْدَ‭ ‬سِنِينَ‭ ‬قَد‭ ‬طَالَتْ‭ ‬بِلا‭ ‬ثَمَرٍ‭ ‬
وبُسْتَانٌ‭ ‬بِلا‭ ‬شَجَر‭ ‬
وَمِن‭ ‬أَرْضٍ‭ ‬مُشَقَّقَةٍ‭ ‬
ونبعٌ‭ ‬مات‭ ‬حارِسُةٌ‭ ‬مِنْ‭ ‬العَطَشِ‭ ‬
أَتَت‭ ‬رِيحٌ‭ ‬محملةٌ‭ ‬بزخاتٍ‭ ‬مِنْ‭ ‬المَطَرِ‭ ‬
سَمِعْتُ‭ ‬شَقَائِقَ‭ ‬النُّعْمَانِ‭ ‬لفراشةٍ‭ ‬تهمسْ‭ ‬
جاء‭ ‬الرَّبِيعُ‭ ‬زهيا‭ ‬وَتَفْتَح‭ ‬النَّرْجِس‭ ‬
‭ ‬
يا‭ ‬مَنْ‭ ‬قَدِمْتَ‭ ‬مِنْ‭ ‬البِلَادِ‭ ‬البَارِدَةِ‭ ‬
ما‭ ‬سِرُّ‭ ‬خَوْفِك‭ ‬مِن‭ ‬زُهُور‭ ‬اليَاسَمِين‭ ‬
يا‭ ‬مَنْ‭ ‬أَتَيْتَ‭ ‬مِن‭ ‬العُصُور‭ ‬البائِدَةِ‭ ‬
مَا‭ ‬سِرُّ‭ ‬خَوْفِك‭ ‬مِنْ‭ ‬عُيُونِ‭ ‬الحالمين‭ ‬
لَمْ‭ ‬تُبْقِ‭ ‬في‭ ‬جسَدي‭ ‬مكَاناً‭ ‬للسهام‭ ‬
ولا‭ ‬بَيْتِي‭ ‬مكَاناً‭ ‬للمنام‭ ‬
لمْ‭ ‬تُبْقِ‭ ‬في‭ ‬قَلبِي‭ ‬مكَاناً‭ ‬للسَّلَام‭ ‬
أنا‭ ‬حمْزَةُ‭ ‬الذي‭ ‬كُسِرَتْ‭ ‬أصابُعه‭ ‬
سأَكْتُب‭ ‬قصتي‭ ‬بدمَاء‭ ‬جُرْحِي‭ ‬
بالمدارسِ‭ ‬والمَسَاجِد‭ ‬والكَنَائس‭ ‬
وفَوْق‭ ‬سنَابِل‭ ‬القَمْح‭ ‬
وأرسمُ‭ ‬فوْق‭ ‬خاصِرة‭ ‬الزمان‭ ‬
نواعيرَ‭ ‬بِلا‭ ‬أَحْزَان‭ ‬
وأُمي‭ ‬تَحْمِلُ‭ ‬الأوجَاعَ‭ ‬عنِّي‭ ‬
تناجيني‭ ‬وإِن‭ ‬تَعِبَتْ‭ ‬
وتحميني‭ ‬ولو‭ ‬هرمت‭ ‬
وتَقرَأُ‭ ‬في‭ ‬سَوادِ‭ ‬الليلِ‭ ‬
آيَاتٍ‭ ‬مِنْ‭ ‬القرآنِ‭ ‬
لِتَسْمَع‭ ‬سِرِّي‭ ‬المكتوم‭ ‬بالصَّدْر‭ ‬
عُيُونُ‭ ‬حبيبتي‭ ‬أَحْلَى‭ ‬مِن‭ ‬السُّكَّرْ‭ ‬
وضِحكتُها‭ ‬كَمَاءِ‭ ‬العِطْرِ‭ ‬وَالْعَنْبَر‭ ‬
لَن‭ ‬أنْسَى‭ ‬ولن‭ ‬أصفحْ‭ ‬
ولن‭ ‬أَبْكِي‭ ‬ولن‭ ‬أفرحْ
وانْتظرُ‭ ‬الرَّبِيعَ‭ ‬ليُفْتِّحَ‭ ‬الزنْبَق‭ ‬
ويُفَتِتَ‭ ‬الصُّوَان‭ ‬ويحطمَ‭ ‬البَيْدَق‭ ‬
‭ ‬
اشْرَبْ‭ ‬دَمِي‭ ‬
أنا‭ ‬يَسُوعُ‭ ‬عَبَرْتُ‭ ‬طَرِيقَ‭ ‬آلامِيِ‭ ‬
ولم‭ ‬أَعثرْ‭ ‬على‭ ‬قَبْرِي
وكل‭ ‬جَسَدِي‭ ‬
أنا‭ ‬نَبِيّ‭ ‬الهائمين‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬الضياء
لم‭ ‬أعثرْ‭ ‬على‭ ‬نجمٍ‭ ‬ولا‭ ‬بدْرٍ‭ ‬
وُحُوشُ‭ ‬الليل‭ ‬تَنْهَشُ‭ ‬لحْمِي‭ ‬البالي‭ ‬
وتعلن‭ ‬نَصْرَهَا‭ ‬من‭ ‬فَوْقِ‭ ‬أغلالي‭ ‬
في‭ ‬وطَنِي‭ ‬أُضيِع‭ ‬الْوَقْتَ‭ ‬بالْمَوْت‭ ‬
وأبْني‭ ‬تَحْتَ‭ ‬ظِلِّ‭ ‬السَّيْفِ‭ ‬مَهْدًا‭ ‬
وأَصنع‭ ‬منْ‭ ‬تُرابِ‭ ‬السِّجْن‭ ‬لحدًا‭ ‬
ومن‭ ‬عَظمي‭ ‬صَلِيبًا‭ ‬لي‭ ‬
‭ ‬
وأَسْمَعُ‭ ‬بَيْن‭ ‬عَصْفِ‭ ‬الرِّيحِ‭ ‬وتلاطمِ‭ ‬الأمْوَاجِ‭ ‬
لَحْنًا‭ ‬كحلْوى‭ ‬الشَّام‭ ‬يَهْمِسُ‭ ‬
إيلان‭ ‬لا‭ ‬تَخْشَ،‭ ‬أنا‭ ‬أُمُّكَ‭ ‬الثَّكْلَى‭ ‬
سنذهب‭ ‬عنْدَ‭ ‬مَنْ‭ ‬جَمَعَ‭ ‬القُلوبَ‭ ‬وقَسَّمَ‭ ‬الأحْزَان‭ ‬
لا‭ ‬ذُلَّ‭ ‬بَعْدَ‭ ‬المَوْتِ‭ ‬يا‭ ‬ولَدِي‭ ‬
فانْعَمْ‭ ‬بخلد‭ ‬الجَنَّةِ‭ ‬الخَضْرَاء‭ ‬للأبدِ‭ ‬
البَحْر‭ ‬يُعْلِنُ‭ ‬حَبَّة‭ ‬الزَّائِف‭ ‬ويَسْرِقُ‭ ‬كُلَّ‭ ‬أَحْلاَمِي‭ ‬
ويتركُني‭ ‬على‭ ‬رَمْلٍ‭ ‬بلا‭ ‬صَدَف‭ ‬ٍ
أنا‭ ‬المَنْسِيُّ‭ ‬مِتُّ‭ ‬على‭ ‬شواطئكم‭ ‬
بلا‭ ‬سَبَبٍ‭ ‬ولا‭ ‬هَدَف‭ ‬ٍ
‭ ‬
يا‭ ‬شَيْخَنَا‭ ‬الْقَسَّامَ‭ ‬كُنْتَ‭ ‬لَنَا‭ ‬إمَامْ‭ ‬
لولا‭ ‬اختِلَاسُ‭ ‬الْقُدْسِ‭ ‬مَا‭ ‬ذُبِحَتْ‭ ‬بِلادُ‭ ‬الشَّامِ‭ ‬واغتيلَ‭ ‬الحَمَام‭ ‬
لولا‭ ‬اختِلَاسُ‭ ‬القُدْسِ‭ ‬ما‭ ‬نَدَرَ‭ ‬الصِّدِّيقُ‭ ‬ومَا‭ ‬انْكَشَف‭ ‬الرفِيق‭ ‬
وتهاوت‭ ‬الأَحلَامُ‭ ‬في‭ ‬زَمَنِ‭ ‬الْكَلَام‭ ‬
وتَكَاثَر‭ ‬الأعداءُ‭ ‬والخطباء‭ ‬
ما‭ ‬كُنْتَ‭ ‬تُحْسَبُ‭ ‬يا‭ ‬أَبا‭ ‬الشُّهدَاء‭ ‬
لو‭ ‬عُدتَ‭ ‬للوطَن‭ ‬الْجَرِيح‭ ‬
أَنَّ‭ ‬القَرِيبَ‭ ‬هُو‭ ‬الرَّقِيب‭ ‬
أَنَّ‭ ‬الغَرِيبَ‭ ‬هُو‭ ‬الحَسِيب‭ ‬
ما‭ ‬كُنتَ‭ ‬تَعْلَمُ‭ ‬أَنَّ‭ ‬العَمَائِمَ‭ ‬والعساكرَ‭ ‬والخناجر‭ ‬
أَطفأَتْ‭ ‬نارَ‭ ‬اللَّهِيب‭ ‬
وأن‭ ‬أَبْنَاءَ‭ ‬الْعُمُومَةِ‭ ‬
قَد‭ ‬نَسُوا‭ ‬طَعْمَ‭ ‬الكَرَامَة‭ ‬
فاستباحوا‭ ‬مَريَمَ‭ ‬العَذْراءَ‭ ‬
ورمَوْا‭ ‬فِي‭ ‬البئرِ‭ ‬كُلَّ‭ ‬الأنبياء‭ ‬
سيظَلُ‭ ‬صوتُك‭ ‬شمْعةً‭ ‬في‭ ‬آخرِ‭ ‬الليْلِ‭ ‬الطويلِ‭ ‬
أَنَّ‭ ‬الحَياةَ‭ ‬هيَ‭ ‬الإرادة‭ ‬
والإرادةُ‭ ‬في‭ ‬العقول‭ ‬وفي‭ ‬الرَّشادَة‭ ‬
والمَحَبَّةُ‭ ‬مِنْ‭ ‬حَمَاةَ‭ ‬إلى‭ ‬الجَلِيل‭ ‬
يا‭ ‬شَيْخَنَا‭ ‬القَسَّام‭ ‬يا‭ ‬ابْنَ‭ ‬القُدْس‭ ‬
يا‭ ‬ابنَ‭ ‬الشَّام‭ ‬أَنت‭ ‬لنا‭ ‬ضِيَاءٌ‭ ‬
أَنْت‭ ‬لنا‭ ‬إمامٌ


**‭ ‬إبراهيم‭ ‬القاشوش‭ ‬منشد‭ ‬الثورة‭ ‬السورية‭ ‬الذي‭ ‬قتله‭ ‬النظام

لك الضِّيَاَء. نزار بدران قصيدة يوم الأرض. دنيا الوطن

قصيدة لي بمناسبة يوم الأرض

يوم الأرض
لك الضياء

يا إبن الجليل لك الضِّيَاَء لك السماء
لك النُّجُومَ لك القدر
تبقى بوحدك تقلع الأشواك
تبني وتزرع في فِنَاء البيت
بين جُدْرَانِ المنازل بين أوراق الشجر

تمضي كموج البحر يأتي ثم يأتي
لا يكل ولا يمل من البقاء او السفر
تحمي حُقُولَ البرتقال وزهرة الليمون
والزيتون وَنَحَلَهَ الوادي وَصَوْتَ الناي
وَطِينَ الأرض والمنابعَ والحجر

أنت الزَّمَانُ بصبحه ومسائه
بليله ونهاره منذ الْوِلَادَةِ والبداية
لا نِهَايَةَ للزمان وَصُحْبَهَ الخلان
أنت الْمَكَانُ هنا هناك
من جوارك او أمامك من يمينك أو يسارك
من جميع الاتجاهات الْقَرِيبَةِ والبعيدة
لا مَكَانَ ولا زمان إلا ملأت به عذابك
أو دفنت به حبيبا أو كتابا أو صور

حَلِمَتْ بك الْأَيَّامُ وتقاسمت ذكراك
وبكى المشرد من ظلام الليل
وارتفعت مَنَابِرُ تبحث عن كلام ضائع
أو مَسْرَحٍ لتعيد قصة تَاجِرٍ بالبندقيه
كُلُّ يُضِيعُ الْوَقْتَ ، أنت الربيع الْمُسْتَجِدّ
شَمْسٌ تضيىئ الْكَوْنَ كنت أم المطر

أنظر إلى بَيْرُوتَ أو بغداد إلى كل البلاد
تكابر من جديد وَتفْرَضُ ما تريد كما تريد
تَمُدٌ لك الملايينُ الأيادي والقلوب
وتعلن حبها الأبدي رغم الموت والأحزان
لن ننسى بلاد الزيت والعسل
ورائحة الصنوبر والمخابز والسمر

نزار بدران

دروس كورونا. القدس العربي 31 أذار 2020. نزار بدران

ربّ ضارة نافعة. إن انتشار فيروس كورونا في معظم دول العالم أدى إلى نوع من الشعور بأننا ننتمي جميعاً إلى كوكب واحد قد يكون مهددا وبشكل مفاجئ، بخطر ماحق. هذا ما وضع على المحك سياسات الدول وأظهر هشاشة الأنظمة، خصوصاً تلك المفروضة على شعوبها، وعدم كفاءتها. فبينما تضع أوروبا أو الصين أو الولايات المتحدة مليارات الدولارات للحد من انتشار المرض، وتعويض المتضررين، في إطار عال من الشفافية نجد كثيرا من الدول الأخرى، وخصوصاً تلك التي تفتقد إلى أي شفافية أو مصداقية بتعاملاتها مع شعوبها، تتخبط بين التصريحات والإعلانات الفوضوية، والتي لا تنجح إلا بمزيد من انتشار المرض، وتعريض مواطنيها للخطر، والمثال المصري أو الإيراني خير دليل على ذلك.

العولمة بالمفهوم التجاري

نكتشف أننا على كوكب صغير، وأن مرض شخص واحد في مدينة صينية، يهتز منه العالم كله. العولمة بمفهومها التجاري، أي حرية تنقل البضائع وكثرة المسافرين حول العالم، ليست هي السبب الوحيد، لعودة اكتشاف الإنسانية ذاتها، بل سرعة انتشار المرض، وافتراض تعديه جميع الحواجز، وخطورة مضاعفاته، خصوصاً عند كبار السن والمرضى.
في سابق الزمان كانت هناك أوبئة مثل الطاعون في القرون الوسطى، وأمراض حديثة شبيهة بكورونا في بداية القرن الحالي، أو الإنفلونزا الاسبانية في مطلع القرن الماضي. نحن إذاً أمام ظاهرة تتكرر بشكل منتظم، وتظهر أن الطبيعة، ترفض التقهقر أمام الإنسان، وأن التقدم العلمي، مهما كان، لن يسبقها ويتغلب عليها، وإن استطاع ترويضها في مجالات عديدة. علينا أن نتحلى بنوع من التواضع أمام الطبيعة وجبروتها ومقدرتها على إعادتنا إلى فترة ما قبل الإنسانية. لحسن الحظ إن الوباء الحالي هو في طريقه للدخول إلى بيت الطاعة الإنساني، على الأقل هذا ما نأمل، والعودة من حيث أتى، أي إلى حالات استثنائية في موطنه الأصلي.
فيروس كورونا أظهر للعالم أن العولمة الرأسمالية، أي البحث عن الربح دائماً، هي من ضاعفت خطر المرض، بإعطائه ارتداداً اقتصادياً، فليس من المعقول، أن دولا مثل فرنسا أو ألمانيا، لا تملك ما يكفي من المواد المعقمة أو الكمامات الجراحية البسيطة، لأنها تستوردها من الصين، والتي وضعت حجراً على صناعاتها. ولو استمرت هذه الأزمه، لفترة أطول، فسنقع في مشكلة الغذاء والدواء.
العودة إلى نظام اقتصادي عالمي أكثر فعالية بالنسبة للمصلحة العامة، وليس فقط البحث عن الربح للرأسماليين، قد يكون إحدى النتائج المباشرة لهذا الوباء. من المأمول أن نعود إلى مفهوم الإنتاج والاستهلاك المحلي، أي أن نشتري ونأكل مما ننتج، وألا نكتفي فقط بالاستيراد من الصين أو غيرها بحجة قلة الكلفة.
من الضروري برأيي أن نعود بدولنا العربية والعالم الثالث بشكل عام، نحو تطوير هذا المفهوم، والاعتماد على الذات، وهو ما سيؤدي إلى التطور الاقتصادي المبني على الإمكانيات الزراعية والصناعية المتاحة لكل منطقة.
ثلاثة ميادين يجب أن تتوفر في كل منطقة في العالم، وهي الغذاء والدواء والصناعات الاستراتيجية ( مثل إنتاج الكهرباء وأشكال الطاقة المختلفة)، بدون ذلك سنبقى ضحايا لرأس المال العالمي الذي لن يقدم لنا شيئا عندما يزورنا كورونا كل سنة مرة.
الاعتماد على الاقتصاد الريعي، كبيع الثروات الطبيعية مثل البترول أو الذهب، هو حقيقة كارثة على الاقتصاد ومدمر للأجيال المقبلة. ليس فقط لأنه لا يبني اقتصاداً متنوعاً وإنتاجياً، إنما لأنه أكبر أسباب وجود وبقاء الديكتاتوريات التي لا تترعرع إلا إذا سرقت ثروات الأوطان لصالح مجموعة مافياوية في السلطة بدون أي اكتراث بالمواطن وصحته وحاجاته ومستقبل أبنائه.
ثروات الوطن يجب أن تبقى فيه لبنائه وتأمين مستقبل أبنائه. وباء كورونا أظهر من جديد عدمية وعبثية هذه الأنظمة، وضرورة العمل الملح للخروج من كنفها، فهي رغم غناء أفرادها المفرط، ليست ذات كفاءة لوضع أي سياسات فعالة لمواجهة أي شيء.

خطر أكبر من فيروس

ما أريد أن أطرحه في هذا المقال هو أن هناك خطرا داهما أكبر من فيروس كورونا لكننا لا نراه قريباً أو خطيراً، بسبب بطء تطوره، ألا وهو التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة.
هذا المرض هو من صنع الإنسان وفي الوقت نفسه يرفض جزء كبير من الإنسانية، مثل الولايات المتحدة والصين وحتى الهند، قبوله والعمل على الحد منه جدياً. ماذا ستفعل تلك الإنسانية البائسة، والتي بالكاد تستطيع مواجهة فيروس شبه معروف، بوجه الأعاصير والفيضانات، بوجه زحف الصحراء، بوجه ارتفاع مستوى البحار، وبوجه الهجرة بالملايين للهاربين من كوارث الطبيعة المتوقعة نتيجة التغير المناخي، والذين سيكونون أضعافاً مضاعفة بالنسبة لما نرى اليوم من هجرة بسـبب الفقر أو الحـروب.
قد يكون الشعور أخيرا بأننا إنسانية واحدة جمعتنا الأوبئة بعد أن فرقتنا المصالح الضيقة هو الوسيلة لبناء عولمة جديدة مبنية على حرية الأفراد والشعوب وتوحدهم بوجه الكوارث وجشع رأس المال.

كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

السياسة الأمريكية بالشرق الأوسط بين الثابت والمتحرك. القدس العربي 05 آذار 2020

السياسة الأمريكية بالشرق الأوسط

  بين الثابت والمتحرك

د. نزار بدران

تتميز السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، بكونها انعكاساً لتطور الولايات المتحدة على مدى عقود، خصوصاً إنهاء زمن مضى، وهو القرن التاسع عشر، بقواه التقليدية، فرنسا وبريطانيا والدولة العثمانية، ودخول القرن العشرين، بعد اتفاقيات فرساي عام 1919، والبدء بالعد التنازلي السريع، لتراجع قوى الماضي إلى قوى القرن الجديد، المُتمثل بأمريكا من جهة والاتحاد السوفيتي من جهة أخرى. 

كانت الولايات المتحدة، عندما شاركت بالاتفاقيات الجديدة التي ترسم العالم، وخصوصاً حدود دول الشرق الأوسط، وأوضاعها السياسية كانت تمثل القوى الناشئة الشابة، والتي هي الأولى التي رفعت بوجه الآخرين شعار حق الشعوب بتقرير المصير، والذي رُفع لأول مرة من طرف الرئيس ويلسون، ولكن ذلك لم يمنعه من تطبيق سياسة واقعية، تتناقض تماماً مع هذا المبدء بأميركا اللاتينية، والتدخلات الأمريكية العديدة هناك منذ القرن التاسع عشر، وكذلك رفض الوقوف مع حق الشعب المصري مثلاً بالاستقلال عن بريطانيا. نحن إذاً منذ البدء، مع دولة جديدة ناشئة وذات إمكانيات تزداد قوة، وترفع قيم المجتمعات الإنسانية الحديثة، دون التخلي بنفس الوقت، عن سياسات واقعية، هي بدورها استمرار للزمن الماضي. 

في بداية القرن العشرين، ركزت الولايات المتحدة على البعد الحضاري والثقافي، بتعاملها مع المنطقة العربية، عن طريق تطوير البعثات الثقافية والتعليمية، مقابل التدخلات الأوروبية، ذات الطابع السياسي والاقتصادي. هذه السياسة الشبه انعزالية، لم تدم طويلاً، بعد الحرب العالمية الثانية، والانهيار الكامل لقوى الماضي الأوروبي، لصالح ظهور قوتين جديدتين.

انتقلت بذلك الولايات المتحدة، من كونها قوة ناشئة، إلى موقع قوة عظمى، بجانب القوة العظمى الأخرى وهي الاتحاد السوفيتي، وتقاسمتا العالم من خلال ما يُعرف بالحرب الباردة، والتي لم تكن باردة على كل شعوب العالم، حيث يُقدر ضحاياها بالعالم الثالث ب 34 مليون قتيل، هي إذاً حروب بالوكالة بين الدولتين العظمتين.

نلاحظ في تلك الفترة أن قوة الاتحاد السوفيتي العسكرية، والتي كانت تُضاهي القوة الأمريكية، لم تكن مرتكزة على قوة اقتصادية، كما كان الحال عليه بالولايات المتحدة، فببداية الخمسينات، أي بعد الحرب مباشرة، كان الإنتاج الأمريكي يُعادل نصف إنتاج العالم، استهلاكهم للطاقة، يُعادل أكثر من الثلث، مع تطور علمي وتكنولوجي سريع، لم تعرفة أية دولة أخرى، بينما لم يتجاوز سكان أمريكا 6 بالمئة من سكان المعمورة. رغم مظاهر العظمة السوفيتية، فإن هناك خلل واضح في الأرضية الاقتصادية، التي أدت فيما بعد إلى انهيار الاتحاد السوفيتي.

بعد انهيار حائط برلين، والذي تبع هزيمة الروس بأفغانستان، وفشلهم بالانتصار،  بما سماه دونالد ريغان، حرب النجوم، أي التسابق نحو التسلح، وكذلك الانفجار النووي الرهيب بتشورنوبيل الأوكرانية عام 1986، تفردت الولايات المتحدة، بلعب دور الدولة العظمى، وأصبحت تُسمى دولة القطب الواحد، وهو ما أدى ببعض أساتذة السياسة، من التصور بأننا وصلنا حقاً إلى نهاية التاريخ. 

طبعاً ظهور الصين ابتداءً من سنوات الثمانينات، مع سياسة دينغ كساو بينغ، الاقتصادية وتطورها السريع، أدى لعودة جزئية، لمفهوم العالم ذا القطبين أو المُتعدد الأقطاب.

في إطار هذا العرض العام، ما هي نقاط الثبات بالسياسة الأمريكية ونقاط التحول، الحقيقة أنه لا يمكن أن توجد وبشكل دائم وأبدي، نقاط ثابتة لأي سياسة مهما كانت، ولكن هناك سياسات توضع لمدى طويل استراتيجي، وأخرى سياسية قصيرة الأمد أو تكتيكية.

بحسب الباحثين الأمريكيين أنفسهم، وأذكر منهم  فيليب غولاب، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بباريس حديثا، وجورج بول مساعد وزير الخارجيه الأسبق بالستينات، فهناك ثلاث نقاط، تُعتبر الثلاثي المقدس بالسياسة الأمريكية بالشرق الأوسط، حتى سقوط الاتحاد السوفيتي سنة 1991 تهدف جميعها إلى تمكين الرأسمال والاقتصاد الأمريكي، من السيطرة التامة على مُقدرات العالم، مُستعملة القوة الخشنة، أي العسكرية والاقتصادية، بالإضافة إلى القوة الناعمة، أي العلوم والتكنولوجيا والثقافة والسينما، في خدمة هذا الهدف الوحيد.

الثلاثي السياسي المقدس الأمريكي هو أولاً، الوقوف ضد التمدد الشيوعي واحتواءه، ويتم ذلك عن طريق دعم الأنظمة الديكتاتورية المحافظة، والتصدي لكل القوى المُعارضة لها، ديمقراطية كانت أو غير ديمقراطية، تحت حُجة انتمائها للمعسكر الشيوعي.

المحور الثاني، هو تأمين تدفق النفط خارج المنطقة، عن طريق منع أي تحالفات أو تغيرات سياسية ممكنة تتناقض مع هذا الهدف، مثال ذلك، اتفاق أمن الخليج لعام 1945، أو اسقاط محمد مُصدق بإيران عام 1953، وعودة الشاه.

المحور الثالث الذي حصل في مرحلة متأخرة نسبياً، هو الدعم والالتزام الأمريكي بسلامة واستمرارية دولة إسرائيل، بعد تراجع الدور الأوروبي.

هذه المحاور الثلاث، تُمثل السياسة الأمريكية ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى لحظة انهيار الاتحاد السوفيتي، وهي كما يجب أن نفهمها، مترابطة وليست نقاط متفككة، فدعم إسرائيل هو أيضاً للحفاظ على ديمومة الأنظمة الديكتاتورية المحافظة، والتصدي للتوغل الشيوعي، دعم الأنظمة المحافظة هو أيضاُ للمحافظة على وسائل النفط وإبعاد الخطر الشيوعي. وحدها المحاولات القومية، كما حدث مع الرئيس عبد الناصر أو مُصدق في إيران، من وضع على المحك هذه السياسات وحاول إفشالها، ولكن ذلك لم يدم طويلاً، واستطاعت السياسة الأمريكية أن تحقق كل مرة أهدافها، فهزيمة عام 1967، وضع حداً لحلم عبد الناصر القومي، والإطاحة بمصدق أنهى أمل الإيرانيين بالتمكن من ثروتهم النفطية.

وحدها الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، بقيادة الإمام الخميني، من استطاعت إزعاج هذه السياسات ولمدة طويلة نسبية، وما نراه لحد اليوم من حصار لإيران، إلا محاولة أمريكية لإعادة الأمور إلى نصابها، وهو على ما يظهر، على طريق النجاح. الحروب الطويلة الأمد، هو أكبر مانع للشعوب والدول من التقدم الاقتصادي، وحسب الرئيس الأمريكي الأسبق، جيمي كارتر، بمقابلة حديثة، فإن ما سمح للصين بالوصول لما وصلت إليه، هي إنهاؤها لكل الحروب، التي كانت قد شاركت بها بنهاية السبعينات، وهذه نظرية اجتماعية لعلماء التاريخ، فلا حضارة ممكنة إلا بوجود السلام الدائم. لذلك فإن إدخال إيران ودول المنطقة العربية، وحتى روسيا، باُتون حروب طويلة مكلفة، هي أحد وسائل السياسة الأمريكية، لإبقاء هذه الأطراف، بموقع الضعيف والغير قادر على البدء بعملية بناء مستقلة، قد تُهدد المصلحة الاقتصادية الرأسمالية الأمريكية. ولكن للأسف هذه الأنظمة الاستبدادية، تستعمل هي أيضاً هذه الحروب، لإبعاد أي أمل ديمقراطي تغييري داخلي، فهي بشكل واعٍ أو غير واعٍ، باتباع سياسة الحروب، تُنهي أي أمل حقيقي بالوقوف أمام الهيمنة الأمريكية.

بعد انتهاء فترة الاتحاد السوفيتي، دخلت السياسة الأمريكية بوضع جديد، وهو الانفراد وسياسة القطب الواحد، وأصبحت تدخلاتها العسكرية أكثر حِدة، وبدون أي رادع، وهو ما أدى إلى حروب الخليج الثانية والثالثة، والتي كانت سابقاً، بحرب الخليج الأولى، حرب أمريكية ضد إيران، ولكن بأيادي عربية. كذلك فرض اتفاقيات أوسلو لصالح الطرف الإسرائيلي، بعد الانفراد بالفلسطينيين، والانتقال بمفهوم تحرير فلسطين، إلى مفهوم إقامة فلسطين، على جزء محدود منها.

نرى لذلك، أن الأهداف المُقدسة السابقة الذكر، التي حكمت السياسة الأمريكية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قد بدأت بالتغيير:

أولاً: لم يعد هناك حاجة للحد من المد الشيوعي بعد انهيار حائط برلين والاتحاد السوفيتي، وخروج دول عديدة منه، ودخولهم الاتحاد الأوروبي، حليف أمريكا. 

ثانياً: لم تعد الحاجة للنفط القادم من الشرق الأوسط بنفس الحدة، فالإنتاج الأمريكي من النفط الصخري، والتطور التكنولوجي، والحصول على مصادر مُتجددة للطاقة، أدى إلى أن تستقل أمريكا بشكل كامل اقتصادياً، ولم يعُد هناك ما يُهددها وجودياً، إن توقف إنتاج النفط العربي أو الإيراني. بالمقابل ازداد الطلب العالمي على النفط، وخصوصاً الطلب الصيني، والتي أصبحت القوة الاقتصادية الثانية بالعالم. الخطر السوفيتي انتهى، ولكن أمريكا تواجه خطراً من نوع آخر، وهو الخطر الاقتصادي الصيني العارم، لذلك فإن الاهتمام بمصادر النفط بالشرق الأوسط، أمريكياً سيستمر، حتى تستطيع أن تتحكم أمريكا، بمصادر تمويل الصين النفطية، عن طريق كَم الانتاج المسموح به وسعره. 

ثالثاً: هذا المحور للسياسة الأمريكية، وهو الدعم لإسرائيل، ما زال على حاله، بل ازداد، بسبب انعدام الاستقلالية العربية سياسياً واقتصاديا. الدور الإسرائيلي أمريكياً، انتقل من حاجة إسرائيل لحماية أمريكا من الخطر العربي (كما كان زمن عبد الناصر مثلاً)، إلى الحاجة إلى إسرائيل قوية، لدعم الأنظمة المحافظة، أمام ثورات شعوبها، هذا ما نراه وما يُفسر، التقارب العربي الإسرائيلي بين دول الثورات المضادة، المُعادية للربيع العربي، وإسرائيل. فهي تريد أن تحمي نفسها، وتجلب التعاطف الامريكي، عن طريق الارتماء بالحضن الإسرائيلي، لم تعد إسرائيل موجودة لمنع أي تحالفات بالمنطقة، قد تؤدي إلى تهديد وسائل نقل النفط، والذي قلت أهميته، وإنما فقط الحفاظ على وضع سياسي عربي مُفكك، لمنع أي انتصار للربيع العربي، أو تكامل وتضامن الشعوب العربية، بأُطر أنظمة ديمقراطية، ستكون بشكل شبه أكيد، خارج إطار السياسة الأمريكية. المد الإسلامي المُتطرف وظواهره العنيفة، هي أيضاً جزء لهذه السياسات الهادفة لخنق الربيع العربي.

ما هي السياسات الأمريكية المُستقبلية، بناءً على مُعطيات الماضي والحاضر، من الصعب التنبؤ بذلك، ولكن يبقى هناك أمل بالتغيير، نتيجة أشياء عدة صغيرة حالياً، ولكنها قد تكون كبيرة غداً، أولاً وأهم شيء، انتشار الوعي وانتفاضة الشباب العربي، ضد كل مخلفات القرن العشرين، من تبعية وتجزئة، وأنظمة شمولية وأنظمة عسكرية، وخنق للحريات حتى نلحق بدول العالم.  ثانيها، تطور الوسائل البديلة للطاقة، وتراجع دور النفط بالمستقبل، مما سيحد من الأهمية الاستراتيجية من وجود الأنظمة المحافظة بالسياسة الأمريكية، وإمكانية التخلي عنها تدريجياً، وهو ما قد يؤدي بشكل آخر إلى تقليل الاهتمام بالدور الإسرائيلي كفاعل مهم بالسياسة الأمريكية. وما تصريحات مرشح الرئاسة ساندرز، بأمريكا وغيره، وتغير لغة الصحافة هناك، إلا بدايات بسيطة لتحول ممكن. 

صفقة القرن سياسة الأسد والثعلب

نزار بدران

القدس العربي 25 شباط فبراير 2020

يُصنّف الكثيرون مشروع ترامب أنه وعد بلفور آخر، أي إعطاء فلسطين من جديد من لا يملك لمن لا يستحق، هذا قد يكون تعريفاً لما يُسمّى بصفقة القرن، وهي كما نرى جميعاً نتاج التوافق الأمريكي – الاسرائيلي الكامل، والتواطؤ العربي والتحاشي الأوروبي، ويُنذر بنكبة جديدة وتهجير آخر.
نستطيع أن نغوص كما يفعل الكثيرون بالتفاصيل والأسباب والظروف والنتائج وظُلم ذوي القُربى واضطهاد الاستعمار العالمي…الخ، ولكن السؤال الوحيد الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا، كفلسطينيين أولاً، هو ماذا يجب أن نفعل، وهل لنا تصور وسياسة مُحددة، لمواجهة المشاريع المُعادية.

الهدف المرجو

الحقيقة أن دراسة الموقف الفلسطيني، بكل أشكاله الرسمية، في غزة والضفة ودول الجوار، أو حتى المواقف الشعبية، يُظهر مدى فقر الفكر الفلسطيني، وانطفاء ما كنا نتصوره الشعلة الثورية الفلسطينية التي تضيء الطريق للآخرين.
علم السياسة بكل بساطة يقول، أنه لا توجد سياسات بدون وسائل مناسبة لتحقيقها. أن تُحدد رغبة ما لا معنى له، إلا بعد تأمين وسائل الوصول إلى الهدف المرجو. الوسيلة الفاعلة للوصول للهدف، تجمع دائماً بين القوة والذكاء، القوة وحدها، أو الذكاء والدهاء وحدهما، لا يكفيان، فالأسد رغم قوته لن يتمكن من تفادي الكمائن، والثعلب رغم دهائه، لن يتمكن من منع الذئاب من أكله. إن أردت أن تنجح بامتحان دراسة، فعليك أن تُذاكر وتقرأ، وإن أردت أن تحصل على حقوقك، فلن يكفيك البكاء، بل يجب أولاً تأمين الوسائل الفاعلة للحصول عليها.
من هذا المنظار، فنحن الفلسطينين ، قررنا بأنفسنا، ومنذ بداية السبعينات، أن نتخلى عن كل الوسائل المُتاحة للنضال وتحقيق الأهداف، فالحركة الوطنية الفلسطينية، قامت بعزل نفسها عن الشعوب العربية، واعتبار فلسطين ملكاً خاصاً للشعب الفلسطيني، الوحيد المُخول بتقرير مصيرها. وحتى يتلاءم الهدف مع الوسيلة، قمنا بتقزيم الأحلام الفلسطينية، من تحرير الوطن كاملاً من النهر إلى البحر، وإقامة الدولة الديمقراطية، وعودة جميع اللاجئين، إلى تحرير ما أمكن، والاكتفاء بأراضي 67 وصلنا بعد ذلك عبر اتفاقيات أوسلو، إلى تقزيم أكبر للأهداف، وهو إقامة دولة، ناقصة السيادة على غزة والضفة الغربية، والتغاضي الضمني عن حق العودة لكل فلسطين.
وبعد استشهاد ياسر عرفات، رفعنا شعاراً آخر لتقزيم الوسائل وهو، المفاوضات كوسيلة وحيدة للحصول على الحقوق، بينما لم تتوقف إسرائيل يوماً واحداً، من زيادة تسلحها وبكل الأشكال. تخلينا عن دور الأسد بالسياسة، واكتفينا بدور الثعلب، بدون كفاءة حقيقية. تقزيم الأهداف ووسائل النضال، ثم انحسار الدعم الشعبي العربي والعالمي، هو بسبب انعدام أي رؤية للقيادات الفلسطينة المُتعاقبة، لتمكين نفسها من الحصول على وسائل سياساتها، وعدم دمج النضال الفلسطيني التحرري بإطار عربي أكبر.
لم يأت التراجع عن الأهداف الأصيلة للشعب الفلسطيني، من تحرير كامل وطنه، بسبب قوة الأعداء والدعم اللامتناهي الإمريكي لهم، وإنما بسبب ضبابية الأهداف وعدم ملائمة الوسائل التي وُضعت لتحقيقها. يجب إذاً أن نأخذ منحى آخر، يهدف إلى وُضوح الرؤية وفعالية الوسيلة، الرؤية هي الحصول على الحقوق كاملة، والوسيلة هي القوة التي تتناسب مع هذا الهدف، والذكاء بربطهما.
مُقابل قوة اسرائيل وأمريكا ودعم حلفائهم، لا يمكن أن نضع فقط الشعب الفلسطيني، مهما كبُرت عزيمته واشتدت تضحياته، بل يجب وضع شيء موازٍ لذلك، أي مجموع الأمة العربية مدعومة من العالم الإسلامي والدول الصديقة.
وقعت الأمة العربية منذ فترة الاستقلال وطرد الاستعمار، تحت نير أنظمة، أهدرت مقدرات البلاد، وأكدت على التجزئة والفُرقة وغيّبت الجماهير العربية صاحبة القضية الفلسطينية الحقيقية.

النأي بالنفس

نحن إذاً كفلسطينيين، فضّلنا النأي بالنفس عن كل هذا ومُهادنة الجميع، والنتيجة هي ما نرى، الانتقال من السيىء للأسوء ، ومن تنازل إلى آخر، حتى أنه لم يتبق تقريباً ما نتنازل عنه، لنحصل على رضى إسرائيل وأمريكا، لا السكوت عن حصار غزة، ولا منع أي حراك جماهيري، حتى ولو كان سلمياً، على مدار سنوات طويلة ضد الاحتلال.
كيف إذاً ترجو هذه القيادات، أن يقف الشعب الفلسطيني، كرجل واحد خلفها، وهي التي جلست على الشرعية الانتخابية، حيث أصبحت الانتخابات بخبر كان، تحت حُجة الخلافات والنزاعات الداخلية، أو خصوصية القدس وغيرها من أعذار عجيبة يصعب قبولها.
المطلوب من الشعب الفلسطيني حقاً، هو أن يرفض كل أشكال التنازل السياسي عن حقوقه بكامل وطنه المكونة من 27009 كم مربع، وليس بُقع هنا وهناك، على خارطة ترامبية، تشبه سطح القمر.
المطلوب من الشعب الفلسطيني، أن يُعلن الرفض التام، بانتظار تبدل الأحوال، فلسطين هي جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، وحدها هذه الأمة من يستطيع أن يُشكل الوزن والقوة الكافية لتحريرها، وهو طبعاً ما نحن بعيدون عنه الآن. المطلوب إذاً هو عدم التنازل، إلى أن تستيقظ هذه الأمة، وهي في طريقها إلى ذلك، وما نراه هنا أو هناك، في دول عربية عدة، من انتشار للربيع العربي لدليل على ذلك، حروب حكومات الثورات المضادة، في دول عديدة أخرى، لمنع نجاح الثورات، لن يُغيّر شيئاً من مسار التاريخ، عاجلاً أم آجلاً ستعود فلسطين إلى حضن الأمة، وما تصريحات الرئيس التونسي، قيس سعيد، إلا دليل على ذلك، فدول وشعوب الربيع العربي، لن تقبل الحيف والظلم الواقع في فلسطين. سبعون عاماً من تفتت الأمة، هو من فتت المطالب الفلسطينية، ولن تتوحد هذه المطالب بمطلب واحد، وهو تحرير فلسطين وعودة شعبها، إلا عندما ينتهي تفتت الأمة نفسه.
نحن الفلسطينيين، علينا الآن أن نكون جزءاً لا يتجزأ من الربيع العربي، والذي لو تضامنا معه بدل أن نقف بوجهه، سيُعطينا تلك الوسائل الضرورية لتحقيق الأهداف والسياسات، التي نود اعتمادها لتحرير وطننا.
نأمل أن تكون المواقف المُعلنة حديثاً، من القيادة الفلسطينية، والبحث عن العودة للمبادىء وتوحيد الصفوف، قراراً استراتيجياً، وليس فقط جزءاً من سياسة بهدف الضغط للعودة للمحادثات بشروط أفضل، وأن تقع سياسة ترامب الهوجاء بكمائن لم يرها لأنه تبنى فقط سياسة الأسد ونسي دور الثعلب بعكسنا تماماً.

رسالة إلى محمد بوعزيزي

شعر نزار بدران. القدس العربي 06 شباط فبراير 2020

اذْهَبْ فَقَدْ وَصَلَتْ رِسَالَتُك السَّمَاء،
اذْهَبْ إلَى كُلِّ البِلاد
اذْهَبْ إلَى كُلِّ الْعِبَاد
يَا بَائعَ اللَّيْمُونِ قَدْ كُنْتَ الضِّيَاء
كَيْف يئِستَ حَتَّى الْمَوْتِ، وَاخْتَرْتَ الْفَنَاء،
يَا بَائعَ الزَّيْتُونِ، وَصَلَت رِسَالَتُك الشُّهُود
وَتَجَاوَزْت كُلَّ الْحُدُود
الذُّلٌّ مَوْتُ الأبرياء وَالدّمْعُ ثَوْبُ الْكِبْرِيَاء
وَالْحُلُمُ وَجْهٌ لِلْقَمَر لا يَخْتَفِي إلَّا لِيَظْهَرَ مَنْ جَدِيد
اذْهَبْ وَقَد أشْعَلَتْهَا نَارًا مُقَدَّسَةً عَلَى مَنْ خَانَ عَهْدَ اللَّه
فانحسرَ الرَّمَاد

أَنْظُرُ إِلَى التَّحْرِيرِ فِي بَغْدَادَ
أَشْبَهَ مَا تَكُونُ إلَى العرين
وَشَبَابِهَا مِثْلَ الْغُصُونِ الْخُضْر
لا تُكْسَرْ
لا فَرْقَ بَيْنَ الجائِعِين أَو الْعُرَاة
لا فَرْقَ بَيْنَ الْيَاسَمِينِ وَزُهْرَةِ اللَّوْزِ الْجَدِيد
الْفَرْقُ مَعَ كُلِّ الطُّغَاة

بَيْرُوتُ تَحْمِلُ قَلْبَهَا الدامي هَدِيَّة وَتَبْحَثُ عَنْ مُحَمَّد،
بَيْرُوتُ تَخْلَعُ كُلّ أَشْوَاكَ الزَّمَانِ وتعلنُ الزَّمَنَ الْجَدِيد،
يَا بَائعَ التُّفَّاحِ هَل جَفِّفْتَ دَمْعَك،
وَصَلَت رِسَالتُكَ الرَّقِيقَةُ فابتسم

يَا مَنْ رَأَيْتَ كَرَامَةَ الْإِنْسَانِ وَهْمَاً فِي حَيَاتِك،
وَتَقُومُ غِرْبَانُ الظَّلامِ بنهشِ لحمِك فِي مَمَاتَك
وَصَلَتْ رِسَالَتُك الْمَدَائِنَ وَالْعَوَاصِمَ وَالْمَمَالِك
رَأَيْتَ وَجْهَكَ فِي عُيُونِ الْقَادِمِين مِنْ الشَّمَالِ إِلَى الجَنُوب
والسائرين مِن الشُّرُوق إلَى الْغُرُوب
وشوارعُ الخُرْطُومِ أَعْطَت حُكْمَهَا
لا وَقْتَ لِلْمَوْتِ المبرمجِ،
سَقَطَت عُرُوشُ الْقَشِّ والأتبان،
وَانْدَفَعَتْ مِيَاهُ النِّيل كالطوفان
حَامِلِهً رِسَالَتَك الْأَخِيرَةَ

يَا بَائعَ السَّمَكِ المجففِ بَيْن أكواخِ الصَّفِيحِ
مَا كُنْت تَدْرِي
وَالذِّئَابُ تَدُور حَوْلَك مَا كُنْت تَجْرِي
لَم تَرَ الْمَوْتَ المفاجئ
لَمْ تَقُلْ سَأصيرُ طَيْرًا بِالسَّمَاء
أَرَى الضِّيَاءَ وَأَمُوتُ قُرْبَ الْأَنْبِيَاء
يَا ابْنَ الحُسَيْمةِ
مَا كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتَ ارْتِطَامِ الْمَوْج
بالصَّخْرِ الْمُكَابِر
وَلا الرِّيَاحَ تَهُبُّ مِنْ كُلِّ المعابر
بَل هَمْسةً لِصَغِيرَةٍ تَأْتِيَك مِنْ بَيْتٍ فَقِير
وَتَنهُّداتِ حَبِيبَةٍ تطهو الفطائر
وتنتظرُ الْأَمِيرْ
فَوَقَفْتَ كَالْقَدَرِ المرير
تَحْمِي بِضَاعَتِك الْبَسِيطَةَ مِن بَراثِنٍ مَزَّقَتْ مَعْنَى الضَّمِير
وَصَلَت رِسَالَتُكَ الحزينةُ يَا مُحَمَّد
يَا بَائعَ السمكِ المجمد

يَا بائِعَ التَّمْرِ المعطرِ وَالْحَلِيب
اذْهَبْ فَقَدْ وَصَلَت رِسَالَتُك الْمَنَابِر وَالْمَقَابِر
وَكُلَّ نَافِذَةٍ محطمةٍ
وَبَابٍ لَمْ يَعُدْ يُغْلَق
وَمَزْرَعَةٍ بِلا عِنَب
وحقلٍ لَمْ يَعُدْ يُسْقَى
وَأَرْضٍ باللظى تَحَرَّق
وَبَعْد اليأس جَاءَ الغَيْثُ يُعْلِن عَوْدَة الْأَحْلام
وميلادَ الرَّبِيع وزقزقةَ السنونو وَالْحَمَام
وَعَبْدُ الْقَادِرِ الْمَدْفُونُ بِالصَّدْر
يناجينا وَيَهْدِيَنَا . ويجمعُنا وَيُلْهِمُنَا
وَيَدْفَعُ مِن يعادينا
ونحملُه كنقش الْعَيْن بالبدر

اذْهَبْ يَا بَائعَ الْأَوْهَامِ والقصصِ المثيرةِ
يَا مَنْ جَعَلْتَ مِنْ الْمَمَاتِ وِلادَةً لِلْقَادِمِين
وَحَمَلَت نَعَشَك سَائِرا
وَدَفَعْت جِلْدَك سَاتِرا
رَفَعَت عُنْوَانَ الْأَمَل حِين انطفى أَمْلُك
وَوجدتَ يُنبوعَ الْحَيَاةِ حِينَ انْتَهَى أَلَمُك
فَاذْهَبْ إِلَى الرَّحْمَن
قَدْ وَصَلَتْ رِسَالَتُك الأثيرة

رجل الدولة ورجل السياسة… تعازي الخيبة

تتمايز مواقف الدول ورجال السياسة، بناء على مُعطيات مادية وفكرية وعقائدية، وبناء على قوة أُممهم الاقتصادية والعسكرية وتأثيرها بالعالم، هي مرتبطة أيضاُ، بشكل قوي، بشخصية المسؤول والظروف التي تُحيط به، فكلما زادت هذه الظروف صعوبة وسوءا، وكلما قلت قوة الدولة، انحرفت المواقف عن القيم المرفوعة، لصالح المصالح الآنية، وذلك لدرء الأذى أو التغلب على مصاعب اللحظة.
ما يُميز رجل الدولة، الذي يدخل التاريخ، عن رجل السياسة، الذي لن يذكره أحد، هو مقدرة الأول على تحديد سياسات الحاضر مُتعلماً من تجارب الماضي، لتفاديها وعدم تكرارها، بهدف الحفاظ على المستقبل.

السياسات الانتهازية

هو إذاً ينطلق من الماضي للمستقبل مروراً بالحاضر. بينما الثاني، أي رجل السياسة العادي، هو من يتميز بالحنكة لفهم الحاضر، من أجل حل مشاكل الحاضر، اعتماداً على ظروف الحاضر، هذا الرجل له رؤية آنية بسيطة ساكنة، ورجل الدولة له رؤية ديناميكية معقدة.
نموذج ذلك ما رأيناه حديثاً من مواقف لحركة حماس، من خلال زيارة اسماعيل هنية رئيس مكتبها السياسي للتعزية، وقبوله بدعمه النظام الإيراني علنياً، من خلال تصريحات تُمجد الفريق قاسم سليماني، هنية من مُنطلق البحث عن مصادر دعم، من دولة مهمة بالمنطقة، في زمن شح فيه الدعم العربي، والدول الصديقة، وزاد الخناق على الشعب الفلسطيني ومؤسساته، تبنى مواقف تتوافق مع تصوره للصالح الفلسطيني حاضراً، وهو كمسؤول أمام هذا الشعب، له الحق بالبحث عن الوسائل المناسبة لتحقيق ذلك.
لكن هل هذا هو موقف رجل دولة، أم عمل سياسي سطحي، نحن أبعد ما يكون عن مواقف الرجال العظام، ونقع بفخ السياسات الانتهازية القاتلة، والتي لا تزيد الأزمة إلا تعقيداً.

مخيم اليرموك

نحن بذلك تناسينا الماضي والمستقبل وحتى الحاضر، لصالح اللحظة الراهنة، الماضي هو مثلاً، دعم ياسر عرفات لصدام حسين بحرب الخليج الثانية، والتي لم تُغير حاضراً حينها، وأدت لمستقبل سيئ للفلسطينيين، الذين طُردوا بعشرات الآلاف من دول الخليج، ولكن أيضاً مستقبل أسود في العراق نفسه، بعد وصول النظام الجديد، ونذكر بهيام مجموعة من اللاجئين الفلسطينيين على وجوههم بالصحراء بين العراق والأردن، لفترة طويلة، قبل أن تقبل البرازيل استقبالهم.
الحاضر المنسي، هو قتل وتهجير مئات الآلاف من أبناء الشعب السوري، بأيدي إيران وروسيا، وكذلك تهجير قسم كبير من الفلسطينيين، للمرة الألف من مخيم اليرموك وغيره.
هل إعطاء شهادة عذرية لإيران، مقابل دعم موعود، ستُفيد الحاضر الفلسطيني، وتحفظ المستقبل، هل هناك شخص عاقل يتصور أن النظام الإيراني سيبقى للأبد ضد رغبة شعبه، والتي أظهرتها الاحتجاجات المُتكررة، رغم 1500 قتيل من بين المتظاهرين، بشهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، لقد سقطت كأوراق الخريف، كثير من هذه الأنظمة الاستبدادية .
هل هذه المواقف التي تستعدي الشعب السوري المظلوم، ستحمي مستقبل الشعب الفلسطيني، ونحن نُدرك أن نظام الأسد وداعميه، لن يتمكن من البقاء طويلاً، وانتشار الثورات العربية بكل مكان حالياً، دليل سير التاريخ العربي بـطريق جـديدة.
حدثت مثل هذه السياسات الآنية في الماضي، عندما ذهبت وُفود من السلطة في الضفة الغربية وحماس من غزة لموسكو، لإجراء محادثات مصالحة، تحت إشراف بوتين، والذي شارك وما زال بتدمير مدن سورية بطائراته، وكأن ما يحدث بحماة أو حلب لا يعني مستقبلنا قبل حاضرنا.

المعايير الفلسطينية

مُعارضتنا للسياسات الأمريكية، المُعادية لفلسطين وحق شعبها، ودعم الرئيس الأمريكي لإسرائيل بلا محاسب أو رقيب، يُبرر أن نقف ضد أمريكا، ولكن ذلك لا يُبرر أن ندعم نظاماً لم يقل عن أمريكا فتكاً وقتلاً، كنظام الملالي في إيران.
كنا نتمنى، على من اختار، كرمز للثورة الفلسطينة، اسم المجاهد الشهيد عز الدين القسام إبن حلب، التي دمرتها إيران وحلفاؤها، أن يَرُدوا الجميل للشعب السوري، وأن يقفوا بصفه دائماً، مهما كثُرت الإغراءات والدعم الموهوم المقبل من أعدائه.
عودتنا إيران وأتباعها، أن تنتقم من الغارات الإسرائيلية العديدة، على مواقعها في سوريا، بزيادة قصف وتدمير الشعب السوري، ولا أظن أن أحداً منا سيدعم هكذا أفعال.
كنا نود من هنية، وباقي القادة الفلسطينيين، أن يتبنوا مواقف تتناغم مع ما نطلبه نحن الفلسطينيين من الآخرين، فلو تبنت دول العالم المعايير الفلسطينية بالعلاقات الدولية، أي تلك المبنية على المصلحة الآنية المادية، بدون اعتبار أخلاقي، فلن يقف معنا أحد، فما مصلحة دولة مثل السويد أو كندا أو غيرها، أن تقف مع الحق الفلسطيني، لإقامة دولة فلسطينية، أو رفع الحصار عن غزة، على حساب علاقاتها مع إسرائيل، هل نستطيع تقديم شيء لهم مقابل ذلك، طبعاً لا شيء، بينما هناك تبادل مصالح أكبر بكثير مع إسرائيل من ذلك الموجود مع الفلسطينيين.
ماضينا هي تجاربنا الفاشلة التي يجب أن نتعلم منها، حاضرنا مأساوي، ولكن تحسين شروطه، لا يجب أن يتم على حساب مستقبلنا، هذا المستقبل الذي سيكون، وبكل تأكيد، مع كلا الشعبين السوري والإيراني، وليس مع أنظمتهما الحاكمة حالياً.
نتمنى من الساسة الفلسطينيين، أن يتبنوا مواقف رجال الدول العظام، والتي تحفظ المستقبل وتبنيه، وليس مواقف آنية متقلبة، كما يفعل رجال السياسة الذين لم يفهموا التاريخ.

مراقب ومحلل سياسي فلسطيني