الربيع العربي وهدف استكمال الاستقلال الوطني. القدس العربي

الربيع العربي… وهدف استكمال الاستقلال الوطني

12 – مارس – 2019

نعيش الآن على عتبة مرحلة جديدة من مراحل الربيع العربي، فالجماهير الثائرة في السودان والجزائر، وكذلك التَمَلمُل في دول عديدة أخرى بما فيها مصر، يدل على أن ثماني سنوات من الحرب السورية، أو سنوات الحرب اليمنية، وحروب داعش وتدخل كل قوى الأرض، لمنع ثورات الشعوب، لن تُجدي شيئاً.
حيث أن المُطالبة بالتغيير في دولنا، يُنظر إليه من قِبل السلطات المستبدة، ومن قِبل كثير من المثقفين والإعلاميين والدائرين في فلكهم، وكأنها فتح باب العودة للاستعمار، بعدما خرج من بلادنا والحمد لله، في القرن الماضي.

الاستعمار الجديد

لكن الناظر لما حدث من دحر الاستعمار وإقامة الدولة الوطنية العربية، يرى أننا قد نكون أنهينا حقاً الوجود الاستعماري، ولكننا لم نحصل على الحرية، فهذه الأنظمة التي ورثت هذا الاستعمار، هي بالحقيقة امتداد له.
أحد المتظاهرين في الجزائر، حمل يافطة يُطالب بها بإسقاط استعمار الشعب، هو على حق، فنحن ما زلنا نعيش تحت الاستعمار، وربما بشكل أسوأ مما كان عليه الوضع زمن التواجد الغربي، فسرقة البلاد لصالح طُغمة مُستبدة، والغياب التام للتنمية الاقتصادية، أو أي قطاع من القطاعات الاجتماعية، والانتفاء الكامل لوجود أي شكل من أشكال الحرية، والغياب التام للرأي العام، وتبذير المال العام والفساد، وضعنا بوضع أسوأ مما كنا عليه زمن الاستعمار الأجنبي. فالعديد من الدول عبر العالم، كانت أضعف وأفقر منا، تجاوزتنا بأشواط عديدة، ونحن ما زلنا نعبد أصنام المجاهدين، الذين حرروا الجزائر، أو عسكر مصر وسوريا والـسودان وغيـرهم.

حقوق الإنسان

أقنع هؤلاء، ومعهم المثقفون الوهميون، الذين يُنيرون لنا طريق الرشاد، ولكن إلى جهنم، أقنعوا آباءنا أن الديمقراطية والحرية ومساواة الرجل والمرأة وحقوق الإنسان والانتخابات الحرة، هي أحد ظواهر الاستعمار، والتي وجب انسحابها معه عند الاسـتقلال.
كذلك فإن هذه الأنظمة تحاول إقناعنا أن قيم الاستبداد والانفراد بالسلطة، وسرقة الثروات والتمييز بين الناس وتهميش المرأة، هي قيم ديننا الحنيف وجزء من عاداتنا وتقاليدنا. وللأسف فإن كثيرين ساروا على هذا الدرب، ودعموا الأنظمة الاستبدادية، أو أوجدوا أحزاباً سياسية بهدف الوصول إلى السلطة خارج أي طريق ديمقراطي، كالأحزاب القومية أو الدينية.

النخب السياسية

جيل الربيع العربي وجيل ثورة تونس لعام 2011، وجيل شباب السودان والجزائر ومصر، وأجيال العرب الجديدة، بكل دولهم، فهموا أن الديمقراطية والحرية وقيم حقوق الإنسان، هي قيم إنسانية وليست مُلكاً للغرب، ولا تُعبر عن خصوصية ما هي حكر عليه، وإنما هي سمة الحضارة الحالية، ولا يمكن لأي شعب أن ينهض إلا بها.
عندما انسحب الاستعمار من دول عديدة بالعالم، لم يكن فقط نتيجة هزائم عسكرية كالجزائر، وإنما أيضا نتيجة تطور الوعي الشعبي الغربي، الذي لم يعد يقبل أن لا يتمتع أبناء الدول المُستعمرة، بحقوق المواطن الغربي نفسها، بدل الاستمرار وفق النظام السائد، والذي كان يُميز بشكل كبير، بين المُستوطن الغربي وإبن البلاد الأصلي (كما يحدث بفلسطين حاليا)، وهو النظام الإمبراطوري الذي كان سائدا.
النُخب السياسية الغربية بزمنها، وجدت نفسها بين نارين، إما القبول بالمساواة بالحقوق، مع نشأة الدولة الحديثة وانتهاء الإمبراطوريات وتطور وعي الشعوب المستعمرة بحقوقها، أو التخلي عن الوجود الاستعماري.
وتأكيدا لذلك، فإن المناطق التي ما زالت تحت السيطرة الفرنسية مثلاً، في إفريقيا أو في بحر الكاريبي أو في المحيط الهادي القليلة السكان، لم تعُد تُعتبر مناطق مُستعمرة وبها مستوطنون أسياد وعبيد كما كان سابقاً، بل مناطق فرنسية عادية، كأي مقاطعة بفرنسا، بالحقوق والخدمات نفسها للجميع، ولا توجد أي حركة استقلالية فعالة على الإطلاق في هذه المناطق (آخر انتخابات حصلت في كاليدونيا الجديدة أكدت على بقائها داخل فرنسا). هذا هو الشأن أيضاً بخصوص الأراضي التابعة لهولندا أو غيرها من الدول الأوروبية.
عندما تم دحر الاستعمار بالجزائر ومناطق أخرى، ألقينا للخارج كل القيم التي تُبنى عليها الدولة الحديثة، وأعدنا أنفسنا تحت استعمار الاستبداد الداخلي، والذي لا يجد أي حرج بالتعامل مع الدول المُستعمرة سابقا ويبيعها النفط والثروات، لإغناء ضباطه وطبقته الحاكمه، بدل استعمال ذلك النفط لبناء الوطن، كما تفعل النرويج أو بريطانيا أو الولايات المتحدة.
الأنظمة الاستبدادية، هي حليف ورديف الاستعمار، والتي أنهت مشكلته الديمغرافية والحقوقية، حتى لا يُصبح مئات ملايين من الناس، مواطنون بهذه الدول الغربية، وأمنت له كل ما يحتاجه، وأفضل من السابق، حيث لم يعد عليه أي كُلفة أو التزام. ففي بعض الدول، أعادت لنا هذه الأنظمة، الاستعمار المباشر كسوريا بشار الأسد، أو قسمت البلاد وأنهت ثرواته كالسـودان.
انتصار ثورات الربيع العربي، والبدء ببناء الديمقراطية الحقيقية، والدولة الحديثة، هي التي ستكون حقاً، الحلقة الأخيرة لإنهاء الاستعمار، لأنها ستبني أنظمة سياسية تُعامل الدول المُستعمرة سابقاً، من مِنظار الند للند، وليس من منظار التابع والمتبوع، نحن إذاً حالياً في شوارع الجزائر والسودان وغيرها، نبني دولنا المُستقلة حقاً، والمتظاهر الجزائري، بلافتته الصغيرة، فليسقط استعمار الشعب، هو على حق، واختصر تماماً المأزق الذي نعيشه.

كاتب ومحلل سياسي

الإعلانات