سوريا أمام احتمالات الفصل الأخير

الإعلانات

Passage sur Radio Orient à propos de la situation sanitaire en Palestine

A l’occasion de la première journée médicale franco-palestinienne, le professeur Oberlin et moi étions invités pour éclaircir la situation médicale en Palestine et les difficultés dues à l’occupation.
Ecoutez sur :

http://www.radioorient.com/live/?tab=podcast&id=26509

professeur-c-oberlin-d-n-badran-et-damia-benchabane-la-situation-sanitaire-en-palestine

Rencontre télévisée sur la situation sanitaire en Palestine

Les difficultés de développement de la santé en Palestine sont principalement liées à l’occupation israélienne, notamment à cause du blocus de Gaza et des entraves au mouvement des populations en Cis-Jordanie. Cette émission télévisée, à l’occasion de la première journée médicale franco-palestinienne, met en évidence ces difficultés. Le professeur Oberlin évoque son expérience très importante en Palestine et en témoigne.

المجتمع المدني بين الألم والأمل

المجتمع المدني بين الألم والأمل

نزار بدران

يقوم الناس بتنظيم أمور حياتهم اليومية عبر ما يسمى عادة بمنظومة المجتمع المدني، أي الهيئات، الجمعيات، النقابات، الاتحادات المهنية وغيرها، والتي هي بالضرورة مستقلة عن المجتمع السياسي، أحزابا ودولة وسلطة قائمة.

المجتمع المدني هو مجموع ملايين البشر أفراداً ومنظمات مقابل المجتمع السياسي المُشكل من السلطة والأحزاب.

باعتقادي هناك ثلاثة نماذج من المجتمعات المدنية: النمودج الأول يتجسّد في الدول الديمقراطية وفيه تُحَدد السلطة والأحزاب سياستها بناءً على متطلبات وتوجهات المجتمع المدني وذلك لأن هذا المجتمع السياسي مؤهل لاستلام السلطة وقياداتها وهو لا يُمثل أكثر من 1-2 % من مجموع السكان ( مثلاً لا يتعدى عدد أعضاء الحزب الاشتراكي في فرنسا، وهو الحزب الذي يتولى السلطة، أكثر من مئة ألف عضو في أحسن الأحوال). هذه الأحزاب لها آذان كبيره مفتوحة دائما وموجهة نحو المجتمع فهي تحاول فهمه واستباق رغباته، هدفها أن تحصل على رضاه وأصواته الانتخابية ، وبدون هذه العلاقة الجدلية بين المجتمع السياسي قليل العدد والمجتمع المدني متناهي الكبر لا يمكن وجود حضارة، أي مجتمع منظم متوازن القوى، يحل مشاكله بالقانون والدستور المُتفق عليه من الجميع.

أما النمودج الثاني فهو المُغيّب لهذه الجدلية والذي ينزع إلى الدكتاتورية والاستبداد.

المجتمع السياسي في هذه الحالة وحزبه المُتولي للسلطة، أطرش، يصمّ تماماً آذانه عن سماع  المجتمع المدني. هذا الانفصال بين القلة في السلطة والأغلبية بالمجتمع المدني يؤدي في النهاية لفقدان المجتمع السياسي بكل أشكاله سلطة أو معارضه; بوصلة العمل المُتحضر ويتحول المجتمع المدني في هذه الدول الاستبدادية إلى قطيع ضريبي أي مصدر رزق للسلطة، حياته تقتصر على دور المنهوب مقابل السلطة التي تلعب دور الناهب، بطرق مباشره عبر فرض  الضرائب أو غير مباشر بعدم وجود قوانين نافذة  تحمي حقوق العامل والمواطن. في النظام الديمقراطي السلطة في خدمة المجتمع، أما  في النظام الثاني فالمجتمع في خدمة السلطة.

النمودج الأخير مُرتبط بتوفر الخيرات المعدنية والطبيعية في كثير من الدول الاستبدادية كالنفط وغيره، وهو الذي أدى إلى خلق هذا النوع الثالث من المجتمعات، حيث فيه السلطة ناهبة لهذه الثروات الطبيعية، وبهذه المعادلة يكون وجود المجتمع المدني بملايينه العديدة ليس ذا فائده ويصبح بحق عبئاً عليها. ولكنها مُضطرة للحفاظ على السلم المدني قدر الإمكان بأن تُعطي جزءا من هذه الثروات له. يذهب أصلاً كدعم نقدي وليس للإستثمار وبناء وتطوير البنية التحتيه . اعتماد بعض الدول على الثروة النفطية بشكل هائل مثل الجزائر والذي تُشكل ما يقارب 98 % من الدخل القومي، هذا يعني بأن عمل المجتمع المدني لا يتعدى 2 % فقط من هذا الدخل. تُشكل بعض الدول الخليجية الصغيرة بعدد السكان، استثناءً لما ورد، ولكن لا يمكن القياس عليها بسبب حجمها السكاني القليل واستخدامها الكثيف لليد العامله الأجنبية والتي قد يتجاوز عددها عدد  السكان الأصليين اللذين يقومون بدور الضحية.

في هذا النموذج تصبح الثروة الوطنية نكبة للشعب، ومصدر للحروب التي لا تنتهي والسرقة الدائمة فيما هو يبقى فريسة الفقر والمرض،  ومثال ذلك ما يحدث في الكونجو بإفريقيا بلد الذهب والألماس أو العراق بلد النفط منذ عشرات السنين أو نموذج جنوب السودان وتشاد حديثاً، السلطة المستبده بكل أشكالها ليست بحاجة إلى رعاية قطيع ضريبي حتى يستمر بالعمل ولعب دور المنهوب.  وقد أظهرت الدراسات المتعلقة بتنمية القارة الأفريقية أن خارطة الثروات الطبيعية تتقاطع مع خارطة الحروب )الكونجو ، جنوب السودان وأنغولا( وأن أكثر الدول نمواً وسلاماً هي التي تفتقر للثروات الطبيعيه ( السنغال..).

هذه الثروة  النفطية ذاتها  في إطار المجتمع الديمقراطي (النموذج الأول) هي إغناء له، فالنرويج مثلاً البلد النفطي الأوروبي المهم الذي استطاع أن يحتل المرتبة الأولى حسب المعايير الدولية في مجال التنمية الإنسانيه والديمقراطية ومجال الأكثر سلميةً وأماناً بالعالم. تم اكتشاف النفط في هذه الدولة في أواسط الستينيات واستُعمل على مدى خمسة وعشرين عاماً في بناء الدولة والمجتمع لتصل إلى ما وصلت إليه، بعد ذلك، وفي عام  الف وتسعمئة وتسعين قرر النرويجيون وضع الموارد النفطيه  كافة في حساب خاص خارج وطنهم لا يتم استعماله ويُسمى حساب الأجيال القادمة. يهدف إلى وضع ريع احتياطي لما بعد انتهاء الثروة النفطية. يُقدر هذا الحساب في كانون الثاني من العام  الفين واربعة عشر  بستمئة وسبعة مليار يورو أي ما يُعادل مليون كرون أو 120000 يورو لكل مواطن، وعليه فكل نرويجي هو الآن مليونير بالعملة المحلية. يستمر النرويجيون في العمل وصيد السمك والتصنيع مما يُغنيهم عن البترول، ولا يتم استثمار ريع النفط في صناعة الأسلحة ولا السجائر. ويُستثمر فقط من طرف الشركات المسؤوله الصديقة للبيئة والبعيده عن السرقة (بمفهوم المال الحلال عند المسلمين).

هذا هو الحكم الرشيد الذي كان يجب أن يحدث في الدول ذات الثروات الطبيعية كافة، هذا فعلا رمز وعي المجتمع المدني النرويجي الذي أفرز أحزابه الديمقراطيه والذي حدد لها مسارها وسياساتها، فأين مجتمعاتنا من ذلك.

الغنى والفقر ليس نتاج فعل الطبيعة وثرواتها وإنما هو نتاج حيوية المجتمع المدني ومقدرته على فرز ومراقبة مجتمع سياسي يأتمر بأمره. الأصل بالأمم في هذا الزمن هو الشعب. هو مصدر السلطة ومصدر القانون.

المجتمعات المدنية الأوروبية بُنيت وترعرعت بعد قرون من النضال واستطاعت أن تفرض مجتمعا سياسيا مُكملا لها. استطاعت فرنسا وألمانيا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أن تبنيا معاً نواة التعاون بينهما في مجال الحديد والفحم لبناء ما دمرته الحرب بعد أن تخلصتا من وضع سياسي فاشي ونازي، كان متناقضاً تماماً مع مفهوم ومطالب المجتمعات في دولها.

بدأ البنيان الأوروبي الحديث فوراً بعد الحرب عن طريق فتح الحدود أمام حركة الطاقة (الفحم) ومواد البناء الأساسية ( الحديد) وكأن هاتين الدولتين لم تخوضا حرباً ضروسا  بينهما مُخلفة ملايين القتلى. أولوية التعاون بعد الحرب غلبت على أولوية الانتقام والمصالح الحزبية وهذا ما سمح ببناء أوروبا الحديثة، والتي تعرف منذ أكثر من ستين عاماً سلاماً بين دولها المشاركة لم تعرفه منطقة اخرى في العالم.

كما نرى فإن تقارب المصالح من فتح الحدود وبناء الجسور بين الشعوب، هو الذي يقود إلى الرخاء والاستقرار وإنهاء الحروب.

المجتمع الأوروبي قوي جداً، تُعبر عنه الاتحادات والنقابات وكذلك الجمعيات المختلفة في أمور شتى، والتي لا تترك صغيره ولا كبيره إلا وأبدت رأيها فيها، وتحركت ضدها حين الضرورة، يكون ذلك من خلال الانتخابات أو المظاهرات والاعتصامات. السلطة والأحزاب في أوروبا لا تستطيع أن تستعمل اللعبة الديمقراطية لتمرير ما لا يريده الناس أو ما يعتبرونه متناقضا مع مصالحهم وقيمهم.

لقد صوت البرلمان الفرنسي في سنة 1984 على مشروع قرار تطوير وإعانة المدارس الخاصة الدينية، وهو ما أدى إلى خروج الملايين الذين اعتبروا ذلك انتقاصاً للعلمانية وفصل الدولة عن الدين مما اضطر الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتيران وحكومته إلى التراجع عن هذا القانون رغم أنه كان مُقراً من قبل البرلمان. حدث ذلك أيضاً في 2006 عندما اضطرت الحكومة الفرنسية لسحب قانون العمل الذي عرضه دومينيك دوفيلبان، رئيس الوزراء، على البرلمان تحت ضغط المتظاهرين. أيضاً في سويسرا يصوت السكان مرات عدة  في السنة على القوانين كافة وهو ما يعتبر فعلا ديمقراطية مباشرة.

هذه نماذج تُعبر عن قوة المجتمع المدني المنظم في الدول الديمقراطية. النظام الديمقراطي يسمح بكل تأكيد بوجود هذه المعادله المتوازنه ويعطي للوسط السياسي حق التعبير عن مصلحة الناس وحق قيادة الدوله بناءً على فهمه لحاجات مجتمع مدني واع وقوي ومراقب لتصرفات السياسيين، وليس فقط مجموعة من الناس تذهب كل أربع أو خمس سنوات للتصويت لانتخاب ممثليها ثم تعود إلى سُباتها.

في وطننا العربي لا يوجد عملياً تعبير حقيقي على المجتمع المدني، النظام السلطوي الاستبدادي هو نتاج ذلك وليس سببه، وكما قال الرسول الكريم ” كما تكونوا يُولى عليكم”، فمن يقبل الانتقاص من حريته يتحمل مسؤولية ما يحدث له. في بلادنا ذات التاريخ المجيد نجد شبه انعدام للمجتمع المدني بمفهومه المنظم (النقابات، الاتحادات الحرة المستقلة …الخ) وانفراداً للأحزاب بالسطو على مقدرات الأمه، وهنا نحن لن نفرق بين الأحزاب والقوى المتواجده بالسلطة أو تلك الموجوده خارجها وحتى عندما تكون بالمعتقلات. في بلادنا إن استولت قوة معارضه على السلطه فهي لتستبدل سلطه انفرادية بسلطه أخرى  مشابهة  دون الالتفات للمجتمع المدني.

نرى هنا أن انعدام المجتمع المدني المنظم لا يستطيع أن يُفرز إلا أنظمة استبدادية.

انظر إلى الأنظمة العربية في دولنا منذ الخمسينيات ترى أن كل التغيرات السياسية بالسلطه كانت سلطوية، ولم يكن هناك أي نظام ديمقراطي على مدى أكثر من 60 عاماً. نؤكد هنا من جديد أن السبب الأساسي في ذلك هو انعدام الرقابة الشعبية على الأحزاب عن طريق الانتخابات مثلاً، وانعدام مفهوم تطوير المجتمع المدني، لدى هذه الأحزاب وانفرادها وترفعها على الاستماع للجمهور، وهذا ما قد نسميه بالطرش السياسي للأحزاب والذي قد نضيفه إلى عمى المجتمع المدني، أي عدم وجود مجتمع مدني منظم.

حتى نتمكن من تغييير شيء في واقعنا، أرى أن علينا أولاً نحن المواطنين العاديين، المهنيين، و المثقفين… كتاباً وصحفيين ومفكرين، أن نبدأ في وضع أسس لمجتمع مدني عربي قوي كأولوية وقبل أي شيء، وستكون السياسه والأحزاب بعد ذلك تحصيل حاصل. يتوجب لذلك الابتعاد عن الشعارات الحزبية والاقتراب من الشعارات الاجتماعية، كمثال واضح على ذلك هو الثورة التونسيه في كانون ثاني 2010، والتي بدأت ربيع المجتمعات المدنية العربية. لم يرفع التونسيون شعارات العداء للإمبرياليه والاستعمار كقوى السلطة والمعارضه منذ عشرات السنين، وإنما طالبوا بالعدالة الاجتماعية وكرامة المواطن. لم نر في هذه المظاهرات حرقا لأعلام فرنسا المُستعمر السابق أو أميركا امبراطورية العصر وداعمة إسرائيل، هذه حقاً هي روح المجتمع المدني، تبقى تونس لنا مدرسة مند البداية وحتى الآن، حيث تراجعت الأحزاب (مثلاً حزب النهضه) أمام مطلب الناس بقانون مدني اجتماعي، وأفرز الحراك التونسي عن وجه جديد فيه الأولوية للمواطن وحقوقه وخصوصاً حقه في تحديد سياسة الدوله وأيضاً مراقبتها بكل الوسائل، بما فيها التجمعات، الاعتصامات والمظاهرات.

في الدول الديمقراطية تُقابل مطالب المجتمع المدني دائما من السلطه بالنقاش والأخد والرد. وتُحل المشاكل المطروحه بناءاً على مطالب الناس. في دولنا لسوء حظنا قوبلت مطالب المتظاهرين في دول الربيع العربي بالقنابل والرصاص والبراميل المتفجره، هذا العنف المُفرط أمام مطالب الكرامة والحرية من مجتمع يدل على مدى مصداقية هذه المطالب وحاجتنا لها.

قتل الآلاف وتشريد الملايين هو جواب السلطه الطرشاء على حراك المجتمع بعد أن رفع عن عينيه الغشاوة وبدأ بالنظر باتجاه آخر غير اتجاه ما تريده السلطة الناهبه أو الأحزاب له من شعارات فضفاضه لتحييده عن الحراك لاستعادة دوره الطبيعي كأساس تُبنى له وعليه ومن أجله كل الشعارات.

 

 

باريس 28/1/2015

 

 

 

الفكر الصهيوني وانعكاسه على الواقع الصحي الفلسطيني

 

 

الفكر الصهيوني وانعكاسه على الواقع الصحي الفلسطيني

                                            د. نزار بدران

 

يشكل هدف تدمير البنية التحتية للمجتمع الفلسطيني، المُتواصل منذ بداية إقامة  إسرائيل إلى اليوم، بشكل أساس، إلى تهجير المواطنين الفلسطينيين من أراضيهم، حتى تتمكن إسرائيل من تحقيق شعار الحلم الصهيوني الذي سبق له الزعم أنه يهدف لاستيطان “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”!.

هذا ما يترجمه الواقع على كافة المستويات، فحلم هرتزل في نهاية القرن التاسع عشر، حاول بن غوريون تحقيقه بتهجير الجزء الأكبر من الفلسطينيين لحظة قيام دولة إسرائيل. فالأرض بلا شعب من وجهة نظر الصهيونية وهيرتزل، هي في الحقيقة ليست تشخيصاً للحالة التي كانت عليها فلسطين في تلك الفترة؛ وهم أول من يُدرك ذلك، فلسطين كانت مليئة بسكانها وفلاحيها وعمالها ومتعلميها ومعاهدها ومدارسها وكل مقومات الشعب، لكن الحقيقة أن هذا هو شعار مرفوع لحُلم كانوا دوماً يعملون لتحقيقه، وهو تفريغ فلسطين من سكانها العرب.

بعد نكبة 1948 وخروج مئات آلاف اللاجئين من ديارهم، طرداً وعدواناً وتآمراً من أطراف عربية في ذاك الزمن، رفع بن غوريون أول رؤساء إسرائيل، شعار “الكبار يموتون والصغار ينسون”، بمعنى أن الأرض التي اُحتلت وأُفرغت لن يعود لها أصحابها الشرعيون، بحسب ما اعتقد بن غوريون يومها.

هذا الحلُم الصهيوني تحقق جُزئياً، فالكبار فعلاً بدأوا يموتون، وهذه هي سنة الحياة، ولكن الشق الآخر، أي مقولة النسيان لم تتحقق، بل أصبح المُهجر الفلسطيني الإبن أكثر تُعلقاً ونضالا وعملا من أجل وطنه, وشعار حق العودة أصبح في اوروبا عند الجالية الفلسطينية وسيلة لتجميع قواها، للضغط في أوطانها الجديدة للعمل لتغيير سياسات الغرب واقرار حق العودة، وانطلاق شرارة المُقاطعة الاقتصادية لإسرائيل المدعومة من تلك الجالية المُهجرة، قلبت حُلم بن غوريون إلى كابوس لنتنياهو، فإسرائيل قد بدأت تستشعر خطر هذا التوجه الجديد.

بعد نكسة 1967 واحتلال أجزاء كبيرة من فلسطين، وجد الإسرائيليون أنفسهم في مشكلة استعصاء تحقيق حُلم هيرتزل الأول، لم يترك الفلسطينيون وطنهم ولم تستطع آلة القمع الإسرائيلية أن تُجبرهم على الفرار أو الهجرة، فعادت إسرائيل إلى نقطة البداية، وهي العمل على إفراغ الأرض الفلسطينية.

منذ اللحظة الأولى للنكسة، ضمت إسرائيل القدس الشرقية، وبدأت تدمير البنية التحتية الفلسطينية الإنتاجية، وما تبعها من تحويل الفلسطينيين، من مُنتجين فاعلين إلى مستهلكين للبضائع الإسرائيلية. وكمثال على هذه السياسة سنُركز على الناحية الصحية، حيث قامت إسرائيل بشكل ممنهج، بتدمير البنيه الصحية، كإغلاق العديد من المستشفيات والمؤسسات الصحية الفلسطينية، ففي القدس تم إغلاق مستشفى الأطفال ومستشفى الهوسبيس، وإغلاق بنك الدم والمُختبر المركزي ومركز مكافحة الأورام، كذلك تم تحويل مستشفى الشيخ جراح والمستشفى المحلي إلى مراكز للشرطة الإسرائيلية.

في رام الله، تم إغلاق مستشفى الأمراض المُعدية، وتقليل عدد الأسرة على مدى عشرين عاماً، من 209 سرير في العام 1967 إلى 116 سرير عام 1987، بينما تزايد السكان من 115 ألف إلى 140 ألف نسمة (مركز أرض فلسطين للدراسات والتوثيق الفلسطيني). ثم تم نفس الشيء في باقي المدن الفلسطينية مثل نابلس، الخليل، طولكرم، بيت جالا، أريحا، بيت لحم…..الخ.

قامت إسرائيل بالإضرار بصناعة الأدوية التي كانت متواجدة قبل عام 67، وعزل القدس صحياً عن باقي الضفة الغربية وربطها اداريا وماليا، ومنع المرضى الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة من تلقي العلاج بمستشفيات المدينة إلا بإذن خاص.

كذلك فإن سياسة بناء الجدار العازل، لم تؤد فقط إلى مصادرة أراض جديدة، وتقليع الأشجار المثمرة، ومنع الفلاح من الوصول إلى حقله، والعامل إلى مكان عمله، والتلميذ إلى مدرسته، بل أيضاً منعت المريض من الوصول إلى مستشفاه أو طبيبه. فبحسب تقرير منظمة الصحة العالمية للعام 2015، فإن أكثر من 32% من الفلسطينيين في الضفة الغربية لم يعودوا قادرين على الوصول إلى مراكزهم الطبية، وسيتضاعف هذا الرقم عند الانتهاء من بناء الجدار، اكثر من 14% من سكان القدس البالغ عددهم 407 آلاف نسمة في القدس الشرقية، لم يعد بإمكانهم التواصل مع هذه المراكز، وهم بحاجة إلى تجاوز الجدار والحصول على إذن بذلك.

يتضح من هذا، أن تقطيع أوصال الضفة الغربية بالجدار والحواجز والمستوطنات، جعل وصول الحالات المُستعجلة للمستشفيات أو النساء الحوامل للولادة، صعبا بل ومستحيلا في بعض الحالات، كذلك إعاقة حركة الطواقم الطبية وسيارات الإسعاف.

كذلك يشكل حصار غزة، والذي يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف من الحصول على العلاج والغذاء والماء الصالح للشرب، عقاباً جماعياً لانتخاب (حماس) وسيطرتها على القطاع، نتذكر ما كان يقول الإسرائيليون سابقاً في عهد ياسر عرفات، والذي حاصره الإسرائيليون عدة سنوات ثم اغتالوه، لأنهم كانوا يبررون ذلك بكونه العقبة الرئيسية أمام السلام، وهو ما يبرر بنظرهم مآسي الفلسطينيين ومعاقبتهم الجماعية. هل انتهت معاناتهم باختفاء ياسر عرفات وموافقة القيادة الجديدة على التراجع عن مبدأ الكفاح المسلح والاكتفاء بالمفاوضات كوسيلة وحيدة للسلام؟ بالطبع لا، لقد تزايد الاستيطان أكثر من أي وقت مضى وتزايدت مصادرة الأراضي الفلسطينية والتضييق على الفلسطينيين والاعتداء عليهم، حتى حرق الأطفال وأهاليهم وهم نيام، كما حدث مؤخراً مع الطفل علي درابشة وأسرته.

ما مصلحة إسرائيل إذن في منع المريض من الوصول إلى العلاج، والتلميذ إلى المدرسة؟ إنهم في الحقيقة لا يعاقبون أحداً، كما يدعون، على رفضه للسلام معهم، أو معاقبة الشعب الفلسطيني لرفضه احتلال وطنه، ولكنهم يطبقون سياسة ممنهجة، عملت منذ البدء على تفريغ البلاد من سكانها بكل الوسائل.

قد نتحمل الصعاب لفترة طويلة، ولكننا نتمنى دائماً أن تعيش أجيالنا اللاحقة في وضع جيد، وهذا بالضبط ما لا تريده إسرائيل، بل تسعى إلى أن يدفع المجتمع الفلسطيني أبناءه للهجرة إلى خارج الوطن. قد يحصل ذلك بعض الأحيان، حتى أن بعضهم ركب البحار وغامر بحياته، ومنهم من مات غرقاً، ولكن ذلك لم يؤد إلى تغيير المعادلة الموجودة حالياً، وهي أن الفلسطيني ثابت بأرضه وأرض أجداده، ولأول مرة بحسب التقديرات الإحصائية لهذا العام، تجاوز عدد الفلسطينيين في فلسطين التاريخية عدد اليهود.

الصهيونية هي فكر قادم من القرن الثامن عشر، وليس فكراً استعمارياً من القرن التاسع عشر، لأنه فكر المجرمين الذين رُحلوا وأُبعدوا من أوروبا عقابا لهم، إلى المنفى في أمريكا المُكتشفة حديثاً أو أستراليا، وليس فكر المُستعمرين أصحاب المصالح الاقتصادية الذين كانوا يبحثون عن مصالح دولهم وتحريك عجلة الثورة الصناعية، بنهب الثروات الطبيعية عند الآخرين. هو فكر مبني على إنهاء الآخر وليس على استغلاله والتعايش معه، كما حدث مع الاستعمار الفرنسي أو البريطاني لكثير من دول العالم، أو حتى جنوب أفريقيا العنصرية.

يتوجب على المفكرين والمحللين السياسيين أن يُظهروا هذا البُعد في الفكر الصهيوني، لتعرية الصهيونية وإظهارها على حقيقتها أمام الرأي العام الغربي والعالمي، وذلك بهدف تقوية حملة المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل، كذلك إسناد وتقوية الأطراف الغربية الرسمية والشعبية التي تدعم الحق الفلسطيني.

طبيب عربي مقيم في فرنسا