قناة الجزيرة بين المحبة والعقاب

 

قناة الجزيرة بين المحبة والعقاب

نزار بدران

يقول مثل فرنسي شهير “من يُحب حقاً يُعاقب حقاً”، هذا يعني أن المحبة لا تُعطي المحبوب حق عمل أي شىء، فإن أخطأ وجب عقابه حتى تبقى المحبة وتدوم.

ينطبق هذا المثل على المُقابلة التي أجراها أحمد منصور، صحفي الجزيرة، مع طيار من الجيش السوري، أسير عند جبهة النصرة. وفيها نرى الصحفي المُخضرم في مشهد سريالي، وقد خلع لباسه الصحفي، وارتدى بدلة محقق مخابرات في أحد أقبية السجون لدولة عربية، كما سمعنا عنها أو عاشها كثير من المظلومين، أو كما عودتنا قنوات الإعلام العربية باعترافات منزوعة ومبثوثة على شاشات الفضائيات لإرهاب الناس.

قبل أسابيع قليلة استهجنا كلنا ما حدث لأحمد منصور بألمانيا، حيث أُوقف لبضع ساعات من طرف الإنتربول، بناءً على طلب الحكومة المصرية، قامت بعدها الدنيا ولم تقعد، لتعدي ألمانيا المُفترض على حقوق الصحافة الحرة، حتى أن بعض النواب الألمان طالبوا السيدة ميركل، بالاعتذار للصحفي للإهانة التي أُلحقت به.

نحن نحب قناة الجزيرة وصحفييها، لمهنيتهم العالية، واحترامهم والتزامهم بقواعد وآداب مهنة الصحافة، ومنها احترام حقوق الإنسان، وحقوق الأسير وعدم إهانته، وليس كما رأينا من استعمال الصحافة الإرادي لخدمة الجهة الآسرة ولأجندتها الخاصة، مهما كان تأييدنا أو إدانتنا لهذه الجهة. وضع النفس في موقع البوق الإعلامي والدعائي، يتنافى تماماً مع ما عودتنا الجزيرة على رؤيته على شاشاتها منذ سنوات طويلة.

لا يصح بالقانون الصحفي والإنساني، نشر استجواب لأسير لا يستطيع أن يقول شيئاً إلا تحت الخوف، والقنوات المهنية التي نعرفها تأبى بنفسها عن هكذا مُمارسات.

إدانتنا للنظام السوري المتوحش ضد شعبه، وإدانتنا للغارات التي يقوم بها طيارو هذا النظام، وبما تؤدي إليه من قتل للاطفال والمواطنين العزل، لا يُبرر أن يُستعمل الأسلوب الإعلامي نفسه ضد هذا النظام.

رأينا في برامج سابقة السيد أحمد منصور، وهو يبكي لحظة استجوابه لسجين مغربي، قضى سبعة عشر عاماً من حياته في الظلام في أقبية الملك الحسن الثاني، وبكينا بالآلاف معه، لأنها كانت لحظة صادقة، من قبل سجين مُحرر وحر.

يقول أفلاطون، أب الفلسفة اليونانية، أن القاضي العادل هو الذي يحكم بالقانون العادل، فهو ليس عادلاً بذاته وبطبيعته. هذا النص الفلسفي صحيح في كل المجالات، فالصحفي القدير هو الذي يعمل بناءً على قانون صحافة صائب، ويحترم قواعد المهنة التي يُمارسها. هذا الاحترام هو الأساس في الكفاءة المهنية، الخروج عن ذلك واستغلال الشهرة لتحقيق أهداف لا علاقة لها بعالم الصحافة، يُضعف مصداقية الصحفي وصحيفته، ويؤدي ذلك إن لم تتم العودة إلى المهنية الحقة، لفقدان وسيلة الإعلام المعنية من شعبيتها وتألقها.

شُهرة الطبيب لا تسمح له بعدم احترام مريضه، أو الخروج عن مبادىء وقيم ممارسة الطب، تحت طائلة فقدان شهرته وضياع مرضاه.

إن بناء أوطان ما بعد الأنظمة الإستبدادية الحالية، لا يتم إلا عن طريق احترام القيم والمبادىء التي من أجلها يموت الناس ويستشهدون، الفصل بين السلطة والإعلام، بين السلطة والقضاء، الإعلام الحر والقضاء الحر، هذا كله هو أساس المُستقبل الذي نتأمل الوصول إليه.

نأمل من الجزيرة أن لا تدفع مُحبيها وهم كُثر، ونحن منهم، إلى رفع البطاقة الحمراء، ونرجو من السيد أحمد منصور والذي نقدره بلا حدود،  أن لا يدفعنا إلى تطبيق المثل الفرنسي العريق ” إن كنت تحب حقاً، فكن قاسياً مع من تحب؛ إن استحق ذلك”.

العقل والتفكير بدل النقل والتفسير

العقل والتفكير بدل النقل والتفسير

نزار بدران

جريمة حرق الأسير الأردني على يد تنظيم داعش، جعلت الناس يفيقون من سُباتهم العميق .

الجريمة بحق هذا الأسير، والذي أكد القانون الدولي على حمايته واحترامه، شيء لا يتفق أبدا ومعايير الحضارة الإنسانية في هذا العصر.

تدمير المنازل بالبراميل المتفجره على رؤوس ساكنيها المدنيين من  أطفال ونساء صغار وكبار، تعذيب المعتقلين وتجويعهم حتى الموت  ، هذا أيضاً   خروج عن الحضاره الإنسانية.

قتل الناس بالرصاص والقنابل أو حرقهم في ساحات الاعتصام وفي المظاهرات السلمية لا يقل بشاعة. خطف الأبرياء عرباً أكانوا أم أجانب مسلمين أو غير ذلك …..قتلهم يُدخلنا في زمن البرابره. إعدام الناس بحد السيف أو رجمهم وجلدهم في الساحات مهما كانت جرائمهم  وقذفهم من عل هي خروج عن الحضاره الإنسانية.

التنكيل بالأسرى، اغتصاب النساء، تيتيم الأطفال وترك الناس يموتون جوعا أو من البرد، رفض استقبال اللاجئين

المستغيثين المتلهفين للحماية والفارين من الموت وتركهم في العراء فريسة لحم تنهشها الذئاب البشريه او الحقيقية هو أيضاً جريمة ضد الإنسانية حَريّة بالمغول.

كل من قام بذلك هو من الدواعش وحتى لو أعلن عداءه لهذا التنظيم وحاربه، لأنه استخدم نفس الوسائل ولا اخجل حين اقول انه  قد فعل هذا بحجم أكبر وأكثر هولاً.

تضامن الأمة مع أهل الأسير الأردني واجب وحق كذلك واجبها أيضاً التضامن مع كل ضحايا الطغيان في الوطن العربي. قتل وحرق هذا الطيار الشاب يجب أن يفتح العيون على الجرائم التي تعمّ أرض العرب من محيطها إلى خليجها، كانت بيد الدواعش أو من شابههم فكراً أو عملاً من أنظمة فاسده وحكومات طاغية.

الحق واحد كما يقول ابن رشد – آخر المفكرين العرب المسلمين-  الحق واحد لأن الله واحد والناس واحد ولون الدم واحد وآلام الثكالى والأيتام واحد.

ليس أقل خطورة على الأمة استعمال التفسير الديني للدفاع أو لمحاربة هذه الهمجية، النصوص الدينية والتي يعتبرها جُل الكتّاب والمعلقين مرجعية في تحاليلهم لا تستطيع محاربة هذا الفكر الفاشي الجديد لأن هذه النصوص التفسيرية الموضوعة منذ مئات السنين وُجدت في ظروف زمنية واجتماعية مختلفة ؛  (وكمثال على ذلك عدد سكان العرب زمن بدء الإسلام لم يكن يتعدى النصف مليون شخص) وهي تُفسر منذ ذلك الوقت بكل الأشكال والالوان وبناءً على مصالح السلطة في تلك الأزمان، فعلماء الدين كما هي العادة يُجارون الحاكم.

أن نرجع لهكذا تفاسير لتبرير أو تحريم أي عمل هو سبب إضافي لخلط جديد للمفاهيم مما يؤدي إلى زيادة البلبله كما نرى على صفحات الجرائد ومواقع التواصل الاجتماعي.

لنخرج إذاً من هذه المعادلة المعقده والمتميزة باستحالة التوصل إلى مرجعية فكرية إسلامية موحده.

أرى أن من الواجب ترك التفسير والاتجاه نحو التفكير واستعمال العقل ومرجعيات الحضاره الإنسانية لهذا الزمن كحقوق الإنسان ومساواة الناس والتي  لن تتضارب  في العمق مع القيم الأخلاقية الدينية الأصيله.

يُحكى في بغداد زمن العباسيين أن أئمة الأديان الثلاثة فيها “مسلمين ومسيحيين ويهود” كانوا يجتمعون في مجالس النقاش لبحث أمور الأمة، واتفقوا فيما بينهم حتى يتوصلوا إلى تفاهم على إبعاد كل الأطراف لمرجعياتها ونصوصها الدينية عن نقاشاتهم والاكتفاء بالفكر والعقل لبحث وتقدير الأمور.

من جهته كرس ابن رشد، الطبيب والفيلسوف الأندلسي، حياته من أجل ترجيح الفكر والعقل على تفسير النصوص (إشكالية العقل والنقل)، وبسبب ذلك تآمر الموغلون في الدين للتخلص منه وإبعاده إلى مراكش حيث توفي بالمنفى عام  1198م. كان هذا العملاق آخر المفكرين المسلمين الذين استطاعوا فهم الفلسفة اليونانية وتطويرها ويُعتبر حتى الآن مؤسساً للعقلانية ومفهوم استعمال المنطق الذي طوره الفلاسفة بعده أمثال رونيه ديكارت وإيمانيويل كونت في أوروبا، في القرنين السابع والثامن عشر.

بعد غياب ابن رشد دخلت الأمة الإسلامية إلى عالم الغيب ولم يعد هناك مكان إلا للنصوص الدينية وتفسيراتها المتتالية عبر الأزمان والتي هي حقيقة ترجمة للواقع السياسي لكل زمن وتبرير للأحداث في وقته.

الفكر وترجيحه على تفسير النصوص كان أساس ازدهار الأمة زمن عظمائها وعلمائها, وعكس ذلك أي الاعتماد على تفسيرات النصوص الدينية ومرجعياتها المختلفة والمتناقضة في معظم الأحيان هو سبب انحدارها وتخلفها.

الفكر أولاً وأخيراً تحكيم العقل الارتباط مع معايير الحضارة في هذا الزمان الذي نحن جزء منه هو في رأيي الوسيلة الأنجع في فهم الأمور والتخلص من الظلم والطغيان بكافة أشكاله.

استشهاد هذا الطيار الشاب وموت البوعزيزي في تونس حرقاً قد تكون مُصادفة تاريخية ولكنها حقاً نقطة بداية لتغيير عميق في هذه الأمة.

وحدة قوى الربيع العربي وكل الديمقراطيين والتزامهم بمفاهيم وقيم هذا الزمن هي التي ستؤدي إلى دحر قوى الاستبداد والتخلف من جهة والدخول إلى عالم الديمقراطية والحداثة من جهة أخرى.

هذه الحركة بدأت وستستمر، التحاقنا بمنظومة شعوب العالم المتحررة هو شيء لا مناص منه، لأن البديل هو الظلم والهمجية والتخلف.    وقد يُقال ذات يوم من جديد( كنتم خير أمة أُخرجت للناس.)

 

6/2/2015

الربيع العربي زمن الردة

الربيع العربي وزمن الردة

د. نزار بدران

كل فعل له رد فعل، وبمفهوم الثورات الاجتماعية، هز أركان نظام سياسي واجتماعي لإزالته لن يتحقق بين ليلة وضحاها، هذا النظام المتهاوي له أعمدته المبنية بمعظم الأحيان على أجهزة أمنية وعلى طبقة سياسية واجتماعية تحميه وتدعمه. هؤلاء جميعهم مستفيدون من الوضع القائم كما هو،  الوضع الذي تهدف الثورة إلى تغييره.

أعمدة الحكم إن أخذنا مثلاً عليها دوله عربية مثل مصر تعتمد على طبقة المنتفعين ورجال الأعمال والتجار. سياسة الدولة التي يتحكمون بها عن طريق الحزب الواحد الحاكم تسمح لهم بسن القوانين المُناسبة لإعطاء نهب عرق وشقاء الفقراء غطاءاً قانونياً. مؤسسات الدولة بما فيها الإعلام والقضاء تنجر هي أيضاً إلى هذا المستنقع، إما بالخوف أو بالمضايقة أو بالمنفعة عن طريق المشاركة بالوليمة.

إن أخذنا نموذج دولة قوية بثرواتها الطبيعية، فمنفعة الطبقة الحاكمه مبنية على مبدأ سرقة وبيع ثروات الوطن بدل فتح مجالات العمل أمام الناس للإنتاج ,تصبح هذه الدول ريعية بامتياز يُشكل بها بيع النفط مثلاً أهم مصادر ميزانيتها ويسمح بالنهب على شكل هائل, هذه الأنظمة لا تُعطي شيئاً إلا للحفاظ على السلم الاجتماعي وتقوم الطبقة المُستفيده بدورها بالاستحواذ على كل مفاصل الدولة من الإعلام للتعليم والقضاء وغيره.

العمل الثوري يهدف إذاً إلى استعادة الشعب لسيادته المُصادرة وأحقيته بالسيطرة على مردود عمله أو التوزيع العادل للثروة واستثمارها لبناء اقتصاد إنتاجي، بالتالي هذا يهدف إلى إنهاء سيطرة طبقة المُنتفعين من الوضع القائم واللذين شحذوا وسائل بقائهم وطوروها مثل جيش عقائدي مُسيس، تغذية التناقضات الاجتماعية العرقية والدينية والاستحواذ على دور الراعي للسلم الاجتماعي.

نموذج ثورات الربيع العربي لا يختلف كثيراً عن الأمثلة الأخرى بالعالم، مع أنه يتميز هذه الأيام بعنف الثورة المُضادة أو قوى الردة، والتي تحاول بكافة الوسائل البقاء كما بسوريا والبحرين أو استعادة السلطة كما في مصر واليمن.

حجم العنف المُمارس من طرف هذه الأنظمة واستعدادها لتدمير الأوطان وتغيير معالمها يُثبت لنا سلامة طرح وُجوب ذهابها واسترجاع السلطة للشعوب. فهكذا حكومات لا يتصور أحد أن تبقى على رقاب العباد إلى أبد الآبدين، وما لا يفهمه هؤلاء أن زيادة الاضطهاد والتدمير لن تزيد إلا إلى تقوية شرعية الحراك ضدهم، وإزالة آخر أوراق توت الشرعية التي يختبؤون ورائها.

تمسك المُستفيدين والمنتفعين بالسيطرة على مقاليد الأمور للإستمرار بنهب الناس وسرقة الأوطان هو شيء مفهوم، ولكن الأقل فهماً هو تمزق الطرف الآخر الداعي إلى التغيير.

الحراك الثوري العربي الهش، وضع ثقته عن طريق الانتخابات كما حدث بمصر وتونس بأحزاب سياسية ذات بُعد ديني وبرنامج سياسي إصلاحي. الفكر الإصلاحي بطبيعته لا يدفع لتغيير الوضع القائم، وإنما لإصلاحه فقط، هو الفكر السائد حالياً بأوروبا والدول الديمقراطية والتي لا حاجة لها لثورات شعبية. في بلادنا هذا الفكر يتناقض حالياً مع مفهوم تغيير الأنظمة وإزالتها الذي طالبت به الجماهير في ميدان التحرير وشارع بورقيبة ومدارس درعا وساحات صنعاء وعدن وميدان اللؤلؤة “الشعب يريد إسقاط النظام”.

انعدام وجود حركات ثورية قادرة على تلقُف الكرة المُلتهبة من الجماهير الثائرة، مهما كانت تبريرات ذلك من عنف النظام ضدها أو عدم شعبيتها أو في معظم الأحيان عدم انتمائها إلى الفكر الديمقراطي، أدى إلى أن الحركات الإسلامية الرافعة لشعارات الديمقراطية والقابلة لمبدأ التبادل السلمي للسلطة، استلمت تلك عن طريق الانتخابات. لسوء حظ المصريين الفكر الإصلاحي للإخوان المسلمين أدى بشكل تلقائي إلى حلول إصلاحية يعني العمل على إصلاح الواقع القائم وليس تغييره وهو ما أوصل إلى أولا، التفاهم مع العسكر ثم السكوت والقبول بقضاء النظام السابق الفاسد، بما فيه حل البرلمان المُنتخب، والذي طبعاً انتهى كما يجب بعودة النظام السابق، لأن الفكر الإصلاحي الإخواني المصري لا يستطيع أن يبني في بلاد قامت بها ثورة وشعب يُطالب بميلاد جديد. هذا ليس خطأ الإخوان المسلمون وإنما طبيعة الأشياء. الحراك الثوري في مصر مُطالب بخلق قياداته الثورية والتي عليها أن تعمل على إعادة الثورة إلى شعارها الأول وهو إسقاط النظام وليس فقط إصلاحه.

في تونس تم تحييد قوى النظام السابق لضعفه أولاً ولوعي الحركات السياسة التونسية بمختلف اتجاهاتها أبعاد وأهمية الفترة الجديدة ورفض إعادة تأهيل أي طرف من النظام السابق، وهو مبني على وعي الشعب التونسي أصلاً ومراقبته لهذه الأحزاب وبرامجها السياسة.

نحن نعيش زمن الرده، هذا الزمن هو أيضاً جزء من زمن الثورة وليس هزيمة للفكر الثوري، هكذا تسير الأمور. مُعظم ثورات الشعوب في هذا الزمن أو في التاريخ تعرضت لذالك لأن قوى النظام السابق لا يمكن أن تذهب بمحض إرادتها. هزيمتها إذاً هي بداية العهد الجديد وليس التفاهم معها على حلول إصلاحية (مصر واليمن).

نموذج الثورة الفرنسية بالقرن الثامن عشر يُظهر أن الجماهير التي حررت الباستيل سنة 1789 ووضعت لائحة حقوق الإنسان ومفهوم المواطنة وفصل الدين عن السلطة، إنكفأت على نفسها وسمحت بعودة النظام الملكي السابق على مدار أربعة وثلاثين عاماً، قبل عودة قيم الثورة من جديد.

نموذج التغيير الديمقراطي في تشيلي ووصول سلفادور أيندي للسلطة بانتخابات 1970 لم يدم إلا سنوات ثلاث، وحكم الجنرال بينوشي البلاد لسبعة عشر عاماً ،  بعد انقلاب عسكري قبل عودة الديمقراطية من جديد وعودة بينوشي إلى المحكمة والسجن على جرائمه.

أهمية الربيع العربي هو أنه بدأ بعد عقود طويلة من السنين العجاف كدنا نيأس من كل شيء. هذا الحراك سيكون صعباً وبطيئاً ورد السلطة قاسياً ودموياً ولكن الخوف والقبول بالظلم لم يعد القاسم المُشترك لهذه الأمة، بل حب الحرية والتضحية من أجلها. وسيعود المسار نحو التوجه إلى الأمام من جديد، وكما قال الله في كتابه الكريم ولا تقنطو من رحمة الله.

طبيب عربي مقيم في فرنسا

29/3/2015

الدولة اولا والسلطة ثانيا احزاب مصر ما بعد الثورة

 

الدولة أولاً والسلطة ثانياً

أحزاب مصر ما بعد الثورة

د. نزار بدران

عندما خرجت الملايين من أبناء وبنات الأمة متظاهرين، لإخراجها من سُباتها العميق الذي دام لعدة قرون، تلقفت هذا الحراك أيدي الأحزاب المتواجدة أصلاً بالساحة العربية؛ إسلامية وليبرالية أو يسارية، ووجدت نفسها بعد سنين عجاف طويلة في موقع السلطة. حدث ذلك في مصر في العام 2011، وكذلك في ليبيا واليمن. ولكن النتيجة الظاهرة والملموسة حتى الآن، أن هذه الأحزاب بكل اتجاهاتها الفكرية، لم تستطع أن تحمل أحلام الناس، ولم تحقق شعاراتهم في الحرية والكرامة، والتخلص من الفساد والظلم والتهميش.

لماذا هذا الفشل، ومن هو المسؤول عنه؟، هل هو فشل الملايين الثائرة المتظاهرة سلمياً، والتي أسقطت حكومات ورؤساء، رسخوا أركانهم بأرض الفساد لعشرات السنين، وضربوا عميقاً جذورهم في دولتهم العميقة، أم فشل الأحزاب التي استلمت الراية منهم، ولم تكن قادرة على دفع سفينة الحرية باتجاه ريح الثورة، لتصل إلى بر الأمان؟.

هناك من يتهم المتظاهرين باستباقهم الأحداث، وكان عليهم الانتظار حتى يخرج من صفوف الأمة رجالاً عظاماً، ليلهموا الحراك الثوري، قد نتمنى ذلك؛ ولكن لا نستطيع أن نفسر به أي حركة ثورية أو إنتفاضة بالعالم؛ كانتفاضة “تيانان مين” في الصين في العام 1989، أو الثورات الملونة في أوروبا الشرقية الشيوعية بنهاية القرن الماضي.

حركة الناس تخضع لقوانين لا تلتزم الخطط التي يضعها المفكرون بالعالم؛ وانهيار الاتحاد السوفيتي الذي لم يتوقعه أحد، أو عديد من أحداث العالم يُثبت عدم جدية طرح انتظار “الإمام المُنقذ” للجماهير المُعذبة، والثورة الفرنسية نفسها والتي كان لها مفكروها  العظام، لم تكن لتوجد أصلاً لو لم تتغير المُعطيات الموضوعية على الأرض، وخصوصاً بدءا من الثورة الصناعية بأوروبا، انطلاقاً من بريطانيا؛ ولم يكن للمفكرين أي دور في تفجير الثورة وقيادتها، وإنما فقط بمحاولة إضاءة شعلة انطلاقتها، وإلا لما رأينا الإرتدادات العنيفة وقتها وفي زمنها.

الفرق بين الثورات الناجحة، والمُجهضة أو المُتعثرة كما هي أحوالنا، هو من سيستلم الراية التي رفعتها الجماهير بشكل تلقائي؟، في الحالة الفرنسية استطاعت هذه القيادات الشابة أن تصل بعد عناء، وبعد فترة طويلة من زمن الردة (عودة الملكية 34 عاماً بعد الثورة) إلى أن تصل بالنهاية لإقامة دولة الحرية والديمقراطية والعدالة التي يطمح لها الفرنسيون. وفي أوروبا الشرقية هناك تحول ناجح كبولونيا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية، وآخر أقل نجاحاً كروسيا الاتحادية أو أوكرانيا.

المثل المصري حري بالدراسة والتحليل؛ فمصر هي أكبر دولة عربية وشعارات شبابها الثورية كانت بغاية الوضوح (حرية، كرامة، عدالة إجتماعية) وملايين البشر خرجت للشوارع، وأسقطت نظاماً عتياً. ومع ذلك فهناك فشل في مصر، وعودة للنظام السابق، وبشكل أكثر قسوة، ومذابح رابعة العدوية وغيرها يُظهر ذلك.

السبب برأيي هو في التناقض الكامن بين ثورية الجماهير الهادرة، وإصلاحية الأحزاب التائقة للسلطة، فالناس لم تقبل إلا إسقاط النظام، بينما “الأحزاب الإسلامية” وبعض الليبرالية والقومية كانت على استعداد للتعايش معه، ومواقف “الإخوان المسلمين” وتهافتهم على طاولة عمر سليمان، ما زالت عالقة في ذاكرة الناس.

المشكلة إذن تكمن في الفكر الإصلاحي الطاغي على هذه الأحزاب، والذي دفعها أصلاً إلى اعتماد سياسات إصلاحية، بمعنى إصلاح الموجود وليس تغييره، مما أدى إلى التفاهم مع “الطبقة العسكرية” والتي هي أصلاً أحد أعمدة النظام السابق، ولها مصالح اقتصادية هائلة لن يقبل جنرالات هذا الجيش أن يتخلوا عنها.

الفكر الإصلاحي هو الذي دفع “الحكام الإسلاميين” الجُدد لمصر، لقبول قرارات المحكمة الدستورية التابعة للنظام السابق بحل البرلمان المُنتخب من الشعب، أو الطعن في شرعية المرشحين للرئاسة، وفرض الأسماء التي تريدها المحكمة. الفكر الإصلاحي هو الذي دفع “الإخوان المسلمين” إلى القبول بتقاسم السلطة مع الجيش، وإعطاءه صلاحيات غير مُراقبة ديمقراطياً من مُمثلي الشعب. كل ذلك أدى في النهاية إلى عودة جنرالات الجيش للسلطة، وإعادة “الإخوان المسلمين” للسجون أو دفنهم بالقبور.

الخطأ ليس في “الإخوان المسلمين” كمناضلين، وقد أثبتوا على مدار عشرات السنين استعدادهم للتضحية من أجل أفكارهم، ولكن هو في هذه الأفكار التي في أحسن الأحوال يمكن وصفها بالإصلاحية؛ التفاهم مع السلطة ومشاركتها الحكم، كان أقصى ما يمكن أن يحلم به “الإخوان”، زمن مبارك والسادات وجمال عبد الناصر.

إن نظرنا للموضوع من منظار الحركات الليبرالية والقومية واليسارية، فالأمر قد يكون أسوأ، فهؤلاء كانوا يتهمون “الإخوان المسلمين” بعدم الديمقراطية واستحواذهم على السلطة بالكامل، ونسوا أن الشعب المصري هو الذي خولهم ذلك على مدار خمسة انتخابات عامة مُتتابعة، لم ينجح بها هؤلاء المنتقدون ولا مرة واحدة. من الطبيعي في النظام الديمقراطي أن المُخول بالانتخابات على عكس ما يُعتقد، عليه واجب استلام السلطة وليس تقاسمها، فهي مسؤولية أنيطت به من قبل المُنتخبين.

هؤلاء الذين كنا نظنهم أمل الأمة بالحكم الديمقراطي، لم يجدوا أي حرج بالتحالف مع النظام السابق، مُمثلاً بجنرالات الجيش للإطاحة بنظام ديمقراطي مُنتخب من الشعب. ونجح السيد صباحي والسيد البرادعي الحائز على جائزة نوبل للسلام بإبعاد “الإخوان”، ولكنهم لم يستطيعوا كما كانوا يظنون استلام السلطة خارج إرادة الشعب وبالانتخابات. إن تسرعهم بالتحالف مع الفلول وأعداء الثورة يُظهر مدى هشاشة هذا الفكر، فظاهره ديمقراطي ولكن عمقه ديكتاتوري. فهو يهدف للوصول إلى السلطة بأي طريقة، ولا يحترم أبداً أصول التبادل السلمي للسلطة وقواعد العملية الديمقراطية، هو بشكل أو بآخر امتداد للفكر الناصري الذي يستمد شرعيته من طبقة الضباط المسيطرة على الجيش وليس من الشعب. ومثل الجزائر لم يُجد هؤلاء نفعاً، فمحاولة الجزائريين دخول الديمقراطية في نهاية الثمانينات وتنظيم انتخابات حرة، قبل بها حزب جبهة التحرير الحاكم، لم يمنعه من الانقلاب على العملية الديمقراطية لصالح بقاء الجيش بالسلطة، وإدخال البلاد في حرب أهلية استمرت أكثر من عقد، وأودت بحياة أكثر من ثلاثمائة ألف مواطن.

هرب البرادعي والإختفاء السياسي لصباحي، يدل أيضاً على ضعف هؤلاء، حتى في التفكير الصحيح لصالح حركاتهم السياسية، فأي دارس للتاريخ يدرك أن من يتحالف مع العسكر لن يترك له هؤلاء أي موضع قدم في السلطة، وجنرالات الجيش استعملوهم أيضاً كأدوات للوصول للحكم ثم أزاحوهم جانباً، فهم لا يريدون رقيباً؛ حتى من بين من يتحالفون معهم.

لذلك يتوجب على من يقرأ التاريخ من السياسيين، أن يعرف ذلك، فمثلاً الكاتب الفرنسي والمفكر الشهير “شاتو بريان” كان قد حذر الثوار من مغبة إعطاء السلطة للعسكر (وإلا راحوا بألف داهيه)، كان هذا في نهاية القرن الثامن عشر، ولم يستمع إليه الثوار، ووصل نابليون جنرال الجيش، وأدخل فرنسا في حروب لا تنتهي، وعادت الملكية بعد ذلك لمدة 34 عاماً.

الفكر الحقيقي للإنسان، هو ما يفعله، وليس ما يقوله، هذه قاعدة في الفلسفة، الفكر الديمقراطي هو بالأساس الممارسة الديمقراطية. التحالف مع قوى نظام سابق باغ، لا يمكن أن يوضع تحت شعار عدم التجربة وعدم المعرفة، فعبر التاريخ ودروسه متوفرة على الدوام، ويستطيع كل راغب الاستفادة منها، وإنما ذلك حقيقة هو انعكاس لفكر لا ديمقراطي، وإن تشدق بالعكس. فالدرس المصري أظهر بشكل واضح خطأ من كان يظن بإمكانية اليسار المصري والليبراليين والقوميين؛ على الأقل الجزء المُتحالف مع العسكر، وهم الأكثر ظهوراً، ببناء صرح دولة ديمقراطية حديثة، ورُب ضارة نافعة.

مأساة الشباب المصري الذي لم تتح له فرصة بناء أحزاب ثورية ذات قاعدة شعبية واسعة، أنهم وقعوا بين الإخوان المسلمين والأحزاب المُتحالفة مع العسكر، والذين لم يميزوا بين السلطة والدولة، فالتنازع على السلطة كان على حساب بناء دولة مصر الحديثة والتي على العكس، كان يجب أن تكون هدف كل عمل سياسي وبالتوافق، وأولوية كل الأحزاب المشاركة بالثورة.

الفترة الثورية الحقيقية تهدف دائماً إلى إنهاء النظام السابق بكل أعمدته، وإبعاد كل أطرافه وإخراجهم من اللعبة السياسية. وفي الحالة المصرية هم جنرالات الجيش والضباط المسيطرين على المخابرات والأمن وكبار قُضاة المحاكم العُليا المُعينين من مبارك وكبار رجال الأعمال الناهبين لعرق الجماهير. الهدنة مع هؤلاء وتقاسم السلطة كما فعل “الإخوان المسلمون” أو التحالف معهم، كما فعلت الأحزاب الأخرى المشاركة بإسقاط الديمقراطية، ما كان لكل هذا إلا أن يؤدي إلى ما آلت إليه الأوضاع في مصر الآن، من حيث انفراد الجيش الكامل بالسلطة.

المطلوب الآن عودة السلوك والممارسة الديمقراطية إلى أوساط الحركة الشعبية، والتعبئة من أجل إيجاد أحزاب ديمقراطية، تهدف أولاً وقبل كل شيء؛ إلى إعادة بناء دولة مصرية ديمقراطية تعددية، وبناء المؤسسات المستقلة القوية، ووضع أسس دولة المواطنة (للمزيد أنظر فيس بوك الدكتور نزار بدران) وليس على وضع برامج سياسية للحكم والسيطرة على السلطة، وكأن الديمقراطية قد رسخت والدولة الحديثة قد أُقيمت، وهو ما سيكون موضوعنا لمقال قادم.

 

طبيب عربي مقيم في فرنسا

 

الاستثناء العربي

نرى هذه الأيام محاولات قوى الاستبداد المضادة للحراك الديمقراطي العربي، وبعد فشلها في وأده بعد أربع سنوات من بدءه، بالعودة لمبدأ فرق تسد، تنقل تناقضات المجتمعات العربية مع أنظمتها إلى تناقض بنى مكونات هذه المجتمعات، وهو ما يتمثل بإظهار الهويات الطائفية والأيدولوجية والجهوية. تقسيم اليمن إلى يمنين، والعراق إلى ثلاث وسوريا بين العلويين والسنة، وليبيا إلى أربعة، تأجيج الطائفية والإقليمية هو سلاح في أيديها، وهو ما يفرض على المثقف العربي أن يقف له بالمرصاد وأن تنأى الأصوات الوطنية المسموعة وقوى الحرية الناشئة رغم قلة خبرتها عن الانجرار وراء هذا الحشد الهائل من الأكاذيب، وتأليب مكونات المجتمع ضد بعضها البعض، فالسنة ليسو أعداء العلويين ولا الشيعة، والمسيحيون ليسو أعداء المسلمين، والعرب ليسو أعداء البربر، ولا أهل جنوب اليمن أعداء لشماله، إنهم بالحقيقة جميعهم ضحايا لهذه الأنظمة الفاسدة.

هل الدول العربية مبنية حقيقة على معطيات اجتماعية منطقية ولها بعدها التاريخي الذي يبرر وجودها؟؟ لقد انتقلت الإنسانية بعد الثورة الصناعية في أوروبا بالقرنين الثامن والتاسع عشر من مفهوم الامبراطورية المتعدد القوميات (مثال الامبراطورية الرومانية، الدولة العثمانية، امبراطورية الصين…الخ) إلى مفهوم الدولة القومية، المبنية على قوم مؤسس بلغته وقوميته مضاف إليه في معظم الأحيان قوميات قليلة أخرى.

لا يوجد على ظهر الأرض تقريباً قوم واحد  أسس أكثر من عشرين دولة، كان هناك لفترة ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية، ويوجد حالياً كوريا الشمالية والجنوبية، ولكن قوى الوحدة أنهت الانقسام الألماني وتعمل على توحيد الكوريتين.

نحن إذاً نعيش في وضع استثنائي، أمة في زمن ما قبل القوميات أي مجتمع قبلي يحمل بهتاناً صفة دول ذات سيادة. الصين أو الهند بضخامتهما تشكلان دولاً قومية، روسيا، والبرازيل مثلاً نفس الشيء، الولايات المتحدة تعيش تعدد القوميات في دولة واحدة، أوروبا تنتقل حالياً من الدول القومية إلى مرحلة جديدة يمكن تسميتها بأوروبا بعد القوميات، وكذلك دول أميركا الجنوبية.

نحن إذاً وضع شاذ في هذا العالم، نضالنا نحو الوحدة هو في الحقيقة العمل للوصول إلى الوضع القومي العادي والالتحاق بما حصل بالقرن التاسع عشر، لنصبح كالآخرين. أن نندفع وراء العصبيات ونؤجج التناقضات الاجتماعية الداخلية هو أكبر خطأ تدفعنا قوى التخلف إليه ويُثبت لفترة أطول أنظمة الاستبداد، ويبقينا خارج التاريخ وحتى في بعض الأحيان خارج الجغرافيا.

الوصول إلى مرحلة الأمة الموحدة هو ليس تلقائياً الحل لمشاكلنا ,وظهور الفاشية والنازية والشيوعية والاستعمار في الدول الأوروبية القومية هو دليل على ذلك. ولكن لن تُحل أي مشكلة خارج إطار الوحدة، التي هي الحد الأدنى لوجود أي شعب. الحلول تكمن في قيام هذه الوحدة على أُسس الحضارة الإنسانية المعاصرة، المبني على أن الشعب هو مصدر السلطات، أي الديمقراطية، ورفع قيم العدالة والمساواة وحقوق الإنسان بما فيها المساواة بين المرأة والرجل، الحق بالحياة والعمل والتعليم والتنقل، الفصل بين السلطات، الصحافة الحرة، القضاء المستقل، ضمان الصحة وحرية المعتقد ما إلى ذلك من لائحة طويلة، هي التي ستُعيد لنا دورنا في الحضارة المعاصرة، ذلك جميعه لن يتحقق إلا في الدولة الموحدة للأمة وليس في قبائله الاثنين والعشرون.

قوى التغيير والحرية في وطننا الواسع وهي تناضل لإزالة أنظمة التجزئة والاستبداد، يجب أن تنتبه إلى هذه الحقيقة التاريخية وأن تتوحد في شعاراتها وأهدافها، وتعمل على خلق واقع عربي جديد وإنهاء مرحلة ما قبل القومية التي نعيشها وحدنا في العالم بينما كثير من الشعوب  بدأ رحلته لمرحلة جديدة وهي مرحلة ما بعد القومية.

د. نزار بدران

طبيب عربي مقيم في فرنسا

للمزيد أنظر فيس بوك

الدكتور نزار بدران

27/2/2015

يوم الأرض

يوم الأرض الالتفاف حول فلسطين

1948

نزار بدران

هي فلسطين ؛ هي الأرض التي وُلد فيها آباؤنا وأجدادنا منذ وُجدت وتنفست الحياة، عاش بها أجدادنا الكنعانيون وفيها وُلد وعاش الأنبياء والرسل، هي أرض النور والهداية للعالم، أرض التّسامح والمحبّة، فيها وجد الضعفاء والمظلمون الملجأ الآمن، اختلطت فيها الأعراق والأنساب أعرباً كانوا أم أرمن، مسيحيين كانوا أم مسلمين. هي التي أسرى إليها الرسول الكريم وولد فيها السيد المسيح، احتضنت عمر بن الخطاب والناصر صلاح الدين الأيوبي، من أرضها طُرد الصليبيين وهزمت أسوار عكاها نابليون، واضعة حداً لحملته بعد أن احتل كامل مصر. رمز القدسية وأرض الحضارة والمدنية ، فيها أريحا أقدم مدن العالم. انفتاح الأمة العربية والشعب الفلسطيني على الآخر كان رمز فلسطين ولكن دون ضعف أو هوان.

أن يدُنس أرضها الغزاة الصهاينة لا ينزع شيئاً من كل هذه الأبعاد بل يزيدها توهجاً وشموخاً ، وواجب الدفاع عنها يقع على الأمة جميعا وليس على  الشعب الفلسطيني وحده.

كل إنسان حرّ له وطنان، وطنه وفلسطين، كنلسون مانديلا الذي قال بعد تحرير شعب أفريقيا الجنوبية بسوده وبيضه، لن تكتمل حريتنا إلا باستعادة الشعب الفلسطيني حريته.

استشهاد أبناء الجليل قبل عقود من الزمن دفاعاً عن الأرض، وصمود أبنائنا وأهلنا في غزة الإباء وفي نابلس والقدس والنقب وحيفا ويافا، هو صمود بانتظار صحوة الأمة حتى تأخذ دورها الطبيعي وتسترجع حقوقها في جزئها الأكثر أهمية…فلسطين، حلقة الوصل بين الشرق والغرب، بين المتوسط والبحر الأحمر، بين مشرق العرب ومغربهم.

لن يطلب الفلسطيني الثأر من أحد بل يطلب استرجاع الحقوق وأولها حق كل لاجىء بالعودة إلى قريته وأرضه ليزرعها من جديد بليمونه وبرتقاله، وحق كل طفل فلسطيني بالانتماء الطبيعي لوطن آبائه وأجداده.

حضارة هذا الزمن والتي نأمل كأمة أن نكون جزءاً منها تُؤكد على حقوق الإنسان الأساسية وأولها حق الاجىء والمُهجر بالعودة لبلاده.

المطلوب من قيادات الشعب الفلسطيني المدرك تماماً لحقوقه، أن تُدرك هي أيضاً هذه الحقوق، ولا تضعها في سوق النخاسة للبيع والشراء. العودة إلى ثوابت الوطن وأولها حق العودة والعيش بأمان وحرية على ترابه يتناغم تماماً مع قيم زمننا، الذي تحاول به الأمه النهوض من سباتها وتصرخ عالياً مطالبة بكرامتها وحريتها، فلنلتحق بهذا الركب الهائج في وطننا وفي أوطان الشعوب الأخرى، ولا نبقى وحدنا ننتظر رحمة أمريكا والأمم المتحدة.

لا يُعقل أن يظل اللاجئون الفلسطينيون بالمخيمات مُضطهدين ،يعانون الجوع والفقر والحرمان منذ أكثر من ستين عاماً، وهم أبناء البلاد التي بارك بها ومن حولها الخالق، بلاد اللبن والعسل.

شعبنا المُشتت في بقاع الأرض عليه أن يتوحّد  ويلتفّ من جديد حول نضال أبناء أهلنا في فلسطين المحتله عام 48، لأنهم كانوا وما زالوا الشوكة التي تقضّ مضجع إسرائيل وتثبت كذب ادعاء الفكر الصهيوني بالانتماء إلى مجموعة الفكر الإنساني، هذا الفكر الذي يُطالب بالنقاء العرقي بطرحه مشروع يهودية الدولة الإسرائيلية، متناقضاً ومتعارضاً تماماً مع مبادىء حقوق الإنسان وأولها حقه بالعودة إلى وطنه.

30/3/2015

طبيب فلسطيني لاجىء في فرنسا

دولة المواطنة بين حلم اليقظة وكابوس الطائفية

 

دولة المواطنة

بين حُلم اليقظة وكابوس الطائفية

د. نزار بدران

غطت زُرقة السماء العربي كتل وطبقات الدخان المُتصاعد من محارق الطائفية والاستبداد. فما هو سببها وكيف نعمل على إطفائها، ونتخلص من الطائفية البغيضة. حيث يشكل الانتماء للقبيلة أو الطائفة، على حساب الانتماء للدولة أو الأمة السبب الرئيس لانهيار الكثير من الدول والأمم. فالطائفية لم تحم في يوم من الأيام أحداً؛ لا أقلية ولا أغلبية، والأمثلة الحالية في العراق وسوريا واليمن تُثبت أن من يزعم إنه يدافع عن مصالح طائفته، إنما هو في الحقيقة من يحفر قبرها،  ويُيتم أطفالها ويُدمر مدنها. وما نموذج الحكم الأمني السوري، ومئات آلاف القتلى من أبناء الطائفة المحظية، ومن يواليها من أبناء الطوائف الأخرى، وانسداد أُفق إمكانية تواجدهم في سوريا موحدة، أو مثال الحوثيين في اليمن، وما آلت إليه أحوال طائفتهم إلا دليلاً على ذلك.

الحكم الاستبدادي هو سبب تغول الطائفية والمذهبية المقيتة، حين يُحول تناقضه مع مجتمعه إلى تناقض المجتمع مع نفسه، مما يعطيه شرعية البقاء بدعوى حماية الناس من بعضهم البعض، وخصوصاً عندما يستشعر توحد المجتمع ضده، أو بدء حراك ثوري للتخلص منه. هذا ما كان يحدث أيضاً في الدول المُستعمرة سابقاً مثل المغرب، عندما وضع الفرنسيون قوانين خاصة بالبربر (الظهير البربري 1930)، والذي يميز بالحقوق بين أبناء الوطن الواحد، كذلك في الجزائر، حين جرى سن قوانين خاصة بفئة من الشعب الجزائري.

فئات الشعب المختلفة وطوائفه العديدة، لم تكن في أي دولة مصدراً للحروب، وإنما اُستعملت دائماً من السلطات المستبدة أو المُستعمرة لهذا الهدف. فقد تعايش العرب والأكراد على مدى قرون، ولا ننسى صلاح الدين الأيوبي الذي حرر فلسطين. وتعايش وتصاهر الشيعة مع السنة في العراق على مدى عشرات السنين.

لذا فإن الحفاظ على مصالح الطائفة، لا يتم حقيقة إلا بالدفاع عن مفهوم المواطنة، والانتماء إلى شعب واحد متنوع بطوائفه. لكن بنيانه السياسي مُقام على أساس الفرد المواطن وحقوقه. هذا لا يعني إنهاء التنوع العرقي واللغوي والديني في المجتمع، بل على العكس هذا التنوع هو أحد أسباب غناه. أنك أمام القانون كغيرك لا أفضلية لك لانتمائك لطائفة ما، ولا حقوق خاصة لك لهذا السبب.

الدولة الديمقراطية الحديثة، تُعامل سكانها على أساس مواطنتهم، فهم سواسية كأسنان المشط، لا فرق في الحقوق السياسية والاجتماعية بين مسيحي ومسلم أو علوي وسني أو عربي وكردي، هم في نفس الوقت المسيحي والمسلم والعلوي والسني والعربي والكردي، يشكلون ما يشبه قوس قُزح يزيد المجتمع تألقاً وجمالاً، ويُثري الثقافة المشتركة.

أن نكون مواطنون في دولنا، هذا لا يمنعنا من أن نمارس شعائرنا الدينية، ونتكلم لغاتنا الخاصة، ونتعلمها ونُعلمها ونحتفل بأعيادنا. ولكننا في نفس الوقت لنا نفس الواجبات والحقوق أمام العقد الاجتماعي الذي يجمعنا؛ الحق بالعمل والتعلم، والحق بالمشاركة بكافة مؤسسات الدولة؛ بما فيها الجيش والشرطة، الحق بالترشح والترشيح في أي منصب في الدولة،  بما فيه منصب الرئيس، الحق بالانتماء لأي حزب سياسي، لأن الأحزاب في دولة المواطنة، لا توجد إلا للدفاع عن الأمة كاملة، وليس عن فئة منها.

لذلك لا تسمح دولة المواطنة لفئة طائفية ترفع شعارات طائفية بالعمل السياسي باسم الأمة جمعاء، كما يحصل حالياً في بلادنا من سوريا ولبنان إلى اليمن والعراق. دولة المواطنة تُعامل كل الطوائف على قدم المساواة وتعترف بكل خصوصياتهم وتحترمها.

هذه الدولة لا تستطيع أن توجد إلا في إطار ديمقراطي، حيث الأطر الديمقراطية وحدها التي تستطيع أن تبعد شبح تسلط فئة، أو طائفة واحدة، على سُدة الحكم والتحكم برقاب الشعب، كما نراه في كل الدول الديكتاتورية، والأمثلة في دولنا العربية عديدة.

هذه الدولة لا توجد إلا باحترامها لمعايير الحضارة الحديثة؛ من احترام حقوق الإنسان وحقوق ألأقليات والمساواة بين المواطنين، مهما كان جنسهم، وحماية الضعفاء واحترام حقوق اللاجئين والمُهجرين، والتوزيع العادل للثروة الوطنية، وإتاحة فرص العمل والتعلم بالتساوي للجميع، بناءاً على مفهوم الكفاءة والمقدرة، وليس بالمحسوبية والانتماء العرقي أو الطبقي.

دولة المواطنة تعتبر المواطن، مهما كان انتماؤه الديني أو العرقي مصدراً للسلطة فيها وهو حاميها، فهي دولة ينيط بها مواطنوها، وكذا تنيط بنفسها؛ مهام بناء مؤسسات قوية وتحترم استقلال الصحافة، وتفصل بين القضاء والسياسة، وتحترم التبادل السلمي للسلطة. القاضي فيها يحكم بقانون عادل صوت عليه الشعب عن طريق انتخاب مجالسه التشريعية. هذا القانون المُقر من الشعب، بعد نقاش وأخذ ورد، مُحترم من قبل الجميع، ومن يخرج عنه يخرج عن الإجماع والعقد الاجتماعي.

هذا كله أحلام يقظة، وستُعيدني نشرة الأخبار بعد قليل إلى واقع آخر، ولكن في نفس الوقت لن نغير الواقع إلا بالعودة للأحلام والمثاليات. مارتن لوثر كنغ قُتل من أجل تحقيق حُلمه بمساواة البيض والسود، ونلسون مانديلا أمضى سبع وعشرون عاماُ بالسجن، لتحقيق حُلم إزالة الفصل العنصري بأفريقيا الجنوبية. وليس بعيداً عنا مثال عبد الكريم الخطابي من منفاه، وعمر المختار أسد الصحراء مُقيداً بالسلاسل، والأمير عبد القادر الجزائري، اللذين حلموا بطرد المستعمرين من بلادهم، وهو أيضاً حُلم السيد المسيح يُبشر بالمحبة بين الناس، وهو يسير حاملاً صليبه على ظهره في درب الآلام، وحلم الرسول الكريم هو وصديقه بالغار بإقامة دولة العدل والحضارة.

صفحات التواصل الاجتماعي الحديثة، تستطيع أن تنقل أحلام ملايين الناس وتوصلها لبعضهم البعض وتشد في عضدهم، وقد تكون أقوى وأكثر فعالية من نشرة الأخبار المُحبطة.