الثورة السورية او الموت نيابة عن الاخرين

 

الثورة السورية

 أو الموت بالنيابة عن الآخرين!

د. نزار بدران 

في الخامس عشر من هذا الشهر، تكون قد مرت أربع سنوات على انطلاقة  الثورة السورية. ومذذاك يواجه الشعب السوري واللاجئون الفلسطينيون حرب إبادة من قِبل النظام السوري، لإبقائهم في بيت الطاعة..

هل كل هذا الدم النازف فقط بسبب تعنت النظام وجبروته، ونحن نرى جيشا مقطع الأوصال وشديد الإنهاك، وقد فقدت الطائفة العلوية – وهي عماد النظام-  الآلاف من أبنائها. بينما بات الكل يدرك أنه لولا الدعم الأجنبي، وخصوصا الروسي والإيراني، وتواطؤ الدول الغربية تحت ضغط اللوبي الصهيوني، لانتصرت الثورة السورية منذ زمن طويل.

لكن المستهدف حقيقة من هذه الحرب، والذي يفسر إصرار حلفاء النظام السوري على دعمه، هو إنهاء أي نفس ديمقراطي لما يشكله لهم من هاجس انتشار الحرية في بلادهم، وتصرفات بوتين في أوكرانيا وقمعه للمعارضة الروسية، واغتيال قادتها أكبر دليل على ذلك.

إيران آيات الله وأدت ربيعها سنة 2009، عندما قمعت “الثورة الخضراء” بقوة السلاح، ونفذت الاعدامات بالجملة. من يومها واستعدادات الدعم الايراني لكل حراك معاد للربيع العربي، من قبيل دعم الحوثيين باليمن، واستفراد الربيع البحريني، يعني أن الثورة المضادة بزعامة الملالي قد أطبقت في ليل على قوى الثورة في بلادنا، ليتضح أن هاجس قوى الثورة المضادة ذات التوجه الامبراطوري في إيران، ليس الدفاع عن الطائفة الشيعية كما تحاول أن تظهر، وإنما القضاء على أي مطالب بالحرية.

بدورها اسرائيل لم تكن لتتوقف يوما عن إظهار الخطر المحدق بها من المحور الايراني السوري اللبناني، لتطالب العالم بالتصدي له، ولكنها لم تنتهز فرصة انغماس هذا المحور بحرب داخلية طاحنة للانقضاض عليه، ومنعت عمليا أي تدخل غربي فعلي لصالح دعم الحراك الديمقراطي السوري، ولم تدع الحصان الأمريكي الهائج يتدخل إلا لصالح مصادرة الأسلحة الكيميائية وتدميرها، وذلك لتفادي خطر سقوطها بأيدي المعارضة وخروجها من اليد الأمينة. فالصهيونية تدرك ما يشكله الربيع العربي  وانتشار الديمقراطية من خطر وجودي على إسرائيل التي لم توجد إلا للامعان بتجزيء الأمة، والإبقاء على أنظمة الاستبداد.

من جهتها تحول الأنظمة العربية المرتعشة دون وصول أمل الحرية إلى شعوبها؛ لتقف صفا واحدا،  موحدة جهودها لمحاربة كل من نادى ورفع شعار أحقية المواطن باختيار قياداته السياسية عبر عملية ديمقراطية. فمن أجل ذلك تقوم حكومات الاستبداد بنقل تناقضاتها مع مجتمعاتها التي أفقرتها ونهبتها الى تناقضات داخل مكونات المجتمع نفسه،عامدة إلى خلق الأرضية  المناسبة للتناحر العرقي والطائفي، بينما الكل هم ضحايا هذه الأنظمة مند ستين عاما.

وحتى ترعب المطالبين بالحرية، فهي تلجأ إلى إثارة مخاطر الحركات الفاشية الجديدة، فيما هي وتحت راية محاربة الارهاب والتطرف، تقوم بتوحيد جهودها لقهر أي حراك ديمقراطي، وهذا ما سنراه في مؤتمر شرم الشيخ المزمع انعقاده لتكوين قوة مشتركة لمحاربة الإرهاب،  والذي يعني لهم طبعا كل من رفع كلمة الحرية، كما في رابعة العدوية، أو ساحة اللؤلؤة بالمنامة، وليس فاشيي “داعش”.

في الخلاصة فإن هذه الأنظمة لم تجتمع  لمحاربة إرهاب النظام السوري الذي قتل مئات الآلاف، وما اجتمعت لمحاربة إرهاب اسرائيل الذي يدمر غزة مرة كل سنتين، ويطرد الشعب الفلسطيني من أرضه يوميا ويحاول تهويد القدس.

الشعب السوري يدفع اذا ثمن الحرية التي يطالب بها المواطن العربي في أي بلد كان، فالضحايا الابرياء والأطفال المشردين والنساء الثكالى والشهداء، هم ثمن حريتنا جميعا.

لقد اصطدم تسونامي “الربيع العربي” الجارف في سوريا بصخرة تحالف المستبدين، وتواطؤ الغرب معهم. حتى أن ارتداده إلى الخلف هو أيضا جارف، فتواطؤ القوى المعادية لأي تغيير ديمقراطي في بلادنا، مستفيدين مما يجري في سوريا، أدى الى مذابح رابعة العدوية وارتداد الثورة المصرية وعودة مصر الى اسوأ مما كانت. لتتواصل موجات هذا التسونامي المرتد لتصل إلى ليبيا، حيث  وصل الأمر بأن يزود خليفة حفتر المدعوم من دول الخليج ومصر وأمريكا في آن واحد، بكل الوسائل للقضاء على الثورة الليبية التي تصور البعض مخطئا، أنها كانت صنيعة الغرب. وما يحدث في اليمن من انتشار للثورة المضادة التي يقودها الحوثيون، المدعومين مباشرة من إيران، إلا شكل آخر من أشكال هذا الارتداد.

الشعب السوري بإصراره على المضي بثورته، ورفضه العودة لزمن العبودية، يدفع من دم أبنائه ثمن حريتي وحريتك، وحقي وحقك بأن نعيش في وطن يحفظ لنا حقوقنا، ويدافع عنها، بدل أن نكون رعاعا وخدما للحكام وأسيادهم.

إن نصرة الشعب السوري هي إذن مهمة الأمة، ومهمة كل مواطن حر، من أجل الدفاع عن النفس. وسيكون انتصار الثورة السورية بمثابة نقطة اللا عودة، كي يتقدم الربيع العربي من جديد، وتتوقف أمواج الردة، بل وكي تعود الثورة من جديد الى ألق بداياتها.

وحدة كل قوى التغيير الديمقراطي في وطننا الكبير، والتوقف عن الانكفاء على مشاكلنا القطرية، والانتباه الى توحد معسكر أعداء الديمقراطية؛ هو الكفيل بإعادة البوصلة الى اتجاهها السليم، وإعطاء الزخم الضروري للنصر.

ليكن شعارنا كلنا سوريا وكلنا سوريون.

 

الإعلانات

الأتفاق النووي ونذر بداية شرق اوسط جديد

 القدس العربي تموز 2015

الاتفاق النووي

ونذر بداية “شرق أوسط جديد”!

 نزار بدران

في اليوم التالي لإعلان إيران “انتصارها” في مفاوضاتها مع الغرب، للحد من قُدراتها النووية، كان آية الله خامنئي (مرشد الثورة)، يعلن أنه “لا توجد نية لإيران لوقف عدائها لأمريكا والغرب، وأن هذا الاتفاق هو وضع استثنائي”. وذلك في رسالة واضحة إلى شعبه، مفادها استبعاد أي أمل بالانفتاح الديمقراطي، وتخفيف القبضة البوليسية على الناس، وقمع المعارضة، تحت ذرائع الخطر الإسرائيلي والغربي.

أما خروج آلاف الناس إلى الشوارع للاحتفال، فلم يكن تعبيرا عن انتصارهم على أمريكا وإسرائيل، وتأييدهم لسياسة المرشد؛ وإنما لإظهار أملهم في الخروج من عزلتهم، وإعادة العلاقات مع الغرب وعلى رأسه أمريكا، وإنهاء الحروب التي دخلتها إيران، أملاً في استعادة حريتهم وتمتعهم بحياة أفضل.

إيران في شكل واضح، ورغم تصريحات مرشدها وقائدها الأعلى، غير المُنتخب، والمُعين فقط من رجال الدين؛ قررت حقيقة التراجع إلى الخلف، والرضوخ للمطالب الأمريكية، وما تصريحات الخامنئي العنترية، إلا تخويفاً للرأي العام المحلي، وتوصيل رسالة للمعارضة الإيرانية، أنه لن يُسمح لها في أي شكل من الأشكال بالتعبير عن نفسها، في ظل ما يُسمى الانفتاح وسياسة الإصلاح. هذا الانفتاح هو فقط في اتجاه أمريكا، وعودة لإيران كما كانت في زمن ما قبل الثورة إلى الحضن الأمريكي، واستمرار القمع الداخلي على ما كان عليه الوضع أيام “السافاك” في زمن الشاه، وكلنا نتذكر كم كانت قبضة السافاك قوية أيامها ضد المجتمع وضد المعارضة بكل أطيافها.

من يقرأ نصوص الاتفاق النووي، وآراء الخبراء، يرى بوضوح موافقة الحكومة الإيرانية على تقليص مشروعها بشكل كبير، وبما يمنع أي إمكانية لاستعماله في المستقبل لفعل أي شيء بدون موافقة دول الغرب. فيما يحاول بعض المفكرين والكتاب العرب، قراءة “انتصار” ما في هذا الاتفاق، خصوصاً مفهوم رفع الحصار وعودة إيران إلى النمو الاقتصادي السريع، وتحسين الظروف الحياتية لسكانها، فلماذا إذن الدخول أصلاً في هذا الحصار، الذي لن ينتهي حتى مع انتهاء المشروع النووي؟.

ما قدمته دول 5 + 1 هو وعد برفع الحصار الاقتصادي ابتداءً من العام 2016، وفي بعض المجالات، بموافقة مجلس الأمن الدولي، مقابل التراجع التام عن المشاريع النووية (رغم بعض مظاهر السيادة الشكلية)، وهذا لن يتحقق كما تريد السلطة الإيرانية بشقيها الإصلاحي والمُتشدد؛ إلا تدريجياً وعلى مدار سنوات طويلة، وتحت طائلة عودة العقوبات، حين يعتبر الغربيون أن إيران لم تحترم التزاماتها (خلال مدة 65 يوماً).

أين يكمن إذن الانتصار الإيراني؟ الحقيقة أن كافة الأنظمة الفاقدة للديمقراطية، لا تأخذ في الاعتبار إلا مصلحة بقاء النظام ولا شىء غيره؛ سياساتها الخارجية موجهة في خدمة هذا الهدف, وواقعها السياسي هو التمكن من السيطرة على مقاليد السلطة خارج الشرعية الشعبية، أو بشرعيات شكلية، كما حدث بالاتحاد السوفيتي سابقاً مع انتخابات الحزب الشيوعي، أو كما يحدث في إيران من انتخابات لا يتم قبول المُرشحين فيها إلا لأعضاء الأحزاب الدينية التابعة أصلاً للنظام الموجود. وأي معارضة أخرى ديمقراطية تُجابه بالحديد والنار والاتهام بالعمالة لأمريكا، وليس بعيداً عنا تلك الإعدامات شنقا التي حصلت في إيران.

لذلك لن يغير الاتفاق الإيراني الغربي الأخير، حتى ولو شاركت به دول أخرى شكلياً، كروسيا والصين، من واقع الحال، ولن يغير من الاتجاه الإيراني في ظل سلطة “الولي الفقيه” صوب البقاء عند حدود النظام الديني أو القطيعة معه، لصالح الدولة المدنية. فالمشكلة المطروحة على سلطة آيات الله، هو خطر اندلاع احتجاجات واسعة، كما حدث قبل سقوط الشاه، أو كما في الحراك الديمقراطي لعام 2009، والذي قوبل بقمع شديد. هذا الخطر يتزايد يومياً عندما نعرف عُمق حضارة الشعب الإيراني، وإرادة شبابه المُعلنة بالانعتاق من النظام الثيوقراطي المشبع بأفكار وأيديولوجيات القرون الوسطى. وكثير من المراقبين منذ 2009 وبعد أحداث الربيع العربي والتورط الإيراني لصالح الأنظمة القمعية العربية، اظهروا مدى احتقان الوضع الداخلي الإيراني، والذي ازداد مع فرض العقوبات الاقتصادية الغربية الخانقة.

إن اهتمام النظام الإيراني بالسلاح النووي، وتركه الأمور الاقتصادية تتدهور باستمرار، وقمع الحريات العامة، يُظهر مدى تقوقع هذا النظام على نفسه، ومحاولاته اليائسة لتخويف الشعب الإيراني بكل الوسائل. والكل يعلم أن هكذا دول لا تسعى إلى امتلاك السلاح النووي أو الفتاك، إلا لمراقبة شعوبها وتخويف ألآخرين لمنعهم من التدخل، مثال ذلك كوريا الشمالية التي يموت شعبها جوعاً، بينما هي تطور برامجها النووية، وكذلك مثال نظام الفصل العنصري بجنوب أفريقيا، والذي كان يعمل على تطوير السلاح النووي، فقط من أجل تخويف السكان السود، وأزاله مانديلا طوعياً بدون طلب من أحد، لأنه أدرك أن هكذا سلاح هو أولاً يشكل خطرا على شعبه نفسه. ومثال الاتحاد السوفيتي سابقاً، وروسيا حالياً، والتي تُكدس الأسلحة النووية، بينما هي غير قادرة على تحقيق الحد الأدنى من الحياة الكريمة لمواطنيها، ومثال النظامين السوري والعراقي زمن صدام حسين، اللذين لم يستعملا أسلحتهما الكيميائية إلا ضد شعبيهما.

هذه الأنظمة تظن بعملها أنها يمكن أن تحمي نفسها من ثورات شعوبها، وكالعادة هي لا تحمي أحداً، وفوق ذلك تعرض بلادها للدمار والخراب. وما التراجع الإيراني الأخير؛ كنزع السلاح الكيميائي السوري، إنما هو حقيقة انتصار لإيران وسوريا، ولكن لإيران الشعب المظلوم وسوريا الأطفال المحروقين بالسلاح الكيميائي، وليس انتصاراً لإسرائيل، التي لم تخش يوماً من تلك الأسلحة التي تُدرك تماماً أنها ليست موجهة إليها، وتنازُل أصحابها عنها أمام أول ضغط غربي لمصلحة إسرائيل، وكما فعل القذافي أيضاً في زمنه.

رغم كل ذلك، فقد استعملت إسرائيل الاتفاق الأخير، لطلب المزيد من الدعم الأمريكي لترسانتها الهائلة، بينما لم يُفدنا تكدس الأسلحة الإيرانية، بقدر ما أدى ذلك إلى زيادة قوة إسرائيل وقدرتها على فرض إرادتها على المنطقة، وابتزاز صانع القرار ألأمريكي, وما صيحات نتنياهو الاحتجاجية منذ عدة أيام، إلا لرغبته في الحصول على “تعويض” من أمريكا، وهذا ما بدأنا نشهد خطوات في اتجاهه، يتجلى بالحصول على المزيد من القدرات العسكرية والاقتصادية؛ وبالتأكيد عبر دعم أمني وسياسي، على حساب القضية الفلسطينية، كتأييد الاستيطان، ودعم مواقف الحكومة الإسرائيلية.

أما لجهة الرفع التدريجي للحظر الأمريكي الغربي عن إيران، فسيكون كالسيف المرفوع، يُجبر إيران على تقديم التنازلات المستمرة، فهي بين سندان الشعب الإيراني المُتعطش للحرية بعد سنوات طويلة من الاستبداد، ومطرقة عودة الحصار.

أما الانفتاح الاقتصادي الذي يمكن أن يحدث، إزاء الشركات الغربية والعالمية، فهو لن يُستعمل إلا لزيادة ثراء قوى البازار ورجال الدين المُستغلين، ورجال الأعمال وجنرالات الحرس الثوري، وأجهزة النظام القمعية ضد المُستضعفين في الأرض أبناء الشعب الفقير، وزيادة إمكانات الفساد، حيث إن حكومة مفروضة على الشعب، من دون رقابة، لن تتمكن من طرح حلول جذرية للمشاكل الاقتصادية الإيرانية، وإلا لرأينا ذلك منذ ستة وثلاثين عاماً من الحكم الديني.

الهدف غير المعلن للاتفاق الأخير، هو ضم إيران إلى معسكر التحالفات الأمريكية في المنطقة، الهادفة إلى بناء “شرق أوسط جديد” ربما بدا حقيقيا هذه المرة، كونه سوف يُبنى على محور جديد، سيظهر لنا بعد فترة؛ وهو المحور الإسرائيلي الإيراني لمواجهة الخطر القادم من مستقبل الأمة العربية الزاحف ببطء، ولكن بإصرار نحو الديمقراطية والحرية. المحور الجديد لن يكون ضد الدول العربية الحالية، والتي هي أصلاً في معظمها جزء من هذا الحلف، ولكنه لمنع أو التأخير قدر الإمكان من إمكانية نهوض الأمة، الذي يُشكل بحق الخطر الوجودي على إسرائيل.

“الشرق الأوسط الجديد”، الذي يخطط له من قبل اللوبي الصهيوني، هو تجميع القوى التي تستطيع أن تُشكل حجر عثرة أمام مستقبلنا كأمة موحدة وحرة، وليس قادماً من الحراك العربي الديمقراطي نفسه، أعداء هذا الحراك هم الآن في طور إنشاء تحالفاتهم، كما رأينا في العراق بتحالف إيران مع أمريكا، أو سكوت أمريكا عن إيران في سوريا لصالح إسرائيل، أو في الاتفاق النووي الأخير.

على أن إنجرار إيران وراء السراب الأمريكي، هو ما نراه حالياً، فالنظام الإيراني لن يستطيع أن يحمي نفسه طويلا، والإنفتاح على المجتمع سيحصل عاجلاً أم آجلاً، وما يتصوره مخططو الاتفاق الأخير؛ قد ينقلب عليهم، فهدف اختيار رئيس إصلاحي من قبل المُتشددين قبل عامين، ثم الانخراط في المفاوضات انتهاءً بالاتفاق النووي، لم يهدف إلا لإعطاء الانطباع للشعب بأن أحواله ستتحسن، وبذلك يُبعد النظام خطر الثورة وعودة ربيع 2009.

الحقيقة التي لم تفهمها هذه الأنظمة المستبدة، هو أن المعارضة المُكبلة حالياً بحُجة العداء لأمريكا والخطر الإسرائيلي، ستكون أكثر حرية وتأثيراً على الشعب الإيراني لتعبئته ضد السلطة، عندما يزول عذر الحصار والعداء لــ “لشيطان الأكبر”، لأن هذا الانفتاح إن حصل؛ لن يُغير شيئاً من الوضع الاجتماعي والاقتصادي، أو في مجال الحريات العامة، وحقوق الأقليات، وحقوق الإنسان بشكل عام.

تصريحات الخامنئي حول استمرار العداء لأمريكا وإسرائيل، في أعقاب الاتفاق النووي، هو ذر للرماد في العيون، وسنرى في الأشهر والسنوات القادمة عودة التحالف كما كان زمن الشاه، التحالف مع إسرائيل ضد الربيع العربي هو الثمن الحقيقي الذي على إيران أن تدفعه لرفع العقوبات نهائياً، ولإطلاق  يد النظام لعمل ما يشاء داخل بلده (كما كان زمن الشاه).

“الشرق الأوسط الجديد” هو في الحقيقة، عودة لزمن تحالفات الستينات من القرن الماضي، زمن المد العربي الناصري، يوم كانت قوى القومية العربية تقف في مواجهة الأنظمة الرجعية زائد التحالف الإسرائيلي الإيراني (وفي زمنه التركي). على أن مواجهة هذا الحلف القادم، لن تتم إلا بأيدي أبناء شعب إيران ومعارضته الديمقراطية، التي لن تقبل على نفسها، أن تبقى أسيرة الخضوع لنظام ثيوقراطي مُستبد، لم يعمل منذ صعوده إلى السلطة؛ إلا لعزل إيران عن العالم، ووضع ثرواتها في خدمة القلة الداخلية، أو لصالح الشركات الأجنبية.

إن مواجهة الخطر القادم من تحالفات هذا “الشرق الأوسط الجديد”، تكمن في الإصرار على النضال من أجل الحريات العامة، والعدالة الاجتماعية وحقوق المواطن في كل بلداننا، إذ وحدها دول المواطنة، والتي يستمد قادتها شرعيتهم من شعوبهم، ويعملون تحت رقابتها الدائمة، هي القادرة حقاً على الدفاع عن مصالحها، ومعاملة العالم ودوله بسياسة الند للند، والمصلحة مقابل المصلحة، خارج أي اعتبار سلطوي. وذلك عبر تجميع ووحدة قوى الديمقراطية في أوطاننا،  وكوسيلة ضرورية لمواجهة اللوبي الصهيوني و”شرقه الأوسط الجديد”، وهو الكفيل بحماية مستقبلنا جميعاً؛ عرباً كنا أو إيرانيين أو أتراكا.

سياسات الدول وتضامن الشعوب

سياسات الدول وتضامن الشعوب

نزار بدران

عندما تتظاهر الشعوب بأعداد غفيره أو ما نسميه في بلادنا بالمليونيات، فإنها ترفع دائماً شعارات ثورية تدافع فيها عن قيم ومبادئ تعتبرها أساسية؛ فمليونيات ساحة التحرير بالقاهرة إبان الربيع العربي نادت بالحرية والعدالة الاجتماعية، ومرورا  باليمن سمعنا نفس الشعارات ونفس المطالب وكذلك في سوريا حين بدأت الثورة وصولاً للحراك البحراني عندما كان زخمه قوياً. نجد ذات المطالب في تظاهرات أوكرانيا وبوركينا فاسو اللواتي أطاحتا بالنظام القائم خلال العام الماضي ; حرية، كرامة ، ديمقراطية  عدالة اجتماعية و إسقاط الفساد.

الثورات المضادة وقوى النظام القائم تتصدى دائماً لهذه التحركات محاولة إخمادها في مهدها، والقضاء عليها حتى لو أدى ذلك إلى خراب البلاد والعباد. رأينا ذلك في ساحة  تيانينمن سنة 1989 في بكين أو رابعة العدوية في القاهرة أو مذابح سوريا الحالية.

عندما تحرك المواطنون الفرنسيون بالملايين بعد اعتداءات شارلي إيبدو ومناطق أخرى في باريس ، رفعوا أيضاً نفس الشعارات ؛ ولكن في ظل النظام الديمقراطي القائم  ، مطالبهم كانت تأكيد الحرية والديمقراطية وقيم الجمهورية التي رسّخوها مند أكثر من قرنين خاصة العلمانية وحرية التعبير.

وكما في ميدان التحرير لم نسمع في ميدان الجمهورية في باريس شعارات غير ذلك. لم يطالب أحد في تلك المظاهرة المليونية بالقصاص من العرب أو المسلمين، بل رفعوا شعارات المحبة والإخاء والتضامن بين كافة مكونات المجتمع الفرنسي ، لم يتفوه أحد بكلمة واحدة ضد العرب والمسلمين، بل طالبوا باحترام حقوقهم وخصوصياتهم.

أعرف ذلك تماماً فقد عشت ذلك اليوم كله وكنت جزءاً منه. وأي شعارات مسيئة خارج هذا الإطار تكاد لا تعد على أصابع اليد الواحدة من بين مليوني متظاهر.

إذاً  تدافع الشعوب دوماً عن مبادئ وقيم، بينما في المقابل تقوم السلطات في الدول الديمقراطية بالدفاع عن مصالح بلدانها وشعوبها قبل الاعتبارات الأخلاقية ، فالعلاقات الدولية كما نعرف مبنية على مبدأ التنافس وفي بعض الأحيان التناقض وعلى ومبدأ السيادة الذي يؤكده عملياً غياب قانون دولي مُلزم حقاً، لا تقبل هذه الدول التنازل عن جزء من سيادتها والاهتمام  بمصالح الآخرين إلا في إطار التجمعات الجهوية :  كالاتحاد الأوروبي الذي حد من سيادة أعضائه في ميادين مختلفة  ….فهو من الناحية الاقتصادية  وضع عملة موحده ورفع الرقابة على الحدود الداخلية للاتحاد وحرية التنقل والاستثمار والعمل. نلاحظ إذا أن مفهوم تفضيل المبدأ على المصلحة الضيقة للدول بحاجة إلى الحد من مفهوم السيادة والالتزام بقوانين مُلزمة للجميع بما فيها محكمة وهيئات مراقبة تفرض حين اللزوم العقوبات والغرامات.

في غياب هذه التجمعات الجهويّة لا يوجد اعتبار حقيقي في العلاقات بين الدول للمبادئ والقيم المُعلنه، هذه قواعد في السياسة من الصعب تغييرها دون إعادة النظر في القانون الدولي لتحويله إلى قانون مُلزم منتقصاً بذلك من سيادات الدول.

هذا التناقض بين مطالب الجماهير المتظاهرة بالملايين في ميدان الجمهورية بباريس وباقي فرنسا المُطالبة برفع والدفاع عن قيم الجمهورية الفرنسية من حرية وعلمانية تتناقض في ظاهرها مع سياسات الدولة الفرنسية المبنية على مبدأ المصالح كباقي دول العالم.

ولكن لو نظرنا قليلاً في العلاقة الجدلية بين شعوب هذه الدول الديمقراطية وحكوماتها وأحزابها فإننا نرى أن الأولوية في التأثير هي للرأي العام. أي لو استمر الفرنسيون بزخمهم الحالي في رفع شعارات الحرية والأخوة والتضامن والتي هي شعارات ثورتهم قبل قرنين فإن السلطات ستضطر لأخذ ذلك في الحسبان حين تمارس سياساتها الداخلية والخارجية.

انتقاداتنا للموقف الفرنسي إذا يجب أن يتوقف طويلا  حول هذه النقطة، وبرأيي أنه يجدر بمفكرينا وكتابنا وقادة الرأي العام أن يوضحوا أهمية العمل في الداخل الفرنسي والأوروبي للتأثير على الرأي العام لصالح المبادئ والقيم المشتركة بيننا وبينهم أي أولوية الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية في العلاقات بين الشعوب وغيابها في العلاقات بين الدول.

إنه من الخطأ باعتقادي، أن ننتقد الملايين التي رفعت شعار ” أنا شارلي ” ورفع شعارات مضادة  ” أنا لست شارلي ” مثلا، لأن هذا سيزيد من عزلتنا نحن الأقلية في فرنسا ويضع مستقبلنا ومستقبل أبنائنا في هذه البلاد في خطر. إن مبدأ الوقوف مع ملايين الشعب الفرنسي المتظاهرة والتي هي بحق تدافع عن مفاهيم مشتركة للإنسانية كحرية الرأي والتعبير ” بما فيها حرية النقد والاحتجاج ” وكرامة الإنسان بدون الالتفات للخصوصيات التي تُفرق كالاعتقاد الديني أو اللون أو الجنس.

إن تضامننا هذا سيعطينا زخماً حتى نطالب أيضاً بدعم هذه الشعوب لنا في بلداننا، والضغط على حكوماتها وهيئاتها السياسية لكي تفضل أهمية المبدأ التي ترفعه عالياً حناجر المتظاهرين على أهمية المصلحة التي ترفعها الحكومات أو على الأقل التوفيق بينهما.

ردة فعلنا كعرب ومسلمين على أحداث فرنسا يجب ان تكون واضحةً ; نحن مع الشعب الفرنسي في محنته دون أي تحفظ ، هذا ما يمليه علينا المنطق والمفهوم الإنساني لتضامن الشعوب  والمصلحة كذلك.

تعثر الربيع العربي بعد نجاحات أولية وعُنف الرد من طرف الثورة المضادة كما نرى في سوريا مثلا، حيث قُتل مئات الآلاف وشُرد الملايين سمح بظهور قوة جديدة مبنية على المفهوم المتطرف للدين الإسلامي السمح الداعي إلى استبدال  الديكتاتورية في بلادنا باستبداد آخر قد يكون أسوأ منه.

أبناء الربيع العربي خرجوا بالملايين كما رأينا بتونس ثم ساحة التحرير رافعين شعارات الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية هذه النداءات تردد صداها  في الوطن العربي. عنف الرد لا يعني زيف الربيع العربي ولكنه يؤكد ضرورته وحتمية نجاحه، ولكن لم نكن لنتصور هذا العنف المضاد من انظمة كانت وما زالت تدّعي النضال ضد الاستعمار والصهيونية.

قوى اليمين الديني المُتطرف تضع أمام قوى هذا الربيع العربي وهو ضعيف التسليح وفقير الوسائل سداً جديداً وعقبة إضافية كنا بغنى عنها. ولكن هذا لن يوقف زحف الحداثة في وطننا العربي لأن ملايين الشباب لم يعودوا يخافون شيئاً وسيعود الربيع العربي مهما طال الزمن إلى المسار الصحيح.

وقوفنا نحن المؤمنين بحق الانسان بالحرية والكرامة في بلادنا وبلاد غيرنا مع الفرنسيين في مليونياتهم سيمنحنا الوسيلة للبدء بالتأثير على السياسات الغربية لصالحنا.

التمييز بين السلطة والشعب حتى في الدول الديمقراطية والعمل الدؤوب مع الشعوب للتأثير على السلطة هو ما سيصب في صالح انتصار قوى الربيع العربي على أعدائه، وهو الذي سيحمي الأقليات العربية والإسلامية من القوى اليمينية المتطرفة في ذلك الغرب نفسه.

رفع شعار ” أنا شارلي ” في شوارع فرنسا لا يعني أبداً دعم الشعب الفرنسي للرسومات المسيئة للرسول الكريم وإنما تعني رفضها للاعتداء على حرياتها، وهي لا تتصور حل مشاكلها بالسلاح بل بالقانون وبالقضاء رفع شعار ” أنا شارلي ” من طرف الجالية اللإسلامية أو ” هذا ليس بإسمي ” هو أيضاً لنفس الهدف.

لنتعلم عدم الخلط بين الأمور واستثمار مناسبة نادرة كهذا الحراك الواسع للشعب الفرنسي حتى نطالبه ونطالب حكومته وممثليه باحترام الشعارات المرفوعة لأنها هي نفسها التي رفعها أبناء تونس ومصر والبحرين، واليمن وسوريا بينما تقاعست هذه الحكومات عن دعمهم بل على العكس دعمت قوى الثورة المضادة أو على الأقل سكتت عن جرائمهم.

لا يستطيع المواطن العربي المظلوم المنكوب بحكوماته أن يفهم شعارات متظاهري باريس ويقف معها عندما تقوم الحكومة الفرنسية بدعم القوى العاملة ضد نفس شعارات الحرية والديمقراطية في وطنه. لهذا علينا استغلال هذه المناسبة النادرة وهذا الزخم الشعبي الفرنسي بالتصاقنا به حتى نستطيع الضغط على حكومته ليتوافق شعار المليونيات الباريسية مع سياسات باريس الدوله. إن هذا ممكن ، خاصةً وأن المنتقدين لتواجد نتنياهو وغيره من المتسلقين على مشاعر الناس وعواطف وانفعال الشعب بدأ في فرنسا ويوجد حالياً أعدادا كبيره من الموقعين على لوائح للتنديد بهؤلاء الرؤساء في المظاهرة. فهم متهمون كنتنياهو مثلاً بالتعدي على حقوق الإنسان. فلنكن ولو لمرة واحدة منفتحين نعرف كيف نُعطي حتى نستطيع أن نأخذ.

 

22/1/2015

 

قناة الجزيرة بين المحبة والعقاب

 

قناة الجزيرة بين المحبة والعقاب

نزار بدران

يقول مثل فرنسي شهير “من يُحب حقاً يُعاقب حقاً”، هذا يعني أن المحبة لا تُعطي المحبوب حق عمل أي شىء، فإن أخطأ وجب عقابه حتى تبقى المحبة وتدوم.

ينطبق هذا المثل على المُقابلة التي أجراها أحمد منصور، صحفي الجزيرة، مع طيار من الجيش السوري، أسير عند جبهة النصرة. وفيها نرى الصحفي المُخضرم في مشهد سريالي، وقد خلع لباسه الصحفي، وارتدى بدلة محقق مخابرات في أحد أقبية السجون لدولة عربية، كما سمعنا عنها أو عاشها كثير من المظلومين، أو كما عودتنا قنوات الإعلام العربية باعترافات منزوعة ومبثوثة على شاشات الفضائيات لإرهاب الناس.

قبل أسابيع قليلة استهجنا كلنا ما حدث لأحمد منصور بألمانيا، حيث أُوقف لبضع ساعات من طرف الإنتربول، بناءً على طلب الحكومة المصرية، قامت بعدها الدنيا ولم تقعد، لتعدي ألمانيا المُفترض على حقوق الصحافة الحرة، حتى أن بعض النواب الألمان طالبوا السيدة ميركل، بالاعتذار للصحفي للإهانة التي أُلحقت به.

نحن نحب قناة الجزيرة وصحفييها، لمهنيتهم العالية، واحترامهم والتزامهم بقواعد وآداب مهنة الصحافة، ومنها احترام حقوق الإنسان، وحقوق الأسير وعدم إهانته، وليس كما رأينا من استعمال الصحافة الإرادي لخدمة الجهة الآسرة ولأجندتها الخاصة، مهما كان تأييدنا أو إدانتنا لهذه الجهة. وضع النفس في موقع البوق الإعلامي والدعائي، يتنافى تماماً مع ما عودتنا الجزيرة على رؤيته على شاشاتها منذ سنوات طويلة.

لا يصح بالقانون الصحفي والإنساني، نشر استجواب لأسير لا يستطيع أن يقول شيئاً إلا تحت الخوف، والقنوات المهنية التي نعرفها تأبى بنفسها عن هكذا مُمارسات.

إدانتنا للنظام السوري المتوحش ضد شعبه، وإدانتنا للغارات التي يقوم بها طيارو هذا النظام، وبما تؤدي إليه من قتل للاطفال والمواطنين العزل، لا يُبرر أن يُستعمل الأسلوب الإعلامي نفسه ضد هذا النظام.

رأينا في برامج سابقة السيد أحمد منصور، وهو يبكي لحظة استجوابه لسجين مغربي، قضى سبعة عشر عاماً من حياته في الظلام في أقبية الملك الحسن الثاني، وبكينا بالآلاف معه، لأنها كانت لحظة صادقة، من قبل سجين مُحرر وحر.

يقول أفلاطون، أب الفلسفة اليونانية، أن القاضي العادل هو الذي يحكم بالقانون العادل، فهو ليس عادلاً بذاته وبطبيعته. هذا النص الفلسفي صحيح في كل المجالات، فالصحفي القدير هو الذي يعمل بناءً على قانون صحافة صائب، ويحترم قواعد المهنة التي يُمارسها. هذا الاحترام هو الأساس في الكفاءة المهنية، الخروج عن ذلك واستغلال الشهرة لتحقيق أهداف لا علاقة لها بعالم الصحافة، يُضعف مصداقية الصحفي وصحيفته، ويؤدي ذلك إن لم تتم العودة إلى المهنية الحقة، لفقدان وسيلة الإعلام المعنية من شعبيتها وتألقها.

شُهرة الطبيب لا تسمح له بعدم احترام مريضه، أو الخروج عن مبادىء وقيم ممارسة الطب، تحت طائلة فقدان شهرته وضياع مرضاه.

إن بناء أوطان ما بعد الأنظمة الإستبدادية الحالية، لا يتم إلا عن طريق احترام القيم والمبادىء التي من أجلها يموت الناس ويستشهدون، الفصل بين السلطة والإعلام، بين السلطة والقضاء، الإعلام الحر والقضاء الحر، هذا كله هو أساس المُستقبل الذي نتأمل الوصول إليه.

نأمل من الجزيرة أن لا تدفع مُحبيها وهم كُثر، ونحن منهم، إلى رفع البطاقة الحمراء، ونرجو من السيد أحمد منصور والذي نقدره بلا حدود،  أن لا يدفعنا إلى تطبيق المثل الفرنسي العريق ” إن كنت تحب حقاً، فكن قاسياً مع من تحب؛ إن استحق ذلك”.

العقل والتفكير بدل النقل والتفسير

العقل والتفكير بدل النقل والتفسير

نزار بدران

جريمة حرق الأسير الأردني على يد تنظيم داعش، جعلت الناس يفيقون من سُباتهم العميق .

الجريمة بحق هذا الأسير، والذي أكد القانون الدولي على حمايته واحترامه، شيء لا يتفق أبدا ومعايير الحضارة الإنسانية في هذا العصر.

تدمير المنازل بالبراميل المتفجره على رؤوس ساكنيها المدنيين من  أطفال ونساء صغار وكبار، تعذيب المعتقلين وتجويعهم حتى الموت  ، هذا أيضاً   خروج عن الحضاره الإنسانية.

قتل الناس بالرصاص والقنابل أو حرقهم في ساحات الاعتصام وفي المظاهرات السلمية لا يقل بشاعة. خطف الأبرياء عرباً أكانوا أم أجانب مسلمين أو غير ذلك …..قتلهم يُدخلنا في زمن البرابره. إعدام الناس بحد السيف أو رجمهم وجلدهم في الساحات مهما كانت جرائمهم  وقذفهم من عل هي خروج عن الحضاره الإنسانية.

التنكيل بالأسرى، اغتصاب النساء، تيتيم الأطفال وترك الناس يموتون جوعا أو من البرد، رفض استقبال اللاجئين

المستغيثين المتلهفين للحماية والفارين من الموت وتركهم في العراء فريسة لحم تنهشها الذئاب البشريه او الحقيقية هو أيضاً جريمة ضد الإنسانية حَريّة بالمغول.

كل من قام بذلك هو من الدواعش وحتى لو أعلن عداءه لهذا التنظيم وحاربه، لأنه استخدم نفس الوسائل ولا اخجل حين اقول انه  قد فعل هذا بحجم أكبر وأكثر هولاً.

تضامن الأمة مع أهل الأسير الأردني واجب وحق كذلك واجبها أيضاً التضامن مع كل ضحايا الطغيان في الوطن العربي. قتل وحرق هذا الطيار الشاب يجب أن يفتح العيون على الجرائم التي تعمّ أرض العرب من محيطها إلى خليجها، كانت بيد الدواعش أو من شابههم فكراً أو عملاً من أنظمة فاسده وحكومات طاغية.

الحق واحد كما يقول ابن رشد – آخر المفكرين العرب المسلمين-  الحق واحد لأن الله واحد والناس واحد ولون الدم واحد وآلام الثكالى والأيتام واحد.

ليس أقل خطورة على الأمة استعمال التفسير الديني للدفاع أو لمحاربة هذه الهمجية، النصوص الدينية والتي يعتبرها جُل الكتّاب والمعلقين مرجعية في تحاليلهم لا تستطيع محاربة هذا الفكر الفاشي الجديد لأن هذه النصوص التفسيرية الموضوعة منذ مئات السنين وُجدت في ظروف زمنية واجتماعية مختلفة ؛  (وكمثال على ذلك عدد سكان العرب زمن بدء الإسلام لم يكن يتعدى النصف مليون شخص) وهي تُفسر منذ ذلك الوقت بكل الأشكال والالوان وبناءً على مصالح السلطة في تلك الأزمان، فعلماء الدين كما هي العادة يُجارون الحاكم.

أن نرجع لهكذا تفاسير لتبرير أو تحريم أي عمل هو سبب إضافي لخلط جديد للمفاهيم مما يؤدي إلى زيادة البلبله كما نرى على صفحات الجرائد ومواقع التواصل الاجتماعي.

لنخرج إذاً من هذه المعادلة المعقده والمتميزة باستحالة التوصل إلى مرجعية فكرية إسلامية موحده.

أرى أن من الواجب ترك التفسير والاتجاه نحو التفكير واستعمال العقل ومرجعيات الحضاره الإنسانية لهذا الزمن كحقوق الإنسان ومساواة الناس والتي  لن تتضارب  في العمق مع القيم الأخلاقية الدينية الأصيله.

يُحكى في بغداد زمن العباسيين أن أئمة الأديان الثلاثة فيها “مسلمين ومسيحيين ويهود” كانوا يجتمعون في مجالس النقاش لبحث أمور الأمة، واتفقوا فيما بينهم حتى يتوصلوا إلى تفاهم على إبعاد كل الأطراف لمرجعياتها ونصوصها الدينية عن نقاشاتهم والاكتفاء بالفكر والعقل لبحث وتقدير الأمور.

من جهته كرس ابن رشد، الطبيب والفيلسوف الأندلسي، حياته من أجل ترجيح الفكر والعقل على تفسير النصوص (إشكالية العقل والنقل)، وبسبب ذلك تآمر الموغلون في الدين للتخلص منه وإبعاده إلى مراكش حيث توفي بالمنفى عام  1198م. كان هذا العملاق آخر المفكرين المسلمين الذين استطاعوا فهم الفلسفة اليونانية وتطويرها ويُعتبر حتى الآن مؤسساً للعقلانية ومفهوم استعمال المنطق الذي طوره الفلاسفة بعده أمثال رونيه ديكارت وإيمانيويل كونت في أوروبا، في القرنين السابع والثامن عشر.

بعد غياب ابن رشد دخلت الأمة الإسلامية إلى عالم الغيب ولم يعد هناك مكان إلا للنصوص الدينية وتفسيراتها المتتالية عبر الأزمان والتي هي حقيقة ترجمة للواقع السياسي لكل زمن وتبرير للأحداث في وقته.

الفكر وترجيحه على تفسير النصوص كان أساس ازدهار الأمة زمن عظمائها وعلمائها, وعكس ذلك أي الاعتماد على تفسيرات النصوص الدينية ومرجعياتها المختلفة والمتناقضة في معظم الأحيان هو سبب انحدارها وتخلفها.

الفكر أولاً وأخيراً تحكيم العقل الارتباط مع معايير الحضارة في هذا الزمان الذي نحن جزء منه هو في رأيي الوسيلة الأنجع في فهم الأمور والتخلص من الظلم والطغيان بكافة أشكاله.

استشهاد هذا الطيار الشاب وموت البوعزيزي في تونس حرقاً قد تكون مُصادفة تاريخية ولكنها حقاً نقطة بداية لتغيير عميق في هذه الأمة.

وحدة قوى الربيع العربي وكل الديمقراطيين والتزامهم بمفاهيم وقيم هذا الزمن هي التي ستؤدي إلى دحر قوى الاستبداد والتخلف من جهة والدخول إلى عالم الديمقراطية والحداثة من جهة أخرى.

هذه الحركة بدأت وستستمر، التحاقنا بمنظومة شعوب العالم المتحررة هو شيء لا مناص منه، لأن البديل هو الظلم والهمجية والتخلف.    وقد يُقال ذات يوم من جديد( كنتم خير أمة أُخرجت للناس.)

 

6/2/2015

الربيع العربي زمن الردة

الربيع العربي وزمن الردة

د. نزار بدران

كل فعل له رد فعل، وبمفهوم الثورات الاجتماعية، هز أركان نظام سياسي واجتماعي لإزالته لن يتحقق بين ليلة وضحاها، هذا النظام المتهاوي له أعمدته المبنية بمعظم الأحيان على أجهزة أمنية وعلى طبقة سياسية واجتماعية تحميه وتدعمه. هؤلاء جميعهم مستفيدون من الوضع القائم كما هو،  الوضع الذي تهدف الثورة إلى تغييره.

أعمدة الحكم إن أخذنا مثلاً عليها دوله عربية مثل مصر تعتمد على طبقة المنتفعين ورجال الأعمال والتجار. سياسة الدولة التي يتحكمون بها عن طريق الحزب الواحد الحاكم تسمح لهم بسن القوانين المُناسبة لإعطاء نهب عرق وشقاء الفقراء غطاءاً قانونياً. مؤسسات الدولة بما فيها الإعلام والقضاء تنجر هي أيضاً إلى هذا المستنقع، إما بالخوف أو بالمضايقة أو بالمنفعة عن طريق المشاركة بالوليمة.

إن أخذنا نموذج دولة قوية بثرواتها الطبيعية، فمنفعة الطبقة الحاكمه مبنية على مبدأ سرقة وبيع ثروات الوطن بدل فتح مجالات العمل أمام الناس للإنتاج ,تصبح هذه الدول ريعية بامتياز يُشكل بها بيع النفط مثلاً أهم مصادر ميزانيتها ويسمح بالنهب على شكل هائل, هذه الأنظمة لا تُعطي شيئاً إلا للحفاظ على السلم الاجتماعي وتقوم الطبقة المُستفيده بدورها بالاستحواذ على كل مفاصل الدولة من الإعلام للتعليم والقضاء وغيره.

العمل الثوري يهدف إذاً إلى استعادة الشعب لسيادته المُصادرة وأحقيته بالسيطرة على مردود عمله أو التوزيع العادل للثروة واستثمارها لبناء اقتصاد إنتاجي، بالتالي هذا يهدف إلى إنهاء سيطرة طبقة المُنتفعين من الوضع القائم واللذين شحذوا وسائل بقائهم وطوروها مثل جيش عقائدي مُسيس، تغذية التناقضات الاجتماعية العرقية والدينية والاستحواذ على دور الراعي للسلم الاجتماعي.

نموذج ثورات الربيع العربي لا يختلف كثيراً عن الأمثلة الأخرى بالعالم، مع أنه يتميز هذه الأيام بعنف الثورة المُضادة أو قوى الردة، والتي تحاول بكافة الوسائل البقاء كما بسوريا والبحرين أو استعادة السلطة كما في مصر واليمن.

حجم العنف المُمارس من طرف هذه الأنظمة واستعدادها لتدمير الأوطان وتغيير معالمها يُثبت لنا سلامة طرح وُجوب ذهابها واسترجاع السلطة للشعوب. فهكذا حكومات لا يتصور أحد أن تبقى على رقاب العباد إلى أبد الآبدين، وما لا يفهمه هؤلاء أن زيادة الاضطهاد والتدمير لن تزيد إلا إلى تقوية شرعية الحراك ضدهم، وإزالة آخر أوراق توت الشرعية التي يختبؤون ورائها.

تمسك المُستفيدين والمنتفعين بالسيطرة على مقاليد الأمور للإستمرار بنهب الناس وسرقة الأوطان هو شيء مفهوم، ولكن الأقل فهماً هو تمزق الطرف الآخر الداعي إلى التغيير.

الحراك الثوري العربي الهش، وضع ثقته عن طريق الانتخابات كما حدث بمصر وتونس بأحزاب سياسية ذات بُعد ديني وبرنامج سياسي إصلاحي. الفكر الإصلاحي بطبيعته لا يدفع لتغيير الوضع القائم، وإنما لإصلاحه فقط، هو الفكر السائد حالياً بأوروبا والدول الديمقراطية والتي لا حاجة لها لثورات شعبية. في بلادنا هذا الفكر يتناقض حالياً مع مفهوم تغيير الأنظمة وإزالتها الذي طالبت به الجماهير في ميدان التحرير وشارع بورقيبة ومدارس درعا وساحات صنعاء وعدن وميدان اللؤلؤة “الشعب يريد إسقاط النظام”.

انعدام وجود حركات ثورية قادرة على تلقُف الكرة المُلتهبة من الجماهير الثائرة، مهما كانت تبريرات ذلك من عنف النظام ضدها أو عدم شعبيتها أو في معظم الأحيان عدم انتمائها إلى الفكر الديمقراطي، أدى إلى أن الحركات الإسلامية الرافعة لشعارات الديمقراطية والقابلة لمبدأ التبادل السلمي للسلطة، استلمت تلك عن طريق الانتخابات. لسوء حظ المصريين الفكر الإصلاحي للإخوان المسلمين أدى بشكل تلقائي إلى حلول إصلاحية يعني العمل على إصلاح الواقع القائم وليس تغييره وهو ما أوصل إلى أولا، التفاهم مع العسكر ثم السكوت والقبول بقضاء النظام السابق الفاسد، بما فيه حل البرلمان المُنتخب، والذي طبعاً انتهى كما يجب بعودة النظام السابق، لأن الفكر الإصلاحي الإخواني المصري لا يستطيع أن يبني في بلاد قامت بها ثورة وشعب يُطالب بميلاد جديد. هذا ليس خطأ الإخوان المسلمون وإنما طبيعة الأشياء. الحراك الثوري في مصر مُطالب بخلق قياداته الثورية والتي عليها أن تعمل على إعادة الثورة إلى شعارها الأول وهو إسقاط النظام وليس فقط إصلاحه.

في تونس تم تحييد قوى النظام السابق لضعفه أولاً ولوعي الحركات السياسة التونسية بمختلف اتجاهاتها أبعاد وأهمية الفترة الجديدة ورفض إعادة تأهيل أي طرف من النظام السابق، وهو مبني على وعي الشعب التونسي أصلاً ومراقبته لهذه الأحزاب وبرامجها السياسة.

نحن نعيش زمن الرده، هذا الزمن هو أيضاً جزء من زمن الثورة وليس هزيمة للفكر الثوري، هكذا تسير الأمور. مُعظم ثورات الشعوب في هذا الزمن أو في التاريخ تعرضت لذالك لأن قوى النظام السابق لا يمكن أن تذهب بمحض إرادتها. هزيمتها إذاً هي بداية العهد الجديد وليس التفاهم معها على حلول إصلاحية (مصر واليمن).

نموذج الثورة الفرنسية بالقرن الثامن عشر يُظهر أن الجماهير التي حررت الباستيل سنة 1789 ووضعت لائحة حقوق الإنسان ومفهوم المواطنة وفصل الدين عن السلطة، إنكفأت على نفسها وسمحت بعودة النظام الملكي السابق على مدار أربعة وثلاثين عاماً، قبل عودة قيم الثورة من جديد.

نموذج التغيير الديمقراطي في تشيلي ووصول سلفادور أيندي للسلطة بانتخابات 1970 لم يدم إلا سنوات ثلاث، وحكم الجنرال بينوشي البلاد لسبعة عشر عاماً ،  بعد انقلاب عسكري قبل عودة الديمقراطية من جديد وعودة بينوشي إلى المحكمة والسجن على جرائمه.

أهمية الربيع العربي هو أنه بدأ بعد عقود طويلة من السنين العجاف كدنا نيأس من كل شيء. هذا الحراك سيكون صعباً وبطيئاً ورد السلطة قاسياً ودموياً ولكن الخوف والقبول بالظلم لم يعد القاسم المُشترك لهذه الأمة، بل حب الحرية والتضحية من أجلها. وسيعود المسار نحو التوجه إلى الأمام من جديد، وكما قال الله في كتابه الكريم ولا تقنطو من رحمة الله.

طبيب عربي مقيم في فرنسا

29/3/2015

الدولة اولا والسلطة ثانيا احزاب مصر ما بعد الثورة

 

الدولة أولاً والسلطة ثانياً

أحزاب مصر ما بعد الثورة

د. نزار بدران

عندما خرجت الملايين من أبناء وبنات الأمة متظاهرين، لإخراجها من سُباتها العميق الذي دام لعدة قرون، تلقفت هذا الحراك أيدي الأحزاب المتواجدة أصلاً بالساحة العربية؛ إسلامية وليبرالية أو يسارية، ووجدت نفسها بعد سنين عجاف طويلة في موقع السلطة. حدث ذلك في مصر في العام 2011، وكذلك في ليبيا واليمن. ولكن النتيجة الظاهرة والملموسة حتى الآن، أن هذه الأحزاب بكل اتجاهاتها الفكرية، لم تستطع أن تحمل أحلام الناس، ولم تحقق شعاراتهم في الحرية والكرامة، والتخلص من الفساد والظلم والتهميش.

لماذا هذا الفشل، ومن هو المسؤول عنه؟، هل هو فشل الملايين الثائرة المتظاهرة سلمياً، والتي أسقطت حكومات ورؤساء، رسخوا أركانهم بأرض الفساد لعشرات السنين، وضربوا عميقاً جذورهم في دولتهم العميقة، أم فشل الأحزاب التي استلمت الراية منهم، ولم تكن قادرة على دفع سفينة الحرية باتجاه ريح الثورة، لتصل إلى بر الأمان؟.

هناك من يتهم المتظاهرين باستباقهم الأحداث، وكان عليهم الانتظار حتى يخرج من صفوف الأمة رجالاً عظاماً، ليلهموا الحراك الثوري، قد نتمنى ذلك؛ ولكن لا نستطيع أن نفسر به أي حركة ثورية أو إنتفاضة بالعالم؛ كانتفاضة “تيانان مين” في الصين في العام 1989، أو الثورات الملونة في أوروبا الشرقية الشيوعية بنهاية القرن الماضي.

حركة الناس تخضع لقوانين لا تلتزم الخطط التي يضعها المفكرون بالعالم؛ وانهيار الاتحاد السوفيتي الذي لم يتوقعه أحد، أو عديد من أحداث العالم يُثبت عدم جدية طرح انتظار “الإمام المُنقذ” للجماهير المُعذبة، والثورة الفرنسية نفسها والتي كان لها مفكروها  العظام، لم تكن لتوجد أصلاً لو لم تتغير المُعطيات الموضوعية على الأرض، وخصوصاً بدءا من الثورة الصناعية بأوروبا، انطلاقاً من بريطانيا؛ ولم يكن للمفكرين أي دور في تفجير الثورة وقيادتها، وإنما فقط بمحاولة إضاءة شعلة انطلاقتها، وإلا لما رأينا الإرتدادات العنيفة وقتها وفي زمنها.

الفرق بين الثورات الناجحة، والمُجهضة أو المُتعثرة كما هي أحوالنا، هو من سيستلم الراية التي رفعتها الجماهير بشكل تلقائي؟، في الحالة الفرنسية استطاعت هذه القيادات الشابة أن تصل بعد عناء، وبعد فترة طويلة من زمن الردة (عودة الملكية 34 عاماً بعد الثورة) إلى أن تصل بالنهاية لإقامة دولة الحرية والديمقراطية والعدالة التي يطمح لها الفرنسيون. وفي أوروبا الشرقية هناك تحول ناجح كبولونيا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية، وآخر أقل نجاحاً كروسيا الاتحادية أو أوكرانيا.

المثل المصري حري بالدراسة والتحليل؛ فمصر هي أكبر دولة عربية وشعارات شبابها الثورية كانت بغاية الوضوح (حرية، كرامة، عدالة إجتماعية) وملايين البشر خرجت للشوارع، وأسقطت نظاماً عتياً. ومع ذلك فهناك فشل في مصر، وعودة للنظام السابق، وبشكل أكثر قسوة، ومذابح رابعة العدوية وغيرها يُظهر ذلك.

السبب برأيي هو في التناقض الكامن بين ثورية الجماهير الهادرة، وإصلاحية الأحزاب التائقة للسلطة، فالناس لم تقبل إلا إسقاط النظام، بينما “الأحزاب الإسلامية” وبعض الليبرالية والقومية كانت على استعداد للتعايش معه، ومواقف “الإخوان المسلمين” وتهافتهم على طاولة عمر سليمان، ما زالت عالقة في ذاكرة الناس.

المشكلة إذن تكمن في الفكر الإصلاحي الطاغي على هذه الأحزاب، والذي دفعها أصلاً إلى اعتماد سياسات إصلاحية، بمعنى إصلاح الموجود وليس تغييره، مما أدى إلى التفاهم مع “الطبقة العسكرية” والتي هي أصلاً أحد أعمدة النظام السابق، ولها مصالح اقتصادية هائلة لن يقبل جنرالات هذا الجيش أن يتخلوا عنها.

الفكر الإصلاحي هو الذي دفع “الحكام الإسلاميين” الجُدد لمصر، لقبول قرارات المحكمة الدستورية التابعة للنظام السابق بحل البرلمان المُنتخب من الشعب، أو الطعن في شرعية المرشحين للرئاسة، وفرض الأسماء التي تريدها المحكمة. الفكر الإصلاحي هو الذي دفع “الإخوان المسلمين” إلى القبول بتقاسم السلطة مع الجيش، وإعطاءه صلاحيات غير مُراقبة ديمقراطياً من مُمثلي الشعب. كل ذلك أدى في النهاية إلى عودة جنرالات الجيش للسلطة، وإعادة “الإخوان المسلمين” للسجون أو دفنهم بالقبور.

الخطأ ليس في “الإخوان المسلمين” كمناضلين، وقد أثبتوا على مدار عشرات السنين استعدادهم للتضحية من أجل أفكارهم، ولكن هو في هذه الأفكار التي في أحسن الأحوال يمكن وصفها بالإصلاحية؛ التفاهم مع السلطة ومشاركتها الحكم، كان أقصى ما يمكن أن يحلم به “الإخوان”، زمن مبارك والسادات وجمال عبد الناصر.

إن نظرنا للموضوع من منظار الحركات الليبرالية والقومية واليسارية، فالأمر قد يكون أسوأ، فهؤلاء كانوا يتهمون “الإخوان المسلمين” بعدم الديمقراطية واستحواذهم على السلطة بالكامل، ونسوا أن الشعب المصري هو الذي خولهم ذلك على مدار خمسة انتخابات عامة مُتتابعة، لم ينجح بها هؤلاء المنتقدون ولا مرة واحدة. من الطبيعي في النظام الديمقراطي أن المُخول بالانتخابات على عكس ما يُعتقد، عليه واجب استلام السلطة وليس تقاسمها، فهي مسؤولية أنيطت به من قبل المُنتخبين.

هؤلاء الذين كنا نظنهم أمل الأمة بالحكم الديمقراطي، لم يجدوا أي حرج بالتحالف مع النظام السابق، مُمثلاً بجنرالات الجيش للإطاحة بنظام ديمقراطي مُنتخب من الشعب. ونجح السيد صباحي والسيد البرادعي الحائز على جائزة نوبل للسلام بإبعاد “الإخوان”، ولكنهم لم يستطيعوا كما كانوا يظنون استلام السلطة خارج إرادة الشعب وبالانتخابات. إن تسرعهم بالتحالف مع الفلول وأعداء الثورة يُظهر مدى هشاشة هذا الفكر، فظاهره ديمقراطي ولكن عمقه ديكتاتوري. فهو يهدف للوصول إلى السلطة بأي طريقة، ولا يحترم أبداً أصول التبادل السلمي للسلطة وقواعد العملية الديمقراطية، هو بشكل أو بآخر امتداد للفكر الناصري الذي يستمد شرعيته من طبقة الضباط المسيطرة على الجيش وليس من الشعب. ومثل الجزائر لم يُجد هؤلاء نفعاً، فمحاولة الجزائريين دخول الديمقراطية في نهاية الثمانينات وتنظيم انتخابات حرة، قبل بها حزب جبهة التحرير الحاكم، لم يمنعه من الانقلاب على العملية الديمقراطية لصالح بقاء الجيش بالسلطة، وإدخال البلاد في حرب أهلية استمرت أكثر من عقد، وأودت بحياة أكثر من ثلاثمائة ألف مواطن.

هرب البرادعي والإختفاء السياسي لصباحي، يدل أيضاً على ضعف هؤلاء، حتى في التفكير الصحيح لصالح حركاتهم السياسية، فأي دارس للتاريخ يدرك أن من يتحالف مع العسكر لن يترك له هؤلاء أي موضع قدم في السلطة، وجنرالات الجيش استعملوهم أيضاً كأدوات للوصول للحكم ثم أزاحوهم جانباً، فهم لا يريدون رقيباً؛ حتى من بين من يتحالفون معهم.

لذلك يتوجب على من يقرأ التاريخ من السياسيين، أن يعرف ذلك، فمثلاً الكاتب الفرنسي والمفكر الشهير “شاتو بريان” كان قد حذر الثوار من مغبة إعطاء السلطة للعسكر (وإلا راحوا بألف داهيه)، كان هذا في نهاية القرن الثامن عشر، ولم يستمع إليه الثوار، ووصل نابليون جنرال الجيش، وأدخل فرنسا في حروب لا تنتهي، وعادت الملكية بعد ذلك لمدة 34 عاماً.

الفكر الحقيقي للإنسان، هو ما يفعله، وليس ما يقوله، هذه قاعدة في الفلسفة، الفكر الديمقراطي هو بالأساس الممارسة الديمقراطية. التحالف مع قوى نظام سابق باغ، لا يمكن أن يوضع تحت شعار عدم التجربة وعدم المعرفة، فعبر التاريخ ودروسه متوفرة على الدوام، ويستطيع كل راغب الاستفادة منها، وإنما ذلك حقيقة هو انعكاس لفكر لا ديمقراطي، وإن تشدق بالعكس. فالدرس المصري أظهر بشكل واضح خطأ من كان يظن بإمكانية اليسار المصري والليبراليين والقوميين؛ على الأقل الجزء المُتحالف مع العسكر، وهم الأكثر ظهوراً، ببناء صرح دولة ديمقراطية حديثة، ورُب ضارة نافعة.

مأساة الشباب المصري الذي لم تتح له فرصة بناء أحزاب ثورية ذات قاعدة شعبية واسعة، أنهم وقعوا بين الإخوان المسلمين والأحزاب المُتحالفة مع العسكر، والذين لم يميزوا بين السلطة والدولة، فالتنازع على السلطة كان على حساب بناء دولة مصر الحديثة والتي على العكس، كان يجب أن تكون هدف كل عمل سياسي وبالتوافق، وأولوية كل الأحزاب المشاركة بالثورة.

الفترة الثورية الحقيقية تهدف دائماً إلى إنهاء النظام السابق بكل أعمدته، وإبعاد كل أطرافه وإخراجهم من اللعبة السياسية. وفي الحالة المصرية هم جنرالات الجيش والضباط المسيطرين على المخابرات والأمن وكبار قُضاة المحاكم العُليا المُعينين من مبارك وكبار رجال الأعمال الناهبين لعرق الجماهير. الهدنة مع هؤلاء وتقاسم السلطة كما فعل “الإخوان المسلمون” أو التحالف معهم، كما فعلت الأحزاب الأخرى المشاركة بإسقاط الديمقراطية، ما كان لكل هذا إلا أن يؤدي إلى ما آلت إليه الأوضاع في مصر الآن، من حيث انفراد الجيش الكامل بالسلطة.

المطلوب الآن عودة السلوك والممارسة الديمقراطية إلى أوساط الحركة الشعبية، والتعبئة من أجل إيجاد أحزاب ديمقراطية، تهدف أولاً وقبل كل شيء؛ إلى إعادة بناء دولة مصرية ديمقراطية تعددية، وبناء المؤسسات المستقلة القوية، ووضع أسس دولة المواطنة (للمزيد أنظر فيس بوك الدكتور نزار بدران) وليس على وضع برامج سياسية للحكم والسيطرة على السلطة، وكأن الديمقراطية قد رسخت والدولة الحديثة قد أُقيمت، وهو ما سيكون موضوعنا لمقال قادم.

 

طبيب عربي مقيم في فرنسا