الفصل التعسفي للتلاميذ الفلسطينيين في لبنان. القدس العربي 01 أكتوبر 2020. نزار بدران

قامت السلطات اللبنانية مؤخراً، ومع بداية العام الدراسي الجديد، كما ذكر بمصادر إعلامية وبمواقع التواصل الاجتماعي للمؤسسات المجتمع المدني، بفصل عدة آلاف من التلاميذ الفلسطينيين، المُسجلين في المدارس اللبنانية، وعدم قبول أي طالب فلسطيني جديد.
الأسباب الحقيقية لذلك لم تُعلن بشكل واضح، ولكن النتائج ستكون كارثية على هؤلاء التلاميذ وعلى عائلاتهم في زمن الكورونا، حيث يتوجب عليهم، الالتحاق في مدارس أخرى، وهي في معظم الأحيان، إن وُجدت، تبعد مسافات طويلة عن أماكن سكنهم، وتفرض على هؤلاء التلاميذ الصغار، أن يفترقوا عن مدارسهم، ورفاقهم، وأساتذتهم.

السياسة التمييزية

ما هو ظاهر للوهلة الأولى للعيان، أن هذه السياسة التمييزية، والتي تحمل شعار اللبناني أولاً، مع أن الفلسطينيين متواجدون هناك منذ أكثر من سبعين عاماً، تهدف إلى التجاوب مع زيادة عدد الطلبة اللبنانيين، بعد تدهور الوضع المالي، لعديد من أهالي التلاميذ اللبنانيين المسجلين في المدارس الخاصة، وهو ما دفعهم إلى البحث للالتحاق في المدارس اللبنانية المكتظة. طرد التلميذ الفلسطيني، كان إذاً الحل السهل لهذه الإشكالية.
ما يُظهر بشاعة هكذا قرار، هي تلك التفاصيل العنصرية التي يحتويها، فهو يقسم التلاميذ إلى ثلاثة أنواع، أولاً، اللبناني أباً، ثانياً، التلميذ الذي له أم لبنانية وأب فلسطيني، وأخيراً، التلميذ الفلسطيني أباً وأماً، وإعطاء الأولوية طبعاً، بناء على هذا التسلسل.

نظام طائفي

الآن لو وضعنا هذه السياسة الجديدة، بإطار السياسة الرسمية اللبنانية، منذ عشرات السنين، فإننا لن نستغرب من شيء، فالفلسطيني بلبنان، ضحية نظام طائفي، يُطبق عليه قوانين تمنعه من العمل، في المؤسسات اللبنانية بمجالات عديدة، مثل الطب والهندسة وعشرات المهن الأخرى، وحتى بالتملك والتوريث هو الضحية السهلة، والتي لا يدافع عنها أحد.
في هذه الفترة الصعبة على القضية الفلسطينية، حيث تم تقليص الخدمات المُقدمة من الأنوروا للاجئين الفلسطينيين، خصوصاً في المجال التعليمي، واكتظاظ المدارس التابعة لها، وعدم مقدرتها على تقديم الخدمات لكافة الطلبة، يُطرد التلميذ الفلسطيني من مدرسته، ويُترك على قارعة الطريق، وكأن حقوق الناس الإنسانية، لا تعني في شيء، السلطات اللبنانية، ولا حتى المؤسسات المهتمة في شؤون اللاجئين. فصل اللبناني عن الفلسطيني، حتى على مقاعد الدراسة، يحتوي على هدف سياسي، وهو إبعاد اللبناني عن التفاعل مع القضية الفلسطينية، وإعطاؤه الانطباع أن مآسيه، هي بسبب الوجود الفلسطيني، وليس من فشل الإدارة اللبنانية المزمن، بحل مشاكل لبنان.
الفكر الطائفي السائد، يفصل الفلسطيني عن اللبناني، بمجالات العمل والسكن والتعليم، ولا أستغرب أن هذا الفصل، قد يمتد أيضاً، داخل المكونات اللبنانية نفسها. نأمل من الحراك الديمقراطي اللبناني، الداعي إلى إلغاء الطائفية، أن ينتبه إلى خطورة تلك السياسة التعليمية المتبعة، والتي لا تهدف إلا إلى إحكام السيطرة، على التلاميذ اللبنانيين أنفسهم، وتثبيت البُعد الطائفي، وهو ما يتناقض تماماً مع أهداف هذا الحراك.
لا يمكن أن يكون طرد التلميذ الفلسطيني حلاً، لمشاكل نقص الأماكن في المدارس اللبنانية، فقطع اليد، لن يحل أبداً مرض أحد الأصابع.

كاتب ومحلل سياسي فلسطيني مستقل

التطبيع الخليجي الإسرائيلي… استمرار الثورة المضادة

التطبيع الخليجي الإسرائيلي… استمرار الثورة المضادة

 د. نزار بدران . القدس العربي 18 أيلول 2020

أعطى الانطباع العام، بعد ما يُسمى بالتطبيع، بين دول خليجية وإسرائيل، وما تبعه من عدم صدور رد فعال، من أي دولة عربية، وسكوت بل تعاطف جامعة الدول العربية، أعطى كل ذلك، الانطباع أن الأمة العربية تُخطط للتخلي التام عن فلسطين والفلسطينيين، لكن من يريد أن يتحلى بنوع من المنطق والمصداقية، عليه أن يعترف، بأن ذلك ما هو إلا تتويج لتطور تعريف القضية الفلسطينية من قِبل الفلسطينيين والقادة العرب.
انطلقنا في سنوات جمال عبد الناصر، من مفهوم الصراع الوجودي الإسرائيلي العربي، إلى مفهوم جديد، أُكد في قمة الرباط في المغرب، عام 1974 وهو مفهوم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مما عنى ذلك تدريجياً، إستحواذ القيادة الفلسطينية، باسم الشعب الفلسطيني، على حق التعبير عن قضية العرب الأولى، واختصارها بنزاع بين شعب مُشرد، وقوة غاشمة مدعومة من أمريكا والغرب. وهي كما يبدو، معادلة لم تؤد إلاّ إلى اتفاقيات أوسلو، بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، على مبدأ قيام دولة فلسطينية، وهو ما لم يتحقق أبداً، بل زاد الاستيطان الإسرائيلي، وقضم أراضي الضفة المحتلة عام 67 وإعلان القدس، من طرف الرئيس الأمريكي، ترامب، عاصمة لإسرائيل، بالإضافة لذلك، ومع سياسة المفاوضات التي لا تنتهي لشيء منذ حوالي، ثلاثين عاماً، انتقلنا من مفهوم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلى مفهوم جديد، وهو الصراع الفلسطيني الفلسطيني، بين من يُمسك بالأمور بقطاع غزة، ومن يُمسكها بالضفة الغربية، مُتناسين عملياً، أساس القضة الفلسطينية التاريخي والحقوقي، وهو حق اللاجئين في العودة. هذا من ناحية ما يمكن تحميله للقادة والفصائل الفلسطينية، من مسؤولية وبشكل مختصر جداً.
من ناحية الدول العربية، فبعد تحررها، من مسؤولياتها التاريخية، بتحرير فلسطين كجزء لا يتجزأ من الأمة العربية، انقلبت هذه الأنظمة، إلى موقع الداعم (الممكن) للشعب الفلسطيني، بنضاله بتحرير وطنه، هذه المهمة لم تدم طويلاً، وتطورت بعد ذلك إلى مفهوم الوقوف تقريباً على الحياد، بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، كما رأينا مثلاً، زمن حسني مبارك ولعبه دور الوسيط.
منذ انطلاق الربيع العربي، في نهاية عام 2010 انتقلت دول الثورات المضادة، بقيادة دول الخليج، خصوصاً الإمارات والبحرين، إلى مفهوم جديد، فبدل الاكتفاء بدور الوسيط، أصبحت هذه الدول تلعب دور الحليف للكيان الصهيوني، وهو ما تُرجم بمواقف عدة، كان آخرها الاتفاقيات الحديثة، الخليجية الإسرائيلية، وما الخطر الإيراني إلا حجة واهية.

حركات الربيع العربي

حركات الربيع العربي، تُشكل خطراً وجودياً، على كل الأنظمة الديكتاتورية، الفاقدة لأي شرعية شعبية، فهي لهذا السبب، في حاجة لحليف قوي لحمايتها، وردع خطر الثورات ضدها. هي وضعت نفسها إذاً، بموقع التناقض الرئيسي مع الشعوب العربية، المطالبة بحقوقها الإنسانية الطبيعية، كونها مصدر السلطة، كما حدث في عدد كبير من دول العالم منذ بداية التسعينيات. من هذا المنطلق، فهذه الأنظمة المتحالفة مع إسرائيل، وجدت نفسها تحت رحمة الإسرائيليين والأمريكيين وتنفذ كل طلباتهم، بهدف الحصول فقط، على بقاء أنظمتهم، وبدون النظر إلى الثمن المدفوع، حتى ولو كان حرمة القدس والمسجد الأقصى. تصريحات الرئيس الأمريكي، أنه حامي هذه الأنظمة، وبدونه تسقط في بضعة أيام، لأكبر دليل على ذلك. هذه الدول فاقدة، بشكل كامل، للسيادة على أراضيها، ملتحقة بالسيادة الأمريكية، بما فيها الأمور الداخلية الانتخابية.
نحن إذاً أمام معادلة جديدة فيما يخص القضية الفلسطينية، وهي الشعب والقيادة الفلسطينية من جهة، وإسرائيل وحلفائها العرب من جهة أخرى. هذه المعادلة لا يمكن أن تكون لصالح الفلسطينيين، مهما جدوا واجتهدوا، لذلك فإن المعادلة المقبلة، والتي قد تغير التوازن لصالح القضية الفلسطينية، لا يمكن أن توجد، إلا إذا تمكنت الشعوب العربية، من زعزعة هذه الأنظمة، وبناء صرح ديمقراطي جديد، وتمكن الشعب الفلسطيني من بناء حركة وطنية جديدة بمعايير الربيع العربي. عندها قد نحلم بعودة نوع من التوازن بين القوة الفلسطينية والعربية المشتركة، مقابل القوة الإسرائيلية وداعميها من الغرب.
بالعودة مُجدداً للتاريخ، فإننا نتذكر بسهولة، الاتفاقية الأمريكية السعودية لحماية أمن الخليج أي الأنظمة، لعام 1945 وما سبقها من اتفاقيات بنهاية القرن التاسع عشر، بين ما يُسمى الدويلات الخليجية المتصالحة وبريطانيا العظمى، حيث وضعت عام 1892 مجموعة من إمارات الخليج بزمنه، نفسها تحت حماية التاج البريطاني. لا شيء جديد إذاً، إن وضعت هذه الأنظمة نفسها الآن تحت حماية إسرائيل والتاج الأمريكي.

كاتب ومراقب سياسي عربي مستقل

لك الضِّيَاَء. نزار بدران قصيدة يوم الأرض. دنيا الوطن

قصيدة لي بمناسبة يوم الأرض

يوم الأرض
لك الضياء

يا إبن الجليل لك الضِّيَاَء لك السماء
لك النُّجُومَ لك القدر
تبقى بوحدك تقلع الأشواك
تبني وتزرع في فِنَاء البيت
بين جُدْرَانِ المنازل بين أوراق الشجر

تمضي كموج البحر يأتي ثم يأتي
لا يكل ولا يمل من البقاء او السفر
تحمي حُقُولَ البرتقال وزهرة الليمون
والزيتون وَنَحَلَهَ الوادي وَصَوْتَ الناي
وَطِينَ الأرض والمنابعَ والحجر

أنت الزَّمَانُ بصبحه ومسائه
بليله ونهاره منذ الْوِلَادَةِ والبداية
لا نِهَايَةَ للزمان وَصُحْبَهَ الخلان
أنت الْمَكَانُ هنا هناك
من جوارك او أمامك من يمينك أو يسارك
من جميع الاتجاهات الْقَرِيبَةِ والبعيدة
لا مَكَانَ ولا زمان إلا ملأت به عذابك
أو دفنت به حبيبا أو كتابا أو صور

حَلِمَتْ بك الْأَيَّامُ وتقاسمت ذكراك
وبكى المشرد من ظلام الليل
وارتفعت مَنَابِرُ تبحث عن كلام ضائع
أو مَسْرَحٍ لتعيد قصة تَاجِرٍ بالبندقيه
كُلُّ يُضِيعُ الْوَقْتَ ، أنت الربيع الْمُسْتَجِدّ
شَمْسٌ تضيىئ الْكَوْنَ كنت أم المطر

أنظر إلى بَيْرُوتَ أو بغداد إلى كل البلاد
تكابر من جديد وَتفْرَضُ ما تريد كما تريد
تَمُدٌ لك الملايينُ الأيادي والقلوب
وتعلن حبها الأبدي رغم الموت والأحزان
لن ننسى بلاد الزيت والعسل
ورائحة الصنوبر والمخابز والسمر

نزار بدران

صفقة القرن سياسة الأسد والثعلب

نزار بدران

القدس العربي 25 شباط فبراير 2020

يُصنّف الكثيرون مشروع ترامب أنه وعد بلفور آخر، أي إعطاء فلسطين من جديد من لا يملك لمن لا يستحق، هذا قد يكون تعريفاً لما يُسمّى بصفقة القرن، وهي كما نرى جميعاً نتاج التوافق الأمريكي – الاسرائيلي الكامل، والتواطؤ العربي والتحاشي الأوروبي، ويُنذر بنكبة جديدة وتهجير آخر.
نستطيع أن نغوص كما يفعل الكثيرون بالتفاصيل والأسباب والظروف والنتائج وظُلم ذوي القُربى واضطهاد الاستعمار العالمي…الخ، ولكن السؤال الوحيد الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا، كفلسطينيين أولاً، هو ماذا يجب أن نفعل، وهل لنا تصور وسياسة مُحددة، لمواجهة المشاريع المُعادية.

الهدف المرجو

الحقيقة أن دراسة الموقف الفلسطيني، بكل أشكاله الرسمية، في غزة والضفة ودول الجوار، أو حتى المواقف الشعبية، يُظهر مدى فقر الفكر الفلسطيني، وانطفاء ما كنا نتصوره الشعلة الثورية الفلسطينية التي تضيء الطريق للآخرين.
علم السياسة بكل بساطة يقول، أنه لا توجد سياسات بدون وسائل مناسبة لتحقيقها. أن تُحدد رغبة ما لا معنى له، إلا بعد تأمين وسائل الوصول إلى الهدف المرجو. الوسيلة الفاعلة للوصول للهدف، تجمع دائماً بين القوة والذكاء، القوة وحدها، أو الذكاء والدهاء وحدهما، لا يكفيان، فالأسد رغم قوته لن يتمكن من تفادي الكمائن، والثعلب رغم دهائه، لن يتمكن من منع الذئاب من أكله. إن أردت أن تنجح بامتحان دراسة، فعليك أن تُذاكر وتقرأ، وإن أردت أن تحصل على حقوقك، فلن يكفيك البكاء، بل يجب أولاً تأمين الوسائل الفاعلة للحصول عليها.
من هذا المنظار، فنحن الفلسطينين ، قررنا بأنفسنا، ومنذ بداية السبعينات، أن نتخلى عن كل الوسائل المُتاحة للنضال وتحقيق الأهداف، فالحركة الوطنية الفلسطينية، قامت بعزل نفسها عن الشعوب العربية، واعتبار فلسطين ملكاً خاصاً للشعب الفلسطيني، الوحيد المُخول بتقرير مصيرها. وحتى يتلاءم الهدف مع الوسيلة، قمنا بتقزيم الأحلام الفلسطينية، من تحرير الوطن كاملاً من النهر إلى البحر، وإقامة الدولة الديمقراطية، وعودة جميع اللاجئين، إلى تحرير ما أمكن، والاكتفاء بأراضي 67 وصلنا بعد ذلك عبر اتفاقيات أوسلو، إلى تقزيم أكبر للأهداف، وهو إقامة دولة، ناقصة السيادة على غزة والضفة الغربية، والتغاضي الضمني عن حق العودة لكل فلسطين.
وبعد استشهاد ياسر عرفات، رفعنا شعاراً آخر لتقزيم الوسائل وهو، المفاوضات كوسيلة وحيدة للحصول على الحقوق، بينما لم تتوقف إسرائيل يوماً واحداً، من زيادة تسلحها وبكل الأشكال. تخلينا عن دور الأسد بالسياسة، واكتفينا بدور الثعلب، بدون كفاءة حقيقية. تقزيم الأهداف ووسائل النضال، ثم انحسار الدعم الشعبي العربي والعالمي، هو بسبب انعدام أي رؤية للقيادات الفلسطينة المُتعاقبة، لتمكين نفسها من الحصول على وسائل سياساتها، وعدم دمج النضال الفلسطيني التحرري بإطار عربي أكبر.
لم يأت التراجع عن الأهداف الأصيلة للشعب الفلسطيني، من تحرير كامل وطنه، بسبب قوة الأعداء والدعم اللامتناهي الإمريكي لهم، وإنما بسبب ضبابية الأهداف وعدم ملائمة الوسائل التي وُضعت لتحقيقها. يجب إذاً أن نأخذ منحى آخر، يهدف إلى وُضوح الرؤية وفعالية الوسيلة، الرؤية هي الحصول على الحقوق كاملة، والوسيلة هي القوة التي تتناسب مع هذا الهدف، والذكاء بربطهما.
مُقابل قوة اسرائيل وأمريكا ودعم حلفائهم، لا يمكن أن نضع فقط الشعب الفلسطيني، مهما كبُرت عزيمته واشتدت تضحياته، بل يجب وضع شيء موازٍ لذلك، أي مجموع الأمة العربية مدعومة من العالم الإسلامي والدول الصديقة.
وقعت الأمة العربية منذ فترة الاستقلال وطرد الاستعمار، تحت نير أنظمة، أهدرت مقدرات البلاد، وأكدت على التجزئة والفُرقة وغيّبت الجماهير العربية صاحبة القضية الفلسطينية الحقيقية.

النأي بالنفس

نحن إذاً كفلسطينيين، فضّلنا النأي بالنفس عن كل هذا ومُهادنة الجميع، والنتيجة هي ما نرى، الانتقال من السيىء للأسوء ، ومن تنازل إلى آخر، حتى أنه لم يتبق تقريباً ما نتنازل عنه، لنحصل على رضى إسرائيل وأمريكا، لا السكوت عن حصار غزة، ولا منع أي حراك جماهيري، حتى ولو كان سلمياً، على مدار سنوات طويلة ضد الاحتلال.
كيف إذاً ترجو هذه القيادات، أن يقف الشعب الفلسطيني، كرجل واحد خلفها، وهي التي جلست على الشرعية الانتخابية، حيث أصبحت الانتخابات بخبر كان، تحت حُجة الخلافات والنزاعات الداخلية، أو خصوصية القدس وغيرها من أعذار عجيبة يصعب قبولها.
المطلوب من الشعب الفلسطيني حقاً، هو أن يرفض كل أشكال التنازل السياسي عن حقوقه بكامل وطنه المكونة من 27009 كم مربع، وليس بُقع هنا وهناك، على خارطة ترامبية، تشبه سطح القمر.
المطلوب من الشعب الفلسطيني، أن يُعلن الرفض التام، بانتظار تبدل الأحوال، فلسطين هي جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، وحدها هذه الأمة من يستطيع أن يُشكل الوزن والقوة الكافية لتحريرها، وهو طبعاً ما نحن بعيدون عنه الآن. المطلوب إذاً هو عدم التنازل، إلى أن تستيقظ هذه الأمة، وهي في طريقها إلى ذلك، وما نراه هنا أو هناك، في دول عربية عدة، من انتشار للربيع العربي لدليل على ذلك، حروب حكومات الثورات المضادة، في دول عديدة أخرى، لمنع نجاح الثورات، لن يُغيّر شيئاً من مسار التاريخ، عاجلاً أم آجلاً ستعود فلسطين إلى حضن الأمة، وما تصريحات الرئيس التونسي، قيس سعيد، إلا دليل على ذلك، فدول وشعوب الربيع العربي، لن تقبل الحيف والظلم الواقع في فلسطين. سبعون عاماً من تفتت الأمة، هو من فتت المطالب الفلسطينية، ولن تتوحد هذه المطالب بمطلب واحد، وهو تحرير فلسطين وعودة شعبها، إلا عندما ينتهي تفتت الأمة نفسه.
نحن الفلسطينيين، علينا الآن أن نكون جزءاً لا يتجزأ من الربيع العربي، والذي لو تضامنا معه بدل أن نقف بوجهه، سيُعطينا تلك الوسائل الضرورية لتحقيق الأهداف والسياسات، التي نود اعتمادها لتحرير وطننا.
نأمل أن تكون المواقف المُعلنة حديثاً، من القيادة الفلسطينية، والبحث عن العودة للمبادىء وتوحيد الصفوف، قراراً استراتيجياً، وليس فقط جزءاً من سياسة بهدف الضغط للعودة للمحادثات بشروط أفضل، وأن تقع سياسة ترامب الهوجاء بكمائن لم يرها لأنه تبنى فقط سياسة الأسد ونسي دور الثعلب بعكسنا تماماً.

اسرائيل وحداثة القرن التاسع عشر

    إسرائيل وحداثة القرن التاسع عشر

    29 – أغسطس – 2019

    كلمات مفتاحية

    التعليقات

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    شرعية المؤسسات الرسمية الفلسطينية.

    شرعية المؤسسات الرسمية الفلسطينية. نشر باورونيوز ديسمبر 2018
    د.نزار بدران
    صرح مؤخرا الرئيس محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية عن نيته اعتبار المجلس التشريعي الفلسطيني منتهي الصلاحيه، ولكن بدون تحديد الأسباب بشكل واضح ولا آليات انتخاب مجلس تشريعي جديد.
    شرعية المجلس التشريعي وكذلك منصب الرئاسة مرتبط بالانتخابات الاخيره لكليهما والتي حصلت قبل سنوات طويلة. قد نتفهم التجديد التلقائي لمنصب الرئيس او منصب اعضاء المجلس في ظل الاحتلال واعائقته المفترضة لعقد انتخابات جديدة، لكن الواقع يظهر لنا ان العنصر الاساسي للتاخير هو الانقسامات الداخليه بالوسط السياسي الفلسطيني، وليس الشعب الفلسطيني، خصوصا بين السلطة الشرعية المعترف بها دوليا برام الله، وسلطة الحكومة المنبثقة عن آخر انتخابات تشريعية فلسطينيه عام 2006 المتواجدة بغزة والمسيطر عليها من قبل حركة حماس.
    صعوبه التوافق بين الطرفين على إجراء انتخابات جديدة لا يبرره برائي إلا الضغوط الخارجية، خصوصا تلك الاقتصادية، فهذه الاطراف الدولية لا تود على ما يظهر تجذير التجربه الديمقراطيه الفلسطينية، مبقية الشعب الفلسطيني تحت سيطرة نظام سياسي يتغطى بالشرعية الشكلية، وفهم كل طرف سياسي فلسطيني وتحليله لها، ولكن خصوصا بناء على ارتباطاته العربيه والدولية، امريكا، دول الخليج ،مصر، ايران الخ.
    دليل ذلك أن اجتماعات واتفاقيات عده جرت بين السلطتين الفلسطينيتين، ولكن لم يتمكن أي أحد من تنفيذها على ارض الواقع رغم حصار غزه ومعاناة المواطن الفلسطيني بكل اماكن تواجده.
    كما أن تطور الموقف الامريكي منذ وصول الرئيس دونالد ترمب ونقله سفارة بلاده من تل ابيب إلى القدس وتضيقه على وكاله إغاثة اللاجئين الفلسطينيين، والتحضير لصفقة القرن، بالإضافة لفصل طبيعة وتطور العلاقات بين اسرائيل وبعض الدول العربيه المركزية بدون ربطها بالقضية الفلسطينية، دليل إضافي على انعدام أي رؤية استراتيجية فلسطينيه.
    فنحن نعلم ان الخلافات الداخلية تتلاشى أمام الاخطار الخارجية خصوصا تلك الوجودية وهو ما يستشعر به حاليا الشعب الفلسطيني.
    سئم هذا الشعب من هذه المهاترات، والتي لا تدل باحسن الاحوال إلا الى عدم كفائة وبأسوأها إلى خضوع تام لارادة الأطراف الدولية أو العربيه ضاربة بعرض الحائط بمصلحة الشعب الفلسطيني نفسه.
    لا ارى حلا لهذه الأشكالية إلا بالعودة إلى الانتخابات والتي تعطي الشرعيه لمن تريد، كلام كهذا منطقي وعادي بكل الدول الديمقراطية التي تواجه أزمات سياسية، ولكن عند الفلسطينين كما في معظم الدول العربيه ليس له مكان.
    إشكالية الشرعيه هذه كانت من أهم أسباب انفجار الربيع العربي، وبالحالة الفلسطينية ارى ان استمرار الاحتقان سيؤدي إلى عودة الضغط على الوسط الشعبي الفلسطيني وحركات المجتمع المدني بأشكالها الشعبية طبعا (وليس المؤسسات المدعومة خارجيا) إلى الضغط على السلطات الفلسطينية للعودة للشعب والانتخابات.
    بدون حراك شعبي قوي، سيبقى الزعماء غارقين ببحر من الخلافات الشكلية، بدون الوصول الى أي حل، لأن هذا الأخير ليس بيدهم حقا، بل بيد الآخرين القابعين بواشنطن او بالعواصم العربيه.
    تقع على شباب الشعب الفلسطيني بكل اماكن تواجده تحمل عبئ مسؤولياته والتحرك لانقاذ ما يمكن انقاذه، ولا احد يستطيع ان يعرف متى وكيف سيكون ذلك، فنحن نعيش في عالم المفاجئات.
    كاتب ومحلل سياسي باريس

    القدس نهاية الحل وبداية التصدي

    القدس نهاية الحل وبداية التصدي

    د. نزار بدران


    Jan 24, 2018

    القدس العربي 24 كانون الثاني 2018

    اُختصر اقتطاع فلسطين، من الأرض العربية، بداية القرن الماضي، في إطار تقاسم الإرث العثماني، بين القوى المُنتصرة في الحرب العالمية الأولى، وخلق دولة أجنبية، بمواطنين لا يتكلمون لغة البلاد، ولا ينتمون لتاريخها، وإبعاد العرب سكان فلسطين، منذ آلاف السنين، إلى مخيمات اللاجئين، أو حصارهم في بقع صغيرة على الأرض الفلسطينية المتبقية؛ اُختصر كل ذلك تحت عنوان المسألة الفلسطينية، أو النزاع العربي، أو الفلسطيني الإسرائيلي، وكأن هناك مشكلة بين كيانين، أحدهما فلسطيني أو عربي، والآخر إسرائيلي، يجب طرح حلول مبدعة لحلها، بما يتلاءم مع مصلحة الطرفين.
    هذا حقيقة هو الطرح الساذج، الذي عشنا عليه سنوات عديدة، والذي لا يعكس مطلقاً بديهيات القضية الفلسطينية. هذا الطرح هو أساس كل التراجعات العربية الفلسطينية، لأنها لا تزال تبحث عن حلول لمشكلة، آخرها كان المبادرة العربية بالاعتراف بإسرائيل، من كل الدول العربية والإسلامية، مقابل الإنسحاب من ألأراضي المحتلة عام 1967، وكذلك قبلها اتفاقيات أوسلو وإقامة السلطة الفلسطينية.
    لماذا فشلت هذه الحلول العربية والعالمية المُبدعة في حل المشكلة، إلى أن تجرأ ترامب إلى الاعتراف بالقدس، عاصمة لإسرائيل، وفرض السيادة الإسرائيلية عليها، والمزايدة بطلب الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية. تمهيدا لطرد فلسطينيي الـ 48، والذين هم اصلا خارج المشكلة التي يريد العرب حلها بما أنهم داخل «إسرائيل» التي يعترفون بها.
    الحقيقة أننا نحن العرب والفلسطينيين، نبحث عن حلول لمشكلة وهمية، وهو ما نتصوره الخلاف العربي، أو الفلسطيني الإسرائيلي، بينما الإسرائيليون، ليس لهم معنا أي خلاف، بل لهم سياسة ينفذونها منذ اليوم الأول، وهو إقامة إسرائيل وطرد الشعب الفلسطيني، والسيطرة بعد ذلك، على مقدرات الأمة العربية.
    هم كالمهاجرين الأمريكيين الأوائل، يقيمون المعاهدات مع السكان الأصليين، ثم يطردونهم بلا هوادة، ولا يحترمون من أي إتفاقية، إلا الجزء الذي يوفر لهم تحقيق السياسة المرسومة والمُخطط لها. نحن إذاً لسنا أمام مشكلة تبحث عن حل، ولكن إعتداء وتهجيرا قسريا، سرقة الأرض وإقامة شعب غريب على أرض عربية.
    إن رأينا القضية الفلسطينية على حقيقتها، فالجواب ليس البحث عن حلول، ولكن بإقامة سياسات لمواجهة المُخطط الإسرائيلي الصهيوني، أي البدء بسياسة للصمود والتحدي، والعمل على استرداد المسلوب.
    هذا ما فعله الجزائريون، الذين لم يقبلوا بدولة مسخ في صحراء الجزائر، وما فعله مانديلا جنوب أفريقيا، والذي لم يقبل إقامة كانتونات للسود، بل دولة واحدة، بقيادة السود السكان الأصليون للبلاد، هذا ما فعله الفييتناميون مع أمريكا، حينما رفضوا بقاء جنوب فييتنام دولة مستقلة وعاصمتها سايغون تحت الرقابة الأمريكية، وأصروا على طرد ودحر المُحتل، حتى آخر متر مربع من فييتنام شماله وجنوبه، وهذا ما فعله وفعله غيرنا كثيرون.
    وحدنا في العالم، نبحث عن حلول لمشاكل وهمية أوقعنا بها أعداؤنا، وكذبة كبيرة بإقامة دول وإنشاء عواصم، بدون سيادة ولا حدود ولا قدرة.
    وحدها هذه الأمة العربية، التي تقبل أن يُنتقص أهم جزء منها، وأكثره قداسة، لصالح رعاع جلبوا من أطراف العالم، ولا يرون بذلك إلا مشكلة هامشية، تبحث عن حلول خلاقة، بأروقة الأمم المتحدة، ووزارات خارجية الدول العُظمى.
    والحالة هذه، فلا نستغرب أن يكون مصيرنا مخالفاً لمصير جنوب أفريقيا السوداء، أو فييتنام المستقلة، بل مصير الهنود الحمر الذين يعيشون الآن داخل كانتونات، لا تتعدى مساحتها 2,3 %من أرض أجدادهم.
    نأمل أن تكون الخطوة الأمريكية الأخيرة، بدعم انتزاع القدس، من أيدي العرب والمسلمين والمسيحيين، والتي هي بكل تأكيد خطوة أخرى لدعم السياسة الإسرائيلية، القاضمة والهاضمة لحقوقنا، أن تكون القدس هي الجرس الذي دُق ليخرجنا من الجري وراء الحلول التي لا تُهم أحداً غيرنا، والبدء في وضع أُسس الصمود والتحدي. وما فعله المقدسيون، بشهر تموز 2017، حينما أجبروا نتنياهو على التراجع، إلا الخطوة الاستباقية لذلك التغيير المُنتظر.

    .

    كاتب عربي

    وعد بلفور فخر السياسة البريطانية

    وعد بلفور فخر السياسة البريطانية

    القدس العربي

    د. نزار بدران

    Nov 15, 2017

    كانت الذكرى المئوية لوعد بلفور، مناسبة لكثير من الكتاب والمراقبين والسياسيين، للتذكير بتاريخ فلسطين، وكيفية الاستيلاء عليها وطرد سكانها وتحويلهم للاجئين. ولكن ذلك ترافق أيضاً، بمطالبة بريطانيا بالاعتذار للشعب الفلسطّيني، لم تقبل رئيسة وزرائها، هذا الطلب، بل أصرت على الاحتفال بالذكرى مع نتنياهو، وكأنه نصر مؤزر.
    الحقيقة أن تيريزا ماي، لم يكن لها أن تأخذ موقفاً آخر بسبب انعدام أي وسيلة ضغط لدى المطالبين بالاّعتذار، فكل مصالح بريطانيا مُحققة في الدول العربية، دون حاجة لتقديم أي نوع من أنواع التراجع السياسي، مُقابل ضغوط إسرائيلية عليها عن طريق اللوبي الصهيوني والصحافة التابعة له.
    السبب الثاني والأهم، برأيي، هو أن العرب أنفسهم، قد وافقوا على وعد بلفور وإعطاء وطن قومي لليهود، بمجرد موافقتهم بعد حرب 1967، على الاعتراف بإسرائيل والمطالبة فقط بدولة فلسطين بجوارها.
    لا يمكننا إذن، كسياسيين أو صحافيين أو محللين، أن نقول شيئاً وعكسه بالوقت نفسه، أن نطالب بتطبيق الشرعية الدولية، والتي بدأت بعد وعد بلفور، وقرارات عصبة الأمم بعد مؤتمر فيرساي عام 1919، بفرض الانتداب على فلسطين إلى اليوم لتنفيذ صناعة دولة لليهود ، ومُطالبة الاعتذار عن وعد بلفور والذي لم يقل شيئا آخر.
    الاتفاقيات الدولية، لا قيمة لها إلا بمقدار قوة الأطراف التي توقعها، وعد بلفور، استعملته الحركة الصهيونية لتحقيق حلم الدولة اليهودية، بينما وعود مكماهون، ورسائله الرسمية قبل ذلك، والواعدة بمملكة عربية كبيرة، في الشرق العربي، تحت سلطة الشريف حسين، مُقابل مشاركتهم بالحرب ضد العثمانيين، وهو ما فعلوه حقا، لم يُطالب أحد بتنفيذها، وكل ما همنا في حينه، هو تقاسم السلطة بين القبائل والعائلات، وليس مستقبل الأمة. الوعد الصهيوني حُقق لأن الذي استلمه، استعمله أفضل استعمال، بينما العرب لم يعرفوا أن يثوروا، بعد خُذلانهم من طرف نفس الإنجليز وبنفس الزمن.
    الناظر إلى خريطة الولايات المتحدة، منذ بدء الهجرة والاستيطان ألأوروبي وخصوصاً الإنكليزي، على مدى قرون، يرى التراجع التدريجي لمساحة الأراضي المتبقية للهنود الحمر، والذين سُلبت أراضيهم ولم يبق لهم الآن إلا 2.3٪ منها، وذلك بقوة السلاح، ولكن أيضاً بمئات الاتفاقيات؛ أكثر من 400 إتفاقية لم يُنفذ منها إلا بند الإبعاد لهم وسلب أراضيهم، وليست البنود الأخرى التي تحفظ حقوقهم.
    يظهر أننا سائرون على الطريق نفسه، اتفاقيات مع إسرائيل، لا يُنفذ منها إلا الجزء المفيد لهم وليس الجزء الآخر (مثلاً اتفاقية أوسلو). أرض فلسطين تفتت وتُختزل يوماً بعد يوم بالمستوطنات، والتي تستمد شرعيتها، من سكوت القوى العُظمى عليها، وخصوصاً الولايات المتحدة وأوروبا، هذه القوى التي لا تأخذ بالحسبان إلا حقوق من يعرف أن يربط بين المصالح والمواقف، وهو للأسف ليس وضعنا الحالي، إن لم يكن عكسه تماماً.
    لكل هذه الأسباب، قد تحتفل تيريزا ماي، برفقة نتنياهو بذكرى بلفور مرات عديدة أخرى، حتى تصحو هذه الأمة من سُباتها وتبدأ بوضع النقاط على الحروف.

    القدس وعودة المسيح المنتظر

    القدس وعودة المسيح المُنتظر

     القدس العربي

    د. نزار بدران

    Dec 15, 2017

    لم يتوقف الرئيس ترامب لحظة، عند ردود الفعل العربية أو الإسلامية، على قراره الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها، ولم يأخذ رأيهم أصلاً بهذه الخطوة، وهم أهل القضية والقدس عاصمتهم الروحية الأبدية، منذ أن أسرى الله بعبده إليها.
    لماذا يتخذ الرئيس ترامب هكذا قرار أصلاً، وهل يخدم ذلك المصالح الأمريكية نفسها؟. الحقيقة أن الخوف الذي يعيشه الرئيس الأمريكي، من إمكانية تنحيته، كما حدث مع الرئيس نيكسون، قد يكون السبب الحقيقي لنقل السفارة، فبعد اعترافات ميكايل فلاين، مستشار الرئيس السابق، واتصالاته مع الروس، وتأثيرهم بمجرى الانتخابات الأمريكية، أصبح الخناق يضيق شيئاً فشيئاً حول عنق الرئيس، وأصبحت إمكانية أن يُغادر منصبه، محتملة جداً.
    كشخص شبه عاقل، يتوجه الرئيس إلى اللوبي الداعم له، والذي أوصله إلى سدة الرئاسة، وهم الأصوليون المسيحيون البروتستنت، أو من يُسمون أنفسهم المسيحيون الصهاينة، والذين يؤمنون بعودة المسيح إلى إسرائيل الكبرى وعاصمتها القدس، فهو إذن، يُحقق لهم جزء من النبوءة التي يؤمنون بها.
    بالإضافة لذلك، فهو يسترضي اللوبي الصهيوني التقليدي، والذي كان قد صوت لهيلاري كلنتون، قبل عام بالانتخابات الرئاسية، وخصوصاً الصحافة المرتبطة به، التي كان ترامب يتهمها دوماً، بنشر المعلومات الكاذبة عنه.
    هل المصلحة الأمريكية، أو دور الوسيط الأمريكي في الشرق الأوسط، سيستفيد من هذا الموقف الأمريكي، الداعم لإسرائيل بأحد مطالبها الاستراتيجية، بتناقض تام مع الشرعية الدولية عامة؟ لا نظن ذلك، ولكن اعتبار الربح والخسارة بالنسبة لأمريكا، لا يأخذ بالحسبان، ردود الحكومات العربية أو حكومات الدول الإسلامية، لانعدام أي وزن سياسي لها، فهي كلها مدينة ببقاء أنظمتها، بشكل أو بآخر لأمريكا، وتدفع مقابل ذلك الأموال الطائلة، كما نرى بدول الخليج مقابل الحماية، والتي من أجلها ومن أجل بقاء أنظمتهم، على قلوب شعوبهم، ينسون القدس وفلسطين وما حولهما. الدول الأخرى ليست أفضل حالاً من دول الخليج، فإما هي تعيش من المساعدات الأمريكية، أو تزودها بالأسلحة والعتاد، لتُحارب بعضها بعضاً.
    أما الفلسطينيون، فقد جردوا أنفسهم من كل وسيلة ضغط، أو مقاومة فعالة، عندما رفعوا شعار المفاوضات ولا شيء غير المفاوضات كهدف استراتيجي وحيد. ونحن ندور بفلكه، منذ أكثر من 25 عاماً، بدون اية فائدة، ولم نحصل إلا على مزيد من المستوطنات والحصار.
    لا نستطيع حقاً الوقوف لنصرة القدس، إلا إذا استطعنا الانتقال ببلادنا، من حكومات الأنظمة المُستبدة، والقيادات المُلهمة، والتي تُصادر إرادة الناس، وتُغيب آراءهم، إلى تحرير أياديهم، لكي يعملوا معاً على امتداد الأرض العربية، لبناء وطن يعملون من أجل عزته وتطوره وأنظمة تُمثلهم وتعمل ليل نهار، للدفاع عن مصالحهم وحريتهم وحقوقهم، بدل العمل ليلاً ونهاراً، للحفاظ على مصالح الطبقة الحاكمة ضد مصلحة الجميع.
    العلة إذن هي فينا، كشعوب وأنظمة، وما لم يُحل التناقض بين هذين الطرفين لصالح الشعوب، فلن تقوم لنا قائمة، وستبقى القدس وفلسطين بأيدي الغزاة.

    كاتب فلسطيني يقيم في باريس

    إرادة المقدسيين أقوى من باطل الاحتلال

    نشر بالقدس العربي

    د. نزار بدران

     

    Aug 07, 2017

     

    أضطرت إسرائيل أخيرا للتراجع عن قراراتها بالسيطرة على مداخل المسجد الأقصى، وذلك تحت ضغط الجمهور المقدسي، بعد أسبوعين من التظاهرات منذ الرابع عشر من تموز (يوليو) كانت كافية رغم سقوط الشهداء والجرحى لإعطاء الفلسطينيين أول انتصار في نزاع حاد مع إسرائيل، لم نتعود على ذلك، لهذا سيقوم كثير من المراقبين والمحللين وأبواق الأنظمة بتفسير ذلك بالضغط الدولي والأمريكي أو الموقف التركي وغيره، أو بتطوير نظرية الحراك المؤامرة كما سمعنا عن ثورة شباب سوريا عام 2011.
    إسرائيل منذ عشرات السنين لم تتراجع امام أي ضغط دولي أو عربي، فقد رفضت القرار 242 الداعي للانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967، وأخيرا قرار مجلس الآمن رقم 2334 العام الماضي، وهو المسكوت عنه أمريكيا لإدانته المستوطنات.
    لم تتوقف إسرائيل يوما عن انتهاك اتفاقيات أوسلو منذ عام 1995، وواصلت سياسة الاستيطان في الضفة والقدس لتخلق على الأرض واقعا جديدا يناسب مخططاتها الصهيونية التوسعية وتهجير الفلسطينيين، في حين كانت مواقف السلطة الفلسطينية وباقي الفصائل في غزة وغيرها مجرد ظواهر صوتية لا تفعل شيئا، بينما المواقف الغربية كانت في أحسن أحوالها تعبر عن استياء من السياسات الإسرائيلية بدون أي آليات للضغط الفعلي على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وتتبع دوما الموقف الأمريكي.
    لا يمكن إذن أن نعزي هذا التراجع الإسرائيلي بتدخل كائن من كان، بل هو فعل شعبي مقدسي بامتياز، ولم يكن وراء هذا الصمود أحد لا ماديا ولا سياسيا.
    لقد اكتشف المقدسيون اذن أنفسهم وقدرتهم على التأثير بالحدث، وتحديد آليات حراكهم وأهدافه خارج أطر السلطة الفلسطينية أو منظمة التحرير او المؤسسات السياسية. وحده صوت الجمهور في إصراره على رفض الإجراءات الإسرائيلية كان كفيلا بتغيير المعادلة. وما تقارب المنظمات الفلسطينية الا وسيلتهم للإدعاء بتحملهم لمهامهم التاريخية، وهو ما لم يره أحد سابقا بغزة أو الضفة، إن لم يكن العكس.
    ردة الفعل الشعبية المقدسية ستكون لها توابعها، فهي صورة مصغرة عن مظاهرات وحراك الربيع العربي في مصر وسوريا وغيرها، ذلك الحراك السلمي الذي رأيناه يسقط حسني مبارك أو معمر القذافي وعلي عبد الله صالح.
    العودة إلى التحرك الشعبي في بيئة تحكمها الأنظمة الدكتاتورية، والتي لا ترى بشعوبها التي تحكمها إلا خطرا على وجودها تحاول قمعها ومراقبتها، وليس العمل لصالحها هو ما سيتلاقى مع حراك المقدسيين.
    هذا الحدث مؤشر واضح لعودة الروح للحراك الشعبي العربي، والذي ظنناه قد فارق الحياة بعد أن أغرقت دول الربيع العربي بكل أنواع المنظمات الإجرامية والإرهابية.
    هل ستلتقط السلطة الفلسطينية الرسالة؟ أم أنها ستستمر بسياسة النعامة، دافنة رأسها برمال الوعود الأمريكية والتراجع المستمر عن حقوق الشعب الفلسطيني استرضاء لأمريكا، وكأن السلام يأتي بالتنازل عن الحقوق.
    هل ستلتقط الأحزاب الفلسطينية هذه الرسالة ايضا، وتترك المجال للشباب والأجيال الجديدة حتى تأخذ دورها بالنضال الوطني وتمسك بزمام المبادرة وتلتحق بحراك الأمة والعالم الديمقراطي، أم أنها ستبقى هائمة في عالم العنتريات والتحالفات المشبوهة والتبعية للمحاور.
    إنتصار أبناء بيت المقدس قد يكون إشارة لانطلاق وعي الجماهير العربية والفلسطينية المقهورة بأهمية دورها التاريخي الأصيل، وحقها برسم مستقبلها، وإن لم تفعله فلن يفعله أحد بدلا منها.

    طبيب عربي مقيم في فرنسا