Regardez “الفكر المستقل اساس الموقف السليم” sur YouTube

الإعلانات

لماذا غابت الاقليات عن مظاهرات السترات الصفراء؟ euronews

لماذا غابت الأقليات عن مظاهرات السترات الصفراء ؟
آخر تحديث: 19/01/2019 – 09:00

بقلم: د. نزار بدران

تعم فرنسا حاليا وخصوصا باريس مظاهرات غضب قوية تزيد حدتها وعنفها كل يوم سبت منذ شهرين. السترات الصفراء تجمع تحت لونها كل طوائف الشعب الفرنسي فنجد المتظاهرين من كل الأعمار. من المتقاعدين الذي يحتلون نقاط تقاطع الطرق وبعض الساحات العامة إلى طلاب المداري والجامعات الذي يغلقون مدارسهم وكلياتهم.

نرى أيضا كل الشرائح المهنية، فهناك العمال والفلاحون، ، القادمون من مصانعهم ومزارعهم وموظفو الإدارات، وسائقو سيارات الإسعاف وغيرهم كثُر.

ما لا يراه المتظاهرون، هو ما يُسمى هنا بالأقليات المرئية، أي أبناء الجاليات الأجنبية، من أفارقة سود أو عرب معروفون من لون بشرتهم وملامحهم، أين هم إذن أبناء الضواحي الذين كانوا وقودا لحركات احتجاجية عديدة، مثلما حدث بباريس عام 2005 ،زمن حكومة دوفلبان، احتجاجا على قوانين العمل الجديدة؟ ولماذا لا يشاركون وهم يحملون الجنسية الفرنسية ويعيشون ظروفا اجتماعية صعبة؟

ما أسباب ابتعاد أبناء الضواحي عن حراك السترات الصفراء
المراقب لوسائل التواصل الاجتماعي، خصوصا الفيس بوك يرى أن ابتعاد هؤلاء، كان برأي أبناء هذه الجاليات لسببين، الأول هو أن المطالب التي رفعت بالبداية، كانت تتمحور فقط حول زيادة الضرائب على مشتقات على البترول، وهو ما حرّك كل ذوي المهن، التي تحتاج استعمال السيارات والشاحنات، أو الأدوات الزراعية كالجرارات والحاصدات، أو سائقو التكسي، وسيارات الإسعاف. في نفس الوقت وبسبب البطالة التي تتفشى بين أبناء الجاليات المعنية، فإن هؤلاء لم يصلوا بعد لهذه المهن، ومعظمهم يستعمل لعمله، إن وجده، وسائط النقل العام مثل القطارات، لذلك لم يشعروا كثيرا بتأثير هذه الزيادات عليهم.

السبب الثاني، هو الصبغة اليمينية واليمينية المتطرفة، التي طغت على هذا الحراك الأصفر، وما حمله من تظاهرات لمجموعات فرنسية عنصرية. لم يُرد أبناء الجاليات الأجنبية، أن يُقحموا أنفسهم فيها، فهم دوماً متهمون بالوقوف وراء أعمال العنف والتخريب. فلو أنهم شاركوا، ولو جزئياً بهذه المظاهرات العنيفة، لكان الإعلام حولهم إلى كبش الفداء، واتهمهم كالعادة بالأعمال التخريبية المُشينة، من حرق للسيارات وتكسير ونهب للمحال التجارية.

الرئيسية
ماي تسعى لحل مشكلة “بريكست” بالاتفاق مع إيرلندا
الجيش الإسرائيلي يقول إنه قصف أهدافاً إيرانية في سوريا ودمشق تؤكد تصديها…
أردوغان: تركيا مستعدة لتولي الأمن في منبج السورية
البيت الأبيض: ترامب وأردوغان بحثا التسوية في سوريا وتعزيز التجارة
جولة 360° داخل إحدى المدارس الأردنية للتعرف على برنامج التعليم الشامل
هل هو فعلا عدم اكتراث ولا مبالاة؟
ولكن من وجهة نظر بعض المتظاهرين الفرنسيين، فإن عدم مشاركة أبناء أقليات الضواحي، هو دليل عدم اهتمامهم بالشأن العام، وعدم انتمائهم حقيقة لفرنسا، وهو طبعاً ما يزيد من تهميش هذه الأقليات، ويؤكد أُطروحات اليمين العنصرية. وقد رأينا ذلك بعد اعتداءات شارلي إيبدو عام 2015 التي نفذها عناصر محسوبون على تنظيم داعش. فمن بين ملايين المتظاهرين في ساحة الجمهورية بباريس، أو بالمظاهرات بالمُدن الأخرى، كان التواجد العربي الإسلامي، الظاهر للعيان، يكادُ يكون غائباً تماماً، وكأن الجالية حمّلت نفسها مسؤولية هذه الأعمال الإرهابية، بينما كان المنطق يدعوهم، للمشاركة بقوة للنأي بأنفسهم عن التهم الجاهزة، ولإظهار تضامنهم كباقي شرائح الشعب مع الضحايا.

هل الحل في الابتعاد؟
أبناء الجاليات العربية والافريقية الأخرى، لن يستطيعوا أن يبقوا كثيراً، خارج إطار العمل التظاهري الحالي، فمطالب المتظاهرين قد تطورت، ولم تعد محصورة على رفع الضرائب على مادة معينة، بل تعدته إلى المطالبة بإجراءات اجتماعية ضد البطالة والتهميش وغيره وحتى بإسقاط الرئيس، وهو ما يُعبر أيضاً، بالنسبة لهؤلاء، عن أوضاعهم وهمومهم الخاصة .

حراك لا لون له
من ناحية أخرى، لم يستطيع اليمين، أو اليمين المتطرف، السيطرة على الحراك، بل وصل للساحة مجموعات يسارية ومن المجتمع المدني، بعيدة عن العنصرية، بل تعاديه، وتقف دوماً مع مطالب وحقوق الأقليات، بالإضافة لبدء قيادات المعارضة اليمينية التقليدية، بالتراجع تدريجياً عن دعمها لمطالب المتظاهرين الاجتماعية والتي تتناقض مع مواقفهم وبرامجهم السياسية.

سنرى إذاً قريباً، عودة شباب وشابات الأقليات المذكورة للساحة، جنباً إلى جنب مع بقية شرائح المجتمع الفرنسي، على الأقل هذا ما نأمله، حتى لا نبقى دائماً مهمشين، ونرى في الآخر مجرد كائن تحرّكه مشاعرعنصرية مقيتة، فنحن كلنا بهذه البلاد، مواطنون متساوون.

للكاتب

فرنسا.. السترات الصفراء ورأس المال المُعوْلم

السودان والربيع العربي الثاني.. أين الغرب؟

في ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان انتهاكات ولا مبالاة.. فأين نحن من حقوق الإنسان؟

د. نزار بدران – كاتب ومحلل سياسي

المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر يورونيوز

السترات الصفراءفرنسامهاجرونالبطالةالوقودضرائب

البشير والحكم الرشيد. من اين لك هذا . نزار بدران

البشير والحكم الرشيد: «من أين لك هذا»؟ نزار بدران

القدس العربي 21/01/2019

ونحن نعيش في خضم تغييرات سياسية واجتماعية جمة في الدول العربية، وآخرها احداث السودان والثورة على حكم البشير، يطالب هذا الأخير الجماهير العودة كل إلى بيته، وانتظار سياساته الجديدة لإنهاء الأزمة الاقتصادية والسياسية في البلاد خلال بضعة أسابيع، وهو الذي حكم السودان بعد انقلاب عسكري منذ ثلاثين عاما.

وسائل الحكم
هل حقا يملك البشير وحكومته وسائل الحكم الرشيد، وما هي هذه الوسائل.
تأتي كلمة governance من اللغة اليونانية القديمة kobernan وكانت تعني قيادة المراكب والعربات التي تجرها الخيل، افلاطون الفيلسوف اليوناني الشهير كان أول من استعملها لتعريف حكم الناس والدول. وقد تفرع عن هذا التعبير مفاهيم فرعية جديدة مثل الحكم الاقتصادي (اول استعمال بأمريكا عام 1939) ومفهوم الحكم الرشيد عام 1981 من طرف الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران.
تعريف الحكم الرشيد حسب المؤسسات الدولية، أبعد ما يكون عن سياسات ونهج الرئيس السوداني عمر البشير، وهو يعني إقامة دولة القانون وحقوق الانسان والمساواة بين الرجال والنساء، والتوزيع المناسب للسلطات، والثبات الاقتصادي بخطوطه العريضة Macro economy .
وهو يعني أيضا وبشكل أكثر تفصيلا، أن يتمتع المجتمع بدولة مثل السودان، بنظام تمثيلي عادل، ومؤسسات وأدوات التقييم، وبروتوكولات عمل لمختلف قطاعات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية، تكون قادرة على الحكم وتوجيه العلاقات فيما بينها بطريقة سليمة وسلمية.

النمو الاقتصادي

الحكم الرشيد يربط النمو الاقتصادي بالنمو المستدام، بأبعاده الاجتماعية وتأثيراته البيئية، هادفا الحفاظ على مصادر الثروة الطبيعية. وفي بلد كالسودان هنالك ثلاثة أنواع من الثروات، الأولى تلك التي تستنزف وتنتهي يوما مثل البترول ،هي بحاجة لإدارة جماعية لترشيد استغلالها واستهلاكها، الثانية هي تلك التي تتجدد ويجب تقاسمها كالثروة المائية، وهي بحاجة لكفاءة وجودة إدارة المصادر الطبيعية وعدالة توزيعها. والثروة الأخيرة هي تلك التي تتضاعف وهي المعرفة والتعليم وزيادة الوعي. وكل شكل من اشكال هذه الثروات بحاجة لإدارة خاصة بحسب خصوصيات استعماله.

فصل الجنوب الغني

أين البشير من كل هذا، فصل الجنوب الغني بالنفط أفقر الشمال وأشعل الحرب الأهلية في الجنوب. الاستصلاح الزراعي واستغلال المصادر المائية الضخمة لم يملأ سلة خضار العالم، ولم يعد المواطن قادرا على توفير كفايته من الخبز، مشروع مراقبة واستغلال مياه النيل بأثيوبيا مع بناء سد النهضة العملاق ستكون له انعكاسات على الأمن المائي والغذائي للسكان، ولم نر لحد الآن أي سياسة لاحتواء الآثار السلبية لهذا السد على السودان.
هل تطورت الثروة الثالثة، أي التكوين العلمي والمعرفة في الثلاثين سنة الأخيرة، ونحن نرى أن على رأس المتظاهرين الأساتذة والمعلمين والطلاب، وقد شحت امكانيات جامعاتهم ومدارسهم، في حين تصل الأمية بحسب الاحصائيات الدولية إلى أكثر من 24 بالمئة،لا شيء تحت الشمس، وأي سياسة تعليمية يمكن أن تتبع في ظل حصار خارجي ناتج عن سياساته الهوجاء؟.

قطاع الخدمات

هل قطاع الخدمات خصوصا الصحة بوضع أفضل، ونحن نرى شح الأدوية والأدوات الطبية مهددا صحة المواطنين، فيما نسبة الوفيات لدى الاطفال عند الولادة تبلغ ثلاثين بالألف مقابل أقل من واحد بالألف في أوروبا بحسب المنظمات الدولية، وهي من أواخر الدول في هذا المجال.
هذا حكم أبعد ما يكون عن وصف الرشيد، فقد دمر كل منابع الثروة بالسودان، وافقر البلاد و العباد، دافعا الناس إلى الثورة التي نراها اليوم.
وإن حاولنا ترجمة مثل هذه التعاريف على واقع بلادنا، فنحن نحتاج للوصول للحكم الرشيد الى ارساء قواعد أربع، هي أولا الديمقراطية بمفهوم مشاركة الجميع بالعمل والسلطة وتبادلها السلمي، الشرعية هي الشرط الثاني وتعني ارتباط السلطة بارادة الشعب، وهي المصدر الوحيد والأوحد لهذه الشرعية. حسن الإدارة، الشرط الثالث، هي كفاءة المسؤولين والمعينين لإدارة البلاد على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. والشرط الأخير هو الشفافية، وهو يعني مراقبة الجمهور بوسائله المختلفة لكل نشاطات وأعمال السلطة التي تمثله أو الأشخاص المكلفين بأدارة البلاد ومحاسبتهم عند الحاجة.

من أين لك هذا؟

تعبير «من أين لك هذا» المعروف بالثقافة العربية والاسلامية، يلخص هذه النقاط، فهي تعني للمستبد كيفية وشرعية وصوله للسلطة وبقائه فيها، وتعني لناهبي الثروات بالسلطة ومن حولها كيفية الحصول عليها وتبذير أموال الفقراء، وتعني لمنظومة الفساد التي تحكم، شفافية النشاطات الاقتصادية.
عندما نرى أن أنظمتنا هي أبعد ما يكون عن قواعد الحكم الرشيد، فإن ثورة أهل السودان وباقي الشعوب المنهوبة، ليست فقط مشروعة، وإنما هي واجب على كل مواطن.

٭ كاتب ومراقب سياسي مقيم في باريس

السودان والربيع العربي الثاني أين الغرب ؟

السودان والربيع العربي الثاني
أين الغرب ؟ euronews 12/01/2019

د. نزار بدران

تجتاح السودان هذه الأيام، موجة من الاحتجاجات الشعبية العارمة، المُطالبة بإسقاط النظام منذ ثلاثة أسابيع، وتتزايد يوماً بعد يوم آخذة شكلاً أكثر تنظيماً.
بالمقابل يزداد عنف النظام، ويتساقط القتلى من بين المتظاهرين، الرئيس عمر البشير، لا يملك إلا حل العنف للبقاء بالسلطة، فالحل الآخر، وهو التنحي، سيؤدي به إلى محكمة الجنايات الدولية، بتهمة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بسبب حرب دارفور.
الأنظمة العربية، بالإضافة لإيران وروسيا وتركيا والصين، وقفت كلها مع نظام البشير، رغم خلافاتهم الداخلية، فهؤلاء الحكام، قد يتصارعون، ولكنهم دائماً يتضامنون ضد ثورات شعوبهم، وتفسير ذلك، بمصالح اقتصادية وجيو استراتيجية، وإن كان ممكناً، ليس هو السبب الرئيسي لبقاء هذا الدعم، لنظام ثبت فشله منذ ثلاثين عاماً، وأدى بالسودان إلى التقسيم والحروب الداخلية والخارجية، وفقدان مواردها النفطية، وحصارها من الدول الغربية، وقمع الحريات الفردية، وتدمير الاقتصاد وإفقار الناس.
السؤال الذي أطرحه بهذا المقال، هو عن موقف الدول الغربية، والتي تحمل دائماً، شعارات دعم الحرية والديمقراطية والحكم الرشيد. هذه الدول، لا يظهر أنها ستُغير من أسلوب عملها، مع ثورات الربيع العربي، حيث اصطفت بشكل واضح، رغم التصريحات الشكلية، مع الأنظمة ضد الشعوب، وها نحن الآن، نواجه بداية ربيع عربي ثان، قد يكون برأيي أكثر قوة وعمقاً من السابق، وقد تعلمت الجماهير، وخصوصاً طبقة الشباب الواعي المتعلم، من تجربة الربيع الأول.
هل تنظر الدول الأوروبية ورأيها العام، إلى مستقبل العلاقات بين جنوب وشمال المتوسط، أم هي لا ترى بالجنوب إلا مصدراً للإرهاب، والهجرة الغير شرعية، وسوقاً للأسلحة، ومرتعاً لتجار الحروب، وأرضاً لحل مشاكلها مع الدول الكبرى الأخرى، عن طريق حروب باردة صغيرة محلية.
الموقف الغربي، الأوروبي والأمريكي، من دول جنوب المتوسط وشرقه، مبنية بشكل أساسي على مبدأ الحصول على البترول والثروات والأسواق، مقابل رفاهية وبقاء الأنظمة الاستبدادية، وليس مقابل رفاهية وحقوق الشعوب المظلومة.
هذه نظرة قصيرة المدى، لأنها ترى بالأنظمة حليفاً دائما، متناسية أن الشيء الدائم الوحيد، هو الشعوب، وستذهب الأنظمة إلى زوال مهما طال الزمن.
عندها قد لا تجد الدول الغربية، ما تأمله من السوق العربي، لا على مستوى الثروات الطبيعية، والتي ستُكرس للإنماء، وليس لإثراء الحكام، كما نرى اليوم، ولا على مستوى السوق الاستهلاكي، مع حوالي أربع مائة مليون مواطن مستهلك، ولا على المستوى الاستثماري، والذي يُؤمل منه تحسين هامش النمو بالدول الغربية.
دول الربيع العربي،القادمة لا محالة، قد لا تتعامل مع من دعم أنظمتها القمعية، والتي دمرت دولاً كاملة، كسوريا أو اليمن مثلاً.
كثير من المفكرين والساسة الغربيين، كانوا يتهمون دوماً الأمة العربية، بعدم قابليتها للتغيير والإصلاح، أو قبول الأنظمة الديمقراطية، ويبنون سياستهم على هذا الأساس، أي التعامل مع الموجود والممكن، وهم لا يدركون أنهم حقيقة من لم يفهم هذه الأمة، ورغبتها العارمة بالإنتماء للقيم الإنسانية الحديثة، والمعايير الديمقراطية والانفتاح على الآخر.
جيل الأمة الجديد، الشاب المُتعلم، الباحث عن مستقبل أفضل، يُطالب صباح مساء، ليلاً ونهاراً، بكل مظاهراته، من شمال المغرب بالحسيمة و جرادة، إلى شوارع القاهرة وأزقة البصرة، ومدن وقرى سوريا، وساحات اليمن أو عمان أو البحرين، أو طرقات وساحات ومساجد السودان، يُطالبون بالحرية والعدالة والديمقراطية وإسقاط النظام.
إن أرادت الدول الغربية، استباق الأحداث، واللحاق بركب التغيير، والحفاظ على مصالحها المُستقبلية، فعليها أن تتفادى خطأ عام 2011، بعد انطلاق الثورة التونسية، حيث تدافعت لتسليح البوليس التونسي للنظام السابق، بدل الوقوف مع مطالب الناس، وتفتح آذانها من الآن، لصرخات المظلومين والداعين للتغيير.
التطورات الاجتماعية البنيوية بالشعوب العربية، وإزالة الفوارق والحواجز، بين الشعوب مع العولمة، وتقنيات التواصل الحديث، ستؤدي لا محالة، عاجلاً أم آجلاُ، إلى تغيير الأنظمة، والسير نحو الديمقراطية، وإعادة بناء الأمة على أسس جديدة. نأمل أن تكون الدول الغربية، داعماً لإنجاحها، وليس حاجزاً أمامها. مبينة بنفس الوقت، عن وعي وفهم، للأحداث والثورات التاريخية التي تجري بجنوب المتوسط وشرقه، والتي إن فشلت، لن تزيد الهجرة والإرهاب إلا عُنفاً، وإن نجحت، فإنها ستؤدي إلى العكس تماماً، وهو ما يصب بكل تأكيد، بمصلحة الجميع، بجنوب وشمال بحرنا المتوسط المُشترك.

إسرائيل وفن بناء الجدران

 إسرائيل وفن بناء الجدران

 

د. نزار بدران

كلنا نعلم، أن الوجود الإسرائيلي على أرض فلسطين، ليس مقبولاً ولا مُعترفا به، من الشعوب العربية، فرغم اعتراف دول عربية عديدة، بهذا الكيان، الا ان التطبيع الاقتصادي والتجاري والسياحي، وشراء البضائع الإسرائيلية، ليس مرغوبا به بين أبناء الأمة العربية من قاصيها إلى دانيها.

أكثر من خمس وثلاثين عاماً من التطبيع الإسرائيلي مع مصر، ولا نرى أبناء الشعب المصري، يتهافتون لشراء تلك البضائع، هذا الرفض للوجود الإسرائيلي ناجم عن شعور أبناء الوطن العربي، بانتمائهم إلى أمة واحدة، ذات مصالح موحدة متكاملة، ووجود الحدود التي تمزقهم إلى قطع صغيرة، لا تمنع هذا الانتماء النفسي للأمة.

تدرك إسرائيل ذلك تماماً، وتعلم أن ضمان وجودها لمئات السنين، بحاجة لجدران عديدة وسميكة، تحيطها حتى تُبعد تأثير هذا الرفض العارم من الشعوب العربية لوجودها، وتحوله إلى قوة حقيقية، واقتصادية وسياسية وعسكرية، بناء الجدار الفاصل بالضفة الغربية، أو على الحدود مع الاردن أو حفر الخنادق مع لبنان، وبناء الأسوار مع مصر وسوريا، هو تعبير مادي مباشر عن هذا الخوف.

الجدران الحقيقية التي بنتها إسرائيل، والوحيدة ذات الفعالية والتأثير، هي تلك التي صنعتها بيننا، وفي معظم الأحيان بأيادينا. فكان أول جدار هو التجزئة العربية، والتي تقطع أوصال الأمة، وتمنع تطورها الاقتصادي والحضاري، هذا الجدار بنته الدول الراعية لإسرائيل، وبدأت بإقامته منذ عشرينات القرن الماضي.

الجدار الثاني هي أنظمة الاستبداد، التي تقمع أي تحرك شعبي ضد التجزئة، والعمل باتجاه الوحدة، فهي تُجاهد لإزالة المناعة الطبيعية للشعوب العربية نحو الوجود الإسرائيلي على أرض فلسطين، فتارة تفتح الأسواق لبضائعها، وتارة تتبادل الزيارات، وأخرى تقوم بالتحالف معها، وحديثاً “تهذيب” مناهجنا الدراسية لحذف كل المضادات الحيوية الطبيعية من عقول أطفالنا.

الجدار الثالث هو ترعرع الطائفية داخل وخارج دولنا، فلم نبق سوريون، لبنانيون أو عراقيون، بل أصبحنا شيعة وسنة ويزيديين وعلويين وما إليه. هذا الجدار الأخير، يحول كل شعوبنا إلى مجموعات متناحرة متقاتلة، أخرجنا من المفهوم الحضاري الإنساني المعاصر، الذي كنا نتوق إليه. الإنسان في هذه الطوائف لم يعد له رأي أو شأن، بل أصبح أداة في أيدي المتسلطين عليه باسم الدين أو الطائفة، حقوقه مهضومة تحت شعار “الدفاع عن الطائفة والموت من أجلها”، وهنا حل فكر القطيع مكان فكر المواطنة.

الجدار الرابع هو التغلغل الفكري السلفي الغيبي، الذي ينفي أي حق أو استقلالية للفكر البشري، ويحولنا بذلك إلى أدوات سهلة الاستعمال، يمكن تفجيرها بعمليات انتحارية إذا اقتضى الأمر، أو يدفعنا لقتال من نعتبرهم كفاراً وأعداء الله، حتى لو كانوا أبناء الوطن نفسه, ويحول الانسان الى وسيلة عسكرية بدل ان يكون هدف كل شيئ.

هذه الجدران كلها، تحمي إسرائيل من النهضة العربية، وعودة الأمة إلى رشدها وانتمائها المشترك. وقد ادرك مفكرو الصهيونية، أن وجود إسرائيل كوجود نظام الفصل العنصري بجنوب إفريقيا، لا يمكن أن يعيش في جو ديمقراطي حضاري إنساني، حيث يتعايش الإنسان مع أخيه الإنسان، مهما كان لونه ودينه وعرقه، له نفس الحقوق ونفس الواجبات. يدرك هؤلاء المفكرون، أن انطلاقة شرارة الربيع العربي من تونس، قد حركت مارداً يجب القضاء عليه قبل أن يستيقظ كلية وبشكل كامل.

للأسف فهذه الجدران، من صنع أياد عربية، وبغفلة من شعوبها، وخصوصاً بغفلة أو حتى سكوتا من مفكريها، إن لم نقل في أكثر الأحيان، تقاعسهم عن دق ناقوس الخطر، فنحن لا نرى إلا من يكتب ويغرد ضد الربيع العربي، ولبقاء أنظمة التجزئة والاستبداد، والذين تحت وهم الحفاظ على السلم الاجتماعي، الذي دمرته الأنظمة، يحاولون أن يقنعوننا بالعودة إلى بيت الطاعة.

حان لأبناء الربيع العربي، في كل مدن وعواصم العرب، أن يستيقظوا من جديد، ليؤكدوا للعالم أننا لسنا بناة جدران الانعزال عن بعضنا البعض وعن الآخرين، بل دعاة للانفتاح والانضمام من جديد لكوكبة الحضارة. بهذا نكون قد بدأنا بناء أنفسنا، وأفسدنا على إسرائيل ومفكريها خططهم القديمة/الجديدة، لبناء مزيد من الجدران ومزيدا من الخنادق.

  غزة بين حق البقاء وحد الواجبات الملحة

24/07/2015الواجبات الملحة

وحدّ الواجبات الملحة

غزة بين حق البقاء

د. نزار بدران

تحل الذكرى الأولى للحرب العدوانية الإسرائيلية ضد قطاع غزة صيف العام الماضي، في وقت ما زال سكانه يعانون الأمرين؛ بعيدا من أمل الإعمار، والحد الأدنى من العيش الكريم. بينما انتصرت المقاومة بصدها للهجوم الإسرائيلي، وإفشال أهدافه بتدميرها أو استسلامها، ولكنها لم تتمكن من تحقيق أهدافها برفع الحصار، أو دفع العالم للتنديد به، والضغط باتجاه رفعه؛ لا من الغريب ولا من القريب، ولا حتى من أقرب المقربين. بل وزادت مصر إمعانا بحصار القطاع، وتدمير الأنفاق، في تنسيق واضح ومُعلن، وإن لم يكن مباشرا مع العدو الإسرائيلي.

نُدرك تماماً مصلحة إسرائيل في خنق القطاع، وندرك كذلك سكوت دول عديدة غربية على ذلك، تحت ضغط اللوبي الصهيوني، وقد نُدرك قليلاً مصلحة النظام المصري بالتواطؤ؛ فهو يقوم بالدور المُناط به، موضوعيا، وبتوجه واع ومدرك من قبله بالتواطؤ مع الساسة الإسرائيليين وداعميهم الغربيين ثمناً لدعم بقائه، واستمراره في خنق الربيع العربي.

ما ندركه ولا نفهمه، هو مصلحة الفلسطينيين بالاختلاف والاقتتال منذ سنوات، فالمنطق يذهب باتجاه التوحد أمام الاعتداء والحصار، وهو ما لا يحدث. فمنذ البداية كان مطلب الشعب الفلسطيني يتركز حول توحيد الصف، ولكن لا من مُجيب.

السؤال الذي لا يطرحه أحد؛ هو عن أهلية الطبقة السياسية الفلسطينية بكل أطرافها، لقيادة الحركة الوطنية الفلسطينية. فنحن الوحيدون وسط عالم النضال من أجل التحرر، الذي له برنامج سياسي وقيادات لا تتغير منذ عشرات السنين، وحدنا في العالم ما زلنا نبحث عن الاستقلال الوطني، في وقت نجح وينجح الآخرون في نيل الحرية والاستقلال وبناء أوطانهم.

قد يُخطىء الإنسان أو الحركة السياسية، مرة أو مرتين أو حتى ثلاثة، ولكنها في الأساس ينبغي لها أن تمتلك من الآليات ما يجعلها تصحح أخطاءها، أو تنجح في أحايين كثيرة، أما أن لا نرى إلا مجرد مسلسل أخطاء وكوارث، ولا نطرح السؤال الوجودي عن سبب ذلك، الكامن فينا نحن، وليس دائماً بسبب مؤامرات الآخرين، وقُدرة إسرائيل على حشد الدعم لصالحها، وتواطؤ الغير المُزمن معها، هذا منطق لا يستقيم وواقع الأمور على الدوام. لذا لا يكفي أن ترفع حركة أو حزب سياسي شعارات، وتضع سياسات، بدون أن تحدد سبل ووسائل تحقيق تلك السياسات والشعارات، وإلا أصبح ذلك لُغواً وخداعاً للناس.

النظام السياسي الفلسطيني للأسف وبكل أعمدته؛ بالضفة أو قطاع غزة، أو حتى بالخارج؛ وضع نفسه في موقع المغلوب على أمره، وأفقد نفسه مقومات وجوده المستقل، الأمر الذي يستوجب العودة إلى استقلالية قراره السياسي، بعيدا عن تدخلات إقليمية ودولية، لا تعرف ولا تريد أن تخدم سوى مصالحها.

إن استعادة استقلالية القرار السياسي والسيادي، تحتم أولا التأكيد على أهمية الاستقواء بالشعب الفلسطيني، وذلك عبر انتخابات حرة ونزيهة، والتي على ما يبدو تم نسيانها تماماً. واستعمال أسلوب الاستفتاء عند الحاجة، كما فعل رئيس الحكومة اليونانية مؤخراً في مواجهة أوروبا، وهذا ما لم نفعله أو نقدم عليه أبداً، خاصة وأن لنا مبررات مصيرية، هي بالقياس ربما تبدو أكثر أهمية من الأزمة الاقتصادية اليونانية، مثل أهمية الصراع والتناحر مع الاحتلال، ومآلات اتفاقيات أوسلو، أو اتفاقيات المصالحة الوطنية والتي وُقعت عدة مرات. وهذا ما يستوجب العودة للرأي العام الفلسطيني لطرح أي حل لمشكلة اللاجئين وحقهم الراسخ بالعودة إلى قراهم ومدنهم وحقولهم.

وثانياً بناء مقومات وجود اقتصاد وطني مستقل، يبتعد تدريجيا عن الارتباط مع الاحتلال، وليس فقط الاعتماد على دعم الداعمين الأجانب بشروطهم، وبناءً على أجندتهم ومصالحهم. وذلك عبر العمل على إقامة قواعد اقتصاد إنتاجي صناعي وزراعي، بدل اقتصاد الإستيراد لكل شيء، وتحويل الدعم المادي المقدم من الغرب بشكل عام إلى البنية التحتية الانتاجية، وليس فقط لدفع معاشات الموظفين وشراء السلع المستوردة.

وثالثاً العمل لوضع مقومات حماية هذا القرار السياسي، المُدعوم والمحصّن شعبياً واقتصاديا، وذلك عبر توجه برنامجي عماده تطوير مقاومة الاحتلال، وعزله عالمياً، وإظهار الفكر الصهيوني كفكر عنصري، وإسرائيل كدولة أبارتهايد. كذلك دعم كل الحركات الفلسطينية والعربية والعالمية العاملة بجهد لمقاطعة إسرائيل اقتصادياً وعلمياً، وهو ما بدأ يعطي ثماره حالياً بالغرب، وبدأ بزعزعة “التلاصق” الفكري والاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي وأمريكا, ونحن في أوروبا بدأنا نشعر بتضامن شعوبها معنا بشكل واسع.

على أن حماية القرار السياسي، تتم أيضاً عن طريق إعادة القضية الفلسطينية إلى حضن الأمة، وذلك بالتضامن مع كل حركات وحراكات الشعوب العربية التواقة للحرية والعدالة، وليس الإنجرار وراء أنظمة الاستبداد، كما فعلنا طوال الستين عاما الماضية. فهذه الأنظمة التي تُدمر مدنا على رؤوس سكانها، لا يمكن أن يُعول عليها لحماية الشعب الفلسطيني واستعادة حقوقه.

إن مراقبة الأحداث الجارية حولنا، والمُتغيرات السريعة والمتلاحقة، تفرض على شبابنا وطبقتنا المثقفة أن تبدأ بطرح وضع الحقوق الأساسية للإنسان الفلسطيني في المرتبة الأولى، قبل أي حق أخر: الحق بالعيش الكريم، الحق بالتنقل والعمل داخل وخارج وطنه، حق اللاجئين بالعودة إلى قراهم ومدنهم والعمل والتنقل في أماكن وجودهم الحالية، مع الاحتفاظ بحقوقهم المدنية المُتعارف عليها دولياً، والحق في التملك والبناء والتوريث، (وبشكل خاص بالنسبة للاجئي لبنان)، وحق المواطن الفلسطيني بانتخاب ممثليه، والحق في رفض العيش في أُطر فصل عنصري، والحق بالخروج والدخول إلى قطاع غزة والضفة ومخيمات اللاجئين، والحق بالحماية للمدنيين العزل في سوريا وفلسطين وغيرهما ومتابعة المجرمين. والحق في التعليم والصحة، وكل ما له علاقة بالحقوق الإنسانية الطبيعية, وليس تلك السياسية المُسجلة بلوائح القوانين الدولية، وهي مما ليست في حاجة إلى معاهدات جديدة، ولكنها في حاجة لمن يرفعها ويُدافع عنها بجدارة؛ ونموذج نلسون مانديلا بجنوب أفريقيا، أكبر دليل على نجاعة ذلك.

نأمل أن تكون هذه الذكرى هي الأخيرة لحصار أهلنا في غزة، وتعرضهم في شكل دوري للاعتداء والقتل والتدمير، ولن يتم ذلك إلا إذا استفاقت عقولنا، واتجهنا نحو الحفاظ على قيم الوحدة والحرية، والنضال من أجلهما.

طبيب عربي مقيم في فرنسا