بين حرية الصحافة وصحافة الحرية

 

بين حرية الصحافة وصحافة الحرية

د. نزار بدران*

أن تكون صحفيا أو أن تكون كاتبا، هذا يحملك تجاه الآخرين بعض المسؤولية, فمهنة الصحافة تهدف اولا لإعلام الناس بالحدث والتعليق عليه بموضوعية، وذلك تحت شعار “الخبر مقدس والتعليق حر” .

لكن ما نلاحظه اليوم بالصحافة، التي تعتبر نفسها بعيدة عن تأثير السلطة ولو جغرافيا؛ أن نقل الخبر يصطدم بانتقائية، حتى لا نزعج او نقلق بعض الحكام أو السياسات، بينما الواجب هو إخبار القارئ أاولا وأخيرا. القارئ له الحق الأكيد بمعرفة الحدث، ومعرفة ما يفعله هؤلاء الحكام, والصحافة بدورها هي الوسيط بين الحدث أو صاحب الحدث والمواطن القارئ.

نقد السلطة وليس مدحها، هو دور الصحافة الحرة الأول، مهما كانت السلطة، فالحكم له وسائله الخاصة الضخمة لعمله الدعائي.

أقول ذلك لأن الموقف التركي الأخير والاتفاق مع إسرائيل، والذي أدى الى استقالة رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو احتجاجا, لم يجد عند معظم الكتاب والصحفيين الذين قرأتهم بالصحافة المحلية أو المهاجرة إلا تصفيقا وتطبيلا, وكأننا حررنا القدس أو وضعنا أنفسنا على هذا النهج. نفس هؤلاء كانوا قد ملأوا الدنيا صراخا بعد انقلاب عبد الفتاح السيسي، وكانوا طبعا على حق.

هؤلاء المطبلون لاتجاه سياسي معين، نراهم دائما يدافعون عن السلطة التي تمثل هذا الأتجاه مهما انحرفت وعملت, ونحن لا ننسى المثقفين والكتاب المشاهير الذين كنا نراهم على قناة الجزيرة وغيرها، وهم يدفعون باتجاه إنجاح الثورة المصرية الديمقراطية ضد مبارك، وطبعا كانوا على حق، ولكنهم انقلبوا عليها تماما عندما وصل للسلطة اتجاه سياسي ظنوا أنه أقرب إليهم فكريا، ما قد يتيح لهم سرعة إشراكهم بالسلطة وحيازتهم امتيازات المناصب العليا, والأسماء اللامعة كثيرة في هذا المجال, متناسين كل ما اعلنوه من حب وغرام بالديمقراطية واحترام نتائج الانتخابات.

الآخرون الداعمون للتوجه الإسلاموي، كانوا على صواب عندما اعتبروا التغيير السياسي بمصر انقلابا وضربة للثورة والديمقراطية, ولكنهم لم يقولوا شيئا عندما بدأ حليفهم التركي بالابتعاد عن الديمقراطية وزج معارضيه بالسجون وملاحقة رفاقَهم الصحفيين وإعلان الحرب على الأكراد. واليوم يا للهول لا يجدوا شيئا يقولونه عندما انقلبت السياسة التركية رأسا على عقب, حتى الطرف المتضرر الأول والذي يدير غزة حاليا بارك هذا الاتجاه، مكتفيا بطبق من المساعدات الإنسانية التركية، والتي لن تمر إلا برضى اسرائيل.

ولو عدنا الى الخلف قليلا، عندما انعقد مؤتمر باريس الدولي للمناخ في نهاية عام 2015, مر هذا الحدث الهام تقريبا بدون تعليق، وكأنه لا يهمنا أبدا، مع أننا من أكثر المتضررين من التغيير المناخي, وذلك فقط لمراعاة المواقف السعودية والخليجية المناهضة للحد من استعمال البترول. هذا الحدث كان يجب أن يبلغ لملايين الناس، لأن الخبراء بما فيهم العرب، ينبؤوننا بأن الأجواء المناخية بمنطقة الخليج، ستصبح كارثية، في أواسط القرن الواحد والعشرين, لا سيما في تلك البلدان التي رفضت تقديم أي مقترحات والتزامات كباقي دول العالم (باستثناء الأمارات العربية المتحدة) وحاولت إعاقته.

جيوب حكام النفط أهم من مستقبل المواطن العربي الخليجي ومستقبل ابنائه. أدعو القارئ الخليجي والعربي للبحث بنفسه عن ما سيحل به في مستقبل الأيام، ليتأكد من هذه المعلومات. وفي نهاية المطاف سيعلم المواطن والقارئ بالحقائق، ففي هذا الزمن لا يستطيع أحد منع الناس من الإطلاع والمعرفة، ونحن في عالم مفتوح على الجميع وبكل الوسائل.

نأمل من صحفيينا بكل وسائل الإعلام المقروءة أو المسموعة أو المرئية، أن ينظروا ولو قليلا خارج الأطر والمربعات الأيديولوجية والأمنية التي تضعهم بها الأنظمة، فواجبهم الصحفي هو الإعلام الأمين, فهم كالطبيب أمام مريضه لا يحق له أن يخفي تشخيصه وحقيقة وضعه، وما حصل عليه من معلومات، وإلا أرسل به الى التهلكة.

الإعلانات

إسرائيل تنجح في استعادة تحالفات الماضي

تموز 2016

 

إسرائيل تنجح في استعادة تحالفات الماضي

د. نزار بدران

فجّر انطلاق الثورات العربية السلمية، أو ما أطلق عليه “الربيع العربي”، من تونس قبل أكثر من خمس سنوات، تداعيات خطيرة وعديدة، بكافة الأقطار العربية بدون استثناء. عنف الرد على هذا الحراك السلمي، كما حدث بمصر أو ما نرى بسوريا واليمن، من تقتيل وتهجير وتدمير، بفعل الأنظمة، يدل على عمق هذا الحراك الديمقراطي السلمي، فالربيع العربي لم يرفع أبداً، شعارات التطرف الديني أو العنف السياسي، بل هي الأنظمة على اختلاف تحالفاتها، من دفع وأوجد كل هذا الإرهاب والعنف، من أجل منع أو تأخير؛ قدر الإمكان، انتصار ثورات الشعوب العربية المُنتظر.

رغم عنف وبشاعة المشهد العام، فإن عمق الأمة وحراكها التاريخي نحو الانعتاق، يبقى هو الأقوى، لأنه لا يعبر عن حدث أو رد فعل، وإنما عن تغيير تدريجي منذ عشرات السنين، على المستوى الاجتماعي والديموغرافي، مع تغيير عميق في تركيبة المجتمع العربي، خصوصاً فئة الشباب التي تريد الانضمام لموجة التحرر العام بالعالم، وما انطلاقة الربيع العربي، في لحظة معينة، إلا ترجمة ظاهرية لهذا التغيير الاجتماعي غير القابل للعودة إلى الوراء.

في هذا ألإطار نرى عودة التحالفات من كل حدب وصوب، للقضاء والالتفاف على هذا الحراك. حيث الحفاظ على إسرائيل وأمنها، هو السبب والمحرك الأساس للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، في حين أن بقاء أنظمة الاستبداد والتجزئة هو الكفيل ببقاء إسرائيل، أما انعتاق الشعوب وذهابها نحو الحرية والديمقراطية، فهو يشكل الخطر الوجودي على هذه الدولة، رغم قوتها، كما حدث لجنوب أفريقيا، بإنهاء نظام الفصل العنصري.

الناظر إلى التاريخ الحديث، يرى أن التحالفات الإقليمية وُجدت دائماً، لحصار الأمة العربية، المتطلعة إلى التقدم والانعتاق، كما حدث من التحالف الغربي العثماني ضد محمد علي باشا بمصر، في القرن التاسع عشر (1805-1848)، وكذلك التحالف الثلاثي ضد مصر بالخمسينات، بين فرنسا وبريطانيا وإسرائيل، وكذلك وهو ما يهمنا في هذه الأيام (التحالف الإيراني التركي الإسرائيلي) بالخمسينات والستينات ضد الرئيس جمال عبد الناصر وفكره الوحدوي.

الشرق الأوسط الجديد الذي يُطل برأسه علينا، هو برأيي إعادة إحياء هذا التحالف الثلاثي من جديد، بمباركة القوى ألعظمى لحصار أي مستقبل ديمقراطي للأمة العربية كما حدث دائماً.

هذا التحالف استوجب تغيير السياسات والأوضاع داخل إيران ومن ثم تركيا، فإيران قبلت بالتنازل عن أي مشروع قد يهدد أمن إسرائيل، وشرط إخراجها من الحصار الاقتصادي نهائياً، سيكون عودة الود الإسرائيلي، وسنرى ذلك في قادم الأيام. أما تركيا فهي تتجه للأسف في طريق مشابه، وسياسة أردوغان تتجه للتراجع عن المكاسب الديمقراطية لشعبه، وقمع الصحافة الحرة والمعارضة، والتراجع عن الانفتاح على المكون الكردي، ما يؤهل هذا النظام، للارتماء بالحضن الأمريكي الإسرائيلي كما نرى الآن. أما عودة التقارب والتحالف مع إسرائيل، فهو نتاج هذا الاتجاه الانفرادي بالسلطة، وغياب الرقابة الشعبية، ويُفسر استقالة رئيس الوزراء السابق، داوود أوغلو، الذي لم يرد على ما يظهر، أن يذهب في هذا الاتجاه.

الذين لا يريدون أن يعترفوا بعمق رغبة الأمة بالحرية وسيرورتها التاريخية نحوها، عليهم أن يروا كثافة القمع لهذه الشعوب، وتكالب الأعداء عليها من كل حدب وصوب، وعودة التحالفات العالمية والجهوية، وكأننا عدنا إلى زمن عبد الناصر أو محمد علي باشا. كل هذا هو دليل، على أن الربيع على هشاشة وروده وأزهاره،  أخاف هذه الفيلة الجبارة.

أملنا أن يعود الشعب التركي للمطالبة باستعادة الديمقراطية الكاملة، وأن يعود الشعب الإيراني للمطالبة بحقه بالانفتاح الديمقراطي، لأن هذه الشعوب هي بكل تأكيد، داعمة للشعب الفلسطيني والشعوب العربية، برغباتها وطموحاتها في الحرية والديمقراطية، وهي فقط التي ستتمكن من إفشال هذه التحالفات غير الطبيعية، وهي أملنا بنجاح التغيير القادم، في منطقتنا وفي العديد من الدول الإسلامية.

شروط أردوغان الثلاثة، لعودة العلاقة مع إسرائيل، لم يتحقق منها إلا شطرها المالي، أما رفع الحصار، فاستُبدل ببعض المساعدات الإنسانية. الاتفاق الإسرائيلي التركي، مع بقاء الحصار هو في الحقيقة انتصار للسياسة الإسرائيلية المبنية على حصار غزة ، لأنه يُشرعنها بشكل مباشر. وكان من الأفضل لنا ألا تضع تركيا أصلاً هذا الشرط، لأن التنازل عنه لا يعني العودة إلى الوضع السابق، وإنما القبول بالحصار كحقيقة مقبولة دولياً، ومن أقرب المقربين لحماس. فإسرائيل تُعلن على الملأ، أن الحصار البري والبحري سيستمر كما كان، وستراقب وتدقق كافة المساعدات التي ستقدمها الحكومة التركية.

العملية الإرهابية الأخيرة في مطار أتاتورك باسطنبول، ببشاعتها وعنفها، أدت إلى حجب الرؤية عن المواقف التركية الجديدة حيال الوضع الفلسطيني، والموافقة على الشروط الإسرائيلية، لعودة التنسيق الأمني والمخابراتي معها، وقد يكون الاعتذار لبوتين، عن إسقاط الطائرة الروسية، أحد هذه الشروط، بعدما رأينا خروج التحالف الإسرائيلي الروسي للعلن.

أما الداعمين للسياسة التركية من الكتاب والمثقفين والصحفيين، فهم كغيرهم، يهللون دوماً لنظام يدعمونه، مهما تقلب وتغير ومهما تغيرت وتطورت الأحداث, لا مكان عندهم للفكر والمراقبة المستقلة، فالعمى الإيديولوجي هو القاسم المشترك والأكبر في ما بينهم.