انتهاء ريادة النخبة الفلسطينية للفكر العربي

 

القدس العربي 16 شباط 2017

انتهاء ريادة النخبة الفلسطينية للفكر العربي

نزار بدران

قد يتفاجأ البعض بمواقف بعض المُفكرين الفلسطينيين، أو المسؤولين السياسيين، من الثورة السورية، وخصوصاً تلك الحركات التي كانت رمز الحرية والثورة بالعالم العربي.

الحدث السوري كان بالنسبة لجزء مهم من الفكر الفلسطيني بمثابة اسدال الستار عن الحلقة الاخيرة  من مسرحية استمرت لعقود كان فيها المفكر الفلسطيني رمز الامة للانعتاق والتحرر , لنجد بعضهم يلهثون تدريجيا وراء الانظمة التي كانت سبب نكبتنا وتبرر قمعها واجرامها بحق شعوب دولها.

استكمالاً لما كتبته سابقاً بشأن مواقف النخبة العربية، وعماها الإيديولوجي، الذي يمنعها من رؤية الأشياء كما هي ،فسنتطرق للوضع النخبوي الفلسطيني  والذي لم يكن احسن حالا.

إن مركزية القضية الفلسطينية تُحتم علينا أن نُحلل الموقف الفلسطيني من الأحداث العربية، وترابطهما الوثيق، فالشعب الفلسطيني مُهجر في كثير من دول الجوار، خصوصاً في سوريا ولبنان، وهو  واقع ضحية عنف جديد، يُضاف لعنف فقدان الوطن والعيش في الشتات.

الخصوصية الفلسطينية، والتي هي بقاء فلسطين تحت الاحتلال، قد تبرر المواقف الداعمة للنظام السوري، من عدد من المثقفين وجزء من عامة الناس، لأن الشعب الفلسطيني لم يُنه بعد، مرحلة التحرر الوطني. هل حقاً مواقف كهذه تُفيد القضية الفلسطينية، القضية المحورية للأمة العربية؟، وهل استطاع الفلسطينيون بالتصاقهم الدائم بمرحلة التحرر الوطني، الوصول إلى أي شكل حقيقي من الاستقلال الوطني؟، الحقيقة أن قطار التحرر الوطني في العالم قد فاتنا، وخصوصاً بعد تقزيم المطالب الوطنية من تحرير فلسطين وإقامة دولة العدالة الاجتماعية، المُسماة الدولة الفلسطينية الديمقراطية العلمانية، كما أُعلن في سنوات الستينات، إلى دويلة لا تتجاوز مساحتها، خمس فلسطين التاريخية، والاعتراف بسلب البقية الباقية، ونسيان حقوق اللاجئين.

لقد عمدت اتفاقيات أوسلو، إلى إنهاء حتى مفهوم هذه الدولة الصغيرة، والتي أُشبعت تقسيماً وتقطيعاً. ولم يحصد الفلسطينيون إلا اليأس ومجتمعا مجزءا بين تيارات وانتماءات ليس لها حقيقة علاقة بالمشروع الوطني الكبير، الذي وُضع في منتصف سنوات الستينات واستُشهد من أجله الآلاف.

عكس ذلك، أي الالتحاق بموجة التحرر، التي تلت سقوط الاتحاد السوفيتي، وانتهاء الحرب الباردة، وعمت مناطق شاسعة من العالم، قد تُقرب لنا مشروع التحرر الأصلي، أي بناء صرح دولة على كامل فلسطين وعودة اللاجئين. لهذا ليس من الضروري، أن يتناقض البعد الوطني والتحرر من المُستعمر، مع البُعد الاجتماعي والمطالبة بالحرية. ليس لذلك التناقض مبرر تاريخي حالياً، بعد نهاية الحرب الباردة، وسقوط مرجعية الفكر الاستبدادي، الذي كان يمثله الاتحاد السوفيتي، والدول الشيوعية الدائرة في فلكه، بل على العكس لن يكون لنا مشروع تحرري فاعل، إن تغاضينا، كما نفعل الآن، عن البعد الحقوقي والاجتماعي للشعب الفلسطيني.

لم يعد ممكناً أن نستمر، بتفسير اضطهاد الفلسطينيين في لبنان مثلاً، وسلبهم حقوقهم الإنسانية الأساسية، بالعمل والتملك، تحت حجة حماية القضية الفلسطينية، وكأن سلب حقوق الناس الاجتماعية، تضمن لهم حقوقهم الوطنية.

الشعب الفلسطيني، وخصوصاً المفكرين وقادة الرأي، عليهم النظر بتمعن إزاء هذه الازدواجية: الحرية والتحرر، فهما بالنسبة للشعب الفلسطيني، رديفان لنفس الهدف. أما  الابتعاد عن مفهوم دعم الأنظمة العربية الديكتاتورية، كما نرى للأسف بسورية، تحت حُجة تحرير فلسطين (وهو ما يعني فقط إقامة دولة على جزء صغير من فلسطين ومع سيادة ناقصة) لا يُقربنا، من مفهوم الجمع بين الحرية والتحرر.

لم يقبل نيلسون مانديلا بجنوب أفريقيا، بفصل هذين البعدين، وأصر على إقامة دولة واحدة، يحكمها القانون، وهو ما وصل إليه، بدل الجري وراء سراب تقسيم جنوب أفريقيا، بين السود الأغلبية والبيض الأقلية. علينا بفلسطين إذاً، وخصوصاً الذين يدعون المعرفة وقيادة الرأي العام، أو السياسيين من قادة الحركة السياسية، أن نبدأ بالسير نحو هذا النموذج، والالتحاق بمبادىء الربيع العربي. فشباب هذا الربيع، يمثلون حقاً مستقبل الأمة وحقها بالنهوض، بعد أكثر من مئة عام على التغييب.

إن مساندة الشعب السوري، في نضاله للحصول على حريته، هو وسيلتنا كذلك في فلسطين، للحصول على حريتنا وتحررنا في نفس الوقت. فماذا أفاد الشعب الفلسطيني السكوت عن النظام السوري عام 1982، عندما دمر مدينة حماة، وقتل أكثر من 30 ألف مواطن، وفي وقت حاصر طرابلس، وطرد الثورة الفلسطينية، كما أرادت إسرائيل وأمريكا خارجاً.

إن الالتحاق بموكب الربيع العربي، لن يكون عن طريق أطراف السلطة بكل أشكالها (بالضفة أو غزة أو بالخارج) ولا عن طريق المنظمات الفلسطينية المعارضة، لأنهم لم يستطيعوا الخروج من المعادلة الأولى للقرن الماضي وهي التحرر من الاستعمار، ولم يدخلوا إلى المعادلة الثانية وهي التحرر من الاستبداد، التي عمت العالم، أو لم يروها. هذا الالتحاق لن يتم إلا عن طريق شباب الشعب الفلسطيني، والذي عليه مهمة اللحاق بشباب الأمة، ورفع شعارات تتلاءم مع طبيعة المرحلة الجديدة. هذا الشباب عليه ان يفرز الفكر الفلسطيني التحرري ويضع أسس حراك وطني فلسطيني يكون مرتبطا بالمرحلة التاريخية الجديدة التي يعيشها العالم العربي وفلسطين.

لم تعد البرامج السياسية التي وضعتها الحركة الوطنية الفلسطينية بكل اطيافها خلال سنوات الستينات وحتى الثمانينات، قادرة على تجميع الجهد الفلسطيني او العربي, بل فشلت بذلك فشلا ذريعا. أما الشباب الفلسطيني وعبر ارتباطه بالحراك العربي والذي هو بدوره جزء من صورة العالم الجديدة في جانبها المضيئ, تحتم العمل من أجل مجتمعات تحكمها مصالح الشعوب ولا تهمش احدا.

الربيع العربي في بداياته عام 2011 كان نموذجا لحراك عالمي شبابي انتشر بشكل واسع، خصوصا بالدول الاوروبية من ايطاليا لاسبانيا وحتى امريكا وغيرها, تحت تسمية الحركات البديلة مبني على مفهوم الديمقراطية وحقوق الانسان. يستطيع الشباب الفلسطيني بدوره ان يكون نموذجا لهذا الفكر, وان لم يقم بهذا الدور فلن يقوم به احد.

إن الذين يدعمون النظام السوري وحماته الروس، ويعلنون رفضهم لمبادىء الربيع العربي، يسيرون عكس اتجاه التاريخ، ومكتوب عليهم الفشل، بعد أن خذلوا الشعب الذي احتضن الفلسطينيين، وكأنهم جزء منه، ولا ننسى أن الشهيد عز الدين القسام، قائد أول ثورة فلسطينية، كان سورياً من قرية جبلة قرب حلب، واستشهد على أرض فلسطين بقرية يعبد، وكان وما زال شيخ المجاهدين بفلسطين.

 

الإعلانات

دونالد ترامب العودة إلى القرن التاسع عشر أم الذهاب المستقبل؟

الوان عربية 16 شباط 2017

دونالد ترامب

العودة إلى القرن التاسع عشر أم الذهاب للمستقبل؟

نزار بدران

أكدت الانتخابات الأمريكية الأخيرة، مع وصول دونالد ترامب للسلطة، عن تغيير كبير متوقع بالسياسة الأمريكية، على كل الأصعدة، الداخلية والخارجية والاقتصادية. فالإدارة الأمريكية الحالية، في صدد وضع تصور، ليس فقط لعلاقاتها بالدول الأخرى، وإنما أيضاً بفلسفة للعلاقات الدولية، مبنية على أسس جديدة.

من الواضح أن التيار “الفكري” الذي يمثله ترامب ليس أمريكياً بحتاً، وإنما بدأت مظاهره الأولى، تلوح منذ بضع سنوات، كخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، باستفتاء حزيران 2016، وانتشار الفكر اليميني المتطرف ووصوله إلى سدة السلطة في بلغاريا وحتى في بولونيا. كما في وصول الرئيس بوتين وما يمثله من فكر قومي يميني بروسيا، ونتائج ذلك على دول مثل أوكرانيا وسوريا، كل هذه الأمثلة وغيرها عديدة، توحي بأننا قد عُدنا للقرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. في ذلك الزمن، كان يُهيمن على أوروبا، قوى عُظمى مُتصارعة ومُتناحرة، كل يُدافع عن مصالحه، بدون أدنى التفات إلى مصالح الآخرين وحقوقهم. حروب أوروبا الدموية، كانت نتاج ذلك الوضع، والذي انعكس في وقته  على كل العالم.

انتهت هذه الفترة، مع نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما أخذت هذه القوى في حسبانها  مفاهيم جديدة للحد من الصراع بينها، وتمثل ذلك بوضع أُسس المنظمات الدولية والقوانين المتعدية للحدود الوطنية، مثل منظمة الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وما تولد عنها من مؤسسات دولية عديدة، مثل مجلس حقوق الإنسان ومنظمات رعاية الطفولة والمحاكم الدولية، وما إلى ذلك. نجحت هذه الوضعية الجديدة، بإنهاء الحروب في أوروبا، والعالم الغربي عموماً، ووضع أُسس الاتحاد الأوروبي، ولكن ذلك لم يُنه الصراع بالعالم، وهو ما تمثل بالحرب الباردة، بين الاتحاد السوفيتي والغرب.

انهيار حلف وارسو، وسقوط جدار برلين، واختفاء الاتحاد السوفيتي في تسعينيات  القرن الماضي، أسس لمرحلة اخرى جديدة، وهي دخول باقي دول العالم المهمشة خلال مرحلة الحرب الباردة الى عالم العلاقات الدولية، الذي كان حكراً لدول معينة، فنحن رأينا سقوط العديد من الأنظمة الاستبدادية والديكتاتورية، مثال ذلك البرازيل، ودول عديدة بأمريكا اللاتينية، وكذلك دول أوروبا ألشرقية وجنوب أفريقيا وإنهاء الفصل العنصري.

أحد المعالم المهمة لهذه المرحلة، ما بعد انتهاء الحرب الباردة، هو العولمة الاقتصادية، ووصول دول عديدة لعالم التجارة، والتنافس العالمي، بحظوظ وإمكانيات متفاوتة، مثل كوريا الجنوبية ودول عديدة أخرى في جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وتركيا، والانتعاش الاقتصادي الواسع بأفريقيا.

في القرن التاسع عشر، كان الصراع المبني على القومية، بدون أي اعتبار لمصالح الآخرين، سيد الموقف وسمة العصر. وفي القرن العشرين، انتقلنا إلى مفهوم التعاون الإقليمي، خصوصاً في دول الغرب، أو مجموعة الدول الدائرة في فلك الاتحاد السوفيتي، وأخيراً وبعد انتهاء الحرب الباردة، إلى عولمة العلاقات الدولية والاقتصاد والتجارة.

ماذا يفعل إذن السيد ترامب، هل يريد أن يُعيدنا إلى القرن التاسع عشر، والصراعات التي لم تُؤد إلا إلى الدمار، عن طريق تأجيج القوميات والمصالح الضيقة للدول. أم أن ذلك هو فقط لاستشعار الولايات المُتحدة، بإنتهاء دورها التاريخي، كقوة مُهيمنة وحيدة، منذ حوالي ثلاثين عاماً، بعدما تقاسمت العالم مع الاتحاد السوفيتي لعشرات السنين. فسياسة الانفتاح العالمي، وعولمة الاقتصاد والحد من العوائق الجمركية، والتطور المعرفي والرقمي والتكنولوجي، وانتهاء الحرب الباردة، كل هذا أدى إلى ظهور قوى عالمية جديدة مهمة، على رأسها الصين واقتصادها الأول بالعالم، وإلى جانبها الهند بملياراتهما السكانية.

الاقتصاد الأمريكي، بنى نفسه على قوة إنتاجية جبارة، ولكن أيضاً، وهذه خصوصية أمريكا وجوهر قوتها، على قوة استهلاكية أكثر عظمة، فالشعب الأمريكي هو أكبر المستهلكين، وهو ما سمح بتطور الصناعة الصينية، عندما فُتحت أمامها الأسواق الأمريكية. الصين هي الشريك الأول التجاري للولايات المتحدة، حيث بلغت صادراتها لهذا البلد عام 2015، أكثر من 357 مليار دولار.

أعلن ترامب مؤخراً، أنه يريد إعادة النظر، بالاتفاقيات التي تجمعه مع كندا والمكسيك، وكذلك دول شرق آسيا، فلنعلم أنه يستطيع أن يفرض ما يشاء، فكندا تُصدر أكثر من 75% من إنتاجها لأمريكا، والمكسيك حوالي 80%. القوة الاستهلاكية الأمريكية، وليس القوة الإنتاجية، إذن هي مُبرر هذه العنجهية، فنحن جميعاً، دولاً صغيرة أو كبيرة، بحاجة لأمريكا، لأنها أكبر سوق استهلاكي بالعالم.

ولهذا يمكن القول أن الرئيس الامريكي، يفتتح الأن مرحلة جديدة، وليس العودة إلى القرن التاسع عشر، وهي مرحلة دخول أمريكا إلى زمن العُزلة والإنكفاء على النفس، مُعتمدة على قوتها الإنتاجية والإستهلاكية في نفس الوقت، وفرض شروطها على الآخرين.

لذلك ينبغي على الصين والدول الناشئة الأخرى، أن تنتبه إلى أهمية السوق الاستهلاكي الداخلي، لحماية اقتصادها ونفسها، وإذا ما أُغلقت السوق الأمريكية أمام الصين، فلن تتمكن من استبداله بالأسواق الإفريقية أو دول العالم الثالث او روسيا، فهذه كلها ذات قوة استهلاكية ضعيفة.

لن تتمكن الدول الناشئة مثل الصين والبرازيل، من تطوير السوق الداخلي، إلا من طريق تحسين علاقاتها الاجتماعية، وذلك بالتوزيع العادل للثروة، وليس عبر تمركزها بأيدي قلة قليلة من فئات طبقية فاسدة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى حصول الطبقة العاملة على حقوقها، بالعمل والصحة والتطوير المهني والحقوق النقابية، وخصوصاً الدخل اللائق المناسب لجهدها الجبار، وذلك ما سيُمكن دولة مثل الصين أو الهند من التحول إلى منافس حقيقي للولايات المُتحدة، عندما يتولد لديها ذاك الجمهور الاستهلاكي الواسع، الذي يستطيع امتصاص انتاجهما الضخم.

ليست العدالة الاجتماعية في هذه الدول، ترفاً فكرياً، وإنما ضرورة للبقاء في عالم ترامب الجديد، المبني على القوة، والقوة في هذه الأيام هي للمُستهلك القادر وليس للمُنتج ققط.