توقعات نهاية الحرب في اوكرانيا. القدس العربي 19/5/2022

توقعات نهاية الحرب في اوكرانيا

د. نزار بدران

هل من إمكانية لتوقع كيفية إنتهاء الحرب الروسية على أوكرانيا، والتي يبدو أنها ستطول كثيراً. يوحي الوضع الحالي، والتصريحات الرسمية، للمسؤولين الروس، أنهم رغم إنهاك جيشهم وخسائره الكبيرة، مصرون على الاستمرار حتى ولو اضطروا إلى استعمال الوسائل النووية، وما تحمل من نتائج كارثية على الإنسانية جمعاء وكوكب الأرض.

كيف لنا في هذه الغابة الشائكة، من الاحتمالات المتناقضة، أن نتوقع المستقبل، ولو القريب منه. هل الغرب على استعداد لدعم أوكرانيا إلى ما لا نهاية، وهل الصين ستبقى على موقفها المتفرج، البعيد حقيقة عن التحالف مع روسيا. لا نرى حتى اللحظة، إلا زيارات رؤساء ومسؤولي الدول الغربية إلى كييف، وإعلان جزء كبير منهم، عن النية لإيقاف بوتين وفرض الهزيمة الكاملة عليه. هل هذا حقاً موقف استراتيجي، أم تكتيكي، في انتظار عودة الخطاب الروسي إلى نبرة أقل حدية. ما أظنه شخصياً مربط الفرس، في هذه التوقعات، هو تحديد طبيعة النظام الروسي، فهي من سيُحدد مدى استعداد الجيش الروسي، السير بالحرب رغم الصعاب أو التوقف. 

الأنظمة السياسية المستبدة، والتي ينتمي إليها بوتين، (رغم انتخاباته المشوهة، حيث لا وجود لأي معارض)، ليس لها جميعا نفس اللون. هناك بتقديري على الأقل ثلاثة أنواع؛ الأول ذلك الذي يتبع مبدأ العقد الاجتماعي، على طريقة توماس هوبز. أي تخلي الناس عن حريتهم بإرادتهم لصالح النظام المُستبد، مقابل تأمين هذا النظام لهم الأمن والسلام والازدهار. هدفه الأساسي، إنهاء الصراعات الداخلية. هذا النموذج ينطبق على الصين، فهو ينطلق دائماً من مصلحة الشعب والدولة الصينية، من منظار المستولين على السلطة. فرغم مذابح تينن من، عام 1989، وقمع المعارضة، إلا أن الصين تؤمن لمواطنيها السلم والأمن والتقدم المستمر.

النموذج الثاني، هو الأنظمة العقائدية، وهي شديدة الخطورة، لأنها لا تبحث عن حماية الدولة والشعب وتأمين الحياة الكريمة، وإنما إلى انتصار فكر عقائدي معين. مثال ذلك الاتحاد السوفيتي سابقاً، أو كمبوديا بول بوت، أو حديثاً، الأنظمة الدينية كما نرى في إيران أو أفغانستان. المهم هو تطبيق ما يظنونه أفكار ماركس هنا، أو الشريعة هناك، رغم كل ما تؤدي إلى تناقض مع مصالح الشعب بالأمن والسلام والحياة الكريمة.

النموذج الثالث، هو ذلك النظام المافيوي، المبني على استيلاء مجموعة من أصحاب النفوذ على السلطة، لصالحهم الخاص فقط، دون اي اعتبار لأي عقيدة أو أي مصلحة وطنية. هدفهم الوحيد هو الاستحواذ على موقع القرار، وما الدولة والشعب، إلا وسائل لتحقيق هذه المصلحة، دون أي اعتبار للأمن والسلم الداخلي، أو ازدهار البلاد وتطورها. هذا للأسف، يُعبر عن الأوضاع في كثير من الدول العربية، خصوصاً ذات الثروات المعدنية أو النفطية، والتي لا يهم السلطة فيها، إلا سرقة هذه الثروات لصالح المسؤولين فقط. وهو ما يُؤدي إلى إفقار المواطن وإضعاف الوطن، مقابل زيادة غناء أهل السلطة وعملائها.

من هذا المنظار، كيف لنا أن نصنف نظام بوتين. هل هو عقائدي (كما كان مثلاً هتلر أو ستالين)؟. أم ينتمي إلى عائلة الدول ذات العقود الاجتماعية، حتى ولو كانت على طريقة هوبز. الناظر لبوتين ومن أين أتى، وما فعل منذ وصوله للحكم، بعد أن ورثة عن يلتسن، مقابل صفقة حماية له. يُلاحظ انتماء هذا الأخير، إلى العائلة الثالثة، أي الأنظمة المافاوية. هو لا يملك عقيدة سياسية معينة، ينتمي لأقصى اليمين وأقصى اليسار بنفس الوقت، وهو ما يُفسر دعم هؤلاء له في كل دول العالم، وتسميته بالرفيق عند بعضهم، رغم احتضانه من كل أحزاب وحكام اليمين المتطرف في العالم، كما نرى مع ترامب وبولسنارو ومارين لوبين. هو لم يؤمن للشعب الروسي الحد الأدنى من الحياة الكريمة، عندما نرى مدى تراجع القوة الشرائية للمواطن، وتخلف البلاد على كافة المستويات، بما فيها التغطية الصحية، والصناعة، رغم الدخل الهائل الناتج عن بيع الغاز والنفط. فكل الصناعة التي ورثها عن الاتحاد السوفيتي، موجهة فقط نحو السلاح. هي إذاً دولة ريعية بامتياز، هذا الريع كما نرى، يذهب إلى طبقة الأوليغارك الروسية، وليس إلى جيب المواطن.

لو عدنا من جديد إلى توقع نتائج الحرب، فإننا نرى، أن الأنظمة العقائدية مستعدة للذهاب إلى الهاوية والدمار، كما فعل هتلر في زمنه، وكما تفعل إيران وأفغانستان حالياً. بينما النظام المبني على العقد الاجتماعي، على الطريقة الصينية، يبقى عقلانياً، لا يمكنه تدمير البلاد والعباد، فقط لإرضاء شخص أو مجموعة من المتسلطين. في المقابل، محرك النظام المافيوي الأساسي هو البقاء في السلطة، مهما كان الثمن، وكل ما يفعله يصب في هذا الاتجاه. الحرب على أوكرانيا، تهدف أساساً، إلى إبعاد خطر وجود ديمقراطية في جوار روسيا، قد تكون مصدر عدوى لشعبها، حتى أن بوتين فعل نفس الشيء في دول غير مجاورة بعيدة، مثل سوريا. كل التدخلات الروسية في إفريقيا، هي أيضاً بنفس الهدف، أي دعم الأنظمة المافياوية المشابهة وإبعاد خطر الديمقراطية، هو ما يُسميه أصدقاء بوتين «إنهاء السيطرة الغربية، وإقامة نظام متعدد الأقطاب»، بينما في الحقيقة، الشيء لا علاقة له لا في الغرب ولا في الأقطاب. الهدف هو فقط إحكام السيطرة على روسيا وشعبها.

ماذا يمكن لبوتين عمله الآن، وهو يواجه ما لم يتوقعه في مشروعه الأوكراني، والذي حطم صمود شعبها، أحلامه الوردية. هل سيتصرف كدولة مثل الصين، أي البحث عن مصلحة الشعب الروسي. هذا ليس في وارد وفكر هكذا النظام، أم سيذهب للنهاية، وتطبيق منطق (علي وعلى أعدائي يا رب) كالأنظمة العقائدية، هذا أيضاً ليس ممكناً، فهو لا يُدافع عن عقيدة معينة. وليس عدائه للغرب إلا حجة واهية يُقدمها فقط للشعب الروسي، ليبقى مكبل اليدين. كل ناهبي ثروات روسيا، قطط بوتين السمينة، لا يستثمرون أموالهم المنهوبة إلا في البنوك الغربية والأمريكية خصوصاً، وليس في الاقتصاد الروسي.

ما أتوقعه أن يدخل بوتين في مربع النظام العراقي لصدام حسين، أي إنهاء الحرب، دون رفع العقوبات كاملة، ودون أي انتصار لبوتين، لكن مقابل ألا يعمل الغرب على إسقاطه من السلطة؛ هدفه الوحيد. هم أصلاً غير راغبين في ذلك، فقد فشلت هذه السياسة في مناطق أخرى في العالم. ولا أظن أنهم مهتمون حقاً، في تغيير شكل النظام الروسي. تاريخ الغرب الحديث، يُظهر أنهم لم يقدموا أي دعم حقيقي للمعارضة الروسية، بل العكس، تعاملوا مع بوتين كشريك موثوق به، وسكتوا عن كل جرائمه السابقة، داخل وخارج روسيا.

بعد انتهاء الحرب، ستبقى روسيا محاصرة بحجة جرائم الحرب وانتهاك حقوق الإنسان في أوكرانيا، واحتلال شبه جزيرة القرم، ولكن سيبقى نظام بوتين جاثماً على صدور الروس. الحل الوحيد لهذه المصيدة، التي تقع فيها روسيا، هو أن يتحرك أبناؤها، للتخلص من العصابة التي تحكمهم منذ أكثر من عشرين عاماً، ولم تؤدي، كما قالت الصحفية الروسية المعارضة انا بوليتكوفسكايا والتي اغتالها بوتين عام 2006، إلا إلى الهاوية السحيقة.

دول الغرب، ستضم أوكرانيا لها، وسيتوسع ويقوى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، عكس ما يوهم به بوتين شعبه، وستعود الحياة العادية للعالم، ولن يجد بوتين حلفاءً يحمونه و يدعمونه، فحجم روسيا الاقتصادي لا يسمح بذلك. القوة النووية، لا يمكنها تغيير شيء. هي لا تصلح إلا إلى الإحكام على الشعب الروسي والانفراد به، كما يفعل كيم جونج أون في كوريا الشمالية. 

محبو وداعمو بوتين، من مثقفي الأحزاب اليسارية العربية، أظهروا بمواقفهم الغريبة، مدى إصابتهم بالعمى السياسي. وأضاعوا تلك الفرصة للعودة من جديد، لصف الشعوب المناضلة من أجل طرد المُحتل مهما كان وفي أي مكان كان. خصوصاً وأننا رأينا ونرى دائماً، ما يفعل المُحتل الروسي الشرس، في مدن عربية عزيزة على قلوبنا جميعاً مثل حلب. وما أظهره من عنف لا حدود له ضد السكان المدنيين العُزل في سوريا والشيشان. هل هكذا نظام ممكن أن يكون موضع دعمنا، وهو يدمر أعز ما نملك. سينتصر الشعب الأوكراني الشجاع لا محالة، كما فعلت قبله كل الشعوب الشجاعة، من الجزائر إلى فيتنام، وسيشكل ذلك بالنسبة لنا عودة للأمل من جديد في سوريا ومن بعدها شعلة الربيع العربي. 

التحالف الصيني الروسي… حقيقة أم خيال / القدس العربي 08/04/2022

التحالف الصيني الروسي… حقيقة أم خيال؟

 د. نزار بدران

مع استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا وتزايد أعداد اللاجئين الفارين إلى دول الجوار الأوروبي، واكتشاف فظاعات الحرب على السكان المدنيين، كما رأينا مع القتلى المدنيين في مدينة بوتشا وحصار ماريوبول، يتساءل الكثيرون إن كان هناك دور لدولة بحجم الصين لإنهاء هذه الحرب، ووضع حد لنتائجها الكارثية.
الأمل المعقود على الصين مرتبط بما يتصوره بعض الساسة، من وجود تحالف صيني روسي. الإعلان المشترك في بداية الألعاب الشتوية الأولمبية في بكين، يدل على ذلك، حيث أعلن الرئيس الصيني كسي جنبنج أن العلاقات بين البلدين قوية كالصخر.
هل هذه العلاقة هي بهذه القوة حقا ؟ وهل تاريخ العلاقات بينهما يوحي بمثل هذا التحالف المعلن.
ما يربط البلدين هو في الحقيقة صداقة «كاذبة» ولكنها غامضة، كاذبة، لأنها مبنية فقط على كرههما المشترك للأنظمة الليبرالية الديمقراطية، ولكل الثورات الديمقراطية في العالم.

مرتزقة فاغنر

حرب سوريا وحالياً أوكرانيا تقعان في إطار قمع هذه الثورات. تواجد مرتزقة فاغنر في بقاع عديدة في العالم كذلك. ضغط بكين المستمر على هونغ كونغ وتهديدها لتايوان هو بنفس الهدف. يتقاسم النظامان أيضا رغبتهما للثأر من ماض قريب، والخوف من التحالفات الجديدة، خصوصاً في جنوب المحيط الهادئ بقيادة الولايات المتحدة. كذلك رغبتهما في إيجاد عالم آخر جديد خارج الغرب.
لكننا أيضا نرى غموض هذه العلاقة، فالصين لم تصوت لصالح روسيا في الأمم المتحدة في إدانتها للغزو الروسي.
هناك غموض أيضا في علاقتهما الاقتصادية؛ لا ترى الصين روسيا كموقع أساسي لمشروعها الاقتصادي، فهي تنظر إلى الشرق، بينما تنظر روسيا نحو الغرب. حجم التجارة الخارجية للصين مع روسيا لا يتعدى اثنين بالمئة فقط، بينما بالنسبة لروسيا هذا يمثل عشرين بالمئة.
من جهة أخرى تسعى الصين لتصبح قوة اقتصادية عالمية مهيمنة، وهي تملك مقومات ذلك، بينما لا تملك روسيا مشروعا مشابها، ولا تملك المقومات نفسها.
ما يجمعهما حقا، هو ما يملكان من قوة لإيذاء المشاريع الغربية ومحاولة إعاقتها، كتمدد حلف شمال الأطلسي أو التجمعات الاقتصادية السياسية في المحيط الهادئ، كتجمع دول الأوكس (أستراليا، المملكة المتحده، الولايات المتحدة)

التوازن الاستراتيجي

تميزت العلاقات بين الصين والاتحاد السوفييتي بالعداء، وتحولت بعد انهيار هذا الأخير إلى علاقة تعاون مع خليفته روسيا، خصوصاً بعد زيارة الرئيس الصيني، لي بنج لموسكو، في بداية التسعينيات، وإنشاء ما سمي بالتوازن الاستراتيجي في نهاية العقد. تزامن ذلك أيضا مع التقارب مع الهند القوة الناشئة الجديدة.

لكن أكثر ما زاد التقارب بينهما كان حرب القرم عام 2014، بعد أن فرضت الدول الغربية مجموعة من العقوبات على روسيا.
وضعت الصين حلا لهذه العقوبات، فقد فتحت بكين لموسكو باب الأمان، وزاد التبادل التجاري بينهما بشكل كبير ليصل إلى عشرين مليار دولار في عام 2021. هذا ما أنهى أي شعور بالخطر السياسي من طرف نحو الآخر، كما كان سابقاً.
هل سيتكرر هذا السيناريو من جديد مع الحرب على أوكرانيا، ورد الدول الغربية مختلف تماما هذه المرة؟
تتقاسم الصين وروسيا أيضا رؤيتهما لمفهوم الأمن القومي، هو يعني لهما أولا، الأمن السياسي، أي ثبات وديمومة النظام، ذلك قبل الأمن الاجتماعي أو الاقتصادي، كل شيء يجير لهذا الهدف، فهما تضعان سلامة النظام قبل كل شيء. هذه إحدى صفات الأنظمة المستبدة بشكل عام. الإعلان المشترك في بداية الألعاب الأولمبية في بكين هذا العام وضع على رأس أولوياته، انتقاد الأنظمة الليبرالية الديموقراطية، وتمجيد نظام بكين وموسكو كصورة لمستقبل الأنظمة في العالم.

الخلافات الجوهرية

هذا التوافق الظاهري، لا يجب أن يخفي عن الأنظار مجموعة من الاختلافات والخلافات الجوهرية والتي تبدو بعيدة عن الصداقة.
التوغل الصيني في آسيا الوسطى وإفريقيا أخذ المكان الذي تركه الاتحاد السوفييتي، والذي هيمن لعقود على جزء كبير منها. تشارك الصين حاليا في تطوير البنية التحتية لمعظم دول القارة الأفريقية، حتى أن مقر الاتحاد الإفريقي بنته الصين في أديس أبابا عام 2012 وهي لا تظهر أي شكل من الاهتمام بالأمور السياسية الداخلية لهذه الدول، ما فتح لها أبوابا واسعة.
من ناحية أخرى، استولت الصين أيضا على مكانة الاتحاد السوفييتي في ما يخص استكشاف الفضاء، والذي كان رائدا في هذا المجال. ولا ننسى يوري غاغارين الروسي، أول رجل في التاريخ يصل الفضاء ويدور حول الأرض. التعاون الحالي بين البلدين في مشروع الوصول إلى القمر مثلا هو مشروع صيني، ولا تلعب فيه روسيا إلا دورا ثانويا.
نستطيع القول إن الصين هي أحد كبار المستفيدين من انهيار وتمزق الاتحاد السوفييتي، هو ما سمح لها أن تصبح القوة الثانية في العالم على المستوى الاقتصادي، ويعتقد الصينيون أن القرن الواحد والعشرين سيكون قرنا صينيا بامتياز.
بعد أكثر من ستة أسابيع من الحرب في أوكرانيا، لم تفعل الصين شيئا مع أو ضد روسيا. بل اكتفت السلطات بإعلان مبادئ عامة، أي وقوفها مع السلام ضد الحرب، وحدها وسائل الإعلام الصينية ومواقع التواصل الاجتماعي من يكرر ادعاءات موسكو بشأن اتهام الغرب وأمريكا خصوصاً، بإشعال الحرب والتحضير لاستعمال الأسلحة البيولوجية.
هل تريد الصين حقا أن تتوسط لحل النزاع القائم. اجتماع دول الاتحاد الأوروبي والصين، والذي عقد في الأول من نيسان – أبريل في العاصمة الأوروبية بروكسل، لم يظهر أي تحمس للصين لفعل ذلك، ورفضت الطلب الأوروبي بالتوسط.
هي برأيي تنتظر تطور الأمور حتى تعرف كيف تستغل هذه الحرب لصالحها، كي تظهر بعد الحصول من الغرب على تنازلات كثمن، وكأنها منقذة العالم من حرب مدمرة، فهي الوحيدة التي تملك الأوراق الكافية لإجبار بوتين على التراجع، مع إعطائه مخرجا لحفظ ماء الوجه أمام شعبه.
ولكن هل حقا تريد الصين إنقاذ روسيا من الانهيار، ونحن رأينا أنها استفادت من تفكك الاتحاد السوفييتي.
هل قرار الرئيس بوتين في حربه على أوكرانيا هو شيء ممكن للصين تقبله؟
لا أظن أن القادة الصينيين مستعدون للسير في مشروع يفرض عليهم من الخارج، حتى ولو كان من حليف. هذا يعني اقحامهم في نزاع قد يكون مسلحا مع أمريكا والغرب، وهم يشكلون سوقها التجاري الأول، ومن أمن بسوقهم الاستهلاكي الكبير والاستثمارات الهائلة، ازدهار الصناعات الصينية.
أظن على عكس ذلك إن دولة تزن عشر مرات روسيا سكانا واقتصادا، لا يمكنها أن تسير في مشروع يهدف الى إعادة إحياء قدرات الاتحاد السوفييتي عدوها السابق.

أزمات عالمية

لا أحد منا يتصور مثلا أن تجر الولايات المتحدة إلى حروب وأزمات عالمية دون أن تكون صاحبة القرار فيه.
لا يمكن لأي رئيس صيني أن يسير عكس ما تخطط له الصين منذ سنوات عديدة، وهو أن تصبح القوة الأولى في العالم، بواسطة استعمال القوة الناعمة، أهم مشروع اقتصادي في العالم حاليا هو مشروع طريق الحرير الجديد، الذي يمر في جزئه الشمالي في ست عشرة دولة من دول آسيا الوسطى وشرق أوروبا.
هذا المشروع توقف تماما مع الحرب، فأوكرانيا هي إحدى هذه الدول.
حرب بوتين المتهورة، ستلحق أيضا الضرر في المشروع الصيني الكبير لإعادة توحيد الصين، عن طريق ضم تايوان والسيطرة السياسية على هونغ كونغ.
فقد وحدت هذه الحرب، وما أعادت من ذكريات الحروب العظمى الأوروبية، السياسات والشعوب الغربية، التي كان تفرقها مصدر ثقة الصين بمشاريعها العملاقة خصوصاً بعد تجربة احتلال شبه جزيرة القرم دون رد فعل غربي وازن.
النظام الصيني رغم استبداده، إلا أنه عقلاني يخطط وينفذ، الوقائع على الأرض تعطيه المصداقية في ذلك، فقد استطاعت الصين إخراج مئات الملايين من الفقر المدقع، يوما بعد يوم يتمتع الشعب الصيني بمستوى دخل ورفاهية أكبر، بينما مع بوتين ونظامه فإننا نرى في روسيا عكس ذلك تماما.
من ينتظر أن تنقذ الصين روسيا هو خاطئ في رأيي، هي فقط تنتظر متى سيضع الدب الروسي ركبة على الأرض حتى تبدأ بأخذ نصيبها من الوليمة.
كاتب فلسطيني

د. نزار بدران

 

دروس الحرب للشرق والغرب/ القدس العربي 22/03/2022

دروس الحرب للشرق والغرب

دروس الحرب للشرق والغرب

د. نزار بدران

لم تنتهي الحرب الروسية على أوكرانيا بعد، وقد تدوم طويلا. من الصعب التكهن بنتائج هذا الصراع وتأثيراته على العالم، لكننا نستطيع أن نستخلص بعض العبر من مسرى الأحداث. 

ما يهمني هنا، هو ما يحصل حالياً بالوعي الجماعي للشعوب والحكومات. فما كان مُسلماً به يوم 23 شباط، تحطم على صخرة الهجوم الروسي يوم 24. هذه المُسلمات موجودة في كل بقاع الأرض، هي تُشبه المواد المنومة، فنحن نعتقدها دائمة أبدية.

السلام الدائم

أولى هذه المُسلمات في القارة الأوروبية، هي ديمومة السلام. فمنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، قبل أكثر من 75 عاماً، لم تشهد الساحة الأوروبية صراعات بين دولها الرئيسية تُهدد سلامها ورفاهيتها. هذا الانطباع بانتهاء زمن الحروب، خصوصاً بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وما تبع ذلك من تقدم اقتصادي، وتقدم تقني وعلمي في كافة المجالات، أنسى الشعوب والحكومات، الأُسس التي بُني عليها الاتحاد الأوروبي. ما أدى مثلاً، لخروج بريطانيا قبل بضعة سنوات لحماية سوق عملها من وُصول العمالة القادمة من دول أوروبا الشرقية، بشكل خاص، كذلك هو ما دفع باتجاه رفض الدستور الأوروبي في كافة الاستفتاءات، وعودة الدعوات لسيطرة الدول على حدودها، وتقوية أحزاب سياسية يمينية متطرفة، ترفع شعار القومية وحتى الخروج من الاتحاد.

الشعور بالسلام الأبدي، أصبح إذاً عائقاً أمام استكمال الوحدة الأوروبية، دافعاً نحو تحوله إلى نادي دول وشعوب غنية، لا تتقاسم مخاوف وُجودية حقيقية. هي فقط تتنافس على من يقطف ثمار الازدهار الاقتصادي.

 عادت فجأة أوروبا، إلى المفهوم المؤسس للاتحاد: إنهاء الحروب في القارة أولاً وقبل كل شيء. هو ما سيؤدي بتقديري إلى تأسيس وعي آخر بديل، يدفع بالاتجاه المعاكس، أي مزيد من الوحدة، ومزيد من القوة العسكرية، والتلاحم مع الولايات المتحدة تحت مظلة حلف شمال الأطلسي.

 بدأت ملامح هذا الاتجاه واضحة في صحوة المارد الألماني، وخروجه من عقدة القوة العسكرية، أول خطواتها هي تخصيص مئة مليار دولار، لتطوير الصناعات العسكرية. شيء كهذا كان مستحيلاً حدوثه قبل الحرب، الاتجاه العام في كافة الدول الغربية، كان نحو تقليل المصاريف العسكرية. من ناحية أخرى، بدأت دول أوروبا المحايدة بالتفكير للانتماء للاتحاد وحلف الناتو لحماية نفسها. هذا يُظهر أيضاً خطأ التحاليل السياسية التي كانت تنتظر انفراط العقد الغربي، وانحلاله لصالح القُوى النامية، خصوصاً الصين. 

أولوية الاقتصاد 

ثاني هذه المُسلمات، وهو مرتبط بالأول، هي أولوية الاقتصاد على السياسة. التنافس التجاري العالمي لكسب مزيد من الأسواق، هو ما يُحدد الخيارات السياسية، وليس العكس. تُرجم ذلك على مستوى أوروبا وأمريكا بتناسي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في دول عدة، ومنها طبعاً روسيا بوتين. لم تُعر الدول الغربية اهتماماً لتراجع الحريات العامة في الاتحاد الروسي، ولا حتى لحروبه الداخلية، وتدميره جزء من شعبه، كما فعل مع جمهورية الشيشان، ومحو عاصمتها من الوجود. كذلك تعميق مركزية الدولة على حساب حقوق الجنسيات والقوميات المُشكلة للاتحاد. وقمع المعارضة السياسية وتحييد الإعلام والسيطرة على القضاء وتزوير الانتخابات بكافة الوسائل، للوصول لبرلمان يتبع قرارات الرئيس دون أدنى اعتراض. لم يرى الأوروبيون والأمريكيون أن هذه أسبابا كافية لإعادة النظر في علاقاتهم مع بوتين، ولا حتى تدخله العسكري عام 2014، واحتلاله أجزاء من جمهورية أوكرانيا، وقبلها مناطق من جورجيا. هذه الأولوية، أي الاقتصاد قبل السياسة، هي من منع التضامن مع الشعب الروسي، الذي هو الضحية الأولى لهذا النظام.

أولوية الربح التجاري، ليس خصوصية غربية، فنحن نراها في كل دول العالم، ما سمح باستمرار قمع المعارضة بدول عدة، مثل الدول العربية، أو قمع الأقليات كما حدث ويحدث مع الأقليات المسلمة في الصين أو بورما أو الهند. 

الحرب الروسية على أوكرانيا، أفاق الغرب من نوم عميق، دعم الأنظمة الاستبدادية، ليس دوماً مصدر رفاهية، بل كما نراه الآن في الحالة الروسية، هو مصدر رعب وتهديد بحرب عالمية ثالثة.

الأزمة الحالية قد تؤدي إلى وعي جديد أيضاً، وهو العودة إلى أولوية السياسة على الاقتصاد. بناء نظام اقتصادي عالمي يأخذ بالحسبان الحكم الرشيد واحترام حقوق الإنسان في كل دول العالم، وليس فقط في الدول الغربية والديمقراطية. هذا طبعاً أمنيات طوباوية، لكن الظرف الحالي قد يكون مناسباً للدفع بهذا الاتجاه.

أوروبا والعرب

هل سيكون هناك تغييراً في السياسات الغربية تجاه القضايا العربية، أولها الحرب الروسية على سوريا منذ 2015، كذلك حق الشعب الفلسطيني بالعودة إلى وطنه والحصول على حقوقه، والحالة الأوكرانية تُذكر الجميع، بأن الشعب الفلسطيني يُعاني من ويلات الاحتلال منذ عقود عديدة، ولا يجد من يُناصره. كذلك حراك الشعوب العربية للتحرر من الأنظمة المُستبدة منذ عام 2011، وما نراه من عودة هذه الأنظمة بدعم من الدول الغربية، تحت شعار، أولوية الربح الاقتصادي على السياسة أو ما يسمى السياسة الواقعية. 

ما نراه الآن، يُشير إلى العكس، فالحاجة لحصار روسيا، تدفع أمريكا لرفع العقوبات عن النظام الإيراني المستبد، وبعض الديكتاتوريات في أمريكا اللاتينية. لكن هذا في الحقيقة هو عمل سياسي واضح الهدف، وسينتهي بمجرد انتهاء الحاجة إليه (عزل بوتين وتعويض البترول والغاز الروسي).

هذا الوعي الغربي الجديد، بأولوية السياسة على المصالح الاقتصادية، لن يُترجم إلى فعل على أرض الواقع، إلا حين تقوم شعوب البلاد المحرومة من الحرية بالدفاع عن نفسها، كما يفعل الشعب الأوكراني هذه الأيام. الانخراط في العمل النضالي، للحصول على الإصلاحات المرجُوة في كل دولة، هو من سيدفع الغرب والدول الديمقراطية، بشكل عام، نحو احترام حقوق الشعوب الأخرى. هل ستتمكن المعارضة العربية وشباب الربيع العربي من الدفع بهذا الاتجاه، مع فضح التواطؤ الغربي مع أنظمة مثل النظام المصري أو عسكر السودان والتمييز العرقي في فلسطين. 

على شعوب حوض البحر المتوسط شماله وجنوبه، أن تعي وحدة مصيرها، ازدهار الشمال لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، على حساب فقر الجنوب، ديمقراطية الشمال على حساب دعم استبدادية الجنوب. مآسي الهجرة إلى أوروبا وانتشار الإرهاب في دول الجنوب كما في دول الشمال، هو دليل على ضرورة توحيد مصالح الجميع وليس تضاربها. مصالح دول الجنوب هي أولاً بالحصول على الحرية والديمقراطية، هذا ما على دول الشمال أن تفهمه لتتمكن من الاحتفاظ برفاهيتها وأمن مواطنيها على المدى البعيد.

الدرس الأوكراني للشعوب

الدرس الأخير لهذا الحرب، هو درس الشعب الأوكراني للشعوب العربية، الصمود والوحدة التي أبداها هذا الشعب المُذهل، واستعداده للتضحية مهما كانت التكاليف، هو الأساس في هزيمة مشروع الديكتاتور الروسي، بوتين لا يريد على حدوده، ولا حتى في العالم، أي نفس ديمقراطي.

لن نهزم أعدائنا فقط بالصياح والاستجداء وطلب الدعم والتأييد، عندما نكون نحن أنفسنا من يجلب المُحتَل لبلادنا، كما حدث في سوريا مع التواجد الإيراني والروسي، أو في العراق بعد الحرب على الكويت، وتكوين تحالف غربي عربي مسلم لاحتلال هذا البلد. نحن من جلبنا إيران إلى اليمن عن طريق الحوثيين، والروس إلى ليبيا عن طريق المُشير حفتر. هذه خصوصية عربية تاريخية، أن نجلب المُحتَل عندنا ثم نبكي منه، والمثل الفلسطيني مع اتفاقيات أوسلو والتنسيق مع إسرائيل على مستويات عدة، مع توسيع الاستيطان بنفس الوقت.

درس الشعب الأوكراني للعرب، هو أن ننهض بأنفسنا أولاً، قبل أن نطلب دعم الآخر. الرئيس زيلنسكي، رفض العرض الأمريكي بالهرب من كييف في بداية الحرب، وأظهر شجاعة لا نجدها عند معظم قيادات الأمة العربية ولا حتى معارضيها. هذا الرئيس الشاب القادم من عالم الفن، سيتمكن بشجاعة شعبه من هزيمة المشروع الروسي، ولا ننسى أن الرئيس رونالد ريغان، هو الذي أسقط الاتحاد السوفيتي، وكان في بداية حياته ممثل أفلام كوبوي فاشل. 

الشعب الأوكراني يُدعى تاريخياً بالقوزاق، والذي لم يقبل يوماً الاستعمار والتبعية لأحد، فكلمة قوزاق تعني باللغة الأوكرانية الرجال الأحرار.

الحرب الباردة الثانية وحوض المتوسط

القدس العربي 10 آذار 2022

د. نزار بدران

لن تتوقف تداعيات الغزو الروسي  لأوكرانيا، على القارة الأوروبية فقط، بل ستتجاوزها إلى أماكن كثيرة في العالم. 

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، نتيجة ما كان يُسمى «حرب النجوم»، التي فرضها الرئيس الأمريكي، دونالد ريغان في الثمانينات، والتي هي عبارة عن سباق تسلح باهظ الثمن، لم يتمكن السوفيت من مجاراته. تصور الجميع أن ذلك يعني نهاية الحرب الباردة. ما سمح مع بداية القرن الواحد والعشرين، في انفتاح روسي اقتصادي واجتماعي، على أوروبا وأمريكا، ولكن أيضاً على بقية العالم، خالقاً نوعاً من الطبقة المستفيدة، التي استولت على الإرث السوفيتي، واستثمرته خارج روسيا، خصوصاً في الدول الغربية. 

تعايش الغرب مع هذه الوضعية، المُريحة بالنسبة له. إسكات المعارضة الروسية، التطور بالنظام السياسي الروسي، نحو انفراد بوتين بالسلطة، وعدم سماحه بوجود إمكانيات حقيقية للتغيير، مسيطراً على كل مفاصل الدولة، بما فيها القضاء والإعلام. كل ذلك، اُعتبر من طرف الغرب كوضع مقبول. وكما ادعى بعض الباحثين، فإن الروس والجنس السلافي بشكل أوسع، ليس مستعداً لتقبل الديمقراطية (كما يُقال الآن عن العرب والمسلمين)، ولم يعرفها في تاريخه قط.

تمكن الاتحاد الروسي، وريث الاتحاد السوفيتي الرسمي (لكن دون إمكانياته الاقتصادية والبشرية) من الدخول قليلاً قليلاً، مناطق العالم التي كانت سابقاً، تدور في فلك السوفيت. من هذا المنطق، رأينا عودة الروس إلى منطقة البحر المتوسط. 

لم تضع أمريكا أية عوائق لهذا الانتشار الروسي الجديد، ذلك من مُنطلق عدم وجود أهمية استراتيجية لهذه المنطقة الآن خصوصاً بعد انتهاء تداعيات هجمات نيويورك عام 2001، فالخطر الشيوعي لم يعد موجوداً، الحاجة الماسة للنفط القادم من الشرق الأوسط، لم يعد أولوية مع تحول أمريكا من دولة مُستهلكة إلى أكبر مُنتج للعالم للنفط والغاز. حماية أمن إسرائيل الاستراتيجي لها، لم يعد بهذه الضرورة، فهذه الدولة، تمكنت من فرض هيمنتها على عدد كبير من الدول والأنظمة العربية، والتي لم تعد تعتبرها عدوة، إن لم تُصبح حليفة. هذه الأسباب سمحت كما نرى، بعودة الروس لسوريا ودعم النظام البعثي. تدمير سوريا وتقتيل أهلها وتشريدهم، لم تكن تعتبره أمريكا سبباً كافياً، لتغيير سياساتها في المنطقة، خصوصاً مع وجود توافق واضح بين إسرائيل وروسيا.

انتهاء الاهتمام بالشرق الأوسط، كمنطقة استراتيجية لأمريكا، وانتقال ذلك الاهتمام إلى الصين وجنوب شرق آسيا، هو ما أدى مثلاً إلى تراجع الرئيس أوباما سنة 2013، عن معاقبة النظام السوري عسكرياً.

ما لم ينتبه إليه المعسكر الغربي، هو إمكانية العودة من جديد لأيام الحرب الباردة، خصوصاً مع انتقال معظم دول الاتحاد السوفيتي السابق، نحو أنظمة ديمقراطية، تتناقض تماماً مع شكل نظام موسكو.

الغزو الروسي لأوكرانيا بهذا الشكل الفج، ومحاولة إنهاء استقلال دولة أوروبية، من الدول السابقة للاتحاد السوفيتي، التي حصلت على استقلالها بعرق جبينها، رغم محاولات موسكو المتعددة لمنع ذلك؛ من تسميم رئيسها الأول إلى احتلال أجزاء من أوكرانيا عام 2014، تحت ذرائع عرقية. هذا أيقظ تماماً المارد الغربي من أحلامه الوردية، وأعاده إلى إمكانية الحرب الشاملة المدمرة، على الساحة الأوروبية، مع التهديد الروسي بحرب نووية.

من هذا المنطلق فإننا نرى، أن التواجد الروسي في البحر المتوسط، الذي كان مقبولاً ومسكوتاً عنه، لعدم تشكيله إزعاجاً للقوى الغربية، أصبح الآن، جزءاً من الحرب الباردة الساخنة الجديدة. 

أول مظاهر ذلك، هو عودة تركيا إلى حضن الغرب، وإغلاقها ممر الدردنيل والبوسفور، أمام السفن الروسية، وتزويدها أوكرانيا بالطائرات المُسيرة، وهي التي لم تفعل أي شيء من هذا القبيل لدعم الشعب السوري، بل أنها طورت علاقاتها مع روسيا واشترت منها منصات صواريخ س س 400 رغم معارضة أمريكا. هذه المرة، لم يحتاج الأمر إلا إلى مكالمة هاتفية واحدة من الرئيس بايدن، حتى تنخرط تركيا من جديد في التحالف مع الغرب، واضعة نفسها في موضع العدو المُحتمل لروسيا، وهدفاً لأسلحتها في حالة حرب شاملة، كما كان عليه الحال زمن الحرب الباردة الأولى. من المتوقع مقابل ذلك، أن تستعيد تركيا الدعم الأمريكي الأوروبي لاقتصادها المُتهالك، هذا ما يبحث عنه الرئيس أردوغان، في مُحاولة لاسترجاع شعبيته المُتآكلة. وما قاله الرئيس بايدن، عندما كان مرشحاً للرئاسة، بضرورة إزاحة أردوغان عن السلطة، أصبح في خبر كان.

هذه الوضعية الجديدة لتركيا، قد تسمح للشعب السوري وقواه الحية، إن استغلت الفرصة، من تحسين مواقعها في مواجهة القوات الروسية، بعد أن تراجع الاهتمام بالحرب السورية، لصالح الحرب في أوكرانيا.

هل هناك انعكاسات على القضية الفلسطينية؟ لا نظن ذلك، فالقيادة الفلسطينية مُتخبطة، ولا تملك أصلاً مشروعاً وطنياً واضحاً. إسرائيل كعادتها ستتأقلم مع الوضع الجديد مهما كان، وستكون مع الطرف الأقوى، رغم اتجاهها الطبيعي حالياً لدعم الموقف الروسي أو الحياد، بسبب الجالية الروسية الكبيرة، التي تتجاوز المليوني إسرائيلي من أصول روسية. 

نرى أيضاً، بنفس المفهوم، استعداد الغرب وأمريكا لإنهاء الملف النووي الإيراني. لكن ذلك لن يتم، إلا من منظار محاصرة موسكو. أي رفع للعقوبات عن إيران، سيهدف فقط حالياً إلى عزل روسيا، وليس إلى تخفيف الضغط على أحد حلفائها في المنطقة.

السودان بدوره، والذي حصل زمن الرئيس البشير، على دعم مجموعات المرتزقة الروس فاغنر، قدم على ما يُقال كميات كبيرة من الذهب للخزينة الروسية (رحلات حديثة لحمديتي إلى موسكو)، لحمايتها من العقوبات. قد يجد هذا البلد نفسه أيضاً من جديد، بدائرة الاهتمام الغربي. أمريكا لم تقم رغم تبجحها بالعكس، بدعم التغيير الديمقراطي السوداني، تاركة المجال للعسكر الإحكام على السلطة، بدعم من حليفتها المقربة إسرائيل. دعم هؤلاء العسكر، وخصوصاً حمديتي للروس، بفتح مناجم الذهب أمامهم، لن يبقى أمراً داخلياً سودانياً، بل سيقع على ما أظن، في دائرة العقوبات الأمريكية الغربية، ولن يكون هناك مجال للعسكر وحلفائهم الإسرائيليين، إلا الانضمام للمقاطعة أمام خطر دعم الإدارة الأمريكية، للانتقال الديمقراطي السوداني من جديد.

التقارب العسكري الروسي الجزائري، وتحالفاتهم القديمة والجديدة، وأحدثها في مالي، والتعاون الاقتصادي والعلمي ومجالات عديدة أخرى منذ سنوات طويلة، خصوصاً بعد إلغاء الديون الروسية على الجزائر عام 2006، بقيمة 4.7 مليون دولار، مقابل صفقات عديدة، منها إقامة محطة نووية لإنتاج الكهرباء، كان مُنتظرا أن ترى النور ما بين 2025-2030. التشابه بين النظامين بطبيعتهما العسكرية، وتنامي الخطر عليهما من التحولات الجارية على المستوى الاجتماعي. كل ذلك لم يكن يعني كثيراً الإدارة الأمريكية، حتى دخول الجيش الروسي لأوكرانيا.

هنالك مناطق ودول عديدة، بمنطقة البحر المتوسط وأفريقيا، يتواجد فيها الروس، دون انزعاج أمريكي، مثل أفريقيا الوسطى ومالي.

الرد الغربي الأمريكي على الغزو الروسي، سينتقل تدريجياً إلى كل هذه المناطق. فنحن عشنا الحرب الباردة الأولى، ونعرف أن وقودها كان دائماً من فقراء العالم وليس من أغنيائها. يُقدر عدد ضحايا الحرب الباردة، بين الاتحاد السوفيتي والغرب، بأكثر من ثلاثين مليون قتيل، كلهم طبعاً في الدول الفقيرة. هل نحن على أبواب حرب باردة جديدة، والعودة بمسلسل المجازر بحق شعوب «العالم الثالث». ؟

أخطاء الدب الروسي

أخطاء الدب الروسي. القدس العربي 28/02/2022

د. نزار بدران

منذ الحرب العالمية الثانية، لم نر وضعاً يهدد السلم العالمي كما نراه الآن في الحرب الروسية على أوكرانيا. فمن خلف ستار تلك الحرب نرى خطر المواجهة العسكرية، بين قوى نووية عظمى، وما يشكل ذلك من كارثة على الإنسانية والحياة على كوكب الأرض. 

عندما قرر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إطلاق حملته ضد أوكرانيا، لأسباب يعتبرها وجيهة، لم يكن على ما أظن، قد حسب كل النتائج الممكنة، وأولها توحيد الشعب الأوكراني كله خلف جيشه وقيادته السياسية. مرد ذلك برأيي، هو في طبيعة الأنظمة الديكتاتورية، والتي ينفرد فيها شخص واحد في اتخاذ القرار. في الدول الديمقراطية، هناك هيئات ولجان وخبراء وأشياء كثيرة تسبق القرار السياسي، ذلك في جو من البحث عن المعرفة الدقيقة للمسببات والنتائج المحتملة قبل اتخاذ أي قرار. أما في دولة مثل روسيا، حيث القرار هو في يد شخص واحد، فإن هذه الهيئات المُفترض فيها تشخيص المشاكل وتقديم الاقتراحات، بناء على معرفة دقيقة، تتميز بشيئين هما: أولاً التملق للرئيس، وإعطاءه المقولات التي تناسب توجهه ورغباته، وثانيهما، عدم الكفاءة بالدور المنوط بها، ذلك لأن التعيينات بهذه اللجان والمناصب العليا، يتم عبر آلية الولاء وليس المقدرة (ونحن متعودون على ذلك في بلادنا). هذا يؤدي إلى ضبابية كاملة أمام الرئيس، والذي يتخذ قراره النهائي دون أي رؤية حقيقية.

من هذا المُنطلق، فإننا نقول أن النظام الاستبدادي، هو خطر حقيقي على شعبه أولاً، قبل أن يكون خطراً على الآخرين. والأمثلة كثيرة من نظام صدام حسين وبشار الأسد إلى عمر البشير ومادورو بفنزويلا والملالي بإيران.

لو أردنا بعد بضعة أيام من صمود الشعب والجيش الأوكراني، تقييم النتائج على المدى المتوسط والبعيد، مهما كانت نتيجة الصراع، انسحاب أو احتلال روسي، فإننا نستطيع إعطاءها عنواناً عاماً، هو أن الرئيس بوتين حقق وبسرعة فائقة، كل ما كان يبحث عن إبعاده، أي أنه سيصل على نتائج عكسية تماماً عما كان يأمل.

على المستوى الأوكراني، لم يعد هذا الشعب الصديق للروس، والذي يتقاسم معه الأصول السلافية والثقافة والدين وحتى اللغة، لن يعود صديقاً بعد اليوم. تدمير مدنه وحصارها وقتل أبنائه وتشريد مئات الآلاف، ليس من علامات الصداقة المُتفق عليها. ستقترب أوكرانيا أكثر وأكثر من حُلفائها الغربيين، والمُطالبة بالالتحاق بالاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، حتى تحمي نفسها من الدب الروسي. صمودها لحد الآن يُبرر لها ذلك، فهذا الصمود، هو أيضاً حماية لأوروبا، سيعترف الأوروبيون بذلك ولن يستطيعوا رفض طلبها. هذا ما سيُقرب حدود الناتو من روسيا بدل إبعادها.

على المستوى الأوروبي، فإن التيارات الاجتماعية والفكرية، التي كانت وراء رفض الصيغة الفيدرالية للاتحاد، هذا عُبر عنه عن طريق رفض الدستور الأوروبي في جميع الاستفتاءات التي حصلت سابقاً، حتى العودة للخلف وبدء الخروج من الاتحاد، كما فعلت بريطانيا عام 2016. هذا التيار سيتراجع، أكبر معبر عنه هو اليمين المتطرف الذي يقاسمه بوتين الفكر. التهديد الوجودي الذي استشعره الأوروبيون، خصوصاً الخطر النووي، يدفع نحو تقوية أواصر الاتحاد، ودفعه باتجاه العسكرة والتسلح، كما رأينا مع القرارات الألمانية الأخيرة، وانضمام كل الدول الأوروبية الخارجة عنه، مثل السويد.

على مستوى حلف شمال الأطلسي، أي بشكل خاص، التواجد العسكري الأمريكي في أوروبا، إنه لمن المؤكد توسع هذا الحلف نحو دول جديدة، وإعادة الحياة له، بعد فترة سُبات تلت انهيار الاتحاد السوفيتي، والانتهاء المُفترض للحرب الباردة. سنرى أن التيارات الفكرية المُعارضة له أوروبياً، وخصوصاً أمريكياً، لن تصمد بعد عودة الخطر الروسي إلى أوروبا، وما يشمله من تهديد بحرب عالمية ثالثة. 

على مستوى جنوب البحر المتوسط والمنطقة العربية، فهناك التواجد الروسي منذ عام 2015 بسوريا، والمسكوت عنه غربياً. فدول الناتو لم تكن تعتبر هذا النزاع ذا بُعد استراتيجي لها، بل فقط اشكالية تكتيكية. عودة الحرب الباردة، وحتى الساخنة، قد تُغير الموقف الغربي ودول حلف شمال الأطلسي، في كل أماكن تواجدهم، بما فيه سوريا وليبيا وبعض الدول الأفريقية.

بالنسبة لإسرائيل، بسبب وجود ملايين المواطنين من أصول روسية، فإن موقعها لن يكون مريحاً، هذا ما يفتح للفلسطينيين، إن استغلوا الفرصة، الإمكانية لتعميق الشرخ الأمريكي الإسرائيلي وقد امتنعت إسرائيل يوم الجمعة الماضي في الأمم المتحدة عن إدانة الهجوم الروسي، وهو ما أثار حفيظة الأميركيين. 

على مستوى الصين، فإن المراهنين على التحالف الروسي الصيني، واهمون، كما كانوا واهمين مع التحالف الروسي الصيني لإنقاذ إيران. الصين لا تنزعج كثيراً من تغيير اتجاهات الاهتمام الأمريكي من جنوب وشرق آسيا إلى أوروبا وروسيا. هذا سيضعها في موقع أكثر راحة، وهي قوة اقتصادية بشكل أساسي، وتبني علاقاتها مع الغرب، على مبدأ التبادل التجاري، وليس على مستوى التحالفات الإيديولوجية. روسيا في هذا المجال الاقتصادي، لا تُشكل وزناً راجحاً، حتى تقوم الصين بالابتعاد عن أمريكا، أو إزعاجها، فأمريكا أكبر مُستهلك في العالم لبضائعها. الميزان التجاري بينهما، هو بشكل كبير لصالح الصين، ما كان السبب الرئيسي للخلاف بينهما زمن الرئيس دونالد ترامب وحالياً. كما أن هذه الأزمة، بحرفها اهتمامات أمريكا والغرب بشكل عام، تُعطي الصين حرية أكبر بالتحكم في منطقتها الجغرافية، خصوصاً مع تايوان وتطوير طرق الحرير، مشروعها الاقتصادي الكبير.

الأهم هو على المستوى الروسي، بوتين لم يكن حقيقة يبحث عن مواجهة أمريكا أو الناتو، بل فقط إبعاد كل توجه ديمقراطي في الدول المجاورة لروسيا، كما فعل في جورجيا وأوكرانيا أيضاً، عندما ضم شبه جزيرة القرم. خوفه من العدوى الديمقراطية في بلاده، هو برأيي الدافع الرئيسي لسياساته، تحت غطاء الخطر القادم من الغرب. لكن صمود الشعب والجيش الأوكراني، والدعم الهائل الذي يحصلون عليه من الغرب، لن يسمح بالنجاح هذه المرة، على عكس المرات السابقة. هذا ما سبب في بدء الشعب الروسي بالتعبير الواضح عن رفضه لسياسات بوتين العسكرية. كلما زاد طول الحرب والمقاومة، وتوسع المستنقع الأوكراني، كلما زاد تحرك الشعب الروسي وزاد وعيه بالخطر المُحدق به من هكذا سياسات انفرادية.

أمريكا والغرب كعادتهما، لن يرفعا العقوبات ولن يتوقفا عن دعم أوكرانيا، وإعادة تمركز الناتو وتوسعه في أوروبا، بل سيذهبان برأيي أيضاً إلى محاولة تحييد الخطر الروسي، حتى لو انتهت الحرب الأوكرانية لصالح أو ضد بوتين. كما عودتنا السياسات الأمريكية في مناطق أخرى في العالم، فإنها ستدفع نحو تقوية المعارضة الديمقراطية للنظام، ولكن أيضاً للأسف، نحو تقوية التوجهات القومية، والتي ستؤسس لمشاكل داخلية لروسيا، قد تصل إلى حد مطالبة بعض القوميات بالاستقلال، كما رأينا مثلاً بالشيشان، والثمن الباهظ الذي دفعته لذلك. تحييد الخطر الروسي لن يكون مرتبطاً بنوعية النظام السياسي الروسي، هو مثل الخطر المصري على إسرائيل، فهو ليس مرتبطاً بنوعية النظام المصري، بل بطبيعة الخطر المتواجد بشكل عضوي في الطرف الروسي. ستقوم أمريكا برأيي، بمحاولة استكمال إنهاء الحرب الباردة، والتي على ما يبدو لم تكن قد انتهت كما ظن الجميع. بعد تفكيك الاتحاد السوفيتي، لن يكون من المُستبعد أن تستمر في محاولات لتفكيك الاتحاد الروسي. ونحن نعلم أن روسيا تحتوي على 128 جنسية مختلفة، ولكن الروس يشكلون الأغلبية الكبرى، علما أن بوتين تراجع عن معاهدات عديدة مع هذه المناطق وُقَّعَت بعيد انهيار الاتحاد السوفيتي، لصالح سلطة مركزية قوية على عكس طموحات هذه القوميات.

النظام السياسي في روسيا، المبني على حكم الفرد ورجال الأعمال الفاسدين، هو في الحقيقة أكبر خطر على روسيا حالياً ومستقبلاً. وليس كما يدعي بوتين الخطر الغربي، والذي كان في طريقه للانحسار والاختفاء، لصالح نزاع جديد مع الصين.

على الدول الغربية أن تتعلم أيضا أن دعم الأنظمة التسلطية كما يفعلون في بلاد عديدة، وكما فعلوا مع بوتين، ساكتين عن انتهاكاته المستمرة للدول المجاورة او لحقوق معارضته ، هو سيف ذو حدين، وان إحترام حقوق الشعوب بالحرية والديمقراطية لا يجوز أن يضحى به لصالح منافع اقتصادية مؤقته. 

بالنسبة لنا، الاختباء خلف الشعارات الفارغة، وتصنيف الناس داخل علب فكرية، كما نرى حالياً في النقاشات الدائرة في دولنا، لن تُفيد شيئاً. علينا رؤية الأشياء كما هي، وليس كما نتمنى.

حروب بوتين. القدس العربي 26/02/2022

حروب بوتين

هناك من يُهلل للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين لقراره بغزو أوكرانيا هادفا إسقاط ديمقراطيتها وتعيين حكومة تابعة له، وكأننا أعداء لهذا البلد، الذي تقيم فيه جالية عربية كبيرة مزدهرة، وفي جامعاتها الكثير من الطلبة العرب.
فهم الحرب على أوكرانيا من منظار وقوف مُفترض لبوتين مع القضية الفلسطينية، أو حق سوريا بالجولان، هو هراء. فروسيا بوتين أرسلت ملايين المواطنين لإسرائيل، وهذا أقوى سلاح أُعطي لها. كما أنها دمرت سوريا بغاراتها الجوية، وهجرت ملايين المدنيين العُزل، وتدخلت بقواتها الخاصة لدعم البشير في السودان وحفتر بليبيا، ضد إرادة شعوبهما بالحرية.
وقوف بعض المثقفين اليساريين مع بوتين، المدعوم من كل الحركات اليمينية المتطرفة بالعالم، وهذا واضح هنا في فرنسا، هو فقط جزء من هذيان يتملكهم منذ عشرات السنين يُسمى «أمريكا». كل مقاييسهم هي أمريكا. كل مواقفهم تبنى فقط بناء على من هو ضد أمريكا، أو معها. هم يجردون أنفسهم من حرية التفكير المستقل. فمثلا قد أكون مع الصين في خلافها مع أمريكا، وضد الصين لموقفها من هونغ كونغ، أو الأقلية المسلمة هناك. الأساس بالمثقف أن يفكر بنفسه، وليس فقط دعم أو معارضة. هم كمن يحاول دائماً الاختيار بين الكوليرا و الطاعون، ولا يرون أبداً، الاختيار الثالث المستقل وهو الصحة الجيدة.
ما هي الدوافع الحقيقية لحرب بوتين الجديدة، هل هي حقاً المقاطعات الشرقية الناطقة بالروسية، أو خطر تمدد الناتو. في زمن الرئيس الأمريكي ترامب، وفي بداية عهد الرئيس بايدن، كنا نرى من ينتظر انتهاء دور الحلف، خصوصاً مع ظهور الرغبة الأمريكية بالتخلي عن حلفائها الأوروبيين، والتوجه نحو أولويتها الجديدة أي الصين، الآن مع أفعال بوتين نرى العكس أي العودة لتقوية وتماسك هذا الحلف لعشرات السنين القادمة. ولن تستطيع روسيا، حتى لو احتلت أوكرانيا منع ذلك.

ماذا يُحرك سياسة الرئيس بوتين بشكل عام، هل هو حقاً الدفاع عن روسيا ومصالحها، أم عن نظامه وبقائه في السلطة. اتجه بوتين منذ وصوله للحكم في مسارين متوازيين، الأول هو إرساء نظام أوتوقراطي فردي، يزداد يوماً بعد يوم، والثاني هو محاربة أي توجه ديمقراطي بالدول المجاورة له، مثل أوكرانيا وجورجيا وكازاكستان، وحتى البعيدة كما نرى مثلاً ببعض الدول العربية وفنزويلا.
مصالح روسيا الحقيقية، هي بناء وطن حيث يجد كل مواطن حقوقه محفوظة، بالصحة والتعليم والعمل والعيش الكريم. هل حقق بوتين ذلك لشعبه على مدى أكثر من عشرين عاماً من حكم منفرد؟. هل أمن للمواطن الروسي حرية التعبير عن الرأي، وهو يضع كل معارضيه في السجون، ويسرق الانتخابات، ويبدل الدستور كما يشاء ويُقيد كل وسائل الإعلام.
ما يُحرك بوتين هو فقط خوفه من هذا الشعب الروسي نفسه، وهو يتململ بين الحينة والأخرى. هذا الشعب لا يبحث عن تدمير أوكرانيا، فهو لم يشعر مرة بالعداء نحوها، فشعب أوكرانيا قريب جداً من الروس، تاريخاً ولغة وثقافة، رغم ما فرض ستالين عليهم من مجاعة مُختلقة قتلت حوالي ستة ملايين شخص في بداية الثلاثينيات.
إلهاء الشعب بحروب خارجية وأعداء وهميين هي لعبة تقليدية للأنظمة الديكتاتورية، هذه الأنظمة والتي بالنهاية لا تُشكل خطراً إلا على شعوبها، هذا ما رأيناه مع صدام حسين بحروبه الدائمة، ومع بشار الأسد مع تدمير سوريا، ومع الرئيس السوداني السابق عمر البشير، حين قسم السودان وفقد الجنوب.
الخوف من الشعب الروسي التواق للحرية، هو دافع النظام وليس الخوف من الناتو أو الغرب، والذي لم يعد يُعير بالاً لروسيا منذ عشرات السنين، فدخلها القومي لا يتجاوز الدخل القومي لإسبانيا. كل اهتمام الغرب كان متجهاً للصين، القوة الجديدة الوحيدة في العالم، ولكن قوة اقتصادية قبل كل شيء، وليس قوة احتلال وحروب.
العودة للتاريخ يُرينا أن حروب الأقوياء على الضعفاء تفشل دائماً. رأينا ذلك مع أمريكا بفيتنام وأفغانستان، ومع الاتحاد السوفييتي بأفغانستان، ولكن أيضاُ في فنلندا نهاية الثلاثينات، حين حاول ستالين ضم هذا البلد إلى الاتحاد بالقوة، ففشل بذلك خاسراً مئات الآلاف من القتلى من جيشه أمام بأس وعناد الشعب الفنلندي، والذي لا يتجاوز خمسة ملايين نسمة. الحل هو فقط بيد الشعب الروسي، والذي آمل أن لا يسكت طويلاً عما يتلاعب بمستقبله وأمله بالديمقراطية.

صفقة الأسلحة الإماراتية الفرنسية… المال لا رائحة له. نزار بدران القدس العربي 14/12/2021

صفقة الأسلحة الإماراتية الفرنسية… المال لا رائحة له

من نافل القول التذكير أن الصناعة العسكرية، في الدول الغربية وروسيا، تُشكل أحد أعمدتها الاقتصادية.
صفقة الغواصات الفرنسية مع أستراليا، وما أحاط هذه العملية من غموض، مع اتهام أوروبا لأمريكا بسرقة أسواقها العسكرية، إلا الدليل على ذلك.
أن تبيع فرنسا، وهي ثالث بلد بحجم التجارة العسكرية في العالم، بعد أمريكا وروسيا وقبل الصين، بضاعتها إلى الدول الأوروبية، وهي أول مُستورد لها، أو حتى أمريكا وبعض الدول الديمقراطية في العالم، أو بيعها لجيشها الوطني، كما تفعل أمريكا بشكل خاص، فهذا لا يعنينا كثيرا، فكل دول العالم في حاجة للتسلح، فنحن لم نصل بعد إلى السلم العالمي، الذي قد يلغي يوماً الحاجة إلى السلاح.

إلى من تذهب الأسلحة؟

ما يهمنا كشعوب عربية، هو إلى من تذهب الأسلحة المباعة لحكوماتنا وبأي هدف. هل هو للدفاع عن شعوب هذه الدول وحمايتها وتأمين حريتها. أم هو العكس تماما ، أي تدميرها وقصف مدنها وتهجير أبنائها وتيتيم أطفالها، كما نرى مثلاً في اليمن وليبيا وسوريا ودول عديدة أخرى.
نحن كشعوب عربية لن نسأل حكوماتنا ماذا ستفعل بهذه الأسلحة، فقد رأيناه في جلدنا ودمنا وبيوتنا وحياتنا وهجرتنا وتشريدنا وتجويعنا. ما نسأله هو للدولة الفرنسية، والتي يتبجح رئيسها بإعلان من السعودية قبل بضعة أيام، باهتمامه الشديد بحقوق الإنسان.
الشعب الفرنسي، حسب استطلاعات الرأي، أظهر بنسبة 75 في المئة رفضه لبيع أسلحة لأنظمة شمولية تقتل شعوبها، وقد عبر عن ذلك مراراً من خلال مظاهرات عدة، وفي بعض الأحيان إعاقة إخراج الأسلحة من مواني البلاد. لكن هذا الرأي مُغيب. فبيع السلاح ليس موضوعاً فرنسياً مطروحاً للنقاش العام أو النقاش البرلماني، هو فقط من شأن رئيس الوزراء.
هناك مبادرات مثل مبادرة “أسكت فنحن نسلح” لمنظمة العفو الدولية، تعمل لإيصال هذه الأنشطة لمجالها الطبيعي، أي الرأي العام، وليس فقط ألعوبة بيد مجموعة ضغط أصحاب الصناعة العسكرية من طائرات حربية وأسلحة أخرى.
هذا ما نراه مثلاً في دول غربية مثل هولندا وحتى بريطانيا. مع العلم أن فرنسا هي إحدى الدول الموقعة على الإتفاقية الدولية لتجارة السلاح، يُمنع بموجبها بيع هذه الأسلحة إلى بلدان متهمة بانتهاكات لحقوق الإنسان. بدل ذلك، تدعي فرنسا، أن تسليح بلد مثل الإمارات العربية هو من أجل الدفاع عن سلامة المواطنين الفرنسيين، وذلك من خلال الحرب على الإرهاب، وكأن هذه الطائرات تُحارب الإرهاب حقاً وليس المدنيين العُزل، يكفي أن نسأل أطفال اليمن عن ذلك.

السياسات الغربية

السؤال الأهم بالنسبة لي، هو كيف لنا كشعوب عربية أن نقف أمام هذه السياسات الغربية الداعمة للأنظمة الديكتاتورية بحجج واهية.
هل يكفي الصراخ والاحتجاج، أم يجب العمل في اتجاه تعميق الحراك الديمقراطي العربي؟
بدايات الثورة التونسية في العام 2011 تُذكرنا بذلك. في حينها، وقفت وزيرة الدفاع الفرنسية -أليو ماري- إلى جانب الرئيس بن علي وزودته بأدوات القمع، قبل أن تنعكس هذه السياسة رأساً على عقب، وتستقيل الوزيرة المذكورة أمام إصرار الشعب التونسي على إسقاط هذا النظام الديكتاتوري.
وحده العمل في اتجاه التحول الديمقراطي الكامل، من سيحمينا من شر هذه الأنظمة ومن شر من يدعمها، وحده هذا النضال من سيدفع بالسياسات الغربية الحالية، وخصوصاً الفرنسية، في اتجاه مُغاير.
تدعي فرنسا ليلاً نهاراً، أن الخطر الأساسي عليها، الآتي من جنوب البحر المتوسط، هو خطر الهجرة غير الشرعية، وخطر الإرهاب والتطرف. هذه أخطار حقيقية لا نُجادل بها. لكن كيف لفرنسا أن تتجنب هذه الأخطار، هل هو بتسليح الأنظمة المُستَبدة أم بالدفع نحو الانفتاح الديمقراطي والحكم الرشيد، كما أعلنه بزمنه الرئيس فرانسوا ميتيران، عندما توجه بخطابه إلى أفريقيا.
وحده ذلك الحكم الرشيد، وما يتبعه من انفتاح وتكامل اقتصادي، من سيتمكن عن طريق التنمية، بعد القضاء على الفساد وإهدار المال العام وسرقة الثروات، لصالح الأقلية الحاكمة، من سيتمكن من وضع الدول العربية على طريق التطور والخروج من التخلف الاقتصادي والفقر وما يتبعه من ظواهر التطرف الديني والعنف السياسي، والهجرة بكل الوسائل إلى أوروبا، وهي الأخطار التي يدعي الرئيس الفرنسي محاربتها، ببيعه الأسلحة المُدمرة للإمارات المتحدة.

طريق التغيير

السياسة الفرنسية الحالية، تبدو لي قصيرة النظر، أو حتى عمياء، فهذه الأمة العربية المعذبة، قد وضعت نفسها، منذ عشر سنوات على طريق التغيير، وشبابها سيستمرون بالعمل والنضال في البصرة وبيروت والخرطوم، وكل مدن وقرى الوطن المُمتَد من المحيط إلى الخليج.
هذا الحراك رغم ضعفه، ورغم عنف القوى المعادية، وتسليحها من طرف فرنسا وغيرها، لن يهدأ ولن يختفي، بل سيعود ويعود، كما رأينا في السودان، إلى أن تجد الأمة طريق الخلاص والخروج من هذا النفق الأسود. حينها قد تكون فرنسا ومن دعم هذه الأنظمة، بوضع لا يُحسد عليه، ذلك عندما تُوضع مشاريع التنمية وما تستوجب من تقنيات ورؤوس أموال، تتجاوز بكثير، الستة عشر مليار دولار، ثمن طائراتها المُقدمة للإمارات، أو ما جنته من بيع الأسلحة لمصر والمملكة العربية السعودية.
ما نأمله من الحكومة الفرنسية هي أن تقف الى جانب قوى التغيير العربية فهي تحمل مستقبل الأمة ومستقبل العلاقات بين دول شمال وجنوب المتوسط، مواقف وسياسات شجاعة تكون متلائمة مع قيم الجمهورية الفرنسية ومع قيم الشعب الفرنسي الصديق ومصالحه المستقبلية الحقيقية.

السياسة الأمريكية الخارجيه بين الأخلاق والمصالح. القدس العربي 18 نوفمبر 2020 نزار بدران

السياسة الأمريكية الخارجية… بين الأخلاق والمصالح

 د. نزار بدران 

لسنا في حاجة لبحث عميق، حتى نعلم أن السياسة الأمريكية الخارجية، في الشرق الأوسط وبشكل عام في العالم، لها دوافع تهم ما يعتبره الساسة الأمريكيون، مصلحة أمريكا العليا.
هل هناك مكان للأخلاق، في العمل السياسي الخارجي، وهل يمكن أن تتغير السياسة الأمريكية، تجاه القضايا العربية وخصوصاً القضية الفلسطينية.
وهل ستكون سياسة الرئيس الجديد، جو بايدن، أكثر أخلاقية من سابقاتها. هذه الأسئلة يجب أن تُطرح، ليس فقط على الساسة الأمريكيين، ولكن أيضاً على صانعي السياسة العربية، والفلسطينية بالتحديد.

التمييز بين الأخلاق والمصلحة

من المنظار الأمريكي، فالتمييز بين الأخلاق والمصلحة لا مكان له، هم يعتقدون أن الدفاع عن المصلحة الأمريكية في العالم، هو ما خوله لهم الشعب الأمريكي، وحملاتهم الانتخابية، يميناً أو يساراً، تُبنى دائماً على اعتبارات داخلية محضة، من اقتصاد وقوانين اجتماعية.
وحدها السياسة الداخلية، من تجمع بين المصلحة والأخلاق، لأن الأحزاب المتنافسة على السلطة، تبحث عن رضى الناخب الأمريكي، والذي في الوقت نفسه، يريد الانتعاش الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
من ناحية أخرى، فإن الترابط الأخلاقي بين السياسة الداخلية والخارجية، يأتي دائماً من الحراك المجتمعي، وليس من الإدارة، فالحرب في فيتنام مثلاً، حركت مئات الآلاف من المتظاهرين الأمريكيين، والمعارضين لتدخل بلادهم، وهو ما أدى بالنهاية، إلى المساهمة بالضغط للانسحاب وانتهاء الحرب.
حتى اللحظة، لم نر أي رئيس أمريكي يصل السلطة، بناء على موقف أخلاقي في السياسة الخارجية. في المقابل فإن كل الرؤساء الأمريكيين، تبجحوا بمواقف أخلاقية، لإعلان سياساتهم الخارجية، بما فيها مثلاً، الحرب على العراق، أو الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
وقد بينت الفيلسوفة آنا أرنت، في كتابها عن حرب فيتنام، بعنوان «من الكذب إلى العنف» مدى كذب الإدارة الأمريكية على مواطنيها، لتبرير التدخل الأمريكي، ثم لتبرير الهزيمة والانسحاب، حيث كان الغطاء الأخلاقي جاهزاً دائماً، لتغليف سياسات لا علاقة لها بالأخلاق، بل فقط بالمصالح.

القضية الفلسطينية

هنالك وجهان بالنسبة للقضية الفلسطينية، للتعامل السياسي مع أمريكا، الوجه الأول عدالة القضية، هذا العنصر لن يؤثر في الإدارة لصالحنا، وإلا لما حصل ما حصل، مع مسلمي البورما أو الصين، من ناحية طردهم أو اضطهادهم، دون ردود فعل دولية، لا غربية ولا إسلامية، وهم أصحاب قضية عادلة، لا يُناقش صحتها أحد. هذا لا يعني أن لا نطرح هذا البُعد، ولكننا يجب أن نطرحه، على الطرف الأمريكي السليم، وهو المجتمع المدني، وليس الإدارة. وحده المجتمع المدني ومنظماته، من يمكن أن يتقبل، ولو تدريجياً، عدالة القضية الفلسطينية، ومن ثم الضغط على حكوماته لتغيير سياساتها، لأننا كما قلنا سابقاً، فإن هذا البُعد لا يمكن أن يكون مؤثراً، إلا إذا ارتبط بالسياسة الداخلية.
نحن نعني نقل هذا البُعد الأخلاقي، من العلاقات الخارجية، مع الولايات المتحدة، إلى العلاقات الداخلية، أي مع المجتمع الأمريكي نفسه، وهو بهذه الحالة، قد يصبح فعالا حقاً. نرى مثلاً تجاوب الجناح اليساري، في الحزب الديمقراطي، مع حقوق الفلسطينيين (السيناتور بيرني ساندرز) ونجاح حملات مقاطعة إسرائيل على كل المستويات، ما دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى محاولة تجريم حركة البي دي إس، أمام قوانين الدول الغربية، ما يُظهر أهمية العمل، من طرف النشطاء بالساحة الأمريكية.
الوجه الثاني للعلاقة مع أمريكا، وهو في نظري الأهم، أن يكون هناك ثمن على أمريكا دفعه، أو مكسب تأخذه، نتيجة مواقف وسياسات، تؤيد الفلسطينيين ولو جزئياً، أو تُعاديهم.
هذا للأسف ما لا نملكه قطعاً، فنحن جردنا أنفسنا، من كل وسائل العمل، حين اختزلنا القضية الفلسطينية في الشعب الفلسطيني، بدل إبقائها قضية العرب الأولى. لا يستطيع الفلسطينيون، أن يُعطوا أمريكا شيئاً، أو يضغطوا عليها بشيء. بينما لو تواجدت، سياسات عربية ولو لبعض الدول، تتبنى كاملاً المنظار الفلسطيني، فقد نتمكن من تحقيق هذه المقايضة، استعمال الموقع الاستراتيجي، الثروات النفطية، التحالفات الدولية، المقاطعة التجارية وما إليه. تداعيات الحظر البترولي السعودي، وبقرار الملك فيصل عام 1973 على الاقتصاد الغربي يؤكد ذلك.

حركات التحرر العربي

اتفاقيات أوسلو، والتي أدت إلى اعتماد المفاوضات، كوسيلة وحيدة لتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني (ولو جزئياً) حرمت هذا الأخيرمن كل أدوات النضال، التي يعترف العالم بها، للشعوب المُحتلة والمُضطهدة، ولم تترك للقادة الفلسطينيين، إلا البُعد الأخلاقي لقضيتهم. ابتعاد دول عربية عدة، عن القضية الفلسطينية، وارتماؤهم بأحضان إسرائيل، جرد بدوره الفلسطينيين، من كل إمكانيات الضغط على الولايات المتحدة، بشكل فعال من منظار المصلحة المشتركة.
الترابط الضروري بين حركات التحرر العربي، من الاستبداد، والشعب الفلسطيني، قد يسمح لنا من جديد، وهو ما نأمله، بوضع يسمح أن نضع الحصان أمام عربة القضية الفلسطينية، أي استعمال إمكانيات الأمة العربية الهائلة، لصالح الضغط على سياسات الولايات المتحدة، ودول العالم الأخرى.
على العمل الوطني الفلسطيني، أن يأخذ في الحسبان، إمكانيات المستقبل على الساحة العربية، وفرضية تغيرات سياسية خلال السنوات المقبلة، وهو ما يجب أن يدفعنا، أن نقترب أكثر، من الحركات الشعبية العربية، وأن نتبنى برامج سياسية، ذات بُعد عربي، لإعادة القضية الفلسطينة، لحضن الأمة، حتى نتمكن من إضافة البُعد الاقتصادي الفعال، إلى جانب البُعد الأخلاقي. في انتظار ذلك، فإن انتشار الديمقراطيات في العالم، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، واتساع رقعة العولمة، والليبرالية الاقتصادية، أدى إلى إيجاد حركات شعبية من المجتمع المدني، وما يسمى بالحركات البديلة، بدول غربية عديدة، ذات فعالية مؤكدة، والتي قد تؤدي، إن استطعنا تفعيلها، لصالح قضيتنا، إلى إيجاد وسيلة ضغط محلية، داخل هذه الدول، لصالح وضع قوانين وسياسات تتناغم مع مصالح الشعب الفلسطيني.
إني أعتقد، أننا لن نسير إلى الأمام، إلا إذا وصلنا، إلى تلاحم هذين البُعدين، المصلحي والأخلاقي، حجم الأمة العربية، حجم التغيرات في المجتمعات المدنية في العالم، الرافعة لمبادئ حقوق الإنسان كمرجعية، سيكونان كفيلان من منظور تاريخي، بإحقاق الحق الفلسطيني، كما حصل في بلاد أخرى، كجنوب أفريقيا.
الرئيس الأمريكي الجديد، ذو الخبرة الكبيرة بالسياسات الخارجية، يفهم بكل تأكيد هذه اللغة، ولا ننسى، أن أول سنتين من حكمه، قد تكون مُكرسة للشؤون الخارجية، بسبب استمرار الجمهوريين، في السيطرة على مراكز السلطة الأخرى (مجلس الشيوخ، حكام الولايات، قضاة المحكمة العليا) وهو ما قد يمنعه، من التركيز على هذا الجزء من رئاسته، على الشؤون الداخلية، في انتظار احتمال استعادة هذه المراكز، لصالحه بعد عامين، عند الانتخابات البرلمانية المقبلة، منتصف ولايته.

الدرس الامريكي للعرب، الديموقراطية والوحدة. القدس العربي 10/11/2020 نزار بدران

راقب المشاهدون العرب، الانتخابات الأمريكية، بكثير من الاهتمام، وهم المحرومون من رؤية هكذا عملية سياسية داخل بلدانهم. يعود ذلك أيضاً لإدراك الجميع، أن هذه الدولة العظمى، تُحدد بسياساتها، مستقبل المواطن العربي، أكثر بكثير، من ساسة بلدانهم أنفسهم.
الوضع السياسي العربي، يُظهر مدى تخلف الأنظمة العربية، عن المعركة الحضارية للإنسانية، فنحن في واقع الحال، وبسبب هكذا أنظمة، لسنا إلا موضوعاً مطروحاً على طاولات الدول المؤثرة بالعالم، ولسنا طرفاً فاعلاً بحد ذاته.

سياسات فاعلة

سياسة أي دولة، تعتمد على قوتها بنواح عديدة، ولكن أيضاً على قوة الطرف الآخر لهذه السياسة، فالسياسة الأمريكية تجاه الصين مثلاً، ليست قراراً أمريكياً بحتاً، بل هو أيضاً قرار صيني، يُفرض على أمريكا، والعكس صحيح، فلكل طرف مصالح ووسائل قوة، تمنحه تحديد سياسات فاعلة.
لو نظرنا للأطراف العربية، كل دولة على حدة، قد نجد أن تلك الدولة أو الأخرى، هي ذات أهمية على المستوى الاقتصادي أو الجغرافي، إلا أنها غير مؤثرة، على المستوى السياسي، بمعنى أنها لا تستطيع أن تأخذ مواقف سياسية بناء على هذه القوة الاقتصادية، أو هذا الموقع الجغرافي المهم. ذلك لأسباب عديدة مُهمة منها، أن هدف أي نظام عربي تقريباً، هو البقاء بالسلطة، وليس الدفاع عن مصالح بلده.
هذا البقاء بالسلطة، هو الذي دفع رئيس مثل الأسد، لتدمير سوريا، ووضعها تحت الوصاية الأجنبية، أو هدر أموال الشعب السعودي بالمليارات، لدعم حامي النظام، الأمريكي ترامب، أو الدخول في معارك لا تُعبر عن مطامح الشعب السعودي.
الذين ينتظرون التغيير بالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بعد وصول الرئيس بايدن عليهم فقط أن ينظروا إلى مصالح أمريكا والقوى الفاعلة في الحزب الديمقراطي، خصوصا الجناح اليساري وليس للمواقف العربية مهما علا ضجيجها، لأنها لا تملك أي وسيلة للتأثير وتجري وراء الحماية الأمريكيه.
وما نرى من نصوص رسائل التهنئة العربية لبايدن والتي تنتظر كلها تدخل الولايات المتحده لحل مشاكلنا لدليل على العجز الكامل لهذه الحكومات وتبعيتها للمقرر الأمريكي.
السياسة الخارجية المُعلنة، هي الجزء المرئي من وسائل دولة ما للدفاع عن مصالحها، الجزء الأقل رؤية هو البُعد الداخلي لهذه السياسة الخارجية، أي نوع وكم ووحدة الدعم الشعبي، والوسائل الاقتصادية، وعناصر القوة المُتواجدة داخل هذه الدولة.
هذه العناصر هي، حجم الدولة السكاني والجغرافي والاقتصادي، ونوعية تحالفاتها الدولية، وأيضاً تمتعها بفترة سلم وأمان طويلة لتتمكن من البناء.
هذه الأسباب (سكان مساحة سلم) تسمح لها بالمشاركة بالحضارة الإنسانية من موقع الفاعل.
لو قارنا الولايات المتحدة ( 9,8 مليون كم مربع،328 مليون نسمه، تمايز سكاني وبعد جغرافي) مع الدول العربية ( 13,3مليون كم مربع، 429 مليون نسمه، ثروات لا تحصى، موقع جغرافي بين ثلاث قارات، تشابه سكاني ) فإننا سنلاحظ، أنه لا توجد أي دولة تملك هذه الوسائل للبناء الحضاري، بمعنى أن جزءا أو كل هذه العناصر مفقودة، فمصر دولة كبيرة السكان، لكنها محدودة المساحة والموارد، قطر أو الكويت في المقابل، لهما موارد، ولكنها تفتقر للعدد الكافي من السكان أو المساحة، وهكذا بكل الدول العربية، بالإضافة إلى أن كل هذه الدول، تفتقر إلى السلم الداخلي والخارجي، فهي إما مشغولة بالقمع والحروب الداخلية، أو مشغولة بالحروب الخارجية.

عناصر التأثير الحضاري

لو أخذنا كل دولة أو ولاية أمريكية على حدة، فلن نجد أي ولاية تمتلك عناصر التأثير الحضاري بمفردها، بسبب عدم امتلاكها للعناصر الثلاثة بنفس الوقت، مع أنها تتمتع جميعاً بالسلام منذ فترة طويلة، فالحجم السكاني أو المساحة أو الموارد، ستكون غير كافية لذلك. الهدف الأساسي للآباء المؤسسين للولايات المتحدة، كان هو إعطاء هذه الدول أساساً، إمكانية التجمع وبدء عملية حضارية، أثرت على الإنسانية جميعاً.
نحن في دولنا العربية، مهما كانت وسائل كل دولة وأهميتها ونظامها السياسي، لن نتمكن من المشاركة الفعالة، بالسياسة الدولية بمفهوم تغييرها لصالحنا، إلا إذا فهمنا أهمية تجميع القوى (سكان ومساحة ووسائل) في إطار النظام الديمقراطي كشرط اضطراري كما بأمريكا، وأنهينا حروبنا الداخلية والخارجية العقيمة، لنتمكن جميعاً من بناء أوطاننا.
العالم يتجه منذ سنوات عديدة، نحو التجمعات الكبيرة الديمقراطية، سكانياً وجغرافياً واقتصادياً، حتى ولو اختلفت اللغات والمسارات التاريخية، ورغم كل ما حصل من حروب وخلافات سابقة، هذا ما نراه مثلاً في الاتحاد الأوروبي.
التغير الديمقراطي المأمول، والذي يضع الشعب في موقع السلطة، كما حدث في تونس، سيكون المفتاح للولوج بهذا الطريق. فمثلاً لو توافقت دول شمال أفريقيا الخمس، على بناء اقتصادي وسياسي وحضاري مشترك (مساحة 6 ملايين كيلومتر مربع، سكان 101 مليون نسمة، موارد وثروات طبيعية هائلة) فهم بكل تأكيد سيكونون أكثر فعالية، وأكثر مساهمة، بتحديد السياسات التي تهمهم، وتهم شعوبهم، مما نراه حالياً عندما يغني كل على ليلاه، وليلى أمامهم لا يرونها.

كاتب ومحلل سياسي

مسلمو فرنسا بين ألمتاجرة والإسلاموفوبيا. القدس العربي 05/11/2020 نزار بدران

مسلمو فرنسا  

بين المُتاجرة والإسلاموفوبيا

د. نزار بدران

نتعرض نحن المسلمون المقيمون بفرنسا، لمن يحاول بشتى الوسائل، تمثيلنا والحديث بإسمنا من الخارج، وأقصد بشكل خاص، بعض الدول الإسلامية، وعلى رأسها تركيا، مستغلين ما قد يواجهه المسلمون من مصاعب مرتبطة بتقدم اليمين المتطرف وفكره العنصري.

العمليات الإرهابية بفرنسا، خطاب الرئيس ماكرون عن وضعية المسلمين داخل البلد، الصور الكاريكاتورية المنشورة بالصحافة، الموصوفة بالإسائة للرسول الكريم، تُفَسر وتحلل على أنها جزء من حملة فرنسية ضد المسلمين، ومحاولة للنيل من حقوقهم.

لو تركنا القلم والورقة لأبناء هذا البلد من المسلمين، لقالوا شيئاً آخر، فنحن هنا، مواطنون كالآخرين. وحده استعمال الدين الإسلامي السياسي من طرف بعض الدول، ومجموعات سياسية إسلامية، من يدفع باتجاه التمييز، وإظهار الجالية على أنها شيء آخر، وضحية للظلم الرسمي الفرنسي.

الإحصائيات المعلنة بفرنسا، تُظهر بوضوح، قرب المواطن المسلم بفرنسا، من قيم هذه الدولة، القادمة من الثورة الفرنسية، أي العلمانية، بما تعني من إخراج الدين من الأطر السياسية والقانونية، وقيم الجمهورية، والتي تعني حرية الناس والمساواة والتآخي بينهم.

يكفي أن نقبل أن نعطي أنفسنا جزءاً من الوقت، لسماع رئيس جامع باريس الكبير، السيد شمس الدين حافظ، وهو رجل مستقل، لا يُمثل الدولة الفرنسية، بل المواطنين المسلمين، أو رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، السيد محمد موسوي، أو أئمة جوامع أكبر المدن الفرنسية، بلا استثناء، لنعلم أنهم يتناقضون تماماً، مع الروايات التي يقصها ليلاً نهاراً، الإعلام التابع للإسلام السياسي، والإعلام الشعبوي، لخلق الأكاذيب. لم يقل أحد من هؤلاء، أن خطاب الرئيس ماكرون يُثير الكراهية ضد المسلمين، لم يقل أحد منهم، أنه ضدها ويرفضها، بل استبقوا الحدث، وقالوا أنهم كانوا قبل الرئيس الفرنسي، دعاة لهذا الفكر التنويري.

هم يطالبون بإسلام فرنسي، وأئمة فرنسيين منذ زمن، ولكن الدولة الفرنسية لم تهتم بذلك إلا حديثاً. هم من كانوا يطالبون بتعليم اللغة العربية بالمدارس، للحفاظ على لغتهم ونشرها، هم من كانوا يأملون، أن تدخل الدراسات الإسلامية، حضارة وتاريخاً للجامعات، وهي التي اختفت منها منذ عشرات السنين. كل هذه الأشياء التي قالها الرئيس، هي بالحقيقة استجابة لدعوات مسلمة قديمة بفرنسا، وليس بها أي بُعد إقصائي أو انتقاص حقوق. المطالبة بإشراك أوسع للشباب، بالحياة الاجتماعية والسياسية، عن طريق التعلم والعمل، هو أيضاً مطلب مسلم، لأننا كنا نشعر دوماً بالتهميش في هاتين الحالتين خصوصا بالضواحي، وهو ما وعد الرئيس ماكرون بالعمل عليه.

 الأحداث الإرهابية الأخيرة، تُبعدنا بكل تأكيد عن كل هذه المكتسبات، وتُعيدنا لمربع اللامواطنة، والعدو الداخلي أو الطابور الخامس. قتل معلم بمدرسته، أو إمرأة عجوز تصلي بكنيستها، أو أي إنسان، هي جريمة لا تُغتفر، ولا يمكن لأي مسلم بفرنسا، أن يجد لها تبريراً، أو تفسيراً عقلانياً اجتماعياً أو غيره، وربطها بإعادة نشر صور كاريكاتورية، بإحدى الصحف الساخرة الفرنسية، هو تلاعب بعقول البسطاء، وعكس معادلة السبب والنتيجة. المواطنون الفرنسيون المسلمون، يعلمون تماماً، أن الفكر الإسلامي المتطرف، لا يتغذى إلا من الجهل، وتأليب المشاعر والانفعالات والنظر دائما إلى الماضي.

يُتهم الرئيس ماكرون، بأنه قد اعتبر الدين الإسلامي مصدر الإرهاب، هذا الكلام خاطيء جداً، لا أحد ممن يعرف اللغة الفرنسية (كأبناء الجالية هنا)، قد سمع شيئاً من هذا القبيل، كلمة مسلم، مثل رجل مسلم، هي musulman، كلمة إسلامي، مثل ثوب إسلامي، هي islamique، وكلمة، إسلاموي، بمفهوم الانتماء إلى الفكر السياسي الإسلامي، هي islamiste، لم يستعمل ماكرون لا كلمة مسلم ولا كلمة إسلامي، بل كلمة إسلاموي، عندما تكلم عن الإرهاب، تماماً مثلما يكتبه كتابنا العرب، المحترمون للدين، عندما يتكلمون عن داعش. أن لا نفهم اللغة الفرنسية شيء، وأن نخترع التصريحات على لسان ماكرون، هو شيء آخر. نفس الشيء بالنسبة للصور المنشورة، فالذي دافع عنه ماكرون، هو حرية الصحافة بالنشر، وليس بالتحديد الصور المعنية، هذا ما أكده شيخ جامع باريس الكبير، وغيره من الشخصيات المسلمة، عند لقائهم بالرئيس، وتصريحاتهم موجودة في الإعلام. وللعلم، المحاكم والقضاء الفرنسي، ينظر دائماً بشكاوى ضد صحف عدة، من طرف رجال سياسة، أو من يعتبر نفسه مُهاناً.  للأسف لا أحد بالخارج، يكترث بما يقوله هؤلاء أو يستمع إليهم، وهم المعنيين بالأمر، ومن يمكن تسميتهم بممثلي الجالية المسلمة. 

دخول السيد أردوغان على الخط، وبهدف مفضوح، وهو استعمال قضية مُختلقة بنزاعاته السياسية مع فرنسا وأوروبا، أدى لإعطاء بُعد شعبي إسلامي، لمشروع التنديد بتصريحات ماكرون المُختلقة، حيث يتحرك الناس، بناءاً على مشاعر، تهم معتقداتهم الدينية، وقد استسلموا لما تكتبه الصحافة والإعلام العربي أو التركي. 

استعمال السيد أردوغان، للجالية المُسلمة، بوصف وضعها، بأنه أشبه بوضع اليهود، أيام اضطهادهم بأوروبا، هو افتراء، كَذَّبَه مباشرة ممثلوا الجالية بفرنسا، ولكن طبعاً، لا أحد يهتم أو ينقل تصريحاتهم. الرئيس التركي، يستطيع فعلاً التنديد ومقاطعة الصين، لما تفعله بملايين المسلمين هناك، وهذا يبدو أنه لا يعنيه، لأسباب تجارية، تاركاً ذلك للغرب. بإمكانه مقاطعة إسرائيل لحصارها غزة، بإمكانه مقاطعة أمريكا لإعلانها القدس، أولى القبلتين وثاني الحرمين الشريفين، عاصمة لإسرائيل، بإمكانه التنديد، بتدمير سوريا ومدنها، بطائرات حليفه الروسي بوتين، أو التنديد بالعسكر الحاكمين ببورما، لطردهم كل أبناء الجالية المسلمة إلى بنغلاديش.

بإمكان الرئيس التركي، أن يُعطي الأكراد، بشرق تركيا، حقوقهم، وأن يُخرج الصحفيين المعتقلين من السجون، بدل البكاء على حرية التعبير بفرنسا، بإمكانه التوقف عن اللهاث وراء أوهام إدخال تركيا الاتحاد الأوروبي، والذي يرى به عدواً للمسلمين، بدل إقامة تجمع إسلامي، مقابل التجمع الأوروبي، ودعم الثورات الديمقراطية، بإمكانه أخيراً، التذكير بأربع قرون من الاحتلال والتخلف، للوطن العربي وبسفر برلك.

الرئيس التركي، ووسائل إعلامه، ومن يسمع ما يقول، وكأنه حقيقة، هم أكبر خطر على الجالية المسلمة بفرنسا، ومن سيزيد التطرف.

المسلمون هنا، لهم خيار، أن يبقوا صامتين، منتظرين وصول مارين لوبين اليمينية المتطرفة للسلطة، حيث سيكونون بعدها، حقيقة، ضحايا لسياساتها التميزية، وحينها لن تنفعنا تصريحات أردوغان بشيء، أو يقفوا بوجه المحرضين، أتراكاً وعرب، واسترجاع حقهم بالتعبير عن أنفسهم، بالمشاركة بوضع السياسات المستقبلية، لما يتعلق بالممارسة الدينية والاندماج المجتمعي. التطرف اليميني الفرنسي، يتغذى بشكل يومي، من عدم مشاركة الجالية الفعال، بالعمل السياسي والاجتماعي. التنديد بالعمليات الإجرامية، والوقوف بجانب مكونات الشعب الفرنسي، بهذه المحنة، هي أفضل وسيلة لطرد شياطين العنصرية والكراهية والإسلاموفوبيا.

كاتب ومحلل سياسي