السياسة الأمريكية الخارجيه بين الأخلاق والمصالح. القدس العربي 18 نوفمبر 2020 نزار بدران

السياسة الأمريكية الخارجية… بين الأخلاق والمصالح

 د. نزار بدران 

لسنا في حاجة لبحث عميق، حتى نعلم أن السياسة الأمريكية الخارجية، في الشرق الأوسط وبشكل عام في العالم، لها دوافع تهم ما يعتبره الساسة الأمريكيون، مصلحة أمريكا العليا.
هل هناك مكان للأخلاق، في العمل السياسي الخارجي، وهل يمكن أن تتغير السياسة الأمريكية، تجاه القضايا العربية وخصوصاً القضية الفلسطينية.
وهل ستكون سياسة الرئيس الجديد، جو بايدن، أكثر أخلاقية من سابقاتها. هذه الأسئلة يجب أن تُطرح، ليس فقط على الساسة الأمريكيين، ولكن أيضاً على صانعي السياسة العربية، والفلسطينية بالتحديد.

التمييز بين الأخلاق والمصلحة

من المنظار الأمريكي، فالتمييز بين الأخلاق والمصلحة لا مكان له، هم يعتقدون أن الدفاع عن المصلحة الأمريكية في العالم، هو ما خوله لهم الشعب الأمريكي، وحملاتهم الانتخابية، يميناً أو يساراً، تُبنى دائماً على اعتبارات داخلية محضة، من اقتصاد وقوانين اجتماعية.
وحدها السياسة الداخلية، من تجمع بين المصلحة والأخلاق، لأن الأحزاب المتنافسة على السلطة، تبحث عن رضى الناخب الأمريكي، والذي في الوقت نفسه، يريد الانتعاش الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
من ناحية أخرى، فإن الترابط الأخلاقي بين السياسة الداخلية والخارجية، يأتي دائماً من الحراك المجتمعي، وليس من الإدارة، فالحرب في فيتنام مثلاً، حركت مئات الآلاف من المتظاهرين الأمريكيين، والمعارضين لتدخل بلادهم، وهو ما أدى بالنهاية، إلى المساهمة بالضغط للانسحاب وانتهاء الحرب.
حتى اللحظة، لم نر أي رئيس أمريكي يصل السلطة، بناء على موقف أخلاقي في السياسة الخارجية. في المقابل فإن كل الرؤساء الأمريكيين، تبجحوا بمواقف أخلاقية، لإعلان سياساتهم الخارجية، بما فيها مثلاً، الحرب على العراق، أو الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
وقد بينت الفيلسوفة آنا أرنت، في كتابها عن حرب فيتنام، بعنوان «من الكذب إلى العنف» مدى كذب الإدارة الأمريكية على مواطنيها، لتبرير التدخل الأمريكي، ثم لتبرير الهزيمة والانسحاب، حيث كان الغطاء الأخلاقي جاهزاً دائماً، لتغليف سياسات لا علاقة لها بالأخلاق، بل فقط بالمصالح.

القضية الفلسطينية

هنالك وجهان بالنسبة للقضية الفلسطينية، للتعامل السياسي مع أمريكا، الوجه الأول عدالة القضية، هذا العنصر لن يؤثر في الإدارة لصالحنا، وإلا لما حصل ما حصل، مع مسلمي البورما أو الصين، من ناحية طردهم أو اضطهادهم، دون ردود فعل دولية، لا غربية ولا إسلامية، وهم أصحاب قضية عادلة، لا يُناقش صحتها أحد. هذا لا يعني أن لا نطرح هذا البُعد، ولكننا يجب أن نطرحه، على الطرف الأمريكي السليم، وهو المجتمع المدني، وليس الإدارة. وحده المجتمع المدني ومنظماته، من يمكن أن يتقبل، ولو تدريجياً، عدالة القضية الفلسطينية، ومن ثم الضغط على حكوماته لتغيير سياساتها، لأننا كما قلنا سابقاً، فإن هذا البُعد لا يمكن أن يكون مؤثراً، إلا إذا ارتبط بالسياسة الداخلية.
نحن نعني نقل هذا البُعد الأخلاقي، من العلاقات الخارجية، مع الولايات المتحدة، إلى العلاقات الداخلية، أي مع المجتمع الأمريكي نفسه، وهو بهذه الحالة، قد يصبح فعالا حقاً. نرى مثلاً تجاوب الجناح اليساري، في الحزب الديمقراطي، مع حقوق الفلسطينيين (السيناتور بيرني ساندرز) ونجاح حملات مقاطعة إسرائيل على كل المستويات، ما دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى محاولة تجريم حركة البي دي إس، أمام قوانين الدول الغربية، ما يُظهر أهمية العمل، من طرف النشطاء بالساحة الأمريكية.
الوجه الثاني للعلاقة مع أمريكا، وهو في نظري الأهم، أن يكون هناك ثمن على أمريكا دفعه، أو مكسب تأخذه، نتيجة مواقف وسياسات، تؤيد الفلسطينيين ولو جزئياً، أو تُعاديهم.
هذا للأسف ما لا نملكه قطعاً، فنحن جردنا أنفسنا، من كل وسائل العمل، حين اختزلنا القضية الفلسطينية في الشعب الفلسطيني، بدل إبقائها قضية العرب الأولى. لا يستطيع الفلسطينيون، أن يُعطوا أمريكا شيئاً، أو يضغطوا عليها بشيء. بينما لو تواجدت، سياسات عربية ولو لبعض الدول، تتبنى كاملاً المنظار الفلسطيني، فقد نتمكن من تحقيق هذه المقايضة، استعمال الموقع الاستراتيجي، الثروات النفطية، التحالفات الدولية، المقاطعة التجارية وما إليه. تداعيات الحظر البترولي السعودي، وبقرار الملك فيصل عام 1973 على الاقتصاد الغربي يؤكد ذلك.

حركات التحرر العربي

اتفاقيات أوسلو، والتي أدت إلى اعتماد المفاوضات، كوسيلة وحيدة لتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني (ولو جزئياً) حرمت هذا الأخيرمن كل أدوات النضال، التي يعترف العالم بها، للشعوب المُحتلة والمُضطهدة، ولم تترك للقادة الفلسطينيين، إلا البُعد الأخلاقي لقضيتهم. ابتعاد دول عربية عدة، عن القضية الفلسطينية، وارتماؤهم بأحضان إسرائيل، جرد بدوره الفلسطينيين، من كل إمكانيات الضغط على الولايات المتحدة، بشكل فعال من منظار المصلحة المشتركة.
الترابط الضروري بين حركات التحرر العربي، من الاستبداد، والشعب الفلسطيني، قد يسمح لنا من جديد، وهو ما نأمله، بوضع يسمح أن نضع الحصان أمام عربة القضية الفلسطينية، أي استعمال إمكانيات الأمة العربية الهائلة، لصالح الضغط على سياسات الولايات المتحدة، ودول العالم الأخرى.
على العمل الوطني الفلسطيني، أن يأخذ في الحسبان، إمكانيات المستقبل على الساحة العربية، وفرضية تغيرات سياسية خلال السنوات المقبلة، وهو ما يجب أن يدفعنا، أن نقترب أكثر، من الحركات الشعبية العربية، وأن نتبنى برامج سياسية، ذات بُعد عربي، لإعادة القضية الفلسطينة، لحضن الأمة، حتى نتمكن من إضافة البُعد الاقتصادي الفعال، إلى جانب البُعد الأخلاقي. في انتظار ذلك، فإن انتشار الديمقراطيات في العالم، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، واتساع رقعة العولمة، والليبرالية الاقتصادية، أدى إلى إيجاد حركات شعبية من المجتمع المدني، وما يسمى بالحركات البديلة، بدول غربية عديدة، ذات فعالية مؤكدة، والتي قد تؤدي، إن استطعنا تفعيلها، لصالح قضيتنا، إلى إيجاد وسيلة ضغط محلية، داخل هذه الدول، لصالح وضع قوانين وسياسات تتناغم مع مصالح الشعب الفلسطيني.
إني أعتقد، أننا لن نسير إلى الأمام، إلا إذا وصلنا، إلى تلاحم هذين البُعدين، المصلحي والأخلاقي، حجم الأمة العربية، حجم التغيرات في المجتمعات المدنية في العالم، الرافعة لمبادئ حقوق الإنسان كمرجعية، سيكونان كفيلان من منظور تاريخي، بإحقاق الحق الفلسطيني، كما حصل في بلاد أخرى، كجنوب أفريقيا.
الرئيس الأمريكي الجديد، ذو الخبرة الكبيرة بالسياسات الخارجية، يفهم بكل تأكيد هذه اللغة، ولا ننسى، أن أول سنتين من حكمه، قد تكون مُكرسة للشؤون الخارجية، بسبب استمرار الجمهوريين، في السيطرة على مراكز السلطة الأخرى (مجلس الشيوخ، حكام الولايات، قضاة المحكمة العليا) وهو ما قد يمنعه، من التركيز على هذا الجزء من رئاسته، على الشؤون الداخلية، في انتظار احتمال استعادة هذه المراكز، لصالحه بعد عامين، عند الانتخابات البرلمانية المقبلة، منتصف ولايته.

الدرس الامريكي للعرب، الديموقراطية والوحدة. القدس العربي 10/11/2020 نزار بدران

راقب المشاهدون العرب، الانتخابات الأمريكية، بكثير من الاهتمام، وهم المحرومون من رؤية هكذا عملية سياسية داخل بلدانهم. يعود ذلك أيضاً لإدراك الجميع، أن هذه الدولة العظمى، تُحدد بسياساتها، مستقبل المواطن العربي، أكثر بكثير، من ساسة بلدانهم أنفسهم.
الوضع السياسي العربي، يُظهر مدى تخلف الأنظمة العربية، عن المعركة الحضارية للإنسانية، فنحن في واقع الحال، وبسبب هكذا أنظمة، لسنا إلا موضوعاً مطروحاً على طاولات الدول المؤثرة بالعالم، ولسنا طرفاً فاعلاً بحد ذاته.

سياسات فاعلة

سياسة أي دولة، تعتمد على قوتها بنواح عديدة، ولكن أيضاً على قوة الطرف الآخر لهذه السياسة، فالسياسة الأمريكية تجاه الصين مثلاً، ليست قراراً أمريكياً بحتاً، بل هو أيضاً قرار صيني، يُفرض على أمريكا، والعكس صحيح، فلكل طرف مصالح ووسائل قوة، تمنحه تحديد سياسات فاعلة.
لو نظرنا للأطراف العربية، كل دولة على حدة، قد نجد أن تلك الدولة أو الأخرى، هي ذات أهمية على المستوى الاقتصادي أو الجغرافي، إلا أنها غير مؤثرة، على المستوى السياسي، بمعنى أنها لا تستطيع أن تأخذ مواقف سياسية بناء على هذه القوة الاقتصادية، أو هذا الموقع الجغرافي المهم. ذلك لأسباب عديدة مُهمة منها، أن هدف أي نظام عربي تقريباً، هو البقاء بالسلطة، وليس الدفاع عن مصالح بلده.
هذا البقاء بالسلطة، هو الذي دفع رئيس مثل الأسد، لتدمير سوريا، ووضعها تحت الوصاية الأجنبية، أو هدر أموال الشعب السعودي بالمليارات، لدعم حامي النظام، الأمريكي ترامب، أو الدخول في معارك لا تُعبر عن مطامح الشعب السعودي.
الذين ينتظرون التغيير بالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بعد وصول الرئيس بايدن عليهم فقط أن ينظروا إلى مصالح أمريكا والقوى الفاعلة في الحزب الديمقراطي، خصوصا الجناح اليساري وليس للمواقف العربية مهما علا ضجيجها، لأنها لا تملك أي وسيلة للتأثير وتجري وراء الحماية الأمريكيه.
وما نرى من نصوص رسائل التهنئة العربية لبايدن والتي تنتظر كلها تدخل الولايات المتحده لحل مشاكلنا لدليل على العجز الكامل لهذه الحكومات وتبعيتها للمقرر الأمريكي.
السياسة الخارجية المُعلنة، هي الجزء المرئي من وسائل دولة ما للدفاع عن مصالحها، الجزء الأقل رؤية هو البُعد الداخلي لهذه السياسة الخارجية، أي نوع وكم ووحدة الدعم الشعبي، والوسائل الاقتصادية، وعناصر القوة المُتواجدة داخل هذه الدولة.
هذه العناصر هي، حجم الدولة السكاني والجغرافي والاقتصادي، ونوعية تحالفاتها الدولية، وأيضاً تمتعها بفترة سلم وأمان طويلة لتتمكن من البناء.
هذه الأسباب (سكان مساحة سلم) تسمح لها بالمشاركة بالحضارة الإنسانية من موقع الفاعل.
لو قارنا الولايات المتحدة ( 9,8 مليون كم مربع،328 مليون نسمه، تمايز سكاني وبعد جغرافي) مع الدول العربية ( 13,3مليون كم مربع، 429 مليون نسمه، ثروات لا تحصى، موقع جغرافي بين ثلاث قارات، تشابه سكاني ) فإننا سنلاحظ، أنه لا توجد أي دولة تملك هذه الوسائل للبناء الحضاري، بمعنى أن جزءا أو كل هذه العناصر مفقودة، فمصر دولة كبيرة السكان، لكنها محدودة المساحة والموارد، قطر أو الكويت في المقابل، لهما موارد، ولكنها تفتقر للعدد الكافي من السكان أو المساحة، وهكذا بكل الدول العربية، بالإضافة إلى أن كل هذه الدول، تفتقر إلى السلم الداخلي والخارجي، فهي إما مشغولة بالقمع والحروب الداخلية، أو مشغولة بالحروب الخارجية.

عناصر التأثير الحضاري

لو أخذنا كل دولة أو ولاية أمريكية على حدة، فلن نجد أي ولاية تمتلك عناصر التأثير الحضاري بمفردها، بسبب عدم امتلاكها للعناصر الثلاثة بنفس الوقت، مع أنها تتمتع جميعاً بالسلام منذ فترة طويلة، فالحجم السكاني أو المساحة أو الموارد، ستكون غير كافية لذلك. الهدف الأساسي للآباء المؤسسين للولايات المتحدة، كان هو إعطاء هذه الدول أساساً، إمكانية التجمع وبدء عملية حضارية، أثرت على الإنسانية جميعاً.
نحن في دولنا العربية، مهما كانت وسائل كل دولة وأهميتها ونظامها السياسي، لن نتمكن من المشاركة الفعالة، بالسياسة الدولية بمفهوم تغييرها لصالحنا، إلا إذا فهمنا أهمية تجميع القوى (سكان ومساحة ووسائل) في إطار النظام الديمقراطي كشرط اضطراري كما بأمريكا، وأنهينا حروبنا الداخلية والخارجية العقيمة، لنتمكن جميعاً من بناء أوطاننا.
العالم يتجه منذ سنوات عديدة، نحو التجمعات الكبيرة الديمقراطية، سكانياً وجغرافياً واقتصادياً، حتى ولو اختلفت اللغات والمسارات التاريخية، ورغم كل ما حصل من حروب وخلافات سابقة، هذا ما نراه مثلاً في الاتحاد الأوروبي.
التغير الديمقراطي المأمول، والذي يضع الشعب في موقع السلطة، كما حدث في تونس، سيكون المفتاح للولوج بهذا الطريق. فمثلاً لو توافقت دول شمال أفريقيا الخمس، على بناء اقتصادي وسياسي وحضاري مشترك (مساحة 6 ملايين كيلومتر مربع، سكان 101 مليون نسمة، موارد وثروات طبيعية هائلة) فهم بكل تأكيد سيكونون أكثر فعالية، وأكثر مساهمة، بتحديد السياسات التي تهمهم، وتهم شعوبهم، مما نراه حالياً عندما يغني كل على ليلاه، وليلى أمامهم لا يرونها.

كاتب ومحلل سياسي

مسلمو فرنسا بين ألمتاجرة والإسلاموفوبيا. القدس العربي 05/11/2020 نزار بدران

مسلمو فرنسا  

بين المُتاجرة والإسلاموفوبيا

د. نزار بدران

نتعرض نحن المسلمون المقيمون بفرنسا، لمن يحاول بشتى الوسائل، تمثيلنا والحديث بإسمنا من الخارج، وأقصد بشكل خاص، بعض الدول الإسلامية، وعلى رأسها تركيا، مستغلين ما قد يواجهه المسلمون من مصاعب مرتبطة بتقدم اليمين المتطرف وفكره العنصري.

العمليات الإرهابية بفرنسا، خطاب الرئيس ماكرون عن وضعية المسلمين داخل البلد، الصور الكاريكاتورية المنشورة بالصحافة، الموصوفة بالإسائة للرسول الكريم، تُفَسر وتحلل على أنها جزء من حملة فرنسية ضد المسلمين، ومحاولة للنيل من حقوقهم.

لو تركنا القلم والورقة لأبناء هذا البلد من المسلمين، لقالوا شيئاً آخر، فنحن هنا، مواطنون كالآخرين. وحده استعمال الدين الإسلامي السياسي من طرف بعض الدول، ومجموعات سياسية إسلامية، من يدفع باتجاه التمييز، وإظهار الجالية على أنها شيء آخر، وضحية للظلم الرسمي الفرنسي.

الإحصائيات المعلنة بفرنسا، تُظهر بوضوح، قرب المواطن المسلم بفرنسا، من قيم هذه الدولة، القادمة من الثورة الفرنسية، أي العلمانية، بما تعني من إخراج الدين من الأطر السياسية والقانونية، وقيم الجمهورية، والتي تعني حرية الناس والمساواة والتآخي بينهم.

يكفي أن نقبل أن نعطي أنفسنا جزءاً من الوقت، لسماع رئيس جامع باريس الكبير، السيد شمس الدين حافظ، وهو رجل مستقل، لا يُمثل الدولة الفرنسية، بل المواطنين المسلمين، أو رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، السيد محمد موسوي، أو أئمة جوامع أكبر المدن الفرنسية، بلا استثناء، لنعلم أنهم يتناقضون تماماً، مع الروايات التي يقصها ليلاً نهاراً، الإعلام التابع للإسلام السياسي، والإعلام الشعبوي، لخلق الأكاذيب. لم يقل أحد من هؤلاء، أن خطاب الرئيس ماكرون يُثير الكراهية ضد المسلمين، لم يقل أحد منهم، أنه ضدها ويرفضها، بل استبقوا الحدث، وقالوا أنهم كانوا قبل الرئيس الفرنسي، دعاة لهذا الفكر التنويري.

هم يطالبون بإسلام فرنسي، وأئمة فرنسيين منذ زمن، ولكن الدولة الفرنسية لم تهتم بذلك إلا حديثاً. هم من كانوا يطالبون بتعليم اللغة العربية بالمدارس، للحفاظ على لغتهم ونشرها، هم من كانوا يأملون، أن تدخل الدراسات الإسلامية، حضارة وتاريخاً للجامعات، وهي التي اختفت منها منذ عشرات السنين. كل هذه الأشياء التي قالها الرئيس، هي بالحقيقة استجابة لدعوات مسلمة قديمة بفرنسا، وليس بها أي بُعد إقصائي أو انتقاص حقوق. المطالبة بإشراك أوسع للشباب، بالحياة الاجتماعية والسياسية، عن طريق التعلم والعمل، هو أيضاً مطلب مسلم، لأننا كنا نشعر دوماً بالتهميش في هاتين الحالتين خصوصا بالضواحي، وهو ما وعد الرئيس ماكرون بالعمل عليه.

 الأحداث الإرهابية الأخيرة، تُبعدنا بكل تأكيد عن كل هذه المكتسبات، وتُعيدنا لمربع اللامواطنة، والعدو الداخلي أو الطابور الخامس. قتل معلم بمدرسته، أو إمرأة عجوز تصلي بكنيستها، أو أي إنسان، هي جريمة لا تُغتفر، ولا يمكن لأي مسلم بفرنسا، أن يجد لها تبريراً، أو تفسيراً عقلانياً اجتماعياً أو غيره، وربطها بإعادة نشر صور كاريكاتورية، بإحدى الصحف الساخرة الفرنسية، هو تلاعب بعقول البسطاء، وعكس معادلة السبب والنتيجة. المواطنون الفرنسيون المسلمون، يعلمون تماماً، أن الفكر الإسلامي المتطرف، لا يتغذى إلا من الجهل، وتأليب المشاعر والانفعالات والنظر دائما إلى الماضي.

يُتهم الرئيس ماكرون، بأنه قد اعتبر الدين الإسلامي مصدر الإرهاب، هذا الكلام خاطيء جداً، لا أحد ممن يعرف اللغة الفرنسية (كأبناء الجالية هنا)، قد سمع شيئاً من هذا القبيل، كلمة مسلم، مثل رجل مسلم، هي musulman، كلمة إسلامي، مثل ثوب إسلامي، هي islamique، وكلمة، إسلاموي، بمفهوم الانتماء إلى الفكر السياسي الإسلامي، هي islamiste، لم يستعمل ماكرون لا كلمة مسلم ولا كلمة إسلامي، بل كلمة إسلاموي، عندما تكلم عن الإرهاب، تماماً مثلما يكتبه كتابنا العرب، المحترمون للدين، عندما يتكلمون عن داعش. أن لا نفهم اللغة الفرنسية شيء، وأن نخترع التصريحات على لسان ماكرون، هو شيء آخر. نفس الشيء بالنسبة للصور المنشورة، فالذي دافع عنه ماكرون، هو حرية الصحافة بالنشر، وليس بالتحديد الصور المعنية، هذا ما أكده شيخ جامع باريس الكبير، وغيره من الشخصيات المسلمة، عند لقائهم بالرئيس، وتصريحاتهم موجودة في الإعلام. وللعلم، المحاكم والقضاء الفرنسي، ينظر دائماً بشكاوى ضد صحف عدة، من طرف رجال سياسة، أو من يعتبر نفسه مُهاناً.  للأسف لا أحد بالخارج، يكترث بما يقوله هؤلاء أو يستمع إليهم، وهم المعنيين بالأمر، ومن يمكن تسميتهم بممثلي الجالية المسلمة. 

دخول السيد أردوغان على الخط، وبهدف مفضوح، وهو استعمال قضية مُختلقة بنزاعاته السياسية مع فرنسا وأوروبا، أدى لإعطاء بُعد شعبي إسلامي، لمشروع التنديد بتصريحات ماكرون المُختلقة، حيث يتحرك الناس، بناءاً على مشاعر، تهم معتقداتهم الدينية، وقد استسلموا لما تكتبه الصحافة والإعلام العربي أو التركي. 

استعمال السيد أردوغان، للجالية المُسلمة، بوصف وضعها، بأنه أشبه بوضع اليهود، أيام اضطهادهم بأوروبا، هو افتراء، كَذَّبَه مباشرة ممثلوا الجالية بفرنسا، ولكن طبعاً، لا أحد يهتم أو ينقل تصريحاتهم. الرئيس التركي، يستطيع فعلاً التنديد ومقاطعة الصين، لما تفعله بملايين المسلمين هناك، وهذا يبدو أنه لا يعنيه، لأسباب تجارية، تاركاً ذلك للغرب. بإمكانه مقاطعة إسرائيل لحصارها غزة، بإمكانه مقاطعة أمريكا لإعلانها القدس، أولى القبلتين وثاني الحرمين الشريفين، عاصمة لإسرائيل، بإمكانه التنديد، بتدمير سوريا ومدنها، بطائرات حليفه الروسي بوتين، أو التنديد بالعسكر الحاكمين ببورما، لطردهم كل أبناء الجالية المسلمة إلى بنغلاديش.

بإمكان الرئيس التركي، أن يُعطي الأكراد، بشرق تركيا، حقوقهم، وأن يُخرج الصحفيين المعتقلين من السجون، بدل البكاء على حرية التعبير بفرنسا، بإمكانه التوقف عن اللهاث وراء أوهام إدخال تركيا الاتحاد الأوروبي، والذي يرى به عدواً للمسلمين، بدل إقامة تجمع إسلامي، مقابل التجمع الأوروبي، ودعم الثورات الديمقراطية، بإمكانه أخيراً، التذكير بأربع قرون من الاحتلال والتخلف، للوطن العربي وبسفر برلك.

الرئيس التركي، ووسائل إعلامه، ومن يسمع ما يقول، وكأنه حقيقة، هم أكبر خطر على الجالية المسلمة بفرنسا، ومن سيزيد التطرف.

المسلمون هنا، لهم خيار، أن يبقوا صامتين، منتظرين وصول مارين لوبين اليمينية المتطرفة للسلطة، حيث سيكونون بعدها، حقيقة، ضحايا لسياساتها التميزية، وحينها لن تنفعنا تصريحات أردوغان بشيء، أو يقفوا بوجه المحرضين، أتراكاً وعرب، واسترجاع حقهم بالتعبير عن أنفسهم، بالمشاركة بوضع السياسات المستقبلية، لما يتعلق بالممارسة الدينية والاندماج المجتمعي. التطرف اليميني الفرنسي، يتغذى بشكل يومي، من عدم مشاركة الجالية الفعال، بالعمل السياسي والاجتماعي. التنديد بالعمليات الإجرامية، والوقوف بجانب مكونات الشعب الفرنسي، بهذه المحنة، هي أفضل وسيلة لطرد شياطين العنصرية والكراهية والإسلاموفوبيا.

كاتب ومحلل سياسي

الجريمة ألتي قصمت ظهر البعير، القدس العربي 24 أكتوبر 2020. نزار بدران

الجريمة ألتي قصمت ظهر البعير

د. نزار بدران

مع مقتل المعلم الفرنسي صاموئيل باتي على يد إرهابي شيشاني وبطريقة بشعة تذكرنا بداعش ومن شابهها،. نجد من جديد من يبرر او يتفهم او يقسم المسؤولية بين الجاني والضحية. يذكرني ذلك بجرائم التحرش الجنسي  والذي تتحمل دائما الضحية مسؤولية ما حدث لها، لعدم احتشامها او إثارة شهوات القاتل.

عندما حرقت داعش الطيار الأردني الشهيد معاذ الكساسبة عام 2015 لم يحمل أحدا المسؤولية للطيار بل داعش لخروجها عن كل قوانين الأسر والانسانية.  عندما يقتل المستوطنون الاسرائيليون  بالقدس حرقا الطفل الشهيد محمد أبو خضير عام 2014 لن نقبل ان تجد الصحافة والقضاء الاسرائيلي اعذار مخففة للحكم.

جريمة القتل لا يجب ان تجد من يبحث عن مساواة الجاني بضحيته وإلا فنحن لسنا بحاجة لاي قانون ينظم المجتمع، بل قانون الغاب يكفي. هذا ما نراه ببلادنا بجرائم الشرف والتي تعفي وتطلق سراح القاتل، بعكس قوانين الدول الغربية والتي تحكم على جريمة الشرف بشكل أقوى بسبب وجود سلطة للقاتل على ضحيته.

ما أقول لا يعني أن لا نفهم أسباب وظروف الجريمة لنتمكن من أخذ الاجرائات اللازمة لمنع تكرارها، التمييز بين السبب والنتيجة مهم جدا لأن ما توجب عمله مرتبط بالاسباب، فالتحرش الجنسي سببه الكبت الجنسي وليس ما تلبسه الضحية، هذا يعني ان الاجراءات المتخذة يجب ان تكون موجه نحو حل أزمة الكبت والتعامل بين الجنسين, وهو ما يدفعنا إلى مساعدة الشباب كتخفيض نفقات الزواج ماديا، او مساعدة العائلة المكونة الجديدة، وليس اجرائات لفرض النقاب على النساء، او تخفيف الأحكام على الجناة وقبول جرائمهم.

بالعودة لمقتل الاستاذ الفرنسي ذبحا، فاتهامه بأنه السبب بذلك هو تجني عليه ، ما قام به هو جزء من أساليب التعليم الغربية والتي تفضل النقاش في الأشكاليات المطروحة داخل المدارس لإثارة النقاش بدل خلق الكره المتبادل ورفض الآخر، وليس الاستسلام والتراجع ، حرية التعبير هي أحد أسس المجتمع الغربي، وهي بفرنسا محدودة نسبيا عن طريق ربطها باحترام قيم العلمانية واسس الثورة الفرنسية، على خلاف أمريكا أو بريطانيا حيث لا توجد حدود تقريباً.

الإعلام الساخر هو تقليد ثوري قديم حين كانت الصحافة منذ قرون، ما بعد الثورة الفرنسية تتهكم دائما على رجال الدين المسيحيين وعلى الكنيسة وعلى الساسة، وهو ما أسس لثقافة النقد الساخر ذا الانتشار الواسع وبقبول كل الأطراف.

 الوجود الإسلامي بالمجتمع الغربي حديث النشأة نسبيا، بدأ مع النصف الثاني من القرن الماضي ، وأخذ منذ التسعينات بعدا جديدا قريباً لما حدث بدول المشرق والمغرب العربي من حيث الارتداد نحو التعصب الديني وظهور الاسلام السياسي،  المجتمع المسلم بفرنسا تأثر إذا بالتغيرات السياسية والاجتماعية بالدول  المصدرة للهجرة.

من ناحية أخرى ما نراه حالياً بالغرب ومنذ ظهور الحركات الاسلاميه المتطرفة مثل القاعدة أو داعش هو بالحقيقة امتداد لهذه الحركات وليس التطور الطبيعي للمكون المسلم، ولا رد فعل على ما يسمى تهميش جزء من المجتمع ذا الاصول المسلمة. دليل ذلك أن هذا التهميش كان أكثر وضوحا بالستينات والسبعينات حين كان هولاء العمال المهاجرون يسكنون مدن الصفيح. من ناحية أخرى فإن الأفراد المتورطين بالهجمات الإرهابية ينتمون بشكل عام لطبقة وسطى تعيش بظروف مادية حسنة ولا ينتمون حقيقة لطبقة الفقراء. ولكن يمكننا ملاحظة ان الذهاب إلى صيغة متشددة للاسلام بفرنسا والغرب بشكل عام هو إمتداد لما يحدث بدول المهاجرين الأصلية دافعا باتجاه الانعزالية والخصوصية والتي لا تتوافق مع ما يعتبره الناس هنا أسس مجتمعاتهم .مثال ذلك محاولة الفصل بين الذكور والاناث بالمدارس خصوصا بدروس الرياضة، رفض مشاركة البنات او حتى الأولاد بدروس تخص البيولوجية او التوعية الجنسية، التميز بالمظهر لاظهار الانتماء الديني، كل هذه الأشياء تطرح على الدولة إشكالية التعليم العلماني ومساواة الرجل بالمرأة وتوحيد المناهج التعليميه.

للأسف فإن تضخم التيار المحافظ الإسلامي أعطى للمتشددين والمتزمتين فرصة الوجود والتأثير بالشباب عن طريق ايجاد حاضنة إجتماعية تتقبل طروحاتهم وعائلات تربي ابنائها على رفض النموذج الذين يعيشون بداخله، مما يخلق نوع من إنفصام الذات وبلبلة فكرية تسيئ الى التطور الحر واكتساب وسائل الفكر المستقل.

  هذه الأعمال الإرهابية حتى ولو كانت فردية ستنعكس على المجتمع المسلم الغربي والمسلم الفرنسي بشكل خاص مهمشة المسلمين أكثر وأكثر، فهو الآن متهم بكونه أعطى الغطاء الذي منح المجرمين شرعية جرائمهم، هذا ما نسمعه الأن بوسائل الإعلام الغربية وما عبر عنه مئات آلاف المتظاهرين بعد الجريمة.

الخطاب الذي القاه الرئيس ماكرون قبل أسابيع قليلة حول الانفصالية التي يتهم بها المسلمين أخذت مع هذآ الحدث بعدها الحقيقي، هو بخطابه الداعي إلى إسلام تنويري يفتح المدارس للغة العربية والجامعات للدراسات الإسلامية تاريخا وحضارة، ودامجا الطلبة من أصول إسلامية مع الاخرين بدون تمييز وواعدا بفتح مجالات التكوين المهني والعمل لهم، مبعدا بذلك الاصوليين والمتشددين القابضين على أدمغة الشباب المسلم ، هذا الخطاب يعطينا طوق نجاة حتى لا نصبح الضحية النموذجيه لليمين المتطرف الذي ينتظر على الأبواب، وقد يصل السلطة بالانتخابات الرئاسية المقبلة، برنامجه السياسي لا يحتوي على أي بعد تنويري وانما فقط عنصري واقصائي، هذا الخطاب الذي يجد بما حدث وسيلة للتطور والسيطرة مستغلا غضب الناس وتزايد العداوة تجاه المسلمين.

التفاعل الإيجابي مع خطاب الرئيس ماكرون من المؤسسات الإسلامية وخصوصا أنها لم تندد بالخطاب بل دعمته في معظم ما جاء به، العمل الدؤوب لابعاد الاصوليين والقبول بدون تردد بالدفاع عن القيم المؤسسة للدولة الفرنسية، التضامن الواضح مع بقية الشعب الفرنسي المصدوم وإظهار ذلك بكافة الوسائل المتاحة واستنكار ما حدث بأعلى صوت وهذا ما بدأ،  المشاركة بالحملة الانتخابية القادمة تحضيرا وتصويتا قد يعيد المكون المسلم بفرنسا لمربع المواطنة المسالمة الفاعلة بنفسها وبمجتمعها وتراجع خطاب الكراهية بين الجانبين.  نرى العدد الكبير من الكفاءات بكل المجالات بين ابناء الجالية وهم يساهمون كاطباء ومهندسين وتقنيين وعمال وفي كل المجالات المنتجة. يستطيعون حقا لو استرجعوا حقهم بالفكر المستقل وممارسة دينهم إن أرادوا مثل الآخرين ( الهنود او الصينيين مثلا) بدون خلط الدين بالسياسة او القانون ان يصبحوا مصدر إلهام للمجتمع الفرنسي والغربي وحلقة وصل لبناء الجسور بين الشعوب بدل العيش بمتاهات إلاوهام.

كاتب ومحلل سياسي

التهافت على إنتقاد الرئيس ماكرون . القدس العربي 13 أكتوبر 2020. نزار بدران

يتهافت الكتاب المسلمون، في مناطق عديدة في العالم وبعض الزعماء، على الرد على الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وكأنه بخطابه الشهير، قد توجه إلى الأمة الإسلامية، من دانيها إلى قاصيها.
والغريب أن هذا الإجماع، كان مفقوداً تماماً، عندما تدخل الرئيس الفرنسي، في الشأن اللبناني وعين نفسه حاكماً للبلاد، مُحدداً سياساتها مُتجاوزاً كل الأعراف، مُعيداً تقريباً زمن الانتداب، بل على العكس، وجد من الكُثر الترحيب والدعم.

البُعد الانفعالي

يحق لأي شخص طبعاً، أن يُعلق وينتقد كلام أي رئيس في العالم، ولكن المشكلة بالنسبة لخطاب الرئيس ماكرون، هو هذا البُعد الانفعالي بالرد عليه من خارج فرنسا، وبحدة وتحد، بينما المعنيون بالأمر، أي مسلمو فرنسا، لم يكونوا بتلك الحدة، بل على العكس، فمعظم المسؤولين بالهيئات الإسلامية الجامعة، وحتى رئيس جامع باريس، مع بعض التحفظ، بسبب خلافات داخلية داخل المؤسسات الإسلامية، وشيوخ جوامع عدة في مدن فرنسية رئيسية، لم يجدوا حرجاً في ما قاله الرئيس الفرنسي، بل أعلنوا أنهم كانوا ضد التطرف الإسلامي لفئة قليلة، وأنهم مع أن تبني فرنسا، مع مسلميها الـ 6 ملايين، وسائل التعبير وممارسة دينهم، بما يتوافق مع قيم الجمهورية الفرنسية العلمانية.
لم نر أي مظاهرات عربية أو إسلامية، داخل فرنسا، أو احتجاجات شعبية، ولا حتى في الأحياء ذات الأغلبية المسلمة، علماً أن هذه الأمور، شيء مألوف في فرنسا، خصوصاً زمن السترات الصفراء.
الرئيس الفرنسي، قال شيئاً يهم الشعب الفرنسي، والمسلمين الفرنسيين، أو المقيمين في فرنسا، وخصوصاً المتدينين منهم، والذين هم قبل غيرهم، يودون عزل المسلمين الأصوليين، الذين كانوا وصمة الشر التي لحقت بنا جميعاً هنا، ووضعتنا في مهب رياح الانتخابات الفرنسية، والتي ستجري بكل تأكيد، بين اليمين المكروني، واليمين اللوبيني المتطرف.

القوانين العلمانية

لا توجد أي مصلحة في هذا الجو، لملايين المسلمين الفرنسيين، أن يظهروا وكأنهم، دُعاة انفصال وانعزال، عن المجتمع الذين هم جزء منه، ويرفضون قوانين الدولة التي يعيشون بها وكرههم لها.
هم يدركون ذلك، وقد فهموا أفضل من غيرهم مقولة «من أحب قوماً فهو منهم».
وقد أظهرت دراسة، نشرها معهد مونتين الشهير 2016 بعنوان «الإسلام الفرنسي ممكن» بإشراف الأستاذ المتخصص، من أصول مسلمة، «حكيم القروي» أن ثلاثة أرباع المسلمين في فرنسا، يؤيدون البقاء والعيش بكنف القوانين الفرنسية العلمانية، وقد تكون هذه الدراسة جزءا من الوثائق التي أغنت تفكير الرئيس ماكرون.
ينتقد كثيرون أيضاً، أن هذا الخطاب، يذهب في اتجاه اليمين المتطرف لأسباب انتخابية، تهدف سرقة أصوات الناخبين اليمينيين، قد يكون هذا الوصف صحيحاً، لو تناسينا أن أهم جزء من الخطاب، ليس هو مراقبة الجمعيات الإسلامية، على المستوى المالي والتنظيمي، بل هي الإجراءات الإيجابية، نحو المسلمين في فرنسا، مثل تعليم اللغة العربية في المدارس بدل أن تُترك لبعض دعاة السلفية في الزوايا، هذا ما لا يقبله اليمين الفرنسي المتطرف ولا حتى غير المتطرف.
هو أيضاً ضرورة إرسال الأطفال، ابتداءً من سن الثالثة إلى المدارس الحكومية، وإلغاء التدريس في البيوت، إلا لذوي الإعاقات والأمراض، هو إعادة فتح الجامعات الفرنسية، مثل جامعة السوربون للدراسات الإسلامية، بما فيها الحضارة والدين الإسلامي، وهو ما كان قد اختفى منها، بعد انتهاء الاستعمار، هو إعطاء ملايين المسلمين بفرنسا، إمكانية أن يُكَوِّنُوا بأنفسهم أئمتهم، وألا يستوردوهم من الخارج، وهو ما أدخل الفكر السلفي والأصولي إلى عدد ليس بالقليل إلى الجوامع، هو أيضاً إعطاء جيل الشباب، من أصول مسلمة وسائل التعلم والحصول على فرص عمل. لا أظن أن كل ذلك، مكتوب بالبرامج الانتخابية لليمين المتطرف، والذي يركز على ضرورة عزل المسلمين ومراقبتهم وإعادتهم إلى بلادهم الأصلية، حاملين فكراً وتصرفاً عنصرياً واضحاً.
من ناحية أخرى، فإن المسلمين في فرنسا، كجزء من النسيج الوطني، وكباقي مكونات المجتمع، وضعوا خطاب ماكرون، محل أخذ ورد، رفض وقبول، تحية أو تنديد، لكن لا أحد يمنع هؤلاء من التصويت ضده وضد قوانينه، وهم كثر، ويستطيعون بكل تأكيد لو تحركوا كمجموعة، أن يحددوا أهم مراكز السلطة في فرنسا.
من يجد نفسه مظلوماً، فالمحكمة الدستورية مفتوحة لنقد قرارات الدولة، وغير ذلك كثير. هل إخوتنا في الدول الإسلامية، يستطيعون التمتع بهذه الإمكانيات.
من ناحية أخرى، لماذا يهتم الرئيس التركي بهذا الشأن، وكأننا في فرنسا رعايا أتراك، بينما هو يتعامل مع اللاجئين السوريين وأغلبيتهم مسلمون، كبضاعة تجارية، يُهدد بها أوروبا دائماً، إن لم يفعلوا كذا وكذا ويدفعوا، فسيفتح باب الهجرة للاجئين للزحف على أوروبا.

ما أود أن أعرفه، هو بأي حق يقف السيد اردوغان، سداً منيعاً أمامهم للذهاب إلى أوروبا إن كانت تلك رغبتهم، ويُجبر جزءا منهم على المخاطرة، للسفر بالبحر، ليصبحوا طعاماً لأسماك القرش. أليس الأصح، أن تُحترم الحقوق الإنسانية لهؤلاء، وأن يُعتبروا بشراً، وليس فقط وسيلة ضغط سياسية، وأداة طيعة بين يديه، مُستغلاً ضعفهم وضيق حالهم.

الإعدامات العشوائية في مصر


ما هو موقف الأزهر الشريف، من الإعدامات العشوائية في مصر، وقد أعدم السيسي 15 شاباً بريئا، بعد موجة المظاهرات الأخيرة، وبموافقة مفتي الديار المصرية.
أين العدالة الإلهية وفعالية الأزهر من ذلك، أليس ذلك دليلا قاطعا على أزمة مؤسسات الدين الإسلامي، أم أن الصياح مع الذئاب على خطاب الرئيس ماكرون، أسهل له ويستطيع أخذه بلا أدنى مخاطرة.
عندما يصبح المواطن العربي، والمواطن المسلم، بوطنه بلا قيمة، ولا يجد من يحميه أو يدافع عنه، فإننا نجد العشرات، ممن يتطوعون للدفاع عما يتصورونه، حقوق المواطنين المسلمين في فرنسا، وكأننا هنا نعيش دون حقوق، وننتظر من أئمة ومشايخ الشرق والشرق الأقصى، أن يهبوا للدفاع عنا.
الانتخابات الفرنسية قريبة، وهي دائماً المناسبة، لطرح جميع مشاكل البلد السياسية والاجتماعية، والإتحاد الأوروبي، والعلاقة مع روسيا وأمريكا، والبريكست، والتلوث البيئي وألف شيء آخر، ولولا وجود الانتخابات الحرة في النظام الديمقراطي، لما اهتم أحد بمشاكل الناس ومعاناتهم، كما يحدث للأسف في بلادنا العربية والإسلامية.
الانتخابات هي الفرصة الذهبية، التي تسمح لكل مجموعة اجتماعية، التعبير عن مشاكلها وهمومها. فلننظر أولاً إلى أنفسنا، ونحاول تصليح حالنا، والدفاع عن المستضعفين في بلادنا، عن المشردين والمحرومين من العمل والسكن والصحة، عن المعرضين للكوليرا كما نرى في اليمن، أو بالنوم بالعراء في دول الشعوب المُهجرة كالعراق وسوريا.
نأمل من مفكرينا وكتابنا، أن يلتفتوا ولو قليلاً إلى معاناة هؤلاء الفقراء على طول البلاد وعرضها، فقد نكون بهذه الحالة، أكثر إفادة للناس، وأكثر احتراماً لقيم الأخوة التي يحملها الدين الإسلامي.
نحن واثقون، أن الجالية المسلمة والعربية في فرنسا، تستطيع تنظيم نفسها، لو أرادت واجتهدت، وأن تكون أكثر فعالية من أجل الدفاع عن مصالحها، وهذا ما بدأنا نراه في عدد كبير من الدول الأوروبية، وهي ليست في حاجة لأئمة ومشايخ الوهابيين والأصوليين.

كاتب ومحلل سياسي

ما بعد كورونا…. توقعات أم دراسات ؟ نشر بالقدس العربي على مرحلتين 15 و 28 أيار 2020. نزار بدران

ما بعد كورونا….توقعات أم دراسات ؟
د. نزار بدران
تكثر هذه الأيام الكتابات التي تتناول، النتائج المحتملة لمرض كورونا في شتى المجالات. بعضها قد يفيد القاريء، من حيث نوعية وكم المعلومات المقدمه، ولكنها في أحيان كثيرة، هي تقديرات ووجهات نظر، تعكس توجهات كاتبها، السياسية أو الإيديولوجية، فاليساري يرى أنها نهاية لزمن الرأسمالية، واليبرالي يراها تصحيحاً لمجرى الاقتصاد نحو مزيد من العولمة، وما إلى ذلك في شتى الاتجاهات.
الحقيقة التي لا يختلف عليها الناس، وخصوصاً المتخصصون، هو أن دراسة المستقبل، تبقى شيئ من المستحيل، وأن للتاريخ منطقه الخاص، الذي لا يعرفه، حتى من يصنع هذا التاريخ، لذلك توجب انتظار ابتعاد هذه اللحظة عنا، حتى نستطيع دراستها، حين تصبح شيئاً من الماضي. نحن ندرس الماضي ونفهمه، من خلال التاريخ، أفضل بكثير، ممن قاموا بإنجازه بزمنه.
وحدها الدراسات الاجتماعية، وهو علم حديث نسبياً، من حاول أن يتحمل هذه المسؤولية الجمة، وهي دراسة المستقبل، من خلال دراسة الحاضر، كعمل تاريخي، أو ما يُسمى تاريخ الحاضر. استطاع علم الاجتماع بكل أشكاله، بما فيه البُعد التاريخي والبُعد الفلسفي، أن يستشف متاهات المستقبل، وما يمكن عمله، من أجل بناء اجتماعي عقلاني.
من هذا المنطلق، فإن نتائج جائحة كورونا، هي في إطار علم الاجتماع أولاً، قبل أن تكون وجهة نظر لكاتب أو مفكر.
التاريخ الإنساني، يتقدم عن طريق عملية تراكمية، وليس أحداثاً متتالية، هذا التاريخ الحقيقي اليومي، هو من يحدد، نتيجة حدث ما بمنطقة بالعالم. فمثلاً استقلال بنغلادش، عام 1971، جاء بعد إعصار شديد، وفياضانات عارمة، ضربت ما يُسمى زمنه، باكستان الشرقية، وما تبع ذلك من حرب بين طرفي باكستان، أدت إلى 3 ملايين قتيل، و10 ملايين مُهجر، وبالنهاية استقلال المنطقة، وإعلان دولة بنغلادش.
طبعاً لم يكن الإعصار هو السبب بالإنفصال، مع أنه كان الحُجة، وإنما عدم احترام الدولة المركزية، خصوصية شعب بنغلادش، من ناحية ثقافية ولغوية وتنموية. الإعصار بهذه الحالة، هو فقط من بلور التناقضات والتراكمات السابقة، منذ انفصال باكستان عن الهند، عام 1947. بالمقابل، فإن تسونامي جنوب شرق آسيا، بنهاية القرن، أو فياضانات كاترينا بنيو أورليان الأمريكية، لم يؤديا لنتائج سياسية تذكر.
ما هي إذاً التراكمات الاجتماعية الحالية، بدول العالم المختلفة، والتي قد يؤدي وباء الكورونا، إلى بلورتها، مُحدثاً نقلة نوعية بالعملية التاريخية. سنحاول تقديم رؤوس أقلام لبعض النماذج، والتي هي أساساً، من مجال علم الاجتماع.
العمل عن بُعد
استعمال الأنترنت حالياً، هو واسع جداً، وسيتطور مع تطور الجيل الخامس قريباً جداً. تقريباً كافة الشركات والمؤسسات، تستعمل الوسائل الألكترونية، بمعاملاتها التجارية، ولكن العمل عن بعد، بقي بوضع جنيني بسيط، وهو يُستعمل فقط في حالات قليلة، مثل العمالة المعاقة أو ظروف خاصة. جائحة كورونا، أظهرت مع الانتشار الشبه كامل، للعمل عن بُعد، بسبب الحجر المنزلي، أن هذه الوسيلة، قد تصبح مرجعية للعمل بالمستقبل لنجاعتها وقلة كلفتها، ونفس الشيء للتعليم المدرسي أو الجامعي، وهو ما يؤدي إلى تقليل التنقل، عبر وسائل النقل الخاصة والعامة، ويُعيد توزيع ساعات العمل، بين الليل والنهار، ويُغير بشكل كبير، نوعية العلاقات الاجتماعية. كورونا إذاً تكون قد دفعت لبلورة هذه الوسيلة الجديدة، وليس إيجادها من الصفر.
تجربة العمل عن بُعد، الشاملة لكل القطاعات، ستؤدي أيضاً، إلى إعادة توزيع العمل على مستوى العالم، فالعمل عن بُعد لا يحتاج أن يكون جميع العمال، متواجدون بنفس المنطقة أو البلد. بدون ظاهرة كورونا، قد نكون أيضاً قد سرنا بنفس الاتجاه، ولكن بسرعة أقل، ومع معوقات أكبر، ناتجة عن معايير الربح والخسارة لكل مشروع اقتصادي.
مُعضلة البيئة
الاتفاقيات الدولية للحد من التغير البيئي وارتفاع الحرارة، بدأت مع اتفاقية كيوتو باليابان، لعام 1997 ولكن النتائج على أرض الواقع، ظلت رهينة المصالح الاقتصادية، للدول الغنية والخلافات بين الصين والولايات المتحدة، حتى أن الرئيس ترمب، انسحب من اتفاقيات باريس لعام 2015. نحن إذاً نسير نحو تغير بيئي مخيف، بكل المقاييس، ولم يستطع السياسيون، رغم ضغط منظمات المجتمع المدني، الاتفاق على مفهوم فعال ومؤثر للحد منه.
جائحة كورونا، وما استطاع العالم، دولاً فقيرة أو غنية، من عمله ببضعة أيام أو أسابيع، للحد من انتشاره، بدون الالتفات إلى النتائج الاقتصادية، ستؤدي برأيي، إلى بلورة العملية البيئية، بالاتجاه السليم، أي نحو اتفاق حقيقي فعال ومُلزم. ذلك بسبب انتشار فكرة مسؤولية التلوث، عن انتشار مرض الكورونا، ما كُتب وقيل من الدارسين والمختصين، عن تراجع الغابات في العالم، وما يعنيه من تقليص مساحة البيئة الطبيعية للحيوانات البرية، والتي أصبحت أقرب إلى الإنسان، واختلطت معه.
نحن سنكون إذاً، أمام نفس القوى والمصالح، الاقتصادية لدول مثل الصين والهند، أو الولايات المتحده، مقابل بعض الدول الأخرى، ومنظمات المجتمع المدني، لكن التوازن قد يختل هذه المرة لصالح المدافعين عن البيئة، والاستغناء عن الطاقة الأحفورية (البترول والغاز والفحم) لصالح الطاقة النظيفة، وخصوصاً بعد الانهيار الكبير لأسعار النفط، مُظهراً قوة المجتمع المدني، ومقدرته لتوجيه ضربة موجعة، لغُلاة الرأسماليين الجشعين، عن طريق تخفيض الاستهلاك. نرى هنا أن المجتمع المدني، يكتشف نفسه وإمكانياته الكبيرة، لتوجيه السياسات، وسنها بالاتجاه السليم.
الحركات البديلة
ما يُسمى الحركات البديلة، هي ظاهرة اجتماعية منذ حوالي ثلاثين عاماً، لا تنتمي بشكل واضح لليمين او لليسار، ولكنها تنبع مباشرة من المجتمع. مثال ذلك، حركات الربيع العربي، والتي تُطالب باستعادة المجتمع، بحقه بتقرير السياسات التي تُهمه. نفس الشيء، ولو بشكل أقل حدة، موجود بدول عديدة بالعالم، مثل حركة بوداموس بإسبانيا، أو الحركات الاجتماعية بإيطاليا والولايات المتحدة، هذه التجمعات الجديدة، استطاعت بدول عديدة، أن تؤثر على سياسات دولها، وحتى في بعض الأحيان الوصول إلى السلطة، ولكنها بقيت في معظم الأوقات، أضعف من أن تُغير السياسات الاقتصادية بشكل فعال.
قد تتمكن بعض هذه الحركات، من التطور السريع ببعض الدول، بعد بلورة كورونا لها، أي بعد إظهار خطر السياسات الاقتصادية، المبنية فقط على الليبرالية المفرطة، وأخص بالذكر هنا، الولايات المتحدة والبرازيل بشكل خاص، هذه الدول التي استمرت حكوماتها، بإعطاء الأولوية للتبادل التجاري، بدل حياة الناس. في منطقتنا العربية سيكون المجال مفتوحاً، نحو مزيد من الحراك الاجتماعي، المرتبط بالربيع العربي، خصوصاً بتلك الدول التي لم تتمكن، من اتباع سياسات فعالة، لاحتواء المرض، أو التقليل من نتائجه الاقتصادية على حياة الناس.
الاتحاد الأوروبي
مع انسحاب بريطانيا، بعد استفتاء 2016، من الاتحاد الأوروبي، وظهور الحركات الانعزالية، والدفع نحو تفكك البناء الأوروبي، كان هناك خلل بالتوازن، بين القوى الداعية لمزيد من التكامل السياسي، وأخرى تدعو إلى العكس، لصالح تلك الأخيرة، خصوصاً بعض دول أوروبا الشرقية وإيطاليا.
جائحة كورونا، قد تتمكن من إعادة التوازن لصالح القوة الداعمة لمزيد من التكامل، عكس ما يتوقعه الكثيرون، فالحقيقة تقول، أن دولة مثل إيطاليا، التي كانت الأكثر احتجاجاً على الاتحاد الأوروبي، لعدم تقديمه الدعم الكافي لها، هي أقرب الدول الأوروبية، قبل الجائحة، للابتعاد عن الاتحاد الأوروبي، والدفع نحو سياسات انعزالية خصوصاً مع تطور اليمين المتطرف، برئاسة ماتيو سلفيني، وإمكانية استحواذه على السلطة، بعد أن كان مشاركاً بها. هذا يعني، أن اللوم الموجه لأوروبا، هو بالحقيقة استمرار لهذه السياسات، ومحاولة لتجيير الحدث، لصالح اليمين المتطرف، أكثر منه رغبة شعبية حقيقية للخروج من الاتحاد، بسبب الجائحة.
القطاع الصحي الأوروبي، على خلاف الزراعة مثلاً، كان وبشكل كامل، من اختصاص الدول نفسها. وضع سياسات صحية شاملة للاتحاد، يحتاج أولاً إلى تعميق التكامل الأوروبي، نحو المزيد من القوانين المشتركة. من المتوقع، أن تؤدي جائحة كورونا إلى توحد النظام الصحي الأوروبي وليس العكس، وإلى استعادة أوروبا لاستقلاليتها في مجال انتاج الدواء والمواد الطبية، بعد أن تخلت عنها لصالح الصين والهند.
الدين والعلم
تُظهر جائحة كورونا، وضرورة التباعد الاجتماعي، مدى الهوة، بين الفكر الغيبي الديني، والفكر العلمي، فهذا الأخير، لا يوجد إلا في إطار العمل والفكر الإنساني. إغلاق المساجد، أو منع زيارة الأماكن المقدسة، كضرورة للحفاظ على حياة الناس، لم يتقبله جزء من المؤمنين التقليديين، والذين مثلاً بإيران، استمروا بالذهاب إلى الأضرحة رغم الحظر، إيماناً منهم بأن أفضل وسيلة هو الصلاة والدعاء والابتهال.
هنا تظهر إمكانية أن تتبلور، لأول مرة، لهذه الشريحة من المجتمع، مفهوم الفصل بين العلم والدين. فهؤلاء اللذين يجدون دائماً تفسيراً وحلولاً، بالكتب المقدسة لكل ظواهر الطبيعة، قد يقفوا حائرين أمام جائحة كورونا، والتي لا تميز بين مؤمن وكافر، ولا بين غني وفقير، فلا يمكن اتهامها، كما نفعل عند الزلازل والفياضانات، مثلاً بكونها عقاباً إلاهياً، أو امتحاناً لقوة الإيمان.
يتم التمييز عندما نفهم أن العلم، هو البحث عن تفسير حقيقة كل ما يحيط بنا، المعرفة هو هذا الجزء من العلم، الذي تمت معرفته حقاً. فالمعرفة إذاً هي الهدف المرجو، والعلم هو الوسيلة لذلك، قد يجد أو لا يجد، ولكنه الوسيلة الوحيدة. المعتقدات الدينية عكس ذلك هي خارج هذه المعادلة بين العلم والمعرفة، وتعني أن ما نؤمن به هو من داخلنا، وليس موجود خارجنا، حتى يكون موضوعاً للعلم والمعرفة. المُعتقد الديني لا يمكن أن يكون موضوعاً علمياً، ووضعه كما يحاول الكثيرون من إعطاء الآيات القرآنية، أو الأحاديث النبوية الشريفة، أو النصوص التوراتية، والنصوص من الإنجيل، بُعداً علمياً، هو تجني على العلم، ولكن أيضاً على الدين، والذي لم يكن ليقبل أن يتحمل هذه المسؤولية. ودوره يقتصر على إعطاء النصيحة الحسنة وتبرير الإجراءات المبنية على العلم، كما رأينا مؤخراً، من دعم لكثير من شيوخ الدين. هي ظاهرة مشجعة، حتى يجد الدين مكانه الصحيح بالمجتمع، وحتى أيضاً، أن تتمكن الأجيال الجديدة من دراسة العلوم بدون خلطها بالأطر الغيبية.
الدول ألتي اسائت التعامل
هناك بعض الدول، والتي لم تستطع أن تتخذ الإجراءات اللازمة بوقتها المناسب، وتبنتها بشكل متأخر، وهو ما أدى، إلى ازدياد عدد الإصابات والموتى، نموذج ذلك هو إيران وإيطاليا.
في هذه الدول، توجد تراكمات اجتماعية سابقة، قد تتبلور بعد مرور هذه الجائحة. بإيران أولاً، هناك حراك ديمقراطي، منذ ربيع 2009، يتكرر بشكل مستمر، بدون تغيير سياسي ملحوظ. هذه الجائحة، وفشل الدولة بمواجهتها، وتعتيمها على نتائجها الحقيقية، بدل مواجهتها، ستزيد برأيي، بعد مرور العاصفة، من الغضب الشعبي، وتُخرج قطاعات من المجتمع الإيراني المؤيدة للسلطة، إلى وضع معاكس، خصوصاً أن الدولة الإيرانية، تصرف المليارات بحرب سوريا، وتمول حركات شيعية تابعة لها، بينما لا تجد الأموال، لتعويض المتضررين من المرض أو مساعدتهم.
بإيطاليا، الوضع مختلف، فالمصلحة الاقتصادية الآنية، أدت خصوصاً بشمال إيطاليا (مقاطعة لومبارديا)، المنطقة الصناعية الغنية، إلى رفض اتخاذ إجراءات وقائية، تحد من التبادل الاقتصادي، خصوصاً مع الصين، وهو على عكس ما فعلت ألمانيا، أدى إلى انتشار واسع للمرض بالشمال، ثم بكافة مناطق البلاد. تحاول الحكومة الإيطالية، إلقاء اللوم على الاتحاد الأوروبي، معتمدة على قوة اليمين المتطرف أو على القدر، لكن الحقيقة، أن الرأي العام الإيطالي، بعد زوال الجائحة، سيعتبر الحكومة الحالية، مسؤولة بفشلها عن آلاف الموتى، وهو ما قد يؤدي إلى تغييرات سياسية مهمة، خصوصاً إذا تزايدت نسبة البطالة، كما هو متوقع في كل الدول المعنية.
العلاقات الدولية
على عكس البُعد التفاؤلي، الذي قد يجده بعض القراء بالسطور السابقة، فإن العلاقات الدولية للأسف برأيي، لن يحدث لها تغيير يُذكر، سبب ذلك، عدم وجود خصوصيات معينة لهذا المرض، لتخص منطقة معينة بالعالم، ومن يتوقع تزايد النفوذ الصيني أو الأميركي، هو واهم، فهاتان الدولتان، تتأثران إقتصاديا بنفس الشكل من هذه الجائحة، ولن تبحث أي منها إلى الإضرار بالأخرى.
الوضع الفلسطيني مثلاً، لن يحدث له أي تغيير يُذكر، بسبب الجائحة، فلن يُرفع الحصار عن غزة، ولن تتوقف المقاومة الفلسطينية، ولا العنف الإسرائيلي، ولن يُطلق سراح الأسرى، ولن يُسمح للاجئين بالعودة. بشكل عام، لن تتغير السياسات الأمريكية تجاه هذه القضية، فلا يوجد حالياً أي مُعطى يمكن أن يتبلور بسبب هذه الجائحة نحو نتيجة إيجابية ما.
بالمقابل، فإن الحركات الدافعة باتجاه التغيير الديمقراطي بدول عديدة، قد تستفيد من هذه الجائحة، عن طريق إظهار فشل السلطة بالتعامل السليم. ولا أظن أن الديكتاتوريات، ستستفيد من هذا الوضع، لتمكين قبضتها على شعوبها في ظل فشلها المتزايد.
خلاصة
جائحة كورونا حدث مهم، لكن نتائجه على دول العالم، مرتبط أساساً، بالمشكلات التي تعاني منها هذه الدول، وسيؤدي هذا الوباء إلى بلورة ما كان أصلاً في طريق البلورة، ولن يؤدي إلى تغييرات خارج هذا الإطار.
النتيجة الوحيدة المباشرة الممكنة لمرض كورونا، هو تأثيرها على إعادة توزيع العولمة الاقتصادية، فيما يخص إنتاج المواد الاستراتيجية للدول، مثل الدواء والغذاء والطاقة، بحيث أن يكون هناك نوع من الاستقلال بهذه المجالات، في حالة الكوارث.
بالدول العربية، والتي هي وحتى اللحظة قليلة التأثر بالمرض، إن استمر الوضع على ما هو عليه، فلن يتم أي تغيير جذري سياسي بسببه. لكننا قد نلاحظ تغييرات اجتماعية بالتعامل والعمل، والبدء بالفصل، بين ما هو غيبي وما هو علمي. واستمرار إنتشار حركات الربيع العربي.
وحدها الدراسات الاجتماعية (الحريات العامة، التعليم، العمل، وضع المرأة….الخ)، والتي تكاد أن تكون معدومة بدولنا، من سيسمح لنا، ليس فقط بفهم حاضرنا، ولكن أيضاً، توقع ما قد تؤدي إليه الأحداث، طبيعية كانت أم من فعل الإنسان.
كاتب ومحلل سياسي مستقل

الطب والاطباء في زمن الوباء. القدس العربي 01 أيار 2020

الطب والأطباء في زمن الوباء

د. نزار بدران

انتشر بشكل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي، أخبار العمل الرائع الذي تقوم به الأجهزة الطبية، بدول العالم قاطبة، بمواجهة جائحة كورونا، ويتحمل الأطباء والممرضون، عناءاً كبيراً، ومخاطرة بحياتهم وحياة أسرهم، ولكن لم نرى أي فرد من الأجهزة الطبية، مهما كان موقعه، يرفض الانضمام لهذا العمل الجبار. بالإضافة لذلك، فإن الأبحاث العلمية، على قدم وساق، لإيجاد دواء أو لقاح، لهذا الداء، بأسرع ما يمكن.

الاعتبار الكبير الذي أظهره الجمهور، بكل مكان، للأطباء والممرضين والكوادر الطبية، بكافة دول العالم، والتصفيق اليومي لهم، بكل العواصم والمدن، شيء يُثلج صدر هؤلاء، ويدفعهم طبعاً لبذل المزيد، وأنا كاتب هذه السطور كطبيب، أشعر بنوع من إعادة الاعتبار لمهنة الطب، وكل ما ارتبط بها من مهن وأعمال.

هل هذا التضامن العالمي، مع الأجهزة الطبية، هو فقط من منظار الدعم والتقدير والشكر، أم أن له دوافع أخرى. لو نظرنا إلى أي مشكلة كبيرة بالعالم، فإن الأنظار تتجه دائماً لحلها، إلى صُناع السياسة، وبعض الأحيان رجال الاقتصاد، لأنهم وبشكل طبيعي، بموقع القيادة. هذا صحيح بالدول الديمقراطية، وكذلك بالدول الغير ديمقراطية، والتي لا يستطيع الزعيم أن يقبل أي منافسة له بأي مجال، واضعاً نفسه كحامي الحمى، والمفكر الفذ بكل الميادين.

جائحة كورونا، أظهرت وبشكل واضح، عُقم العمل السياسي وحده، لمواجهة وقيادة العمل في هذه الحرب، ضد المجهول اللامرئي. وأظهرت أيضاً، عُقم الاقتصاد ورجاله، وفي معظم الأحيان دفعهم بالاتجاه المعاكس، أي الاستمرار بالبيع والشراء للربح، وكأن شيء لم يكن، وتصريحات الرئيس ترمب، أو بولسونارو بالبرازيل، لدليل على ذلك.

وحدهم الأطباء والأجهزة الطبية بكل أشكالها، من حمل راية الرد والقيادة. لم يعد الجمهور يرى رجال السياسة والاقتصاد، على مستوى الحدث، وخصوصاً أن وسائلهم الاعتيادية، لم تعد فعالة، مثل تكديس الأسلحة والترسانات النووية ومليارات الدولارات بالبنوك وعدد لا يُحصى من البرامج والاتفاقيات السياسية والاقتصادية. كل هذا برأي الناس لم يعد فعالاً، ولم يؤمن لهم أبسط الأشياء، مثل الكمامات وأماكن بالمستشفيات. هم إذاً أصبحوا وجهاً لوجه أمام هذه الجائحة، ولم يجدو سوى الأجهزة الطبية، للإبقاء على الأمل بالنصر بالنهاية. نحن عندما نسمع التصفيق من المواطنين بشوارع ميلانو أو مدريد أو باريس أو اسطنبول، نفهم أن هذا هو أيضاً، تعبير عن القلق والخوف، وما الالتفاف حول الأطباء والتصفيق لهم، إلا تلك الوسيلة، لإبعاد هذا القلق الوجودي.

لا ينسى الأطباء، بكل دول العالم، بما فيه أوروبا، الصعوبات التي يواجهونها منذ عشرات السنين، لتأمين حاجات المستشفيات، بالأدوات والأدوية والكفاءات العلمية، ولا يجدون إلا إداريون، لِيُنَظِّرُوا عليهم، طرق حُسن الإدارة وتوفير المال، بدل حُسن العلاج وتوفير العناء على المرضى. 

لا ينسى الأطباء، بما فيه الغرب، الكم الهائل من الدعاوى القضائية بحقهم، بسبب وبغير سبب، بهدف كسب المال، وإغناء المحامين، دون أي اعتبار لعملهم.

وباء الكورونا، أعاد للطب خصوصيته، كعمل إنساني، وليس عمل تجاري، كما تعودنا عليه بالسنوات الأخيرة، حيث يمكن رفض مريض بمستشفى، لعدم قدرته على الدفع للإدارة. في معظم الأحيان، لم تعد هذه المستشفيات مُلكاً، أو مُدارة من الأطباء، وإنما من قِبل شركات تجارية، ذات هدف ربحي فقط.

جائحة كورونا، ستُعيد الاعتبار، للبُعد الإنساني، وأمل بدور قيادي للأطباء، لتحديد أهداف ووسائل عملهم، وتُعيد مفهوم، أن الطب هو فن وليس تجارة، جائحة كورونا، أظهرت أن الجندي المجهول، أو المعروف، هو الطبيب أو الممرض، أو العامل بالمختبرات.

أن يرفض بعض الناس، قليلي الفهم ذلك، كما فعل أبناء، إحدى القرى المصرية، برفض دفن طبيبة، توفيت بمرض الكورونا بسبب عملها، أو حتى بفرنسا، أن يطلب سكان إحدى العمارات، لممرضة تعمل ضد كورونا، بمغادرة سكنها، حفاظاً على سلامة السكان، تبقى أعمال على الهامش قليلة، رغم أنها تُتداول بكثافة عبر وسائل الإعلام. أن يتهم البعض، الأطباء، بالمشاركة بمؤامرة دولية، باختراع هذا المرض، يبقى أيضاً، تعبيراً عن أفكار بعض المجانين بهذا العالم، وليس مجموع الناس.

في سابق الزمان، زمن وباء الكوليرا عام 1830 بأوروبا، أو ما سبقه من أوبئة، كان الناس يتهمون الأطباء بأنهم مسممين متآمرين مع الأغنياء، للتخلص من الفقراء، وكثير من الأطباء تم قتلهم بهذا السبب. في عام 1885، رفض سكان مونريال بكندا، التطعيم ضد الجدري، ومنعوا الأطباء من ممارسة ذلك بالقوة، وهو ما أدى بالنهاية إلى موت عشرات الآلاف.

هذا الزمن قد ولى، ونأمل أن جائحة كورونا، ستبني زمناً جديداً، حتى تعود العلاقة، بين المريض والمجتمع من جهة، والطبيب من جهة أخرى، إلى مسارها الإنساني الطبيعي، أي علاقة ثقة واحترام، وليس علاقة تجارية، تخضع لقوانين البورصة.

كاتب وطبيب بباريس

ألنزاع الصيني ألامريكي ألرهان ألخاسر

النزاع الصيني الأمريكي 

الرهان الخاسر

د. نزار بدران .القدس العربي 13 نيسان 2020

منذ إنتشار وباء أو جائحة كورونا، ومضاعفاته على الوضع الاقتصادي العالمي، بكل الدول بدون استثناء، ظهرت تحليلات كثيرة، من أناس مختصين بالشأن الاقتصادي، والذين يحذرون أو يُبشرون، كل حسب موقعه، من انعكاس محتمل على العالم، كنتيجة التضارب الأمريكي الصيني. فهناك من يرى أن الصين ستتجاوز أمريكا، وتنتصر بمعركة وجودية بالنسبة لها، ألا وهي أن تصبح القوة الاقتصادية ألاولى بالعالم، وهناك من يرى أن الحرب التجارية ستزيد بينهما، إلى درجة خطر العودة، لنوع من الحرب الباردة من جديد.

حرب باردة جديدة

المراقب لتطور العلاقات، بين القطبين الكبيرين، وبعد مراجعة العلاقات السابقة مع الاتحاد السوفيتي، قبل انهياره، يلاحظ أن هناك أوجه خلاف كثيرة، بين وضعية الاتحاد السوفيتي، ووضعية الصين، من منظار العلاقة مع أمريكا. الخلاف مع الاتحاد السوفيتي، كان عقائدياً بشكل أساسي، يهدف إلى احتواء الخطر الشيوعي، ومنعه من الانتشار، وهو ما أدى إلى حروب بالوكالة كثيرة، نتج عنها ملايين القتلى (حرب فيتنام، حروب أفريقيا، أفغانستان….الخ)، ولكن لم يكن هناك تقريباً أي تنافس تجاري، بين القوتين العظمتين، فالاقتصاد الغربي كان متكاملاً، كذلك اقتصاد الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية التابعة له، هناك فاصل جغرافي بينهما والتبادل التجاري كان شبه معدوم.

العلاقة مع الصين هي عكس ذلك تماماً، فقد أُزيلت كل الحواجز بين الدولتين وأصبحت العلاقة الاقتصادية بينهما، الأهم على الإطلاق. لم تتوقف الصين، ومنذ أول اتفاقية، مع الولايات المتحدة، لعام 1979، عن زيادة التبادل، والاستفادة الهائلة من الاستثمارات الأمريكية، لبناء اقتصاد قوي، أولاً عن طريق تصنيع البضائع الأمريكية بالأراضي الصينية، واضعاً أسس مفهوم “الصين مصنع العالم”، ومنذ بداية القرن صناعات صينية بحتة، وبتقنية فائقة الجودة، بمفهوم الصين “تُصَنِّعْ للعالم”، وهو نفس النموذج الياباني، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. هذا النظام التكاملي مع الولايات المتحدة، وصل لدرجة ربط الصين لعملتها المحلية بالدولار، ولم تتخلى عن ذلك إلا تحت الضغوط الأمريكية.

إنتقل التبادل التجاري، من 2 مليار دولار عام 1979، إلى 5 مليارات عام 1985، ثم 231 مليار عام 2006، وحديثاً إلى 736 مليار لعام 2019، مع فائض تجاري لصالح الصين، بقيمة 354 مليار دولار، مقابل 380 مليار لعام 2018، أي ثلاثة أضعاف صادرات أمريكا للصين. يُضاف لذلك، امتلاك الصين أكبر جزء من الدين الأمريكي، قيمته 1241 مليار دولار لعام 2015.

السوق الأستهلاكي ألامريكي

السوق الداخلي الاستهلاكي الأمريكي، وهو أكبر سوق بالعالم، سمح للصين بهذه القفزة النوعية، وما تبعه من امتلاكها أرباحاً كبيرة، استطاعت بواسطتها، الدخول بأفريقيا والدول العربية، وباقي دول العالم. العلاقات الاقتصادية مع روسيا، مبنية فقط على استيراد الغاز الروسي، ففي عام 2014، تم توقيع اتفاقية بقيمة 450 مليار دولار، على مدة 30 عاماً لإستيراد ألغاز، بالمقابل، لا يُمثل السوق الروسي الاستهلاكي الداخلي، أهمية استراتيجية للصانع الصيني بسبب ضعفه ألنسبي ( معدل دخل ألفرد حوالي 10.000 دولار سنويا مقابل حوالي 60.000 بالولايات المتحدة ). 

لا يمكن لأي دولة بالعالم، أن تحل محل الولايات المتحدة بالنسبة للصين، لكونها أكبر قوة استهلاكية بالعالم، وصاحبة أكثر التكنولوجيات تقدماً. نحن نرى إذاً، أن لا مصلحة للصين، بأن تضر بالبقرة الحلوب الأمريكية، وأن تُضعف قوة مستهلكيها على شراء البضائع الصينية، والخلاف الصيني الأمريكي منذ عامين، كان لهذا السبب، أي رغبة الرئيس ترمب، بإبعاد المستهلك الأمريكي، عن شراء البضائع الصينية، بزيادة الضرائب عليها، هذا لم يدُم طويلاً، بسبب حاجة كل طرف للآخر. خطاب الرئيس الصيني جزي جنبنج، عام 2013، حين زيارته لأمريكا هو مرآة لذلك، حيث قال أدعو لإنطلاقة تاريخية جديدة بيننا، فكلانا يُدرك، أن المصالح التي تربطنا، هي سيل عارم، لا يمكن إيقافه.  

من هذا المنطلق فأنا شخصياً، لا أرى أن وباء  الكورونا، سيُستعمل من طرف الصين أو أمريكا، ليضعف أحدهما الآخر، بل على العكس، فالصين ستعمل جاهدة لاستعادة المستهلك الأمريكي لبضائعها، ولن تدفع نحو إجهاده وإفقاره، وأمريكا بحاجة لأن يُفتح أمامها السوق الصيني أكثر من السابق، حتى تستطيع أن تعوض الاختلال بالميزان التجاري، هي إذاً، أي أمريكا، بحاجة لسوق داخلي صيني، قوي غني، وليس شعباً فقيراً، الولايات المتحدة، ستعمل جاهدة لتحقيق ذلك، وهي وسيلتها لكسب الحرب الاقتصادية مع الصين، أي أن الانتصار لأمريكا، يعني أن تصبح الصين قادرة على شراء البضائع الأمريكية وليس العكس. انخفاض التبادل التجاري بين الدولتين، بعام 2019 مقارنة بعام 2018، بسبب ألعقوبات ألامريكية أضر باقتصاد كل منهما، فالصين صدرت لأمريكا عام 2019، 418 مليار دولار، واستوردت منها ما قيمته 123 مليار، بينما لعام 2018 تم تصدير 558 مليار، واستيراد أكبر بقيمة 178 مليار.

الاتفاق الأخير، ببداية العام ألحالي، بين الصين وأمريكا، لوضع حد ولو مؤقت للحرب التجارية، يؤكد صحة هذا الطرح، فقد التزمت الصين بشراء ما قيمته 200 مليار دولار من المواد الغذائية، بالسنوات القادمة من الولايات المتحدة، هذا ألقبول دليل تمسكها بالسوق الأمريكي، وحاجتها للتكنولوجيا الأمريكية، هذا الرقم المهول من الاستيراد الصيني، سيكون على حساب استيراد نفس المواد من مصادر أخرى مثل الاتحاد الأوروبي أو أفريقيا، أي أنه سيُضر بصادرات هذه الدول بشكل كبير. من ناحية أخرى، فإن حجم الاستثمارات الصناعية الأمريكية بالصين، بلغ 450 مليار دولار، أي أكثر من ضعف صادراتها لها، وهو يبين أيضاً، رغم رفع الضرائب على البضائع الصينية من 3 إلى 19%،  الأهمية التي تعطيها أمريكا للسوق الصيني الداخلي، وإمكانيات نموه المستقبلية. 

ألمجتمع هو ألحل

أزمة كورونا، كما قبلها أزمة 2008 المالية، ونتائجها على الاقتصاد، يبعث برسالة قوية للقيادة الصينية، بأن أهم ضمان للصين وثباتها وازدهارها، هو شعبها نفسه. المطلوب إذاً هو تحسين الأوضاع والدخل المادي، لأكبر عدد ممكن من الصينيين، حتى يتمكنوا من شراء بضاعتهم بأنفسهم، بدل انتظار بيعها للخارج، كما يفعلون الآن. هذا لن يتم إلا بانفتاح السلطة الصينية والحزب الشيوعي على مجتمعه، وإعطاء أكبر كم من الحريات؛ حرية التعبير، حرية التنظيم النقابي واستقلاليته خارج الأطر الرسمية، وفتح المجال أمام المجتمع المدني، لأخذ حقه بتقرير السياسات الاقتصادية والاجتماعية، التي تهمه قبل قيادته. أحداث ساحة تيننمن ببكين عام 1989، لا يجب أن تعود مرة أخرى.  

أزمة كورونا قد تُعطي وعياً جديداً للمواطن الأمريكي، بدل الجري وراء سراب الرئيس ترمب الإنعزالي، وهو يكتشف اليوم أن التعاون الدولي، حتى مع أصغر الدول، بالعدل والمنطق، هي السياسة التي يجب أن تتبناها دولة عظيمة بحجم الولايات المتحدة.

العودة للتعاون الدولي، للحد من التلوث البيئي وارتفاع الحرارة، هو شيء أكثر من مهم لأمريكا والعالم، فمأساة كورونا، ليس إلا مقدمة بسيطة رمزية، لما قد يُصيبنا بالسنوات القادمة، نتيجة التغيير المناخي، وحينها لن يجد المواطن الأمريكي من يساعده، لوضع كمامات لحمايته من تنفس دخان مصانعه. 

ألرهان ألخاسر

هؤلاء المراهنون على اللعب، على الخلاف الأمركي الصيني التجاري، لم يدرسوا بما فيه الكفاية، عمق العلاقة بينهما وتشابكها، هم ليس فقط لن يجدوا مكاناً لبيع بضائعهم، بل سيبدؤا بخسارة جزء من السوق التي يملكونها، لصالح محور أمريكا والصين.

المستقبل القريب والبعيد، هو للتكتلات الكبيرة جداً والمحاور، وليس للأقطاب، كما كان عليه الوضع بالقرن العشرين. أين نحن العرب من كل ذلك، الصحوة العربية، تستوجب أولاً، الإلتزام باستعمال ثرواتنا لبناء أوطاننا، وليس فقط سلعة صغيرة يتلاعب بها الكبار، وكما قال لوران لاسكاي، المختص الاستراتيجي الأمريكي بالاقتصاد، “ألحرب التجارية، هي مثل لعبة كرة الطاولة الصينية الشهيرة، الطلقات، اُستبدلت بالدولارات، والصواريخ ، بالملفات”. 

مراقب ومحلل سياسي مستقل

دروس كورونا. القدس العربي 31 أذار 2020. نزار بدران

ربّ ضارة نافعة. إن انتشار فيروس كورونا في معظم دول العالم أدى إلى نوع من الشعور بأننا ننتمي جميعاً إلى كوكب واحد قد يكون مهددا وبشكل مفاجئ، بخطر ماحق. هذا ما وضع على المحك سياسات الدول وأظهر هشاشة الأنظمة، خصوصاً تلك المفروضة على شعوبها، وعدم كفاءتها. فبينما تضع أوروبا أو الصين أو الولايات المتحدة مليارات الدولارات للحد من انتشار المرض، وتعويض المتضررين، في إطار عال من الشفافية نجد كثيرا من الدول الأخرى، وخصوصاً تلك التي تفتقد إلى أي شفافية أو مصداقية بتعاملاتها مع شعوبها، تتخبط بين التصريحات والإعلانات الفوضوية، والتي لا تنجح إلا بمزيد من انتشار المرض، وتعريض مواطنيها للخطر، والمثال المصري أو الإيراني خير دليل على ذلك.

العولمة بالمفهوم التجاري

نكتشف أننا على كوكب صغير، وأن مرض شخص واحد في مدينة صينية، يهتز منه العالم كله. العولمة بمفهومها التجاري، أي حرية تنقل البضائع وكثرة المسافرين حول العالم، ليست هي السبب الوحيد، لعودة اكتشاف الإنسانية ذاتها، بل سرعة انتشار المرض، وافتراض تعديه جميع الحواجز، وخطورة مضاعفاته، خصوصاً عند كبار السن والمرضى.
في سابق الزمان كانت هناك أوبئة مثل الطاعون في القرون الوسطى، وأمراض حديثة شبيهة بكورونا في بداية القرن الحالي، أو الإنفلونزا الاسبانية في مطلع القرن الماضي. نحن إذاً أمام ظاهرة تتكرر بشكل منتظم، وتظهر أن الطبيعة، ترفض التقهقر أمام الإنسان، وأن التقدم العلمي، مهما كان، لن يسبقها ويتغلب عليها، وإن استطاع ترويضها في مجالات عديدة. علينا أن نتحلى بنوع من التواضع أمام الطبيعة وجبروتها ومقدرتها على إعادتنا إلى فترة ما قبل الإنسانية. لحسن الحظ إن الوباء الحالي هو في طريقه للدخول إلى بيت الطاعة الإنساني، على الأقل هذا ما نأمل، والعودة من حيث أتى، أي إلى حالات استثنائية في موطنه الأصلي.
فيروس كورونا أظهر للعالم أن العولمة الرأسمالية، أي البحث عن الربح دائماً، هي من ضاعفت خطر المرض، بإعطائه ارتداداً اقتصادياً، فليس من المعقول، أن دولا مثل فرنسا أو ألمانيا، لا تملك ما يكفي من المواد المعقمة أو الكمامات الجراحية البسيطة، لأنها تستوردها من الصين، والتي وضعت حجراً على صناعاتها. ولو استمرت هذه الأزمه، لفترة أطول، فسنقع في مشكلة الغذاء والدواء.
العودة إلى نظام اقتصادي عالمي أكثر فعالية بالنسبة للمصلحة العامة، وليس فقط البحث عن الربح للرأسماليين، قد يكون إحدى النتائج المباشرة لهذا الوباء. من المأمول أن نعود إلى مفهوم الإنتاج والاستهلاك المحلي، أي أن نشتري ونأكل مما ننتج، وألا نكتفي فقط بالاستيراد من الصين أو غيرها بحجة قلة الكلفة.
من الضروري برأيي أن نعود بدولنا العربية والعالم الثالث بشكل عام، نحو تطوير هذا المفهوم، والاعتماد على الذات، وهو ما سيؤدي إلى التطور الاقتصادي المبني على الإمكانيات الزراعية والصناعية المتاحة لكل منطقة.
ثلاثة ميادين يجب أن تتوفر في كل منطقة في العالم، وهي الغذاء والدواء والصناعات الاستراتيجية ( مثل إنتاج الكهرباء وأشكال الطاقة المختلفة)، بدون ذلك سنبقى ضحايا لرأس المال العالمي الذي لن يقدم لنا شيئا عندما يزورنا كورونا كل سنة مرة.
الاعتماد على الاقتصاد الريعي، كبيع الثروات الطبيعية مثل البترول أو الذهب، هو حقيقة كارثة على الاقتصاد ومدمر للأجيال المقبلة. ليس فقط لأنه لا يبني اقتصاداً متنوعاً وإنتاجياً، إنما لأنه أكبر أسباب وجود وبقاء الديكتاتوريات التي لا تترعرع إلا إذا سرقت ثروات الأوطان لصالح مجموعة مافياوية في السلطة بدون أي اكتراث بالمواطن وصحته وحاجاته ومستقبل أبنائه.
ثروات الوطن يجب أن تبقى فيه لبنائه وتأمين مستقبل أبنائه. وباء كورونا أظهر من جديد عدمية وعبثية هذه الأنظمة، وضرورة العمل الملح للخروج من كنفها، فهي رغم غناء أفرادها المفرط، ليست ذات كفاءة لوضع أي سياسات فعالة لمواجهة أي شيء.

خطر أكبر من فيروس

ما أريد أن أطرحه في هذا المقال هو أن هناك خطرا داهما أكبر من فيروس كورونا لكننا لا نراه قريباً أو خطيراً، بسبب بطء تطوره، ألا وهو التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة.
هذا المرض هو من صنع الإنسان وفي الوقت نفسه يرفض جزء كبير من الإنسانية، مثل الولايات المتحدة والصين وحتى الهند، قبوله والعمل على الحد منه جدياً. ماذا ستفعل تلك الإنسانية البائسة، والتي بالكاد تستطيع مواجهة فيروس شبه معروف، بوجه الأعاصير والفيضانات، بوجه زحف الصحراء، بوجه ارتفاع مستوى البحار، وبوجه الهجرة بالملايين للهاربين من كوارث الطبيعة المتوقعة نتيجة التغير المناخي، والذين سيكونون أضعافاً مضاعفة بالنسبة لما نرى اليوم من هجرة بسـبب الفقر أو الحـروب.
قد يكون الشعور أخيرا بأننا إنسانية واحدة جمعتنا الأوبئة بعد أن فرقتنا المصالح الضيقة هو الوسيلة لبناء عولمة جديدة مبنية على حرية الأفراد والشعوب وتوحدهم بوجه الكوارث وجشع رأس المال.

كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

السياسة الأمريكية بالشرق الأوسط بين الثابت والمتحرك. القدس العربي 05 آذار 2020

السياسة الأمريكية بالشرق الأوسط

  بين الثابت والمتحرك

د. نزار بدران

تتميز السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، بكونها انعكاساً لتطور الولايات المتحدة على مدى عقود، خصوصاً إنهاء زمن مضى، وهو القرن التاسع عشر، بقواه التقليدية، فرنسا وبريطانيا والدولة العثمانية، ودخول القرن العشرين، بعد اتفاقيات فرساي عام 1919، والبدء بالعد التنازلي السريع، لتراجع قوى الماضي إلى قوى القرن الجديد، المُتمثل بأمريكا من جهة والاتحاد السوفيتي من جهة أخرى. 

كانت الولايات المتحدة، عندما شاركت بالاتفاقيات الجديدة التي ترسم العالم، وخصوصاً حدود دول الشرق الأوسط، وأوضاعها السياسية كانت تمثل القوى الناشئة الشابة، والتي هي الأولى التي رفعت بوجه الآخرين شعار حق الشعوب بتقرير المصير، والذي رُفع لأول مرة من طرف الرئيس ويلسون، ولكن ذلك لم يمنعه من تطبيق سياسة واقعية، تتناقض تماماً مع هذا المبدء بأميركا اللاتينية، والتدخلات الأمريكية العديدة هناك منذ القرن التاسع عشر، وكذلك رفض الوقوف مع حق الشعب المصري مثلاً بالاستقلال عن بريطانيا. نحن إذاً منذ البدء، مع دولة جديدة ناشئة وذات إمكانيات تزداد قوة، وترفع قيم المجتمعات الإنسانية الحديثة، دون التخلي بنفس الوقت، عن سياسات واقعية، هي بدورها استمرار للزمن الماضي. 

في بداية القرن العشرين، ركزت الولايات المتحدة على البعد الحضاري والثقافي، بتعاملها مع المنطقة العربية، عن طريق تطوير البعثات الثقافية والتعليمية، مقابل التدخلات الأوروبية، ذات الطابع السياسي والاقتصادي. هذه السياسة الشبه انعزالية، لم تدم طويلاً، بعد الحرب العالمية الثانية، والانهيار الكامل لقوى الماضي الأوروبي، لصالح ظهور قوتين جديدتين.

انتقلت بذلك الولايات المتحدة، من كونها قوة ناشئة، إلى موقع قوة عظمى، بجانب القوة العظمى الأخرى وهي الاتحاد السوفيتي، وتقاسمتا العالم من خلال ما يُعرف بالحرب الباردة، والتي لم تكن باردة على كل شعوب العالم، حيث يُقدر ضحاياها بالعالم الثالث ب 34 مليون قتيل، هي إذاً حروب بالوكالة بين الدولتين العظمتين.

نلاحظ في تلك الفترة أن قوة الاتحاد السوفيتي العسكرية، والتي كانت تُضاهي القوة الأمريكية، لم تكن مرتكزة على قوة اقتصادية، كما كان الحال عليه بالولايات المتحدة، فببداية الخمسينات، أي بعد الحرب مباشرة، كان الإنتاج الأمريكي يُعادل نصف إنتاج العالم، استهلاكهم للطاقة، يُعادل أكثر من الثلث، مع تطور علمي وتكنولوجي سريع، لم تعرفة أية دولة أخرى، بينما لم يتجاوز سكان أمريكا 6 بالمئة من سكان المعمورة. رغم مظاهر العظمة السوفيتية، فإن هناك خلل واضح في الأرضية الاقتصادية، التي أدت فيما بعد إلى انهيار الاتحاد السوفيتي.

بعد انهيار حائط برلين، والذي تبع هزيمة الروس بأفغانستان، وفشلهم بالانتصار،  بما سماه دونالد ريغان، حرب النجوم، أي التسابق نحو التسلح، وكذلك الانفجار النووي الرهيب بتشورنوبيل الأوكرانية عام 1986، تفردت الولايات المتحدة، بلعب دور الدولة العظمى، وأصبحت تُسمى دولة القطب الواحد، وهو ما أدى ببعض أساتذة السياسة، من التصور بأننا وصلنا حقاً إلى نهاية التاريخ. 

طبعاً ظهور الصين ابتداءً من سنوات الثمانينات، مع سياسة دينغ كساو بينغ، الاقتصادية وتطورها السريع، أدى لعودة جزئية، لمفهوم العالم ذا القطبين أو المُتعدد الأقطاب.

في إطار هذا العرض العام، ما هي نقاط الثبات بالسياسة الأمريكية ونقاط التحول، الحقيقة أنه لا يمكن أن توجد وبشكل دائم وأبدي، نقاط ثابتة لأي سياسة مهما كانت، ولكن هناك سياسات توضع لمدى طويل استراتيجي، وأخرى سياسية قصيرة الأمد أو تكتيكية.

بحسب الباحثين الأمريكيين أنفسهم، وأذكر منهم  فيليب غولاب، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بباريس حديثا، وجورج بول مساعد وزير الخارجيه الأسبق بالستينات، فهناك ثلاث نقاط، تُعتبر الثلاثي المقدس بالسياسة الأمريكية بالشرق الأوسط، حتى سقوط الاتحاد السوفيتي سنة 1991 تهدف جميعها إلى تمكين الرأسمال والاقتصاد الأمريكي، من السيطرة التامة على مُقدرات العالم، مُستعملة القوة الخشنة، أي العسكرية والاقتصادية، بالإضافة إلى القوة الناعمة، أي العلوم والتكنولوجيا والثقافة والسينما، في خدمة هذا الهدف الوحيد.

الثلاثي السياسي المقدس الأمريكي هو أولاً، الوقوف ضد التمدد الشيوعي واحتواءه، ويتم ذلك عن طريق دعم الأنظمة الديكتاتورية المحافظة، والتصدي لكل القوى المُعارضة لها، ديمقراطية كانت أو غير ديمقراطية، تحت حُجة انتمائها للمعسكر الشيوعي.

المحور الثاني، هو تأمين تدفق النفط خارج المنطقة، عن طريق منع أي تحالفات أو تغيرات سياسية ممكنة تتناقض مع هذا الهدف، مثال ذلك، اتفاق أمن الخليج لعام 1945، أو اسقاط محمد مُصدق بإيران عام 1953، وعودة الشاه.

المحور الثالث الذي حصل في مرحلة متأخرة نسبياً، هو الدعم والالتزام الأمريكي بسلامة واستمرارية دولة إسرائيل، بعد تراجع الدور الأوروبي.

هذه المحاور الثلاث، تُمثل السياسة الأمريكية ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى لحظة انهيار الاتحاد السوفيتي، وهي كما يجب أن نفهمها، مترابطة وليست نقاط متفككة، فدعم إسرائيل هو أيضاً للحفاظ على ديمومة الأنظمة الديكتاتورية المحافظة، والتصدي للتوغل الشيوعي، دعم الأنظمة المحافظة هو أيضاُ للمحافظة على وسائل النفط وإبعاد الخطر الشيوعي. وحدها المحاولات القومية، كما حدث مع الرئيس عبد الناصر أو مُصدق في إيران، من وضع على المحك هذه السياسات وحاول إفشالها، ولكن ذلك لم يدم طويلاً، واستطاعت السياسة الأمريكية أن تحقق كل مرة أهدافها، فهزيمة عام 1967، وضع حداً لحلم عبد الناصر القومي، والإطاحة بمصدق أنهى أمل الإيرانيين بالتمكن من ثروتهم النفطية.

وحدها الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، بقيادة الإمام الخميني، من استطاعت إزعاج هذه السياسات ولمدة طويلة نسبية، وما نراه لحد اليوم من حصار لإيران، إلا محاولة أمريكية لإعادة الأمور إلى نصابها، وهو على ما يظهر، على طريق النجاح. الحروب الطويلة الأمد، هو أكبر مانع للشعوب والدول من التقدم الاقتصادي، وحسب الرئيس الأمريكي الأسبق، جيمي كارتر، بمقابلة حديثة، فإن ما سمح للصين بالوصول لما وصلت إليه، هي إنهاؤها لكل الحروب، التي كانت قد شاركت بها بنهاية السبعينات، وهذه نظرية اجتماعية لعلماء التاريخ، فلا حضارة ممكنة إلا بوجود السلام الدائم. لذلك فإن إدخال إيران ودول المنطقة العربية، وحتى روسيا، باُتون حروب طويلة مكلفة، هي أحد وسائل السياسة الأمريكية، لإبقاء هذه الأطراف، بموقع الضعيف والغير قادر على البدء بعملية بناء مستقلة، قد تُهدد المصلحة الاقتصادية الرأسمالية الأمريكية. ولكن للأسف هذه الأنظمة الاستبدادية، تستعمل هي أيضاً هذه الحروب، لإبعاد أي أمل ديمقراطي تغييري داخلي، فهي بشكل واعٍ أو غير واعٍ، باتباع سياسة الحروب، تُنهي أي أمل حقيقي بالوقوف أمام الهيمنة الأمريكية.

بعد انتهاء فترة الاتحاد السوفيتي، دخلت السياسة الأمريكية بوضع جديد، وهو الانفراد وسياسة القطب الواحد، وأصبحت تدخلاتها العسكرية أكثر حِدة، وبدون أي رادع، وهو ما أدى إلى حروب الخليج الثانية والثالثة، والتي كانت سابقاً، بحرب الخليج الأولى، حرب أمريكية ضد إيران، ولكن بأيادي عربية. كذلك فرض اتفاقيات أوسلو لصالح الطرف الإسرائيلي، بعد الانفراد بالفلسطينيين، والانتقال بمفهوم تحرير فلسطين، إلى مفهوم إقامة فلسطين، على جزء محدود منها.

نرى لذلك، أن الأهداف المُقدسة السابقة الذكر، التي حكمت السياسة الأمريكية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قد بدأت بالتغيير:

أولاً: لم يعد هناك حاجة للحد من المد الشيوعي بعد انهيار حائط برلين والاتحاد السوفيتي، وخروج دول عديدة منه، ودخولهم الاتحاد الأوروبي، حليف أمريكا. 

ثانياً: لم تعد الحاجة للنفط القادم من الشرق الأوسط بنفس الحدة، فالإنتاج الأمريكي من النفط الصخري، والتطور التكنولوجي، والحصول على مصادر مُتجددة للطاقة، أدى إلى أن تستقل أمريكا بشكل كامل اقتصادياً، ولم يعُد هناك ما يُهددها وجودياً، إن توقف إنتاج النفط العربي أو الإيراني. بالمقابل ازداد الطلب العالمي على النفط، وخصوصاً الطلب الصيني، والتي أصبحت القوة الاقتصادية الثانية بالعالم. الخطر السوفيتي انتهى، ولكن أمريكا تواجه خطراً من نوع آخر، وهو الخطر الاقتصادي الصيني العارم، لذلك فإن الاهتمام بمصادر النفط بالشرق الأوسط، أمريكياً سيستمر، حتى تستطيع أن تتحكم أمريكا، بمصادر تمويل الصين النفطية، عن طريق كَم الانتاج المسموح به وسعره. 

ثالثاً: هذا المحور للسياسة الأمريكية، وهو الدعم لإسرائيل، ما زال على حاله، بل ازداد، بسبب انعدام الاستقلالية العربية سياسياً واقتصاديا. الدور الإسرائيلي أمريكياً، انتقل من حاجة إسرائيل لحماية أمريكا من الخطر العربي (كما كان زمن عبد الناصر مثلاً)، إلى الحاجة إلى إسرائيل قوية، لدعم الأنظمة المحافظة، أمام ثورات شعوبها، هذا ما نراه وما يُفسر، التقارب العربي الإسرائيلي بين دول الثورات المضادة، المُعادية للربيع العربي، وإسرائيل. فهي تريد أن تحمي نفسها، وتجلب التعاطف الامريكي، عن طريق الارتماء بالحضن الإسرائيلي، لم تعد إسرائيل موجودة لمنع أي تحالفات بالمنطقة، قد تؤدي إلى تهديد وسائل نقل النفط، والذي قلت أهميته، وإنما فقط الحفاظ على وضع سياسي عربي مُفكك، لمنع أي انتصار للربيع العربي، أو تكامل وتضامن الشعوب العربية، بأُطر أنظمة ديمقراطية، ستكون بشكل شبه أكيد، خارج إطار السياسة الأمريكية. المد الإسلامي المُتطرف وظواهره العنيفة، هي أيضاً جزء لهذه السياسات الهادفة لخنق الربيع العربي.

ما هي السياسات الأمريكية المُستقبلية، بناءً على مُعطيات الماضي والحاضر، من الصعب التنبؤ بذلك، ولكن يبقى هناك أمل بالتغيير، نتيجة أشياء عدة صغيرة حالياً، ولكنها قد تكون كبيرة غداً، أولاً وأهم شيء، انتشار الوعي وانتفاضة الشباب العربي، ضد كل مخلفات القرن العشرين، من تبعية وتجزئة، وأنظمة شمولية وأنظمة عسكرية، وخنق للحريات حتى نلحق بدول العالم.  ثانيها، تطور الوسائل البديلة للطاقة، وتراجع دور النفط بالمستقبل، مما سيحد من الأهمية الاستراتيجية من وجود الأنظمة المحافظة بالسياسة الأمريكية، وإمكانية التخلي عنها تدريجياً، وهو ما قد يؤدي بشكل آخر إلى تقليل الاهتمام بالدور الإسرائيلي كفاعل مهم بالسياسة الأمريكية. وما تصريحات مرشح الرئاسة ساندرز، بأمريكا وغيره، وتغير لغة الصحافة هناك، إلا بدايات بسيطة لتحول ممكن.