إيران وأمريكا أعداء اليوم حلفاء الغد

إيران وأمريكا أعداء اليوم حلفاء الغد

منذ 3 ساعات

د. نزار بدران

تزداد يوميا حرارة منطقة الخليج العربي، بالتزامن مع التهديدات الأمريكية ضد إيران، والردود الإيرانية التي تتوعد «الشيطان الأكبر» برد صاعق. هذه التهديدات والتهديدات المضادة، تعطينا انطباعا كاذبا بتوازن قوى ما بين هاتين الدولتين، أو على الأقل توازي وسائل الرعب ما بينهما. إيران ليست بقوة امريكا، ولكنها تستطيع استعمال سياسة الردع والرد المدمر ضد مصالح تلك الأخيرة بالخليج، أو ضد حلفائها المباشرين، أو ضد إسرائيل عن طريق القوة الإيرانية والقوى المتحالفة معها على مبدأ الانتماء الطائفي.
التجربة العراقية وحروبها المتعددة، وكذلك تطور العلاقات الأمريكية الكورية الشمالية، يظهر بما لا مجال فيه للشك، أن الأنظمة الشمولية، وهو القاسم المشترك، لهذه الدول الثلاث، لا تبحث أبداً عن التصادم مع أمريكا، ولا تملك أصلاً وسائل هذا الصدام. فأول هذه الوسائل لكسب المعركة، هو الدعم الشعبي للنظام القائم، وهو ما كان مُنعدما تماما مع صدام حسين، كذلك الأمر مع كيم جون أون، وطبعاً أيضاً مع آيات الله الحاكمين بإيران.
الشعب الكوري والإيراني يعيشان حالياً كابوساً حقيقياً، اسمه النظام القائم وليس أمريكا، والتناقض الحقيقي داخل هذه الدول، ليس بين شعوبها وحكوماتها من جهة؛ وأمريكا من جهة أخرى، وإنما بين هذه الشعوب وأنظمتها الشمولية المجرمة.
استنزف النظام الإيراني كافة عائداته النفطية بحروب خارجية، ذات بُعد طائفي، لم تُجد شيئاً، ولم يستفد منها المواطن الإيراني، بل على العكس دمرت إمكانيات البلاد بالتقدم الاقتصادي. الديكتاتورية والفساد السياسي والاقتصادي، أبعد كل أمل بالحرية عند الإيرانيين، مع هكذا نظام، والذي لا يمكن إصلاحه بأي شكل من الأشكال.

رفضت النظام

أظهر الشعب الإيراني، منذ حوالي عشر سنوات، ومن خلال انتفاضات قُمعت بقوة النار والحديد، رفضه لهذا النظام وتطلعه الحقيقي نحو الحرية والديمقراطية، هو التطلع نفسه الذي كانت تعيشه شعوب أوروبا الشرقية، أو أمريكا اللاتينية قبل زوال أنظمتها العسكرية، هو الآن أيضاً نفس التطلع، الذي تعيشه شعوب الدول العربية، وأظهر لنا هذا الأيام، شعبا السودان والجزائر، تعطشهما للحرية ووعيهما العالي بالمخاطر المُحيقة بهما، من الأنظمة الجاثمة على صدورها، ورفضهما لأي تدخل، عربي خليجي أو أجنبي، لن يكون إلا لصالح النـظام الـقائم.
الشعب الإيراني لا يريد أن تبقى إيران على عكس دول الثورات، أو حتى تركيا، على هامش العالم وتحت سيطرة نظام قادم من القرون الوسطى. الشعب الإيراني يتطلع لحريته، وليس للالتفاف حول نظام دمر البلاد والعباد.
لذلك هذا النظام يُدرك تماماً، أنه ليس بواد الصمود أمام العجرفة والجبروت الأمريكي، لأن ظهره الشعبي مكشوف تماماً، كما حصل مع صدام حسين. هذا النظام لن يُقدم على أي مبادرة ضد «الشيطان الأكبر»، بل سيقبل إملاءاته كاملة، لأنها وسيلته الوحيدة لحماية نفسه من الثورة المُنتظرة ضده.

التهديدات الأمريكية

التهديدات الأمريكية أيضاً، لا تهدف إلى إلغاء المشروع النووي الإيراني، وهو الذي تم التنازل عنه أصلاً، مع اتفاق عام 2015، هذا أول دليل على ما نقوله، فلو كان الشعب الإيراني داعماً لنظامه، لما تراجع آيات الله عن برنامجهم النووي.
ما هو المطلوب إذا أمريكياً من إيران، ما الذي يُحرك السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ولصالح من، وهل حقاً هي مُهددة، ونحن نرى انحناء الأنظمة العربية الخليجية ومصر، ووضع أنفسهم تحت حماية الرئيس دونالد ترامب، والذي لا يجد حرجاً، باستخفاف وازدراء هؤلاء الحلفاء، وامتصاص معظم مواردهم المالية والنفطية، واستعمال الجيش المصري، فقط لحصار غزة، ودعم قوى الثورات المضادة، كما يحدث في ليبيا. أمريكا حقيقة، لا يُهدد مصالحها أحد، وتواجد الروس في سوريا، هو اصلاً بموافقة ضمنية أمريكية، والحكم التركي، رغم إعلاء الصوت مرة أو أخرى، يتراجع دائماً، أمام البُعبع الأمريكي (موضوع القس الأمريكي، أو الامتناع عن تزويد الثوار السوريين بأسلحة ضد الطيران وغيره).
أمريكا حالياً بسياساتها، لا تهدف إلى درء خطر ما مُحدق بمصالحها أو تواجدها العسكري، وإنما تُخطط لصياغة جديدة لمنطقة الشرق الأوسط، تتماشى مع مصالح الحليف المُدلل إسرائيل. أمريكا تُخطط لخلق تحالفات مُستقبلية، تضمن أمن وسلامة وسيطرة إسرائيل على المدى الطويل، تبدأ مع صفقة القرن، والتي ستُنهي أي أمل للفلسطينيين بالعودة، وتستمر مع بناء تحالفات عربية إسرائيلية، كما نرى حالياً مع مصر ودول الخليج، وتنتهي بإيجاد تحالف أوسع، بين إسرائيل وإيران وأيضاً تركيا.
الخُطة الأمريكية برأيي، هي وضع درع واق لإسرائيل من اي خطر مستقبلي آت من الشعوب العربية، وخصوصاً وأن معظم الدول العربية، وحتى أكثرها ثباتاً هي على كف عفريت، وإمكانية انتشار الربيع العربي، من جديد، كما نرى في السودان والجزائر، يُهدد بتدمير اي سياسة طويلة الأمد بين هذه الدول وإسرائيل، ومحاولات التقارب بين عمر البشير وإسرائيل قبل سقوطه لم يحمه من الثورة الشعبية.
إيران وإسرائيل، أو إيران وإسرائيل وتركيا، هي بالنسبة لأمريكا واللوبي الصهيوني، الأكثر ضماناً. فالديمقراطية التركية لم تمنع التقارب التركي الإسرائيلي وتزايد التبادل الاقتصادي (إعادة العلاقات بعد حادثة سفينة مرمرة بدون تحقيق شرط رفع الحصار عن غزة)، كذلك حتى ولو تحولت إيران إلى دولة ديمقراطية، فقد لا تُهدد أمن وسلامة إسرائيل، بل قد تُبقي تحالفها معها، وهو الشيء، الذي لا يمكن توقعه من الشعوب العربية، من محيطها إلى خليجها. وضع أُسس تحالفات مستقبلية، حول المنطقة العربية، ولصالح إسرائيل على مدى طويل، هو برأيي الدافع المخفي للسياسة الأمريكية تجاه إيران.
نحن نُدرك، والتاريخ علمنا ذلك، أن النظام الديمقراطي هو الوحيد القادر على رفض الإملاءات الأجنبية، بينما الأنظمة الديكتاتورية، لا تتوانى عن التحالف، مع ألد أعداء شعوبها، حفاظاً على بقائها، هي شديدة على شعوبها، ولينة بيد الأعداء.
مستقبل النظام الإيراني الحالي يتأرجح، بين الخضوع للإملاءات الأمريكية والتحالف مع إسرائيل (وليس التخلي عن مشروع عسكري أو نووي وغيره من الكلام الفارغ)، أو السقوط تحت ضغط حراك شعبي، مُنتظر وآت لا محالة. من سيسبق إذاً، الثورة الشعبية الإيرانية لإسقاط النظام، أم قبول الإملاءات الأمريكية والرضوخ للتحالفات الجديدة. هذا النظام من منظار غريزته للبقاء بالسلطة، قد يفضل الحل الأمريكي، والذي قد يُؤمن له دعم الرئيس ترامب والغرب، بمواجهة شعبه مستقبلا، كما حصل مع حليف إيران النووي الكوري الشمالي كيم جون أون الذي آثر البقاء بالسلطة على مواجهة الولايات المتحدة.

مراقب ومحلل سياسي مقيم في باريس

كلمات مفتاحية

الإعلانات

لماذا غابت الاقليات عن مظاهرات السترات الصفراء؟ euronews

لماذا غابت الأقليات عن مظاهرات السترات الصفراء ؟
آخر تحديث: 19/01/2019 – 09:00

بقلم: د. نزار بدران

تعم فرنسا حاليا وخصوصا باريس مظاهرات غضب قوية تزيد حدتها وعنفها كل يوم سبت منذ شهرين. السترات الصفراء تجمع تحت لونها كل طوائف الشعب الفرنسي فنجد المتظاهرين من كل الأعمار. من المتقاعدين الذي يحتلون نقاط تقاطع الطرق وبعض الساحات العامة إلى طلاب المداري والجامعات الذي يغلقون مدارسهم وكلياتهم.

نرى أيضا كل الشرائح المهنية، فهناك العمال والفلاحون، ، القادمون من مصانعهم ومزارعهم وموظفو الإدارات، وسائقو سيارات الإسعاف وغيرهم كثُر.

ما لا يراه المتظاهرون، هو ما يُسمى هنا بالأقليات المرئية، أي أبناء الجاليات الأجنبية، من أفارقة سود أو عرب معروفون من لون بشرتهم وملامحهم، أين هم إذن أبناء الضواحي الذين كانوا وقودا لحركات احتجاجية عديدة، مثلما حدث بباريس عام 2005 ،زمن حكومة دوفلبان، احتجاجا على قوانين العمل الجديدة؟ ولماذا لا يشاركون وهم يحملون الجنسية الفرنسية ويعيشون ظروفا اجتماعية صعبة؟

ما أسباب ابتعاد أبناء الضواحي عن حراك السترات الصفراء
المراقب لوسائل التواصل الاجتماعي، خصوصا الفيس بوك يرى أن ابتعاد هؤلاء، كان برأي أبناء هذه الجاليات لسببين، الأول هو أن المطالب التي رفعت بالبداية، كانت تتمحور فقط حول زيادة الضرائب على مشتقات على البترول، وهو ما حرّك كل ذوي المهن، التي تحتاج استعمال السيارات والشاحنات، أو الأدوات الزراعية كالجرارات والحاصدات، أو سائقو التكسي، وسيارات الإسعاف. في نفس الوقت وبسبب البطالة التي تتفشى بين أبناء الجاليات المعنية، فإن هؤلاء لم يصلوا بعد لهذه المهن، ومعظمهم يستعمل لعمله، إن وجده، وسائط النقل العام مثل القطارات، لذلك لم يشعروا كثيرا بتأثير هذه الزيادات عليهم.

السبب الثاني، هو الصبغة اليمينية واليمينية المتطرفة، التي طغت على هذا الحراك الأصفر، وما حمله من تظاهرات لمجموعات فرنسية عنصرية. لم يُرد أبناء الجاليات الأجنبية، أن يُقحموا أنفسهم فيها، فهم دوماً متهمون بالوقوف وراء أعمال العنف والتخريب. فلو أنهم شاركوا، ولو جزئياً بهذه المظاهرات العنيفة، لكان الإعلام حولهم إلى كبش الفداء، واتهمهم كالعادة بالأعمال التخريبية المُشينة، من حرق للسيارات وتكسير ونهب للمحال التجارية.

الرئيسية
ماي تسعى لحل مشكلة “بريكست” بالاتفاق مع إيرلندا
الجيش الإسرائيلي يقول إنه قصف أهدافاً إيرانية في سوريا ودمشق تؤكد تصديها…
أردوغان: تركيا مستعدة لتولي الأمن في منبج السورية
البيت الأبيض: ترامب وأردوغان بحثا التسوية في سوريا وتعزيز التجارة
جولة 360° داخل إحدى المدارس الأردنية للتعرف على برنامج التعليم الشامل
هل هو فعلا عدم اكتراث ولا مبالاة؟
ولكن من وجهة نظر بعض المتظاهرين الفرنسيين، فإن عدم مشاركة أبناء أقليات الضواحي، هو دليل عدم اهتمامهم بالشأن العام، وعدم انتمائهم حقيقة لفرنسا، وهو طبعاً ما يزيد من تهميش هذه الأقليات، ويؤكد أُطروحات اليمين العنصرية. وقد رأينا ذلك بعد اعتداءات شارلي إيبدو عام 2015 التي نفذها عناصر محسوبون على تنظيم داعش. فمن بين ملايين المتظاهرين في ساحة الجمهورية بباريس، أو بالمظاهرات بالمُدن الأخرى، كان التواجد العربي الإسلامي، الظاهر للعيان، يكادُ يكون غائباً تماماً، وكأن الجالية حمّلت نفسها مسؤولية هذه الأعمال الإرهابية، بينما كان المنطق يدعوهم، للمشاركة بقوة للنأي بأنفسهم عن التهم الجاهزة، ولإظهار تضامنهم كباقي شرائح الشعب مع الضحايا.

هل الحل في الابتعاد؟
أبناء الجاليات العربية والافريقية الأخرى، لن يستطيعوا أن يبقوا كثيراً، خارج إطار العمل التظاهري الحالي، فمطالب المتظاهرين قد تطورت، ولم تعد محصورة على رفع الضرائب على مادة معينة، بل تعدته إلى المطالبة بإجراءات اجتماعية ضد البطالة والتهميش وغيره وحتى بإسقاط الرئيس، وهو ما يُعبر أيضاً، بالنسبة لهؤلاء، عن أوضاعهم وهمومهم الخاصة .

حراك لا لون له
من ناحية أخرى، لم يستطيع اليمين، أو اليمين المتطرف، السيطرة على الحراك، بل وصل للساحة مجموعات يسارية ومن المجتمع المدني، بعيدة عن العنصرية، بل تعاديه، وتقف دوماً مع مطالب وحقوق الأقليات، بالإضافة لبدء قيادات المعارضة اليمينية التقليدية، بالتراجع تدريجياً عن دعمها لمطالب المتظاهرين الاجتماعية والتي تتناقض مع مواقفهم وبرامجهم السياسية.

سنرى إذاً قريباً، عودة شباب وشابات الأقليات المذكورة للساحة، جنباً إلى جنب مع بقية شرائح المجتمع الفرنسي، على الأقل هذا ما نأمله، حتى لا نبقى دائماً مهمشين، ونرى في الآخر مجرد كائن تحرّكه مشاعرعنصرية مقيتة، فنحن كلنا بهذه البلاد، مواطنون متساوون.

للكاتب

فرنسا.. السترات الصفراء ورأس المال المُعوْلم

السودان والربيع العربي الثاني.. أين الغرب؟

في ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان انتهاكات ولا مبالاة.. فأين نحن من حقوق الإنسان؟

د. نزار بدران – كاتب ومحلل سياسي

المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر يورونيوز

السترات الصفراءفرنسامهاجرونالبطالةالوقودضرائب

أرمينيا تعري أنظمة الديمقراطية المزيفة. القدس العربي ١٢ حزيران ٢٠١٨

أرمينيا تُعري أنظمة الديمقراطية المزيفة

د. نزار بدران


May 12, 2018

قد لا تكون أهمية الدول فقط بحجمها وقوتها، بقدر ما تكون بالنموذج الذي تُعطيه للعالم. أرمينيا هذه الأيام تعطينا هذا الاشعاع الحضاري، الذي افتقدناه بدولنا، وتُعري تلك الأمم الكبرى، التي تدعي الديمقراطية، بينما تُمارس عكس ذلك تماماً.
أرمينيا دولة صغيرة في القوقاز، لا تزيد مساحتها عن فلسطين التاريخية، يسكنها 3 ملايين نسمة، محصورون بين تركيا وأذربيجان وإيران، كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي، حتى استقلالها عام 1991، وهي مرتبطة منذ ذلك التاريخ، بشكل أو بآخر مع روسيا، خصوصاً منذ عام 2013، بعد دخولها الاتحاد الجمركي، الجامع لبعض الدول الشيوعية سابقاً، بقيادة الروس.
نهض الشعب الأرميني الصغير، عن بكرة أبيه، بقيادة النائب المعارض، نيكول باشتيان، قبل بضعة أسابيع، لإسقاط حكم الرئيس، سيرج ساركسيان، الذي تبجح بالديمقراطية، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، ولكنه بالواقع ورث أساليب أرمينيا السوفييتية، بلباس مُزيف ديمقراطي، فالتبادل السلمي للسلطة، كانت تعني للسيد ساركسيان، أن تُغير السلطة موقعها من رئاسة الدولة إلى رئاسة الوزراء والعكس، ويُبدل هو منصبه للحاق بها، بدل أن يكون التبادل بين الأغلبية والمعارضة، وهو ما حاول عمله مُفجراً موجة المظاهرات الأخيرة، وكانت أول مواجهة بين الطرفين قد حدثت عند انتخابه لأول مرة عام 2008، مما أدى يومها لمقتل عشرة متظاهرين.
هذا ما تعلمه السيد ساركسيان وحزبه الجمهوري، من صديقه في موسكو، فلاديمير بوتين، والذي انتقل من موقع رئاسة الدولة إلى رئاسة الوزراء، قبل العودة مرة أخرى للمنصب الأول، مُتحايلاً على الدستور، أي أنه لم يترك السلطة منذ 18 عاماً، وما تم التبادل عليه هو فقط، الموقع الذي يُسيطر من خلاله على السلطة.
عرت أحداث أرمينيا الأخيرة نفاق أنظمة كهذه، حيث يلحق الزعيم المُلهم لشعبه بالسلطة، ويتلاعب بها ككرة الطائرة، حيث يلتقطها بمهارة من أي مكان تذهب اليه.
كما عرى النموذج الأرميني الجميل ايضاً، دُعاة الديمقراطية المُزورة في تركيا، حيث ينتقل الرئيس، رجب طيب أردغان، بكل رشاقة من موقعه برئاسة الوزراء، إلى رئاسة الدولة، حاملاً معه السلطة وكل صلاحياتها، وكرفيق نضاله في روسيا، يُغلق الصحافة الحُرة، ويَزُج بمنتقديه في السجون، حتى لا يسمع أحد كلمة الحق.
قُرب أرمينيا من روسيا وتركيا، يُقلق بكل تأكيد، أنظمة الزيف لهاتين الدولتين، على صغرها وقلة مواردها، لأنها تُعطي للشعب الروسي والشعب التركي، النموذج الحي لما يجب أن يكون عليه الحال، حتى تسترد روسيا وتركيا، عافيتهما الديمقراطية الحقة، بدل زيف الادعاءات الشعبوية، والتراجع الديمقراطي والحريات العامة، وإهدار طاقات البلاد بحروب داخلية وخارجية لا طائل منها.
أرمينيا الصغيرة، بكل تأكيد، تُثير حفيظة حكام موسكو وأنقرة، وقد تقع فريسة لضغوط هاتين الدولتين، عن طريق تحريك الصراعات القديمة، بين أذربيجان وأرمينيا، في منطقة كاراباخ العليا، ذات الأغلبية الأرمينية، والتي شهدت حربا بين الدولتين لست سنوات، بين عام 1988 و 1994، مُجمدة حالياً من دون سلام حقيقي، أو استعمال وسائل ملتوية أخرى.
كان قائد الحراك الأرميني، النائب باشتيان، قد قطع لحد الآن، الطريق أمام هذه التدخلات، لأنه لم يطلب دعم أمريكا وأوروبا، ولم يضع علاقاته بروسيا، كشأن داخلي مُختلف عليه، والذي قد يُبرر تدخلا روسيا خارجيا، كما حدث بأوكرانيا، عندما قام الحراك الشعبي هناك، باللحاق بالاتحاد الأوروبي والابتعاد عن الروس، وهذا ما أعطى الحجة وقتها للتدخل الروسي العسكري، وإشعال الحرب بأوكرانيا عام 2014، ولكنه ركز على الفساد بالسلطة، وزيادة الفقر والبطالة والتلاعب بالدستور وإرادة المواطنين، لشرعنة البقاء بالحكم.
نأمل لأرمينيا السلامة، فهي صغيرة بحجمها ولكنها كبيرة بفعلها، وقد يحرك هذا الفعل، اختصاصيي التبادل السلمي المزور للسلطة، حتى لا تصبح نموذجاً لشعوبها. نأمل أن يصبح النموذج الأرميني إحدى المنارات التي تضيء الطريق للحرية، وإصرار الشعوب على حكم نفسها بنفسها، وخلع وصاية القادة الملهمين.

كاتب عربي مقيم في فرنسا

الإنتخابات الرئاسية الروسية أو ديمقراطية النظام الديكتاتوري

الانتخابات الرئاسية الروسية أو ديمقراطية النظام الديكتاتوري

د. نزار بدران

Apr 10, 2018

عشنا قبل أسابيع الانتخابات الروسية المحسومة سلفا وبشكل مسبق، لصالح الرئيس فلاديمير بوتين، المُرشح الوحيد عملياً، لعدم تمكُن المرشحين الجِديين من التقدم لهذه الانتخابات، وقد جرى إبعادهم بالقوة أو بالقضاء. وطوال 18 عاما من حكم بوتين، لم تحصل في روسيا انتخابات حقاً حرة.
إن أوهام النظام بحصوله، على دعم شعبي واسع، مع رفضه القيام بانتخابات حرة تعددية، هو دليل خوفه من الشعب الروسي، وإلا فلماذا تُمنع المُعارضة من الوجود والتعبير عن آرائها بحرية؟.
لقد تعددت أشكال الوصول للسلطة عبر التاريخ وعبر القارات، إما بالقوة التي تطرد نظاماً ليحل محله نظام آخر، وهي الصبغة الأكثر انتشاراً تاريخياً، أو بالثورات العنيفة والتي توصل للسلطة مجموعة تستولي عليها نهائياً، إلى أن تذهب بدورها بثورة أخرى، أو بالانهيار الداخلي بسبب تعارض مصالح ورؤى الطبقة الحاكمة.
تُحاول السلطة الجديدة دائماً، إضفاء صورة الشرعية على وجودها، عن طريق التذرع بأشكال مُتعددة، فهي إما شرعية الوراثة، الآتية من حق العائلة مالكة السلطة، أو بالشرعية الدينية أو الإلهية (من سلالة الرسول أو لتطبيق شرع سماوي) كما نرى بعدد من الدول العربية والإسلامية، أو بشرعية الثورة التي أوصلتها كما نرى بإيران أو كوبا والدول الشيوعية سابقاً.

شرعنة الوصول إلى السلطة

كانت هذه الأساليب لشرعنة الوصول للسلطة، صبغة الإنسانية على مدى قرون عديدة منذ بدء التاريخ، وأسست لبناء كل الإمبراطوريات من أقصى الأرض إلى أدناها. لكن هذا المفهوم للسلطة انتهى مع بزوغ فجر الحضارة الحديثة، والتي أسس لها التطور الصناعي والثورات الاجتماعية في أوروبا، وخصوصاً الثورة الصناعية في بريطانيا وما تبعه من الثورة الفرنسية وعصر الأنوار، والتي أوصلت مفهوم المواطن والمواطنِة، بدل الراعي والرعية. وقد تحول مصدر الشرعية للسلطة من الراعي إلى الرعية أي المواطن.
منذ ذلك الوقت، دخل تدريجياً مفهوم الوصول للسلطة عن طريق الانتخابات العامة، وما تبعه من مفهوم شرعية السلطة المُستمدة من الشعب مباشرة، في هذه الدول الشعب هو مصدر كل السلطات، ويُعبر عن ذلك بانتخاب من يُمثله، وإزالتهم عند الضرورة.
كل الشعوب التي تريد أن تدخل عالم التطور والثبات السياسي والاجتماعي، تتبنى النُظم الديمقراطية، نرى ذلك شرقاً وغرباً، فمن ألمانيا إلى اليابان، ومن كوريا الجنوبية وأستراليا، إلى جنوب أفريقيا أو الهند والبرازيل والأرجنتين وتشيلي ودول عديدة في العالم الثالث سابقاً.
الانتخابات بالنظم الديمقراطية، هي وسيلة الشعب للتعبير عن نفسه، بمعنى معرفة القوى والتيارات المُؤثرة به، تعدد هذه التيارات وقوتها هو دليل حيوية الديمقراطية والشعب الذي يحملها، الانتخابات إذن هي كالصورة اللحظية، التي تُظهر المجتمع على حقيقته وتحدد مكوناته وصراعاته الداخلية، نُقاط قوته ونقاط ضعفه، وتوصل للسلطة الأغلبية، والتي تُعبر في كثير من الأحيان عن تحالُف مجموعة من القوى الاجتماعية، وتترك بالمُقابل بمقاعد المُعارضة للقوى المُتبقية، بانتظار دورها المُستقبلي، بالتبادل السلمي للسلطة. لعبة التحالفات هذه للوصول إلى أغلبية النصف زائد واحد، قد تطول أسابيع وأشهرا، كما رأينا بآخر انتخابات ألمانية، هذا ليس دليل ضعف الديمقراطية بل حيويتها، دورية الانتخابات وتتابعها، يُبين التطورات الحادثة والتغيرات الاجتماعية على مدى العقود المُتتابعة ومعرفة النفس الناتجة عن ذلك، والتي هي أساس القوة الحقيقية (من نحن وماذا نريد).
الفصل بين السلطات والإعلام الحر، مكونات المجتمع المدني المُستقلة عن السلطة كالنقابات والاتحادات والجمعيات، كتابات المُفكرين والمُثقفين، ولكن أيضاً وخصوصاً، ذكاء ومعرفة المواطن واهتمامه بالشأن العام، مُعطيات حياته اليومية والصعوبات التي يواجهها، هو من يدفع إلى انتمائه، وتصويته لهذا التيار أو ذاك، والذي يشعر أنه يُعبر عنه، المواطن هو المسؤول الوحيد عن هذا الاختيار، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بعد الاستفتاء، نموذج لذلك، حيث أصر الناخبون على الخروج، رغم الحجم الإعلامي والسياسي الضخم للاتجاه المُعاكس.
هل تنطبق هذه المعايير على الانتخابات الروسية الأخيرة، وحتى ما قبلها ومنذ 18 عاما؟ هل عبر كل مُكون من المجتمع الروسي، أي القٌوى الفاعلة داخله، عن وجودهم وحجمهم واحتياجاتهم وما يودون الحصول عليه، هل ظهر كباقي الدول الأخرى، بهذه الانتخابات، قوى يمين ويسار متوازنة، قوى محافظة واخرى ليبرالية، كما هو الحال داخل أي مجتمع ديمقراطي آخر؟.
هل من المعقول أن لا يستطيع الشعب الروسي إلا الاختيار بين بوتين وبوتين، فكل المنافسين الآخرين، أُخرجوا من الصورة، وقُدم للشعب أسماء لا يعرفها، إلا أقاربهم المُقربون، ولا يمثلون أي تيار سياسي أو كتلة أجتماعية روسية، باستثناء بقايا الحزب الشيوعي المُحطم، والذي لفظه الروس منذ سنوات.
هل من المعقول ألا يجد الروس إلا مُمَثلا واحداً لهم، رغم تناقضاتهم العميقة ومصالحهم المتضاربة. هل حقاً أن المواطن الروسي، يدعم بوتين لاستعادة هيبة الاتحاد السوفييتي، عن طريق إرسال أبنائه لساحات القتال الخارجية في أوكرانيا وسوريا وغيرهما، وما زالت ذكرى أفغانستان حاضرة، وما زالت حاجاته الأساسية من غذاء ودواء وتقاعد وعمل وبُنية تحتية، غير كافية، هل حقاً المواطن الروسي فخور بذلك، بينما المصانع الروسية لا تصنع إلا الأسلحة، بدل وسائل حياته اليومية، وبينما مُعدل دخل الفرد الروسي، في أحسن حالاته، هو بالمرتبة 55 في العالم، أي بعد بولندا وهنغاريا ودول شيوعية سابقة.
هل يُتوقع من العامل الروسي، أن يؤيد سياسات بوتين الصناعية، عندما ينخفض الانتاج الصناعي فجأة عام 2017، إلى ناقص 8،4%، ومن المزارع الروسي، ومعظمهم من صغار المزارعين، حينما تتراجع مكانة الزراعة بالاقتصاد الروسي، من 15،4% عام 1990، إلى 4،2% عام 2014، وذلك حسب إحصائيات الصندوق الدولي، علماً أن روسيا تحتوي على أكبر مساحة أراض زراعية في العالم.
هل الأطباء والمرضى والقطاع الصحي الروسي، سيدعمون سياساته الصحية، عندما تفتقر القرى والمناطق النائية، للغطاء الصحي الكافي، ويزداد انتشار بعض الأمراض، مثل فقدان المناعة المُكتسب (الأيدز)، حسب المنظمة المُختصة في الأمم المتحدة، بينما يتراجع في مناطق أخرى كثيرة من العالم. الشيء نفسه يمكن ذكره في مجالات اقتصادية عدة، فلماذا إذن لا يسمح لكل هؤلاء بالتعبير عن مشاكلهم وهمومهم في إطار انتخابات ديمقراطية عن طريق اختيار مرشحين ينطقون بإسمهم ويدافعون عن مصالحهم؟.

20 مليون شخص تحت خط الفقر

نسبة الذين يعيشون تحت حد الفقر، مشكلة اعترف بوجودها وتفاقمها، رئيس الوزراء ميدفيديف، وصل عام 2017 إلى حوالي 20 مليونا، بدل 16 مليونا عام 2014، حسب إحصائيات البنك الدولي، من عدد سكان إجمالي 143 مليون، بدل 149 مليون عام 1992، عند انهيار النظام الشيوعي.
اعتماد الاقتصاد الروسي بشكل رئيسي، على عائدات الغاز والنفط، وعدم وجود سياسة اقتصادية بنيوية فعالة للصناعة والزراعة، بالإضافة للعقوبات الغربية بعد انتزاع القرم، وانهيار أسعار الطاقة، ساهم بشكل كبير بالتدهور الاقتصادي للبلاد.
“توجد بالعالم حالتان بين الدول تصلُحان لأن تكونا لنا درساً، فهما تجربتان تاريخيتان؛ ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية، كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، كل منا يستطيع استنتاج العبر لوحده من هذه الأمثلة”، هذا ما قاله بوتين أثناء حملته الانتخابية عام 2012، وأردف أيضاً، “أن النظام الشيوعي كان تفاهة تاريخية، وأجبرنا على الركض خلف الدول المتطورة اقتصادياً، كنا بمأزق، بعيدين عن بقية الحضارة بالعالم”.
هذا ما قاله عن روسيا، أين هي روسيا اليوم عام 2018، وهل حقق اللحاق بركب الحضارة العالمية والاقتصاد العالمي المُزدهر؟ الحقيقة أنه استمر بالنهج الشيوعي نفسه حتى ولو تشدق بانتقاده وتجريحه، وهو الرئيس السابق للمخابرات السوفييتية.
وما نراه الآن، هو أن روسيا بوتين، تسير وبسرعة على الطريق نفسه الذي أدى إلى انهيار الاتحاد السوفييتي، وبظروف وشروط أسوأ وامكانيات بشرية ومادية أقل، هو طريق الحروب الخارجية المُكلفة، وسباق التسلح مع الولايات المتحدة، بوتين هو إذن من يُعرض روسيا للخطر ويعطي الغرب من جديد وسائل النجاح.
في روسيا اليوم، تُمنع الصحافة الحرة، ويُسجن المعارضون أو يُقتلون، وتُستعمل العدالة لتكبيل المُعارضة، ويُوجه الإعلام الرسمي كله لصالح النظام، وتمجيد الفرد الواحد القائد المُلهم، واحياء الروح القومية الشوفينية، في هذه الأجواء، تجري الانتخابات الرئاسية ويفوز بها بوتين بأكثر من ثلاثة أرباع الأصوات.
الانتخابات التي يُجمِعُ بها الشعب، هي بالحقيقة وسيلة النظام لتهديد المُعارضة، وإبلاغها أن لا مكان لأي صوت مُعارض، فلو قبل النظام لينجح بنسبة 51 % فهذا سيُجبره على القبول بمبدأ وُجود معارضة، لها الحق بالتعبير والوجود، ومستقبلياً التبادل السلمي للسلطة، هذا منطق الديكتاتوريات لكل الدول، وفي حالات الدول العربية، يرفعون النسبة إلى حوالي 99 %.
العملية الانتخابية هي إذن هدف بحد ذاته، وليست وسيلة لمعرفة القوى الفاعلة بالمجتمع. في هذه الحالة، السلطة الروسية، ستكون عمياء وصماء، لا تسمع المواطن الروسي ولا تفهم مشاكله، فهي ترفض رؤيتها أصلاً. هذه النقطة بالتحديد، من سيؤدي قريباً أو بعيداً إلى تفاقم الأوضاع، والتناقضات مع السلطة، ويكون أحد أسباب التغيير الديمقراطي الحقيقي المأمول، وعودة روسيا القوية بأهلها وثقافتها وعلمها وانفتاحها ونموذجا للحرية بالعالم.

فنزويلا مادورو وسياسة الهروب إلى الأمام

نشر بالقدس العربي ١٩ آب ٢٠١٧

فنزويلا مادورو وسياسة الهروب إلى الأمام

د. نزار بدران

Aug 19, 2017

باغتتنا الأنباء عن قيام السلطات الفنزويلية بكاراكاس، بتشكيل برلمان مواز تابع للسلطة، وذلك تحت مسمى المجلس التأسيسي لصياغة دستور جديد، ليمدد لنيكولاس مادورو خليفة شافيز بدون معارضة، في تراجع واضح عن أسس النظام الديمقراطي الذي اوصله للسلطة.
تتميز جمهورية فنزويلا بكونها من الدول الكبرى المنتجة للنفط، ويوجد فيها أكبر احتياطي بالعالم، يمثل النفط 95 في المئة من صادراتها..
وكدولة نفطية في العالم الثالث، مثل الجزائر أو السعودية، استطاع النظام عن طريق سياسة توزيعية للدخل أن يحافظ على السلم الاجتماعي ويخلق له قاعدة صلبة تمكنه من البقاء بالسلطة لسنوات طويلة.
انتخب هيغو شافيز عام 1998 ووصل السلطة رافعا شعار محاربة الفقر والفساد، وان كان قد نجح إلى حد ما بعلاج المرض الأول عن طريق التوزيع المالي المباشر وسياسة المساعدات الاجتماعية، فإنه بالمقابل لم يستطع أن يحد من الفساد. وقد تمكن الجيش زمنه، ولكن أيضا زمن خليفته مادورو من السيطرة على كل مفاصل الاقتصاد.
عام 1993 كان عدد جنرالات الجيش أقل من خمسين، أصبحوا الآن أكثر من أربعة آلاف. سلطة الجيش كبيرة جدا، فمثلا ثلث الذين يديرون الوزارات هم من الجنرالات المتقاعدين، ونصف محافظات فنزويلا الـ 23 نصب عليها محافظون قادمون من المؤسسة العسكرية. ويسيطرون على قطاع واسع من اقتصاد البلاد.
الأزمة الاقتصادية ليس لها تأثير حقيقي على أعمالهم، فهم يضاعفون رواتبهم كما يشاؤون، ويستحوذون على المواد الغذائية والعقارات بسهولة، يحصلون على عقود مربحة جدا مع الدولة، يراقبون سوق العملات الصعبة ويتحكمون بجزء من الثروة النفطية عن طريق بيعها لصالحهم، وذلك بسعر منخفض لدول الجوار.
منذ انخفاض سعر النفط، والذي تزامن مع اختفاء شافيز، لم تعد السلطة الثورية قادرة على الاستمرار بسياسة التوزيع وكسب السلم الأهلي، وهي التي لم تبن اي اقتصاد إنتاجي فعال ذات وزن على مدى حوالي عشرين عاما، واكتفت بتوزيع عائدات النفط.
ما استطاع شافيز فعله زمن الازدهار النفطي، لم يستطع خليفته نيكولاس مادورو الاستمرار به، في زمن الانخفاض الحاد لأسعار النفط، فيما المواطن الفنزويلي البسيط يرى يوميا الطوابير تزداد طولا أمام المتاجر لشراء السكر أو أي مادة غذائية، ويقضي ساعات طويلة فيها، لم يعد أحد يصدق مادورو وتحميله لأمريكا أو المتآمرين السيئين وأعداء الثورة البوليفارية مسؤولية ما حصل. وهو مضطر للذهاب لدول الجوار مثل كولومبيا للحصول على حاجاته من الغذاء والدواء.
قبل عام كلف مادورو رئيس أركان جيشه الجنرال فلاديمير بادرينو، بعد تعيينه وزيرا للدفاع، بحل مشكلة نقص المواد الأولية والمواد الغذائية وحتى الأدوية (85 في المئة حسب اتحاد الصيادلة بما فيها المضادات الحيوية والعلاج الكيميائي للسرطان) عن طريق أخذ إجراءات إجبارية. محاولات السلطة إرسال الجيش للمصانع والمحلات التجارية لمراقبة الأسعار في ظل تضخم وصل لسبعة مئة في المئة سنويا، حسب احصائيات البنك العالمي للتنمية، أدى إلى أن أغلق كثير من أصحاب المحلات متاجرهم، لعدم قدرتهم على البيع بأقل من سعر التكلفة، وهو الذي بدوره عمق الأزمة الاقتصادية بدل حلها.
بهذه الوسيلة يكون الجيش قد أطبق على كل البنية الاقتصادية والسياسية للبلد، وبقي وحده من يستطيع أن يفرض بقوة السلاح هذه المرة سلطة خليفة شافيز..
وككل الأنظمة المدعومة من العسكر، فهي بطبيعتها تحتكم إلى القوة وليس لصندوق الاقتراع، والسلطة الحالية الموروثة عن شافيز، وصلت إلى الحكم عن طريق الانتخابات، معتمدة على قاعدة شعبية صلبة، تلك التي استفادت من الإصلاحات الاشتراكية التوزيعية للثروة النفطية.
بعد اختفاء الثروة الريعية وعدم وجود بديل إنتاجي، لم يعد النظام مدعوما من قاعدته الشعبية الطبيعية للاستمرار بالحكم. لم يبق له إذن إلا الرحيل من خلال الصناديق، أو البقاء بدعم الجيش والتراجع التدريجي عن البنية الديمقراطية، وهو ما يفعل الآن، فعشرات القتلى بالمظاهرات السلمية واستبدال البرلمان بجمعية تأسيسية من صنع يديه وبتزوير الإنتخابات دليل ناصع على هذا التقهقر.
لكن مادورو لن يجد من يقف معه بين دول القارة اللاتينية، والصين التي بعثت له مؤخرا بالسلاح والعتاد، لن تستطيع أن تذهب بعيدا بذلك، لعدم الإضرار بمصالحها بالقارة..
لن يجد مادورو مثل الأسد في سوريا، لا روسيا ولا إيران بجواره لدعمه وحمايته، ولن يجد مثل السيسي في مصر مليارات الإمارات أو السعودية.
هو بكل تأكيد رهان خاسر، وانتصار الشعب الفنزويلي سيكون قريبا.

طبيب عربي مقيم في فرنسا

تركيا وضياع الأندلس

نشر بصحيفة الحياة تحت عنوان النموذج التركي الناجح يتراجع نتيجة احلام العظمة ورهاب المؤامرات 01/07/2017

تركيا وضياع الأندلس

نزار بدرن

ومن الحب ما قتل، مثل عربي قديم، ينطبق على الوضع التركي الحالي، فتركيا أردغان، استطاعت أن تدخل قلوب الناس عرباً ومسلمين، منذ وصول الأغلبية الإسلامية للسلطة بالطرق الديمقراطية، ونجاحها الواضح في تحسين الوضع المعيشي للسكان، وانفتاحها على مكونات المجتمع المدني.

حبنا لتركيا إذن، كان من مُنطلق النموذج الجميل، الذي أحببناه لأنفسنا، لو استطعنا لذلك سبيلا، ولكن هذا الحُلم بتوسع النموذج على الدول العربية والإسلامية، وهذا الأمل الذي كان يُداعبنا، بإمكانية أن تصل الدول الأخرى، إلى نفس المستوى، من الحرية والديمقراطية والرخاء، بدء يتلاشى ويغرق، في متاهات الانقلابات السياسية ألمتتابعة التي تبناها رجب طيب أردغان وحزبه، والتي ذهبت بالاتجاه المُعاكس تماما لما نحلم به ونأمله لتركيا وأنفسنا.

حُبنا للنموذج التركي، لا يجب أن يِعمينا عن الواقع الجديد، والتقهقر اليومي والعودة إلى زمن شياطين الماضي. فبدل أن تقترب دولنا من النموذج التركي ألناجح بدأت تركيا باللحاق بالنماذج العربية التسلطية.

يمكننا توزيع هذه التقهقرات، إلى عدة أشكال، أول أشكال التقهقر هو الإخلال بالحريات والحقوق العامة، فالنظام التركي، وحتى قبل محاولة الانقلاب الفاشلة، بدء بإغلاق المحطات الإعلامية، والمنابر الصحفية المُعارضة له، واستمر ذلك بقوة أكبر بعد الانقلاب، زج عدد كبير من الصحفيين بالسجون، وهروب الآخرين للخارج. بحسب إحصائيات بداية هذا العام، تم إغلاق 180 محطة ومركز إعالمي وصحيفة، 2100 مدرسة، 1254 جمعية.(1)

واكب ذلك التدخل بالقضاء التركي، لتجييره لأهداف سياسية، ونحن نعلم أن الفصل بين السلطات، هو القاعدة الصلبة للأنظمة الديمقراطية، والتدخل بها كما يحدث في مصر، هو دليل الاتجاه نحو الحكم الشمولي.

ثاني هذه الظواهر، هو الاتجاه الواضح لأردغان، نحو الانفراد بالسلطة، والإمساك شخصياً بكل مفاصل الحياة العامة، حتى ولو أخذ ذلك شكل استفتاء شعبي، فالتغييرات بحد ذاتها، تُكرس معظم السُلُطات، إن لم نقل، كُلها بيد شخص واحد، والذي لم يتخلى، حتى بعد انتخابه رئيساً لبلده، عن رئاسة حزبه الأصلي. وقام أيضاً باستغلال ألانقلاب الذي أفشله الشعب التركي، للانقضاض على كل المعارضين، المحتملين داخل الجيش والإدارة، مما أدى إلى تسريح عشرات الآلاف من الموظفين، وكبار كوادر ألدولة مؤدياً بشكل واضحٍ، إلى تدهور الإدارة وكفاءة الجيش التركي، وتراجع الوضع الاقتصادي. ولإعطاء مثل على ذلك، وحسب إحصائيات كانون ثاني لهذا العام، منذ الانقلاب ألفاشل بلغ عدد المُسرحين من العمل 105 آلاف شخص، وعدد المساجين، بمن فيهم رجال الأعمال العديدين 32300. (1) وهذه الارقام تزايدت بشكل كبير منذ ذلك التاريخ , هؤلاء المسرحيين ومنهم اساتذة جامعات ( 4811 استاذ)  واساتذة ابتدائي وثانوي(30000) هم بحالة موت اقتصادي واجتماعي ومدني لمنعهم من العمل والحصول على حقوقهم الاساسية بالتقاعد والتوفير او السفر للخارج وبدون أي منطق قانوني مؤديا الى حالات انتحار عديده(2).

الشكل الثالث للتقهقر، هو التراجع عن حقوق الأقليات، ونذكر هنا بالتحديد الأكراد، بعدما كان الانفتاح نحوهم، سياسة ناجحة لسنوات، وهو طبعاً بحجة محاربة الإرهاب، وهو ما يُزعزع وحدة البلاد، ويؤجج النزعات القومية الكردية والتركية، واضعاً إياهما وجهاً لوجه.

ولكن الشكل الأهم، هو تدهور الوضع الاقتصادي، والناتج عن هروب المُستثمرين والسواح، فبعد أن كانت تركيا تُسمى بنمر الأناضول، بدأت المؤشرات الاقتصادية بالتراجع.

ما بين عام 2002-2012، كان مُعدل النمو الاقتصادي السنوي5%، كحد أدنى، وانخفض عجز الميزانية من 74 %، من الناتج القومي، إلى 33%، بخلال العشر سنوات. وكانت المراكز الدولية، بمراقبة الاقتصاد، تضع تركيا كل عام، برتبة أعلى من سابقتها. اليوم وبعد التوجه السلطوي لأردغان، انخفضت الاستثمارات إلى النصف، بلغت 7 مليار يورو بالثلث الأخير لعام 2016، بدل 13,3 مليار يورو لنفس الفصل من العام 2015.

انخفض عدد السواح ب 37 %، ما بين 2015-2016، ونتيجة لذلك، انخفضت قيمة الليرة التركية مقابل الدولار، مؤدية إلى ازدياد التضخم والذي تجاوز 8 % في عام 2016، وهو ما يعني ارتفاع الأسعار(3). لا نريد أن نزيد على القاريء بالأرقام، ولكن الوضع السياسي، وتزايد التوجه السلطوي للسيد أردغان، يُعتبر من قِبل معظم المحللين الاقتصاديين، السبب الرئيسي لهذا التدهور.

الشكل الأخير، هو التذبذب والتخبط بالسياسة ألخارجية بعد أن كانت سياسة أردغان، نموذجاً بالذكاء والتوازن، مما مكن تركيا، من دخول كل أسواق الدول الإسلامية والعربية، ولم يلتزم حقيقة، إلا بسياسة البقاء داخل الحلف الأطلسي والتبعية للولايات المتحدة، وإعادة العلاقات الطبيعية الاقتصادية والسياسية مع إسرائيل.

السبب الأساسي لكل ذلك، هو تراجع الحلم الأوروبي، هذا الخطأ منذ الأساس، ليس مرتبطاً بالنظام الحالي، بل بكل السياسات المتبعة منذ سنوات الستينيات، والإنضمام للحلف الأطلسي، وهو الذي كان بزمنه يعني، تقبل تركيا أن تكون ساحة المعركة الممكنه بين الغرب والاتحاد السوفيتي. تركيا أيام الحرب الباردة، كانت قاعدة للصواريخ الأمريكية المُوجهة لروسيا، وهو ما يعني دمارها، بحالة حرب نووية بين العملاقين .لعبت تركيا إذن، دور الجندي الغيور الذي يدافع عن أوروبا والغرب، ويقبل الموت من أجلها.

بعد زوال هذا الخطر، وانتهاء الحرب الباردة، ظن الأتراك أن انضمامهم الكامل للاتحاد ألأوروبي سيكون هدية الغرب لهم، على تضحياتهم الجسام بعد اتفاق الشراكة الموقع عام 1963. تطورت الأمور بعد ذلك، ووضعت أوروبا شروطاً لدخول تركيا، وليس فقط موافقة تلقائية، كثمن تدفعه للأتراك عى ما فعلوه من أجلها، وافق الأتراك على مضض على هذه الشروط، وهو الوصول إلى وضع دولة ديمقراطية غربيه تحترم القيم الإنسانية والأقليات وتتبنى الانتخابات الحرة، كوسيلة للانتقال السلمي للسلطة. هي نفس الشروط التي تُطبقها أوروبا على نفسها، واشترطتها لانضمام إسبانيا والبرتغال ودول أوروبا الشرقية فيما بعد.

هذه المرة ما قدمته تركيا لتحقيق هذه الشروط، لم يكن لطمأنة أوروبا، بل كان تحديثاً للدولة التركية، وهو ما انعكس على الوضع الاجتماعي والسياسي والسلم الداخلي، وخصوصاً الوضع الاقتصادي وانتقال تركيا إلى مرتبة عالية بين الدول الصناعية المتقدمة.

هذه الشروط الأوروبية، وإن لم تُطبق كلياً، هي التي سمحت بوصول حزب العدالة والتنمية الإسلامي للسلطة، ودحر خطر الانقلابات العسكرية، فلم تكن توجد قوة تستطيع أن تُبعد الحُلم الأوروبي لرجال السياسة والعسكر الأتراك، وأُغلق الباب أمام مطامع السلطوية الاستبدادية.

رغم التقدم الديمقراطي والانفتاح الداخلي، لم تختفي المُعيقات أمام لحاق تركيا بركب الغرب، وبدا واضحاً للحكم التركي أن الأمل قد تلاشى تماما فالغرب لن يعتبر تركيا جزء منه، لأنها حقيقة جزءً من الشرق.

هل العودة إلى الوضع الذي كانت عليه تركيا قبل الانفتاح الديمقراطي، هو الرد المناسب على أوروبا. كان الأجدر بالحكم التركي، أن يدرس الرفض الأوروبي من المنظار التاريخي والسسيولوجي لأوروبا وتركيا، فهذا البلد المسلم، ذا الثمانين مليون ساكن، له تاريخ طويل عدائي مع أوروبا وشعوبها. بنى العثمانيون إمبراطوريتهم، بعد فتح القسطنطينية عام 1453، وانهيار الإمبراطورية البيزنطينية، والاستيلاء على البلقان، ووصول فينا والقرم، واستمرت الحروب لسنوات طويلة، تركت أثرها بالذكرى الجماعية، ليس فقط عند الأوروبيين، وإنما عند الأتراك أيضاً. انتهت هذه الإمبراطورية، بعد هزيمتها بالحرب العالمية الأولى، وتقسيم إرثها فيما يُسمى باتفاقيات سايكس بيكو، وبناء الدولة التركية الحديثة العلمانية على يد أتاتورك.

عاش الأتراك وحكموا بلاد المسلمين، لقرون طويلة، وهم جزء مهم من التاريخ الإسلامي وحتى التاريخ العربي، انتمائهم الحقيقي، تاريخياً واجتماعياً إذن، حفر بالصخر بالشرق. ولم يقبلهم الغرب، إلا لاحتواء الدولة الناشئة، ولم يُعطي لهم دوراً اوروبي إلا لخدمة الأغراض الأوروبية، وهو الفخ الذي وقعت فيه تركيا منذ البدء.

الأمة العربية وباقي الأمم الإسلامية ليس لها مصلحة أن تنسلخ عنها تركيا لتلتحق بركب شعوب أخرى، فهي جزء منا تاريخياً وجغرافياً ودينياً ونفسياً وعاطفياً، وتستطيع أن تكون المحرك للتغيرات الديمقراطية، والعنصر الأساس لبناء تجمع شرقي إسلامي، يُضاهي التجمع الأوروبي. إنضمام تركيا لأوروبا سيكون قوة لأوروبا، وابتعادها عن محيطها الطبيعي الشرقي، هو إضعاف لنا.

ضياع الأندلس بالنسبة لنا إذا هو فقداننا لتركيا، الدولة النموذج، المنار المُشع ،الملهمة للآمال والدافعة إلى التوفيق بين حضارة شرقية إسلامية، وحضارة إنسانية حديثة، تحترم المواطن وحقوقه والأقليات مهما كانت، وتبني علاقاتها مع الآخرين، على مبدأ التعاون وليس العداء، وتتبادل بها السلطة عن طريق الانتخابات الديمقراطية، وتفصل الدين عن الدولة.

الانكفاء التركي الحالي، والعودة لزمن البؤس الفكري، والقمع الأهوج للحريات العامة، يُدمر بنفس المواطن العربي والمسلم هذا ألحلم ويرمينا م جديد بمتاهات الصراعات الطائفية والعرقية، التي لن تبني يوما وطناً.

بكينا على ضياع الأندلس وحضارتها الشامخة، لأننا لم نعرف أن نحتفظ بها كالرجال، وها نحن نفقد تركيا وما تمثله من أمل الخروج من حكومات الاستبداد.

أملنا أن يستعيد الشعب التركي صوابه، وأن يرفض أبناء هذه الأمة العظيمة بعطائها، الانجرار وراء أحلام العظمة المريضة وهستيريا المؤامرات المُتخيلة، وألا يدفعه حبه لأردغان، للانجرار وراء الأوهام، كما فعل المصريون والعرب، بالانجرار وراء الرئيس عبد الناصر، بسنوات الستينات، حتى وصلنا لنكبات لم نخرج منها حتى اليوم، وقد قتلنا حبنا له. فهل سنعود من جديد للبكاء على الأندلس.

 

(1)Echo صحيفة اقتصادية فرنسية مشهورة

(2)Libération  صحيفة سياسية فرنسية مشهورة

(3) احصائيات البنك الدولي ( doing business)

 

 

 

 

 

 

دونالد ترامب العودة إلى القرن التاسع عشر أم الذهاب المستقبل؟

الوان عربية 16 شباط 2017

دونالد ترامب

العودة إلى القرن التاسع عشر أم الذهاب للمستقبل؟

نزار بدران

أكدت الانتخابات الأمريكية الأخيرة، مع وصول دونالد ترامب للسلطة، عن تغيير كبير متوقع بالسياسة الأمريكية، على كل الأصعدة، الداخلية والخارجية والاقتصادية. فالإدارة الأمريكية الحالية، في صدد وضع تصور، ليس فقط لعلاقاتها بالدول الأخرى، وإنما أيضاً بفلسفة للعلاقات الدولية، مبنية على أسس جديدة.

من الواضح أن التيار “الفكري” الذي يمثله ترامب ليس أمريكياً بحتاً، وإنما بدأت مظاهره الأولى، تلوح منذ بضع سنوات، كخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، باستفتاء حزيران 2016، وانتشار الفكر اليميني المتطرف ووصوله إلى سدة السلطة في بلغاريا وحتى في بولونيا. كما في وصول الرئيس بوتين وما يمثله من فكر قومي يميني بروسيا، ونتائج ذلك على دول مثل أوكرانيا وسوريا، كل هذه الأمثلة وغيرها عديدة، توحي بأننا قد عُدنا للقرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. في ذلك الزمن، كان يُهيمن على أوروبا، قوى عُظمى مُتصارعة ومُتناحرة، كل يُدافع عن مصالحه، بدون أدنى التفات إلى مصالح الآخرين وحقوقهم. حروب أوروبا الدموية، كانت نتاج ذلك الوضع، والذي انعكس في وقته  على كل العالم.

انتهت هذه الفترة، مع نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما أخذت هذه القوى في حسبانها  مفاهيم جديدة للحد من الصراع بينها، وتمثل ذلك بوضع أُسس المنظمات الدولية والقوانين المتعدية للحدود الوطنية، مثل منظمة الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وما تولد عنها من مؤسسات دولية عديدة، مثل مجلس حقوق الإنسان ومنظمات رعاية الطفولة والمحاكم الدولية، وما إلى ذلك. نجحت هذه الوضعية الجديدة، بإنهاء الحروب في أوروبا، والعالم الغربي عموماً، ووضع أُسس الاتحاد الأوروبي، ولكن ذلك لم يُنه الصراع بالعالم، وهو ما تمثل بالحرب الباردة، بين الاتحاد السوفيتي والغرب.

انهيار حلف وارسو، وسقوط جدار برلين، واختفاء الاتحاد السوفيتي في تسعينيات  القرن الماضي، أسس لمرحلة اخرى جديدة، وهي دخول باقي دول العالم المهمشة خلال مرحلة الحرب الباردة الى عالم العلاقات الدولية، الذي كان حكراً لدول معينة، فنحن رأينا سقوط العديد من الأنظمة الاستبدادية والديكتاتورية، مثال ذلك البرازيل، ودول عديدة بأمريكا اللاتينية، وكذلك دول أوروبا ألشرقية وجنوب أفريقيا وإنهاء الفصل العنصري.

أحد المعالم المهمة لهذه المرحلة، ما بعد انتهاء الحرب الباردة، هو العولمة الاقتصادية، ووصول دول عديدة لعالم التجارة، والتنافس العالمي، بحظوظ وإمكانيات متفاوتة، مثل كوريا الجنوبية ودول عديدة أخرى في جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وتركيا، والانتعاش الاقتصادي الواسع بأفريقيا.

في القرن التاسع عشر، كان الصراع المبني على القومية، بدون أي اعتبار لمصالح الآخرين، سيد الموقف وسمة العصر. وفي القرن العشرين، انتقلنا إلى مفهوم التعاون الإقليمي، خصوصاً في دول الغرب، أو مجموعة الدول الدائرة في فلك الاتحاد السوفيتي، وأخيراً وبعد انتهاء الحرب الباردة، إلى عولمة العلاقات الدولية والاقتصاد والتجارة.

ماذا يفعل إذن السيد ترامب، هل يريد أن يُعيدنا إلى القرن التاسع عشر، والصراعات التي لم تُؤد إلا إلى الدمار، عن طريق تأجيج القوميات والمصالح الضيقة للدول. أم أن ذلك هو فقط لاستشعار الولايات المُتحدة، بإنتهاء دورها التاريخي، كقوة مُهيمنة وحيدة، منذ حوالي ثلاثين عاماً، بعدما تقاسمت العالم مع الاتحاد السوفيتي لعشرات السنين. فسياسة الانفتاح العالمي، وعولمة الاقتصاد والحد من العوائق الجمركية، والتطور المعرفي والرقمي والتكنولوجي، وانتهاء الحرب الباردة، كل هذا أدى إلى ظهور قوى عالمية جديدة مهمة، على رأسها الصين واقتصادها الأول بالعالم، وإلى جانبها الهند بملياراتهما السكانية.

الاقتصاد الأمريكي، بنى نفسه على قوة إنتاجية جبارة، ولكن أيضاً، وهذه خصوصية أمريكا وجوهر قوتها، على قوة استهلاكية أكثر عظمة، فالشعب الأمريكي هو أكبر المستهلكين، وهو ما سمح بتطور الصناعة الصينية، عندما فُتحت أمامها الأسواق الأمريكية. الصين هي الشريك الأول التجاري للولايات المتحدة، حيث بلغت صادراتها لهذا البلد عام 2015، أكثر من 357 مليار دولار.

أعلن ترامب مؤخراً، أنه يريد إعادة النظر، بالاتفاقيات التي تجمعه مع كندا والمكسيك، وكذلك دول شرق آسيا، فلنعلم أنه يستطيع أن يفرض ما يشاء، فكندا تُصدر أكثر من 75% من إنتاجها لأمريكا، والمكسيك حوالي 80%. القوة الاستهلاكية الأمريكية، وليس القوة الإنتاجية، إذن هي مُبرر هذه العنجهية، فنحن جميعاً، دولاً صغيرة أو كبيرة، بحاجة لأمريكا، لأنها أكبر سوق استهلاكي بالعالم.

ولهذا يمكن القول أن الرئيس الامريكي، يفتتح الأن مرحلة جديدة، وليس العودة إلى القرن التاسع عشر، وهي مرحلة دخول أمريكا إلى زمن العُزلة والإنكفاء على النفس، مُعتمدة على قوتها الإنتاجية والإستهلاكية في نفس الوقت، وفرض شروطها على الآخرين.

لذلك ينبغي على الصين والدول الناشئة الأخرى، أن تنتبه إلى أهمية السوق الاستهلاكي الداخلي، لحماية اقتصادها ونفسها، وإذا ما أُغلقت السوق الأمريكية أمام الصين، فلن تتمكن من استبداله بالأسواق الإفريقية أو دول العالم الثالث او روسيا، فهذه كلها ذات قوة استهلاكية ضعيفة.

لن تتمكن الدول الناشئة مثل الصين والبرازيل، من تطوير السوق الداخلي، إلا من طريق تحسين علاقاتها الاجتماعية، وذلك بالتوزيع العادل للثروة، وليس عبر تمركزها بأيدي قلة قليلة من فئات طبقية فاسدة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى حصول الطبقة العاملة على حقوقها، بالعمل والصحة والتطوير المهني والحقوق النقابية، وخصوصاً الدخل اللائق المناسب لجهدها الجبار، وذلك ما سيُمكن دولة مثل الصين أو الهند من التحول إلى منافس حقيقي للولايات المُتحدة، عندما يتولد لديها ذاك الجمهور الاستهلاكي الواسع، الذي يستطيع امتصاص انتاجهما الضخم.

ليست العدالة الاجتماعية في هذه الدول، ترفاً فكرياً، وإنما ضرورة للبقاء في عالم ترامب الجديد، المبني على القوة، والقوة في هذه الأيام هي للمُستهلك القادر وليس للمُنتج ققط.