ما بعد كورونا…. توقعات أم دراسات ؟ نشر بالقدس العربي على مرحلتين 15 و 28 أيار 2020. نزار بدران

ما بعد كورونا….توقعات أم دراسات ؟
د. نزار بدران
تكثر هذه الأيام الكتابات التي تتناول، النتائج المحتملة لمرض كورونا في شتى المجالات. بعضها قد يفيد القاريء، من حيث نوعية وكم المعلومات المقدمه، ولكنها في أحيان كثيرة، هي تقديرات ووجهات نظر، تعكس توجهات كاتبها، السياسية أو الإيديولوجية، فاليساري يرى أنها نهاية لزمن الرأسمالية، واليبرالي يراها تصحيحاً لمجرى الاقتصاد نحو مزيد من العولمة، وما إلى ذلك في شتى الاتجاهات.
الحقيقة التي لا يختلف عليها الناس، وخصوصاً المتخصصون، هو أن دراسة المستقبل، تبقى شيئ من المستحيل، وأن للتاريخ منطقه الخاص، الذي لا يعرفه، حتى من يصنع هذا التاريخ، لذلك توجب انتظار ابتعاد هذه اللحظة عنا، حتى نستطيع دراستها، حين تصبح شيئاً من الماضي. نحن ندرس الماضي ونفهمه، من خلال التاريخ، أفضل بكثير، ممن قاموا بإنجازه بزمنه.
وحدها الدراسات الاجتماعية، وهو علم حديث نسبياً، من حاول أن يتحمل هذه المسؤولية الجمة، وهي دراسة المستقبل، من خلال دراسة الحاضر، كعمل تاريخي، أو ما يُسمى تاريخ الحاضر. استطاع علم الاجتماع بكل أشكاله، بما فيه البُعد التاريخي والبُعد الفلسفي، أن يستشف متاهات المستقبل، وما يمكن عمله، من أجل بناء اجتماعي عقلاني.
من هذا المنطلق، فإن نتائج جائحة كورونا، هي في إطار علم الاجتماع أولاً، قبل أن تكون وجهة نظر لكاتب أو مفكر.
التاريخ الإنساني، يتقدم عن طريق عملية تراكمية، وليس أحداثاً متتالية، هذا التاريخ الحقيقي اليومي، هو من يحدد، نتيجة حدث ما بمنطقة بالعالم. فمثلاً استقلال بنغلادش، عام 1971، جاء بعد إعصار شديد، وفياضانات عارمة، ضربت ما يُسمى زمنه، باكستان الشرقية، وما تبع ذلك من حرب بين طرفي باكستان، أدت إلى 3 ملايين قتيل، و10 ملايين مُهجر، وبالنهاية استقلال المنطقة، وإعلان دولة بنغلادش.
طبعاً لم يكن الإعصار هو السبب بالإنفصال، مع أنه كان الحُجة، وإنما عدم احترام الدولة المركزية، خصوصية شعب بنغلادش، من ناحية ثقافية ولغوية وتنموية. الإعصار بهذه الحالة، هو فقط من بلور التناقضات والتراكمات السابقة، منذ انفصال باكستان عن الهند، عام 1947. بالمقابل، فإن تسونامي جنوب شرق آسيا، بنهاية القرن، أو فياضانات كاترينا بنيو أورليان الأمريكية، لم يؤديا لنتائج سياسية تذكر.
ما هي إذاً التراكمات الاجتماعية الحالية، بدول العالم المختلفة، والتي قد يؤدي وباء الكورونا، إلى بلورتها، مُحدثاً نقلة نوعية بالعملية التاريخية. سنحاول تقديم رؤوس أقلام لبعض النماذج، والتي هي أساساً، من مجال علم الاجتماع.
العمل عن بُعد
استعمال الأنترنت حالياً، هو واسع جداً، وسيتطور مع تطور الجيل الخامس قريباً جداً. تقريباً كافة الشركات والمؤسسات، تستعمل الوسائل الألكترونية، بمعاملاتها التجارية، ولكن العمل عن بعد، بقي بوضع جنيني بسيط، وهو يُستعمل فقط في حالات قليلة، مثل العمالة المعاقة أو ظروف خاصة. جائحة كورونا، أظهرت مع الانتشار الشبه كامل، للعمل عن بُعد، بسبب الحجر المنزلي، أن هذه الوسيلة، قد تصبح مرجعية للعمل بالمستقبل لنجاعتها وقلة كلفتها، ونفس الشيء للتعليم المدرسي أو الجامعي، وهو ما يؤدي إلى تقليل التنقل، عبر وسائل النقل الخاصة والعامة، ويُعيد توزيع ساعات العمل، بين الليل والنهار، ويُغير بشكل كبير، نوعية العلاقات الاجتماعية. كورونا إذاً تكون قد دفعت لبلورة هذه الوسيلة الجديدة، وليس إيجادها من الصفر.
تجربة العمل عن بُعد، الشاملة لكل القطاعات، ستؤدي أيضاً، إلى إعادة توزيع العمل على مستوى العالم، فالعمل عن بُعد لا يحتاج أن يكون جميع العمال، متواجدون بنفس المنطقة أو البلد. بدون ظاهرة كورونا، قد نكون أيضاً قد سرنا بنفس الاتجاه، ولكن بسرعة أقل، ومع معوقات أكبر، ناتجة عن معايير الربح والخسارة لكل مشروع اقتصادي.
مُعضلة البيئة
الاتفاقيات الدولية للحد من التغير البيئي وارتفاع الحرارة، بدأت مع اتفاقية كيوتو باليابان، لعام 1997 ولكن النتائج على أرض الواقع، ظلت رهينة المصالح الاقتصادية، للدول الغنية والخلافات بين الصين والولايات المتحدة، حتى أن الرئيس ترمب، انسحب من اتفاقيات باريس لعام 2015. نحن إذاً نسير نحو تغير بيئي مخيف، بكل المقاييس، ولم يستطع السياسيون، رغم ضغط منظمات المجتمع المدني، الاتفاق على مفهوم فعال ومؤثر للحد منه.
جائحة كورونا، وما استطاع العالم، دولاً فقيرة أو غنية، من عمله ببضعة أيام أو أسابيع، للحد من انتشاره، بدون الالتفات إلى النتائج الاقتصادية، ستؤدي برأيي، إلى بلورة العملية البيئية، بالاتجاه السليم، أي نحو اتفاق حقيقي فعال ومُلزم. ذلك بسبب انتشار فكرة مسؤولية التلوث، عن انتشار مرض الكورونا، ما كُتب وقيل من الدارسين والمختصين، عن تراجع الغابات في العالم، وما يعنيه من تقليص مساحة البيئة الطبيعية للحيوانات البرية، والتي أصبحت أقرب إلى الإنسان، واختلطت معه.
نحن سنكون إذاً، أمام نفس القوى والمصالح، الاقتصادية لدول مثل الصين والهند، أو الولايات المتحده، مقابل بعض الدول الأخرى، ومنظمات المجتمع المدني، لكن التوازن قد يختل هذه المرة لصالح المدافعين عن البيئة، والاستغناء عن الطاقة الأحفورية (البترول والغاز والفحم) لصالح الطاقة النظيفة، وخصوصاً بعد الانهيار الكبير لأسعار النفط، مُظهراً قوة المجتمع المدني، ومقدرته لتوجيه ضربة موجعة، لغُلاة الرأسماليين الجشعين، عن طريق تخفيض الاستهلاك. نرى هنا أن المجتمع المدني، يكتشف نفسه وإمكانياته الكبيرة، لتوجيه السياسات، وسنها بالاتجاه السليم.
الحركات البديلة
ما يُسمى الحركات البديلة، هي ظاهرة اجتماعية منذ حوالي ثلاثين عاماً، لا تنتمي بشكل واضح لليمين او لليسار، ولكنها تنبع مباشرة من المجتمع. مثال ذلك، حركات الربيع العربي، والتي تُطالب باستعادة المجتمع، بحقه بتقرير السياسات التي تُهمه. نفس الشيء، ولو بشكل أقل حدة، موجود بدول عديدة بالعالم، مثل حركة بوداموس بإسبانيا، أو الحركات الاجتماعية بإيطاليا والولايات المتحدة، هذه التجمعات الجديدة، استطاعت بدول عديدة، أن تؤثر على سياسات دولها، وحتى في بعض الأحيان الوصول إلى السلطة، ولكنها بقيت في معظم الأوقات، أضعف من أن تُغير السياسات الاقتصادية بشكل فعال.
قد تتمكن بعض هذه الحركات، من التطور السريع ببعض الدول، بعد بلورة كورونا لها، أي بعد إظهار خطر السياسات الاقتصادية، المبنية فقط على الليبرالية المفرطة، وأخص بالذكر هنا، الولايات المتحدة والبرازيل بشكل خاص، هذه الدول التي استمرت حكوماتها، بإعطاء الأولوية للتبادل التجاري، بدل حياة الناس. في منطقتنا العربية سيكون المجال مفتوحاً، نحو مزيد من الحراك الاجتماعي، المرتبط بالربيع العربي، خصوصاً بتلك الدول التي لم تتمكن، من اتباع سياسات فعالة، لاحتواء المرض، أو التقليل من نتائجه الاقتصادية على حياة الناس.
الاتحاد الأوروبي
مع انسحاب بريطانيا، بعد استفتاء 2016، من الاتحاد الأوروبي، وظهور الحركات الانعزالية، والدفع نحو تفكك البناء الأوروبي، كان هناك خلل بالتوازن، بين القوى الداعية لمزيد من التكامل السياسي، وأخرى تدعو إلى العكس، لصالح تلك الأخيرة، خصوصاً بعض دول أوروبا الشرقية وإيطاليا.
جائحة كورونا، قد تتمكن من إعادة التوازن لصالح القوة الداعمة لمزيد من التكامل، عكس ما يتوقعه الكثيرون، فالحقيقة تقول، أن دولة مثل إيطاليا، التي كانت الأكثر احتجاجاً على الاتحاد الأوروبي، لعدم تقديمه الدعم الكافي لها، هي أقرب الدول الأوروبية، قبل الجائحة، للابتعاد عن الاتحاد الأوروبي، والدفع نحو سياسات انعزالية خصوصاً مع تطور اليمين المتطرف، برئاسة ماتيو سلفيني، وإمكانية استحواذه على السلطة، بعد أن كان مشاركاً بها. هذا يعني، أن اللوم الموجه لأوروبا، هو بالحقيقة استمرار لهذه السياسات، ومحاولة لتجيير الحدث، لصالح اليمين المتطرف، أكثر منه رغبة شعبية حقيقية للخروج من الاتحاد، بسبب الجائحة.
القطاع الصحي الأوروبي، على خلاف الزراعة مثلاً، كان وبشكل كامل، من اختصاص الدول نفسها. وضع سياسات صحية شاملة للاتحاد، يحتاج أولاً إلى تعميق التكامل الأوروبي، نحو المزيد من القوانين المشتركة. من المتوقع، أن تؤدي جائحة كورونا إلى توحد النظام الصحي الأوروبي وليس العكس، وإلى استعادة أوروبا لاستقلاليتها في مجال انتاج الدواء والمواد الطبية، بعد أن تخلت عنها لصالح الصين والهند.
الدين والعلم
تُظهر جائحة كورونا، وضرورة التباعد الاجتماعي، مدى الهوة، بين الفكر الغيبي الديني، والفكر العلمي، فهذا الأخير، لا يوجد إلا في إطار العمل والفكر الإنساني. إغلاق المساجد، أو منع زيارة الأماكن المقدسة، كضرورة للحفاظ على حياة الناس، لم يتقبله جزء من المؤمنين التقليديين، والذين مثلاً بإيران، استمروا بالذهاب إلى الأضرحة رغم الحظر، إيماناً منهم بأن أفضل وسيلة هو الصلاة والدعاء والابتهال.
هنا تظهر إمكانية أن تتبلور، لأول مرة، لهذه الشريحة من المجتمع، مفهوم الفصل بين العلم والدين. فهؤلاء اللذين يجدون دائماً تفسيراً وحلولاً، بالكتب المقدسة لكل ظواهر الطبيعة، قد يقفوا حائرين أمام جائحة كورونا، والتي لا تميز بين مؤمن وكافر، ولا بين غني وفقير، فلا يمكن اتهامها، كما نفعل عند الزلازل والفياضانات، مثلاً بكونها عقاباً إلاهياً، أو امتحاناً لقوة الإيمان.
يتم التمييز عندما نفهم أن العلم، هو البحث عن تفسير حقيقة كل ما يحيط بنا، المعرفة هو هذا الجزء من العلم، الذي تمت معرفته حقاً. فالمعرفة إذاً هي الهدف المرجو، والعلم هو الوسيلة لذلك، قد يجد أو لا يجد، ولكنه الوسيلة الوحيدة. المعتقدات الدينية عكس ذلك هي خارج هذه المعادلة بين العلم والمعرفة، وتعني أن ما نؤمن به هو من داخلنا، وليس موجود خارجنا، حتى يكون موضوعاً للعلم والمعرفة. المُعتقد الديني لا يمكن أن يكون موضوعاً علمياً، ووضعه كما يحاول الكثيرون من إعطاء الآيات القرآنية، أو الأحاديث النبوية الشريفة، أو النصوص التوراتية، والنصوص من الإنجيل، بُعداً علمياً، هو تجني على العلم، ولكن أيضاً على الدين، والذي لم يكن ليقبل أن يتحمل هذه المسؤولية. ودوره يقتصر على إعطاء النصيحة الحسنة وتبرير الإجراءات المبنية على العلم، كما رأينا مؤخراً، من دعم لكثير من شيوخ الدين. هي ظاهرة مشجعة، حتى يجد الدين مكانه الصحيح بالمجتمع، وحتى أيضاً، أن تتمكن الأجيال الجديدة من دراسة العلوم بدون خلطها بالأطر الغيبية.
الدول ألتي اسائت التعامل
هناك بعض الدول، والتي لم تستطع أن تتخذ الإجراءات اللازمة بوقتها المناسب، وتبنتها بشكل متأخر، وهو ما أدى، إلى ازدياد عدد الإصابات والموتى، نموذج ذلك هو إيران وإيطاليا.
في هذه الدول، توجد تراكمات اجتماعية سابقة، قد تتبلور بعد مرور هذه الجائحة. بإيران أولاً، هناك حراك ديمقراطي، منذ ربيع 2009، يتكرر بشكل مستمر، بدون تغيير سياسي ملحوظ. هذه الجائحة، وفشل الدولة بمواجهتها، وتعتيمها على نتائجها الحقيقية، بدل مواجهتها، ستزيد برأيي، بعد مرور العاصفة، من الغضب الشعبي، وتُخرج قطاعات من المجتمع الإيراني المؤيدة للسلطة، إلى وضع معاكس، خصوصاً أن الدولة الإيرانية، تصرف المليارات بحرب سوريا، وتمول حركات شيعية تابعة لها، بينما لا تجد الأموال، لتعويض المتضررين من المرض أو مساعدتهم.
بإيطاليا، الوضع مختلف، فالمصلحة الاقتصادية الآنية، أدت خصوصاً بشمال إيطاليا (مقاطعة لومبارديا)، المنطقة الصناعية الغنية، إلى رفض اتخاذ إجراءات وقائية، تحد من التبادل الاقتصادي، خصوصاً مع الصين، وهو على عكس ما فعلت ألمانيا، أدى إلى انتشار واسع للمرض بالشمال، ثم بكافة مناطق البلاد. تحاول الحكومة الإيطالية، إلقاء اللوم على الاتحاد الأوروبي، معتمدة على قوة اليمين المتطرف أو على القدر، لكن الحقيقة، أن الرأي العام الإيطالي، بعد زوال الجائحة، سيعتبر الحكومة الحالية، مسؤولة بفشلها عن آلاف الموتى، وهو ما قد يؤدي إلى تغييرات سياسية مهمة، خصوصاً إذا تزايدت نسبة البطالة، كما هو متوقع في كل الدول المعنية.
العلاقات الدولية
على عكس البُعد التفاؤلي، الذي قد يجده بعض القراء بالسطور السابقة، فإن العلاقات الدولية للأسف برأيي، لن يحدث لها تغيير يُذكر، سبب ذلك، عدم وجود خصوصيات معينة لهذا المرض، لتخص منطقة معينة بالعالم، ومن يتوقع تزايد النفوذ الصيني أو الأميركي، هو واهم، فهاتان الدولتان، تتأثران إقتصاديا بنفس الشكل من هذه الجائحة، ولن تبحث أي منها إلى الإضرار بالأخرى.
الوضع الفلسطيني مثلاً، لن يحدث له أي تغيير يُذكر، بسبب الجائحة، فلن يُرفع الحصار عن غزة، ولن تتوقف المقاومة الفلسطينية، ولا العنف الإسرائيلي، ولن يُطلق سراح الأسرى، ولن يُسمح للاجئين بالعودة. بشكل عام، لن تتغير السياسات الأمريكية تجاه هذه القضية، فلا يوجد حالياً أي مُعطى يمكن أن يتبلور بسبب هذه الجائحة نحو نتيجة إيجابية ما.
بالمقابل، فإن الحركات الدافعة باتجاه التغيير الديمقراطي بدول عديدة، قد تستفيد من هذه الجائحة، عن طريق إظهار فشل السلطة بالتعامل السليم. ولا أظن أن الديكتاتوريات، ستستفيد من هذا الوضع، لتمكين قبضتها على شعوبها في ظل فشلها المتزايد.
خلاصة
جائحة كورونا حدث مهم، لكن نتائجه على دول العالم، مرتبط أساساً، بالمشكلات التي تعاني منها هذه الدول، وسيؤدي هذا الوباء إلى بلورة ما كان أصلاً في طريق البلورة، ولن يؤدي إلى تغييرات خارج هذا الإطار.
النتيجة الوحيدة المباشرة الممكنة لمرض كورونا، هو تأثيرها على إعادة توزيع العولمة الاقتصادية، فيما يخص إنتاج المواد الاستراتيجية للدول، مثل الدواء والغذاء والطاقة، بحيث أن يكون هناك نوع من الاستقلال بهذه المجالات، في حالة الكوارث.
بالدول العربية، والتي هي وحتى اللحظة قليلة التأثر بالمرض، إن استمر الوضع على ما هو عليه، فلن يتم أي تغيير جذري سياسي بسببه. لكننا قد نلاحظ تغييرات اجتماعية بالتعامل والعمل، والبدء بالفصل، بين ما هو غيبي وما هو علمي. واستمرار إنتشار حركات الربيع العربي.
وحدها الدراسات الاجتماعية (الحريات العامة، التعليم، العمل، وضع المرأة….الخ)، والتي تكاد أن تكون معدومة بدولنا، من سيسمح لنا، ليس فقط بفهم حاضرنا، ولكن أيضاً، توقع ما قد تؤدي إليه الأحداث، طبيعية كانت أم من فعل الإنسان.
كاتب ومحلل سياسي مستقل

الطب والاطباء في زمن الوباء. القدس العربي 01 أيار 2020

الطب والأطباء في زمن الوباء

د. نزار بدران

انتشر بشكل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي، أخبار العمل الرائع الذي تقوم به الأجهزة الطبية، بدول العالم قاطبة، بمواجهة جائحة كورونا، ويتحمل الأطباء والممرضون، عناءاً كبيراً، ومخاطرة بحياتهم وحياة أسرهم، ولكن لم نرى أي فرد من الأجهزة الطبية، مهما كان موقعه، يرفض الانضمام لهذا العمل الجبار. بالإضافة لذلك، فإن الأبحاث العلمية، على قدم وساق، لإيجاد دواء أو لقاح، لهذا الداء، بأسرع ما يمكن.

الاعتبار الكبير الذي أظهره الجمهور، بكل مكان، للأطباء والممرضين والكوادر الطبية، بكافة دول العالم، والتصفيق اليومي لهم، بكل العواصم والمدن، شيء يُثلج صدر هؤلاء، ويدفعهم طبعاً لبذل المزيد، وأنا كاتب هذه السطور كطبيب، أشعر بنوع من إعادة الاعتبار لمهنة الطب، وكل ما ارتبط بها من مهن وأعمال.

هل هذا التضامن العالمي، مع الأجهزة الطبية، هو فقط من منظار الدعم والتقدير والشكر، أم أن له دوافع أخرى. لو نظرنا إلى أي مشكلة كبيرة بالعالم، فإن الأنظار تتجه دائماً لحلها، إلى صُناع السياسة، وبعض الأحيان رجال الاقتصاد، لأنهم وبشكل طبيعي، بموقع القيادة. هذا صحيح بالدول الديمقراطية، وكذلك بالدول الغير ديمقراطية، والتي لا يستطيع الزعيم أن يقبل أي منافسة له بأي مجال، واضعاً نفسه كحامي الحمى، والمفكر الفذ بكل الميادين.

جائحة كورونا، أظهرت وبشكل واضح، عُقم العمل السياسي وحده، لمواجهة وقيادة العمل في هذه الحرب، ضد المجهول اللامرئي. وأظهرت أيضاً، عُقم الاقتصاد ورجاله، وفي معظم الأحيان دفعهم بالاتجاه المعاكس، أي الاستمرار بالبيع والشراء للربح، وكأن شيء لم يكن، وتصريحات الرئيس ترمب، أو بولسونارو بالبرازيل، لدليل على ذلك.

وحدهم الأطباء والأجهزة الطبية بكل أشكالها، من حمل راية الرد والقيادة. لم يعد الجمهور يرى رجال السياسة والاقتصاد، على مستوى الحدث، وخصوصاً أن وسائلهم الاعتيادية، لم تعد فعالة، مثل تكديس الأسلحة والترسانات النووية ومليارات الدولارات بالبنوك وعدد لا يُحصى من البرامج والاتفاقيات السياسية والاقتصادية. كل هذا برأي الناس لم يعد فعالاً، ولم يؤمن لهم أبسط الأشياء، مثل الكمامات وأماكن بالمستشفيات. هم إذاً أصبحوا وجهاً لوجه أمام هذه الجائحة، ولم يجدو سوى الأجهزة الطبية، للإبقاء على الأمل بالنصر بالنهاية. نحن عندما نسمع التصفيق من المواطنين بشوارع ميلانو أو مدريد أو باريس أو اسطنبول، نفهم أن هذا هو أيضاً، تعبير عن القلق والخوف، وما الالتفاف حول الأطباء والتصفيق لهم، إلا تلك الوسيلة، لإبعاد هذا القلق الوجودي.

لا ينسى الأطباء، بكل دول العالم، بما فيه أوروبا، الصعوبات التي يواجهونها منذ عشرات السنين، لتأمين حاجات المستشفيات، بالأدوات والأدوية والكفاءات العلمية، ولا يجدون إلا إداريون، لِيُنَظِّرُوا عليهم، طرق حُسن الإدارة وتوفير المال، بدل حُسن العلاج وتوفير العناء على المرضى. 

لا ينسى الأطباء، بما فيه الغرب، الكم الهائل من الدعاوى القضائية بحقهم، بسبب وبغير سبب، بهدف كسب المال، وإغناء المحامين، دون أي اعتبار لعملهم.

وباء الكورونا، أعاد للطب خصوصيته، كعمل إنساني، وليس عمل تجاري، كما تعودنا عليه بالسنوات الأخيرة، حيث يمكن رفض مريض بمستشفى، لعدم قدرته على الدفع للإدارة. في معظم الأحيان، لم تعد هذه المستشفيات مُلكاً، أو مُدارة من الأطباء، وإنما من قِبل شركات تجارية، ذات هدف ربحي فقط.

جائحة كورونا، ستُعيد الاعتبار، للبُعد الإنساني، وأمل بدور قيادي للأطباء، لتحديد أهداف ووسائل عملهم، وتُعيد مفهوم، أن الطب هو فن وليس تجارة، جائحة كورونا، أظهرت أن الجندي المجهول، أو المعروف، هو الطبيب أو الممرض، أو العامل بالمختبرات.

أن يرفض بعض الناس، قليلي الفهم ذلك، كما فعل أبناء، إحدى القرى المصرية، برفض دفن طبيبة، توفيت بمرض الكورونا بسبب عملها، أو حتى بفرنسا، أن يطلب سكان إحدى العمارات، لممرضة تعمل ضد كورونا، بمغادرة سكنها، حفاظاً على سلامة السكان، تبقى أعمال على الهامش قليلة، رغم أنها تُتداول بكثافة عبر وسائل الإعلام. أن يتهم البعض، الأطباء، بالمشاركة بمؤامرة دولية، باختراع هذا المرض، يبقى أيضاً، تعبيراً عن أفكار بعض المجانين بهذا العالم، وليس مجموع الناس.

في سابق الزمان، زمن وباء الكوليرا عام 1830 بأوروبا، أو ما سبقه من أوبئة، كان الناس يتهمون الأطباء بأنهم مسممين متآمرين مع الأغنياء، للتخلص من الفقراء، وكثير من الأطباء تم قتلهم بهذا السبب. في عام 1885، رفض سكان مونريال بكندا، التطعيم ضد الجدري، ومنعوا الأطباء من ممارسة ذلك بالقوة، وهو ما أدى بالنهاية إلى موت عشرات الآلاف.

هذا الزمن قد ولى، ونأمل أن جائحة كورونا، ستبني زمناً جديداً، حتى تعود العلاقة، بين المريض والمجتمع من جهة، والطبيب من جهة أخرى، إلى مسارها الإنساني الطبيعي، أي علاقة ثقة واحترام، وليس علاقة تجارية، تخضع لقوانين البورصة.

كاتب وطبيب بباريس

ألنزاع الصيني ألامريكي ألرهان ألخاسر

النزاع الصيني الأمريكي 

الرهان الخاسر

د. نزار بدران .القدس العربي 13 نيسان 2020

منذ إنتشار وباء أو جائحة كورونا، ومضاعفاته على الوضع الاقتصادي العالمي، بكل الدول بدون استثناء، ظهرت تحليلات كثيرة، من أناس مختصين بالشأن الاقتصادي، والذين يحذرون أو يُبشرون، كل حسب موقعه، من انعكاس محتمل على العالم، كنتيجة التضارب الأمريكي الصيني. فهناك من يرى أن الصين ستتجاوز أمريكا، وتنتصر بمعركة وجودية بالنسبة لها، ألا وهي أن تصبح القوة الاقتصادية ألاولى بالعالم، وهناك من يرى أن الحرب التجارية ستزيد بينهما، إلى درجة خطر العودة، لنوع من الحرب الباردة من جديد.

حرب باردة جديدة

المراقب لتطور العلاقات، بين القطبين الكبيرين، وبعد مراجعة العلاقات السابقة مع الاتحاد السوفيتي، قبل انهياره، يلاحظ أن هناك أوجه خلاف كثيرة، بين وضعية الاتحاد السوفيتي، ووضعية الصين، من منظار العلاقة مع أمريكا. الخلاف مع الاتحاد السوفيتي، كان عقائدياً بشكل أساسي، يهدف إلى احتواء الخطر الشيوعي، ومنعه من الانتشار، وهو ما أدى إلى حروب بالوكالة كثيرة، نتج عنها ملايين القتلى (حرب فيتنام، حروب أفريقيا، أفغانستان….الخ)، ولكن لم يكن هناك تقريباً أي تنافس تجاري، بين القوتين العظمتين، فالاقتصاد الغربي كان متكاملاً، كذلك اقتصاد الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية التابعة له، هناك فاصل جغرافي بينهما والتبادل التجاري كان شبه معدوم.

العلاقة مع الصين هي عكس ذلك تماماً، فقد أُزيلت كل الحواجز بين الدولتين وأصبحت العلاقة الاقتصادية بينهما، الأهم على الإطلاق. لم تتوقف الصين، ومنذ أول اتفاقية، مع الولايات المتحدة، لعام 1979، عن زيادة التبادل، والاستفادة الهائلة من الاستثمارات الأمريكية، لبناء اقتصاد قوي، أولاً عن طريق تصنيع البضائع الأمريكية بالأراضي الصينية، واضعاً أسس مفهوم “الصين مصنع العالم”، ومنذ بداية القرن صناعات صينية بحتة، وبتقنية فائقة الجودة، بمفهوم الصين “تُصَنِّعْ للعالم”، وهو نفس النموذج الياباني، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. هذا النظام التكاملي مع الولايات المتحدة، وصل لدرجة ربط الصين لعملتها المحلية بالدولار، ولم تتخلى عن ذلك إلا تحت الضغوط الأمريكية.

إنتقل التبادل التجاري، من 2 مليار دولار عام 1979، إلى 5 مليارات عام 1985، ثم 231 مليار عام 2006، وحديثاً إلى 736 مليار لعام 2019، مع فائض تجاري لصالح الصين، بقيمة 354 مليار دولار، مقابل 380 مليار لعام 2018، أي ثلاثة أضعاف صادرات أمريكا للصين. يُضاف لذلك، امتلاك الصين أكبر جزء من الدين الأمريكي، قيمته 1241 مليار دولار لعام 2015.

السوق الأستهلاكي ألامريكي

السوق الداخلي الاستهلاكي الأمريكي، وهو أكبر سوق بالعالم، سمح للصين بهذه القفزة النوعية، وما تبعه من امتلاكها أرباحاً كبيرة، استطاعت بواسطتها، الدخول بأفريقيا والدول العربية، وباقي دول العالم. العلاقات الاقتصادية مع روسيا، مبنية فقط على استيراد الغاز الروسي، ففي عام 2014، تم توقيع اتفاقية بقيمة 450 مليار دولار، على مدة 30 عاماً لإستيراد ألغاز، بالمقابل، لا يُمثل السوق الروسي الاستهلاكي الداخلي، أهمية استراتيجية للصانع الصيني بسبب ضعفه ألنسبي ( معدل دخل ألفرد حوالي 10.000 دولار سنويا مقابل حوالي 60.000 بالولايات المتحدة ). 

لا يمكن لأي دولة بالعالم، أن تحل محل الولايات المتحدة بالنسبة للصين، لكونها أكبر قوة استهلاكية بالعالم، وصاحبة أكثر التكنولوجيات تقدماً. نحن نرى إذاً، أن لا مصلحة للصين، بأن تضر بالبقرة الحلوب الأمريكية، وأن تُضعف قوة مستهلكيها على شراء البضائع الصينية، والخلاف الصيني الأمريكي منذ عامين، كان لهذا السبب، أي رغبة الرئيس ترمب، بإبعاد المستهلك الأمريكي، عن شراء البضائع الصينية، بزيادة الضرائب عليها، هذا لم يدُم طويلاً، بسبب حاجة كل طرف للآخر. خطاب الرئيس الصيني جزي جنبنج، عام 2013، حين زيارته لأمريكا هو مرآة لذلك، حيث قال أدعو لإنطلاقة تاريخية جديدة بيننا، فكلانا يُدرك، أن المصالح التي تربطنا، هي سيل عارم، لا يمكن إيقافه.  

من هذا المنطلق فأنا شخصياً، لا أرى أن وباء  الكورونا، سيُستعمل من طرف الصين أو أمريكا، ليضعف أحدهما الآخر، بل على العكس، فالصين ستعمل جاهدة لاستعادة المستهلك الأمريكي لبضائعها، ولن تدفع نحو إجهاده وإفقاره، وأمريكا بحاجة لأن يُفتح أمامها السوق الصيني أكثر من السابق، حتى تستطيع أن تعوض الاختلال بالميزان التجاري، هي إذاً، أي أمريكا، بحاجة لسوق داخلي صيني، قوي غني، وليس شعباً فقيراً، الولايات المتحدة، ستعمل جاهدة لتحقيق ذلك، وهي وسيلتها لكسب الحرب الاقتصادية مع الصين، أي أن الانتصار لأمريكا، يعني أن تصبح الصين قادرة على شراء البضائع الأمريكية وليس العكس. انخفاض التبادل التجاري بين الدولتين، بعام 2019 مقارنة بعام 2018، بسبب ألعقوبات ألامريكية أضر باقتصاد كل منهما، فالصين صدرت لأمريكا عام 2019، 418 مليار دولار، واستوردت منها ما قيمته 123 مليار، بينما لعام 2018 تم تصدير 558 مليار، واستيراد أكبر بقيمة 178 مليار.

الاتفاق الأخير، ببداية العام ألحالي، بين الصين وأمريكا، لوضع حد ولو مؤقت للحرب التجارية، يؤكد صحة هذا الطرح، فقد التزمت الصين بشراء ما قيمته 200 مليار دولار من المواد الغذائية، بالسنوات القادمة من الولايات المتحدة، هذا ألقبول دليل تمسكها بالسوق الأمريكي، وحاجتها للتكنولوجيا الأمريكية، هذا الرقم المهول من الاستيراد الصيني، سيكون على حساب استيراد نفس المواد من مصادر أخرى مثل الاتحاد الأوروبي أو أفريقيا، أي أنه سيُضر بصادرات هذه الدول بشكل كبير. من ناحية أخرى، فإن حجم الاستثمارات الصناعية الأمريكية بالصين، بلغ 450 مليار دولار، أي أكثر من ضعف صادراتها لها، وهو يبين أيضاً، رغم رفع الضرائب على البضائع الصينية من 3 إلى 19%،  الأهمية التي تعطيها أمريكا للسوق الصيني الداخلي، وإمكانيات نموه المستقبلية. 

ألمجتمع هو ألحل

أزمة كورونا، كما قبلها أزمة 2008 المالية، ونتائجها على الاقتصاد، يبعث برسالة قوية للقيادة الصينية، بأن أهم ضمان للصين وثباتها وازدهارها، هو شعبها نفسه. المطلوب إذاً هو تحسين الأوضاع والدخل المادي، لأكبر عدد ممكن من الصينيين، حتى يتمكنوا من شراء بضاعتهم بأنفسهم، بدل انتظار بيعها للخارج، كما يفعلون الآن. هذا لن يتم إلا بانفتاح السلطة الصينية والحزب الشيوعي على مجتمعه، وإعطاء أكبر كم من الحريات؛ حرية التعبير، حرية التنظيم النقابي واستقلاليته خارج الأطر الرسمية، وفتح المجال أمام المجتمع المدني، لأخذ حقه بتقرير السياسات الاقتصادية والاجتماعية، التي تهمه قبل قيادته. أحداث ساحة تيننمن ببكين عام 1989، لا يجب أن تعود مرة أخرى.  

أزمة كورونا قد تُعطي وعياً جديداً للمواطن الأمريكي، بدل الجري وراء سراب الرئيس ترمب الإنعزالي، وهو يكتشف اليوم أن التعاون الدولي، حتى مع أصغر الدول، بالعدل والمنطق، هي السياسة التي يجب أن تتبناها دولة عظيمة بحجم الولايات المتحدة.

العودة للتعاون الدولي، للحد من التلوث البيئي وارتفاع الحرارة، هو شيء أكثر من مهم لأمريكا والعالم، فمأساة كورونا، ليس إلا مقدمة بسيطة رمزية، لما قد يُصيبنا بالسنوات القادمة، نتيجة التغيير المناخي، وحينها لن يجد المواطن الأمريكي من يساعده، لوضع كمامات لحمايته من تنفس دخان مصانعه. 

ألرهان ألخاسر

هؤلاء المراهنون على اللعب، على الخلاف الأمركي الصيني التجاري، لم يدرسوا بما فيه الكفاية، عمق العلاقة بينهما وتشابكها، هم ليس فقط لن يجدوا مكاناً لبيع بضائعهم، بل سيبدؤا بخسارة جزء من السوق التي يملكونها، لصالح محور أمريكا والصين.

المستقبل القريب والبعيد، هو للتكتلات الكبيرة جداً والمحاور، وليس للأقطاب، كما كان عليه الوضع بالقرن العشرين. أين نحن العرب من كل ذلك، الصحوة العربية، تستوجب أولاً، الإلتزام باستعمال ثرواتنا لبناء أوطاننا، وليس فقط سلعة صغيرة يتلاعب بها الكبار، وكما قال لوران لاسكاي، المختص الاستراتيجي الأمريكي بالاقتصاد، “ألحرب التجارية، هي مثل لعبة كرة الطاولة الصينية الشهيرة، الطلقات، اُستبدلت بالدولارات، والصواريخ ، بالملفات”. 

مراقب ومحلل سياسي مستقل

دروس كورونا. القدس العربي 31 أذار 2020. نزار بدران

ربّ ضارة نافعة. إن انتشار فيروس كورونا في معظم دول العالم أدى إلى نوع من الشعور بأننا ننتمي جميعاً إلى كوكب واحد قد يكون مهددا وبشكل مفاجئ، بخطر ماحق. هذا ما وضع على المحك سياسات الدول وأظهر هشاشة الأنظمة، خصوصاً تلك المفروضة على شعوبها، وعدم كفاءتها. فبينما تضع أوروبا أو الصين أو الولايات المتحدة مليارات الدولارات للحد من انتشار المرض، وتعويض المتضررين، في إطار عال من الشفافية نجد كثيرا من الدول الأخرى، وخصوصاً تلك التي تفتقد إلى أي شفافية أو مصداقية بتعاملاتها مع شعوبها، تتخبط بين التصريحات والإعلانات الفوضوية، والتي لا تنجح إلا بمزيد من انتشار المرض، وتعريض مواطنيها للخطر، والمثال المصري أو الإيراني خير دليل على ذلك.

العولمة بالمفهوم التجاري

نكتشف أننا على كوكب صغير، وأن مرض شخص واحد في مدينة صينية، يهتز منه العالم كله. العولمة بمفهومها التجاري، أي حرية تنقل البضائع وكثرة المسافرين حول العالم، ليست هي السبب الوحيد، لعودة اكتشاف الإنسانية ذاتها، بل سرعة انتشار المرض، وافتراض تعديه جميع الحواجز، وخطورة مضاعفاته، خصوصاً عند كبار السن والمرضى.
في سابق الزمان كانت هناك أوبئة مثل الطاعون في القرون الوسطى، وأمراض حديثة شبيهة بكورونا في بداية القرن الحالي، أو الإنفلونزا الاسبانية في مطلع القرن الماضي. نحن إذاً أمام ظاهرة تتكرر بشكل منتظم، وتظهر أن الطبيعة، ترفض التقهقر أمام الإنسان، وأن التقدم العلمي، مهما كان، لن يسبقها ويتغلب عليها، وإن استطاع ترويضها في مجالات عديدة. علينا أن نتحلى بنوع من التواضع أمام الطبيعة وجبروتها ومقدرتها على إعادتنا إلى فترة ما قبل الإنسانية. لحسن الحظ إن الوباء الحالي هو في طريقه للدخول إلى بيت الطاعة الإنساني، على الأقل هذا ما نأمل، والعودة من حيث أتى، أي إلى حالات استثنائية في موطنه الأصلي.
فيروس كورونا أظهر للعالم أن العولمة الرأسمالية، أي البحث عن الربح دائماً، هي من ضاعفت خطر المرض، بإعطائه ارتداداً اقتصادياً، فليس من المعقول، أن دولا مثل فرنسا أو ألمانيا، لا تملك ما يكفي من المواد المعقمة أو الكمامات الجراحية البسيطة، لأنها تستوردها من الصين، والتي وضعت حجراً على صناعاتها. ولو استمرت هذه الأزمه، لفترة أطول، فسنقع في مشكلة الغذاء والدواء.
العودة إلى نظام اقتصادي عالمي أكثر فعالية بالنسبة للمصلحة العامة، وليس فقط البحث عن الربح للرأسماليين، قد يكون إحدى النتائج المباشرة لهذا الوباء. من المأمول أن نعود إلى مفهوم الإنتاج والاستهلاك المحلي، أي أن نشتري ونأكل مما ننتج، وألا نكتفي فقط بالاستيراد من الصين أو غيرها بحجة قلة الكلفة.
من الضروري برأيي أن نعود بدولنا العربية والعالم الثالث بشكل عام، نحو تطوير هذا المفهوم، والاعتماد على الذات، وهو ما سيؤدي إلى التطور الاقتصادي المبني على الإمكانيات الزراعية والصناعية المتاحة لكل منطقة.
ثلاثة ميادين يجب أن تتوفر في كل منطقة في العالم، وهي الغذاء والدواء والصناعات الاستراتيجية ( مثل إنتاج الكهرباء وأشكال الطاقة المختلفة)، بدون ذلك سنبقى ضحايا لرأس المال العالمي الذي لن يقدم لنا شيئا عندما يزورنا كورونا كل سنة مرة.
الاعتماد على الاقتصاد الريعي، كبيع الثروات الطبيعية مثل البترول أو الذهب، هو حقيقة كارثة على الاقتصاد ومدمر للأجيال المقبلة. ليس فقط لأنه لا يبني اقتصاداً متنوعاً وإنتاجياً، إنما لأنه أكبر أسباب وجود وبقاء الديكتاتوريات التي لا تترعرع إلا إذا سرقت ثروات الأوطان لصالح مجموعة مافياوية في السلطة بدون أي اكتراث بالمواطن وصحته وحاجاته ومستقبل أبنائه.
ثروات الوطن يجب أن تبقى فيه لبنائه وتأمين مستقبل أبنائه. وباء كورونا أظهر من جديد عدمية وعبثية هذه الأنظمة، وضرورة العمل الملح للخروج من كنفها، فهي رغم غناء أفرادها المفرط، ليست ذات كفاءة لوضع أي سياسات فعالة لمواجهة أي شيء.

خطر أكبر من فيروس

ما أريد أن أطرحه في هذا المقال هو أن هناك خطرا داهما أكبر من فيروس كورونا لكننا لا نراه قريباً أو خطيراً، بسبب بطء تطوره، ألا وهو التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة.
هذا المرض هو من صنع الإنسان وفي الوقت نفسه يرفض جزء كبير من الإنسانية، مثل الولايات المتحدة والصين وحتى الهند، قبوله والعمل على الحد منه جدياً. ماذا ستفعل تلك الإنسانية البائسة، والتي بالكاد تستطيع مواجهة فيروس شبه معروف، بوجه الأعاصير والفيضانات، بوجه زحف الصحراء، بوجه ارتفاع مستوى البحار، وبوجه الهجرة بالملايين للهاربين من كوارث الطبيعة المتوقعة نتيجة التغير المناخي، والذين سيكونون أضعافاً مضاعفة بالنسبة لما نرى اليوم من هجرة بسـبب الفقر أو الحـروب.
قد يكون الشعور أخيرا بأننا إنسانية واحدة جمعتنا الأوبئة بعد أن فرقتنا المصالح الضيقة هو الوسيلة لبناء عولمة جديدة مبنية على حرية الأفراد والشعوب وتوحدهم بوجه الكوارث وجشع رأس المال.

كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

السياسة الأمريكية بالشرق الأوسط بين الثابت والمتحرك. القدس العربي 05 آذار 2020

السياسة الأمريكية بالشرق الأوسط

  بين الثابت والمتحرك

د. نزار بدران

تتميز السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، بكونها انعكاساً لتطور الولايات المتحدة على مدى عقود، خصوصاً إنهاء زمن مضى، وهو القرن التاسع عشر، بقواه التقليدية، فرنسا وبريطانيا والدولة العثمانية، ودخول القرن العشرين، بعد اتفاقيات فرساي عام 1919، والبدء بالعد التنازلي السريع، لتراجع قوى الماضي إلى قوى القرن الجديد، المُتمثل بأمريكا من جهة والاتحاد السوفيتي من جهة أخرى. 

كانت الولايات المتحدة، عندما شاركت بالاتفاقيات الجديدة التي ترسم العالم، وخصوصاً حدود دول الشرق الأوسط، وأوضاعها السياسية كانت تمثل القوى الناشئة الشابة، والتي هي الأولى التي رفعت بوجه الآخرين شعار حق الشعوب بتقرير المصير، والذي رُفع لأول مرة من طرف الرئيس ويلسون، ولكن ذلك لم يمنعه من تطبيق سياسة واقعية، تتناقض تماماً مع هذا المبدء بأميركا اللاتينية، والتدخلات الأمريكية العديدة هناك منذ القرن التاسع عشر، وكذلك رفض الوقوف مع حق الشعب المصري مثلاً بالاستقلال عن بريطانيا. نحن إذاً منذ البدء، مع دولة جديدة ناشئة وذات إمكانيات تزداد قوة، وترفع قيم المجتمعات الإنسانية الحديثة، دون التخلي بنفس الوقت، عن سياسات واقعية، هي بدورها استمرار للزمن الماضي. 

في بداية القرن العشرين، ركزت الولايات المتحدة على البعد الحضاري والثقافي، بتعاملها مع المنطقة العربية، عن طريق تطوير البعثات الثقافية والتعليمية، مقابل التدخلات الأوروبية، ذات الطابع السياسي والاقتصادي. هذه السياسة الشبه انعزالية، لم تدم طويلاً، بعد الحرب العالمية الثانية، والانهيار الكامل لقوى الماضي الأوروبي، لصالح ظهور قوتين جديدتين.

انتقلت بذلك الولايات المتحدة، من كونها قوة ناشئة، إلى موقع قوة عظمى، بجانب القوة العظمى الأخرى وهي الاتحاد السوفيتي، وتقاسمتا العالم من خلال ما يُعرف بالحرب الباردة، والتي لم تكن باردة على كل شعوب العالم، حيث يُقدر ضحاياها بالعالم الثالث ب 34 مليون قتيل، هي إذاً حروب بالوكالة بين الدولتين العظمتين.

نلاحظ في تلك الفترة أن قوة الاتحاد السوفيتي العسكرية، والتي كانت تُضاهي القوة الأمريكية، لم تكن مرتكزة على قوة اقتصادية، كما كان الحال عليه بالولايات المتحدة، فببداية الخمسينات، أي بعد الحرب مباشرة، كان الإنتاج الأمريكي يُعادل نصف إنتاج العالم، استهلاكهم للطاقة، يُعادل أكثر من الثلث، مع تطور علمي وتكنولوجي سريع، لم تعرفة أية دولة أخرى، بينما لم يتجاوز سكان أمريكا 6 بالمئة من سكان المعمورة. رغم مظاهر العظمة السوفيتية، فإن هناك خلل واضح في الأرضية الاقتصادية، التي أدت فيما بعد إلى انهيار الاتحاد السوفيتي.

بعد انهيار حائط برلين، والذي تبع هزيمة الروس بأفغانستان، وفشلهم بالانتصار،  بما سماه دونالد ريغان، حرب النجوم، أي التسابق نحو التسلح، وكذلك الانفجار النووي الرهيب بتشورنوبيل الأوكرانية عام 1986، تفردت الولايات المتحدة، بلعب دور الدولة العظمى، وأصبحت تُسمى دولة القطب الواحد، وهو ما أدى ببعض أساتذة السياسة، من التصور بأننا وصلنا حقاً إلى نهاية التاريخ. 

طبعاً ظهور الصين ابتداءً من سنوات الثمانينات، مع سياسة دينغ كساو بينغ، الاقتصادية وتطورها السريع، أدى لعودة جزئية، لمفهوم العالم ذا القطبين أو المُتعدد الأقطاب.

في إطار هذا العرض العام، ما هي نقاط الثبات بالسياسة الأمريكية ونقاط التحول، الحقيقة أنه لا يمكن أن توجد وبشكل دائم وأبدي، نقاط ثابتة لأي سياسة مهما كانت، ولكن هناك سياسات توضع لمدى طويل استراتيجي، وأخرى سياسية قصيرة الأمد أو تكتيكية.

بحسب الباحثين الأمريكيين أنفسهم، وأذكر منهم  فيليب غولاب، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بباريس حديثا، وجورج بول مساعد وزير الخارجيه الأسبق بالستينات، فهناك ثلاث نقاط، تُعتبر الثلاثي المقدس بالسياسة الأمريكية بالشرق الأوسط، حتى سقوط الاتحاد السوفيتي سنة 1991 تهدف جميعها إلى تمكين الرأسمال والاقتصاد الأمريكي، من السيطرة التامة على مُقدرات العالم، مُستعملة القوة الخشنة، أي العسكرية والاقتصادية، بالإضافة إلى القوة الناعمة، أي العلوم والتكنولوجيا والثقافة والسينما، في خدمة هذا الهدف الوحيد.

الثلاثي السياسي المقدس الأمريكي هو أولاً، الوقوف ضد التمدد الشيوعي واحتواءه، ويتم ذلك عن طريق دعم الأنظمة الديكتاتورية المحافظة، والتصدي لكل القوى المُعارضة لها، ديمقراطية كانت أو غير ديمقراطية، تحت حُجة انتمائها للمعسكر الشيوعي.

المحور الثاني، هو تأمين تدفق النفط خارج المنطقة، عن طريق منع أي تحالفات أو تغيرات سياسية ممكنة تتناقض مع هذا الهدف، مثال ذلك، اتفاق أمن الخليج لعام 1945، أو اسقاط محمد مُصدق بإيران عام 1953، وعودة الشاه.

المحور الثالث الذي حصل في مرحلة متأخرة نسبياً، هو الدعم والالتزام الأمريكي بسلامة واستمرارية دولة إسرائيل، بعد تراجع الدور الأوروبي.

هذه المحاور الثلاث، تُمثل السياسة الأمريكية ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى لحظة انهيار الاتحاد السوفيتي، وهي كما يجب أن نفهمها، مترابطة وليست نقاط متفككة، فدعم إسرائيل هو أيضاً للحفاظ على ديمومة الأنظمة الديكتاتورية المحافظة، والتصدي للتوغل الشيوعي، دعم الأنظمة المحافظة هو أيضاُ للمحافظة على وسائل النفط وإبعاد الخطر الشيوعي. وحدها المحاولات القومية، كما حدث مع الرئيس عبد الناصر أو مُصدق في إيران، من وضع على المحك هذه السياسات وحاول إفشالها، ولكن ذلك لم يدم طويلاً، واستطاعت السياسة الأمريكية أن تحقق كل مرة أهدافها، فهزيمة عام 1967، وضع حداً لحلم عبد الناصر القومي، والإطاحة بمصدق أنهى أمل الإيرانيين بالتمكن من ثروتهم النفطية.

وحدها الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، بقيادة الإمام الخميني، من استطاعت إزعاج هذه السياسات ولمدة طويلة نسبية، وما نراه لحد اليوم من حصار لإيران، إلا محاولة أمريكية لإعادة الأمور إلى نصابها، وهو على ما يظهر، على طريق النجاح. الحروب الطويلة الأمد، هو أكبر مانع للشعوب والدول من التقدم الاقتصادي، وحسب الرئيس الأمريكي الأسبق، جيمي كارتر، بمقابلة حديثة، فإن ما سمح للصين بالوصول لما وصلت إليه، هي إنهاؤها لكل الحروب، التي كانت قد شاركت بها بنهاية السبعينات، وهذه نظرية اجتماعية لعلماء التاريخ، فلا حضارة ممكنة إلا بوجود السلام الدائم. لذلك فإن إدخال إيران ودول المنطقة العربية، وحتى روسيا، باُتون حروب طويلة مكلفة، هي أحد وسائل السياسة الأمريكية، لإبقاء هذه الأطراف، بموقع الضعيف والغير قادر على البدء بعملية بناء مستقلة، قد تُهدد المصلحة الاقتصادية الرأسمالية الأمريكية. ولكن للأسف هذه الأنظمة الاستبدادية، تستعمل هي أيضاً هذه الحروب، لإبعاد أي أمل ديمقراطي تغييري داخلي، فهي بشكل واعٍ أو غير واعٍ، باتباع سياسة الحروب، تُنهي أي أمل حقيقي بالوقوف أمام الهيمنة الأمريكية.

بعد انتهاء فترة الاتحاد السوفيتي، دخلت السياسة الأمريكية بوضع جديد، وهو الانفراد وسياسة القطب الواحد، وأصبحت تدخلاتها العسكرية أكثر حِدة، وبدون أي رادع، وهو ما أدى إلى حروب الخليج الثانية والثالثة، والتي كانت سابقاً، بحرب الخليج الأولى، حرب أمريكية ضد إيران، ولكن بأيادي عربية. كذلك فرض اتفاقيات أوسلو لصالح الطرف الإسرائيلي، بعد الانفراد بالفلسطينيين، والانتقال بمفهوم تحرير فلسطين، إلى مفهوم إقامة فلسطين، على جزء محدود منها.

نرى لذلك، أن الأهداف المُقدسة السابقة الذكر، التي حكمت السياسة الأمريكية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قد بدأت بالتغيير:

أولاً: لم يعد هناك حاجة للحد من المد الشيوعي بعد انهيار حائط برلين والاتحاد السوفيتي، وخروج دول عديدة منه، ودخولهم الاتحاد الأوروبي، حليف أمريكا. 

ثانياً: لم تعد الحاجة للنفط القادم من الشرق الأوسط بنفس الحدة، فالإنتاج الأمريكي من النفط الصخري، والتطور التكنولوجي، والحصول على مصادر مُتجددة للطاقة، أدى إلى أن تستقل أمريكا بشكل كامل اقتصادياً، ولم يعُد هناك ما يُهددها وجودياً، إن توقف إنتاج النفط العربي أو الإيراني. بالمقابل ازداد الطلب العالمي على النفط، وخصوصاً الطلب الصيني، والتي أصبحت القوة الاقتصادية الثانية بالعالم. الخطر السوفيتي انتهى، ولكن أمريكا تواجه خطراً من نوع آخر، وهو الخطر الاقتصادي الصيني العارم، لذلك فإن الاهتمام بمصادر النفط بالشرق الأوسط، أمريكياً سيستمر، حتى تستطيع أن تتحكم أمريكا، بمصادر تمويل الصين النفطية، عن طريق كَم الانتاج المسموح به وسعره. 

ثالثاً: هذا المحور للسياسة الأمريكية، وهو الدعم لإسرائيل، ما زال على حاله، بل ازداد، بسبب انعدام الاستقلالية العربية سياسياً واقتصاديا. الدور الإسرائيلي أمريكياً، انتقل من حاجة إسرائيل لحماية أمريكا من الخطر العربي (كما كان زمن عبد الناصر مثلاً)، إلى الحاجة إلى إسرائيل قوية، لدعم الأنظمة المحافظة، أمام ثورات شعوبها، هذا ما نراه وما يُفسر، التقارب العربي الإسرائيلي بين دول الثورات المضادة، المُعادية للربيع العربي، وإسرائيل. فهي تريد أن تحمي نفسها، وتجلب التعاطف الامريكي، عن طريق الارتماء بالحضن الإسرائيلي، لم تعد إسرائيل موجودة لمنع أي تحالفات بالمنطقة، قد تؤدي إلى تهديد وسائل نقل النفط، والذي قلت أهميته، وإنما فقط الحفاظ على وضع سياسي عربي مُفكك، لمنع أي انتصار للربيع العربي، أو تكامل وتضامن الشعوب العربية، بأُطر أنظمة ديمقراطية، ستكون بشكل شبه أكيد، خارج إطار السياسة الأمريكية. المد الإسلامي المُتطرف وظواهره العنيفة، هي أيضاً جزء لهذه السياسات الهادفة لخنق الربيع العربي.

ما هي السياسات الأمريكية المُستقبلية، بناءً على مُعطيات الماضي والحاضر، من الصعب التنبؤ بذلك، ولكن يبقى هناك أمل بالتغيير، نتيجة أشياء عدة صغيرة حالياً، ولكنها قد تكون كبيرة غداً، أولاً وأهم شيء، انتشار الوعي وانتفاضة الشباب العربي، ضد كل مخلفات القرن العشرين، من تبعية وتجزئة، وأنظمة شمولية وأنظمة عسكرية، وخنق للحريات حتى نلحق بدول العالم.  ثانيها، تطور الوسائل البديلة للطاقة، وتراجع دور النفط بالمستقبل، مما سيحد من الأهمية الاستراتيجية من وجود الأنظمة المحافظة بالسياسة الأمريكية، وإمكانية التخلي عنها تدريجياً، وهو ما قد يؤدي بشكل آخر إلى تقليل الاهتمام بالدور الإسرائيلي كفاعل مهم بالسياسة الأمريكية. وما تصريحات مرشح الرئاسة ساندرز، بأمريكا وغيره، وتغير لغة الصحافة هناك، إلا بدايات بسيطة لتحول ممكن. 

إيران وأمريكا أعداء اليوم حلفاء الغد

إيران وأمريكا أعداء اليوم حلفاء الغد

منذ 3 ساعات

د. نزار بدران

تزداد يوميا حرارة منطقة الخليج العربي، بالتزامن مع التهديدات الأمريكية ضد إيران، والردود الإيرانية التي تتوعد «الشيطان الأكبر» برد صاعق. هذه التهديدات والتهديدات المضادة، تعطينا انطباعا كاذبا بتوازن قوى ما بين هاتين الدولتين، أو على الأقل توازي وسائل الرعب ما بينهما. إيران ليست بقوة امريكا، ولكنها تستطيع استعمال سياسة الردع والرد المدمر ضد مصالح تلك الأخيرة بالخليج، أو ضد حلفائها المباشرين، أو ضد إسرائيل عن طريق القوة الإيرانية والقوى المتحالفة معها على مبدأ الانتماء الطائفي.
التجربة العراقية وحروبها المتعددة، وكذلك تطور العلاقات الأمريكية الكورية الشمالية، يظهر بما لا مجال فيه للشك، أن الأنظمة الشمولية، وهو القاسم المشترك، لهذه الدول الثلاث، لا تبحث أبداً عن التصادم مع أمريكا، ولا تملك أصلاً وسائل هذا الصدام. فأول هذه الوسائل لكسب المعركة، هو الدعم الشعبي للنظام القائم، وهو ما كان مُنعدما تماما مع صدام حسين، كذلك الأمر مع كيم جون أون، وطبعاً أيضاً مع آيات الله الحاكمين بإيران.
الشعب الكوري والإيراني يعيشان حالياً كابوساً حقيقياً، اسمه النظام القائم وليس أمريكا، والتناقض الحقيقي داخل هذه الدول، ليس بين شعوبها وحكوماتها من جهة؛ وأمريكا من جهة أخرى، وإنما بين هذه الشعوب وأنظمتها الشمولية المجرمة.
استنزف النظام الإيراني كافة عائداته النفطية بحروب خارجية، ذات بُعد طائفي، لم تُجد شيئاً، ولم يستفد منها المواطن الإيراني، بل على العكس دمرت إمكانيات البلاد بالتقدم الاقتصادي. الديكتاتورية والفساد السياسي والاقتصادي، أبعد كل أمل بالحرية عند الإيرانيين، مع هكذا نظام، والذي لا يمكن إصلاحه بأي شكل من الأشكال.

رفضت النظام

أظهر الشعب الإيراني، منذ حوالي عشر سنوات، ومن خلال انتفاضات قُمعت بقوة النار والحديد، رفضه لهذا النظام وتطلعه الحقيقي نحو الحرية والديمقراطية، هو التطلع نفسه الذي كانت تعيشه شعوب أوروبا الشرقية، أو أمريكا اللاتينية قبل زوال أنظمتها العسكرية، هو الآن أيضاً نفس التطلع، الذي تعيشه شعوب الدول العربية، وأظهر لنا هذا الأيام، شعبا السودان والجزائر، تعطشهما للحرية ووعيهما العالي بالمخاطر المُحيقة بهما، من الأنظمة الجاثمة على صدورها، ورفضهما لأي تدخل، عربي خليجي أو أجنبي، لن يكون إلا لصالح النـظام الـقائم.
الشعب الإيراني لا يريد أن تبقى إيران على عكس دول الثورات، أو حتى تركيا، على هامش العالم وتحت سيطرة نظام قادم من القرون الوسطى. الشعب الإيراني يتطلع لحريته، وليس للالتفاف حول نظام دمر البلاد والعباد.
لذلك هذا النظام يُدرك تماماً، أنه ليس بواد الصمود أمام العجرفة والجبروت الأمريكي، لأن ظهره الشعبي مكشوف تماماً، كما حصل مع صدام حسين. هذا النظام لن يُقدم على أي مبادرة ضد «الشيطان الأكبر»، بل سيقبل إملاءاته كاملة، لأنها وسيلته الوحيدة لحماية نفسه من الثورة المُنتظرة ضده.

التهديدات الأمريكية

التهديدات الأمريكية أيضاً، لا تهدف إلى إلغاء المشروع النووي الإيراني، وهو الذي تم التنازل عنه أصلاً، مع اتفاق عام 2015، هذا أول دليل على ما نقوله، فلو كان الشعب الإيراني داعماً لنظامه، لما تراجع آيات الله عن برنامجهم النووي.
ما هو المطلوب إذا أمريكياً من إيران، ما الذي يُحرك السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ولصالح من، وهل حقاً هي مُهددة، ونحن نرى انحناء الأنظمة العربية الخليجية ومصر، ووضع أنفسهم تحت حماية الرئيس دونالد ترامب، والذي لا يجد حرجاً، باستخفاف وازدراء هؤلاء الحلفاء، وامتصاص معظم مواردهم المالية والنفطية، واستعمال الجيش المصري، فقط لحصار غزة، ودعم قوى الثورات المضادة، كما يحدث في ليبيا. أمريكا حقيقة، لا يُهدد مصالحها أحد، وتواجد الروس في سوريا، هو اصلاً بموافقة ضمنية أمريكية، والحكم التركي، رغم إعلاء الصوت مرة أو أخرى، يتراجع دائماً، أمام البُعبع الأمريكي (موضوع القس الأمريكي، أو الامتناع عن تزويد الثوار السوريين بأسلحة ضد الطيران وغيره).
أمريكا حالياً بسياساتها، لا تهدف إلى درء خطر ما مُحدق بمصالحها أو تواجدها العسكري، وإنما تُخطط لصياغة جديدة لمنطقة الشرق الأوسط، تتماشى مع مصالح الحليف المُدلل إسرائيل. أمريكا تُخطط لخلق تحالفات مُستقبلية، تضمن أمن وسلامة وسيطرة إسرائيل على المدى الطويل، تبدأ مع صفقة القرن، والتي ستُنهي أي أمل للفلسطينيين بالعودة، وتستمر مع بناء تحالفات عربية إسرائيلية، كما نرى حالياً مع مصر ودول الخليج، وتنتهي بإيجاد تحالف أوسع، بين إسرائيل وإيران وأيضاً تركيا.
الخُطة الأمريكية برأيي، هي وضع درع واق لإسرائيل من اي خطر مستقبلي آت من الشعوب العربية، وخصوصاً وأن معظم الدول العربية، وحتى أكثرها ثباتاً هي على كف عفريت، وإمكانية انتشار الربيع العربي، من جديد، كما نرى في السودان والجزائر، يُهدد بتدمير اي سياسة طويلة الأمد بين هذه الدول وإسرائيل، ومحاولات التقارب بين عمر البشير وإسرائيل قبل سقوطه لم يحمه من الثورة الشعبية.
إيران وإسرائيل، أو إيران وإسرائيل وتركيا، هي بالنسبة لأمريكا واللوبي الصهيوني، الأكثر ضماناً. فالديمقراطية التركية لم تمنع التقارب التركي الإسرائيلي وتزايد التبادل الاقتصادي (إعادة العلاقات بعد حادثة سفينة مرمرة بدون تحقيق شرط رفع الحصار عن غزة)، كذلك حتى ولو تحولت إيران إلى دولة ديمقراطية، فقد لا تُهدد أمن وسلامة إسرائيل، بل قد تُبقي تحالفها معها، وهو الشيء، الذي لا يمكن توقعه من الشعوب العربية، من محيطها إلى خليجها. وضع أُسس تحالفات مستقبلية، حول المنطقة العربية، ولصالح إسرائيل على مدى طويل، هو برأيي الدافع المخفي للسياسة الأمريكية تجاه إيران.
نحن نُدرك، والتاريخ علمنا ذلك، أن النظام الديمقراطي هو الوحيد القادر على رفض الإملاءات الأجنبية، بينما الأنظمة الديكتاتورية، لا تتوانى عن التحالف، مع ألد أعداء شعوبها، حفاظاً على بقائها، هي شديدة على شعوبها، ولينة بيد الأعداء.
مستقبل النظام الإيراني الحالي يتأرجح، بين الخضوع للإملاءات الأمريكية والتحالف مع إسرائيل (وليس التخلي عن مشروع عسكري أو نووي وغيره من الكلام الفارغ)، أو السقوط تحت ضغط حراك شعبي، مُنتظر وآت لا محالة. من سيسبق إذاً، الثورة الشعبية الإيرانية لإسقاط النظام، أم قبول الإملاءات الأمريكية والرضوخ للتحالفات الجديدة. هذا النظام من منظار غريزته للبقاء بالسلطة، قد يفضل الحل الأمريكي، والذي قد يُؤمن له دعم الرئيس ترامب والغرب، بمواجهة شعبه مستقبلا، كما حصل مع حليف إيران النووي الكوري الشمالي كيم جون أون الذي آثر البقاء بالسلطة على مواجهة الولايات المتحدة.

مراقب ومحلل سياسي مقيم في باريس

كلمات مفتاحية

لماذا غابت الاقليات عن مظاهرات السترات الصفراء؟ euronews

لماذا غابت الأقليات عن مظاهرات السترات الصفراء ؟
آخر تحديث: 19/01/2019 – 09:00

بقلم: د. نزار بدران

تعم فرنسا حاليا وخصوصا باريس مظاهرات غضب قوية تزيد حدتها وعنفها كل يوم سبت منذ شهرين. السترات الصفراء تجمع تحت لونها كل طوائف الشعب الفرنسي فنجد المتظاهرين من كل الأعمار. من المتقاعدين الذي يحتلون نقاط تقاطع الطرق وبعض الساحات العامة إلى طلاب المداري والجامعات الذي يغلقون مدارسهم وكلياتهم.

نرى أيضا كل الشرائح المهنية، فهناك العمال والفلاحون، ، القادمون من مصانعهم ومزارعهم وموظفو الإدارات، وسائقو سيارات الإسعاف وغيرهم كثُر.

ما لا يراه المتظاهرون، هو ما يُسمى هنا بالأقليات المرئية، أي أبناء الجاليات الأجنبية، من أفارقة سود أو عرب معروفون من لون بشرتهم وملامحهم، أين هم إذن أبناء الضواحي الذين كانوا وقودا لحركات احتجاجية عديدة، مثلما حدث بباريس عام 2005 ،زمن حكومة دوفلبان، احتجاجا على قوانين العمل الجديدة؟ ولماذا لا يشاركون وهم يحملون الجنسية الفرنسية ويعيشون ظروفا اجتماعية صعبة؟

ما أسباب ابتعاد أبناء الضواحي عن حراك السترات الصفراء
المراقب لوسائل التواصل الاجتماعي، خصوصا الفيس بوك يرى أن ابتعاد هؤلاء، كان برأي أبناء هذه الجاليات لسببين، الأول هو أن المطالب التي رفعت بالبداية، كانت تتمحور فقط حول زيادة الضرائب على مشتقات على البترول، وهو ما حرّك كل ذوي المهن، التي تحتاج استعمال السيارات والشاحنات، أو الأدوات الزراعية كالجرارات والحاصدات، أو سائقو التكسي، وسيارات الإسعاف. في نفس الوقت وبسبب البطالة التي تتفشى بين أبناء الجاليات المعنية، فإن هؤلاء لم يصلوا بعد لهذه المهن، ومعظمهم يستعمل لعمله، إن وجده، وسائط النقل العام مثل القطارات، لذلك لم يشعروا كثيرا بتأثير هذه الزيادات عليهم.

السبب الثاني، هو الصبغة اليمينية واليمينية المتطرفة، التي طغت على هذا الحراك الأصفر، وما حمله من تظاهرات لمجموعات فرنسية عنصرية. لم يُرد أبناء الجاليات الأجنبية، أن يُقحموا أنفسهم فيها، فهم دوماً متهمون بالوقوف وراء أعمال العنف والتخريب. فلو أنهم شاركوا، ولو جزئياً بهذه المظاهرات العنيفة، لكان الإعلام حولهم إلى كبش الفداء، واتهمهم كالعادة بالأعمال التخريبية المُشينة، من حرق للسيارات وتكسير ونهب للمحال التجارية.

الرئيسية
ماي تسعى لحل مشكلة “بريكست” بالاتفاق مع إيرلندا
الجيش الإسرائيلي يقول إنه قصف أهدافاً إيرانية في سوريا ودمشق تؤكد تصديها…
أردوغان: تركيا مستعدة لتولي الأمن في منبج السورية
البيت الأبيض: ترامب وأردوغان بحثا التسوية في سوريا وتعزيز التجارة
جولة 360° داخل إحدى المدارس الأردنية للتعرف على برنامج التعليم الشامل
هل هو فعلا عدم اكتراث ولا مبالاة؟
ولكن من وجهة نظر بعض المتظاهرين الفرنسيين، فإن عدم مشاركة أبناء أقليات الضواحي، هو دليل عدم اهتمامهم بالشأن العام، وعدم انتمائهم حقيقة لفرنسا، وهو طبعاً ما يزيد من تهميش هذه الأقليات، ويؤكد أُطروحات اليمين العنصرية. وقد رأينا ذلك بعد اعتداءات شارلي إيبدو عام 2015 التي نفذها عناصر محسوبون على تنظيم داعش. فمن بين ملايين المتظاهرين في ساحة الجمهورية بباريس، أو بالمظاهرات بالمُدن الأخرى، كان التواجد العربي الإسلامي، الظاهر للعيان، يكادُ يكون غائباً تماماً، وكأن الجالية حمّلت نفسها مسؤولية هذه الأعمال الإرهابية، بينما كان المنطق يدعوهم، للمشاركة بقوة للنأي بأنفسهم عن التهم الجاهزة، ولإظهار تضامنهم كباقي شرائح الشعب مع الضحايا.

هل الحل في الابتعاد؟
أبناء الجاليات العربية والافريقية الأخرى، لن يستطيعوا أن يبقوا كثيراً، خارج إطار العمل التظاهري الحالي، فمطالب المتظاهرين قد تطورت، ولم تعد محصورة على رفع الضرائب على مادة معينة، بل تعدته إلى المطالبة بإجراءات اجتماعية ضد البطالة والتهميش وغيره وحتى بإسقاط الرئيس، وهو ما يُعبر أيضاً، بالنسبة لهؤلاء، عن أوضاعهم وهمومهم الخاصة .

حراك لا لون له
من ناحية أخرى، لم يستطيع اليمين، أو اليمين المتطرف، السيطرة على الحراك، بل وصل للساحة مجموعات يسارية ومن المجتمع المدني، بعيدة عن العنصرية، بل تعاديه، وتقف دوماً مع مطالب وحقوق الأقليات، بالإضافة لبدء قيادات المعارضة اليمينية التقليدية، بالتراجع تدريجياً عن دعمها لمطالب المتظاهرين الاجتماعية والتي تتناقض مع مواقفهم وبرامجهم السياسية.

سنرى إذاً قريباً، عودة شباب وشابات الأقليات المذكورة للساحة، جنباً إلى جنب مع بقية شرائح المجتمع الفرنسي، على الأقل هذا ما نأمله، حتى لا نبقى دائماً مهمشين، ونرى في الآخر مجرد كائن تحرّكه مشاعرعنصرية مقيتة، فنحن كلنا بهذه البلاد، مواطنون متساوون.

للكاتب

فرنسا.. السترات الصفراء ورأس المال المُعوْلم

السودان والربيع العربي الثاني.. أين الغرب؟

في ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان انتهاكات ولا مبالاة.. فأين نحن من حقوق الإنسان؟

د. نزار بدران – كاتب ومحلل سياسي

المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر يورونيوز

السترات الصفراءفرنسامهاجرونالبطالةالوقودضرائب

أرمينيا تعري أنظمة الديمقراطية المزيفة. القدس العربي ١٢ حزيران ٢٠١٨

أرمينيا تُعري أنظمة الديمقراطية المزيفة

د. نزار بدران


May 12, 2018

قد لا تكون أهمية الدول فقط بحجمها وقوتها، بقدر ما تكون بالنموذج الذي تُعطيه للعالم. أرمينيا هذه الأيام تعطينا هذا الاشعاع الحضاري، الذي افتقدناه بدولنا، وتُعري تلك الأمم الكبرى، التي تدعي الديمقراطية، بينما تُمارس عكس ذلك تماماً.
أرمينيا دولة صغيرة في القوقاز، لا تزيد مساحتها عن فلسطين التاريخية، يسكنها 3 ملايين نسمة، محصورون بين تركيا وأذربيجان وإيران، كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي، حتى استقلالها عام 1991، وهي مرتبطة منذ ذلك التاريخ، بشكل أو بآخر مع روسيا، خصوصاً منذ عام 2013، بعد دخولها الاتحاد الجمركي، الجامع لبعض الدول الشيوعية سابقاً، بقيادة الروس.
نهض الشعب الأرميني الصغير، عن بكرة أبيه، بقيادة النائب المعارض، نيكول باشتيان، قبل بضعة أسابيع، لإسقاط حكم الرئيس، سيرج ساركسيان، الذي تبجح بالديمقراطية، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، ولكنه بالواقع ورث أساليب أرمينيا السوفييتية، بلباس مُزيف ديمقراطي، فالتبادل السلمي للسلطة، كانت تعني للسيد ساركسيان، أن تُغير السلطة موقعها من رئاسة الدولة إلى رئاسة الوزراء والعكس، ويُبدل هو منصبه للحاق بها، بدل أن يكون التبادل بين الأغلبية والمعارضة، وهو ما حاول عمله مُفجراً موجة المظاهرات الأخيرة، وكانت أول مواجهة بين الطرفين قد حدثت عند انتخابه لأول مرة عام 2008، مما أدى يومها لمقتل عشرة متظاهرين.
هذا ما تعلمه السيد ساركسيان وحزبه الجمهوري، من صديقه في موسكو، فلاديمير بوتين، والذي انتقل من موقع رئاسة الدولة إلى رئاسة الوزراء، قبل العودة مرة أخرى للمنصب الأول، مُتحايلاً على الدستور، أي أنه لم يترك السلطة منذ 18 عاماً، وما تم التبادل عليه هو فقط، الموقع الذي يُسيطر من خلاله على السلطة.
عرت أحداث أرمينيا الأخيرة نفاق أنظمة كهذه، حيث يلحق الزعيم المُلهم لشعبه بالسلطة، ويتلاعب بها ككرة الطائرة، حيث يلتقطها بمهارة من أي مكان تذهب اليه.
كما عرى النموذج الأرميني الجميل ايضاً، دُعاة الديمقراطية المُزورة في تركيا، حيث ينتقل الرئيس، رجب طيب أردغان، بكل رشاقة من موقعه برئاسة الوزراء، إلى رئاسة الدولة، حاملاً معه السلطة وكل صلاحياتها، وكرفيق نضاله في روسيا، يُغلق الصحافة الحُرة، ويَزُج بمنتقديه في السجون، حتى لا يسمع أحد كلمة الحق.
قُرب أرمينيا من روسيا وتركيا، يُقلق بكل تأكيد، أنظمة الزيف لهاتين الدولتين، على صغرها وقلة مواردها، لأنها تُعطي للشعب الروسي والشعب التركي، النموذج الحي لما يجب أن يكون عليه الحال، حتى تسترد روسيا وتركيا، عافيتهما الديمقراطية الحقة، بدل زيف الادعاءات الشعبوية، والتراجع الديمقراطي والحريات العامة، وإهدار طاقات البلاد بحروب داخلية وخارجية لا طائل منها.
أرمينيا الصغيرة، بكل تأكيد، تُثير حفيظة حكام موسكو وأنقرة، وقد تقع فريسة لضغوط هاتين الدولتين، عن طريق تحريك الصراعات القديمة، بين أذربيجان وأرمينيا، في منطقة كاراباخ العليا، ذات الأغلبية الأرمينية، والتي شهدت حربا بين الدولتين لست سنوات، بين عام 1988 و 1994، مُجمدة حالياً من دون سلام حقيقي، أو استعمال وسائل ملتوية أخرى.
كان قائد الحراك الأرميني، النائب باشتيان، قد قطع لحد الآن، الطريق أمام هذه التدخلات، لأنه لم يطلب دعم أمريكا وأوروبا، ولم يضع علاقاته بروسيا، كشأن داخلي مُختلف عليه، والذي قد يُبرر تدخلا روسيا خارجيا، كما حدث بأوكرانيا، عندما قام الحراك الشعبي هناك، باللحاق بالاتحاد الأوروبي والابتعاد عن الروس، وهذا ما أعطى الحجة وقتها للتدخل الروسي العسكري، وإشعال الحرب بأوكرانيا عام 2014، ولكنه ركز على الفساد بالسلطة، وزيادة الفقر والبطالة والتلاعب بالدستور وإرادة المواطنين، لشرعنة البقاء بالحكم.
نأمل لأرمينيا السلامة، فهي صغيرة بحجمها ولكنها كبيرة بفعلها، وقد يحرك هذا الفعل، اختصاصيي التبادل السلمي المزور للسلطة، حتى لا تصبح نموذجاً لشعوبها. نأمل أن يصبح النموذج الأرميني إحدى المنارات التي تضيء الطريق للحرية، وإصرار الشعوب على حكم نفسها بنفسها، وخلع وصاية القادة الملهمين.

كاتب عربي مقيم في فرنسا

الإنتخابات الرئاسية الروسية أو ديمقراطية النظام الديكتاتوري

الانتخابات الرئاسية الروسية أو ديمقراطية النظام الديكتاتوري

د. نزار بدران

Apr 10, 2018

عشنا قبل أسابيع الانتخابات الروسية المحسومة سلفا وبشكل مسبق، لصالح الرئيس فلاديمير بوتين، المُرشح الوحيد عملياً، لعدم تمكُن المرشحين الجِديين من التقدم لهذه الانتخابات، وقد جرى إبعادهم بالقوة أو بالقضاء. وطوال 18 عاما من حكم بوتين، لم تحصل في روسيا انتخابات حقاً حرة.
إن أوهام النظام بحصوله، على دعم شعبي واسع، مع رفضه القيام بانتخابات حرة تعددية، هو دليل خوفه من الشعب الروسي، وإلا فلماذا تُمنع المُعارضة من الوجود والتعبير عن آرائها بحرية؟.
لقد تعددت أشكال الوصول للسلطة عبر التاريخ وعبر القارات، إما بالقوة التي تطرد نظاماً ليحل محله نظام آخر، وهي الصبغة الأكثر انتشاراً تاريخياً، أو بالثورات العنيفة والتي توصل للسلطة مجموعة تستولي عليها نهائياً، إلى أن تذهب بدورها بثورة أخرى، أو بالانهيار الداخلي بسبب تعارض مصالح ورؤى الطبقة الحاكمة.
تُحاول السلطة الجديدة دائماً، إضفاء صورة الشرعية على وجودها، عن طريق التذرع بأشكال مُتعددة، فهي إما شرعية الوراثة، الآتية من حق العائلة مالكة السلطة، أو بالشرعية الدينية أو الإلهية (من سلالة الرسول أو لتطبيق شرع سماوي) كما نرى بعدد من الدول العربية والإسلامية، أو بشرعية الثورة التي أوصلتها كما نرى بإيران أو كوبا والدول الشيوعية سابقاً.

شرعنة الوصول إلى السلطة

كانت هذه الأساليب لشرعنة الوصول للسلطة، صبغة الإنسانية على مدى قرون عديدة منذ بدء التاريخ، وأسست لبناء كل الإمبراطوريات من أقصى الأرض إلى أدناها. لكن هذا المفهوم للسلطة انتهى مع بزوغ فجر الحضارة الحديثة، والتي أسس لها التطور الصناعي والثورات الاجتماعية في أوروبا، وخصوصاً الثورة الصناعية في بريطانيا وما تبعه من الثورة الفرنسية وعصر الأنوار، والتي أوصلت مفهوم المواطن والمواطنِة، بدل الراعي والرعية. وقد تحول مصدر الشرعية للسلطة من الراعي إلى الرعية أي المواطن.
منذ ذلك الوقت، دخل تدريجياً مفهوم الوصول للسلطة عن طريق الانتخابات العامة، وما تبعه من مفهوم شرعية السلطة المُستمدة من الشعب مباشرة، في هذه الدول الشعب هو مصدر كل السلطات، ويُعبر عن ذلك بانتخاب من يُمثله، وإزالتهم عند الضرورة.
كل الشعوب التي تريد أن تدخل عالم التطور والثبات السياسي والاجتماعي، تتبنى النُظم الديمقراطية، نرى ذلك شرقاً وغرباً، فمن ألمانيا إلى اليابان، ومن كوريا الجنوبية وأستراليا، إلى جنوب أفريقيا أو الهند والبرازيل والأرجنتين وتشيلي ودول عديدة في العالم الثالث سابقاً.
الانتخابات بالنظم الديمقراطية، هي وسيلة الشعب للتعبير عن نفسه، بمعنى معرفة القوى والتيارات المُؤثرة به، تعدد هذه التيارات وقوتها هو دليل حيوية الديمقراطية والشعب الذي يحملها، الانتخابات إذن هي كالصورة اللحظية، التي تُظهر المجتمع على حقيقته وتحدد مكوناته وصراعاته الداخلية، نُقاط قوته ونقاط ضعفه، وتوصل للسلطة الأغلبية، والتي تُعبر في كثير من الأحيان عن تحالُف مجموعة من القوى الاجتماعية، وتترك بالمُقابل بمقاعد المُعارضة للقوى المُتبقية، بانتظار دورها المُستقبلي، بالتبادل السلمي للسلطة. لعبة التحالفات هذه للوصول إلى أغلبية النصف زائد واحد، قد تطول أسابيع وأشهرا، كما رأينا بآخر انتخابات ألمانية، هذا ليس دليل ضعف الديمقراطية بل حيويتها، دورية الانتخابات وتتابعها، يُبين التطورات الحادثة والتغيرات الاجتماعية على مدى العقود المُتتابعة ومعرفة النفس الناتجة عن ذلك، والتي هي أساس القوة الحقيقية (من نحن وماذا نريد).
الفصل بين السلطات والإعلام الحر، مكونات المجتمع المدني المُستقلة عن السلطة كالنقابات والاتحادات والجمعيات، كتابات المُفكرين والمُثقفين، ولكن أيضاً وخصوصاً، ذكاء ومعرفة المواطن واهتمامه بالشأن العام، مُعطيات حياته اليومية والصعوبات التي يواجهها، هو من يدفع إلى انتمائه، وتصويته لهذا التيار أو ذاك، والذي يشعر أنه يُعبر عنه، المواطن هو المسؤول الوحيد عن هذا الاختيار، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بعد الاستفتاء، نموذج لذلك، حيث أصر الناخبون على الخروج، رغم الحجم الإعلامي والسياسي الضخم للاتجاه المُعاكس.
هل تنطبق هذه المعايير على الانتخابات الروسية الأخيرة، وحتى ما قبلها ومنذ 18 عاما؟ هل عبر كل مُكون من المجتمع الروسي، أي القٌوى الفاعلة داخله، عن وجودهم وحجمهم واحتياجاتهم وما يودون الحصول عليه، هل ظهر كباقي الدول الأخرى، بهذه الانتخابات، قوى يمين ويسار متوازنة، قوى محافظة واخرى ليبرالية، كما هو الحال داخل أي مجتمع ديمقراطي آخر؟.
هل من المعقول أن لا يستطيع الشعب الروسي إلا الاختيار بين بوتين وبوتين، فكل المنافسين الآخرين، أُخرجوا من الصورة، وقُدم للشعب أسماء لا يعرفها، إلا أقاربهم المُقربون، ولا يمثلون أي تيار سياسي أو كتلة أجتماعية روسية، باستثناء بقايا الحزب الشيوعي المُحطم، والذي لفظه الروس منذ سنوات.
هل من المعقول ألا يجد الروس إلا مُمَثلا واحداً لهم، رغم تناقضاتهم العميقة ومصالحهم المتضاربة. هل حقاً أن المواطن الروسي، يدعم بوتين لاستعادة هيبة الاتحاد السوفييتي، عن طريق إرسال أبنائه لساحات القتال الخارجية في أوكرانيا وسوريا وغيرهما، وما زالت ذكرى أفغانستان حاضرة، وما زالت حاجاته الأساسية من غذاء ودواء وتقاعد وعمل وبُنية تحتية، غير كافية، هل حقاً المواطن الروسي فخور بذلك، بينما المصانع الروسية لا تصنع إلا الأسلحة، بدل وسائل حياته اليومية، وبينما مُعدل دخل الفرد الروسي، في أحسن حالاته، هو بالمرتبة 55 في العالم، أي بعد بولندا وهنغاريا ودول شيوعية سابقة.
هل يُتوقع من العامل الروسي، أن يؤيد سياسات بوتين الصناعية، عندما ينخفض الانتاج الصناعي فجأة عام 2017، إلى ناقص 8،4%، ومن المزارع الروسي، ومعظمهم من صغار المزارعين، حينما تتراجع مكانة الزراعة بالاقتصاد الروسي، من 15،4% عام 1990، إلى 4،2% عام 2014، وذلك حسب إحصائيات الصندوق الدولي، علماً أن روسيا تحتوي على أكبر مساحة أراض زراعية في العالم.
هل الأطباء والمرضى والقطاع الصحي الروسي، سيدعمون سياساته الصحية، عندما تفتقر القرى والمناطق النائية، للغطاء الصحي الكافي، ويزداد انتشار بعض الأمراض، مثل فقدان المناعة المُكتسب (الأيدز)، حسب المنظمة المُختصة في الأمم المتحدة، بينما يتراجع في مناطق أخرى كثيرة من العالم. الشيء نفسه يمكن ذكره في مجالات اقتصادية عدة، فلماذا إذن لا يسمح لكل هؤلاء بالتعبير عن مشاكلهم وهمومهم في إطار انتخابات ديمقراطية عن طريق اختيار مرشحين ينطقون بإسمهم ويدافعون عن مصالحهم؟.

20 مليون شخص تحت خط الفقر

نسبة الذين يعيشون تحت حد الفقر، مشكلة اعترف بوجودها وتفاقمها، رئيس الوزراء ميدفيديف، وصل عام 2017 إلى حوالي 20 مليونا، بدل 16 مليونا عام 2014، حسب إحصائيات البنك الدولي، من عدد سكان إجمالي 143 مليون، بدل 149 مليون عام 1992، عند انهيار النظام الشيوعي.
اعتماد الاقتصاد الروسي بشكل رئيسي، على عائدات الغاز والنفط، وعدم وجود سياسة اقتصادية بنيوية فعالة للصناعة والزراعة، بالإضافة للعقوبات الغربية بعد انتزاع القرم، وانهيار أسعار الطاقة، ساهم بشكل كبير بالتدهور الاقتصادي للبلاد.
“توجد بالعالم حالتان بين الدول تصلُحان لأن تكونا لنا درساً، فهما تجربتان تاريخيتان؛ ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية، كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، كل منا يستطيع استنتاج العبر لوحده من هذه الأمثلة”، هذا ما قاله بوتين أثناء حملته الانتخابية عام 2012، وأردف أيضاً، “أن النظام الشيوعي كان تفاهة تاريخية، وأجبرنا على الركض خلف الدول المتطورة اقتصادياً، كنا بمأزق، بعيدين عن بقية الحضارة بالعالم”.
هذا ما قاله عن روسيا، أين هي روسيا اليوم عام 2018، وهل حقق اللحاق بركب الحضارة العالمية والاقتصاد العالمي المُزدهر؟ الحقيقة أنه استمر بالنهج الشيوعي نفسه حتى ولو تشدق بانتقاده وتجريحه، وهو الرئيس السابق للمخابرات السوفييتية.
وما نراه الآن، هو أن روسيا بوتين، تسير وبسرعة على الطريق نفسه الذي أدى إلى انهيار الاتحاد السوفييتي، وبظروف وشروط أسوأ وامكانيات بشرية ومادية أقل، هو طريق الحروب الخارجية المُكلفة، وسباق التسلح مع الولايات المتحدة، بوتين هو إذن من يُعرض روسيا للخطر ويعطي الغرب من جديد وسائل النجاح.
في روسيا اليوم، تُمنع الصحافة الحرة، ويُسجن المعارضون أو يُقتلون، وتُستعمل العدالة لتكبيل المُعارضة، ويُوجه الإعلام الرسمي كله لصالح النظام، وتمجيد الفرد الواحد القائد المُلهم، واحياء الروح القومية الشوفينية، في هذه الأجواء، تجري الانتخابات الرئاسية ويفوز بها بوتين بأكثر من ثلاثة أرباع الأصوات.
الانتخابات التي يُجمِعُ بها الشعب، هي بالحقيقة وسيلة النظام لتهديد المُعارضة، وإبلاغها أن لا مكان لأي صوت مُعارض، فلو قبل النظام لينجح بنسبة 51 % فهذا سيُجبره على القبول بمبدأ وُجود معارضة، لها الحق بالتعبير والوجود، ومستقبلياً التبادل السلمي للسلطة، هذا منطق الديكتاتوريات لكل الدول، وفي حالات الدول العربية، يرفعون النسبة إلى حوالي 99 %.
العملية الانتخابية هي إذن هدف بحد ذاته، وليست وسيلة لمعرفة القوى الفاعلة بالمجتمع. في هذه الحالة، السلطة الروسية، ستكون عمياء وصماء، لا تسمع المواطن الروسي ولا تفهم مشاكله، فهي ترفض رؤيتها أصلاً. هذه النقطة بالتحديد، من سيؤدي قريباً أو بعيداً إلى تفاقم الأوضاع، والتناقضات مع السلطة، ويكون أحد أسباب التغيير الديمقراطي الحقيقي المأمول، وعودة روسيا القوية بأهلها وثقافتها وعلمها وانفتاحها ونموذجا للحرية بالعالم.

فنزويلا مادورو وسياسة الهروب إلى الأمام

نشر بالقدس العربي ١٩ آب ٢٠١٧

فنزويلا مادورو وسياسة الهروب إلى الأمام

د. نزار بدران

Aug 19, 2017

باغتتنا الأنباء عن قيام السلطات الفنزويلية بكاراكاس، بتشكيل برلمان مواز تابع للسلطة، وذلك تحت مسمى المجلس التأسيسي لصياغة دستور جديد، ليمدد لنيكولاس مادورو خليفة شافيز بدون معارضة، في تراجع واضح عن أسس النظام الديمقراطي الذي اوصله للسلطة.
تتميز جمهورية فنزويلا بكونها من الدول الكبرى المنتجة للنفط، ويوجد فيها أكبر احتياطي بالعالم، يمثل النفط 95 في المئة من صادراتها..
وكدولة نفطية في العالم الثالث، مثل الجزائر أو السعودية، استطاع النظام عن طريق سياسة توزيعية للدخل أن يحافظ على السلم الاجتماعي ويخلق له قاعدة صلبة تمكنه من البقاء بالسلطة لسنوات طويلة.
انتخب هيغو شافيز عام 1998 ووصل السلطة رافعا شعار محاربة الفقر والفساد، وان كان قد نجح إلى حد ما بعلاج المرض الأول عن طريق التوزيع المالي المباشر وسياسة المساعدات الاجتماعية، فإنه بالمقابل لم يستطع أن يحد من الفساد. وقد تمكن الجيش زمنه، ولكن أيضا زمن خليفته مادورو من السيطرة على كل مفاصل الاقتصاد.
عام 1993 كان عدد جنرالات الجيش أقل من خمسين، أصبحوا الآن أكثر من أربعة آلاف. سلطة الجيش كبيرة جدا، فمثلا ثلث الذين يديرون الوزارات هم من الجنرالات المتقاعدين، ونصف محافظات فنزويلا الـ 23 نصب عليها محافظون قادمون من المؤسسة العسكرية. ويسيطرون على قطاع واسع من اقتصاد البلاد.
الأزمة الاقتصادية ليس لها تأثير حقيقي على أعمالهم، فهم يضاعفون رواتبهم كما يشاؤون، ويستحوذون على المواد الغذائية والعقارات بسهولة، يحصلون على عقود مربحة جدا مع الدولة، يراقبون سوق العملات الصعبة ويتحكمون بجزء من الثروة النفطية عن طريق بيعها لصالحهم، وذلك بسعر منخفض لدول الجوار.
منذ انخفاض سعر النفط، والذي تزامن مع اختفاء شافيز، لم تعد السلطة الثورية قادرة على الاستمرار بسياسة التوزيع وكسب السلم الأهلي، وهي التي لم تبن اي اقتصاد إنتاجي فعال ذات وزن على مدى حوالي عشرين عاما، واكتفت بتوزيع عائدات النفط.
ما استطاع شافيز فعله زمن الازدهار النفطي، لم يستطع خليفته نيكولاس مادورو الاستمرار به، في زمن الانخفاض الحاد لأسعار النفط، فيما المواطن الفنزويلي البسيط يرى يوميا الطوابير تزداد طولا أمام المتاجر لشراء السكر أو أي مادة غذائية، ويقضي ساعات طويلة فيها، لم يعد أحد يصدق مادورو وتحميله لأمريكا أو المتآمرين السيئين وأعداء الثورة البوليفارية مسؤولية ما حصل. وهو مضطر للذهاب لدول الجوار مثل كولومبيا للحصول على حاجاته من الغذاء والدواء.
قبل عام كلف مادورو رئيس أركان جيشه الجنرال فلاديمير بادرينو، بعد تعيينه وزيرا للدفاع، بحل مشكلة نقص المواد الأولية والمواد الغذائية وحتى الأدوية (85 في المئة حسب اتحاد الصيادلة بما فيها المضادات الحيوية والعلاج الكيميائي للسرطان) عن طريق أخذ إجراءات إجبارية. محاولات السلطة إرسال الجيش للمصانع والمحلات التجارية لمراقبة الأسعار في ظل تضخم وصل لسبعة مئة في المئة سنويا، حسب احصائيات البنك العالمي للتنمية، أدى إلى أن أغلق كثير من أصحاب المحلات متاجرهم، لعدم قدرتهم على البيع بأقل من سعر التكلفة، وهو الذي بدوره عمق الأزمة الاقتصادية بدل حلها.
بهذه الوسيلة يكون الجيش قد أطبق على كل البنية الاقتصادية والسياسية للبلد، وبقي وحده من يستطيع أن يفرض بقوة السلاح هذه المرة سلطة خليفة شافيز..
وككل الأنظمة المدعومة من العسكر، فهي بطبيعتها تحتكم إلى القوة وليس لصندوق الاقتراع، والسلطة الحالية الموروثة عن شافيز، وصلت إلى الحكم عن طريق الانتخابات، معتمدة على قاعدة شعبية صلبة، تلك التي استفادت من الإصلاحات الاشتراكية التوزيعية للثروة النفطية.
بعد اختفاء الثروة الريعية وعدم وجود بديل إنتاجي، لم يعد النظام مدعوما من قاعدته الشعبية الطبيعية للاستمرار بالحكم. لم يبق له إذن إلا الرحيل من خلال الصناديق، أو البقاء بدعم الجيش والتراجع التدريجي عن البنية الديمقراطية، وهو ما يفعل الآن، فعشرات القتلى بالمظاهرات السلمية واستبدال البرلمان بجمعية تأسيسية من صنع يديه وبتزوير الإنتخابات دليل ناصع على هذا التقهقر.
لكن مادورو لن يجد من يقف معه بين دول القارة اللاتينية، والصين التي بعثت له مؤخرا بالسلاح والعتاد، لن تستطيع أن تذهب بعيدا بذلك، لعدم الإضرار بمصالحها بالقارة..
لن يجد مادورو مثل الأسد في سوريا، لا روسيا ولا إيران بجواره لدعمه وحمايته، ولن يجد مثل السيسي في مصر مليارات الإمارات أو السعودية.
هو بكل تأكيد رهان خاسر، وانتصار الشعب الفنزويلي سيكون قريبا.

طبيب عربي مقيم في فرنسا