تركيا وضياع الأندلس

نشر بصحيفة الحياة تحت عنوان النموذج التركي الناجح يتراجع نتيجة احلام العظمة ورهاب المؤامرات 01/07/2017

تركيا وضياع الأندلس

نزار بدرن

ومن الحب ما قتل، مثل عربي قديم، ينطبق على الوضع التركي الحالي، فتركيا أردغان، استطاعت أن تدخل قلوب الناس عرباً ومسلمين، منذ وصول الأغلبية الإسلامية للسلطة بالطرق الديمقراطية، ونجاحها الواضح في تحسين الوضع المعيشي للسكان، وانفتاحها على مكونات المجتمع المدني.

حبنا لتركيا إذن، كان من مُنطلق النموذج الجميل، الذي أحببناه لأنفسنا، لو استطعنا لذلك سبيلا، ولكن هذا الحُلم بتوسع النموذج على الدول العربية والإسلامية، وهذا الأمل الذي كان يُداعبنا، بإمكانية أن تصل الدول الأخرى، إلى نفس المستوى، من الحرية والديمقراطية والرخاء، بدء يتلاشى ويغرق، في متاهات الانقلابات السياسية ألمتتابعة التي تبناها رجب طيب أردغان وحزبه، والتي ذهبت بالاتجاه المُعاكس تماما لما نحلم به ونأمله لتركيا وأنفسنا.

حُبنا للنموذج التركي، لا يجب أن يِعمينا عن الواقع الجديد، والتقهقر اليومي والعودة إلى زمن شياطين الماضي. فبدل أن تقترب دولنا من النموذج التركي ألناجح بدأت تركيا باللحاق بالنماذج العربية التسلطية.

يمكننا توزيع هذه التقهقرات، إلى عدة أشكال، أول أشكال التقهقر هو الإخلال بالحريات والحقوق العامة، فالنظام التركي، وحتى قبل محاولة الانقلاب الفاشلة، بدء بإغلاق المحطات الإعلامية، والمنابر الصحفية المُعارضة له، واستمر ذلك بقوة أكبر بعد الانقلاب، زج عدد كبير من الصحفيين بالسجون، وهروب الآخرين للخارج. بحسب إحصائيات بداية هذا العام، تم إغلاق 180 محطة ومركز إعالمي وصحيفة، 2100 مدرسة، 1254 جمعية.(1)

واكب ذلك التدخل بالقضاء التركي، لتجييره لأهداف سياسية، ونحن نعلم أن الفصل بين السلطات، هو القاعدة الصلبة للأنظمة الديمقراطية، والتدخل بها كما يحدث في مصر، هو دليل الاتجاه نحو الحكم الشمولي.

ثاني هذه الظواهر، هو الاتجاه الواضح لأردغان، نحو الانفراد بالسلطة، والإمساك شخصياً بكل مفاصل الحياة العامة، حتى ولو أخذ ذلك شكل استفتاء شعبي، فالتغييرات بحد ذاتها، تُكرس معظم السُلُطات، إن لم نقل، كُلها بيد شخص واحد، والذي لم يتخلى، حتى بعد انتخابه رئيساً لبلده، عن رئاسة حزبه الأصلي. وقام أيضاً باستغلال ألانقلاب الذي أفشله الشعب التركي، للانقضاض على كل المعارضين، المحتملين داخل الجيش والإدارة، مما أدى إلى تسريح عشرات الآلاف من الموظفين، وكبار كوادر ألدولة مؤدياً بشكل واضحٍ، إلى تدهور الإدارة وكفاءة الجيش التركي، وتراجع الوضع الاقتصادي. ولإعطاء مثل على ذلك، وحسب إحصائيات كانون ثاني لهذا العام، منذ الانقلاب ألفاشل بلغ عدد المُسرحين من العمل 105 آلاف شخص، وعدد المساجين، بمن فيهم رجال الأعمال العديدين 32300. (1) وهذه الارقام تزايدت بشكل كبير منذ ذلك التاريخ , هؤلاء المسرحيين ومنهم اساتذة جامعات ( 4811 استاذ)  واساتذة ابتدائي وثانوي(30000) هم بحالة موت اقتصادي واجتماعي ومدني لمنعهم من العمل والحصول على حقوقهم الاساسية بالتقاعد والتوفير او السفر للخارج وبدون أي منطق قانوني مؤديا الى حالات انتحار عديده(2).

الشكل الثالث للتقهقر، هو التراجع عن حقوق الأقليات، ونذكر هنا بالتحديد الأكراد، بعدما كان الانفتاح نحوهم، سياسة ناجحة لسنوات، وهو طبعاً بحجة محاربة الإرهاب، وهو ما يُزعزع وحدة البلاد، ويؤجج النزعات القومية الكردية والتركية، واضعاً إياهما وجهاً لوجه.

ولكن الشكل الأهم، هو تدهور الوضع الاقتصادي، والناتج عن هروب المُستثمرين والسواح، فبعد أن كانت تركيا تُسمى بنمر الأناضول، بدأت المؤشرات الاقتصادية بالتراجع.

ما بين عام 2002-2012، كان مُعدل النمو الاقتصادي السنوي5%، كحد أدنى، وانخفض عجز الميزانية من 74 %، من الناتج القومي، إلى 33%، بخلال العشر سنوات. وكانت المراكز الدولية، بمراقبة الاقتصاد، تضع تركيا كل عام، برتبة أعلى من سابقتها. اليوم وبعد التوجه السلطوي لأردغان، انخفضت الاستثمارات إلى النصف، بلغت 7 مليار يورو بالثلث الأخير لعام 2016، بدل 13,3 مليار يورو لنفس الفصل من العام 2015.

انخفض عدد السواح ب 37 %، ما بين 2015-2016، ونتيجة لذلك، انخفضت قيمة الليرة التركية مقابل الدولار، مؤدية إلى ازدياد التضخم والذي تجاوز 8 % في عام 2016، وهو ما يعني ارتفاع الأسعار(3). لا نريد أن نزيد على القاريء بالأرقام، ولكن الوضع السياسي، وتزايد التوجه السلطوي للسيد أردغان، يُعتبر من قِبل معظم المحللين الاقتصاديين، السبب الرئيسي لهذا التدهور.

الشكل الأخير، هو التذبذب والتخبط بالسياسة ألخارجية بعد أن كانت سياسة أردغان، نموذجاً بالذكاء والتوازن، مما مكن تركيا، من دخول كل أسواق الدول الإسلامية والعربية، ولم يلتزم حقيقة، إلا بسياسة البقاء داخل الحلف الأطلسي والتبعية للولايات المتحدة، وإعادة العلاقات الطبيعية الاقتصادية والسياسية مع إسرائيل.

السبب الأساسي لكل ذلك، هو تراجع الحلم الأوروبي، هذا الخطأ منذ الأساس، ليس مرتبطاً بالنظام الحالي، بل بكل السياسات المتبعة منذ سنوات الستينيات، والإنضمام للحلف الأطلسي، وهو الذي كان بزمنه يعني، تقبل تركيا أن تكون ساحة المعركة الممكنه بين الغرب والاتحاد السوفيتي. تركيا أيام الحرب الباردة، كانت قاعدة للصواريخ الأمريكية المُوجهة لروسيا، وهو ما يعني دمارها، بحالة حرب نووية بين العملاقين .لعبت تركيا إذن، دور الجندي الغيور الذي يدافع عن أوروبا والغرب، ويقبل الموت من أجلها.

بعد زوال هذا الخطر، وانتهاء الحرب الباردة، ظن الأتراك أن انضمامهم الكامل للاتحاد ألأوروبي سيكون هدية الغرب لهم، على تضحياتهم الجسام بعد اتفاق الشراكة الموقع عام 1963. تطورت الأمور بعد ذلك، ووضعت أوروبا شروطاً لدخول تركيا، وليس فقط موافقة تلقائية، كثمن تدفعه للأتراك عى ما فعلوه من أجلها، وافق الأتراك على مضض على هذه الشروط، وهو الوصول إلى وضع دولة ديمقراطية غربيه تحترم القيم الإنسانية والأقليات وتتبنى الانتخابات الحرة، كوسيلة للانتقال السلمي للسلطة. هي نفس الشروط التي تُطبقها أوروبا على نفسها، واشترطتها لانضمام إسبانيا والبرتغال ودول أوروبا الشرقية فيما بعد.

هذه المرة ما قدمته تركيا لتحقيق هذه الشروط، لم يكن لطمأنة أوروبا، بل كان تحديثاً للدولة التركية، وهو ما انعكس على الوضع الاجتماعي والسياسي والسلم الداخلي، وخصوصاً الوضع الاقتصادي وانتقال تركيا إلى مرتبة عالية بين الدول الصناعية المتقدمة.

هذه الشروط الأوروبية، وإن لم تُطبق كلياً، هي التي سمحت بوصول حزب العدالة والتنمية الإسلامي للسلطة، ودحر خطر الانقلابات العسكرية، فلم تكن توجد قوة تستطيع أن تُبعد الحُلم الأوروبي لرجال السياسة والعسكر الأتراك، وأُغلق الباب أمام مطامع السلطوية الاستبدادية.

رغم التقدم الديمقراطي والانفتاح الداخلي، لم تختفي المُعيقات أمام لحاق تركيا بركب الغرب، وبدا واضحاً للحكم التركي أن الأمل قد تلاشى تماما فالغرب لن يعتبر تركيا جزء منه، لأنها حقيقة جزءً من الشرق.

هل العودة إلى الوضع الذي كانت عليه تركيا قبل الانفتاح الديمقراطي، هو الرد المناسب على أوروبا. كان الأجدر بالحكم التركي، أن يدرس الرفض الأوروبي من المنظار التاريخي والسسيولوجي لأوروبا وتركيا، فهذا البلد المسلم، ذا الثمانين مليون ساكن، له تاريخ طويل عدائي مع أوروبا وشعوبها. بنى العثمانيون إمبراطوريتهم، بعد فتح القسطنطينية عام 1453، وانهيار الإمبراطورية البيزنطينية، والاستيلاء على البلقان، ووصول فينا والقرم، واستمرت الحروب لسنوات طويلة، تركت أثرها بالذكرى الجماعية، ليس فقط عند الأوروبيين، وإنما عند الأتراك أيضاً. انتهت هذه الإمبراطورية، بعد هزيمتها بالحرب العالمية الأولى، وتقسيم إرثها فيما يُسمى باتفاقيات سايكس بيكو، وبناء الدولة التركية الحديثة العلمانية على يد أتاتورك.

عاش الأتراك وحكموا بلاد المسلمين، لقرون طويلة، وهم جزء مهم من التاريخ الإسلامي وحتى التاريخ العربي، انتمائهم الحقيقي، تاريخياً واجتماعياً إذن، حفر بالصخر بالشرق. ولم يقبلهم الغرب، إلا لاحتواء الدولة الناشئة، ولم يُعطي لهم دوراً اوروبي إلا لخدمة الأغراض الأوروبية، وهو الفخ الذي وقعت فيه تركيا منذ البدء.

الأمة العربية وباقي الأمم الإسلامية ليس لها مصلحة أن تنسلخ عنها تركيا لتلتحق بركب شعوب أخرى، فهي جزء منا تاريخياً وجغرافياً ودينياً ونفسياً وعاطفياً، وتستطيع أن تكون المحرك للتغيرات الديمقراطية، والعنصر الأساس لبناء تجمع شرقي إسلامي، يُضاهي التجمع الأوروبي. إنضمام تركيا لأوروبا سيكون قوة لأوروبا، وابتعادها عن محيطها الطبيعي الشرقي، هو إضعاف لنا.

ضياع الأندلس بالنسبة لنا إذا هو فقداننا لتركيا، الدولة النموذج، المنار المُشع ،الملهمة للآمال والدافعة إلى التوفيق بين حضارة شرقية إسلامية، وحضارة إنسانية حديثة، تحترم المواطن وحقوقه والأقليات مهما كانت، وتبني علاقاتها مع الآخرين، على مبدأ التعاون وليس العداء، وتتبادل بها السلطة عن طريق الانتخابات الديمقراطية، وتفصل الدين عن الدولة.

الانكفاء التركي الحالي، والعودة لزمن البؤس الفكري، والقمع الأهوج للحريات العامة، يُدمر بنفس المواطن العربي والمسلم هذا ألحلم ويرمينا م جديد بمتاهات الصراعات الطائفية والعرقية، التي لن تبني يوما وطناً.

بكينا على ضياع الأندلس وحضارتها الشامخة، لأننا لم نعرف أن نحتفظ بها كالرجال، وها نحن نفقد تركيا وما تمثله من أمل الخروج من حكومات الاستبداد.

أملنا أن يستعيد الشعب التركي صوابه، وأن يرفض أبناء هذه الأمة العظيمة بعطائها، الانجرار وراء أحلام العظمة المريضة وهستيريا المؤامرات المُتخيلة، وألا يدفعه حبه لأردغان، للانجرار وراء الأوهام، كما فعل المصريون والعرب، بالانجرار وراء الرئيس عبد الناصر، بسنوات الستينات، حتى وصلنا لنكبات لم نخرج منها حتى اليوم، وقد قتلنا حبنا له. فهل سنعود من جديد للبكاء على الأندلس.

 

(1)Echo صحيفة اقتصادية فرنسية مشهورة

(2)Libération  صحيفة سياسية فرنسية مشهورة

(3) احصائيات البنك الدولي ( doing business)

 

 

 

 

 

 

دونالد ترامب العودة إلى القرن التاسع عشر أم الذهاب المستقبل؟

الوان عربية 16 شباط 2017

دونالد ترامب

العودة إلى القرن التاسع عشر أم الذهاب للمستقبل؟

نزار بدران

أكدت الانتخابات الأمريكية الأخيرة، مع وصول دونالد ترامب للسلطة، عن تغيير كبير متوقع بالسياسة الأمريكية، على كل الأصعدة، الداخلية والخارجية والاقتصادية. فالإدارة الأمريكية الحالية، في صدد وضع تصور، ليس فقط لعلاقاتها بالدول الأخرى، وإنما أيضاً بفلسفة للعلاقات الدولية، مبنية على أسس جديدة.

من الواضح أن التيار “الفكري” الذي يمثله ترامب ليس أمريكياً بحتاً، وإنما بدأت مظاهره الأولى، تلوح منذ بضع سنوات، كخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، باستفتاء حزيران 2016، وانتشار الفكر اليميني المتطرف ووصوله إلى سدة السلطة في بلغاريا وحتى في بولونيا. كما في وصول الرئيس بوتين وما يمثله من فكر قومي يميني بروسيا، ونتائج ذلك على دول مثل أوكرانيا وسوريا، كل هذه الأمثلة وغيرها عديدة، توحي بأننا قد عُدنا للقرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. في ذلك الزمن، كان يُهيمن على أوروبا، قوى عُظمى مُتصارعة ومُتناحرة، كل يُدافع عن مصالحه، بدون أدنى التفات إلى مصالح الآخرين وحقوقهم. حروب أوروبا الدموية، كانت نتاج ذلك الوضع، والذي انعكس في وقته  على كل العالم.

انتهت هذه الفترة، مع نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما أخذت هذه القوى في حسبانها  مفاهيم جديدة للحد من الصراع بينها، وتمثل ذلك بوضع أُسس المنظمات الدولية والقوانين المتعدية للحدود الوطنية، مثل منظمة الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وما تولد عنها من مؤسسات دولية عديدة، مثل مجلس حقوق الإنسان ومنظمات رعاية الطفولة والمحاكم الدولية، وما إلى ذلك. نجحت هذه الوضعية الجديدة، بإنهاء الحروب في أوروبا، والعالم الغربي عموماً، ووضع أُسس الاتحاد الأوروبي، ولكن ذلك لم يُنه الصراع بالعالم، وهو ما تمثل بالحرب الباردة، بين الاتحاد السوفيتي والغرب.

انهيار حلف وارسو، وسقوط جدار برلين، واختفاء الاتحاد السوفيتي في تسعينيات  القرن الماضي، أسس لمرحلة اخرى جديدة، وهي دخول باقي دول العالم المهمشة خلال مرحلة الحرب الباردة الى عالم العلاقات الدولية، الذي كان حكراً لدول معينة، فنحن رأينا سقوط العديد من الأنظمة الاستبدادية والديكتاتورية، مثال ذلك البرازيل، ودول عديدة بأمريكا اللاتينية، وكذلك دول أوروبا ألشرقية وجنوب أفريقيا وإنهاء الفصل العنصري.

أحد المعالم المهمة لهذه المرحلة، ما بعد انتهاء الحرب الباردة، هو العولمة الاقتصادية، ووصول دول عديدة لعالم التجارة، والتنافس العالمي، بحظوظ وإمكانيات متفاوتة، مثل كوريا الجنوبية ودول عديدة أخرى في جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وتركيا، والانتعاش الاقتصادي الواسع بأفريقيا.

في القرن التاسع عشر، كان الصراع المبني على القومية، بدون أي اعتبار لمصالح الآخرين، سيد الموقف وسمة العصر. وفي القرن العشرين، انتقلنا إلى مفهوم التعاون الإقليمي، خصوصاً في دول الغرب، أو مجموعة الدول الدائرة في فلك الاتحاد السوفيتي، وأخيراً وبعد انتهاء الحرب الباردة، إلى عولمة العلاقات الدولية والاقتصاد والتجارة.

ماذا يفعل إذن السيد ترامب، هل يريد أن يُعيدنا إلى القرن التاسع عشر، والصراعات التي لم تُؤد إلا إلى الدمار، عن طريق تأجيج القوميات والمصالح الضيقة للدول. أم أن ذلك هو فقط لاستشعار الولايات المُتحدة، بإنتهاء دورها التاريخي، كقوة مُهيمنة وحيدة، منذ حوالي ثلاثين عاماً، بعدما تقاسمت العالم مع الاتحاد السوفيتي لعشرات السنين. فسياسة الانفتاح العالمي، وعولمة الاقتصاد والحد من العوائق الجمركية، والتطور المعرفي والرقمي والتكنولوجي، وانتهاء الحرب الباردة، كل هذا أدى إلى ظهور قوى عالمية جديدة مهمة، على رأسها الصين واقتصادها الأول بالعالم، وإلى جانبها الهند بملياراتهما السكانية.

الاقتصاد الأمريكي، بنى نفسه على قوة إنتاجية جبارة، ولكن أيضاً، وهذه خصوصية أمريكا وجوهر قوتها، على قوة استهلاكية أكثر عظمة، فالشعب الأمريكي هو أكبر المستهلكين، وهو ما سمح بتطور الصناعة الصينية، عندما فُتحت أمامها الأسواق الأمريكية. الصين هي الشريك الأول التجاري للولايات المتحدة، حيث بلغت صادراتها لهذا البلد عام 2015، أكثر من 357 مليار دولار.

أعلن ترامب مؤخراً، أنه يريد إعادة النظر، بالاتفاقيات التي تجمعه مع كندا والمكسيك، وكذلك دول شرق آسيا، فلنعلم أنه يستطيع أن يفرض ما يشاء، فكندا تُصدر أكثر من 75% من إنتاجها لأمريكا، والمكسيك حوالي 80%. القوة الاستهلاكية الأمريكية، وليس القوة الإنتاجية، إذن هي مُبرر هذه العنجهية، فنحن جميعاً، دولاً صغيرة أو كبيرة، بحاجة لأمريكا، لأنها أكبر سوق استهلاكي بالعالم.

ولهذا يمكن القول أن الرئيس الامريكي، يفتتح الأن مرحلة جديدة، وليس العودة إلى القرن التاسع عشر، وهي مرحلة دخول أمريكا إلى زمن العُزلة والإنكفاء على النفس، مُعتمدة على قوتها الإنتاجية والإستهلاكية في نفس الوقت، وفرض شروطها على الآخرين.

لذلك ينبغي على الصين والدول الناشئة الأخرى، أن تنتبه إلى أهمية السوق الاستهلاكي الداخلي، لحماية اقتصادها ونفسها، وإذا ما أُغلقت السوق الأمريكية أمام الصين، فلن تتمكن من استبداله بالأسواق الإفريقية أو دول العالم الثالث او روسيا، فهذه كلها ذات قوة استهلاكية ضعيفة.

لن تتمكن الدول الناشئة مثل الصين والبرازيل، من تطوير السوق الداخلي، إلا من طريق تحسين علاقاتها الاجتماعية، وذلك بالتوزيع العادل للثروة، وليس عبر تمركزها بأيدي قلة قليلة من فئات طبقية فاسدة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى حصول الطبقة العاملة على حقوقها، بالعمل والصحة والتطوير المهني والحقوق النقابية، وخصوصاً الدخل اللائق المناسب لجهدها الجبار، وذلك ما سيُمكن دولة مثل الصين أو الهند من التحول إلى منافس حقيقي للولايات المُتحدة، عندما يتولد لديها ذاك الجمهور الاستهلاكي الواسع، الذي يستطيع امتصاص انتاجهما الضخم.

ليست العدالة الاجتماعية في هذه الدول، ترفاً فكرياً، وإنما ضرورة للبقاء في عالم ترامب الجديد، المبني على القوة، والقوة في هذه الأيام هي للمُستهلك القادر وليس للمُنتج ققط.

معالم باريس العربية

15/09/2016

معالم باريس العربية

نزار بدران

باريس مدينة المعرفة والفن والأدب، تحتوي على معالم وأثار من حضارات عديدة، وليس فقط الحضارة الفرنسية أو الأوروبية. هكذا نجد في مدينة الأنوار العديد من المعالم العربية والإسلامية، أو ما سبقها قديمها وحديثها.

وفي هذه الفترة الصيفية قد يكون من المفيد تذكير العرب المقيمين هنا بباريس أو القادمين إليها بأشهر هذه المعالم.

نبدأ بجامع باريس الكبير الذي يجمع المسلمين، ويحمل قيم الإسلام الوسطي, تم بناءه بعد الحرب العالمية الأولى، وذلك اعترافا وعرفانا بتضحيات الجنود المسلمين ضمن عداد الجيش الفرنسي، والذين قتل منهم عشرات الآلاف في هذه الحرب المدمرة، والتي لم يكن لهم فيها لا ناقة ولا بعير.

انتهى بناء الجامع عام 1926، وأفتتحه رئيس الدولة وسلطان المغرب في حينه. وكان قد أقيم على مساحة 7500 متر مربع وسط باريس، منها حديقة داخلية خلابة بمساحة 3500 متر مربع. وقد استوحيت الهندسة المعمارية من مسجد القيروان بفاس وله مئذنة بارتفاع 33 مترا، مستوحاة بدورها من مئذنة مسجد الزيتونة بتونس. يؤمه يوميا مئات المصلين، وفيه مدرسة ومكتبة ومطعم. وهو من اجمل واشهر المعالم الاسلامية بالمدينة.

العالم العربي له معهده الذي بناه الرئيس الأسبق فرنسوا ميتيران، للتذكير وعرض الحضارة العربية والإسلامية القديمة والحديثة على الجمهور الفرنسي, الذي يزوره بكثافة، وذلك دليلا على مدى اهتمام الشعب الفرنسي بحضارتنا.

بني المعهد في ساحة محمد الخامس على شاطئ نهر السين بوسط باريس، وهو مكون من سبعة طوابق مع تكنولوجيا حديثة لإدخال الإضاءة الخارجية، ويحتوي على مكتبات عدة، ومتحف وصالات عرض للآثار والمعارض، ومسرح وسينما، وباحة كبيرة للمعارض المؤقتة بالإضافة للمطاعم.

يرأس المعهد منذ تأسيسه عام 1987 شخصيات فرنسية ذات معرفة ودراية بالعالم العربي، ورئيسه الحالي، جاك لانغ، وزير الثقافة الفرنسي الأسبق، والمعروف بحبه للموسيقى، حتى إنه أسس لها عيداً، وعرف عنه إعجابه بالحضارة العربية والإسلامية، ومعرفته الواسعة لها.

متحف اللوفر، من أشهر المتاحف بالعالم، لما يحتويه من روائع الآثار العالمية، وهنا نخص بالذكر، الآثار الآشورية والفرعونية، والتي تحتل صالات عدة، وتجذب مئات آلاف الزوار، هذه الآثار التي وصلت، بعد حملة نابليون المصرية بين عامي (1798-1801م)، ونجد فيه لوائح حمورابي (1790 قبل الميلاد). لا يمكن أن تعتبر نفسك قد زرت باريس، إن لم تقضِ يوما أو يومين بزيارة هذا المعلم، والذي حدثه الرئيس الأسبق فرنسوا ميتران ببناء هرم زجاجي على مدخله، زاد من جماله.

المتحف مكون من أبنية قصر قديم (قصر اللوفر) ويقع على مجرى نهر السين. ويتميز المتحف بالإضافة لكنوزه العديدة، بجمال بنيانه خارجياً، وعظمتها داخلياً، وهي في حد ذاتها تستوجب الزيارة للمتعة التي تعطيها للناظرين.

أمام متحف اللوفر، وفي ساحة الكونكورد، توجد مسلة الأقصر المصرية، والتي بناها رمسيس الثاني، فرعون مصر، ويُقال أن محمد علي، كان قد أهداها للملك شارل العاشر عام 1830، مقابل ساعة ذهبية موجودة حالياً فوق قلعة القاهرة، هذه الساعة التي لم تعمل أبداً. المسلة مغطاة بالحروف الهيروغليفية، ويصل ارتفاعها إلى 23 متراً، وتزن 230 طنا، وهي مغطاة في قمتها بأوراق الذهب، ونُصبت في وسط أجمل ساحات باريس، المُطلة على شارع الشانزيليزيه الشهير، محطة الزوار العرب الأثرياء.

أعطت بلدية باريس، أسماء كثيرة عربية لساحاتها وطرقاتها، مثل ساحة محمود درويش، أو شارع محمد البوعزيزي، مفجر الثورات العربية الجديدة، كذلك هناك شارع فلسطين، وأماكن عديدة تحمل أسماء مشاهير عرب، كالمستشفى الجامعي، ابن سيناء.

يعيش بباريس بعض المشاهير العرب، أمثال أمين معلوف، عضو الأكاديمية الفرنسية الشهيرة، والطاهر بن جلون الحاصل على جائزة جونكور للآداب، وهي أعلى جائزة أدبية فرنسية. ولا ننسى بعض الفنانين أمثال المغني خالد، أو الفكاهي السينمائي جمال. ونجد أيضاً بباريس، العديد من المطاعم العربية، والمكتبات التي تبيع الكتب العربية قديمها وجديدها.

باريس هي حقا مدينة الأنوار، ولنا نحن العرب اسهاماتنا المشهودة، وقد شاركنا ونشارك بمناراتها، ويكفينا لمعرفة ذلك أن نتذكر أن الشيخ جمال الدين الأفغاني، اختارها لإصدار صحيفته الاصلاحية “العروة الوثقى” عام 1884.

زيارة النواب الفرنسيين إلى سوريا تحالف ضد من؟؟

04/03/2015

زيارة النواب الفرنسيين إلى سوريا

تحالف ضد من؟؟

نزار بدران

زار سوريا مؤخراً أربع من النواب الفرنسيين والمحسوبين على الأغلبية النيابية، حيث اجتمع النواب مع الرئيس بشار الأسد والمسؤولين السوريين.

المسؤولون الرسميون الفرنسيون وبشكل خاص رئيس الوزراء، فانس، استنكروا هذه الزيارة ولم يتبنوا نتائجها وحدثت ضجة إعلامية قوية، بشكل عام ضد هذه الزيارة التي تُعتبر خرقاً لقطع العلاقات الفرنسية السورية منذعام 2012.

كالعادة يمكن اعتبار هذه التصريحات الرسمية إبعاداً لشبهة تغيير السياسة الفرنسية، ولكن حقيقة كونها بالون اختبار هو شيء لا يمكن استبعاده وخصوصاً أن النواب المعنيين لا يُخفوا توافقهم مع السياسة الفرنسية الرسمية.

هل هناك حقاً نية لإشراك الأسد في التحالف الغربي العربي الإيراني ضد تنظيم الدولة ؟ كما يوحي لنا السادة النواب !!…. وهل حقاً الدول المُتحالفة حالياً ليست قادرة على هزيمة هذا التنظيم؟؟ وهل هي بحاجة لدعم جيش مُنهك  بحرب داخلية منذ أربع سنوات وقد تخصص بقصف المدنيين بالبراميل المتفجرة، ولم يختبر قوته منذ اكثر من اربعين سنه  إلا بقتل وقصف المدنيين في حماة عام 1982 أومخيم  تل الزعتر عام 1976 في جنوب  لبنان أو الأكراد السوريين او الدعم العسكري للتدخل الامريكي بالعراق عام 1991. وهل حقاً هذا ما ينقص القوة العسكرية الهائلة المُتراكمه في القواعد الأمريكية والعربية في المنطقة.

لنا الحق أن نطرح السؤال ونشكك في النوايا المُعلنة، الحقيقة بأن هناك إرادة غربية عربية إيرانية لإنهاء أي حراك ديمقراطي عربي وخصوصاً في سوريا، فالثورة السورية لم تجد إلا أعداء في وجهها، إيران وروسيا، ولكن الأشد فتكا هم من يدعون أنهم الأصدقاء والذين تركوا النظام السوري على مدار أربع سنوات يُهجّر الملايين ويقتل مئات الآلاف من الأبرياء، أطفالاً ونساء، يموتون بالبراميل، وصواريخ سكود، والسلاح الكيميائي، والبرد والجوع. هذا كله لم يكن سبباً لهم لوقف هذا الإجرام.

محاولات إعادة تأهيل النظام السوري هي في الحقيقة محاولة يائسة لإنقاذه من سقوط أكيد وخدمة لإسرائيل المُستفيد الأكبر من هذا النظام، وهي أيضاً تقرباً لآيات الله القابعين على صدر الشعب الإيراني والذي لم يجد من يدعمه عندما قام بانتفاضة سنة 2009 وبدأ بها ربيع المنطقة.

إسرائيل ومن يقع تحت تأثير اللوبي الصهيوني يعملون جاهدين وبكل الوسائل بما فيها إشعال الحروب الطائفية، على إنهاء الحراك الديمقراطي العربي، هذا الحراك الذي يعتبرونه بحق خطر وجودي على كيانهم.

مهما كانت قُوى الثورة ضعيفة، ومهما كانت هائلة قوة معسكر الثورة المضادة من اليمن إلى ليبيا والعراق والبحرين وسوريا وغيرها إلا ان هذا الحراك على ضعفة ووتميزه  ببعده الإنساني المُطالب بالحرية هو في الحقيقة المُستهدف من كل هذه السياسات العربية والغربية.

وليست داعش إلا ستار يختفي من ورائه هؤلاء الممثلون السيئون الذين يعملون لوقف مسيرة الأمة وخروجها من ماض أسود ودخولها عالم الحضارة والإنسانية.

نوابنا المحترمون قاموا عن وعي أو دونه بوضع فرنسا من جديد في معسكر الدول الداعمة للاستبداد وهي التي رفعت عالياً قيم الإنسانية والمساواة والعدالة في تعاملها مع دول وشعوب العالم خلال الخمسين سنة الأخيرة.

نأمل – ونحن نعرف تماما  وعي وتعلُق الشعب الفرنسي بقيم الحضارة الإنسانية ونضاله المُستمرمن أجلها –  بأن تنتهي هذه السياسات إلى الفشل.

04/03/2015

 

هزيمة لأُردوغان أم انتصار للشعب التركي؟

16/06/2015

 

هزيمة لأُردوغان أم انتصار للشعب التركي؟

د. نزار بدران

لم يتمكن الرئيس التركي طيب رجب أُردوغان، من ربح رهانه، بالحصول على أغلبية برلمانية مطلقة، وذلك  للمرة الرابعة على التوالي، لتمرير مشاريعه للسيطرة على كافة مقاليد الحكم، مُعطياً للمنصب الرئاسي صلاحيات لم تكن موجودة، عندما كان أُردوغان نفسه رئيساً للوزراء.

يجب علينا أن نستخلص العبر من هذه التجربة الديمقراطية الرائدة، فالشعب التركي بحكمته استطاع أن يميز بين الغث والثمين، فهذا الشعبُ الذي أوصل الرجل وحزبه منذ ثلاثة عشر عاماً إلى السلطة، وإعطاه كافة مفاتيحها، فعل ذلك لأنه رأى في أُردوغان الإبن الذي يمكن الرهان عليه ديمقراطيا، وهو الذي وضع نفسه وحزبه في خدمة الشعب التركي بكل مكوناته، واستطاع بجهد حثيث أن يُحقق للمواطن التركي، أُسس العيش الكريم مُضاعفاً ثلاث مرات دخله القومي، مبادراً نحو حل عادل للمشكلة الكردية، مبني على حق الأكراد بحكم مناطقهم وتطوير ثقافتهم واستعمال لغتهم.

ولكن الانفراد بالسلطة لحزب واحد، وأخيراً لشخص واحد؛ دفع أُردوغان لأن يتصور أنه أصبح بإمكانه تغيير قوانين اللعبة التي أوصلته إلى السلطة، ليبقى فيها ومن موقع رئيس الجمهورية، سالباً بذلك سلطات رئيس الوزراء.

تصور أُردغان أنه يستطيع أن يعكس كونه خادماً للشعب مؤتمراً بأمره، الى كونه متلاعباً بأصوات هذا الشعب، لتحقيق مآربه الشخصية، وهو الذي لم يتوان عن قمع الحراك الديمقراطي، المُتمثل باستعمال العنف المفرط، في ساحة تقسيم أو جيزي، لم يعد يحتمل الرأي الآخر، ووقوعه تحت مؤثرات وهم العظمة والعصمة، وبدأ يتخيل المؤامرات التي تُحاك ضده من كل حدب وصوب. حتى تحولت الشعارات التي رفعها حزبه في العام 2002؛ (تعددية؛ حرية؛ إصلاح) في العام 2015 إلى (مؤامرات، إرهاب، ومنظمات موازية).

أراد أردوغان الاستحواذ على السلطة، وذلك باتباع طريقة بوتين بروسيا، أو الرئيس واد بالسنغال، أي سحب السلم بعد الصعود إلى شجرة الحكم، حتى لا يتاح الصعود لأحد بعده، هذه السياسة نجحت في روسيا، لكون السلطة أقرب للنظام الديكتاتوري منه للديمقراطية، فمنعت المعارضين من أي نشاط، وأغلقت الصحافة المستقلة، وقتلت الصحفيين والمعارضين المُنتقدين لسياسات بوتين، وبالنهاية يُذكر أنها أيضاً زورت الانتخابات. في الحالة الثانية بالسنغال لم يستطع واد توريث السلطة لابنه بعده، وهو الذي حصل عليها بالانتخابات الديمقراطية لوعي الشعب السنغالي وتمكنه من الديمقراطية.

أردوغان لحسن الحظ، لم يعمل على إلغاء الديمقراطية كبوتين، وإنما قام بالتلاعب بها، في مُحاولة لتشويه صورة المعارضين والعلمانيين والأكراد، واللعب على الحساسيات العرقية  والدينية.

قيادة حزب الشعوب الديموقراطي المُنحدرة من أصل كردي، والتي زعزعت بحصولها على ثمانين مقعداً، مشاريع أردوغان، قامت على عكس ذلك بالغاء  صفتها الكردية، وانتمت في حزبها الجديد إلى الأمة التركية، ورفعت بمظاهراتها وتجمعاتها أعلام تركيا وصور أتاتورك؛ مع أن هذين الرمزين؛ لم يكونا في قلب شعارات الشعب الكردي لفترة طويلة، بسبب ما مورس ضدهم من قمع. إلى أن استطاع هذا الحزب الصغير أن يبتعد عن مكونات الأكراد العنيفة (حزب العمال الكردستاني بقيادة أوجلان).

وقد فشلت محاولات زعزعته قبل الانتخابات، بسبب ذكاء قيادته الشابة، والتي لم ترد على تفجير إرهابي في إحدى تظاهراتها، والذي أودى بحياة اثنين من مؤيديها، ولم يستطع الفاعلون الوصول إلى هدفهم، وهو دفع هذا الحزب التركي (وليس الكردي) الجديد للعودة إلى صورة طائفية وعرقية (كحزب أوجلان).

لقد استطاع هذا الحزب الحصول على أكثر مما كان متوقعاً من المقاعد، رغم أن الحملة الانتخابية الرسمية لم تعطه إلا ثلاث ساعات بالأسبوع، مقابل أكثر من مئة ساعة لحزب العدالة والتنمية.

لقد أظهر الشعب التركي حكمته، وأسقط مشروع أردوغان، الرئيس الذي أحبوه حقاً وحملوه على أكتافهم، عندما كان يمثل روحهم الحقيقية، ببناء وطن تركي موحد، يخدم حقوق كل مكوناته، وأسقطوا مشروعه الرئاسي الذي يتنافى مع مفاهيمهم القائمة على أهمية حمل الأمانة في مجال العمل العام، والانحياز للمعطيات السياسية التي ترفض التلاعب بأصواتهم.

يضاف الى ذلك مواقف أردوغان الخارجية المتذبذبة، من عذابات الشعب السوري كضحية لنظام همجي. وقد أعلن مراراً وتكراراً خطوطاً حمراء وزرقاء تعداها النظام السوري بدون أي رادع، وضعف رده على إسرائيل بعد مهاجمتها لسفينة الحرية مرمرة، مكتفياً بالاعتذار الباهت والتعويضات الرمزية، كما أظهر أيضاً ارتهان أردوغان رغم عنفوانه وتصريحاته النارية للسياسة الأمريكية بالمنطقة وعدم مقدرته على تخطيها، مضعفاً بذلك دور تركيا الرائد لدعم الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي.

حقاً لقد دخلت تركيا مرحلة النضج الديمقراطي، ولا أظن أنه بعد اليوم سيظهر سياسي آخر يُحاول سحب السلم الذي يوفره له الناخبون. فالرقابة الديمقراطية للمجتمع المدني على الحكم ومكوناته هي حقاً أنجع وسيلة للابتعاد عن شبح عودة الديكتاتوريات؛ علمانية كانت أم إسلامية.

 

مظاهرات باريس ما لنا وما علينا

15/01/2015

مظاهرات باريس ما لنا وما علينا

نزار بدران

عبّر الشعب الفرنسي بتعبئة عامة وغير مسبوقة ، بتجمعاته ومظاهراته ونداءاته ، رافضاً كل ما قد يُخلّ في توازن الأمة الفرنسية اوالاعتداء على أُسس مكوناتها وهي الحرية والعلمانية  تحت مظلة القانون والدستور الفرنسي الذي أقرّه الشعب بنضاله وتضحياته  المريرة ولسنوات طويلة.

لقد بنى الفرنسيون ديمقراطيتهم ونظامهم العلماني عبر الثورة فتخلصوا من كل مخّلفات القرون الوسطى وخصوصاً بُعدها الديني.  واقتصر دور الدين على الكنائس وأماكن العباده للمؤمنين دون أي تدخل بالشأن العام ولم يبقَ لها إلا إبداء الرأي في المسائل الأخلاقية كالحفاظ على المحبة والتعاون بين الناس واختُصر الدين الكاثوليكي (دين الأغلبية الساحقة للسكان) إلى مرجعية تاريخية وعرفية تستعمل بشكل خاص لتحديد أيام الأعياد والعطل الرسمية. قليلون هم الفرنسيون الذين يستغلون هذه الأعياد في الذهاب للكنائس أو الاحتفال بمولد السيد المسيح اوالاحتفاء بالروح القدس، ما تقوم به أغلبيتهم هو القيام بزيارة عائلاتهم أو السفر في أنحاء المعمورة. الناس هنا  يعيشون هكذا مند عشرات السنين وهكذا عاش آباؤهم وأجدادهم.

وفي المقابل الجالية الإسلامية هي حديثة الوصول نسبياً لفرنسا، لم تعرف أي ثورة حقيقة في أوطانها وما زالت تتشبث بعادات وتقاليد مبنية على البعد الديني بشكل خاص، هذا الوضع القائم مند عشرات السنين ولم يكن هناك  تنافر بين مكونات الشعب الفرنسي بأطيافه المختلفة لأن مبدأ قبول الآخر والقيم والعيش المشترك هو القاسم العام وهو ما جعل العقدين الأخيرين طريقا سهلة  لاندماج المسلمين في الحياة العامة وذلك  بالمشاركة أولا بالانتخابات العامة وثانيا بالحصول على مواقع متقدمة في المجتمع والوسط السياسي.

تعثُر الثورات العربية بعد نجاحات أولية في العام 2011 وعنف الثورة المضادة والذي أودى بحياة عشرات الآلاف وتهجير الملايين كما نرى في سوريا مثلاً، سمح بدون شك لقوة ثالثة ترفع شعارات العنف الديني المُفرط في تعاملها مع كل مكونات المجتمعات العربية وفي فهمها للعلاقات الدولية بالوجود والازدهار.

هذه القوى مع طرحها لمشروع دكتاتوري جديد بغلاف إسلامي وبعيد عن أي مفهوم ديمقراطي هي في الحقيقة بديل استبدادي لحكم استبدادي.

وبذلك تواجه القوى الديمقراطية التي كانت وراء الربيع العربي قوة معادية إضافية وسدا حديديا  في وجهها لتحول دون وصولها إلى أهدافها وهي الحرية والكرامة والديمقراطية.وخاصة أنها  هشة حديثة التكوين  ، ضعيفة التسليح وقليلة الإمكانات.

هدا التحالف الموضوعي في وجه التغيير الديمقراطي بين السلطات الاستبدادية والقوى المتطرفة سيؤخر بكل تأكيد انتصار هده الثورات لكنه لن يستطيع هزيمتها، فالتغيير الديمقراطي قادم لأنه الوحيد القادر على خلق الأمل والوسائل لتحقيق حياة كريمة وعزيزة يتطلع إليها المواطن العربي ، ويعطي الأمة اسباب التقدم والتحرر والعودة من جديد للمسرح الدولي والمشاركة في بناء الحضارة الإنسانية الحديثة.

اعتداءات باريس موجهة أولا ضد المكون الديمقراطي العربي وضد مطالب الحرية والكرامة التي يرفعها أبناء الأمة في ثوراتهم من تونس إلى البحرين ومن اليمن إلى سوريا، والذين يتوقون ليروا في بلادهم صحافة حرة، قضاء مستقل، تعددية آراء، احترام الأقليات، تقبل الاختلاف وحل الخلافات بالنقاش وبالإعلام وإن اقتضى الأمر بالقضاء وليس بالرصاص والقتل.

استهداف صحيفة معروفة بخصوصيتها في استخدام السخرية والرسم الكاريكاتوري بالتعبير والتي أثارت حفيظة كثير من المسلمين قبل سنوات هدفه الحقيقي هو تغطية الهدف الأساسي وهو الرد على التدخل الفرنسي بالشرق الأوسط وأفريقيا بغطاء ديني حتى يتم إقحام الأمة الإسلامية والجالية العربية الإسلامية في أوروبا في حرب هذه المجموعات المُعلنة مع الغرب.

الرد الرسمي الفرنسي استعمل هو أيضاً هذا البُعد الرمزي لإظهار ذلك الهجوم وكأنه اعتداء ضد قيم الحرية والديمقراطية والعلمانية التي ترفعها فرنسا مُبعدة بذلك الأنظار عن تدخلاتها العسكرية خارج حدودها. إن مُراقب الأحداث في السنتين الأخيرتين يعي تماماً المواجهة المسلحة بين المجموعات الدينية المتطرفة والقوة العسكرية الفرنسية المنتشرة بالخارج هو السبب الحقيقي وراء أحداث باريس.

استطاع الشعب الفرنسي بمظاهراته المليونية العارمة والتي ذكرتنا بميدان التحرير في القاهرة أن يقول كلمته ويظهر وحدته بكل أطيافه أمام هذا الاعتداء على ما يعتبر بجدارة اعتداء على الحرية والعلمانية. ونحن المقيمين في فرنسا ندرك تماماً تمسك الشعب الفرنسي من أقصى يمينه إلى أقصى يساره وبكل مكوناته بما فيها مسلميه  بهذه القيم التي يسميها (قيم الجمهورية) والتي تعني القيم التي أُسست الجمهورية الفرنسية عليها بإنهائها الحكم الملكي الاقطاعي الديني الاستبدادي قبل أكثر من قرنين.

يعطينا الشعب الفرنسي النموذج والدرس الذي يجب أن نتعلم منه؛ الوحدة  رغم الاختلاف والصمود وعدم الخوف أمام التهديد والإرهاب.

 لم يخرج الشعب الفرنسي فقط للدفاع عن فرنسا وقيمها فقط بل للدفاع عن كل من ينادي برفع قيم الثورة والديمقراطية المطالبة بالحرية والكرامة، مظاهراته المدوية موجهة لطُغاة العالم  بكل أشكاله وموجهة أيضاً لزعمائه وقياداته السياسية المُطالبة بالدفاع عنه وعن كرامته وحريته لاحاجة بهم لرافعي شعارات فارغة تستهلك  عند الحاجة.

القيادات الفرنسية مطالبة الآن بدعم الحراك الديمقراطي العربي بدل دعم الثورات المضادة والتحالف معها أو السكوت عنها وعن جرائمها. لن يستطيع المواطن العربي التواق للحرية أن يفهم الشعارات المرفوعة في باريس إن لم تكن مرفقة بدعم نضاله في وجه حكوماته وديكتاتورياته، لن يفهم العربي الثائر الموقف الفرنسي إن لم يدعم حق الشعب الفلسطيني أمام أداة الإرهاب والقمع الإسرائيلية.

الشعب الفرنسي أظهر لنا الطريق وهو التعبئة العامة، التضامن والتحالف ونبذ الخلافات الدينية والعرقية من أجل هدف أسمى، هذه الوحدة الشعبية للصف العربي هي التي تستطيع حقاً ترجمة شعارات المتظاهرين في شوارع باريس إلى دعم لحقوقنا بدلا من تقوية أعدائنا وما تواجد نتنياهو إلا وسيلة لسرقة هذه الشعارات لصالح إسرائيل. كنا نتمنى أن تتفاعل الجماهير العربية مع كافة ضحايا القمع والاستبداد  في بلادنا من المحيط إلى الخليج  وأن تخرج بالملايين لتقول كلمتها  بصوت مدوٍّ  وهو ما لم نره حتى الآن رغم آلاف القتلى وملايين المُهجرين، إلا انه  يبقى الوسيلة الأمثل للحصول على دعم العالم لقضايانا.

وجودنا ومشاركتنا وتضامننا في فرنسا مع الشعب الفرنسي في محنته هي وسيلتنا نحن مسلمي فرنسا لمنع سرقة الانفعال الفرنسي وتجييره لصالح  اعداء الانسانية والعدل والحضارة والأمة العربية.

 

 

13/1/2015

جريمة تشابل هيل الإرهاب ليس حكراً على المسلمين

14/02/2015

جريمة تشابل هيل

الإرهاب ليس حكراً على المسلمين

 نزار بدران

جريمة عنصرية جديدة بكل المقاييس تجلّت في قتل واغتيال ثلاثة شبان عرب مسلمين في مدينة شابل هيل في كارولاينا الشمالية على يد مواطن أمريكي، فالقاتل يؤكد ذلك؛ قُتلوا فقط لأنهم مسلمون.

هل هو عمل فردي من رجل حقود!!!! أم هي بداية ظاهرة قد تتأجج ضد العرب والمسلمين؟

لا تكمن أهمية الحدث فقط في فظاعة الجريمة بحق أناس عُزّل مسالمين بل بمقدار ما قد يكتسب الحدث من بُعد أيدولوجي مما سيخلق نوعاً من الحاضنة الاجتماعية لمثل جرائم بهذه الوحشية، هنا يكمن الخطر الأكبر ويضع الجالية المُسلمة في أمريكا بنسائها ورجالها وأطفالها وممتلكاتهم ومستقبلهم في  دائرة الخطر.

المجتمع الأمريكي كباقي المجتمعات الديمقراطية الغربية مُتعدد الأوجه؛ يتكوّن من قوىً عديدةٍ مُتنافره ٍ وفي بعض الأحيان مُتصارعة ولكن تبقى جميعها ضمن أطار القوانين الموضوعة والمُتفق عليها. ممارسة إحدى هذه القوى (اليمين المُتطرف المعادي للإسلام) للقتل، لا يمكن أن يكون وسيلة تعبير وإبداء رأي، وعلى باقي مكوّنات المجتمع الأميركي، الذين يرفعون راية الحرية والقيم الإنسانية، أن يُسارعوا للتنديد بهذا الجُرم الفظيع والعمل على أن ينال المجرم عقابه.

المجتمع المدني الأمريكي غنيّ بالمنظّمات والجمعيّات ذات الطّابع الإنساني ولكن في المقابل هناك الأبناء الروحييّن للرئيس جورج بوش الإبن الذين يعتقدون وكأنّ العالم قد دخل حرب حضارات ، وظنّي أن القاتل هو جزء منهم.

ما الدّور الذي يجب أن تلعبه الجالية المسلمة بأمريكا كي تحافظ على مُستقبل أبنائها وعلى ممتلكاتها؟

هل هو البكاء واتهام الأمريكيين جميعهم بالعنصريّة والإسلاموفوبيا؟

أم هو نوع من النقد الذاتي؟ فنحن في بعض الأحيان كمسلمين لم نتورع عن دعم وتأييد أعمال إجرامية للقاعدة أو غيرها قُتل فيها مدنيون أمريكيون (مثلاً أحداث نيويورك 2001).

كي نستطيع أن نطلب من المجتمع الأمريكي نبذ الفئات اليمينية المتطرفة المُجرمة والوقوف معنا لحمايتنا علينا ان لا ننجرّ وراء الإيدولوجيات الدينيّة المتطرّفة والتي تُكفّر القاصي والدّاني وتُحلّ دمه.

الانقسام يجب أن لا يكون بين المجتمع الأمريكي من جهة وعربه ومسلميه من جهة أخرى وإنما بين المجرمين المتطرفين من كل حدب وصوب والمجتمع المسالم الرافع لقيم التآخي والعيش المُشترك.

إظهار تضامننا مع الضحايا مهما كانت دياناتهم وأجناسهم هو الوسيلة المُثلى  ليتضامن كل الناس بكل دياناتهم وأجناسهم مع ضحايانا.

الإنتقائية في الإدانة مُدانة من أي طرف كانت.  والتناقض هو بين الضحايا بكل أنواعهم والمجرمين القتله من أي جهة أتوا. إن تضامن الضحايا سيؤدي بالضرورة لهزيمة المجرمين.

ونحن على يقين بأن الجالية العربية والإسلامية والتي هي جزء مؤسس للمجتمع الأمريكي منذ أكثر من قرن ستجد الطريقة المُثلى الحضارية للتعامل والرد على هؤلاء القتله.

 

13/2/2015

 

تركيا مستقبل الشرق

تركيا مستقبل الشرق

د. نزار بدران

اب 2016

هناك رؤيتان لما جرى في تركيا مؤخرا, الأولى يمكن حصرها بما حدث من تآمر لبعض عناصر الجيش التواقون للانقلاب على الديمقراطية، والعودة إلى السلطة تحت شعار كاذب لحماية الديمقراطية والدفاع عن الكمالية والعلمانية، وهم متربصون بأول فرصة تبدو لهم سانحة, خصوصا أن السيد أردوغان كان قد اتخذ مؤخرا مجموعة من الإجراءات التي تعطي الانطباع بالتراجع عن الديمقراطية الشاملة، ومحاولة الاستيلاء على السلطة لشخصه، وهو لهذا السبب كان يعد لدستور يناسب ذلك الهدف، كما تعودنا للأسف في كثير من دول العالم الثالث التي تغير دساتيرها لتلائم طموحات زعمائها.

في هذه القراءة، ردة فعل الشعب كانت أهم حدث على الاطلاق، وأهم من الانقلاب نفسه, ورب ضارة نافعة، فالشعب أثبت للانقلابيين والجيش انه المقرر الأول والأخير, هذه الرسالة ستصل أيضا إلى أردوغان، وقد تحد من تطلعاته الاستفرادية، بحيث يعيد تركيا الى بداية عهد حزب العدالة والتنمية، وما شهده من انفتاح على مكونات الشعب التركي, والحفاظ والدفاع عن العلمانية والديمقراطية في كل مناحي الحياة.

القراءة الثانية هي التي تضعها في سياقها التاريخي، والذي بدأ منذ حوالي قرن بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية وقيام الدولة التركية ألحديثة، وعلاقة هذه الدولة مع جاراتها العربيات وإسرائيل وأوروبا. بشكل عام كانت السياسة التركية أقرب للتحالف مع اسرائيل. وقد ووجه المد الثوري الناصري بحزم من قبل تركيا، خصوصا أن توجهه نحو الإتحاد السوفيتي يتعارض مع التوجه التركي نحو الغرب. حتى أن اول اتفاقية اسرائيلية تركية وقعت عام 1958 بعد انهيار “حلف بغداد” الذي كانت تقوده تركيا، وأرست أسس التعاون الاقتصادي والعسكري والأمني بينهما. استمر هذا التقارب حتى بعد وصول الاسلاميين إلى السلطة وإرساء الديمقراطية، ومر بفترات مد وجزر، ولكنه لم يتزعزع الا بعد الاعتداء الاسرائيلي على السفينة مرمرة، والتي كانت في طريقها إلى غزة لكسر الحصار. ايران الشاه وتركيا وإسرائيل كونتا الإطار الاقليمي للحد من طموحات عبد الناصر بالوحدة العربية بالتعاون مع الغرب، ولم يتغير ذلك إلا بعد الثورة الاسلامية في إيران، ووصول أردوغان إلى السلطة في تركيا.

  إلا أن الحاجة الاسرائيلية الاستراتيجية لهذا التقارب، كان يضعف مع مرور الزمن، وتطبيع الأنظمة العربية لعلاقاتها مع إسرائيل، أظهر أنها لم تعد بحاجة لتشكيل تجمعات ما ضدها. ولكن انطلاق الربيع العربي والتغييرات الاجتماعية بالوطن العربي، أدت من جديد الى اثارة التخوف الإسرائيلي من احتمال قيام قوة عربية جديدة، لا يمكن السماح لها بالوجود.  كما فعل الغرب والعثمانيون زمن محمد علي باشا أو إجهاض التجربة الناصرية.

هذا بينما الشعوب العربية، مثل الشعب التركي والشعب الإيراني، بقيت وتبقى تواقة الى الحرية والوحدة والأنعتاق من تبعية أنظمتها للآخرين، ورفض التحالف مع اسرائيل، ولا تقبل بانتهاك حقوق الشعب الفلسطيني أو أي شعب آخر.

انطلاقا من هذا المفهوم، تعمل اسرائيل والدول المتأثرة بالصهيونية العالمية على إعادة تشكيل هذا التقارب من جديد، في انتظار المستقبل، خصوصا وأن العنف المروع المستخدم من الأنظمة العربية، واستثمار وتوظيف القوى الظلامية ضد شعوبها، لم ينه تطلعات هذه الشعوب للحرية.

لا يستطيع المحللون الغربيون ولا المتواجدون في مواقع القرار، التنبؤ بمستقبل الأنظمة العربية على المدى ألطويل، فعلماء الاجتماع يؤكدون وجود تغييرات اجتماعية عميقة داخل الدول العربية، وازدياد الهوة بين الأنظمة وشعوبها، وتراجع الاقتصاد العربي، وانعدام التنمية، وتفشي الفساد والبطالة، وتزايد الهوة بين دول شمال وجنوب البحر المتوسط، بعكس ما يحدث على صعيد العالم قاطبة في مناطق الجوار، وكل ذلك لا يمكن أن يدوم للأبد، لدى أمة غنية بثرواتها وأرضها وسكانها.

لعبت تركيا طوال سنوات الحرب الباردة، دور الحارس للخيمة الأوروبية الأطلسية، وعندما انتهت هذه الحرب، لم يسمح لها بدخول هذه الخيمة، كما كانت قد وعدت. وبقي الدور التركي ضمن الحلف الأطلسي، هو دور الجندي المدافع عن التخوم، وليس العامل الفاعل, وهو ما أدى الى التردد الأوروبي إزاء مسألة دخول تركيا للأتحاد.

شكل وصول الإسلاميين إلى السلطة في تركيا، وعبر عملية ديمقراطية متكاملة الدافع الرئيس لإبعاد تركيا أكثر عن الحلم الأوروبي، والدفع بها نحو مجالها الطبيعي، أي المنطقة الشرقية الإسلامية، حيث شكلت الجزء المؤسس لهذا الشرق،  وحجر الزاوية لتطوره. فقد جرى التعويل على أن يشكل انتشار النموذج التركي في نطاق المنطقة الإسلامية، أمل هذه الشعوب بالأنعتاق واللحاق بموكب الحضارة.

هذه الوضعية الخاصة بتركيا، وهي البحث عن دخول الإتحاد الأوروبي والانتماء الطبيعي للشرق والإسلام، أدى الى نوع من انفصام الشخصية التركية بين هويتين: اوروبية وإسلامية شرقية, الهوية الأوروبية جديدة ومتوازية مع الدولة الحديثة التي أرادت أن تبتعد عن الإرث العثماني، بعكس الهوية الشرقية الضاربة في أعماق التاريخ.

على أن التاريخ الطويل الأوروبي العثماني التنافسي، لا يمكن تجاوزه، لا من قبل الأوروبيين ولا الأتراك أنفسهم، وأفضل ما يمكن أن تصل إليه تركيا هو اتفاقية تبادل اقتصادي بشروط تفضيلية، كما هو الحال مع بعض الدول.

أما الإشكالية الوجودية لإسرائيل، فهي مرتبطة بالتجزئة العربية، وضرورة منع وجود كيان عربي موحد مستقل, لهذا تعمل اسرائيل لتثبيت التجزئة العربية ودعمها (كجنوب السودان) ودعم الأنظمة الاستبدادية العربية (كما حدث بمصر بعد الثورة أو سوريا حاليا). من ناحية أخرى وتحسبا لأي تغيرات مستقبلية غير محسوبة، تخطط أيضا من أجل إعادة التحالفات الإقليمية المحاصرة للأمة العربية، وهذا ما تفعله بشكل واضح من خلال إفريقيا حاليا، ولكن أيضا هذا ما تحاول اعادة إحياءه مع تركيا وإيران.

من هذا المنظار، نرى التحول الإيراني نحو التخلي عن المواجهة مع اسرئيل، تحت الضغط الأقتصادي الهائل من الغرب، والذي أجبر الإيرانيين على تغيير سياستهم العدائية تجاه “الشيطان الأكبر” وحلفائه، والقبول بكل شروطهم, حتى أن التدخل الإيراني إلى جانب النظام السوري، في محاولة لقمع ثورة الشعب السوري، لا يتناقض مع الهدف الإسرائيلي، لذلك لم يوضع على طاولة المباحثات الإيرانية الأمريكية.

أما تركيا بنظامها الديمقراطي، فهي عصية على التطويع, فشعبها هو من يحدد سياسته عن طريق انتخابات دورية، وقد اثبتت الأحداث الأخيرة تمسكه بذلك, وحدها الدول الدكتاتورية كإيران والدول العربية من يمكن تسيير سياساتها من الخارج بالترهيب والترغيب.

من هذه الرؤية، كان لا بد ان تتراجع تركيا عن الديمقراطية، وان تعود الى نظام استبدادي حتى يسهل عودتها للتحالفات الإقليمية القديمة، واستعادة دورها كحارس للغرب وليس كشريك فاعل. للأسف في الفترة الأخيرة قام السيد اردوغان بالسير في هذا الأتجاه، بالتضييق على المعارضة الديمقراطية والصحافة وإعادة العداء مع الأكراد بعد فترة انفتاح نموذجية.

كل هذا اعطى الانطباع بأن العودة عن الديمقراطية أمر ممكن, وهو برأيي ما  سهل التغيير الكبير في السياسة التركية بالنسبة لحصار غزة، والذي كان قد رفعه كشرط أساس لإعادة العلاقات مع اسرائيل, وكذلك السكوت عن الدور الروسي في سوريا, حتى أن آخر التصريحات الرسمية قبيل الأنقلاب الفاشل، من طرف الرئيس التركي ورئيس وزرائه، اعادت مخاوف الشارع العربي والشعب السوري من تخلي تركيا عن مواقفها الداعمة له. وقد كدنا ننسى تماما كل هذه الانقلابات بالسياسة بعد احداث الانقلاب العسكري الفاشل، والذي يمكن اعتباره دليل عدم الثقة لداعمي الانقلاب من الغرب والشرق بأردوغان رغم تراجعاته الأخيرة.

قد تكون هذه التراجعات في المواقف التركية قبيل الانقلاب محاولة من أردوغان لتجنب انقلاب بات على ما يظهر مؤكدا, وقد كان المتكهنون بالانقلاب كثر, ولا ننسى موقف بوتين بعد ساعة منه يعرض اللجوء السياسي على أردوغان، وكذلك ألمستشارة الألمانية، واعتبار كيري وزير الخارجية الأمريكي أن ما يحدث هو أزمة داخلية، ولم يجر اعتبار الإنقلاب من بدايته عملا مدانا دوليا، لكونه ضد حكومة منتخبة ديمقراطيا.

وحده الشعب التركي هو الذي مثل للحكومة التركية الشرعية طوق ألنجاة، كذلك قطاعات واسعة من الجيش، والتي لم تقبل هذه المرة الانضمام للانقلابيين، كما كان يحدث خلال الانقلابات السابقة.

الضربة التي لا تقتلك ستقويك، كما يقول المثل, نحن ننتظر من السيد أردوغان التراجع عن مواقفه الجديدة المتسامحة مع حصار غزة، والألتزام بالمعايير الديمقراطية الكاملة بالتعامل مع المعارضة، وإعادة الانفتاح نحو مكونات الشعب، وخصوصا الأكراد منهم.

نحن ننتظر من السيد أردوغان أيضا الاستمرار بالانفتاح على الشعوب العربية والاسلامية، مجاله الطبيعي، وهي التي ترى بتركيا تجربة واعدة بالنسبة لهم. تركيا تستطيع أن تكون طليعة تجمع شرقي، قد يعادل في المستقبل قوة الأتحاد الأوروبي الذي لا يشعر الشعب التركي أنه جزء منه، ولا يشعر الأوروبيون بأن تركيا هي جزء منهم.

نحن ننتظر من السيد أردوغان أن يكون على مستوى شعبه العظيم، والذي بجرأته وشجاعته وتضحياته من أجل ديمقراطيته، قد أعاد الأمل لكل المطالبين بالحرية، واليائسين من النصر في سوريا ومصر وفلسطين وكافة الأقطار الإسلامية.

 

إسرائيل تنجح في استعادة تحالفات الماضي

تموز 2016

 

إسرائيل تنجح في استعادة تحالفات الماضي

د. نزار بدران

فجّر انطلاق الثورات العربية السلمية، أو ما أطلق عليه “الربيع العربي”، من تونس قبل أكثر من خمس سنوات، تداعيات خطيرة وعديدة، بكافة الأقطار العربية بدون استثناء. عنف الرد على هذا الحراك السلمي، كما حدث بمصر أو ما نرى بسوريا واليمن، من تقتيل وتهجير وتدمير، بفعل الأنظمة، يدل على عمق هذا الحراك الديمقراطي السلمي، فالربيع العربي لم يرفع أبداً، شعارات التطرف الديني أو العنف السياسي، بل هي الأنظمة على اختلاف تحالفاتها، من دفع وأوجد كل هذا الإرهاب والعنف، من أجل منع أو تأخير؛ قدر الإمكان، انتصار ثورات الشعوب العربية المُنتظر.

رغم عنف وبشاعة المشهد العام، فإن عمق الأمة وحراكها التاريخي نحو الانعتاق، يبقى هو الأقوى، لأنه لا يعبر عن حدث أو رد فعل، وإنما عن تغيير تدريجي منذ عشرات السنين، على المستوى الاجتماعي والديموغرافي، مع تغيير عميق في تركيبة المجتمع العربي، خصوصاً فئة الشباب التي تريد الانضمام لموجة التحرر العام بالعالم، وما انطلاقة الربيع العربي، في لحظة معينة، إلا ترجمة ظاهرية لهذا التغيير الاجتماعي غير القابل للعودة إلى الوراء.

في هذا ألإطار نرى عودة التحالفات من كل حدب وصوب، للقضاء والالتفاف على هذا الحراك. حيث الحفاظ على إسرائيل وأمنها، هو السبب والمحرك الأساس للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، في حين أن بقاء أنظمة الاستبداد والتجزئة هو الكفيل ببقاء إسرائيل، أما انعتاق الشعوب وذهابها نحو الحرية والديمقراطية، فهو يشكل الخطر الوجودي على هذه الدولة، رغم قوتها، كما حدث لجنوب أفريقيا، بإنهاء نظام الفصل العنصري.

الناظر إلى التاريخ الحديث، يرى أن التحالفات الإقليمية وُجدت دائماً، لحصار الأمة العربية، المتطلعة إلى التقدم والانعتاق، كما حدث من التحالف الغربي العثماني ضد محمد علي باشا بمصر، في القرن التاسع عشر (1805-1848)، وكذلك التحالف الثلاثي ضد مصر بالخمسينات، بين فرنسا وبريطانيا وإسرائيل، وكذلك وهو ما يهمنا في هذه الأيام (التحالف الإيراني التركي الإسرائيلي) بالخمسينات والستينات ضد الرئيس جمال عبد الناصر وفكره الوحدوي.

الشرق الأوسط الجديد الذي يُطل برأسه علينا، هو برأيي إعادة إحياء هذا التحالف الثلاثي من جديد، بمباركة القوى ألعظمى لحصار أي مستقبل ديمقراطي للأمة العربية كما حدث دائماً.

هذا التحالف استوجب تغيير السياسات والأوضاع داخل إيران ومن ثم تركيا، فإيران قبلت بالتنازل عن أي مشروع قد يهدد أمن إسرائيل، وشرط إخراجها من الحصار الاقتصادي نهائياً، سيكون عودة الود الإسرائيلي، وسنرى ذلك في قادم الأيام. أما تركيا فهي تتجه للأسف في طريق مشابه، وسياسة أردوغان تتجه للتراجع عن المكاسب الديمقراطية لشعبه، وقمع الصحافة الحرة والمعارضة، والتراجع عن الانفتاح على المكون الكردي، ما يؤهل هذا النظام، للارتماء بالحضن الأمريكي الإسرائيلي كما نرى الآن. أما عودة التقارب والتحالف مع إسرائيل، فهو نتاج هذا الاتجاه الانفرادي بالسلطة، وغياب الرقابة الشعبية، ويُفسر استقالة رئيس الوزراء السابق، داوود أوغلو، الذي لم يرد على ما يظهر، أن يذهب في هذا الاتجاه.

الذين لا يريدون أن يعترفوا بعمق رغبة الأمة بالحرية وسيرورتها التاريخية نحوها، عليهم أن يروا كثافة القمع لهذه الشعوب، وتكالب الأعداء عليها من كل حدب وصوب، وعودة التحالفات العالمية والجهوية، وكأننا عدنا إلى زمن عبد الناصر أو محمد علي باشا. كل هذا هو دليل، على أن الربيع على هشاشة وروده وأزهاره،  أخاف هذه الفيلة الجبارة.

أملنا أن يعود الشعب التركي للمطالبة باستعادة الديمقراطية الكاملة، وأن يعود الشعب الإيراني للمطالبة بحقه بالانفتاح الديمقراطي، لأن هذه الشعوب هي بكل تأكيد، داعمة للشعب الفلسطيني والشعوب العربية، برغباتها وطموحاتها في الحرية والديمقراطية، وهي فقط التي ستتمكن من إفشال هذه التحالفات غير الطبيعية، وهي أملنا بنجاح التغيير القادم، في منطقتنا وفي العديد من الدول الإسلامية.

شروط أردوغان الثلاثة، لعودة العلاقة مع إسرائيل، لم يتحقق منها إلا شطرها المالي، أما رفع الحصار، فاستُبدل ببعض المساعدات الإنسانية. الاتفاق الإسرائيلي التركي، مع بقاء الحصار هو في الحقيقة انتصار للسياسة الإسرائيلية المبنية على حصار غزة ، لأنه يُشرعنها بشكل مباشر. وكان من الأفضل لنا ألا تضع تركيا أصلاً هذا الشرط، لأن التنازل عنه لا يعني العودة إلى الوضع السابق، وإنما القبول بالحصار كحقيقة مقبولة دولياً، ومن أقرب المقربين لحماس. فإسرائيل تُعلن على الملأ، أن الحصار البري والبحري سيستمر كما كان، وستراقب وتدقق كافة المساعدات التي ستقدمها الحكومة التركية.

العملية الإرهابية الأخيرة في مطار أتاتورك باسطنبول، ببشاعتها وعنفها، أدت إلى حجب الرؤية عن المواقف التركية الجديدة حيال الوضع الفلسطيني، والموافقة على الشروط الإسرائيلية، لعودة التنسيق الأمني والمخابراتي معها، وقد يكون الاعتذار لبوتين، عن إسقاط الطائرة الروسية، أحد هذه الشروط، بعدما رأينا خروج التحالف الإسرائيلي الروسي للعلن.

أما الداعمين للسياسة التركية من الكتاب والمثقفين والصحفيين، فهم كغيرهم، يهللون دوماً لنظام يدعمونه، مهما تقلب وتغير ومهما تغيرت وتطورت الأحداث, لا مكان عندهم للفكر والمراقبة المستقلة، فالعمى الإيديولوجي هو القاسم المشترك والأكبر في ما بينهم.

أردوغان وسياسة التجارة!

 

 

أردوغان وسياسة التجارة!

 

نزار بدران

التجارة نشاط إنساني مهم، ولولا البيع والشراء واختراع العملة، لكان من الصعب، تطور المجتمع الإنساني منذ القدم. هذا المعنى الإيجابي للتجارة، ضمن علم الاقتصاد، يُقابله معنى سلبي للتجارة ضمن ممارسة السياسة، إن أخذناها، بمفهومها الجميل الفلسفي، كتعبير عن القيم والمبادئ في إدارة شؤون الناس. للأسف هذا المعنى الثاني، أي السلبي، هو ما بدأ يطفو على السطح، بشكل واضح في السياسة التركية تجاه أزمات المنطقة.

مثل هذه النجاحات التجارية الاقتصادية لتركيا، والتي مكنتها بعد وصول الإسلاميين للسلطة، من إغراق أسواق المنطقة العربية، ببضائع اشتراها المواطن العربي، بنوع من الفخر والاعتزاز، بدلاً من البضائع والإنتاج الغربي، ما ساهم بالتنمية الاقتصادية التركية وتطورها، وهي التي اوصلت تركيا لمرتبة الدولة السابعة عشرة اقتصادياً، ودخولها مجموعة العشرين الأغنى في العالم.

في المقابل، فمن المؤسف عدم ترجمة التصريحات المُشجعة والداعمة لفلسطين والديمقراطية في الوطن العربي، إلى واقع عملي، بل بقيت مجرد شعارات لا تخدم إلا الهدف التجاري الاقتصادي ومصالح تركيا الخاصة، فاتحة أسواق العالم الإسلامي والعربي، بشكل أكبر أمام هذه التجارة.

على مدار السنوات الخمس للثورة السورية، تراجعت المواقف التركية المُعلنة، عن مبادئها وقيمها، مثل تعيين خطوط حُمر، حول بعض المدن السورية كحماة وحلب، لا يحق للنظام السوري تجاوزها، ثم شعارات المناطق العازلة الآمنة بشمال سوريا، ومناطق الحظر الجوي لحماية اللاجئين. نرى اليوم فقط الطائرات الروسية التي تُقيم المناطق العازلة للآخرين، في السماء السورية، بدون أدنى رد تركي غير الجعجعات الكلامية.

أما لجهة تحرك الأكراد وتدخلهم هنا أو هناك، فهو ما يُثير حفيظة أردوغان، ويقوم كباقي أنظمة المنطقة، باكتساح مناطقهم في سوريا، بدون أي اعتبار للمدنيين الأبرياء، والتدخل الأخير، هو فقط بسبب خوف أردوغان المزمن من الأكراد، وحقهم الطبيعي في تقرير المصير، في أماكن تواجدهم، مُتناسياً سياسة الانفتاح نحوهم، التي مارسها في بداية عهده.

استقبال اللاجئين السوريين بتركيا، تحول بعد السنوات الأولى، إلى مادة تجارية للتعامل مع الغرب، فمقابل استقبالهم وحجزهم، استلمت تركيا ثلاثة مليارات دولار، من الاتحاد الأوروبي (لمساعدة اللاجئين!!)، متناسين واجب التضامن الإسلامي المجاني، الذي تفرضه قيم الدين، ويُعلمه أئمة المساجد، للمؤمنين والمصلين في جوامع تركيا.

هذه المُقايضة المالية بين تركيا والغرب، على آلام السوريين، واستعمالهم كورقة ضغط, تُمثل نموذجاً لم نكن لنتصور يوماً، أن حكومة دولة مسلمة تقبل به، وهو يُستعمل حالياً، لدفع ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، خارجة من إطارها الشرقي الإسلامي وتاريخها العثماني.

وهكذا عندما تتراجع القيم والمبادئ، في عالم السياسة، تتراجع أيضاً الحريات العامة، وهذا ما نراه حالياً للأسف حيال اعتقال وإرهاب الصحفيين والمعارضين، وكأن السنوات الجميلة التي عشناها، آملين بتحقق حُلم الدولة الحديثة، التي تجمع بين القيم الإسلامية والحداثة، أصبحت في خبر كان.

عشر سنوات من الحصار على غزة، ولم نر إلا التصريحات النارية ضد إسرائيل، لم تستطع تركيا زحزحة الحصار، ولو متراً واحداً، بل على العكس، تقوم حالياً بدغدغة مشاعر نتنياهو، في محاولة الحصول على الغاز الإسرائيلي بديلاً عن الغاز الروسي. وطبعاً يُطلب من الفلسطينيين، أن يؤيدوا هذه السياسة الجديدة، وهذا ما يقوله دائماً، كل الحكام العرب، بزعم الدفاع عن فلسطين وحق شعبها ب و ب…الخ.

لقد سبق لأردوغان أن وضع ثلاثة شروط أمام إسرائيل لإعادة العلاقات معها ، لم يتحقق منها إلا واحد ونصف، وهما الاعتذار عن مذبحة المدنيين الأتراك، على ظهر السفينة مرمرة، ووعد إسرائيلي لم يتحقق بدفع تعويضات لأهالي الضحايا. أما الشرط الثالث الذي لم يتحقق بعد، فهو رفع الحصار عن غزة، هل سيُصر أردوغان على هذا الشرط حقيقة، ويفرضه لإعادة العلاقات مع إسرائيل؟ أم سيجد مخرجاً؟، أما من جهتي فسأقوم إن تحقق هذا الشرط، بتمزيق مقالي هذا والاعتذار للقراء الأعزاء.