أسس الدولة الديمقراطية

أسس الدولة الديمقراطية

نزار بدران القدس العربي 17 آب 2019

تمر دول عربيه عدة حاليا بثورات تهدف كلها إلى إقامة حكم مدني ديمقراطي، السودان والجزائر هي الدفعة الأولى من دول الربيع العربي الثاني والتي ستشمل عاجلا ام اجلا كافة الأرض العربية، فالثورات المضادة رغم عنفها المفرط وقوتها والدعم الاجنبي لن تغير تاريخ المنطقة السائر باتجاه الحريه والالتحاق بركب الحضاره العالمية

هل الديمقراطية وهي الهدف المعلن لهذه الثورات

ستؤمن لدولنا بالمستقبل الرخاء والعدالة والحرية لو درسنا الثورات الاجتماعية بالدول الأخرى بكل قارات الارض لرأينا أن نجاح الديمقراطية لا يعني نجاح النموذج السياسي المطروح وهو ما يهدد دائما بعودة الاستبداد تحت اشكال مختلفه، هذا ما نراه بروسيا بعد سقوط النظام الشيوعي فرغم الانتخابات وتأسيس نظام ديمقراطي بسنوات التسعينات إلا أن الوضع الحالي لا يختلف كثيرا عن الأنظمة المستبدة، نرى شيئا قريباً من ذلك ببعض دول أوروبا الشرقية، ولا ننسى حروب البلقان والتي تبعت انهيار النظام الشمولي بيوغسلاڤيا وانشاء أنظمة ديمقراطية، قريباً منا عودة النظام العسكري المصري بعد عام واحد من نظام ديمقراطي حقيقي.

ما هي إذا الضوابط التي يجب علينا وضعها لنجاح المشروع الديمقراطي، هي حقيقه كثيرة مثل احترام حقوق الاقليات وانهاء النزاعات المسلحة وفتح المجال العام للنقاش الفكري وغيرها، ولكن هناك ثلاث نقاط محورية هي الأهم برأيي وهي، وضع دستور توافقي، احترام قيم حقوق الإنسان كما تنص عليها الأعراف والقوانين الدولية وأخيرا بناء المجتمع المدني القوي.

الدستور كعقد اجتماعي هو توافقي بطبيعته وليس فقط قانون الاغلبيه الحاكمة بمعنى ان يعبر عن مجمل مكونات الشعب بارائه المختلفة وتنوعاته الثقافية والعرقية واللغوية، عدم احترام ذلك يجعل الدستور وسيلة الأغلبية لفرض سياساتها على الأقلية وهو ما يتناقص مع السلم الاجتماعي الذي هو هدف الدستور الأول، تغيير الدستور المستمر هو دليل غياب البعد التوافقي بالاصل أو الانحراف عن الديمقراطية، الإجماع على الدستور يعني توافقه مع رغبات الكل بمعنى توافق شبه كامل للاتجاهات الفكرية والسياسية داخل المجتمع وعدم ترك مجموعه من الناس على هامش الدولة، هذا التوافق يطرح على الشعب لتبنيه باستفتاء عام.

لا يمكن بدولة ديمقراطية عريقة أن تضع دستورا ذا بعد ديني لأن الاديان متعددة والمعتقدات مختلفة لكل الشعوب، لا يمكن وضع دستور يحدد الهوية العرقية للدولة لأن الاعراق متعددة وهكذا بمجالات عديدة.

يرتبط بالدستور التوافقي النقطه الثانيه وهي احترام حقوق الإنسان المتعارف عليها دوليا، فالمساواة بين المرأه والرجل او حقوق الطفل والحقوق الثقافية للاقليات واحترام حق اللجوء والعمالة الأجنبية وعشرات النقاط الأخرى تصب كلها باتجاه ربط النظام السياسي الجديد باواصل الحضاره العالميه الحديثه، فالحضارة الإنسانية واحدة تختلف مع الازمان ولكنها دائما ذا صبغة عالميه. الخلط كما حدث ببعض دول الربيع العربي الاول بين الحضارة الواحدة والثقافات المختلفة أدى إلى ترعرع اتجاهات متطرفة عنيفة وأفكار متخلفة تسحب المجتمع إلى الخلف تحت شعار خصوصيه الحضاره العربيه أو الاسلاميه، بينما لا توجد هناك أي خصوصيه لأي شعب مهما كان باطار المفهوم الحضاري بينما توجد خصوصيات ثقافيه كثيرة ومهمة تنوع المجتمعات وتزيدها بريقا كالادب والبناء والتعبير الفني وغيره، لا يمكن التمييز بحق المرأة بالارث مثلا او بتولي مناصب قيادية بحجة أنه جزء من الثقافة العربية بل هو جزء من حضارة سابقة لم تعد موجودة حاليا بأي مكان.

لا توجد دولة ديمقراطية على وجه الارض تبنت مفهوما حضاريا خاص بها من اليابان البوذية إلى البرازيل الكاثوليكية أو جنوب افريقيا باعراقها المختلفة أو دول الاتحاد الأوروبي بماضيه المسيحي وحروبه الدينية.

الدستور التوافقي المتناغم تماماً مع قيم حقوق الإنسان حيث لا يمكن ان يحتوي الدستور على مواد تتنافى مع هذه القيم هما أسس أي دولة تبحث عن الثبات السياسي والاجتماعي كي تتفرغ للبناء، ولكن هذان الاساسان قد تنهار أمام أطماع مجموعه من الناس ذوي الاهداف الخاصه والذين يحاولون إعادة عقارب الساعه إلى الوراء، من سيمنع إذا انتكاسة كهذه، النموذج الروسي او المصري واضح بذلك

وحده المجتمع المدني القوي بمفهوم المؤسسات والجمعيات المنضمة له والتي هي بطبيعتها خارج اطر الدولة الرسميه هو من يملك القدرة على تأمين استمرارية النظام الديمقراطي، وتبعد خطر الفساد السياسي أو الانحراف عن الحقوق.

المجتمع المدني الواعي يمنع المجتمع الديمقراطي نفسه من إهمال آراء وحقوق الاقليات وتبقيها حاضرة بالفعل السياسي والاجتماعي مبعدة بذلك خطر ما يسمى بدكتاتورية الأغلبية.

مؤسسات المجتمع المدني حتى بالدول الديمقراطية تحافظ على تماسك المجتمع وتلاحمه وتراقب عمل الدولة والاحزاب. وحده المجتمع المدني كما نرى حاليا بثورة الشعب السوداني ومنظماته المدنية من يستطيع تثبيت أسس الديموقراطية الواعية بنفسها والمحترمة لحقوق كل مكونات المجتمع وهي برأيي من يؤمن ديمومة الدستور التوافقي وينجح بربط المجتمع والدولة الديمقراطية الناشئة بالمجتمع الدولي والحضارة الإنسانية المعاصرة

كاتب و محلل سياسي مستقل

الإعلانات

مجتمع الرمال المتحركه ومؤشرات المستقبل القدس العربي 03 تموز 2019

مجتمع الرمال المتحركة ومؤشرات المستقبل

أظهرت دراسة إحصائية حديثة للباروميتر العربي، نُشرت بالـ «بي بي سي» (المركز الإعلامي البريطاني) الشهير، صورة مُغايرة للشباب العربي، عما هو مُتوقع. المؤشر يُظهر فقط، الوضع الراهن، كما تتصوره العينة المُختارة، بمعايير علمية مُعبرة عن الكل المجتمعي. هي إذاً صورة لحظية وليست حلولاً مطروحة. الذين لم يفهموا التاريخ والمجتمع، بمفهوم علمي، مبني على دراسة الظواهر والتطورات البطيئة، هم من لم يتوقعوا هذه الصورة، المجتمع وخصوصاً الأجيال الجديدة، تختلف دائماً عن الأجيال السابقة، وهي ترجمة لظاهرة التأقلم مع المُعطيات المحلية والعالمية المُتطورة دائماً، فالزمن لا يتجمد، والحدث مهما كان مهماً، لا يخلق التاريخ ولا يُغير المجتمع.

الحروب والتغيرات السياسية

التاريخ إذاً، ليس مجموعة من الأحداث الكبيرة والمهمة، مثل الحروب والتغيرات السياسية العنيفة، وإنما هي مجموع التغيرات البطيئة المتراكمة، والتي تؤدي إلى التغيير العميق والتطور، والتراكمات التي حدثت بالوطن العربي، منذ أكثر من ثلاثين عاماً، هي التي أدت إلى تغيُر في رؤية وممارسة الأجيال الجديدة، وأدت إلى الربيع العربي. نذكر منها: ازدياد التعليم خصوصاً للنساء، واللواتي دخلن عالم الجامعات والعمل، بل أصبحن في بعض التخصصات أكثر من الرجال. الانخفاض الكبير بنسبة الخصوبة، بسبب رفض المرأة الجديدة البقاء بالبيت والاستمرار بالمهام المُناطة بها كالإنجاب والترفيه عن الرجل، مُعدل النسبة الحالية للإنجاب العربي، لا يتعـدى المستويات العـالمية، ولا حـتى الأوروبيـة.
تطور العلمنة الاجتماعية بمفهوم خروج معظم النشاطات، مثل العمل والتعليم، من دائرة الدروس الدينية والزوايا، إلى دائرة المعرفة الإنسانية، فالطب والهندسة والاقتصاد وباقي المهن، تعتمد على العلم الإنساني وليس على خوارق الغيبيات والعقل الخرافي، ولم يعد هناك عملياً مكان لدراسات علمية دينية.

الإيديولوجيات التقليدية

البدء باستبدال الإيديولوجيات التقليدية الجامدة الشمولية، السائدة حالياً، بقيم حقوقية نسعى لتحقيقها مرتبطة بالمحافظة على حقوق المواطن، الفرد الإنسان والذي يجب أن يكون هدف كل سياسة وعمل اجتماعي والمصدر الوحيد للشرعية. كما أن تطور بنية المجتمع المدني عن طريق بناء جمعياته ومنظماته، بعيداً عن الأُطر الرسمية للدولة والأحزاب السياسية، رغم القمع السياسي والمعيقات التي تُوضع أمامه.
الثورة المعلوماتية التي فتحت الآفاق أمام الشباب، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي نافذة على العالم لآ يمكن اغلاقها، وهو ما حدّ من انتشار الفكر الواحد غير القابل للنقاش وهز الايديولوجيات السائدة، وأوصل نجاحات الشعوب الأخرى للشباب العربي الساعي للانعتاق.
التحول التدريجي بالمُمارسة الدينية، من ممارسة اجتماعية مُراقِبة عامة مُعلنةٍ، إلى ممارسات فردية شخصية، كل يمارس دينه كما يشاء، بدون اتباع العلماء والشيوخ، رغم كثرتهم على صفحات الفيس بوك. كذلك اتساع مساحة المُمارسة الشخصية الفردية باللباس والطعام ونوعية العلاقات الاجتماعية.
تراجع التدين حسب استطلاع الباروميتر العربي، ولو بنسبة قليلة، هو حقيقة، تقدم لقوى الحداثة الشبابية، التي لم تعد تقبل تدخل الدين ورجال الدين، بالحياة العامة والسياسة والاقتصاد، وكل صغيرة وكبيرة، وتبرر ظلم الحكام. البحث عن أسباب ذلك، كظاهرة سلبية يجب علاجها، هو برأيي خطأ، فهي على العكس ظاهرة صحية، تضع الأمور بمكانها، فالدين لم يعد له مكان بالسياسة والعلم بأي دولة بالعالم تدعي الحداثة، الصحيح أن مؤشر التدين يتزامن دائماً مع زيادة الجهل والظلم الاجتماعي، ويتناقص دائما مع تحسن مستوى الحريات العامة وارتفاع مستوى التعلم كما نرى بدول عديدة بالعالم. وهو ما يظهره المؤشر المذكور عند الطبقة الوسطى المتعلمة، والتي كانت موضوع الدراسة الإحصائية المذكورة.

الممارسة الفردية

الانتماء الديني قد يكون جزءا من الهوية الوطنية أو الممارسة الفردية، ولكنه ليس جزءاً من الفكر العلمي أو الفكر السياسي لتنظيم المجتمع خارج القواعد العامة المتفق عليها انسانيا. عودته إلى وضعه الطبيعي، أي الدعوة للقيم الإنسانية العامة والتضامن، هو موقعه العادي، وليس إقحام نفسه بالتنظيم الاجتماعي والسياسي للمجتمع، وهذا ما قد يحافظ على استمرارية الهوية الدينية على مدى طويل، ويترك مجالا للتدين داخل إطار الدولة الديمقراطية. ظهور التطرف الديني خلال السنوات الأخيرة والتشدد مع استعمال العنف، لتطبيق تعاليم الدين، ما هو بالحقيقة إلا انعكاس لتخوف الاتجاهات الدينية على نفسها من الانقراض، وهي ترى طبقة الشباب تبتعد عنها رويداً رويداً، هو إذاً نوع من أنواع التمترس في مجتمع متحرك ومتغير.
هذه التحولات وغيرها كثيرة، لم يتبعها تغيير بالنظام السياسي القمعي الأبوي، والذي تحجر تماماً ولا يرى أي تغيير، مما يزيد التناقض بين هذه الطبقة الوسطى، الآخذة بالاتساع، والساعية إلى التواصل مع العالم، والانفتاح على الآخر، وبين هذه الأنظمة. النتيجة طبعاً ما نراه حالياً من انفجارات وثورات وما يتبعها من قمع وحروب، بين الجديد الطارىء، والقديم المتمكن بوسائل الاقتصاد والحكم المتمسك بالسلطة.
أشياء أخرى كثيرة ذكرها هذا الاستقصاء الإحصائي، كوضع الديمقراطية بالدول العربية وتراجعها، وبشكل خاص الرغبة بالهجرة إلى الخارج، المرتبطة بعوامل اقتصادية، وانهيار منظومة الحريات العامة. هجرة الشباب أو البحث عن الهجرة، هي أكبر مؤشر على فشل النظام السياسي العربي، ونظام الدولـة القطـرية العربيـة.
فهم مشاكلنا هو بيد شبابنا وطبقاتنا الوسطى، طبقة المتعلمين، رغم قلة عددهم النسبي، إلا أنها هي المُحرك الأساسي للتغيير. وعيهم بصعوبة المرحلة ورغبتهم العارمة بحياة حرة وكريمة، هي التي ستؤدي، عاجلاً أم آجلاً، إلى التغيير السياسي المأمول، الذي سيكون بداية الحل لمشاكل المجتمع وهمومه.

محلل ومراقب سياسي مستقل

كلمات مفتاحية

تونس ومصر الأبيض والأسود… دروس النجاح والفشل

تونس ومصر الأبيض والأسود… دروس النجاح والفشل

القدس العربي 26 حزيران 2019

د. نزار بدران

ثورتا السودان والجزائر أظهرتا بوضوح استيعابهما لدروس الماضي القريب، خصوصاً الحصاد الكارثي للثورة المصرية من جهة، والنجاح البراق للثورة التونسية من جهة أخرى. هما إذن صورتان متناقضتان، لكنهما بالنسبة للثورات، تعتبران لحسن الحظ، خارطة طريق لنعرف ماذا يجب أن نفعل (تونس)، وماذا لا يجب أن نفعل (مصر).
هاتان منارتان للثورات كل على طريقته، فالأولى تنير الطريق الصحيح، والثانية تمنعك من الوقوع بالحفر الكثيرة التي تملأ تلك الطريق. انتهى الأمر بالثورة المصرية لحكم عسكري، قلّ أن ترى أنظمة بمستوى تجرده من أي خُلق، وتحليه بكل صفات الإجرام، وآخر صيحاته مقتل الرئيس المنتخب الوحيد في تاريخ مصر الشهيد محمد مرسي.
تعلمنا الثورة التونسية أن النصر بحاجة لتوحيد الشعب بكامله، وراء مجتمع مدني مزدهر قوي، تعلمنا أيضاً أنه لم يعد من مكان للأيديولوجيات، في زمن المطالبة بالحقوق الأساسية للإنسان التونسي، بالحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة، تعلمنا أن المرأة هي نصف المجتمع عددياً وحقوقياً، قيادة ودراسة وإبهاراً وإنتاجاً، تعلمنا السير في طريق الحداثة، والابتعاد عن قيم عتيقة أكل الدهر عليها وشرب، لا تمثل إلا اضطهاد الآخر واحتقار المرأة، وسرقة حقوقها وتطبيق شريعة السلطان الحاكم والرعية الطيّعة، حتى الحركة الإسلامية التونسية أظهرت حداثة وانسجاماً نسبياً وتأقلماً مع مجتمع الثورة ومطالبها.
تعلمنا الثورة المصرية، أن تفاهم الثوار مع العسكر وبقايا النظام السابق، هو كارثة، وأن الفكر الإصلاحي لا يصلح في زمن الثورات، وحده إزالة النظام وكل أعمدته وبكل اشكاله، هو ما يمهد الطريق إلى النصر.
تُعلمنا الثورة المصرية، أن من يتحالف مع العسكر وبقايا النظام من الليبراليين واليساريين وأحزاب المعارضة التقليدية، لا يغيّر من طبيعة النظام العسكري، ولا يسمح بالانتقال السلمي للسلطة، تُعلمنا أن الأولوية هي لبناء الدولة الديمقراطية، وليس الاستيلاء على السلطة.
تُعلمنا الثورة المصرية، أن فقدان الفكر المستقل والارتماء بأحضان الأحزاب التقليدية بكل اشكالها، دينية أو علمانية، يسارية أو يمينية، لا يؤدي إلى نصر، هؤلاء لم يتمكنوا على مدار عشرات السنين إلا إنتاج شكل النظام المستبد نفسه حينما استلموا السلطة.
تٌعلمنا الثورات كلها على امتداد الأرض العربية، أن تحالف قوى الثورات المضادة، مهما كانت خلافاتها الظاهرية، هو تحالف دائم وقوي ومدعوم من كل قوى الظلم والاستبداد في العالم، ويمتلك ترسانة أموال طائلة لقتل ووأد الثورات، وهو ما يعني أنه يجب على ثورتي السودان والجزائر أن تتضامنا وتتكاتفا، بوحدتهما وسلميتهما ووحدة أهدافهما ووسائلهما، وذلك هو طريقهما إلى النصر، وهي تَعلَم جيداً أن فشل وسحق أي ثورة هو المقدمة لسحق وتدمير الثورات الأخرى.
نرى اليوم إصرار الثوار في السودان، على رفض مشاركة العسكر بقيادة المرحلة الانتقالية، وعنف رد المجلس العسكري، بفض الاعتصام وقتل العشرات، لهو دليل على صواب موقف الثوار.
نرى أيضاً في السودان والجزائر، رفض التيارات الدينية، حتى الوسطية، وليس فقط تلك التي شاركت في السلطة، وهذا دليل على نُضج الفكر الثوري، والتوجه الأكيد نحو قيم جديدة للثورات العربية، ترفع شعارات المواطنة والسلطة المدنية، وتعايش الأجناس والأديان، واضعة هكذا أُسس بحيث تعود الأمة، إلى قيم الحضارة الإنسانية الشاملة، مُبتعدة عن الفكر السلفي، الراكض إلى الخلف، بحثاً عن أزمانٍ ذهبية قبل مئات السنين، وكأن التاريخ قد توقف عندها.
هناك دروس كثيرة نتعلمها من تونس ومصر، وباقي الثورات العربية، ولكن هناك أيضاً العديد من الدروس التي نتعلمها من شعبي السودان والجزائر، وقد خطّا مساراً جديداً حداثياً، لثورات الربيع العربي الثاني، تختلف جذرياً عن ثورات الربيع الأول. يبقى على الثوار أن يُحددوا بأنفسهم، ما يحملونه من فكر، وما يسعون لتحقيقه من أهداف مُشتركة، خصوصاً في هذا الزمن الذي يجري فيه تغييب ومطاردة الكلمة الحرة والفكر المستقل، وكثر فيه المطبلون والمشكّكون بجدوى الثورة، والذين باعوا قلمهم وضمائرهم بأبخس الأثمان.

محلل ومراقب سياسي مستقل

دروس أولية من الثوره الجزائريه

دروس أولية من الثورة الجزائرية… الثورة اليقظة

القدس العربي

12 – أبريل – 2019

د. نزار بدران

الثورة الجزائرية السلمية الشعبية، والتي تمكنت حتى اللحظة، من زعزعة النظام، وإقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقه، هي حدث تاريخي بكل معنى الكلمة، وتأثيرها على المنطقة العربية ودول أخرى بالعالم، سيكون عميقاً وكبيراً. فالشعب الجزائري بعفويته، استطاع أن يُعطينا دروساُ، بالحنكة السياسية والعمل الفعال الخلاق، لم يكن بالإمكان توقع حدوثه، ولا حتى من أعتى أخصائيي السياسة وعلم المجتمع.

مدرسة الأجيال

ماذا نستطيع لحد الآن الاستخلاص من هذه الدروس، وقد تصبح مدرسة للأجيال والشعوب الأخرى؟. أول هذه الدروس، هو أن لا شيء يقهر إرادة الشعب، عندما يكون موحداً، وبعيداً عن الطائفية، فالشعب الجزائري بعربه وبربره، خرج كرجل واحد وروح واحدة، يهتف طالباً الحرية والديمقراطية، واضعاً إسقاط النظام، كل النظام، هدفه الوحيد، الطائفية التي تعم دولاً في المشرق العربي كالعراق وسوريا، بين الشيعة والسنة، والأكراد والعرب والعلويين، هي أحد أسباب فشل الحراك الثوري الديمقراطي، الدرس الجزائري، سيكون لهذه الشعوب، مصدر إلهام لسلوك طريق الصواب، والاتحاد لإسقاط الأنظمة الاستبدادية.
لم يقبل الشعب الجزائري، بسقوط رمز النظام، أي رئيس الجمهورية، بل أصر على إسقاط الزمرة الحاكمة كاملة، مُتهماً إياها بكونها عصابة، ولا يقبل أن يترك مصيره بيد العسكر، حتى ولو أظهر قائد الجيش تعاطفاً مع الثوار، فهو واع بكون هذه القيادة، مُعينة أصلاً من النظام وهي جزء منه. هذا ما لم يحدث بمصر، عندما ترك الشباب ساحات النضال، بمجرد سقوط مبارك، تاركين للعسكر مُهمة استكمال المشوار، ونعرف جميعنا الآن إلى أي مكان ومنزلق خطر أرسلنا هذا المشوار.

تفريق المتظاهرين

وُلوج الحركات الإسلامية، ومنهم الإخوان المسلمون، واختراقهم لثورات الربيع الأول مع فكرهم الإصلاحي اللفظي، هو ما أدى إلى وُصول الجيش للسلطة، وتمسكهم بها، وعودة الديكتاتورية العسكرية لحكم مصر، هذا ما لا نراه حالياً في الجزائر، حيث يتميز الإسلاميون باختفائهم تقريباً عن الساحات، ورفض الشارع الجزائري، إعطاءهم مساحة سياسية للتأثير بالأحداث، والقليل منهم الذين يظهرون على شاشات التلفزة، يُغردون خارج سرب المتظاهرين، ويطرحون أفكاراً وسطية، تقبل التعاون مع جزء من السلطة، بدل الفكر الثوري التغييري الشامل للشعب الثائر.
لقد أدى فكر الحركات الإسلامية في دول المشرق العربي، إلى تطور التطرف الديني، وظهور الجماعات الجهادية، واستعمال العنف التكفيري، ليس ضد السلطة الظالمة، ولكن ضد الثوار أنفسهم، وفتح الباب لعودة الثورة المضادة وانتصارها كما رأينا في سوريا.

نزول ملايين المتظاهرين الجزائريين دفعة واحدة، وبكل جمعة، أفسد على السلطة إمكانية استعمال القوة لتفريق المتظاهرين وقمعهم، الحجم الهائل للمظاهرات وتنوعها وانتشارها بكل البلاد، كان الوسيلة المُثلى، لحشر النظام وقواه القمعية بالزاوية، وبالتالي استسلامه بالنهاية.
وهذا ما فطن إليه متظاهرو السودان، والذين اتبعوا حديثاً الأسلوب الجزائري، أي وضع الكثافة العالية للمتظاهرين، لإبطال مفعول العنف المُتوقع من الجيش أو الشرطة، مُضافاً إلى السلمية والانتظام التام، وعدم مهاجمة رموز السلطة، كمؤسسات الحزب الحاكم أو الإدارات الأمنية.
من الدروس المهمة أيضاً، الاعتماد على المجتمع المدني ومنظماته المهنية، حتى ولو لم تكن مُعترفا بها، لتنظيم وإدارة الحراك، بدل الأحزاب السياسية، فالمجتمع المدني يحمل تطلعات الشباب الحقوقية، برفع الظلم والعدالة الاجتماعية والحرية، مُبتعداً عن الفكر الحزبي الضيق، الذي لا يهتم إلا للوصول للسلطة وتحديد هويتها الإيديولوجية، بدل بناء الدولة، وهذا ما يفسر فشل الأحزاب الذريع بكل الثورات العربية.
رفع شعارات الحضارة الإنسانية الحديثة، وبناء دولة ديمقراطية مُنفتحة على العالم، والتي لا تفرق بين أبنائها، مهما كانت لغاتهم ودياناتهم وأجناسهم، ولا تفرق بين المرأة والرجل وتحفظ حقوق الإنسان، مُبتعدة هكذا عن الإدعاء بالفكر الخاص بالعرب أو بالمسلمين، المُنطوي على نفسه والدافع نحو التفرقة والصراعات التي لا تنتهي. حتى أن رفض التدخل الخارجي، بكل أشكاله، كان واضحاً بشعارات المتظاهرين، قاطعاً الطريق على نظرية المؤامرة، التي عمت الثورات العربية الأخرى.

الصبغة النسائيه

الصبغة النسائية الواضحة والقوية، للحراك الجزائري، ونراه أيضاً في الثورة السودانية الحالية، هو دليل على أن المرأة العربية، لم تعد تقبل البقاء بالبيت بانتظار ما سيفعله الرجل لها، بل تأخذ زمام الأمور وتبادر للمشاركة، بل لقيادة الحراك الثوري، وهو ما يعطيه فكراً وبُعداً أكثر واقعية، ويبتعد عن العنتريات الرجولية، والفكر المحافظ القامع لحقوق الإنسان.
تحديد الدول المُعادية للثورات العربية بأسمائها، وإظهار وعي المتظاهرين بدورها ورفضهم لتدخلها، حتى ولو حاولت دول مثل السعودية والإمارات، إعطاء الانطباع بتفهم الحراك بالإعلام، بينما هي بالخفاء، تحاول استنساخ التجربة المصرية وإيصال العسكر إلى السلطة.

العلم الفلسطيني

يرفع المتظاهرون الجزائريون، العلم الفلسطيني بشكل قوي، وهو العلم الوحيد تقريباً المرفوع خارج العلم الوطني أو الأعلام الجهوية، وهذا ما يُفزع برأيي كل دعاة الشؤم في العالم العربي وباقي العالم، ممن يدعون أن القضية الفلسطينية قد تم نسيانها، وهي بطريق الاحتواء التام، وأن الشعوب مشغولة بثوراتها، ولم تعد تهتم بفلسطين. رفع العلم الفلسطيني بجانب علم الثورة الجزائرية، يوصل رسالة من الشعب الجزائري الثائر بالملايين، أن قضية فلسطين بالنسبة له، هي قضية داخلية خاصة مثل قضاياه الداخلية الأخرى كالحرية والعدالة الاجتماعية، ويعتبر الشعب الجزائري أن فلسطين هي جزء منه، ولن يقبل المساومة على قضيتها، وهذا هو الشعور الشعبي العربي العام، وهو ما يحفظ لفلسطين أمل التحرير، بعد زوال الأنظمة المافياوية الحاكمة، والتي لا تُمثل أبداً بسياساتها تطلعات شعوبها، لتحرير هذه البقعة من الأرض العربية، وتُعيد مركزية القضية الفلسطينية بقضايا الأمة.
الثورة الجزائرية ستُعلم وتُلهم باقي الشعوب العربية وغيرها، وتضع لهم خريطة طريق وأسلوب الثورة الناجحة الفعال، وهي التي تعلمت من دروس وأخطاء الربيع العربي الأول وعرفت كيف تتفاداه.

كاتب ومحلل سياسي

الربيع العربي وهدف استكمال الاستقلال الوطني. القدس العربي

الربيع العربي… وهدف استكمال الاستقلال الوطني

12 – مارس – 2019

نعيش الآن على عتبة مرحلة جديدة من مراحل الربيع العربي، فالجماهير الثائرة في السودان والجزائر، وكذلك التَمَلمُل في دول عديدة أخرى بما فيها مصر، يدل على أن ثماني سنوات من الحرب السورية، أو سنوات الحرب اليمنية، وحروب داعش وتدخل كل قوى الأرض، لمنع ثورات الشعوب، لن تُجدي شيئاً.
حيث أن المُطالبة بالتغيير في دولنا، يُنظر إليه من قِبل السلطات المستبدة، ومن قِبل كثير من المثقفين والإعلاميين والدائرين في فلكهم، وكأنها فتح باب العودة للاستعمار، بعدما خرج من بلادنا والحمد لله، في القرن الماضي.

الاستعمار الجديد

لكن الناظر لما حدث من دحر الاستعمار وإقامة الدولة الوطنية العربية، يرى أننا قد نكون أنهينا حقاً الوجود الاستعماري، ولكننا لم نحصل على الحرية، فهذه الأنظمة التي ورثت هذا الاستعمار، هي بالحقيقة امتداد له.
أحد المتظاهرين في الجزائر، حمل يافطة يُطالب بها بإسقاط استعمار الشعب، هو على حق، فنحن ما زلنا نعيش تحت الاستعمار، وربما بشكل أسوأ مما كان عليه الوضع زمن التواجد الغربي، فسرقة البلاد لصالح طُغمة مُستبدة، والغياب التام للتنمية الاقتصادية، أو أي قطاع من القطاعات الاجتماعية، والانتفاء الكامل لوجود أي شكل من أشكال الحرية، والغياب التام للرأي العام، وتبذير المال العام والفساد، وضعنا بوضع أسوأ مما كنا عليه زمن الاستعمار الأجنبي. فالعديد من الدول عبر العالم، كانت أضعف وأفقر منا، تجاوزتنا بأشواط عديدة، ونحن ما زلنا نعبد أصنام المجاهدين، الذين حرروا الجزائر، أو عسكر مصر وسوريا والـسودان وغيـرهم.

حقوق الإنسان

أقنع هؤلاء، ومعهم المثقفون الوهميون، الذين يُنيرون لنا طريق الرشاد، ولكن إلى جهنم، أقنعوا آباءنا أن الديمقراطية والحرية ومساواة الرجل والمرأة وحقوق الإنسان والانتخابات الحرة، هي أحد ظواهر الاستعمار، والتي وجب انسحابها معه عند الاسـتقلال.
كذلك فإن هذه الأنظمة تحاول إقناعنا أن قيم الاستبداد والانفراد بالسلطة، وسرقة الثروات والتمييز بين الناس وتهميش المرأة، هي قيم ديننا الحنيف وجزء من عاداتنا وتقاليدنا. وللأسف فإن كثيرين ساروا على هذا الدرب، ودعموا الأنظمة الاستبدادية، أو أوجدوا أحزاباً سياسية بهدف الوصول إلى السلطة خارج أي طريق ديمقراطي، كالأحزاب القومية أو الدينية.

النخب السياسية

جيل الربيع العربي وجيل ثورة تونس لعام 2011، وجيل شباب السودان والجزائر ومصر، وأجيال العرب الجديدة، بكل دولهم، فهموا أن الديمقراطية والحرية وقيم حقوق الإنسان، هي قيم إنسانية وليست مُلكاً للغرب، ولا تُعبر عن خصوصية ما هي حكر عليه، وإنما هي سمة الحضارة الحالية، ولا يمكن لأي شعب أن ينهض إلا بها.
عندما انسحب الاستعمار من دول عديدة بالعالم، لم يكن فقط نتيجة هزائم عسكرية كالجزائر، وإنما أيضا نتيجة تطور الوعي الشعبي الغربي، الذي لم يعد يقبل أن لا يتمتع أبناء الدول المُستعمرة، بحقوق المواطن الغربي نفسها، بدل الاستمرار وفق النظام السائد، والذي كان يُميز بشكل كبير، بين المُستوطن الغربي وإبن البلاد الأصلي (كما يحدث بفلسطين حاليا)، وهو النظام الإمبراطوري الذي كان سائدا.
النُخب السياسية الغربية بزمنها، وجدت نفسها بين نارين، إما القبول بالمساواة بالحقوق، مع نشأة الدولة الحديثة وانتهاء الإمبراطوريات وتطور وعي الشعوب المستعمرة بحقوقها، أو التخلي عن الوجود الاستعماري.
وتأكيدا لذلك، فإن المناطق التي ما زالت تحت السيطرة الفرنسية مثلاً، في إفريقيا أو في بحر الكاريبي أو في المحيط الهادي القليلة السكان، لم تعُد تُعتبر مناطق مُستعمرة وبها مستوطنون أسياد وعبيد كما كان سابقاً، بل مناطق فرنسية عادية، كأي مقاطعة بفرنسا، بالحقوق والخدمات نفسها للجميع، ولا توجد أي حركة استقلالية فعالة على الإطلاق في هذه المناطق (آخر انتخابات حصلت في كاليدونيا الجديدة أكدت على بقائها داخل فرنسا). هذا هو الشأن أيضاً بخصوص الأراضي التابعة لهولندا أو غيرها من الدول الأوروبية.
عندما تم دحر الاستعمار بالجزائر ومناطق أخرى، ألقينا للخارج كل القيم التي تُبنى عليها الدولة الحديثة، وأعدنا أنفسنا تحت استعمار الاستبداد الداخلي، والذي لا يجد أي حرج بالتعامل مع الدول المُستعمرة سابقا ويبيعها النفط والثروات، لإغناء ضباطه وطبقته الحاكمه، بدل استعمال ذلك النفط لبناء الوطن، كما تفعل النرويج أو بريطانيا أو الولايات المتحدة.
الأنظمة الاستبدادية، هي حليف ورديف الاستعمار، والتي أنهت مشكلته الديمغرافية والحقوقية، حتى لا يُصبح مئات ملايين من الناس، مواطنون بهذه الدول الغربية، وأمنت له كل ما يحتاجه، وأفضل من السابق، حيث لم يعد عليه أي كُلفة أو التزام. ففي بعض الدول، أعادت لنا هذه الأنظمة، الاستعمار المباشر كسوريا بشار الأسد، أو قسمت البلاد وأنهت ثرواته كالسـودان.
انتصار ثورات الربيع العربي، والبدء ببناء الديمقراطية الحقيقية، والدولة الحديثة، هي التي ستكون حقاً، الحلقة الأخيرة لإنهاء الاستعمار، لأنها ستبني أنظمة سياسية تُعامل الدول المُستعمرة سابقاً، من مِنظار الند للند، وليس من منظار التابع والمتبوع، نحن إذاً حالياً في شوارع الجزائر والسودان وغيرها، نبني دولنا المُستقلة حقاً، والمتظاهر الجزائري، بلافتته الصغيرة، فليسقط استعمار الشعب، هو على حق، واختصر تماماً المأزق الذي نعيشه.

كاتب ومحلل سياسي

البحرين الثوره النقية

البحرين الثورة النقية
د. نزار بدرن 28/02/2019

تحتفل البحرين بالرابع عشر من شباط، بذكرى انطلاق الاحتجاجات المطالبة بالديمقراطية، بعام 2011، والإصرار على الاستمرار، رغم الرد العنيف للسلطات، مدعومة من الجيش السعودي والإماراتي، والتي وضعت نهاية دموية، لهذا الحراك الشعبي، دون التمكن من إسكات المطالبين بالحرية، رغم زجهم بالسجون، وإسقاط الجنسية عن اللاجئين السياسيين بالخارج، والتضييق على جمعيات المجتمع المدني، والمدافعة عن حقوق الإنسان.
يتميز الحرك البحراني، بكونه أبعد ما يكون عن العنف، فقد استمر المحتجون بالنضال السلمي، رغم كل وسائل البطش والاتهام بالإرهاب وارتباطهم بإيران
هذه طبعاً، أمنية السلطة وليست الحقيقة، فالثورة البحرانية، هي ناصعة البياض وشديدة النقاء، تُقمع ولا تَقمع، تُتَهم بالطائفية، ولكنها لا ترفعُ، إلا شعارات الديمقراطية والأخوة، والدليل على ذلك، أن إيران الجارة الشيعية، لم تجد أكثر من الكلام الفضفاض لدعمها، رغم دخول الجيش السعودي، وقمعه الشديد للمحتجين. السلطة الإيرانية، والتي هي حقاً، سلطة طائفية، لا ترى بعين الرضا أي حراك ديمقراطي، خوفاً من العدوى، التي قد تصيب شعبها، الشعب البحراني، يرى الدعم العسكري للحوثيين باليمن، لأنه يهدف لإغراق البلاد بالدماء، عقاباً للشعب اليمني على ثورته، وليس تاييداً لقوى الثورة، إيران لا ترى غرابة، أن تدعم الحوثي البعيد، والذي هو أصلاً ليس شيعي، بل أُدخل قصراً بهذه الطائفة، بينما الغالبية الشيعية بالبحرين، لا تستحق أي دعم، لأنها حقاً وطنية ديمقراطية، تمثل نقاء الربيع العربي الحقيقي

الاحتجاجات الديمقراطية بالبحرين، لم تكن بمحض الصدفة، وإنما لماضٍ حافلٍ بالعمل الاجتماعي والمطالبة بالحقوق، كانت البحرين أول دولة تحصل على الثروة النفطية، وأول دولة تُنظمُ بها انتخابات محلية، ببداية القرن الماضي، وتعترف بحقوق العمال، بعد نضال نقابات عمالية قوية، تَبِعت الحرب العالمية الثانية
افتتحت البحرين بعام 2001، الحوار الوطني بين السلطة والمعارضة، بعد بضع سنوات من وصول أمير جديد للسلطة، وتم التوافق على عريضة، حصلت على دعم الأغلبية الساحقة من أصوات الناخبين، تجاوزت التسعين بالمئة، وكانت تنص على إجراءات ليبرالية، والسماح بعودة المنفيين السياسيين.
لكن لسوء الحظ، انقلب الوضع عام 2002، بعد أن عين الأمير نفسه ملكا، ووضع دستور جديد للبلاد، يؤكد على حكم الملكية المُطلقة.
اندفاع البحرين إذاً، للالتحاق بثورات الربيع العربي بعام 2011، كان له خلفية واضحة، وهو فقدان الثقة بعائلة خليفة، المُسيطرة على الحكم منذ القرن الثامن عشر، ومصادرتها لكل السلطات والثروات المتوفرة.
أدى منع الأحزاب السياسية، لتكوين جمعيات سياسية، أهمها الجمعية الإسلامية للوفاق، والتي كان لها انتشار وتأييد واسع، خصوصاً بالأوساط الشيعية، وهي الأغلبية الساحقة من السكان، حيث يمثلون 70 % ، استطاعت الوفاق الحصول على 64 % من الأصوات،بانتخابات2002 ونجحت حتى بالمحافظات، التي لم تكن نظرياً من مؤيديها، هذه الاحتجاجات إذاً، ليس لها بُعد طائفي، كما حاول النظام إظهاره، وإنما بُعد سياسي اجتماعي حقوقي. ورغم الحصول على أغلبية الأصوات، إلا أن تقسيم الدوائر، وحق الملك بتعيين أربعين عضواً، لم يسمح لهم بالحصول على الأغلبية بمجلس النواب، يُضاف لذلك السماح لسعوديين، لا يسكنون المملكة، التصويت بالانتخابات، تحت مُسمى الحق التاريخي لهم. من ناحية أخرى تم إبعاد البحرانيين من أصول شيعية، عن المناصب المهمة، وحصرها تقريباً بالمناطق السنية. لم يحصل الوفاق إلا على 18 مقعداً من أصل 80، ومع ذلك اعتبر ذلك كثير عليهم.
العائلة المالكة تُسيطر على المناصب المهمة، وليس فقط منصب الملك، القاعدة الاجتماعية للنظام هي الأقلية السنية، رغم أن هذه الطائفة أيضاً، تخترقها أصوات المحتجين، كما أن جزئاً من الشيعة تتعاون مع النظام، لإعطاءه صِبغة وطنية.
أصبح باقي الشعب موضوع لاضطهاد دائم منذ بداية الاحتجاجات، تم فصل كثير من المعلمين، وطرد كثير من الأطباء، لأنهم شاركوا بالتوقيع على عرائض شعبية، وسجن بعض قادة الحراك المهمين
السكوت الخجول للولايات المتحدة، كان بسبب الدور المهم لهذه الدويلة، حيث يقع بها مركز القيادة الأمريكية بالمنطقة والأسطول الخامس، بالإضافة إلى ذلك، لم يرق للملكة السعودية أن يصل الربيع العربي إلى دول الخليج، فدفعت بقواتها لقمع الحركة الاحتجاجية بالتعاون مع الإمارات، رغم أن الوضع السياسي كان قد بدء بالتحرك، ووافق المُحتجون بقيادة الحراك، على العودة للحوار الوطني، بناءا على برنامج عمل بموافقة الأمير نفسه، مكون من ستة نقاط
استعادة حقوق البرلمان
تعيين حكومة تمثل غالبية الشعب
تحديد أكثر توازناً للمحافظات والدوائر الانتخابية
انهاء الفساد وسيطرة النظام على الثروة
انهاء التمييز بتعيين الموظفين
تحقيق مستقل عن قمع المظاهرات لعام 2011
ولكن هذا الحوار قُطع نتيجة التدخل العسكري الخارجي.
كما نرى فإن هذه المطالب، هي عقلانية، ولا تنُم عن أي تطرف أو فكر طائفي، وكلُ ما قِيل عن الدعم الإيراني، هو أكاذيب، فالنموذج الإيراني لم يكن يوماً جذاباً للغالبية الشيعية، والتي ترى نفسها أقرب من شيعة جنوب العراق منهم لإيران. حتى أن لجنة التحقيق البرلمانية، المُعينة من طرف الملك، برأت إيران من كل الشكوك والظنون، بتدخلها بأحداث البحرين، وذلك بتقريرها بشهر نوفمبر لعام 2011، ويحتوي هذا التقرير على 176 توصية لفتح حوار وطني، والذي لم يُفتح أبداً، ولا يُذكر إلا أمام مجلس حقوق الإنسان مرة بالسنة بشهر أيلول لدراسة تطبيقه.
سلمية الثورة البحرانية، رَغم عنف السلطة وابتعاد الدول الأخرى عنها، يُعطيها بجدارة لقب الثورة النقية.
مُحلل سياسي عربي

الربيع العربي بعد ثماني سنوات الشرح والتحليل بدل القدح والتضليل

الربيع العربي بعد ثماني سنوات
الشرح والتحليل بدل القدح والتضليل
د. نزار بدران 25/02/2019
نحتفل بهذه الأيام بذكرى انطلاق الربيع العربي، والثورات المُتتابعة بعديد من الدول العربية، هو أشبه بالزلزال، الذي لم تهدأ إرتداداته، بل هي في طريق التزايُد والتفاعل، تهبط حيناً وتتصاعد أحياناً أخرى.
أظهرت الثماني سنوات الأخيرة، حجم الشرخ بين الجماهير العربية وبين حكامها، نظرية المؤامرة التي تظهر عند كل حدث، لا مكان لها بتفسير حراك الشباب العربي بنهاية عام 2010 من تونس.
هناك نوعان من التاريخ، ذلك الذي يدرس الأحداث ويحللها ويجعلها مصدر التغيير، وهناك التاريخ الذي يدرس المجتمعات والبيئة وتطورها التدريجي البطيء، الأول يرى الفقاقيع على السطح، ويظن أنها كل الحدث، بينما الثاني، لا يرى بتلك الفقاقيع إلا مظهر من مظاهر التغيير العميق الذي يحدث داخل المجتمع ويدفعه باتجاه أو بآخر، لا يمكن إذاً فهم الحدث التاريخي بدراسته وحده، بدون ربطه بالتغيرات العميقة السابقة الذكر.
الوضع الرسمي العربي
بحالة الربيع العربي، موت بو عزيزي هو حدث، وعلى أهميته ورمزيته، فهو لا يمكن أن يؤسس لثورة، بينما الأسباب التي دفعت البوعزيزي لفعلته، والتي يعيشها ملايين الشباب العربي، هي من حرك الثورات.
يتميز قمة النظام السياسي العربي، مقارنة بغيره من الدول بالعالم، بالجمود التام، وعدم درايته بأي شيء يدور بمجتمعات بلاده. فالهدف الأسمى لهذا النظام، هو بقاءه وزيادة إمساكه بمقدرات وثروات الدول التي يحكمها، هو لا يطور ويُحدث ويدرس إلا الجوانب الأمنية، فكل شيء مُركز لردع أي احتجاج أو امتعاض من أي طرف كان.
يُغلق هذا النظام عينيه عما يحدث بأرض الواقع، ويصُم أذنيه، فلا يسمع أصوات المُطالبين بالتغيير. يُحيط نفسه بأشخاص، ويُعين مسؤولين، لا يجمعهم إلا الولاء له، وليس لدرايتهم بالمهام التي يحملونها رسمياً، فوزير العمل أو المواصلات أو التعليم، مُعينون فقط للحصول على ولائهم، وما قد يمثلونه داخل المجتمع، أو لتمكينهم من الثراء، على حساب وزاراتهم، آخر ما قد يدرسونه أو يهتمون به، هو الشأن العام ومصلحة المواطنين.
هكذا نظام حكم على نفسه الانفصال التام عن الشعب الذي يدعي تمثيله. لذلك لم تكن الأنظمة العربية، ولا المثقفون الدائرون حولها، بواد توقع أحداث الربيع العربي، أو بعد حدوثه، تحليله وفهم أسبابه ونتائجه وطرق التعامل معه.
الحل الوحيد الذي يعرفونه، هو العنف، وما لا يحصلون عليه بالعنف، يظنون أنهم سيحصلون عليه بمزيد من العنف، لا مكان عملياً للعمل السياسي بهذه المعادلة التي تحكم النظام العربي، بتعامله مع الأحداث، هكذا تصرف بن علي ببداية الحراك، قبل هربه للسعودية، وهكذا فعل القذافي قبل مقتله، أو ما قام به الرئيس اليمني السابق، علي عبد الله صالح، والذي انتهى به المطاف مقتولاً أيضاً. هذا ما حدث بسوريا، مع تدمير مدن كاملة على رؤوس أهلها، ورئيس وضع بلاده تحت الوصاية الأجنبية، الروسية أو الإيرانية، مُفضلاً عودة الاستعمار، على قبول التنحي عن سلطته التي ورثها. هكذا رأينا بالبحرين، مع زج المدافعين المسالمين عن حقوق الإنسان بالسجون.
للحفاظ على بقائها، دفعت الأنظمة باتجاه الطائفية الاجتماعية، لتحويل التناقض الرئيسي، من تناقض بين النظام وجموع المواطنين المظلومين، إلى تناقض هؤلاء فيما بينهم، مُظهراً الحاكم، وكأنه وسيلة المجتمع للحفاظ على أمنه وتماسكه، وليستعيد بذلك مبرراً للبقاء.
وجود تاريخ إسلامي طويل من التناقضات الطائفية، وعدم رسوخ مفهوم المواطنة، بدل الرعية، حتى عند المعارضة، سهلت مهمة هذه الأنظمة. وما نرى حالياً بالعراق وسوريا واليمن، إلا أحد نتائج استبدال التناقض الرئيسي، بتناقض ثانوي، قاتل للشعب وحافظ للنظام.
نتيجة للعنف المُفرط، وانتشار الفقر والبطالة، حمل ملايين الناس أحلامهم وأنفسهم، وذهبوا مهاجرين إلى أوروبا وبلاد أخرى، بحثاً عن الأمن والحياة الكريمة.
يُضاف لذلك، التغييرات البيئية الناتجة عن التغيير المناخي، وتلك الناتجة من سوء إدارة السلطة للموارد، وعدم اكتراثها بالبيئة، وهو ما أدى إلى مزيد من شح الماء والتصحر، مُهدداً الأمن المائي والغذائي للسكان.
خصخصة القطاع العام لم يؤدي في ظل انغلاق الدول العربية على نفسها الا الى انتقال الاحتكار من الدولة الى اصحاب راس المال الجشعيين دون اي انتعاش اقتصادي مرجو منه, مؤديا الى تلاشي الخدمات الاجتماعية الموجودة سابقا وتدهور البنية التحتية وزيادة الفقر والشعور بالظلم.
أدت العولمة، والتي فتحت الحدود أمام رأس المال العالمي، إلى إغراق الأسواق بالإنتاج الأجنبي، مما أضعف الانتاج المحلي وزاد الفقر والبطالة.
التصحير الفكري، الذي فرضته الأنظمة على الشعوب العربية على مدى عقود، لم يكن ليسمح لخروج مفكرين وأعلام للتغيير، كما كان الحال بنهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين، أمثال الشيخ محمد عبده وقاسم أمين وجمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي وكثيرون غيرهم.
هزيمة حرب 1967، وانتشار الثقافة الإسلامية الأصولية، زاد من هذا التصحر الفكري، والذي بالإضافة للمنع الرسمي النظامي للفكر المستقل، مُنع أيضاً اجتماعياً، تحت حُجج التكفير أو التغريب.
سارت الأحزاب السياسية المعارضة ايضا، من يمينها إلى يسارها، بطريق التصحير الفكري، وفرض فكر واحد، لا يُناقش داخل الحزب، وهو ما زاد من إغلاق الأدمغة والأفئدة.
التغييرات الاجتماعية
كل هذا لا يُبدل شيئاً، من حقيقة التغييرات الاجتماعية، التي حصلت وتحصل على الأرض العربية، منذ حوالي أربعين عاماً، وهي التعبير الحقيقي، عن التاريخ العربي العميق. وعنف الأنظمة مهما كبُر، لا يمكنه وقف هذه التبدلات البنيوية بالمجتمع، فهي تطورات تراكمية بطبيعتها، وليست حدثية، لذلك قد لا نراها وهي في طور التكوين، بينما لا نرى إلا الحدث الذي يُترجم التراكم البنيوي مثل موت بو عزيزي أو مظاهرات ساحة التحرير بالقاهرة.
تتمحور التطورات الاجتماعية، بشكل أساسي بولادة الطبقة الوسطى المثقفة المتعلمة، وبنفس الوقت العاطلة عن العمل، ولكنها منفتحة على العالم وعلى تواصل دائم به. هذه الطبقة، على صغر حجمها النسبي، أخذت وزناً كافياً للمطالبة بالتغيير، حتى تستطيع أن تُعبر عن نفسها مثل كافة الطبقات الوسطى بالدول الأخرى وخصوصاً الديمقراطية، واستطاعت بتحالفها مع قطاعات المجتمع الأخرى الواسعة، من تحريك الملايين وراءها. تقوقع الأنظمة وتخلفها وتمترسها داخل حدودها، وعدم تطور البنى التحتية لم يفسح المجال لهؤلاء، الشباب بالولوج لسوق العمل رغم الحاجة الاجتماعية لعملهم، أو الوصول إلى المجاور الآخر بالدول العربية الاخرى.
بالإضافة لذلك، بدأت المرأة بالتحرر والانعتاق ودخول المدارس والجامعات، ورفضت الاكتفاء بالدور المُناط بها، وهو القبوع بالمنزل والإنجاب. تُرجمت هذه التغييرات على أرض الواقع بانخفاض ملحوظ وشديد بمعدل الإنجاب بكافة الدول العربية، من نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، ولا زال مستمراً. انخفض هذا المعدل بحسب الإحصاءات الدولية إلى أكثر من النصف بكثير من الأقطار.وهو ما ادى الى تغيير العلاقات داخل العائلة.
الانسجام الثقافي والوجداني، الموجود على الساحة العربية، والذي يُحدد هويتنا الجماعية، ازداد قوة مع تزايد وسائل التواصل الحديثة، وتطور الشبكة العنكبوتية، مؤدياً إلى فتح نوافذ داخل أسوار الحدود، التي بنتها الأنظمة حول أقطارنا، على مدى عشرات السنين، وأعاد نوعاً من الانسجام الاجتماعي والسياسي، بالإضافة للثقافي والوجداني.
الشعارات التي رفعها جمهور المتظاهرين السلميين بكل الدول العربية، كان يُعبر دائماً عن نفس الأهداف، وهي الانفتاح والتحرر، وإبعاد الفساد والظلم والتعسف السلطوي. الديمقراطية والحرية، كانتا الكلمتان اللتان تعبران عن هذه المطالب، وإسقاط النظام إن رفضها.
هي إذاً مطالب مجتمع مدني، وليس مطالب أحزاب سياسية، تُركز على المباديء الحقوقية والقيم والعدالة والديمقراطية، بهدف بناء مجتمع حديث، ليلتحق بالمجتمعات الأخرى بالعالم، واضعا مفهوم المواطنة بدل مفهوم الرعية، والحقوق الفردية قبل حقوق الجماعات والطوائف، وقد كان قد عبر عن هذا الشكل من البناء الديمقراطي، الفيلسوف الفرنسي توك فيل، في بداية القرن الثامن عشر، عندما كانت أوروبا تبحث عن بناء الدولة الحديثة.
الإسلاميون
تلقف الإسلاميون الوسطيون، الحراك الثوري الشبابي، وتحالفه مع القطاعات العمالية والفلاحين، للوصول للسلطة، وهو ما أدى إلى وضعهم، في عين عاصفة عنف الأنظمة، حيث جعلت منهم عدوها الرئيسي، هذا العداء لحركة مثل الإخوان المسلمين، تُفسر فقط لمقدرة هؤلاء للوصول للسلطة بالطرق الديمقراطية، أي كونهم بديل محتمل ديمقراطي للسلطة الاستبدادية.
بالمقابل فشل الإسلاميون الوسطيون، بتمثيل الجماهير الثائرة والطبقات الوُسطى، لكونهم بطبيعتهم، وبرامجهم السياسية، حركات إصلاحية، وليس حركات ثورية، بمفهوم البحث بالمشاركة بالسلطة، وخصوصاً بالنواحي الاجتماعية، وليس هدمها وبناء سلطة جديدة. هذا ما أدى بالإخوان المسلمين بمصر للتفاهم مع فلول وأجهزة النظام السابق، وقبول حكم المحكمة الدستورية، المُعينة من مبارك مثلاً، أو حل البرلمان المُنتخب، أو تغيير اسم مرشح الحزب للانتخابات، ثم قبولهم بوجود العسكر بالسلطة، مؤدياً إلى اختفائهم السريع، من الساحة فيما بعد وضياع الثوره.
حراك إسلاميوا تونس المشابهين، كان أكثر ذكاء، أو تعلم من التجربة المصرية، وتطورت الأمور هناك، بشكل آخر، ولصالح استمرارية الثورة.
بالمقابل، استبق الحكم المغربي الأحداث،ونظم انتخابات ديمقراطية لاسكات الاحتجاجات ببداياتها عام 2011 وترك الإسلاميين يشاركون بالسلطة، عن طريق حكومة بن كيران والتي لم تستطع احداث تغييرات جوهرية، متحملة نتائج السياسات التي رسمت اصلا بالقصر. ولكن تراجع الثورات العربية، أدى إلى تراجع هذه المشاركة على رمزيتها، فالكل يعلم أن السلطة الحقيقية هناك، هي بيد المخزن، أي الحكومة الموازية التابعة مباشرة لقمة النظام.
الحركات الإسلامية المتطرفة بالمقابل، كانت تحظى بدعم من عدد من الدول العربية، كما رأينا بالثورة السورية، حيث تمدد الحراك المتطرف، على حساب الحراك الثوري، أو الإسلام الوسطي، فهذه الحركات لا تمتلك، مثل الإخوان المسلمون، إمكانية الوصول للسلطة بالطرق الديمقراطية، فهي بكل تأكيد لا تُعبر من ناحية برامجها السياسية وأفعالها العنيفة، عن الروح الاجتماعية الإسلامية السائده، اُستعملت فقط لإغراق الثورات والحراك الديمقراطي، بالدماء والدمار، وتبرير العنف المُطلق للأنظمة ضد كل معارضيها، بما فيهم الإسلاميين المعتدلين، والذين صُنفوا، مثلا بمصر أو بدول الخليج، كحركات إرهابية. اُستغل وجودهم بالعراق، عن طريق داعش، لإسكات الحراك الديمقراطي، الذي كان قد بدء، ولمدة عام من ديسمبر 2012 حتى ديسمبر 2013، وبشكل سلمي تام، وفض بالقوة المسلحة من طرف نوري المالكي. اُستعملوا أيضاً وما زالوا، لتفسير التدخل العسكري الأجنبي الروسي والإيراني بسوريا، أو التركي والأمريكي، بسوريا والعراق.
هؤلاء الإسلاميون المتطرفون، حاولوا اختطاف الثورات العربية، لإبعادها عن مسارها الأصلي، وبمشاركة مباشرة أو غير مباشرة، من الأنظمة وداعميهم، وأجهزة الاستخبارات الأجنبية متسلحيين بالفكر الاسلامي الأوصولي الموجود بمجتمعاتنا للاسف منذ قرون, وترعرع بعد انتشار الفكر الوهابي مع الدعم المادي التي أمنته الدولة السعودية ودول خليجية اخرى مما اعطاه بعدا عربيا واسلاميا وحتى عالميا لم يكن ممكنا في سابق الزمان, وازدهر عندما توافق مع مصالح الولايات المتحدة وهو ما ظهر جليا بحرب افغانستان.
اليسار والليبراليون والمثقفون العرب
هل كان الليبراليون واليسار العربي التقليدي، أكثر حظاً من الإسلاميين، لا نظن ذلك، بل على العكس، حمل هؤلاء منذ سنوات طويلة، أفكاراً مختلفة ومتصارعة تدعو لإقامة أنظمة جديدة، قومية، إشتراكية أو ليبرالية، ولكن ما يجمعهم جميعاً، هو بعدهم عن النموذج الديمقراطي. الوصول للسلطة، كان هدفاً بحد ذاته، إن لم يتم عن طريق الانتخابات، فقد يتم بطرق التحالف مع العسكر، هذا ما أدى إلى إسقاط التجربة الديمقراطية المصرية، ثم انفراد العسكر التام بالسلطة، كما حدث ويحدث دائماً.
سوء تقدير اليساريون، أمثال حمدان صباحي، أو الليبراليون أمثال الدكتور البرادعي، وانتهازيتهم وقلة درايتهم على ما يظهر، بالتاريخ العسكري للدول الأخرى الشبيهة ( تشيلي البرازيل)، أو التاريخ القديم مثل الثورة الفرنسية، مع أطروحات شاتوبريان بهذا الصدد، وتقديمهم الوصول للسلطة أولاً، على مبدأ بناء الديمقراطية أولاً، هو ما أدى إلى طردهم من السلطة، وإنهاء البناء الديمقراطي معاً.
استباق الأحداث، والاستعجال للوصول إلى السلطة، بدل انتظار دورهم بالتبادل الديمقراطي، كان بتقديري، أهم عامل لإفشال الثورة المصرية، ويتحمل هؤلاء بسببه، أكبر مسؤولية أمام التاريخ.
ليس أفضل حالاً، وضع مجموعة كبيرة من المثقفين والكتاب، واللذين كانوا مناراً، زمن عنفوان الثورات، سكتوا أو وقفوا مع الأنظمة، بعد تراجع هذه الثورات، والأسماء كثيرة، شيء أثر على معنويات الناس وزاد من إرباكهم، فمن كنا نظن أنهم يفسرون لنا الأمور، ويعطوننا مفاتيح لحلول المشاكل، أصبحوا بين ليلة وضحاها، متخصصين بتفسير الجرائم المُرتكبة وتبريرها. هو نفس داء الأحزاب، أي الخلط بين مفهوم السلطة ومفهوم الدولة، وعكسهم للأولويات، وتناسيهم أن بناء الدولة الديمقراطية، هو أساس للسلطة السليمة وليس العكس.
مفكروا وكتاب الاتجاهات اليسارية التقليدية، ما زالوا يحملون أفكار سنوات الاستعمار، أي التأكيد على العنصر الجماعي، ورفع الرأس أمام المُستَعمر، لتأكيد الهوية الوطنية، بينما نحن، مع الربيع العربي، نعيش فترة يطالب بها المواطن، بحقوقه الفردية بالحرية والكرامة. الديمقراطية تُشكل بالنسبة لهم، كما بالنسبة للحركات الإسلامية التقليدية، أحد خصوصيات المُستَعمَر، بينما هي أصبحت الآن، مطلباً جماهيرياً، ومطلباً عالمياً لكل شعوب الأرض، وليست انسلاخاً عن الهوية القومية أو الدينية، كما يتصورها هؤلاء المفكرون.
يُضاف لذلك، أن سياسة الاحتواء، التي مارسها النظام السوري، لسنوات طويلة، أعطت أُكلها مع التفاف هؤلاء حوله، رغم الجرائم التي لا يشك بحدوثها، إلا هذا النظام والدائرون بفلكه من دعاة الفكر. واكتشفنا بمناسبة الاحداث الدموية لقمع السلطات الطبيعة الطائفية لبعض اعلام الادب والفكر والفن العربي والذين فضلوا الارتماء باحضان الاتظمة والتطبيل لها.
روسيا وإيران
تدخل الدول الأجنبية المجاورة أو البعيدة، على مدار السنوات الأخيرة، دعم بشكل واضح، ما يُسمى الثورات المُضادة وعنف الأنظمة، فالحفاظ على الاستقرار بالمنطقة للبعض، أو الدفاع عن مصالح البعض الآخر، والخوف من العدوى الديمقراطية، لأطراف ثالثة، برر هذا الدعم. هو استمرار للعبة التوريط والتدخل القديمة والتي ميزت ما كان يسمى مسألة الشرق بنهاية الدوله العثمانيه حيث يربط كل طرف محلي نفسه باطراف أجنبية بالمنطقة او بالدول العظمى.
إيران ثم روسيا، وقفتا ضد خظر انتشار عدوى الاحتجاجات لبلدانهم، وليس كما يدعي بوتين، للحفاظ على تواجد بلاده بشرق المتوسط أو محاربة الإرهاب، ولا كما تدعي إيران للحفاظ على محور المقاومة لمواجهة إسرائيل، فهذه أنظمة تقمع معارضيها، ولا تجد حرجاً بإدخال بلادها بحرب خارجية مُكلفة، بينما شعوبها بحاجة ماسة لكل درهم، لتُطور نفسها وخروجها من الفقر. البترول الروسي أو الإيراني، يذهب أدراج الرياح وقتل الأبرياء، بدل استعماله لتطوير البنية التحتية أو الاقتصادية لهذه الدول، تؤكد معظم المعاهد الدولية للدراسات الاقتصادية، زيادة الفقر بروسيا وإيران. ( حسب الاحصائيات الروسية نفسها ROSSAT لعام 2016 يعيش 20 مليون روسي تحت خط الفقر مقابل 16 مليون عام 2014 , كما ان 16 الى 20 مليون ايراني بنفس الوضعية حسب هيئة الخميني الاغاثية الرسمية لعام 2018).
التدخل العسكري بسوريا، ودعم الثورات المُضادة، يُشكلان لهما سلاح ذو حدين، يهدف طبعاً، لإسكات أي نفس تحرري مجاور، ولكنه بنفس الوقت، يزيد مشاكل البلاد الاقتصادية، قد يُؤسس لحراك داخلي اجتماعي قوي، ولا ننسى أن انهيار الاتحاد السوفيتي، تم بعد هزيمة الروس بحربهم بأفغانستان، والتي شكلت لهم إرهاقاً اقتصادياً عظيماً. الحركات الاحتجاجية بإيران، ببداية العام، أو ما نراه بشكل دوري بروسيا، لن يتوقف ما دامت سياسات هاتين الدولتين تسيران بنفس المسار، ولا تهدفان إلا إلى الحفاظ على أمن السلطة وتامين الفساد والفاسدين، بدل أمن ورفاهية مواطنيهما.
تركيا
تأرجحت تركيا بين دعم الثورة السورية والثورات العربية أو النأي بنفسها، ولكن تزايد حجم اللجوء السوري، وخطر انتشار المطالب الإنفصالية لأكراد سوريا إليها، أدى إلى تذبذب مواقفها، من داعم للثورة مادياً وعسكرياً، إلى مُهادن للدول التي تدعم النظام السوري، ومحاولة البحث عن حلول مشتركة مع إيران وروسيا.
رغم وضع الرئيس، رجب طيب أردوغان، لخطوط حمراء حول حلب ومدن أخرى، إلا أنه لم يفعل شيئاً، لمنع الروس من تدمير هذه المدن تقريباً بالكامل، هذا لم يحمي تركيا من الدخول بحرب خارجية بشمال سوريا، ولا داخلية ضد الأكراد.
بدأ النظام السياسي التركي الديمقراطي ذو الصبغة الإسلامية، تحت ضغط الأحداث وابتعاد أمل الإلتحاق بالاتحاد الأوروبي، بالتراجع التدريجي عن قيم الديمقراطية التقليدية، مثل حرية الصحافة واستقلال القضاء، وضمان الحريات العامة، وهو استنتاج كل المؤسسات الدولية المراقبة لهذه المعايير، كما بدأ بالتراجع عن حقوق الأقليات الكردية، بعد قبولها ببداية عهده.
للأسف فهذه التراجعات، مهما كان مبررها، كالحرب السورية والهجرة، أو الانقلاب المزعوم والأعداء الداخليين، لا يمكن لها إلا أن تزيد من ضعف الموقف التركي، فالابتعاد عن القيم الديمقراطية، لم يكن يوماً وسيلة لتقوية أي دولة بالعالم، بل على العكس، فالمزيد من المشاركة الاجتماعية، ولكافة أحزاب وأطياف المجتمع الحر، هو من يقوي مواقف أي سلطة وأي نظام.
على مدى هذه السنوات تقلبت العلاقات التركية مع الدول الاخرى بحلف الاطلسي ومع اسرائيل ولكنها لم تحدث اي تغيير يذكر بطبيعة هذه العلاقات.
مع ذلك تبقى تركيا، أقرب الدول إلى الحراك الديمقراطي والربيع العربي، عودة هذا الأخير من جديد، كما نرى حالياً بعدة دول عربية، قد يُعيد مؤشر ميزان تركيا نحو الاتجاه السليم.
الدول الغربية
الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، بزمن أوباما ثم الرئيس ترامب، اتخذت اتجاه الربيع العربي، مواقفاً انتهازية، فلها هدفين، الأول هو مصالحها الاقتصادية خصوصاً النفطية والحفاظ على مناطق نفوذها، والثاني هو مصلحة إسرائيل، وفي بعض الأحيان قد نجد تناقضاً بين الموقفين.
استقبلت أوروبا وخصوصاً ألمانيا، مئات آلاف اللاجئين السوريين، وقدمت لهم كل وسائل العيش الكريم، ووسائل الاندماج بالمجتمعات الأوروبية، رغم وجود اتجاهات يمينية قديمة ضد المهاجرين المسلمين، العنصرية الغربية مرتبطة أكثر بذكريات التاريخ في هذه الدول عن أوضاعها الاقتصادية، فأكثر الدول رفضاً للهجرة هي أقلها اختياراً كوجهة نهائية لهم مثل المجر أو هنجاريا أو بولونيا، والتي لم تستقبل إلا بضعة آلاف فقط.
تأرجح موقف الدول الأوروبية، بين مراقب للحدث أو التابع للمواقف الأمريكية، هذا ما رأيناه مثلاً، بعد استعمال النظام للغازات الكيميائية بسوريا عام 2013، وتراجع أوباما عن مشروعه بمعاقبة النظام السوري، لصالح حل توافقي روسي، حيث تراجعت بريطانيا وفرنسا عن عمل أي شيء أيضاً.
الثبات السياسي لدول تُعتبر مناطق نفوذ للغرب، مثل دول الخليج، للحفاظ على السيطرة على مصادر النفط، أو وسائل النقل، كان وما زال، سياسة أمريكية ثابتة، ونرى حالياً، مع أزمة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، مدى قوة هذه النظرة، واستمرار دعم الرئيس الأمريكي للسعودية، رغم الاحتجاجات بكثير من الدول، ولكافة أطراف المجتمع المدني بالعالم.
الحفاظ على أمن إسرائيل من منظار أمريكي، هو على رأس قائمة الاهتمامات الأمريكية، يأتي الخطر على إسرائيل من منظارهم حالياً من إيران. ولكن الحقيقة، أن الوضع الإيراني الاقتصادي والاجتماعي، لن يسمح لإيران انتهاج سياسات مواجهة مع إسرائيل، ونحن نرى سكوت إيران بشكل مستمر عن الرد بعد كل اعتداء إسرائيلي على قواتها بسوريا أو تهديدها لحلفائها بلبنان.
ليس المطلوب من إيران برأيي عدم تهديد إسرائيل، وهو ما لا تفعله أو لا تستطيع فعله، وإنما إعادة العلاقات معها، وحتى إعادة التحالف القديم، الذي كان زمن الشاه، عندها قد ترفع أمريكا، ومعها الغرب العقوبات المفروضة بحجة برنامج إيران النووي، وهو برأيي حجة واهية غير حقيقة.
إخراج إيران نهائياً من المواجهة مع إسرائيل، بعد إخراج كافة الدول العربية، وحتى المنظمات الفلسطينية، وإمكانية التحالف الإسرائيلي الإيراني، هو برأيي، هدف السياسات الأمريكية الحالية، وبشكل خاص مُحاصرة التطلعات العربية الديمقراطية, المُمَثلة بالربيع العربي في ظل عدم ثقتهم باستمرارية الانظمة المستبدة التابعة بالبقاء، وإنهاء القضية الفلسطينية، المُلخصة بمشروع ما يُدعى صفقة القرن.
استمرار الغرب بدعم الأنظمة العربية تحت شعارات المصالح وعدم ضعضعة الأوضاع، يصب بالنهاية، لتقوية عنف هذه الأنظمة ضد شعوبها، وهو ما يتعارض مع القيم الديمقراطية للشعوب الغربية، وحرب اليمن المسلحة غربياً ومضاعفاتها المعروفة ضد المدنيين، هي أوضح صورة لهذا الموقف الغربي، بالإضافة عن السكوت عن انتهاكات حقوق النشطاء السياسيين ، بمعظم الدول العربية وخصوصاً دول الخليج.
وحده الرأي العام الغربي من يستطيع أن يُغير شيئاً من هذه المواقف الرسمية، وهذا مدعاة لنا جميعاً للعمل لتحريك هذا المجتمع المدني لصالح قضايانا، فالساسة يدافعون عن مصالح دولهم المادية، بينما المجتمع المدني، يدافع عن قيم شعوب هذه الدول.
إسرائيل
إسرائيل هي الخاسر الأكبر، من نجاح أي حراك ديمقراطي عربي، والرابح الاكبر من بقاء الانظمة، وترجمة ذلك فعلياً بدعمها للنظام العسكري المصري، بعد الانقلاب على الشرعية عام 2013، أو بالتحالف الحالي مع مجموعة من الدول العربية وعلى رأسها السعودية.
التراجع العربي الرسمي أمام إسرائيل، ليس عفوياً أو علامة ضعف، وإنما ترجمة لواقع التضامن الطبيعي لكل القوى المعادية للتغيير الديمقراطي العربي، كل من حساباته الخاصة، ولكن بالنسبة لإسرائيل، الأمر هو حقاً وُجودي، لأن الرأي العام العربي، لم يكن يوماً على استعداد لتقبل وجود الدولة الإسرائيلية والتنازل عن فلسطين، أو التخلي عن دعم حقوق الشعب الفلسطيني بالاستقلال وعودة اللاجئين لديارهم، وسيتجاوب أي نظام ديمقراطي عربي مع مواقف ومطالب شعبه، مما يعتبر تهديدا لمصالح اسرائيل. لذلك هي تبحث دائما عن تامين وجودها وديمقراطيتها بتفتيت الوطن العربي الى طوائف وتدمير اي امل ديمقراطي للشعوب العربية, هي تدرك تماما انها من مخلفات حقبة القرنين الماضيين الاستعمارية والتي اختفت بكل بقاع الارض.
هناك إذاً ترابط عضوي، بين دوام احتلال فلسطين، ودوام الأنظمة الاستبدادية، هذه المعادلة تحكم برأيي، باقي المعادلات بالمنطقة، وخصوصاً المواقف الغربية التي ذكرناها سابقاً.
قيام أنظمة ديمقراطية عربية، سيُغير بنظر إسرائيل، العلاقات المستقبلية بين العالم العربي والعالم الغربي، حيث ستبني هذه الأنظمة الجديدة علاقاتها بالدول الغربية، على مبدأ الند والمصالح المتبادلة، وليس على مبدأ التبعية ومصالح بقاء النظام، أو توريثه كما يحدث حالياً.
هذا التطور المُتوقع، سيؤدي تدريجياً، إلى الدفع نحو التغيير السياسي الغربي، ليتناسب مع مفهوم المصالح الاقتصادية، وهو ما يعني تهميش الدور الإسرائيلي بالمنطقة، وعدم مركزيته لتحقيق المصالح الغربية، كما هو الحال حالياً. أظن أنه في تلك الفترة لو وصلنا إليها، سيكون تأثير اللوبيات الصهيونية بأمريكا والغرب قد بدء يخفت. نجاح اللوبي الصهيوني حالياً، هو بسبب عدم وجود ثمن عربي لدعم هذه الدول لإسرائيل، وهذا لن يكون عليه الحال في ظل دول ديمقراطية عربية.
عكس المصالح الاسرائيلية فان المصالح الغربية بعيدة الامد لا تتناقض مع المصالح العربية بل تتكامل فالسوق العربي يشكل للغرب ارضا استثمارية واستهلاكيية لمنتجاتة كما هو الوضع مثلا مع الصين او الهند, ونموة وازدهارة لا يضر بل يفيد الدول المتطورة بالعالم، بالإضافة إلى الحد من الهجره وتصدير الإرهاب.
مستقبل الربيع العربي
لم يتوقف حراك الربيع العربي منذ بدئه، ولكن همجية وعنف النظام العربي، حد من قوة انتشاره، ولكننا نرى من جديد، بكثير من الدول، عودة العمل الجماهيري بأشكال مختلفة من أقصى الشرق العربي لأدناه، فهناك مظاهرات البصرة منذ أشهر، ضد الفقر والفساد والتلوث البيئي وانتشار الأوبئة، هو حراك عربي وربيعي، لأنه لا يحمل أي صبغة طائفية، كذلك حراك الأكراد في الشمال، ضد أحزابهم المسيطرة على السلطة بالإقليم.
نرى أيضاً حراك الشارع المغربي، وأحداث مدينتي جرادة والحُسيمة بالشمال، رغم وجود حكومة شكلية نابعة عن الاحتجاجات، كما نرى تململ الشارع الجزائري أو المظاهرات ضد الطائفية وسوء الإدارة بلبنان، كذلك حراك الشعب الأردني.
حديثاً نحن نعيش أحداثاً مهمة بالسودان، تدعو من جديد لإسقاط النظام، مدفوعة بفشله بحل أي مشكلة اقتصادية للبلاد، والتي أفقرها الاستبداد والحصار والحرب الداخلية، منذ استولى البشير على السلطة عام 1989.
نرى إذاً عودة لروح الربيع العربي، مُترجماً أيضاً، بمناضلات حقوق الإنسان والجرائم المُرتكبة ضدهن بالسعودية والبحرين والعراق ودول أخرى.
نجاح الربيع التونسي، وكونه ما زال نموذجاً للشعوب العربية، يضع تونس بموضع الخطر من الدول الاستبدادية، ولكنه يبقى شعلة للآخرين للاستمرار. التوافق بين الحركات السياسية والنقابية والمجتمع المدني التونسي، يعطينا الأمل أن قوى الثورة قد تختلف ولكنها لا تتقاتل، وتصل بالنهاية دائماً إلى التوافق، كما يحدث بكافة الدول الديمقراطية الحديثة.
الأسباب الموضوعية التي فجرت احداث تونس ما زالت قائمة بالوطن العربي، ولم تنه الحرب على الشعب السورى ازماتة الاجتماعيه والاقتصاديه من غياب للحريات وفساد اقتصادي وانتشار للفقر والبطالة بل زادتها شدة، لذلك لا يمكن للخوف ان يكون بديلا للحرية ، عودة بشائر الحراك العربي دليل حيوية الأمة وتحديها المستمر للاستبداد.
توسيع رقعة الحروب يهدف كما نرى باليمن مثلا لمعاقبة الشعب على مطالبته بالحرية ، كذلك استفحال الارهاب ، الاستنزاف الدائم لدولة مثل السعوديه لن يؤمن لها استمرارية النظام وبالنهاية ستنقلب النتائج على النظام وتسرع بسقوطه.
التطورات المحتملة بالدول الداعمة للأنظمة ونحن نرى مأزق النظامين الروسي والايراني الاقتصادي والسياسي، ستؤدي عاجلا ام اجلا لربيع شعوب بكليهما يعكس وينهي تحالفاتهما الحالية.
بالسنوات القادمة لن تستطيع الدول الغربية وخصوصا امريكا الاستمرار بالدعم الثابت للأنظمة العربية، وازمة السعوديه مع المشرعين والاعلام الامريكي أثر إغتيال جمال خاشقجي دليل واضح على ذلك، بالإضافة للضغط نحو إنهاء حرب اليمن.
دعائم الأنظمة الداخليه ستبدا ايضا بأخذ احتياطاتها وتجربة الامراء السعوديون والاغنياء مع حكم بن سلمان سيتكرر بدول أخرى.
الطائفية والفكر المتطرف مرتبط بثبات الأنظمة واحد نتائج سياساتها وتراجعه يعني تراجعها.
تتحالف الأنظمة ضد الحراك الديمقراطي، وهذا واضح بليبيا ومصر، ودعم دول عدة لقوى الثورة المضادة . بالمقابل ما زلنا نرى تفكك قوى التغيير العربي ، تضامن وتكامل هذه القوى الديمقراطية على كامل الأرض العربيه يجب ان يكون هو الرد المناسب لتحالف الأنظمة.
وضع برامج عمل واهداف موحدة، ونحن جميعا نرفع نفس الشعارات سيصب بخانة إعطاء فكر حداثي لانتفاضة الأمة، ويعزل كل المتطرفين والقادمين ببرامج غيبية استبدادية بديلة.
تطوير مكونات المجتمع المدني في غياب الاحزاب السياسيه المعبرة عن مطالب الشعب، يعطي زخما كبيرا للمطالب الحقوقية بدل المطالب السياسية مثل المطالبة بحرية السفر والتنقل والعمل والاستثمار داخل المساحة العربيه، والمطالبة بحرية تكوين النقابات المهنية والاحزاب السياسية وحرية اختيار الممثلين بالاطر الرسمية. كما أنه يؤسس لتكوين جيل حي يستطيع قيادة البلاد فيما بعد.
بعد ثماني سنين على بدء الزلزال الحداثي العربي، يحق لنا أن نأمل أن نرى قادة جدد، مفكرين جدد، ليحملوا برامج الطبقة الوسطى وشبابها، والتي فجرت الحراك العربي. فكما رأينا بدول أخرى بالعالم، فإن أبناء الثورة هم من سيقومون باستكمال الجُهد الفكري الضروري لبلورة برنامج العمل النضالي، وليس الأحزاب التقليدية، أو الكتاب والمفكرون، الذين نعرفهم، والذين إما أن انحازوا للنظام، أو فشلوا بطرح فكر مُجَدَد.
البعض لا يرى الضوء بآخر النفق الذي نحن به، ولكن العودة للخلف لم تعد ممكنة، والحنين إلى ليل الأنظمة، ليس حلاً، بل السير باتجاه نهار التغيير القادم.