تطور تشريعات تحسين حقوق المراه . القدس العربي

تطور تشريعات تحسين حقوق المرأة

1 – أكتوبر – 2019

د. نزار بدران

أظهرت دراسة حديثة، نُشرت بداية هذا العام، عن تطور التشريعات التي تسنها 187 دولة في العالم، لتحسين حقوق المرأة، تقدما قليلاً إلى الأمام، خلال السنوات العشر الأخيرة، فالمؤشرات التي وُضعت لهذه الدراسة، التي قام بها البنك الدولي، مثل الفقر والبطالة والصحة والإعاقة والأحوال الشخصية وضحايا الحروب وغيرها، تُظهر بشكل عام، أن المرأة تتمتع على مستوى العالم بـ 75% من الحقوق على سُلم 100%، أي تقدمت بخمس نقاط عما كان عليه الوضع عام 2010. قليل جداً من الدول، حصلت على نسبة 100%، أي أنها سنت تشريعات تتطابق مع المعايير التي وضعتها الدراسة.

الحقوق النسوية

أظهرت معظم مناطق العالم تقدماً بمؤشر الحقوق النسوية، ما عدا العالم العربي (الشرق الاوسط وشمال إفريقيا حسب تسمية الدراسة)، والذي بقي على حاله بنسبة 47%، أي أنه تقريباً، ما عدا بعض الاستثناءات، لم يُغير بقوانين الأحوال الشخصية أو معاملات الطلاق والحضانة وتقاسم الإرث وأشياء عديدة أخرى، بل هناك بعض التراجع عن القوانين السابقة (بالإضافة للإهدار التام لحقوق المرأة السورية ودول حروب الثورة المضادة).
مقابل هذه النسبة المتدنية، فإن كل مناطق العالم الأخرى، شهدت تحسناً، أكبرها أمريكا الجنوبية، والتي انتقلت بالعشر سنوات الأخيرة من 70 إلى 79%، كذلك جنوب شرق آسيا من 65 إلى 70%، وجنوب آسيا من 50 إلـى 58%.
نحن نُعاني إذن بالدول العربية، من وضعية متحجرة، مرتبطة بعدم الاكتراث السياسي الرسمي بالتغيير، ولكن أيضاً، من التناسي الاجتماعي لحقوق المرأة، وتنامي البُعد الديني بمفهومه الأصولي، وببعض الأحيان سلبية المرأة نفسها للدفاع عن حقوقها. هذه خصوصية بالدول العربية، ولا تجدها بدول إسلامية أخرى، كتركيا أو أندونيسيا وغيرها، هي آتية إذاً من الإرث الاجتماعي العربي، وتقاليده وعاداته، وليس من بُعده الإسلامي فقط. مثال ذلك جرائم الشرف، والتي تذهب ضحيتها بنات ونساء المجتمعات المحافظة، عنفاً وقتلاً وحرماناً من أطفالهن.
جريمة القتل إذاً من أخ لأخته، أو أب لابنته، لا يمكن فهمها إلا من منظار ضعف الرجل القاتل، لأنه لا يقتل لمصلحة مادية معينة، بمقدار خوفه من المجتمع المحافظ، وما يُسمى السُمعة. هذا الشعور الذي يدفع إلى العنف بمستويات مختلفة، لا مثيل له عند المرأة، هي حرة من هذه العوائق، وخصوصاً أنها ضحيتها الأولى والوحيدة.

جريمة الشرف

اعتراف مجموعة من التشريعات العربية، بمفهوم جريمة الشرف، هو بالحقيقة شرعنة للقتل بدون عقاب، فبينما تعتبر التشريعات الغربية مثلاً، أن قتل الأب لابنته، أو الأخ لأخته، هي جريمة مُشدَدة لكونها وقعت على شخص ضعيف من طرف من له سلطة عليه، ويكون عقابها أكثر بكثير من عقاب جريمة قتل أخرى بطريقة مختلفة. هذه الجريمة لها مفهوم معاكس ببلاد العرب، أي أنها جريمة مخففة، لا تستحق المعاقبة تقريباً. وحده العقاب الذي سيكون على مستوى الجرم، ما سيشكل رادعاً حقيقياً، جريمة الشرف هي دليل جُبن من القاتل خوفا من مجتمعه، ولن تتوقف إلا إذا دُفع لجُبن أكبر من عقاب قد ينال حياته، فهؤلاء القتلة هم أصلا جبناء، وليسوا شجعانا كما يتصورون.
وعلى هذا يمكننا طبعاً أن نقيس على هذا المثل أوضاعا عديدة أخرى، مثل المساواة بالإرث، وحرية السفر، والعمل والدراسة وما إليه.
أرى أن مفهوم حقوق المرأة، المرتبط عضوياً بمفهوم حقوق الإنسان (إعلان الأمم المتحدة لعام 1948)، لا يكفي لتحديد مكانة المرأة بالمجتمعات الحديثة، بل عليها أيضاً أن تكون بموقع القيادة، والذي يصوغ القوانين، ويُحدد الاتجاهات للمجتمع. وحدها المرأة من موقعها القيادي المؤثر، من تستطيع أن تنقل المجتمع العربي التقليدي المُتشبث بعادات الماضي، إلى مستقبل حداثي حضاري.
هذا هو واجبها الآن وليس فقط حقها. الرجل العربي، حتى ولو كان مظلوماً ويشارك بالحراك الثوري، وحتى لو وصلنا إلى مجتمع التعددية والديمقراطية، لن يستطيع بحكم تقاليد الشرف والذكورية الفارغة، أن يسير إلى الأمام بهذا المجتمع، نحو حرية كل أفراده، رجالاً ونساءً.
مشاركة المرأة حالياً في السودان والجزائر، في الحراك الثوري والمساهمة بقيادته بجانب الرجال، وهذا واجبها، يعطيها الحق بهذين البلدين، أن تطالب عند إقرار الديمقراطية، بحقها كاملاً بالمشاركة بالسلطة، هذه المشاركة المُستحقة ستكون الضامن الحقيقي، للخروج من الورطة التاريخية، التي وجد بها الرجل العربي نفسه.

كاتب ومحلل سياسي مستقل

الإعلانات

أسس الدولة الديمقراطية

أسس الدولة الديمقراطية

نزار بدران القدس العربي 17 آب 2019

تمر دول عربيه عدة حاليا بثورات تهدف كلها إلى إقامة حكم مدني ديمقراطي، السودان والجزائر هي الدفعة الأولى من دول الربيع العربي الثاني والتي ستشمل عاجلا ام اجلا كافة الأرض العربية، فالثورات المضادة رغم عنفها المفرط وقوتها والدعم الاجنبي لن تغير تاريخ المنطقة السائر باتجاه الحريه والالتحاق بركب الحضاره العالمية

هل الديمقراطية وهي الهدف المعلن لهذه الثورات

ستؤمن لدولنا بالمستقبل الرخاء والعدالة والحرية لو درسنا الثورات الاجتماعية بالدول الأخرى بكل قارات الارض لرأينا أن نجاح الديمقراطية لا يعني نجاح النموذج السياسي المطروح وهو ما يهدد دائما بعودة الاستبداد تحت اشكال مختلفه، هذا ما نراه بروسيا بعد سقوط النظام الشيوعي فرغم الانتخابات وتأسيس نظام ديمقراطي بسنوات التسعينات إلا أن الوضع الحالي لا يختلف كثيرا عن الأنظمة المستبدة، نرى شيئا قريباً من ذلك ببعض دول أوروبا الشرقية، ولا ننسى حروب البلقان والتي تبعت انهيار النظام الشمولي بيوغسلاڤيا وانشاء أنظمة ديمقراطية، قريباً منا عودة النظام العسكري المصري بعد عام واحد من نظام ديمقراطي حقيقي.

ما هي إذا الضوابط التي يجب علينا وضعها لنجاح المشروع الديمقراطي، هي حقيقه كثيرة مثل احترام حقوق الاقليات وانهاء النزاعات المسلحة وفتح المجال العام للنقاش الفكري وغيرها، ولكن هناك ثلاث نقاط محورية هي الأهم برأيي وهي، وضع دستور توافقي، احترام قيم حقوق الإنسان كما تنص عليها الأعراف والقوانين الدولية وأخيرا بناء المجتمع المدني القوي.

الدستور كعقد اجتماعي هو توافقي بطبيعته وليس فقط قانون الاغلبيه الحاكمة بمعنى ان يعبر عن مجمل مكونات الشعب بارائه المختلفة وتنوعاته الثقافية والعرقية واللغوية، عدم احترام ذلك يجعل الدستور وسيلة الأغلبية لفرض سياساتها على الأقلية وهو ما يتناقص مع السلم الاجتماعي الذي هو هدف الدستور الأول، تغيير الدستور المستمر هو دليل غياب البعد التوافقي بالاصل أو الانحراف عن الديمقراطية، الإجماع على الدستور يعني توافقه مع رغبات الكل بمعنى توافق شبه كامل للاتجاهات الفكرية والسياسية داخل المجتمع وعدم ترك مجموعه من الناس على هامش الدولة، هذا التوافق يطرح على الشعب لتبنيه باستفتاء عام.

لا يمكن بدولة ديمقراطية عريقة أن تضع دستورا ذا بعد ديني لأن الاديان متعددة والمعتقدات مختلفة لكل الشعوب، لا يمكن وضع دستور يحدد الهوية العرقية للدولة لأن الاعراق متعددة وهكذا بمجالات عديدة.

يرتبط بالدستور التوافقي النقطه الثانيه وهي احترام حقوق الإنسان المتعارف عليها دوليا، فالمساواة بين المرأه والرجل او حقوق الطفل والحقوق الثقافية للاقليات واحترام حق اللجوء والعمالة الأجنبية وعشرات النقاط الأخرى تصب كلها باتجاه ربط النظام السياسي الجديد باواصل الحضاره العالميه الحديثه، فالحضارة الإنسانية واحدة تختلف مع الازمان ولكنها دائما ذا صبغة عالميه. الخلط كما حدث ببعض دول الربيع العربي الاول بين الحضارة الواحدة والثقافات المختلفة أدى إلى ترعرع اتجاهات متطرفة عنيفة وأفكار متخلفة تسحب المجتمع إلى الخلف تحت شعار خصوصيه الحضاره العربيه أو الاسلاميه، بينما لا توجد هناك أي خصوصيه لأي شعب مهما كان باطار المفهوم الحضاري بينما توجد خصوصيات ثقافيه كثيرة ومهمة تنوع المجتمعات وتزيدها بريقا كالادب والبناء والتعبير الفني وغيره، لا يمكن التمييز بحق المرأة بالارث مثلا او بتولي مناصب قيادية بحجة أنه جزء من الثقافة العربية بل هو جزء من حضارة سابقة لم تعد موجودة حاليا بأي مكان.

لا توجد دولة ديمقراطية على وجه الارض تبنت مفهوما حضاريا خاص بها من اليابان البوذية إلى البرازيل الكاثوليكية أو جنوب افريقيا باعراقها المختلفة أو دول الاتحاد الأوروبي بماضيه المسيحي وحروبه الدينية.

الدستور التوافقي المتناغم تماماً مع قيم حقوق الإنسان حيث لا يمكن ان يحتوي الدستور على مواد تتنافى مع هذه القيم هما أسس أي دولة تبحث عن الثبات السياسي والاجتماعي كي تتفرغ للبناء، ولكن هذان الاساسان قد تنهار أمام أطماع مجموعه من الناس ذوي الاهداف الخاصه والذين يحاولون إعادة عقارب الساعه إلى الوراء، من سيمنع إذا انتكاسة كهذه، النموذج الروسي او المصري واضح بذلك

وحده المجتمع المدني القوي بمفهوم المؤسسات والجمعيات المنضمة له والتي هي بطبيعتها خارج اطر الدولة الرسميه هو من يملك القدرة على تأمين استمرارية النظام الديمقراطي، وتبعد خطر الفساد السياسي أو الانحراف عن الحقوق.

المجتمع المدني الواعي يمنع المجتمع الديمقراطي نفسه من إهمال آراء وحقوق الاقليات وتبقيها حاضرة بالفعل السياسي والاجتماعي مبعدة بذلك خطر ما يسمى بدكتاتورية الأغلبية.

مؤسسات المجتمع المدني حتى بالدول الديمقراطية تحافظ على تماسك المجتمع وتلاحمه وتراقب عمل الدولة والاحزاب. وحده المجتمع المدني كما نرى حاليا بثورة الشعب السوداني ومنظماته المدنية من يستطيع تثبيت أسس الديموقراطية الواعية بنفسها والمحترمة لحقوق كل مكونات المجتمع وهي برأيي من يؤمن ديمومة الدستور التوافقي وينجح بربط المجتمع والدولة الديمقراطية الناشئة بالمجتمع الدولي والحضارة الإنسانية المعاصرة

كاتب و محلل سياسي مستقل

مجتمع الرمال المتحركه ومؤشرات المستقبل القدس العربي 03 تموز 2019

مجتمع الرمال المتحركة ومؤشرات المستقبل

أظهرت دراسة إحصائية حديثة للباروميتر العربي، نُشرت بالـ «بي بي سي» (المركز الإعلامي البريطاني) الشهير، صورة مُغايرة للشباب العربي، عما هو مُتوقع. المؤشر يُظهر فقط، الوضع الراهن، كما تتصوره العينة المُختارة، بمعايير علمية مُعبرة عن الكل المجتمعي. هي إذاً صورة لحظية وليست حلولاً مطروحة. الذين لم يفهموا التاريخ والمجتمع، بمفهوم علمي، مبني على دراسة الظواهر والتطورات البطيئة، هم من لم يتوقعوا هذه الصورة، المجتمع وخصوصاً الأجيال الجديدة، تختلف دائماً عن الأجيال السابقة، وهي ترجمة لظاهرة التأقلم مع المُعطيات المحلية والعالمية المُتطورة دائماً، فالزمن لا يتجمد، والحدث مهما كان مهماً، لا يخلق التاريخ ولا يُغير المجتمع.

الحروب والتغيرات السياسية

التاريخ إذاً، ليس مجموعة من الأحداث الكبيرة والمهمة، مثل الحروب والتغيرات السياسية العنيفة، وإنما هي مجموع التغيرات البطيئة المتراكمة، والتي تؤدي إلى التغيير العميق والتطور، والتراكمات التي حدثت بالوطن العربي، منذ أكثر من ثلاثين عاماً، هي التي أدت إلى تغيُر في رؤية وممارسة الأجيال الجديدة، وأدت إلى الربيع العربي. نذكر منها: ازدياد التعليم خصوصاً للنساء، واللواتي دخلن عالم الجامعات والعمل، بل أصبحن في بعض التخصصات أكثر من الرجال. الانخفاض الكبير بنسبة الخصوبة، بسبب رفض المرأة الجديدة البقاء بالبيت والاستمرار بالمهام المُناطة بها كالإنجاب والترفيه عن الرجل، مُعدل النسبة الحالية للإنجاب العربي، لا يتعـدى المستويات العـالمية، ولا حـتى الأوروبيـة.
تطور العلمنة الاجتماعية بمفهوم خروج معظم النشاطات، مثل العمل والتعليم، من دائرة الدروس الدينية والزوايا، إلى دائرة المعرفة الإنسانية، فالطب والهندسة والاقتصاد وباقي المهن، تعتمد على العلم الإنساني وليس على خوارق الغيبيات والعقل الخرافي، ولم يعد هناك عملياً مكان لدراسات علمية دينية.

الإيديولوجيات التقليدية

البدء باستبدال الإيديولوجيات التقليدية الجامدة الشمولية، السائدة حالياً، بقيم حقوقية نسعى لتحقيقها مرتبطة بالمحافظة على حقوق المواطن، الفرد الإنسان والذي يجب أن يكون هدف كل سياسة وعمل اجتماعي والمصدر الوحيد للشرعية. كما أن تطور بنية المجتمع المدني عن طريق بناء جمعياته ومنظماته، بعيداً عن الأُطر الرسمية للدولة والأحزاب السياسية، رغم القمع السياسي والمعيقات التي تُوضع أمامه.
الثورة المعلوماتية التي فتحت الآفاق أمام الشباب، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي نافذة على العالم لآ يمكن اغلاقها، وهو ما حدّ من انتشار الفكر الواحد غير القابل للنقاش وهز الايديولوجيات السائدة، وأوصل نجاحات الشعوب الأخرى للشباب العربي الساعي للانعتاق.
التحول التدريجي بالمُمارسة الدينية، من ممارسة اجتماعية مُراقِبة عامة مُعلنةٍ، إلى ممارسات فردية شخصية، كل يمارس دينه كما يشاء، بدون اتباع العلماء والشيوخ، رغم كثرتهم على صفحات الفيس بوك. كذلك اتساع مساحة المُمارسة الشخصية الفردية باللباس والطعام ونوعية العلاقات الاجتماعية.
تراجع التدين حسب استطلاع الباروميتر العربي، ولو بنسبة قليلة، هو حقيقة، تقدم لقوى الحداثة الشبابية، التي لم تعد تقبل تدخل الدين ورجال الدين، بالحياة العامة والسياسة والاقتصاد، وكل صغيرة وكبيرة، وتبرر ظلم الحكام. البحث عن أسباب ذلك، كظاهرة سلبية يجب علاجها، هو برأيي خطأ، فهي على العكس ظاهرة صحية، تضع الأمور بمكانها، فالدين لم يعد له مكان بالسياسة والعلم بأي دولة بالعالم تدعي الحداثة، الصحيح أن مؤشر التدين يتزامن دائماً مع زيادة الجهل والظلم الاجتماعي، ويتناقص دائما مع تحسن مستوى الحريات العامة وارتفاع مستوى التعلم كما نرى بدول عديدة بالعالم. وهو ما يظهره المؤشر المذكور عند الطبقة الوسطى المتعلمة، والتي كانت موضوع الدراسة الإحصائية المذكورة.

الممارسة الفردية

الانتماء الديني قد يكون جزءا من الهوية الوطنية أو الممارسة الفردية، ولكنه ليس جزءاً من الفكر العلمي أو الفكر السياسي لتنظيم المجتمع خارج القواعد العامة المتفق عليها انسانيا. عودته إلى وضعه الطبيعي، أي الدعوة للقيم الإنسانية العامة والتضامن، هو موقعه العادي، وليس إقحام نفسه بالتنظيم الاجتماعي والسياسي للمجتمع، وهذا ما قد يحافظ على استمرارية الهوية الدينية على مدى طويل، ويترك مجالا للتدين داخل إطار الدولة الديمقراطية. ظهور التطرف الديني خلال السنوات الأخيرة والتشدد مع استعمال العنف، لتطبيق تعاليم الدين، ما هو بالحقيقة إلا انعكاس لتخوف الاتجاهات الدينية على نفسها من الانقراض، وهي ترى طبقة الشباب تبتعد عنها رويداً رويداً، هو إذاً نوع من أنواع التمترس في مجتمع متحرك ومتغير.
هذه التحولات وغيرها كثيرة، لم يتبعها تغيير بالنظام السياسي القمعي الأبوي، والذي تحجر تماماً ولا يرى أي تغيير، مما يزيد التناقض بين هذه الطبقة الوسطى، الآخذة بالاتساع، والساعية إلى التواصل مع العالم، والانفتاح على الآخر، وبين هذه الأنظمة. النتيجة طبعاً ما نراه حالياً من انفجارات وثورات وما يتبعها من قمع وحروب، بين الجديد الطارىء، والقديم المتمكن بوسائل الاقتصاد والحكم المتمسك بالسلطة.
أشياء أخرى كثيرة ذكرها هذا الاستقصاء الإحصائي، كوضع الديمقراطية بالدول العربية وتراجعها، وبشكل خاص الرغبة بالهجرة إلى الخارج، المرتبطة بعوامل اقتصادية، وانهيار منظومة الحريات العامة. هجرة الشباب أو البحث عن الهجرة، هي أكبر مؤشر على فشل النظام السياسي العربي، ونظام الدولـة القطـرية العربيـة.
فهم مشاكلنا هو بيد شبابنا وطبقاتنا الوسطى، طبقة المتعلمين، رغم قلة عددهم النسبي، إلا أنها هي المُحرك الأساسي للتغيير. وعيهم بصعوبة المرحلة ورغبتهم العارمة بحياة حرة وكريمة، هي التي ستؤدي، عاجلاً أم آجلاً، إلى التغيير السياسي المأمول، الذي سيكون بداية الحل لمشاكل المجتمع وهمومه.

محلل ومراقب سياسي مستقل

كلمات مفتاحية

تونس ومصر الأبيض والأسود… دروس النجاح والفشل

تونس ومصر الأبيض والأسود… دروس النجاح والفشل

القدس العربي 26 حزيران 2019

د. نزار بدران

ثورتا السودان والجزائر أظهرتا بوضوح استيعابهما لدروس الماضي القريب، خصوصاً الحصاد الكارثي للثورة المصرية من جهة، والنجاح البراق للثورة التونسية من جهة أخرى. هما إذن صورتان متناقضتان، لكنهما بالنسبة للثورات، تعتبران لحسن الحظ، خارطة طريق لنعرف ماذا يجب أن نفعل (تونس)، وماذا لا يجب أن نفعل (مصر).
هاتان منارتان للثورات كل على طريقته، فالأولى تنير الطريق الصحيح، والثانية تمنعك من الوقوع بالحفر الكثيرة التي تملأ تلك الطريق. انتهى الأمر بالثورة المصرية لحكم عسكري، قلّ أن ترى أنظمة بمستوى تجرده من أي خُلق، وتحليه بكل صفات الإجرام، وآخر صيحاته مقتل الرئيس المنتخب الوحيد في تاريخ مصر الشهيد محمد مرسي.
تعلمنا الثورة التونسية أن النصر بحاجة لتوحيد الشعب بكامله، وراء مجتمع مدني مزدهر قوي، تعلمنا أيضاً أنه لم يعد من مكان للأيديولوجيات، في زمن المطالبة بالحقوق الأساسية للإنسان التونسي، بالحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة، تعلمنا أن المرأة هي نصف المجتمع عددياً وحقوقياً، قيادة ودراسة وإبهاراً وإنتاجاً، تعلمنا السير في طريق الحداثة، والابتعاد عن قيم عتيقة أكل الدهر عليها وشرب، لا تمثل إلا اضطهاد الآخر واحتقار المرأة، وسرقة حقوقها وتطبيق شريعة السلطان الحاكم والرعية الطيّعة، حتى الحركة الإسلامية التونسية أظهرت حداثة وانسجاماً نسبياً وتأقلماً مع مجتمع الثورة ومطالبها.
تعلمنا الثورة المصرية، أن تفاهم الثوار مع العسكر وبقايا النظام السابق، هو كارثة، وأن الفكر الإصلاحي لا يصلح في زمن الثورات، وحده إزالة النظام وكل أعمدته وبكل اشكاله، هو ما يمهد الطريق إلى النصر.
تُعلمنا الثورة المصرية، أن من يتحالف مع العسكر وبقايا النظام من الليبراليين واليساريين وأحزاب المعارضة التقليدية، لا يغيّر من طبيعة النظام العسكري، ولا يسمح بالانتقال السلمي للسلطة، تُعلمنا أن الأولوية هي لبناء الدولة الديمقراطية، وليس الاستيلاء على السلطة.
تُعلمنا الثورة المصرية، أن فقدان الفكر المستقل والارتماء بأحضان الأحزاب التقليدية بكل اشكالها، دينية أو علمانية، يسارية أو يمينية، لا يؤدي إلى نصر، هؤلاء لم يتمكنوا على مدار عشرات السنين إلا إنتاج شكل النظام المستبد نفسه حينما استلموا السلطة.
تٌعلمنا الثورات كلها على امتداد الأرض العربية، أن تحالف قوى الثورات المضادة، مهما كانت خلافاتها الظاهرية، هو تحالف دائم وقوي ومدعوم من كل قوى الظلم والاستبداد في العالم، ويمتلك ترسانة أموال طائلة لقتل ووأد الثورات، وهو ما يعني أنه يجب على ثورتي السودان والجزائر أن تتضامنا وتتكاتفا، بوحدتهما وسلميتهما ووحدة أهدافهما ووسائلهما، وذلك هو طريقهما إلى النصر، وهي تَعلَم جيداً أن فشل وسحق أي ثورة هو المقدمة لسحق وتدمير الثورات الأخرى.
نرى اليوم إصرار الثوار في السودان، على رفض مشاركة العسكر بقيادة المرحلة الانتقالية، وعنف رد المجلس العسكري، بفض الاعتصام وقتل العشرات، لهو دليل على صواب موقف الثوار.
نرى أيضاً في السودان والجزائر، رفض التيارات الدينية، حتى الوسطية، وليس فقط تلك التي شاركت في السلطة، وهذا دليل على نُضج الفكر الثوري، والتوجه الأكيد نحو قيم جديدة للثورات العربية، ترفع شعارات المواطنة والسلطة المدنية، وتعايش الأجناس والأديان، واضعة هكذا أُسس بحيث تعود الأمة، إلى قيم الحضارة الإنسانية الشاملة، مُبتعدة عن الفكر السلفي، الراكض إلى الخلف، بحثاً عن أزمانٍ ذهبية قبل مئات السنين، وكأن التاريخ قد توقف عندها.
هناك دروس كثيرة نتعلمها من تونس ومصر، وباقي الثورات العربية، ولكن هناك أيضاً العديد من الدروس التي نتعلمها من شعبي السودان والجزائر، وقد خطّا مساراً جديداً حداثياً، لثورات الربيع العربي الثاني، تختلف جذرياً عن ثورات الربيع الأول. يبقى على الثوار أن يُحددوا بأنفسهم، ما يحملونه من فكر، وما يسعون لتحقيقه من أهداف مُشتركة، خصوصاً في هذا الزمن الذي يجري فيه تغييب ومطاردة الكلمة الحرة والفكر المستقل، وكثر فيه المطبلون والمشكّكون بجدوى الثورة، والذين باعوا قلمهم وضمائرهم بأبخس الأثمان.

محلل ومراقب سياسي مستقل

دروس أولية من الثوره الجزائريه

دروس أولية من الثورة الجزائرية… الثورة اليقظة

القدس العربي

12 – أبريل – 2019

د. نزار بدران

الثورة الجزائرية السلمية الشعبية، والتي تمكنت حتى اللحظة، من زعزعة النظام، وإقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقه، هي حدث تاريخي بكل معنى الكلمة، وتأثيرها على المنطقة العربية ودول أخرى بالعالم، سيكون عميقاً وكبيراً. فالشعب الجزائري بعفويته، استطاع أن يُعطينا دروساُ، بالحنكة السياسية والعمل الفعال الخلاق، لم يكن بالإمكان توقع حدوثه، ولا حتى من أعتى أخصائيي السياسة وعلم المجتمع.

مدرسة الأجيال

ماذا نستطيع لحد الآن الاستخلاص من هذه الدروس، وقد تصبح مدرسة للأجيال والشعوب الأخرى؟. أول هذه الدروس، هو أن لا شيء يقهر إرادة الشعب، عندما يكون موحداً، وبعيداً عن الطائفية، فالشعب الجزائري بعربه وبربره، خرج كرجل واحد وروح واحدة، يهتف طالباً الحرية والديمقراطية، واضعاً إسقاط النظام، كل النظام، هدفه الوحيد، الطائفية التي تعم دولاً في المشرق العربي كالعراق وسوريا، بين الشيعة والسنة، والأكراد والعرب والعلويين، هي أحد أسباب فشل الحراك الثوري الديمقراطي، الدرس الجزائري، سيكون لهذه الشعوب، مصدر إلهام لسلوك طريق الصواب، والاتحاد لإسقاط الأنظمة الاستبدادية.
لم يقبل الشعب الجزائري، بسقوط رمز النظام، أي رئيس الجمهورية، بل أصر على إسقاط الزمرة الحاكمة كاملة، مُتهماً إياها بكونها عصابة، ولا يقبل أن يترك مصيره بيد العسكر، حتى ولو أظهر قائد الجيش تعاطفاً مع الثوار، فهو واع بكون هذه القيادة، مُعينة أصلاً من النظام وهي جزء منه. هذا ما لم يحدث بمصر، عندما ترك الشباب ساحات النضال، بمجرد سقوط مبارك، تاركين للعسكر مُهمة استكمال المشوار، ونعرف جميعنا الآن إلى أي مكان ومنزلق خطر أرسلنا هذا المشوار.

تفريق المتظاهرين

وُلوج الحركات الإسلامية، ومنهم الإخوان المسلمون، واختراقهم لثورات الربيع الأول مع فكرهم الإصلاحي اللفظي، هو ما أدى إلى وُصول الجيش للسلطة، وتمسكهم بها، وعودة الديكتاتورية العسكرية لحكم مصر، هذا ما لا نراه حالياً في الجزائر، حيث يتميز الإسلاميون باختفائهم تقريباً عن الساحات، ورفض الشارع الجزائري، إعطاءهم مساحة سياسية للتأثير بالأحداث، والقليل منهم الذين يظهرون على شاشات التلفزة، يُغردون خارج سرب المتظاهرين، ويطرحون أفكاراً وسطية، تقبل التعاون مع جزء من السلطة، بدل الفكر الثوري التغييري الشامل للشعب الثائر.
لقد أدى فكر الحركات الإسلامية في دول المشرق العربي، إلى تطور التطرف الديني، وظهور الجماعات الجهادية، واستعمال العنف التكفيري، ليس ضد السلطة الظالمة، ولكن ضد الثوار أنفسهم، وفتح الباب لعودة الثورة المضادة وانتصارها كما رأينا في سوريا.

نزول ملايين المتظاهرين الجزائريين دفعة واحدة، وبكل جمعة، أفسد على السلطة إمكانية استعمال القوة لتفريق المتظاهرين وقمعهم، الحجم الهائل للمظاهرات وتنوعها وانتشارها بكل البلاد، كان الوسيلة المُثلى، لحشر النظام وقواه القمعية بالزاوية، وبالتالي استسلامه بالنهاية.
وهذا ما فطن إليه متظاهرو السودان، والذين اتبعوا حديثاً الأسلوب الجزائري، أي وضع الكثافة العالية للمتظاهرين، لإبطال مفعول العنف المُتوقع من الجيش أو الشرطة، مُضافاً إلى السلمية والانتظام التام، وعدم مهاجمة رموز السلطة، كمؤسسات الحزب الحاكم أو الإدارات الأمنية.
من الدروس المهمة أيضاً، الاعتماد على المجتمع المدني ومنظماته المهنية، حتى ولو لم تكن مُعترفا بها، لتنظيم وإدارة الحراك، بدل الأحزاب السياسية، فالمجتمع المدني يحمل تطلعات الشباب الحقوقية، برفع الظلم والعدالة الاجتماعية والحرية، مُبتعداً عن الفكر الحزبي الضيق، الذي لا يهتم إلا للوصول للسلطة وتحديد هويتها الإيديولوجية، بدل بناء الدولة، وهذا ما يفسر فشل الأحزاب الذريع بكل الثورات العربية.
رفع شعارات الحضارة الإنسانية الحديثة، وبناء دولة ديمقراطية مُنفتحة على العالم، والتي لا تفرق بين أبنائها، مهما كانت لغاتهم ودياناتهم وأجناسهم، ولا تفرق بين المرأة والرجل وتحفظ حقوق الإنسان، مُبتعدة هكذا عن الإدعاء بالفكر الخاص بالعرب أو بالمسلمين، المُنطوي على نفسه والدافع نحو التفرقة والصراعات التي لا تنتهي. حتى أن رفض التدخل الخارجي، بكل أشكاله، كان واضحاً بشعارات المتظاهرين، قاطعاً الطريق على نظرية المؤامرة، التي عمت الثورات العربية الأخرى.

الصبغة النسائيه

الصبغة النسائية الواضحة والقوية، للحراك الجزائري، ونراه أيضاً في الثورة السودانية الحالية، هو دليل على أن المرأة العربية، لم تعد تقبل البقاء بالبيت بانتظار ما سيفعله الرجل لها، بل تأخذ زمام الأمور وتبادر للمشاركة، بل لقيادة الحراك الثوري، وهو ما يعطيه فكراً وبُعداً أكثر واقعية، ويبتعد عن العنتريات الرجولية، والفكر المحافظ القامع لحقوق الإنسان.
تحديد الدول المُعادية للثورات العربية بأسمائها، وإظهار وعي المتظاهرين بدورها ورفضهم لتدخلها، حتى ولو حاولت دول مثل السعودية والإمارات، إعطاء الانطباع بتفهم الحراك بالإعلام، بينما هي بالخفاء، تحاول استنساخ التجربة المصرية وإيصال العسكر إلى السلطة.

العلم الفلسطيني

يرفع المتظاهرون الجزائريون، العلم الفلسطيني بشكل قوي، وهو العلم الوحيد تقريباً المرفوع خارج العلم الوطني أو الأعلام الجهوية، وهذا ما يُفزع برأيي كل دعاة الشؤم في العالم العربي وباقي العالم، ممن يدعون أن القضية الفلسطينية قد تم نسيانها، وهي بطريق الاحتواء التام، وأن الشعوب مشغولة بثوراتها، ولم تعد تهتم بفلسطين. رفع العلم الفلسطيني بجانب علم الثورة الجزائرية، يوصل رسالة من الشعب الجزائري الثائر بالملايين، أن قضية فلسطين بالنسبة له، هي قضية داخلية خاصة مثل قضاياه الداخلية الأخرى كالحرية والعدالة الاجتماعية، ويعتبر الشعب الجزائري أن فلسطين هي جزء منه، ولن يقبل المساومة على قضيتها، وهذا هو الشعور الشعبي العربي العام، وهو ما يحفظ لفلسطين أمل التحرير، بعد زوال الأنظمة المافياوية الحاكمة، والتي لا تُمثل أبداً بسياساتها تطلعات شعوبها، لتحرير هذه البقعة من الأرض العربية، وتُعيد مركزية القضية الفلسطينية بقضايا الأمة.
الثورة الجزائرية ستُعلم وتُلهم باقي الشعوب العربية وغيرها، وتضع لهم خريطة طريق وأسلوب الثورة الناجحة الفعال، وهي التي تعلمت من دروس وأخطاء الربيع العربي الأول وعرفت كيف تتفاداه.

كاتب ومحلل سياسي

الربيع العربي وهدف استكمال الاستقلال الوطني. القدس العربي

الربيع العربي… وهدف استكمال الاستقلال الوطني

12 – مارس – 2019

نعيش الآن على عتبة مرحلة جديدة من مراحل الربيع العربي، فالجماهير الثائرة في السودان والجزائر، وكذلك التَمَلمُل في دول عديدة أخرى بما فيها مصر، يدل على أن ثماني سنوات من الحرب السورية، أو سنوات الحرب اليمنية، وحروب داعش وتدخل كل قوى الأرض، لمنع ثورات الشعوب، لن تُجدي شيئاً.
حيث أن المُطالبة بالتغيير في دولنا، يُنظر إليه من قِبل السلطات المستبدة، ومن قِبل كثير من المثقفين والإعلاميين والدائرين في فلكهم، وكأنها فتح باب العودة للاستعمار، بعدما خرج من بلادنا والحمد لله، في القرن الماضي.

الاستعمار الجديد

لكن الناظر لما حدث من دحر الاستعمار وإقامة الدولة الوطنية العربية، يرى أننا قد نكون أنهينا حقاً الوجود الاستعماري، ولكننا لم نحصل على الحرية، فهذه الأنظمة التي ورثت هذا الاستعمار، هي بالحقيقة امتداد له.
أحد المتظاهرين في الجزائر، حمل يافطة يُطالب بها بإسقاط استعمار الشعب، هو على حق، فنحن ما زلنا نعيش تحت الاستعمار، وربما بشكل أسوأ مما كان عليه الوضع زمن التواجد الغربي، فسرقة البلاد لصالح طُغمة مُستبدة، والغياب التام للتنمية الاقتصادية، أو أي قطاع من القطاعات الاجتماعية، والانتفاء الكامل لوجود أي شكل من أشكال الحرية، والغياب التام للرأي العام، وتبذير المال العام والفساد، وضعنا بوضع أسوأ مما كنا عليه زمن الاستعمار الأجنبي. فالعديد من الدول عبر العالم، كانت أضعف وأفقر منا، تجاوزتنا بأشواط عديدة، ونحن ما زلنا نعبد أصنام المجاهدين، الذين حرروا الجزائر، أو عسكر مصر وسوريا والـسودان وغيـرهم.

حقوق الإنسان

أقنع هؤلاء، ومعهم المثقفون الوهميون، الذين يُنيرون لنا طريق الرشاد، ولكن إلى جهنم، أقنعوا آباءنا أن الديمقراطية والحرية ومساواة الرجل والمرأة وحقوق الإنسان والانتخابات الحرة، هي أحد ظواهر الاستعمار، والتي وجب انسحابها معه عند الاسـتقلال.
كذلك فإن هذه الأنظمة تحاول إقناعنا أن قيم الاستبداد والانفراد بالسلطة، وسرقة الثروات والتمييز بين الناس وتهميش المرأة، هي قيم ديننا الحنيف وجزء من عاداتنا وتقاليدنا. وللأسف فإن كثيرين ساروا على هذا الدرب، ودعموا الأنظمة الاستبدادية، أو أوجدوا أحزاباً سياسية بهدف الوصول إلى السلطة خارج أي طريق ديمقراطي، كالأحزاب القومية أو الدينية.

النخب السياسية

جيل الربيع العربي وجيل ثورة تونس لعام 2011، وجيل شباب السودان والجزائر ومصر، وأجيال العرب الجديدة، بكل دولهم، فهموا أن الديمقراطية والحرية وقيم حقوق الإنسان، هي قيم إنسانية وليست مُلكاً للغرب، ولا تُعبر عن خصوصية ما هي حكر عليه، وإنما هي سمة الحضارة الحالية، ولا يمكن لأي شعب أن ينهض إلا بها.
عندما انسحب الاستعمار من دول عديدة بالعالم، لم يكن فقط نتيجة هزائم عسكرية كالجزائر، وإنما أيضا نتيجة تطور الوعي الشعبي الغربي، الذي لم يعد يقبل أن لا يتمتع أبناء الدول المُستعمرة، بحقوق المواطن الغربي نفسها، بدل الاستمرار وفق النظام السائد، والذي كان يُميز بشكل كبير، بين المُستوطن الغربي وإبن البلاد الأصلي (كما يحدث بفلسطين حاليا)، وهو النظام الإمبراطوري الذي كان سائدا.
النُخب السياسية الغربية بزمنها، وجدت نفسها بين نارين، إما القبول بالمساواة بالحقوق، مع نشأة الدولة الحديثة وانتهاء الإمبراطوريات وتطور وعي الشعوب المستعمرة بحقوقها، أو التخلي عن الوجود الاستعماري.
وتأكيدا لذلك، فإن المناطق التي ما زالت تحت السيطرة الفرنسية مثلاً، في إفريقيا أو في بحر الكاريبي أو في المحيط الهادي القليلة السكان، لم تعُد تُعتبر مناطق مُستعمرة وبها مستوطنون أسياد وعبيد كما كان سابقاً، بل مناطق فرنسية عادية، كأي مقاطعة بفرنسا، بالحقوق والخدمات نفسها للجميع، ولا توجد أي حركة استقلالية فعالة على الإطلاق في هذه المناطق (آخر انتخابات حصلت في كاليدونيا الجديدة أكدت على بقائها داخل فرنسا). هذا هو الشأن أيضاً بخصوص الأراضي التابعة لهولندا أو غيرها من الدول الأوروبية.
عندما تم دحر الاستعمار بالجزائر ومناطق أخرى، ألقينا للخارج كل القيم التي تُبنى عليها الدولة الحديثة، وأعدنا أنفسنا تحت استعمار الاستبداد الداخلي، والذي لا يجد أي حرج بالتعامل مع الدول المُستعمرة سابقا ويبيعها النفط والثروات، لإغناء ضباطه وطبقته الحاكمه، بدل استعمال ذلك النفط لبناء الوطن، كما تفعل النرويج أو بريطانيا أو الولايات المتحدة.
الأنظمة الاستبدادية، هي حليف ورديف الاستعمار، والتي أنهت مشكلته الديمغرافية والحقوقية، حتى لا يُصبح مئات ملايين من الناس، مواطنون بهذه الدول الغربية، وأمنت له كل ما يحتاجه، وأفضل من السابق، حيث لم يعد عليه أي كُلفة أو التزام. ففي بعض الدول، أعادت لنا هذه الأنظمة، الاستعمار المباشر كسوريا بشار الأسد، أو قسمت البلاد وأنهت ثرواته كالسـودان.
انتصار ثورات الربيع العربي، والبدء ببناء الديمقراطية الحقيقية، والدولة الحديثة، هي التي ستكون حقاً، الحلقة الأخيرة لإنهاء الاستعمار، لأنها ستبني أنظمة سياسية تُعامل الدول المُستعمرة سابقاً، من مِنظار الند للند، وليس من منظار التابع والمتبوع، نحن إذاً حالياً في شوارع الجزائر والسودان وغيرها، نبني دولنا المُستقلة حقاً، والمتظاهر الجزائري، بلافتته الصغيرة، فليسقط استعمار الشعب، هو على حق، واختصر تماماً المأزق الذي نعيشه.

كاتب ومحلل سياسي

البحرين الثوره النقية

البحرين الثورة النقية
د. نزار بدرن 28/02/2019

تحتفل البحرين بالرابع عشر من شباط، بذكرى انطلاق الاحتجاجات المطالبة بالديمقراطية، بعام 2011، والإصرار على الاستمرار، رغم الرد العنيف للسلطات، مدعومة من الجيش السعودي والإماراتي، والتي وضعت نهاية دموية، لهذا الحراك الشعبي، دون التمكن من إسكات المطالبين بالحرية، رغم زجهم بالسجون، وإسقاط الجنسية عن اللاجئين السياسيين بالخارج، والتضييق على جمعيات المجتمع المدني، والمدافعة عن حقوق الإنسان.
يتميز الحرك البحراني، بكونه أبعد ما يكون عن العنف، فقد استمر المحتجون بالنضال السلمي، رغم كل وسائل البطش والاتهام بالإرهاب وارتباطهم بإيران
هذه طبعاً، أمنية السلطة وليست الحقيقة، فالثورة البحرانية، هي ناصعة البياض وشديدة النقاء، تُقمع ولا تَقمع، تُتَهم بالطائفية، ولكنها لا ترفعُ، إلا شعارات الديمقراطية والأخوة، والدليل على ذلك، أن إيران الجارة الشيعية، لم تجد أكثر من الكلام الفضفاض لدعمها، رغم دخول الجيش السعودي، وقمعه الشديد للمحتجين. السلطة الإيرانية، والتي هي حقاً، سلطة طائفية، لا ترى بعين الرضا أي حراك ديمقراطي، خوفاً من العدوى، التي قد تصيب شعبها، الشعب البحراني، يرى الدعم العسكري للحوثيين باليمن، لأنه يهدف لإغراق البلاد بالدماء، عقاباً للشعب اليمني على ثورته، وليس تاييداً لقوى الثورة، إيران لا ترى غرابة، أن تدعم الحوثي البعيد، والذي هو أصلاً ليس شيعي، بل أُدخل قصراً بهذه الطائفة، بينما الغالبية الشيعية بالبحرين، لا تستحق أي دعم، لأنها حقاً وطنية ديمقراطية، تمثل نقاء الربيع العربي الحقيقي

الاحتجاجات الديمقراطية بالبحرين، لم تكن بمحض الصدفة، وإنما لماضٍ حافلٍ بالعمل الاجتماعي والمطالبة بالحقوق، كانت البحرين أول دولة تحصل على الثروة النفطية، وأول دولة تُنظمُ بها انتخابات محلية، ببداية القرن الماضي، وتعترف بحقوق العمال، بعد نضال نقابات عمالية قوية، تَبِعت الحرب العالمية الثانية
افتتحت البحرين بعام 2001، الحوار الوطني بين السلطة والمعارضة، بعد بضع سنوات من وصول أمير جديد للسلطة، وتم التوافق على عريضة، حصلت على دعم الأغلبية الساحقة من أصوات الناخبين، تجاوزت التسعين بالمئة، وكانت تنص على إجراءات ليبرالية، والسماح بعودة المنفيين السياسيين.
لكن لسوء الحظ، انقلب الوضع عام 2002، بعد أن عين الأمير نفسه ملكا، ووضع دستور جديد للبلاد، يؤكد على حكم الملكية المُطلقة.
اندفاع البحرين إذاً، للالتحاق بثورات الربيع العربي بعام 2011، كان له خلفية واضحة، وهو فقدان الثقة بعائلة خليفة، المُسيطرة على الحكم منذ القرن الثامن عشر، ومصادرتها لكل السلطات والثروات المتوفرة.
أدى منع الأحزاب السياسية، لتكوين جمعيات سياسية، أهمها الجمعية الإسلامية للوفاق، والتي كان لها انتشار وتأييد واسع، خصوصاً بالأوساط الشيعية، وهي الأغلبية الساحقة من السكان، حيث يمثلون 70 % ، استطاعت الوفاق الحصول على 64 % من الأصوات،بانتخابات2002 ونجحت حتى بالمحافظات، التي لم تكن نظرياً من مؤيديها، هذه الاحتجاجات إذاً، ليس لها بُعد طائفي، كما حاول النظام إظهاره، وإنما بُعد سياسي اجتماعي حقوقي. ورغم الحصول على أغلبية الأصوات، إلا أن تقسيم الدوائر، وحق الملك بتعيين أربعين عضواً، لم يسمح لهم بالحصول على الأغلبية بمجلس النواب، يُضاف لذلك السماح لسعوديين، لا يسكنون المملكة، التصويت بالانتخابات، تحت مُسمى الحق التاريخي لهم. من ناحية أخرى تم إبعاد البحرانيين من أصول شيعية، عن المناصب المهمة، وحصرها تقريباً بالمناطق السنية. لم يحصل الوفاق إلا على 18 مقعداً من أصل 80، ومع ذلك اعتبر ذلك كثير عليهم.
العائلة المالكة تُسيطر على المناصب المهمة، وليس فقط منصب الملك، القاعدة الاجتماعية للنظام هي الأقلية السنية، رغم أن هذه الطائفة أيضاً، تخترقها أصوات المحتجين، كما أن جزئاً من الشيعة تتعاون مع النظام، لإعطاءه صِبغة وطنية.
أصبح باقي الشعب موضوع لاضطهاد دائم منذ بداية الاحتجاجات، تم فصل كثير من المعلمين، وطرد كثير من الأطباء، لأنهم شاركوا بالتوقيع على عرائض شعبية، وسجن بعض قادة الحراك المهمين
السكوت الخجول للولايات المتحدة، كان بسبب الدور المهم لهذه الدويلة، حيث يقع بها مركز القيادة الأمريكية بالمنطقة والأسطول الخامس، بالإضافة إلى ذلك، لم يرق للملكة السعودية أن يصل الربيع العربي إلى دول الخليج، فدفعت بقواتها لقمع الحركة الاحتجاجية بالتعاون مع الإمارات، رغم أن الوضع السياسي كان قد بدء بالتحرك، ووافق المُحتجون بقيادة الحراك، على العودة للحوار الوطني، بناءا على برنامج عمل بموافقة الأمير نفسه، مكون من ستة نقاط
استعادة حقوق البرلمان
تعيين حكومة تمثل غالبية الشعب
تحديد أكثر توازناً للمحافظات والدوائر الانتخابية
انهاء الفساد وسيطرة النظام على الثروة
انهاء التمييز بتعيين الموظفين
تحقيق مستقل عن قمع المظاهرات لعام 2011
ولكن هذا الحوار قُطع نتيجة التدخل العسكري الخارجي.
كما نرى فإن هذه المطالب، هي عقلانية، ولا تنُم عن أي تطرف أو فكر طائفي، وكلُ ما قِيل عن الدعم الإيراني، هو أكاذيب، فالنموذج الإيراني لم يكن يوماً جذاباً للغالبية الشيعية، والتي ترى نفسها أقرب من شيعة جنوب العراق منهم لإيران. حتى أن لجنة التحقيق البرلمانية، المُعينة من طرف الملك، برأت إيران من كل الشكوك والظنون، بتدخلها بأحداث البحرين، وذلك بتقريرها بشهر نوفمبر لعام 2011، ويحتوي هذا التقرير على 176 توصية لفتح حوار وطني، والذي لم يُفتح أبداً، ولا يُذكر إلا أمام مجلس حقوق الإنسان مرة بالسنة بشهر أيلول لدراسة تطبيقه.
سلمية الثورة البحرانية، رَغم عنف السلطة وابتعاد الدول الأخرى عنها، يُعطيها بجدارة لقب الثورة النقية.
مُحلل سياسي عربي