وعد بلفور فخر السياسة البريطانية

وعد بلفور فخر السياسة البريطانية

القدس العربي

د. نزار بدران

Nov 15, 2017

كانت الذكرى المئوية لوعد بلفور، مناسبة لكثير من الكتاب والمراقبين والسياسيين، للتذكير بتاريخ فلسطين، وكيفية الاستيلاء عليها وطرد سكانها وتحويلهم للاجئين. ولكن ذلك ترافق أيضاً، بمطالبة بريطانيا بالاعتذار للشعب الفلسطّيني، لم تقبل رئيسة وزرائها، هذا الطلب، بل أصرت على الاحتفال بالذكرى مع نتنياهو، وكأنه نصر مؤزر.
الحقيقة أن تيريزا ماي، لم يكن لها أن تأخذ موقفاً آخر بسبب انعدام أي وسيلة ضغط لدى المطالبين بالاّعتذار، فكل مصالح بريطانيا مُحققة في الدول العربية، دون حاجة لتقديم أي نوع من أنواع التراجع السياسي، مُقابل ضغوط إسرائيلية عليها عن طريق اللوبي الصهيوني والصحافة التابعة له.
السبب الثاني والأهم، برأيي، هو أن العرب أنفسهم، قد وافقوا على وعد بلفور وإعطاء وطن قومي لليهود، بمجرد موافقتهم بعد حرب 1967، على الاعتراف بإسرائيل والمطالبة فقط بدولة فلسطين بجوارها.
لا يمكننا إذن، كسياسيين أو صحافيين أو محللين، أن نقول شيئاً وعكسه بالوقت نفسه، أن نطالب بتطبيق الشرعية الدولية، والتي بدأت بعد وعد بلفور، وقرارات عصبة الأمم بعد مؤتمر فيرساي عام 1919، بفرض الانتداب على فلسطين إلى اليوم لتنفيذ صناعة دولة لليهود ، ومُطالبة الاعتذار عن وعد بلفور والذي لم يقل شيئا آخر.
الاتفاقيات الدولية، لا قيمة لها إلا بمقدار قوة الأطراف التي توقعها، وعد بلفور، استعملته الحركة الصهيونية لتحقيق حلم الدولة اليهودية، بينما وعود مكماهون، ورسائله الرسمية قبل ذلك، والواعدة بمملكة عربية كبيرة، في الشرق العربي، تحت سلطة الشريف حسين، مُقابل مشاركتهم بالحرب ضد العثمانيين، وهو ما فعلوه حقا، لم يُطالب أحد بتنفيذها، وكل ما همنا في حينه، هو تقاسم السلطة بين القبائل والعائلات، وليس مستقبل الأمة. الوعد الصهيوني حُقق لأن الذي استلمه، استعمله أفضل استعمال، بينما العرب لم يعرفوا أن يثوروا، بعد خُذلانهم من طرف نفس الإنجليز وبنفس الزمن.
الناظر إلى خريطة الولايات المتحدة، منذ بدء الهجرة والاستيطان ألأوروبي وخصوصاً الإنكليزي، على مدى قرون، يرى التراجع التدريجي لمساحة الأراضي المتبقية للهنود الحمر، والذين سُلبت أراضيهم ولم يبق لهم الآن إلا 2.3٪ منها، وذلك بقوة السلاح، ولكن أيضاً بمئات الاتفاقيات؛ أكثر من 400 إتفاقية لم يُنفذ منها إلا بند الإبعاد لهم وسلب أراضيهم، وليست البنود الأخرى التي تحفظ حقوقهم.
يظهر أننا سائرون على الطريق نفسه، اتفاقيات مع إسرائيل، لا يُنفذ منها إلا الجزء المفيد لهم وليس الجزء الآخر (مثلاً اتفاقية أوسلو). أرض فلسطين تفتت وتُختزل يوماً بعد يوم بالمستوطنات، والتي تستمد شرعيتها، من سكوت القوى العُظمى عليها، وخصوصاً الولايات المتحدة وأوروبا، هذه القوى التي لا تأخذ بالحسبان إلا حقوق من يعرف أن يربط بين المصالح والمواقف، وهو للأسف ليس وضعنا الحالي، إن لم يكن عكسه تماماً.
لكل هذه الأسباب، قد تحتفل تيريزا ماي، برفقة نتنياهو بذكرى بلفور مرات عديدة أخرى، حتى تصحو هذه الأمة من سُباتها وتبدأ بوضع النقاط على الحروف.

القدس وعودة المسيح المنتظر

القدس وعودة المسيح المُنتظر

 القدس العربي

د. نزار بدران

Dec 15, 2017

لم يتوقف الرئيس ترامب لحظة، عند ردود الفعل العربية أو الإسلامية، على قراره الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها، ولم يأخذ رأيهم أصلاً بهذه الخطوة، وهم أهل القضية والقدس عاصمتهم الروحية الأبدية، منذ أن أسرى الله بعبده إليها.
لماذا يتخذ الرئيس ترامب هكذا قرار أصلاً، وهل يخدم ذلك المصالح الأمريكية نفسها؟. الحقيقة أن الخوف الذي يعيشه الرئيس الأمريكي، من إمكانية تنحيته، كما حدث مع الرئيس نيكسون، قد يكون السبب الحقيقي لنقل السفارة، فبعد اعترافات ميكايل فلاين، مستشار الرئيس السابق، واتصالاته مع الروس، وتأثيرهم بمجرى الانتخابات الأمريكية، أصبح الخناق يضيق شيئاً فشيئاً حول عنق الرئيس، وأصبحت إمكانية أن يُغادر منصبه، محتملة جداً.
كشخص شبه عاقل، يتوجه الرئيس إلى اللوبي الداعم له، والذي أوصله إلى سدة الرئاسة، وهم الأصوليون المسيحيون البروتستنت، أو من يُسمون أنفسهم المسيحيون الصهاينة، والذين يؤمنون بعودة المسيح إلى إسرائيل الكبرى وعاصمتها القدس، فهو إذن، يُحقق لهم جزء من النبوءة التي يؤمنون بها.
بالإضافة لذلك، فهو يسترضي اللوبي الصهيوني التقليدي، والذي كان قد صوت لهيلاري كلنتون، قبل عام بالانتخابات الرئاسية، وخصوصاً الصحافة المرتبطة به، التي كان ترامب يتهمها دوماً، بنشر المعلومات الكاذبة عنه.
هل المصلحة الأمريكية، أو دور الوسيط الأمريكي في الشرق الأوسط، سيستفيد من هذا الموقف الأمريكي، الداعم لإسرائيل بأحد مطالبها الاستراتيجية، بتناقض تام مع الشرعية الدولية عامة؟ لا نظن ذلك، ولكن اعتبار الربح والخسارة بالنسبة لأمريكا، لا يأخذ بالحسبان، ردود الحكومات العربية أو حكومات الدول الإسلامية، لانعدام أي وزن سياسي لها، فهي كلها مدينة ببقاء أنظمتها، بشكل أو بآخر لأمريكا، وتدفع مقابل ذلك الأموال الطائلة، كما نرى بدول الخليج مقابل الحماية، والتي من أجلها ومن أجل بقاء أنظمتهم، على قلوب شعوبهم، ينسون القدس وفلسطين وما حولهما. الدول الأخرى ليست أفضل حالاً من دول الخليج، فإما هي تعيش من المساعدات الأمريكية، أو تزودها بالأسلحة والعتاد، لتُحارب بعضها بعضاً.
أما الفلسطينيون، فقد جردوا أنفسهم من كل وسيلة ضغط، أو مقاومة فعالة، عندما رفعوا شعار المفاوضات ولا شيء غير المفاوضات كهدف استراتيجي وحيد. ونحن ندور بفلكه، منذ أكثر من 25 عاماً، بدون اية فائدة، ولم نحصل إلا على مزيد من المستوطنات والحصار.
لا نستطيع حقاً الوقوف لنصرة القدس، إلا إذا استطعنا الانتقال ببلادنا، من حكومات الأنظمة المُستبدة، والقيادات المُلهمة، والتي تُصادر إرادة الناس، وتُغيب آراءهم، إلى تحرير أياديهم، لكي يعملوا معاً على امتداد الأرض العربية، لبناء وطن يعملون من أجل عزته وتطوره وأنظمة تُمثلهم وتعمل ليل نهار، للدفاع عن مصالحهم وحريتهم وحقوقهم، بدل العمل ليلاً ونهاراً، للحفاظ على مصالح الطبقة الحاكمة ضد مصلحة الجميع.
العلة إذن هي فينا، كشعوب وأنظمة، وما لم يُحل التناقض بين هذين الطرفين لصالح الشعوب، فلن تقوم لنا قائمة، وستبقى القدس وفلسطين بأيدي الغزاة.

كاتب فلسطيني يقيم في باريس

معايير الحضارة وحلم فيكتور هيجو نزار بدران قد يظن البعض أن الحضارات تتطور فقط بفعل الإنسان كفاعل مباشر وحيد، وذلك عن طريق التقدم العلمي أو الاجتماعي وغيره من الأنشطة الإنسانية النبيلة، ولكن الحقيقة أن هذه الأنشطة، هي نتاج للفعل الحضاري وليست سببا له. أسباب الحضارة أو شروطها، قد حُددت من قِبل المؤرخين، وخصوصاً من اهتم منهم بالتاريخ الشامل، أو ما يُسمى التاريخ طويل الأمد، والذي وضعت اُسسه في النصف الأول من القرن العشرين. هذه الشروط لم توضع اعتباطياً، وإنما بعد دراسات تاريخية موثقة، عن كيفية إنشاء وإنتهاء الحضارات. وقد نذكر أن أول من اهتم بهذا الأمر، كان ابن خلدون، خلال القرن الرابع عشر الميلادي، عندما حدد أسباب نشوء وانهيار الأمم والإمبراطوريات. مثل هذه الأبحاث والتحليلات التاريخية، ليست وُجهات نظر المؤرخين، وإنما هي حقائق علمية، ُثبت بالدراسة تكرارها، مما أكد حقيقتها. يذكر مؤسس التاريخ الشامل فيرنان بروديل، وهو الدارس للحضارات المتوسطية ومرجعيتها بالعالم، أن نشوء أي حضارة استوجب ثلاثة شروط، وهذا ينطبق على الإمبراطورية الرومانية والإسلامية وغيرها في الشرق الأقصى وباقي العالم. أولى هذه الشروط، هو وجود أرض شاسعة واسعة متكاملة ومتناسقة، الشرط الثاني، هو وجود أناس بعدد كاف يسكنون هذه الأرض ويعملون بها، تجمعهم قواسم مشتركة، وثالثها مرور فترة زمنية كافية من السلم، حتى تستطيع شعوب هذه الأرض أن تبني حضارة مشتركة. هذه حقيقة أشياء بسيطة ومنطقية، ولا نحتاج لجهد كبير حتى نُقنع بعضنا بصوابها. الآن لو أردنا تطبيق هذه الشروط على أوضاعنا العربية، لوجدنا أننا قد قمنا بأيدينا بإنهاء كافة هذه الشروط وتدميرها، وكأننا لا نريد أن ننتمي لأي حضارة، ولا نريد أن ينشأ عندنا أي مستقبل لأبنائنا. نحن في الوطن العربي لنا أرض شاسعة، متناسقة ومتكاملة وتحوي ثروات متنوعة، من المعادن والزراعة والماء والشمس والهواء وغيرها، ولكن هذه الأرض قُسمت إلى 22 قطعة، مُحاطة بحدود لا يستطيع حتى الذباب تجاوزها، بدون إذن وفيزا، وكأن هناك من يريد أن يمنعنا من الخروج من الأقفاص التي وُضعنا فيها. عندنا أيضاً الشرط الثاني، أي الشعب الكبير العدد، والمتناغم اللغة والعادات، وأغلب الأحيان المُعتقدات، 400 مليون مواطن، ولكنهم قُسموا إلى شعوب وقبائل مُتنافرة، لا تستطيع الاتصال بفعل الحدود، بل تتقاتل فيما بينها، داخل أقفاصها الضيقة، لتأكل الفُتات. ولتثبيت هذه الحدود، وهذه الصراعات الداخلية، أوجدنا لأنفسنا حكومات وسلطات لا يهمها إلا نفسها، وتتصرف كأن الوطن الصغير لكل شعب، هو ملكها الخاص، تُغلق عليه كل النوافذ والأبواب. الشرط الثالث للحضارة، وهو الفترة الطويلة للسلم، لست بحاجة للكتابة عنها، فنحن لم ننعم من أكثر من قرن بيوم واحد من السلام، فإما حروب بين هذه الدول المشكلة للأمة، وإما قمع عنيف لحراك جماهيرها، أو قتال مع الجيران، كما رأينا في الحرب بين العراق وإيران. تتوفر إذن للأمة كل شروط الحضارة، ولكنها دمرتها بأيديها، وقد نقول أيضاً بسبب الاستعمار وتدخل إسرائيل والقوى الأخرى، ولكن هذا التدخل ما كان ليحصل، لو حققنا شروط الحضارة فيما بيننا، بدل التقاتل والتجزئة. لو أخذنا مثال أوروبا، فسنرى أن الاتحاد الأوروبي، حقق الشروط اللازمة لبناء حضارة عريقة، فهناك الأرض الشاسعة، حتى ولو كانت أقل ملاءمة وتكامُلاً من الأرض العربية، وهناك 500 مليون مواطن، حتى لو كانوا أقل تناغماً وتشابهاً من الشعوب العربية، فهؤلاء يتكلمون لغات عديدة، وينتمون لحضارات مختلفة، ولكنهم أمنوا لأنفسهم الشرط الثالث: أكثر من سبعين عاماً من السلام الداخلي الدائم، بعد أن قسمتهم ودمرتهم الحروب العالمية الأولى والثانية وما سبقها، 1000 عام قبل تلك الفترة، لم تعرف أوروبا يوماً واحداً من دون حرب. الولايات المتحدة الأمريكية، أمنت نفس الشروط الثلاثة، من شعب كبير 320 مليون، على أرض شاسعة وشعوبا مختلفة عرقياً ولغوياً، ولكنها تعيش بسلام داخلي منذ عشرات السنين. قد نرى الشيء نفسه إزاء الهند أو الصين الحديثة أو إزاء البرازيل. لن نستطيع حقاً بناء أي حضارة، كل على حده، وداخل أقفاصنا الصغير، حتى لو امتلكنا البترول والذهب والفضة. لن نستطيع بناء شيء ذا معنى، إلا إذا جمعنا أرضنا بأرض واحدة، وشعوبنا بأمة واحدة، وإنهينا حروبنا الداخلية العقيمة، وأسسنا للسلم الداخلي، الدائم والطويل، المبني على العدل والمساواة بين الناس، مهما كانت طوائفهم ولغاتهم وأعراقهم. الأوطان المُتحضرة الحضارية، تُبنى بسواعد أبنائها، خصوصاً الذين يُوفرون لها شروط نجاحها، كما فعل غيرنا رغم حروبهم السابقة، فنحن لنا الأرض الواسعة، التي باركها الله، ولنا أمة واحدة كبيرة، حتى لو اختلفت أديانها وأعراقها ولغاتها، وننتمي لحضارة واحدة، كانت في السابق قد حققت هذه الشروط الثلاثة، فمتى ستنتهي حروبنا الداخلية وصراعاتنا، التي لا تخدم إلا أعداءنا؟. ولنذكر بالحلم الأوروبي لفيكتور هيجو، مؤلف “البؤساء” في خطابه أمام مجلس السلم العالمي بباريس، عام 1848، أي قبل أكثر من قرن قبل بناء الاتحاد، والذي تلته وسبقته حروب ضروس بين هذه الدول. قال الشاعر والكاتب العالمي، وأمام سُخرية البعض من الحضور: “إنكم تقولون اليوم وأقول معكم، كلنا هنا نقول لفرنسا وإنجلترا ولبروسيا وللنمسا ولإسبانيا وإيطاليا وروسيا، نقول لهم: سيأتي يوم تسقط فيه الأسلحة من أيديكم، يوم ستبدو فيه الحرب سُخف، وستكون مستحيلة بين فرنسا وبريطانيا، وبين سان بترسبورغ وبرلين، وبين فيينا وتورينو. سيأتي يوم، لا تكون هناك ساحات قتال، وإنما أسواق مفتوحة، للتجارة وعقول تتفتح للأفكار، سيأتي يوم تُستبدل فيه القنابل والرصاص، بالانتخابات وبالإقتراع، بالتحكيم المُحترم لهيئة مُستشارين عُظمى، تكون بالنسبة لأوروبا، مثلما هو البرلمان بالنسبة لإنجلترا والمجلس التشريعي لفرنسا. من هنا فإن هدف السياسة العظيمة، السياسة الحقة، هو الاعتراف بكل الجنسيات، وإعادة إحياء الوحدة التاريخية بين الأمم، وجمعها كلها في حضارة واحدة، هي حضارة السلام، جماعة حضارية واحدة، تُضرب مثلاً للأمم التي لا تزال بربرية متوحشة، ليكون للعدل الكلمة العليا والأخيرة، التي كانت في الماضي للقوة”. تحقق حُلم فيكتور هيجو، بعد قرن من خطابه، وبعد ملايين القتلى الذين سقطوا في الحروب العالمية بالقرن العشرين. هل نستطيع بأمتنا العربية، أن نوفر علينا هؤلاء القتلى، وهذه السنين الضائعة؟.

نشر بالعربي الجديد 21/01/2017

 

معايير الحضارة وحلم فيكتور هيجو

نزار بدران

 

قد يظن البعض أن الحضارات تتطور فقط بفعل الإنسان كفاعل مباشر وحيد، وذلك عن طريق التقدم العلمي أو الاجتماعي وغيره من الأنشطة الإنسانية النبيلة، ولكن الحقيقة أن هذه الأنشطة، هي نتاج للفعل الحضاري وليست سببا له. أسباب الحضارة أو شروطها، قد حُددت من قِبل المؤرخين، وخصوصاً من اهتم منهم بالتاريخ الشامل، أو ما يُسمى التاريخ طويل الأمد، والذي وضعت اُسسه في النصف الأول من القرن العشرين.

هذه الشروط لم توضع اعتباطياً، وإنما بعد دراسات تاريخية موثقة، عن كيفية إنشاء وإنتهاء الحضارات. وقد نذكر أن أول من اهتم بهذا الأمر، كان ابن خلدون، خلال القرن الرابع عشر الميلادي، عندما حدد أسباب نشوء وانهيار الأمم والإمبراطوريات.

مثل هذه الأبحاث والتحليلات التاريخية، ليست وُجهات نظر المؤرخين، وإنما هي حقائق علمية، ُثبت بالدراسة تكرارها، مما أكد حقيقتها. يذكر مؤسس التاريخ الشامل فيرنان بروديل، وهو الدارس للحضارات المتوسطية ومرجعيتها بالعالم، أن نشوء أي حضارة استوجب ثلاثة شروط، وهذا ينطبق على الإمبراطورية الرومانية والإسلامية وغيرها في الشرق الأقصى وباقي العالم.

أولى هذه الشروط، هو وجود أرض شاسعة واسعة متكاملة ومتناسقة، الشرط الثاني، هو وجود أناس بعدد كاف يسكنون هذه الأرض ويعملون بها، تجمعهم قواسم مشتركة، وثالثها مرور فترة زمنية كافية من السلم، حتى تستطيع شعوب هذه الأرض أن تبني حضارة مشتركة. هذه حقيقة أشياء بسيطة ومنطقية، ولا نحتاج لجهد كبير حتى نُقنع بعضنا بصوابها.

الآن لو أردنا تطبيق هذه الشروط على أوضاعنا العربية، لوجدنا أننا قد قمنا بأيدينا بإنهاء كافة هذه الشروط وتدميرها، وكأننا لا نريد أن ننتمي لأي حضارة، ولا نريد أن ينشأ عندنا أي مستقبل لأبنائنا. نحن في الوطن العربي لنا أرض شاسعة، متناسقة ومتكاملة وتحوي ثروات متنوعة، من المعادن والزراعة والماء والشمس والهواء وغيرها، ولكن هذه الأرض قُسمت إلى 22 قطعة، مُحاطة بحدود لا يستطيع حتى الذباب تجاوزها، بدون إذن وفيزا، وكأن هناك من يريد أن يمنعنا من الخروج من الأقفاص التي وُضعنا فيها.

عندنا أيضاً الشرط الثاني، أي الشعب الكبير العدد، والمتناغم اللغة والعادات، وأغلب الأحيان المُعتقدات، 400 مليون مواطن، ولكنهم قُسموا إلى شعوب وقبائل مُتنافرة، لا تستطيع الاتصال بفعل الحدود، بل تتقاتل فيما بينها، داخل أقفاصها الضيقة، لتأكل الفُتات. ولتثبيت هذه الحدود، وهذه الصراعات الداخلية، أوجدنا لأنفسنا حكومات وسلطات لا يهمها إلا نفسها، وتتصرف كأن الوطن الصغير لكل شعب، هو ملكها الخاص، تُغلق عليه كل النوافذ والأبواب.

الشرط الثالث للحضارة، وهو الفترة الطويلة للسلم، لست بحاجة للكتابة عنها، فنحن لم ننعم من أكثر من قرن بيوم واحد من السلام، فإما حروب بين هذه الدول المشكلة للأمة، وإما قمع عنيف لحراك جماهيرها، أو قتال مع الجيران، كما رأينا في الحرب بين العراق وإيران.

تتوفر إذن للأمة كل شروط الحضارة، ولكنها دمرتها بأيديها، وقد نقول أيضاً بسبب الاستعمار وتدخل إسرائيل والقوى الأخرى، ولكن هذا التدخل ما كان ليحصل، لو حققنا شروط الحضارة فيما بيننا، بدل التقاتل والتجزئة.

لو أخذنا مثال أوروبا، فسنرى أن الاتحاد الأوروبي، حقق الشروط اللازمة لبناء حضارة عريقة، فهناك الأرض الشاسعة، حتى ولو كانت أقل ملاءمة وتكامُلاً من الأرض العربية، وهناك 500 مليون مواطن، حتى لو كانوا أقل تناغماً وتشابهاً من الشعوب العربية، فهؤلاء يتكلمون لغات عديدة، وينتمون لحضارات مختلفة، ولكنهم أمنوا لأنفسهم الشرط الثالث: أكثر من سبعين عاماً من السلام الداخلي الدائم، بعد أن قسمتهم ودمرتهم الحروب العالمية الأولى والثانية وما سبقها، 1000 عام قبل تلك الفترة، لم تعرف أوروبا يوماً واحداً من دون حرب.

الولايات المتحدة الأمريكية، أمنت نفس الشروط الثلاثة، من شعب كبير 320 مليون، على أرض شاسعة وشعوبا مختلفة عرقياً ولغوياً، ولكنها تعيش بسلام داخلي منذ عشرات السنين. قد نرى الشيء نفسه إزاء الهند أو الصين الحديثة أو إزاء البرازيل.

لن نستطيع حقاً بناء أي حضارة، كل على حده، وداخل أقفاصنا الصغير، حتى لو امتلكنا البترول والذهب والفضة. لن نستطيع بناء شيء ذا معنى، إلا إذا جمعنا أرضنا بأرض واحدة، وشعوبنا بأمة واحدة، وإنهينا حروبنا الداخلية العقيمة، وأسسنا للسلم الداخلي، الدائم والطويل، المبني على العدل والمساواة بين الناس، مهما كانت طوائفهم ولغاتهم وأعراقهم.

الأوطان المُتحضرة الحضارية، تُبنى بسواعد أبنائها، خصوصاً الذين يُوفرون لها شروط نجاحها، كما فعل غيرنا رغم حروبهم السابقة، فنحن لنا الأرض الواسعة، التي باركها الله، ولنا أمة واحدة كبيرة، حتى لو اختلفت أديانها وأعراقها ولغاتها، وننتمي لحضارة واحدة، كانت في السابق قد حققت هذه الشروط الثلاثة، فمتى ستنتهي حروبنا الداخلية وصراعاتنا، التي لا تخدم إلا أعداءنا؟.

ولنذكر بالحلم الأوروبي لفيكتور هيجو، مؤلف “البؤساء” في خطابه أمام مجلس السلم العالمي بباريس، عام 1848، أي قبل أكثر من قرن قبل بناء الاتحاد، والذي تلته وسبقته حروب ضروس بين هذه الدول. قال الشاعر والكاتب العالمي، وأمام سُخرية البعض من الحضور: “إنكم تقولون اليوم وأقول معكم، كلنا هنا نقول لفرنسا وإنجلترا ولبروسيا وللنمسا ولإسبانيا وإيطاليا وروسيا، نقول لهم: سيأتي يوم تسقط فيه الأسلحة من أيديكم، يوم ستبدو فيه الحرب سُخف، وستكون مستحيلة بين فرنسا وبريطانيا، وبين سان بترسبورغ وبرلين، وبين فيينا وتورينو.

سيأتي يوم، لا تكون هناك ساحات قتال، وإنما أسواق مفتوحة، للتجارة وعقول تتفتح للأفكار، سيأتي يوم تُستبدل فيه القنابل والرصاص، بالانتخابات وبالإقتراع، بالتحكيم المُحترم لهيئة مُستشارين عُظمى، تكون بالنسبة لأوروبا، مثلما هو البرلمان بالنسبة لإنجلترا والمجلس التشريعي لفرنسا.

من هنا فإن هدف السياسة العظيمة، السياسة الحقة، هو الاعتراف بكل الجنسيات، وإعادة إحياء الوحدة التاريخية بين الأمم، وجمعها كلها في حضارة واحدة، هي حضارة السلام، جماعة حضارية واحدة، تُضرب مثلاً للأمم التي لا تزال بربرية متوحشة، ليكون للعدل الكلمة العليا والأخيرة، التي كانت في الماضي للقوة”.

تحقق حُلم فيكتور هيجو، بعد قرن من خطابه، وبعد ملايين القتلى الذين سقطوا في الحروب العالمية بالقرن العشرين. هل نستطيع بأمتنا العربية، أن نوفر علينا هؤلاء القتلى، وهذه السنين الضائعة؟.

فدوى سليمان زهرة الشعراء

نشر بالقدس العربي

د. نزار بدران

Sep 04, 2017

فدوى سليمان تذهب قبل الأوان، وتتركنا كالأيتام، صدحت بأغاني الثورة وكتبت أرهف الأشعار. هي التعبير الأقرب إلى النقاء في زمن معتم، وظلامها الساطع لم يمنعها من رؤية الأمل وضوء الشمس القادم، جمعت الشعب السوري بمظلة المحبة والود، جمعت أبناء وبنات الشام، لم تفرق بين طرطوس ودمشق أو درعا واللاذقية.
لم تهجر حمص، ولكنها أبعدت عن جسدها الرقيق لون دم الذين سقطوا تحت زخات رصاص الغربان الباحثين عنها بين أنقاض المدينة.
لم تأت لاجئة لفرنسا، بل لتحكي أملها وصورة سوريا المقبلة، وهو ما فعلت لآخر لحظة في حياتها.
إيمانها بانتصار المحبة بين أبناء الأم الواحدة، لم يضعضعه ضجيج سكاكين الذبح، ولا شلال الدم السائل، ولا موت الأطفال خنقا بالغازات الكيميائية.
ماتت فدوى وتركتنا ثكالى، ماتت ولكن لن تموت كلماتها ولا قصائدها،
لها منا هذه القصيدة (الهدية) فهي زهرة الثورة الحمراء القانية النقية الباقية حية بعيون أطفال سوريا المبهورين بصورة البدر بعيونها، وقلوب كل عشاق الأزهار. القصيدة كتبتها سهى بدران وهي مترجمة عن اللغة الفرنسية:

الزهرة الحمراء

أنت يا زهرة الحدائق الضائعة
حمراء قانية كالدم السائل على الثلج
يا ابنة الياقوت أيتها الجوهرة الصخرية
يا من تلمعين كالشمس مثل نار أسطورية
كنت تعطرين أمسيات ليالي الشتاء الباردة
وكأننا نتجول بأروقة حديقة سماوية
تستريح الملائكه على بتلاتك المخملية ليلا
لتصحو وتشرب ندى الصباح
أيتها الزهرة الحمراء
أتيت من عالم تتعطر فيه النساء بماء ورد البرتقال
وتلون الآلهة خديها بالزهر لتقترب منك
يا زهرتي الحمراء
يا من ترعرعت وتفتحت تحت نور نجم ساطع
بفضله ما استطاع الضباب أن يحجب ظل القمر
من تجرأ على قطفك
أنت يا زهرة الشعراء والمحبين والحالمين؟

حقوق المرأة العربية في مرآة ربيع الشعوب

أثارت تصريحات الرئيس، الباجي قائد السبسي، بشأن حقوق المرأة التونسية بالمساواة بالإرث، وبحق الزواج بمن تشاء، وحتى من غير المسلم، ردود فعل عديدة في وسائل الإعلام المختلفة، كل أدلى بدلوه في شأن أولوية أحقية النص الديني أم العقل الإنساني بالإتـباع، وما إلـيه من نقـاش يدور في بلادنا، مـنذ أكـثر من 14 قرنـاً، ولم يُحسـم بعد.
ما يهُمني في هذا المقال هو العلاقة الجدلية القائمة والمفترضة، بين حقوق المرأة بشـكل عـام في بلادنا، وحقنا كأمة بالتحرر من التخـلف الفكري، والأنظمة الاستبدادية والإنغلاق الديني. ولا يخفى على أحد، أن الربيـع العـربي الذي بدأ في تونس بنهاية عام 2010، لم يكن يرفع أي شعار ديني، وإنما الانتمـاء إلى الحضارة الإنسانية، عن طـريق الحصــول على الديمقراطية كنظام حكم، وأولـوية الإنســان التونسي والعربي، بتقرير من يحـكمه وكــيف؟.
لم يكن هذا الحراك الشعبي، فقط رد فعل على موت البائع المتجول، أو مرتبطا بحدث مُحدد بزمنه، في بلاد الربيع العربي، بل كان تتويجاً لتطور اجتماعي عميق، بدأ منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وأدى إلى وجود طبقة مثقفة من الشباب، وحتى ولو كانت قليلة عددياً، لكنها لم تعد تقبل، مسلمات الماضي والتبعية للزعيم أو العادات والتقاليد والحكم العائلي والقبلي، بدأت المرأة في الانعتاق من الظلم الاجتماعي، رويداً رويداً، ودخلت المدارس ثم الجامعات، حتى أنها أصبحت تُشكل في كثير من الدول العربية، غالبية الطلبة في الكليات المختلفة. لم تعد تقبل أن تبقى قابعة في بيتها تنتظر الزوج، وتتأهب لإنجاب عشرة أولاد. (حيث مُعدل الإنجاب حالياً في الدول العربية، أصبح بالمستويات العالمية نفسها، إن لم يكن أقل من ذلك في أكثر من دولة).
هذه التحولات الاجتماعية، ترافقت مع ثورة العولمة والأنترنت، فاستطاعت هذه الطبقة الوسطى الصغيرة، أن تتصل بالعالم وتتعرف على ما يدور خارج أسوار أوطانها العالية، الفاقدة سابقا لأي نافذة لرؤية الآخرً. لم تعد تقبل الاستمرار كما فعل آباؤها وأجدادها، بالتسبيح بحمد الزعيم، وانتظار المعجزات الدينية وإنجازات الحزب الحاكم.
ووجه ذلك بسخط كبير وعنف أكبر، من قِبل الأنظمة المُستبدة على امتداد الوطن العربي، والذي أسال الدم في رابعة العدوية وحمص وحماة وحلب وعدن وصنعاء والمنامة وغيرها، ودمر مدناً بأكملها، فقد أظهر الحراك الشبابي حقيقة الأنظمة التي تحكمنا منذ عشرات السنين، وعدم أهليتها ولا بأي شكل من الأشكال، لحكم البلاد والعباد.
في تحالف موضوعي غير مباشر توغل الإسلامويون المتطرفون، بعد موجة إسلاموية تبعت الثورات العربية، بهدف طمس أي فكر حداثي، ومحاولة بائسة للأنظمة لإنهاء الربيع بإغراقه بالطائفية والصراعات العقيمة والفكر المُتخلف، وهو ما نجحت به نسبياً، لأنها استطاعت أن تُثبت نفسها وتستعيد زمام المُبادرة في كثير من الأماكن. لكن الربيع العربي ليس فقط حراكا جماهيريا يقتصر على المظاهرات السلمية، وإنما تطور عميق للبيئة الاجتماعية، يستطيع أن يُطل برأسه بأشكال أخرى، مثل الماء الجارف، لا يمكن لشيء وقفه، ولو تم تحويل اتجاهه لفترة من الزمن.
مُقترحات الرئيس السبسي في تونس، ولكن أيضاً تصويت البرلمان اللبناني، على إلغاء المادة 522 من قانون العقوبات الذي يعفي المغتصب من العقوبة في حالة زواجه من الضحية؛ بعد ضغط شعبي مدني كبير، وما حدث في السياق نفسه في الأردن، وقبله في المغرب بشأن إعطاء الجنسية، يدل على أن مفهوم الحداثة والحق الإنساني والفردي، يبقى مطلب الطبقة الواعية التي قادت الربيع العربي، وليس طبعاً مطلب عُتاة قوى الإسلام السياسي بكل أطيافهم، المعروض علينا بديلاً للأنظمة.
لقد أثبتت المرأة الأردنية واللبنانية والمغربية والتونسية ونساء أُخريات كُثر، أنهن بحق معيار الحداثة والحقوق ورفع قيم الربيع العربي. لا يجب أن نرى ذلك كظاهرة مستقلة عن الأحداث الجارية منذ سبع سنوات، بل هو امتداد لها، نصف المجتمع المكون من النساء، أخذ وسيأخذ زمام المبادرة لإعادة الروح للفكر الثوري الحضاري، ودفع ظاهرة زحف الحداثة وعودة الارتباط، بين الأمة والحضارة الإنسانية، بما تعنيه من المساواة بين الناس، بغض النظر عن الجنس أو اللون أو اللغة أو العرق، كذلك أولوية الشعب بتقرير التشريعات التي تحكمه، عن طريق أنظمة ديمقراطية منتخبة، حيث يُشرع البرلمان قوانين تتوافق مع روح العصر وحاجات هذا الزمن، وعودة شيوخ الدين إلى المساجد وابتعادهم عن السياسة بشكل كاملً، وإن تدخلوا فهو فقط لتوفير الغطاء الشرعي عند الحاجة لتشريعات البرلمان وليس لمنعها، وبهذا المجال، أعطانا مُفتي الديار التونسية الشيخ عثمان بطيخ، والشيخ عبد الفتاح مورو، المرجعية الدينية لحزب النهضة ونائب الرئيس، المثال والنموذج الذي يجب أن يُحتذى، عندما دعموا بشكل واضح مقترحات الرئيس السبسي، والذي للأسف لم تُنتقد إلا من أحزاب اليسار، التي عودتنا منذ بداية الثورات على التبعية للأنظمة وتبرير سيطرة الجيش، كما هو الحال في كل من مصر وسوريا.
تحية إكبار لنساء تونس، ولكل نساء الوطن العربي، وقد رفعن بدورهن الراية عالياً لعودة الروح إلى المشروع الوطني.

طبيب عربي مقيم في فرنسا

فنزويلا مادورو وسياسة الهروب إلى الأمام

نشر بالقدس العربي ١٩ آب ٢٠١٧

فنزويلا مادورو وسياسة الهروب إلى الأمام

د. نزار بدران

Aug 19, 2017

باغتتنا الأنباء عن قيام السلطات الفنزويلية بكاراكاس، بتشكيل برلمان مواز تابع للسلطة، وذلك تحت مسمى المجلس التأسيسي لصياغة دستور جديد، ليمدد لنيكولاس مادورو خليفة شافيز بدون معارضة، في تراجع واضح عن أسس النظام الديمقراطي الذي اوصله للسلطة.
تتميز جمهورية فنزويلا بكونها من الدول الكبرى المنتجة للنفط، ويوجد فيها أكبر احتياطي بالعالم، يمثل النفط 95 في المئة من صادراتها..
وكدولة نفطية في العالم الثالث، مثل الجزائر أو السعودية، استطاع النظام عن طريق سياسة توزيعية للدخل أن يحافظ على السلم الاجتماعي ويخلق له قاعدة صلبة تمكنه من البقاء بالسلطة لسنوات طويلة.
انتخب هيغو شافيز عام 1998 ووصل السلطة رافعا شعار محاربة الفقر والفساد، وان كان قد نجح إلى حد ما بعلاج المرض الأول عن طريق التوزيع المالي المباشر وسياسة المساعدات الاجتماعية، فإنه بالمقابل لم يستطع أن يحد من الفساد. وقد تمكن الجيش زمنه، ولكن أيضا زمن خليفته مادورو من السيطرة على كل مفاصل الاقتصاد.
عام 1993 كان عدد جنرالات الجيش أقل من خمسين، أصبحوا الآن أكثر من أربعة آلاف. سلطة الجيش كبيرة جدا، فمثلا ثلث الذين يديرون الوزارات هم من الجنرالات المتقاعدين، ونصف محافظات فنزويلا الـ 23 نصب عليها محافظون قادمون من المؤسسة العسكرية. ويسيطرون على قطاع واسع من اقتصاد البلاد.
الأزمة الاقتصادية ليس لها تأثير حقيقي على أعمالهم، فهم يضاعفون رواتبهم كما يشاؤون، ويستحوذون على المواد الغذائية والعقارات بسهولة، يحصلون على عقود مربحة جدا مع الدولة، يراقبون سوق العملات الصعبة ويتحكمون بجزء من الثروة النفطية عن طريق بيعها لصالحهم، وذلك بسعر منخفض لدول الجوار.
منذ انخفاض سعر النفط، والذي تزامن مع اختفاء شافيز، لم تعد السلطة الثورية قادرة على الاستمرار بسياسة التوزيع وكسب السلم الأهلي، وهي التي لم تبن اي اقتصاد إنتاجي فعال ذات وزن على مدى حوالي عشرين عاما، واكتفت بتوزيع عائدات النفط.
ما استطاع شافيز فعله زمن الازدهار النفطي، لم يستطع خليفته نيكولاس مادورو الاستمرار به، في زمن الانخفاض الحاد لأسعار النفط، فيما المواطن الفنزويلي البسيط يرى يوميا الطوابير تزداد طولا أمام المتاجر لشراء السكر أو أي مادة غذائية، ويقضي ساعات طويلة فيها، لم يعد أحد يصدق مادورو وتحميله لأمريكا أو المتآمرين السيئين وأعداء الثورة البوليفارية مسؤولية ما حصل. وهو مضطر للذهاب لدول الجوار مثل كولومبيا للحصول على حاجاته من الغذاء والدواء.
قبل عام كلف مادورو رئيس أركان جيشه الجنرال فلاديمير بادرينو، بعد تعيينه وزيرا للدفاع، بحل مشكلة نقص المواد الأولية والمواد الغذائية وحتى الأدوية (85 في المئة حسب اتحاد الصيادلة بما فيها المضادات الحيوية والعلاج الكيميائي للسرطان) عن طريق أخذ إجراءات إجبارية. محاولات السلطة إرسال الجيش للمصانع والمحلات التجارية لمراقبة الأسعار في ظل تضخم وصل لسبعة مئة في المئة سنويا، حسب احصائيات البنك العالمي للتنمية، أدى إلى أن أغلق كثير من أصحاب المحلات متاجرهم، لعدم قدرتهم على البيع بأقل من سعر التكلفة، وهو الذي بدوره عمق الأزمة الاقتصادية بدل حلها.
بهذه الوسيلة يكون الجيش قد أطبق على كل البنية الاقتصادية والسياسية للبلد، وبقي وحده من يستطيع أن يفرض بقوة السلاح هذه المرة سلطة خليفة شافيز..
وككل الأنظمة المدعومة من العسكر، فهي بطبيعتها تحتكم إلى القوة وليس لصندوق الاقتراع، والسلطة الحالية الموروثة عن شافيز، وصلت إلى الحكم عن طريق الانتخابات، معتمدة على قاعدة شعبية صلبة، تلك التي استفادت من الإصلاحات الاشتراكية التوزيعية للثروة النفطية.
بعد اختفاء الثروة الريعية وعدم وجود بديل إنتاجي، لم يعد النظام مدعوما من قاعدته الشعبية الطبيعية للاستمرار بالحكم. لم يبق له إذن إلا الرحيل من خلال الصناديق، أو البقاء بدعم الجيش والتراجع التدريجي عن البنية الديمقراطية، وهو ما يفعل الآن، فعشرات القتلى بالمظاهرات السلمية واستبدال البرلمان بجمعية تأسيسية من صنع يديه وبتزوير الإنتخابات دليل ناصع على هذا التقهقر.
لكن مادورو لن يجد من يقف معه بين دول القارة اللاتينية، والصين التي بعثت له مؤخرا بالسلاح والعتاد، لن تستطيع أن تذهب بعيدا بذلك، لعدم الإضرار بمصالحها بالقارة..
لن يجد مادورو مثل الأسد في سوريا، لا روسيا ولا إيران بجواره لدعمه وحمايته، ولن يجد مثل السيسي في مصر مليارات الإمارات أو السعودية.
هو بكل تأكيد رهان خاسر، وانتصار الشعب الفنزويلي سيكون قريبا.

طبيب عربي مقيم في فرنسا

إرادة المقدسيين أقوى من باطل الاحتلال

نشر بالقدس العربي

د. نزار بدران

 

Aug 07, 2017

 

أضطرت إسرائيل أخيرا للتراجع عن قراراتها بالسيطرة على مداخل المسجد الأقصى، وذلك تحت ضغط الجمهور المقدسي، بعد أسبوعين من التظاهرات منذ الرابع عشر من تموز (يوليو) كانت كافية رغم سقوط الشهداء والجرحى لإعطاء الفلسطينيين أول انتصار في نزاع حاد مع إسرائيل، لم نتعود على ذلك، لهذا سيقوم كثير من المراقبين والمحللين وأبواق الأنظمة بتفسير ذلك بالضغط الدولي والأمريكي أو الموقف التركي وغيره، أو بتطوير نظرية الحراك المؤامرة كما سمعنا عن ثورة شباب سوريا عام 2011.
إسرائيل منذ عشرات السنين لم تتراجع امام أي ضغط دولي أو عربي، فقد رفضت القرار 242 الداعي للانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967، وأخيرا قرار مجلس الآمن رقم 2334 العام الماضي، وهو المسكوت عنه أمريكيا لإدانته المستوطنات.
لم تتوقف إسرائيل يوما عن انتهاك اتفاقيات أوسلو منذ عام 1995، وواصلت سياسة الاستيطان في الضفة والقدس لتخلق على الأرض واقعا جديدا يناسب مخططاتها الصهيونية التوسعية وتهجير الفلسطينيين، في حين كانت مواقف السلطة الفلسطينية وباقي الفصائل في غزة وغيرها مجرد ظواهر صوتية لا تفعل شيئا، بينما المواقف الغربية كانت في أحسن أحوالها تعبر عن استياء من السياسات الإسرائيلية بدون أي آليات للضغط الفعلي على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وتتبع دوما الموقف الأمريكي.
لا يمكن إذن أن نعزي هذا التراجع الإسرائيلي بتدخل كائن من كان، بل هو فعل شعبي مقدسي بامتياز، ولم يكن وراء هذا الصمود أحد لا ماديا ولا سياسيا.
لقد اكتشف المقدسيون اذن أنفسهم وقدرتهم على التأثير بالحدث، وتحديد آليات حراكهم وأهدافه خارج أطر السلطة الفلسطينية أو منظمة التحرير او المؤسسات السياسية. وحده صوت الجمهور في إصراره على رفض الإجراءات الإسرائيلية كان كفيلا بتغيير المعادلة. وما تقارب المنظمات الفلسطينية الا وسيلتهم للإدعاء بتحملهم لمهامهم التاريخية، وهو ما لم يره أحد سابقا بغزة أو الضفة، إن لم يكن العكس.
ردة الفعل الشعبية المقدسية ستكون لها توابعها، فهي صورة مصغرة عن مظاهرات وحراك الربيع العربي في مصر وسوريا وغيرها، ذلك الحراك السلمي الذي رأيناه يسقط حسني مبارك أو معمر القذافي وعلي عبد الله صالح.
العودة إلى التحرك الشعبي في بيئة تحكمها الأنظمة الدكتاتورية، والتي لا ترى بشعوبها التي تحكمها إلا خطرا على وجودها تحاول قمعها ومراقبتها، وليس العمل لصالحها هو ما سيتلاقى مع حراك المقدسيين.
هذا الحدث مؤشر واضح لعودة الروح للحراك الشعبي العربي، والذي ظنناه قد فارق الحياة بعد أن أغرقت دول الربيع العربي بكل أنواع المنظمات الإجرامية والإرهابية.
هل ستلتقط السلطة الفلسطينية الرسالة؟ أم أنها ستستمر بسياسة النعامة، دافنة رأسها برمال الوعود الأمريكية والتراجع المستمر عن حقوق الشعب الفلسطيني استرضاء لأمريكا، وكأن السلام يأتي بالتنازل عن الحقوق.
هل ستلتقط الأحزاب الفلسطينية هذه الرسالة ايضا، وتترك المجال للشباب والأجيال الجديدة حتى تأخذ دورها بالنضال الوطني وتمسك بزمام المبادرة وتلتحق بحراك الأمة والعالم الديمقراطي، أم أنها ستبقى هائمة في عالم العنتريات والتحالفات المشبوهة والتبعية للمحاور.
إنتصار أبناء بيت المقدس قد يكون إشارة لانطلاق وعي الجماهير العربية والفلسطينية المقهورة بأهمية دورها التاريخي الأصيل، وحقها برسم مستقبلها، وإن لم تفعله فلن يفعله أحد بدلا منها.

طبيب عربي مقيم في فرنسا

Lettre à Emmanuel Macron

La lettre de l’historien israélien à Emmanuel Macron

Saoudi Abdelaziz 20 Juillet 2017 0
MONDE, Les références
Shlomo Sand. Photo DR
Shlomo Sand. Photo DR

Lettre ouverte à M. le Président de la République française

Shlomo Sand, historien israélien
(Traduit de l’hébreu par Michel Bilis)

En commençant à lire votre discours sur la commémoration de la rafle du Vel’d’hiv, j’ai éprouvé de la reconnaissance envers vous. En effet, au regard d’une longue tradition de dirigeants politiques, de droite, comme de gauche, qui, au passé et au présent, se sont défaussés quant à la participation et à la responsabilité de la France dans la déportation des personnes d’origine juive vers les camps de la mort, vous avez pris une position claire et dénuée d’ambiguïté : oui la France est responsable de la déportation, oui il y a bien eu un antisémitisme, en France, avant et après la seconde guerre mondiale. Oui, il faut continuer à combattre toutes les formes de racisme. J’ai vu ces positions comme étant en continuité avec votre courageuse déclaration faite en Algérie, selon laquelle le colonialisme constitue un crime contre l’humanité.

Pour être tout à fait franc, j’ai été plutôt agacé par le fait que vous ayez invité Benjamin Netanyahou, qui est incontestablement à ranger dans la catégorie des oppresseurs, et ne saurait donc s’afficher en représentant des victimes d’hier. Certes, je connais depuis longtemps l’impossibilité de séparer la mémoire de la politique. Peut-être déployez-vous une stratégie sophistiquée, encore non révélée, visant à contribuer à la réalisation d’un compromis équitable, au Proche-Orient ?

J’ai cessé de vous comprendre lorsqu’au cours de votre discours, vous avez déclaré que :

« L’antisionisme… est la forme réinventée de l’antisémitisme ». Cette déclaration avait-elle pour but de complaire à votre invité, ou bien est-ce purement et simplement une marque d’inculture politique ? L’ancien étudiant en philosophie, l’assistant de Paul Ricœur a-t-il si peu lu de livres d’histoire, au point d’ignorer que nombre de juifs, ou de descendants de filiation juive se sont toujours opposés au sionisme sans, pour autant, être antisémites ? Je fais ici référence à presque tous les anciens grands rabbins, mais aussi, aux prises de position d’une partie du judaïsme orthodoxe contemporain. J’ai également en mémoire des personnalités telles Marek Edelman, l’un des dirigeants rescapé de l’insurrection du ghetto de Varsovie, ou encore les communistes d’origine juive, résistants du groupe Manouchian, qui ont péri. Je pense aussi à mon ami et professeur : Pierre Vidal-Naquet, et à d’autres grands historiens ou sociologues comme Eric Hobsbawm et Maxime Rodinson dont les écrits et le souvenir me sont chers, ou encore à Edgar Morin.

Enfin, je me demande si, sincèrement, vous attendez des Palestiniens qu’ils ne soient pas antisionistes !

Je suppose, toutefois, que vous n’appréciez pas particulièrement les gens de gauche, ni, peut-être, les Palestiniens ; aussi, sachant que vous avez travaillé à la banque Rothschild, je livre ici une citation de Nathan Rothschild, président de l’union des synagogues en Grande-Bretagne, et premier juif à avoir été nommé Lord au Royaume Uni, dont il devint également la gouverneur de la banque. Dans une lettre adressée, en 1903, à Théodore Herzl, le talentueux banquier écrit : « Je vous le dis en toute franchise : je tremble à l’idée de la fondation d’une colonie juive au plein sens du terme. Une telle colonie deviendrait un ghetto, avec tous les préjugés d’un ghetto. Un petit, tout petit, Etat juif, dévot et non libéral, qui rejettera le Chrétien et l’étranger. » Rothschild s’est, peut-être, trompé dans sa prophétie, mais une chose est sûre, cependant : il n’était pas antisémite !

Il y a eu, et il y a, bien sûr, des antisionistes qui sont aussi des antisémites, mais je suis également certain que l’on trouve des antisémites parmi les thuriféraires du sionisme. Je puis aussi vous assurer que nombre de sionistes sont des racistes dont la structure mentale ne diffère pas de celle de parfaits judéophobes : ils recherchent sans relâche un ADN juif (ce, jusqu’à l’université où j’enseigne).

Pour clarifier ce qu’est un point de vue antisioniste, il importe, cependant, de commencer par convenir de la définition, ou, à tout le moins, d’une série de caractéristiques du concept : « sionisme » ; ce à quoi, je vais m’employer le plus brièvement possible.

Tout d’abord, le sionisme n’est pas le judaïsme, contre lequel il constitue même une révolte radicale. Tout au long des siècles, les juifs pieux ont nourri une profonde ferveur envers leur terre sainte, plus particulièrement pour Jérusalem, mais ils s’en sont tenus au précepte talmudique qui leur intimait de ne pas y émigrer collectivement, avant la venue du Messie. En effet, la terre n’appartient pas aux juifs mais à Dieu. Dieu a donné et Dieu a repris, et lorsqu’il le voudra, il enverra le Messie pour restituer. Quand le sionisme est apparu, il a enlevé de son siège le « Tout Puissant », pour lui substituer le sujet humain actif.

Chacun de nous peut se prononcer sur le point de savoir si le projet de créer un Etat juif exclusif sur un morceau de territoire ultra-majoritairement peuplé d’Arabes, est une idée morale. En 1917, la Palestine comptait 700.000 musulmans et chrétiens arabes et environ 60.000 juifs dont la moitié étaient opposés au sionisme. Jusqu’alors, les masses du peuple yiddish, voulant fuir les pogroms de l’empire Russe, avaient préféré émigrer vers le continent américain, que deux millions atteignirent effectivement, échappant ainsi aux persécutions nazies (et à celles du régime de Vichy).

En 1948, il y avait en Palestine : 650 000 juifs et 1,3 million de musulmans et chrétiens arabes dont 700.000 devinrent des réfugiés : c’est sur ces bases démographiques qu’est né l’Etat d’Israël. Malgré cela, et dans le contexte de l’extermination des juifs d’Europe, nombre d’antisionistes sont parvenus à la conclusion que si l’on ne veut pas créer de nouvelles tragédies, il convient de considérer l’Etat d’Israël comme un fait accompli irréversible. Un enfant né d’un viol a bien le droit de vivre, mais que se passe-t-il si cet enfant marche sur les traces de son père ?

Et vint l’année 1967 : depuis lors Israël règne sur 5,5 millions de Palestiniens, privés de droits civiques, politiques et sociaux. Ils sont assujettis par Israël à un contrôle militaire : pour une partie d’entre eux, dans une sorte de « réserve d’Indiens » en Cisjordanie, tandis que d’autres sont enfermés dans un « réserve de barbelés » à Gaza (70% de ceux-ci sont des réfugiés ou des descendants de réfugiés). Israël, qui ne cesse de proclamer son désir de paix, considère les territoires conquis en 1967 comme faisant intégralement partie de « la terre d’Israël », et s’y comporte selon son bon vouloir : jusqu’à présent, 600 000 colons israéliens juifs y ont été installés….et cela n’est pas terminé !

Est-cela le sionisme d’aujourd’hui ? Non ! Répondront mes amis de la gauche sioniste qui ne cesse de se rétrécir, et ils diront qu’il faut mettre fin à la dynamique de la colonisation sioniste, qu’un petit Etat palestinien étroit doit être constitué à côté de l’Etat d’Israël, que l’objectif du sionisme était de fonder un Etat où les juifs exerceront la souveraineté sur eux-mêmes, et non pas de conquérir dans sa totalité « l’antique patrie ». Et le plus dangereux dans tout cela, à leurs yeux : l’annexion des territoires occupé constitue une menace pour Israël en tant qu’Etat juif.

Voici précisément le moment de vous expliquer pourquoi je vous écris, et pourquoi, je me définis comme non-sioniste, ou antisioniste, sans pour autant devenir antijuif. Votre parti politique inscrit, dans son intitulé : « La République », c’est pourquoi je présume que vous êtes un fervent républicain. Et dussé-je vous étonner : c’est aussi mon cas. Donc, étant démocrate et républicain, je ne puis, comme le font sans exception tous les sionistes, de droite comme de gauche, soutenir un Etat juif. Le Ministère de l’Intérieur israélien recense 75% de ses citoyens comme juifs, 21% comme musulmans et chrétiens arabes et 4% comme « autres » (sic). Or, selon l’esprit de ses lois, Israël n’appartient pas à l’ensemble des Israéliens, mais aux juifs du monde entier qui n’ont pas l’intention de venir y vivre.

Ainsi, par exemple, Israël appartient beaucoup plus à Bernard Henry-Lévy et à Alain Finkielkraut qu’à mes étudiants palestino-israéliens qui s’expriment en hébreu, parfois mieux que moi-même ! Israël espère aussi qu’un jour viendra où tous les gens du CRIF, et leurs « supporters » y émigreront ! Je connais même des français antisémites que cette perspective enchante ! En revanche, on a pu entendre deux ministres israéliens, proches de Benjamin Nétanyahou, émettre l’idée selon laquelle il faut encourager le « transfert » des Israéliens arabes, sans que personne n’ait émis la demande qu’ils démissionnent de leurs fonctions.

Voilà pourquoi, Monsieur le Président, je ne peux pas être sioniste. Je suis un citoyen désireux que l’Etat dans lequel il vit soit une République israélienne, et non pas un Etat communautaire juif. Descendant de juifs qui ont tant souffert de discriminations, je ne veux pas vivre dans un Etat, qui, par son autodéfinition, fait de moi un citoyen doté de privilèges. A votre avis, Monsieur le Président : cela fait-il de moi un antisémite ?

Source : Les invités de Mediapart