بوابات الأقصى رمز انتقاص حقوق الشعب الفلسطيني  

بوابات الأقصى رمز انتقاص حقوق الشعب الفلسطيني

VIEW

بوابات الأقصى رمز انتقاص حقوق الشعب الفلسطيني

نزار بدران – مراقب ومحلل سياسي

شاءت الظروف أن اتواجد بمدينة القدس يوم الجمعه ١٤ تموز والذي قتل به ثلاثة شبان فلسطينيين بعد ان نفذوا عملية أدت لمقتل شرطيين إسرائيليين بالمدينة القديمة، كنت قادما من قطاع غزة القابع تحت الحصار المصري الإسرائيلي، حيث عملت لبضعة ايام لعلاج المرضى كوني طبيبا.
شاءت الظروف أن أكون أيضا ضمن الفريق الذي عالج أول جريح خطير بالرصاص الحي بمستشفى المقاصد في القدس الشرقية، علاء ذو التسعة عشر ربيعا كان ضمن المتظاهرين أمام بوابات الأقصى ذلك اليوم.
انا المقدسي ولدت وكبرت بها، وعلاء ايضا، الآن يطلب مني عندما اذهب الى القدس أن أظهر جواز سفري الأوروبي وأعامل كسائح مار لا يعرف الديار. وعلاء الشاب الصغير يطلق عليه الرصاص الحي أن طالب بحقه.
نحن ابناء القدس نعامل من قبل قوات الإحتلال الإسرائيلي للمدينة كأجانب، وعابري سبيل بينما لم نعرف يوما لنا وطنا غير فلسطين والقدس، ولدنا وترعرعنا بها كما فعل آباؤنا وأباء آبائنا من قبلنا.
العالم اليوم مليئ بالمآسي والحروب ولكنه لا يعترف بإمتلاك اراضي الآخرين بالقوة، ولوائح حقوق الإنسان الموقعة من كل دول العالم بما فيها إسرائيل لا تعترف بالتمييز بين البشر وإنتقاص حقوقهم بالعيش بأوطانهم.
إسرائيل بالقانون الدولي دولة محتلة للقدس ولا يحق لها إتخاذ أي إجراء ينتقص من حق المقدسيين بدخول الحرم القدسي الشريف والذهاب والإياب اليه.
إسرائيل كدولة محتلة للضفة الغربية أيضا لا يحق لها أن تمنع سكان هذه المنطقة الفلسطينية من زيارة القدس والصلاة بالمسجد الأقصى وهذا ما تفعله منذ عشرات السنين.
إسرائيل كدولة محتلة لا يحق لها محاصرة سكان قطاع غزه الذي يقع قانونيا تحت احتلالها وسلبهم حقهم بالتنقل والعمل والعلاج.
إسرائيل تمزق شعب وأرض احتلتهما بالقوة فنصف الشعب الفلسطيني بالمهجر، كما أن فلسطيني الداخل يخضعون لقوانين تختلف عن فلسطيني الضفة الغربية وغزة، والذين بدورهم يختلفون عن سكان القدس، وكل هؤلاء تفرض عليهم قوانين خاصه تميزهم عن المواطن الإسرائيلي اليهودي. نرى تحت أعيننا نظام تمييز عنصري لا يختلف كثيرا عن جنوب أفريقيا قبل تحررها
السؤال الحقيقي هو ليس للفلسطينيين ولا الإسرائيليين ولكنه للعرب والعالم. الى متى ستبقى الشعوب العربية قابعة تحت انظمة تشارك الاحتلال سياساته تجاه الشعب الفلسطيني وتتحالف معه كما تفعل مصر بإغلاق معبر رفح، وهل سينطلق الربيع العربي من جديد.
والسؤال ايضا للعالم ماذا أنتم فاعلون بلوائح حقوق الإنسان والقوانين الدولية التي وقعتم عليها، ومتى سيصبح للقانون الدولي الذي وضعتموه آليات التنفيذ والمراقبة وعقاب من يخالف
بالإجابة على هذين السؤالين قد نفهم أسباب الأزمة الحالية وأساليب علاجها.

 

الخوف وفوضى السياسة

نشر بالقدس العربي بتاريخ 10 تموز 2017 مقال بقلم نزار بدران

أحداث الخليج الأخيرة، وتمزُق مجلس التعاون الخليجي، الذي فشل تماماً، ومنذ نشأته بتحقيق أي خطى حقيقية للوحدة، بمفهومها الشعبي، فتح الحدود أمام حركة الأشخاص والبضائع بدون عائق، والتكامل التدريجي للقوانين الداخلية لأعضائه، وانتهاج سياسات خارجية واقتصادية واحدة وتوحيد العملة. بدل ذلك لم يعمل المجلس طوال عهده، إلا على الهاجس الأمني، وتأمين حكم القلة، ذي الطابع القبلي، مُتلفحاً بغطاء الدين والشورى والبيعة.
الربيع العربي تعثر في دول كثيرة، وبأشكال مختلفة، بسب تعنت الأنظمة العربية، وإصرارها على الاستمرار بالحكم، رغم التغيرات الاجتماعية الكبيرة، التي حصلت بهذه الدول منذ أكثر من ثلاثين عاماً، خصوصاً على مفهوم تطور الطبقة الوسطى، وعولمة الاقتصاد والثقافة والعلم، ولكن ايضا المعلومة والفكر، الذي لم تستطع الحدود الجغرافية لدولنا العربية، منعه من الدخول إلى عقول وأفئدة الشباب.
رجال ونساء السياسة الحقيقيون، هم هؤلاء الناس، الذين فهموا ويفهمون، آليات مجتمعاتهم و القوى الاجتماعية الفاعلة بها، والذين يطورون خطابهم ومشروعهم السياسي والاجتماعي، بناء على تلك المعطيات المتغيرة دائماً. هنا تكمن صعوبة السياسة، لأنها بالإضافة للمعرفة والعلم الأكاديمي بحاجة إلى قوة الملاحظة والمتابعة وتصور الأشياء كما هي أو كما قد تكون. رجل السياسة القوي المؤثر هو ذلك الإنسان الذي يستطيع فهم مجتمعه ويطرح بناء على هذا الفهم الحلول المناسبة.
قوى المجتمع المختلفة والتي تعبر عن مصالح متناقضة يعبر عنها بالدول الديمقراطية بالأحزاب السياسية، والتي تضع بالسلطة وبالتناوب سياسيين من اتجاهات مختلفة وذلك للحفاظ على توازن المجتمع، فالذهاب بعيدا باتجاه يعدله فيما بعد الذهاب باتجاه آخر بناء على الحكم الشعبي الانتخابي.
في دول الخليج العربي ولكن أيضا بمعظم الدول العربية الأخرى لا يوجد رجال سياسة بهذا المفهوم وإنما أشخاص يعبرون عن مصالح شخصية عائلية أو قبلية لا دراية لهم بتناقضات المجتمع ولا بوسائل تماسكه، لا يملكون المقدرة لتوقع ما سيحدث ، وجودهم بمركز السلطة ليس بناء على معرفتهم العميقة بمجتمعاتهم أو لحملهم رسالة فكرية أو اجتماعية يريدون توصيلها، هؤلاء موجودون تقريبا بالصدفة إما بالوراثة والتي لا تعطي معرفة خاصة ، وأما الانقلابات العسكرية.
عندما كانت معادلة الحكم مبنية على العصبية المهيمنة التي تصل بالقوة وتتعامل مع باقي العصبيات الضعيفة من منظار الزبائنية (كما شرحها ابن خلدون) كانت هذه الأنظمة تملك القاعدة الصلبة لبقائها لأنها كانت تعامل المجتمع وقبائله من مفهوم الزبائن والواسطات والمصالح الشخصية الضيقة ، فالوظيفة أو التسجيل بالجامعة أو الحصول على عمل بالإدارة أو درجة أعلى أو فتح مشروع تجاري هو في معظم الأحيان نتاج منظار زبائني للحصول على الولاءات وليس من منظور المصلحة العامة، حتى الحصول على العلاج يكون في بعض الدول بمكرمة من هرم السلطة بدل أن يكون حقا للمريض وواجبا على المسؤول.
عندما انقلب الوضع مع الربيع العربي ورفض جيل الشباب المعولم الجديد هذا المفهوم وهو الطائق إلى الانفتاح على العالم وعلى مجتمعاته والراغب في تفجير طاقاته لصالح وطنه ، لم تستطع هذه الطبقة الحاكمة بكل أشكالها أن تتعامل معه وهو ما أدى إلى ذلك التخبط بالسياسات الحالية والتي قاسمها المشترك هو درء الخطر القادم على هذه العائلات الحاكمة أو المستولين على السلطة لأهداف مافوية. هؤلاء حتى ولو أرادوا ليست لهم المقدرة المعرفية والحنكة السياسية لمماشات التطورات الاجتماعية العميقة الحادثة بأوطاننا والتي طبعا لم يتابعها أحد من أفراد السلطة أو الأبواق الإعلامية و أشباه المفكرين الذين يهللون للسلطان دائما.
أجوبة الأنظمة حاليا ليست أبدا عقلانية ولا تعكس فهما سياسيا لمن يملك السلطة ، لذلك فلا أظن أننا سنجد بالايام والسنين القادمة توازنا جديدا للقوى الفاعلة بالأمة لوضعها على طريق الحداثة والسلامة.
الحروب المدمرة بالعراق وسوريا وليبيا واليمن والقمع بالبحرين وغيرها هو نتاج هذا الجهل الذي يطبع انظمتنا، فهي لن تستطيع طرح أي حل مبني على الوعي والمصلحة العامة وستبقى أسيرة الحس الأمني المرهف والرعب من ما ينتظرها بقادم الأيام عندما بدأت تستشعر فقدانها للنظام الثابت الزبائني الذي عاشت عليه لعشرات السنين.

كاتب عربي

تركيا وضياع الأندلس

نشر بصحيفة الحياة تحت عنوان النموذج التركي الناجح يتراجع نتيجة احلام العظمة ورهاب المؤامرات 01/07/2017

تركيا وضياع الأندلس

نزار بدرن

ومن الحب ما قتل، مثل عربي قديم، ينطبق على الوضع التركي الحالي، فتركيا أردغان، استطاعت أن تدخل قلوب الناس عرباً ومسلمين، منذ وصول الأغلبية الإسلامية للسلطة بالطرق الديمقراطية، ونجاحها الواضح في تحسين الوضع المعيشي للسكان، وانفتاحها على مكونات المجتمع المدني.

حبنا لتركيا إذن، كان من مُنطلق النموذج الجميل، الذي أحببناه لأنفسنا، لو استطعنا لذلك سبيلا، ولكن هذا الحُلم بتوسع النموذج على الدول العربية والإسلامية، وهذا الأمل الذي كان يُداعبنا، بإمكانية أن تصل الدول الأخرى، إلى نفس المستوى، من الحرية والديمقراطية والرخاء، بدء يتلاشى ويغرق، في متاهات الانقلابات السياسية ألمتتابعة التي تبناها رجب طيب أردغان وحزبه، والتي ذهبت بالاتجاه المُعاكس تماما لما نحلم به ونأمله لتركيا وأنفسنا.

حُبنا للنموذج التركي، لا يجب أن يِعمينا عن الواقع الجديد، والتقهقر اليومي والعودة إلى زمن شياطين الماضي. فبدل أن تقترب دولنا من النموذج التركي ألناجح بدأت تركيا باللحاق بالنماذج العربية التسلطية.

يمكننا توزيع هذه التقهقرات، إلى عدة أشكال، أول أشكال التقهقر هو الإخلال بالحريات والحقوق العامة، فالنظام التركي، وحتى قبل محاولة الانقلاب الفاشلة، بدء بإغلاق المحطات الإعلامية، والمنابر الصحفية المُعارضة له، واستمر ذلك بقوة أكبر بعد الانقلاب، زج عدد كبير من الصحفيين بالسجون، وهروب الآخرين للخارج. بحسب إحصائيات بداية هذا العام، تم إغلاق 180 محطة ومركز إعالمي وصحيفة، 2100 مدرسة، 1254 جمعية.(1)

واكب ذلك التدخل بالقضاء التركي، لتجييره لأهداف سياسية، ونحن نعلم أن الفصل بين السلطات، هو القاعدة الصلبة للأنظمة الديمقراطية، والتدخل بها كما يحدث في مصر، هو دليل الاتجاه نحو الحكم الشمولي.

ثاني هذه الظواهر، هو الاتجاه الواضح لأردغان، نحو الانفراد بالسلطة، والإمساك شخصياً بكل مفاصل الحياة العامة، حتى ولو أخذ ذلك شكل استفتاء شعبي، فالتغييرات بحد ذاتها، تُكرس معظم السُلُطات، إن لم نقل، كُلها بيد شخص واحد، والذي لم يتخلى، حتى بعد انتخابه رئيساً لبلده، عن رئاسة حزبه الأصلي. وقام أيضاً باستغلال ألانقلاب الذي أفشله الشعب التركي، للانقضاض على كل المعارضين، المحتملين داخل الجيش والإدارة، مما أدى إلى تسريح عشرات الآلاف من الموظفين، وكبار كوادر ألدولة مؤدياً بشكل واضحٍ، إلى تدهور الإدارة وكفاءة الجيش التركي، وتراجع الوضع الاقتصادي. ولإعطاء مثل على ذلك، وحسب إحصائيات كانون ثاني لهذا العام، منذ الانقلاب ألفاشل بلغ عدد المُسرحين من العمل 105 آلاف شخص، وعدد المساجين، بمن فيهم رجال الأعمال العديدين 32300. (1) وهذه الارقام تزايدت بشكل كبير منذ ذلك التاريخ , هؤلاء المسرحيين ومنهم اساتذة جامعات ( 4811 استاذ)  واساتذة ابتدائي وثانوي(30000) هم بحالة موت اقتصادي واجتماعي ومدني لمنعهم من العمل والحصول على حقوقهم الاساسية بالتقاعد والتوفير او السفر للخارج وبدون أي منطق قانوني مؤديا الى حالات انتحار عديده(2).

الشكل الثالث للتقهقر، هو التراجع عن حقوق الأقليات، ونذكر هنا بالتحديد الأكراد، بعدما كان الانفتاح نحوهم، سياسة ناجحة لسنوات، وهو طبعاً بحجة محاربة الإرهاب، وهو ما يُزعزع وحدة البلاد، ويؤجج النزعات القومية الكردية والتركية، واضعاً إياهما وجهاً لوجه.

ولكن الشكل الأهم، هو تدهور الوضع الاقتصادي، والناتج عن هروب المُستثمرين والسواح، فبعد أن كانت تركيا تُسمى بنمر الأناضول، بدأت المؤشرات الاقتصادية بالتراجع.

ما بين عام 2002-2012، كان مُعدل النمو الاقتصادي السنوي5%، كحد أدنى، وانخفض عجز الميزانية من 74 %، من الناتج القومي، إلى 33%، بخلال العشر سنوات. وكانت المراكز الدولية، بمراقبة الاقتصاد، تضع تركيا كل عام، برتبة أعلى من سابقتها. اليوم وبعد التوجه السلطوي لأردغان، انخفضت الاستثمارات إلى النصف، بلغت 7 مليار يورو بالثلث الأخير لعام 2016، بدل 13,3 مليار يورو لنفس الفصل من العام 2015.

انخفض عدد السواح ب 37 %، ما بين 2015-2016، ونتيجة لذلك، انخفضت قيمة الليرة التركية مقابل الدولار، مؤدية إلى ازدياد التضخم والذي تجاوز 8 % في عام 2016، وهو ما يعني ارتفاع الأسعار(3). لا نريد أن نزيد على القاريء بالأرقام، ولكن الوضع السياسي، وتزايد التوجه السلطوي للسيد أردغان، يُعتبر من قِبل معظم المحللين الاقتصاديين، السبب الرئيسي لهذا التدهور.

الشكل الأخير، هو التذبذب والتخبط بالسياسة ألخارجية بعد أن كانت سياسة أردغان، نموذجاً بالذكاء والتوازن، مما مكن تركيا، من دخول كل أسواق الدول الإسلامية والعربية، ولم يلتزم حقيقة، إلا بسياسة البقاء داخل الحلف الأطلسي والتبعية للولايات المتحدة، وإعادة العلاقات الطبيعية الاقتصادية والسياسية مع إسرائيل.

السبب الأساسي لكل ذلك، هو تراجع الحلم الأوروبي، هذا الخطأ منذ الأساس، ليس مرتبطاً بالنظام الحالي، بل بكل السياسات المتبعة منذ سنوات الستينيات، والإنضمام للحلف الأطلسي، وهو الذي كان بزمنه يعني، تقبل تركيا أن تكون ساحة المعركة الممكنه بين الغرب والاتحاد السوفيتي. تركيا أيام الحرب الباردة، كانت قاعدة للصواريخ الأمريكية المُوجهة لروسيا، وهو ما يعني دمارها، بحالة حرب نووية بين العملاقين .لعبت تركيا إذن، دور الجندي الغيور الذي يدافع عن أوروبا والغرب، ويقبل الموت من أجلها.

بعد زوال هذا الخطر، وانتهاء الحرب الباردة، ظن الأتراك أن انضمامهم الكامل للاتحاد ألأوروبي سيكون هدية الغرب لهم، على تضحياتهم الجسام بعد اتفاق الشراكة الموقع عام 1963. تطورت الأمور بعد ذلك، ووضعت أوروبا شروطاً لدخول تركيا، وليس فقط موافقة تلقائية، كثمن تدفعه للأتراك عى ما فعلوه من أجلها، وافق الأتراك على مضض على هذه الشروط، وهو الوصول إلى وضع دولة ديمقراطية غربيه تحترم القيم الإنسانية والأقليات وتتبنى الانتخابات الحرة، كوسيلة للانتقال السلمي للسلطة. هي نفس الشروط التي تُطبقها أوروبا على نفسها، واشترطتها لانضمام إسبانيا والبرتغال ودول أوروبا الشرقية فيما بعد.

هذه المرة ما قدمته تركيا لتحقيق هذه الشروط، لم يكن لطمأنة أوروبا، بل كان تحديثاً للدولة التركية، وهو ما انعكس على الوضع الاجتماعي والسياسي والسلم الداخلي، وخصوصاً الوضع الاقتصادي وانتقال تركيا إلى مرتبة عالية بين الدول الصناعية المتقدمة.

هذه الشروط الأوروبية، وإن لم تُطبق كلياً، هي التي سمحت بوصول حزب العدالة والتنمية الإسلامي للسلطة، ودحر خطر الانقلابات العسكرية، فلم تكن توجد قوة تستطيع أن تُبعد الحُلم الأوروبي لرجال السياسة والعسكر الأتراك، وأُغلق الباب أمام مطامع السلطوية الاستبدادية.

رغم التقدم الديمقراطي والانفتاح الداخلي، لم تختفي المُعيقات أمام لحاق تركيا بركب الغرب، وبدا واضحاً للحكم التركي أن الأمل قد تلاشى تماما فالغرب لن يعتبر تركيا جزء منه، لأنها حقيقة جزءً من الشرق.

هل العودة إلى الوضع الذي كانت عليه تركيا قبل الانفتاح الديمقراطي، هو الرد المناسب على أوروبا. كان الأجدر بالحكم التركي، أن يدرس الرفض الأوروبي من المنظار التاريخي والسسيولوجي لأوروبا وتركيا، فهذا البلد المسلم، ذا الثمانين مليون ساكن، له تاريخ طويل عدائي مع أوروبا وشعوبها. بنى العثمانيون إمبراطوريتهم، بعد فتح القسطنطينية عام 1453، وانهيار الإمبراطورية البيزنطينية، والاستيلاء على البلقان، ووصول فينا والقرم، واستمرت الحروب لسنوات طويلة، تركت أثرها بالذكرى الجماعية، ليس فقط عند الأوروبيين، وإنما عند الأتراك أيضاً. انتهت هذه الإمبراطورية، بعد هزيمتها بالحرب العالمية الأولى، وتقسيم إرثها فيما يُسمى باتفاقيات سايكس بيكو، وبناء الدولة التركية الحديثة العلمانية على يد أتاتورك.

عاش الأتراك وحكموا بلاد المسلمين، لقرون طويلة، وهم جزء مهم من التاريخ الإسلامي وحتى التاريخ العربي، انتمائهم الحقيقي، تاريخياً واجتماعياً إذن، حفر بالصخر بالشرق. ولم يقبلهم الغرب، إلا لاحتواء الدولة الناشئة، ولم يُعطي لهم دوراً اوروبي إلا لخدمة الأغراض الأوروبية، وهو الفخ الذي وقعت فيه تركيا منذ البدء.

الأمة العربية وباقي الأمم الإسلامية ليس لها مصلحة أن تنسلخ عنها تركيا لتلتحق بركب شعوب أخرى، فهي جزء منا تاريخياً وجغرافياً ودينياً ونفسياً وعاطفياً، وتستطيع أن تكون المحرك للتغيرات الديمقراطية، والعنصر الأساس لبناء تجمع شرقي إسلامي، يُضاهي التجمع الأوروبي. إنضمام تركيا لأوروبا سيكون قوة لأوروبا، وابتعادها عن محيطها الطبيعي الشرقي، هو إضعاف لنا.

ضياع الأندلس بالنسبة لنا إذا هو فقداننا لتركيا، الدولة النموذج، المنار المُشع ،الملهمة للآمال والدافعة إلى التوفيق بين حضارة شرقية إسلامية، وحضارة إنسانية حديثة، تحترم المواطن وحقوقه والأقليات مهما كانت، وتبني علاقاتها مع الآخرين، على مبدأ التعاون وليس العداء، وتتبادل بها السلطة عن طريق الانتخابات الديمقراطية، وتفصل الدين عن الدولة.

الانكفاء التركي الحالي، والعودة لزمن البؤس الفكري، والقمع الأهوج للحريات العامة، يُدمر بنفس المواطن العربي والمسلم هذا ألحلم ويرمينا م جديد بمتاهات الصراعات الطائفية والعرقية، التي لن تبني يوما وطناً.

بكينا على ضياع الأندلس وحضارتها الشامخة، لأننا لم نعرف أن نحتفظ بها كالرجال، وها نحن نفقد تركيا وما تمثله من أمل الخروج من حكومات الاستبداد.

أملنا أن يستعيد الشعب التركي صوابه، وأن يرفض أبناء هذه الأمة العظيمة بعطائها، الانجرار وراء أحلام العظمة المريضة وهستيريا المؤامرات المُتخيلة، وألا يدفعه حبه لأردغان، للانجرار وراء الأوهام، كما فعل المصريون والعرب، بالانجرار وراء الرئيس عبد الناصر، بسنوات الستينات، حتى وصلنا لنكبات لم نخرج منها حتى اليوم، وقد قتلنا حبنا له. فهل سنعود من جديد للبكاء على الأندلس.

 

(1)Echo صحيفة اقتصادية فرنسية مشهورة

(2)Libération  صحيفة سياسية فرنسية مشهورة

(3) احصائيات البنك الدولي ( doing business)

 

 

 

 

 

 

قطر ووهم النجاح الاقتصادي والاستقلال

القدس العربي 13/06/2017

قطر ووهم النجاح الاقتصادي والاستقلال

نزار بدران

الحصار الذي تفرضه السعودية، ومن دار حولها على قطر، قد يكون له أسبابه، معلنة أو خفية، وقد يكون أيضاً، وسيلة للوصول لأهداف لم تستطع السياسة الهادئة تحقيقه، نذكر منها مثلاً، الرغبة بإحكام السيطرة على وسائل الإعلام الخليجية، وقد يكون أيضاً الانتقام من الدولة العربية ألوحيدة التي لم تقف ضد الربيع العربي بتونس أو مصر عام 2011.

ولكن التغييرات التي حدثت بالسياسة ألقطرية بعد تراجع الربيع العربي، وتقدم الثورة المُضادة بقوة، كان يجب أن يشفع لهذه الدولة، فالأمير ألأب قد أُخرج من المسرح السياسي، وقناة الجزيرة الحرة، لم تعد كما كانت، والرأي والرأي الآخر، لم يعد شعاراً يُناسب توجهاتها، وقد أحجمت تماماً عن انتقاد الحرب السعودية باليمن، وخصوصاً الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان بتلك الحرب، والتي أشارت إليها تقارير عدة لمجلس حقوق الإنسان، ومنظمات غير حكومية عديدة.

انحازت قطر الحاكم الجديد الإبن للسعودية، بالواقع والملموس، فلماذا هذا الهجوم وهذا الحصار، حتى موقفها من إيران، لا يُبرر برأينا ذلك، فقطر شاركت إلى جانب السعودية بالحرب على الحوثيين، حلفاء إيران وذراعها باليمن، موقف قطر من الإخوان المسلمين وحماس، أصبح متذبذباً، وفقد من صلابته السابقة، كما حصل بتركيا.

ولكن لو ربطنا زيارة ترمب، ومئات مليارات الدولارات، التي حصل عليها من دول الخليج، وخصوصاً السعودية، مقابل حماية أنظمتها من ربيع مُحتمل، قد يكون هو السبب الحقيقي. فقد يكون الحكم بقطر، قد رفض الانصياع التام، لدفع الجزية المفروضة، لاعتقاده أن له حصانة شعبية محلية وعربية وعالمية. موقف ترمب الداعم للسعودية أولاً، بتغريداته المُتعلقة بربط قطر بالإرهاب، قد تسير بهذا الاتجاه، على قطر إذن أن تدفع الكثير كغيرها، لسيد المنطقة، وإلا فلا مستقبل لها.

التهديد المفاجيء والغير متوقع لقطر، يضع اقتصادها ومستقبلها بمهب الريح، وكل ما بنت وعمرت، ومليارات الدولارات المصروفة، لبناء اقتصاد متنوع، أو المُبذرة (98 مليار) للتحضير للالعاب الأولومبية وغيره.

هل تستطيع حقاً دولة كقطر، أن تبني وتنجح، بشكل دائم ، وهل هناك شروط لم تتحقق بالنموذج القطري لاستمراريته. أظن أن التجمعات الاقتصادية العالمية الكبرى، لم توجد عفواً، ولكنها كانت الوسيلة لحماية الدول المشاركة، من خلافاتها الداخلية أولاً، ومن التهديدات الخارجية ثانياً، اقتصادياً كانت أو عسكرياً، لذلك نجح تجمع الاتحاد ألأوروبي بتأمين السلم والأمن والتضامن الداخلي، وحماية نفسه من أطماع الدول الكبرى الأخرى.

لماذا لم ينجح مجلس التعاون الخليجي، كما نجحت أوروبا، ولو على مستوى أقل بكثير، ولماذا لم يحمي المجلس قطر، وتحول بالعكس، إلى خطر وُجودي لها. السبب هو أن التجمع بنفسه لا يكفي، فهو يجب أن يُبنى على أُسس ديمقراطية، تضع مصلحة شعوبه أولاً بالمنظار، هذه البُنية الديمقراطية، توفرت بأوروبا، وانعدامها كان سبب زوال حلف وارسو الشيوعي على عظمته، هي ليست متوفرة بدول المجلس، والتي لم تُقيم تجمعها، إلا بهدف حماية الأنظمة المُشكلة لها، وليست حماية هذه الشعوب، من الأخطار الداخلية والخارجية.

لن تستطيع أي دولة عربية حقيقة، أن تبني نفسها بمنأى عن الدول الأخرى، ولن يستطيع أي تجمع عربي، اقتصادي أو سياسي النجاح، إلا إذا بُني على أُسس ديمقراطية.

المثل اللبناني واضح بذلك، فتلك الدولة، والتي بناها الرئيس رفيق الحريري، عى مدى عشرين عاماً، بعد انتهاء الحرب الأهلية، دمرتها إسرائيل عام 2006 بشهر من الغارات الجوية، وأطاحت بكل نجاحات الحريري والشعب اللبناني الاقتصادية رغم أن الرئيس الحريري، لم يكن معروفاً عنه عداءه الشديد لإسرائيل أو الغرب، بل كان صديقاً لأمريكا وأوربا الحميم.

لن يحمي قطر أو لبنان أو غيرها، إلا تجمعات عربية ديمقراطية، تستطيع أن تدافع وتحافظ على إنجازاتها، وتمنع الخلافات العقيمة بينها، فمثلاً لا يُتصور أن يعتدي أحد على البرتغال، أو حتى إمارة موناكو أو لوكسمبورغ بأوروبا، مهما كانت هذه الدول صغيرة، ولا أحد يستطيع يوماً، الاعتداء على هونج كونج الصينية، أو أي مدينة بالهند.

التكامل الاقتصادي والسياسي للدول العربية، وبناء أنظمة مبنية على الديمقراطية والخيارات الشعبية ولصلاحها هي الوحيدة ألكفيلة بحماية الانجازات الاقتصادية وغيرها، وتمنع كائن من كان من التفكير بالاعتداء عليها، أو على أي عضو منها.

 

الانتخابات الفرنسية ميلاد جديد للاتحاد الاوروبي

 

الانتخابات الفرنسية… ميلاد جديد للاتحاد الأوروبي

د. نزار بدران

May 31, 2017

وصول الرئيس الجديد للسلطة في فرنسا، إيمانويل ماكرون، وهو المرشح الوحيد الذي كان يدافع عن الاتحاد الأوروبي، وضرورة تطويره نحو مزيد من الوحدة. هذا في زمن عز فيه وجود من يدافع أو يحض على العمل المُشترك الأوروبي، لصالح الاتجاهات الانعزالية، بيمينها المتطرف وبيسارها القادم من غُبار الماضي.
هذا الوصول أظهر أن توقعات المُحللين السياسيين وعلماء المجتمع، باستمرار ظاهرة تراجع الاتحاد، والذي بدأ منذ سنوات، وتُوج بانسحاب بريطانيا العام الماضي، أو تطور اليمين الشعبوي، والذي كان رمزه، انتخاب ترامب للسلطة، لم يكن بكل هذا الصواب المتوقع.
أظهر الشعب الفرنسي، وفرنسا دولة مؤسسة للاتحاد، أن التوجه الوحدوي، أقوى من الشعبوية اليمينية واليسارية، وأن نسيان، أو تناسي الاتحاد الأوروبي، من خلال المشاريع الانتخابية المُقدمة من باقي المُرشحين للرئاسة، قد انعكس ضدهم.
الشعب الفرنسي، رغم وقوعه ضحية لحملة شعبوية، من اليمين المتطرف، قادتها مارين لوبين، رئيسة الجبهة الوطنية واضعة مصير المهاجرين في قلب تلك الحملة الشعبوية، أو أكثر شعبوية من اليسار المتطرف قاده جان لوك ميلنشون رئيس فرنسا المتمردة، واضعاً هموم فرنسا على ظهر ليبرالية الاتحاد الأوروبي، ورغم تنامي ظاهرة الإرهاب، ومقتل عشرات الفرنسيين، في باريس ونيس وغيرهما، لم ينجر هذا الشعب كالخراف، وراء أوهام الخروج من الاتحاد، والتقوقع على الذات، بل قالها بصوت عالٍ؛ الحل هو العودة للاتحاد الأوروبي، وتطوير مؤسساته عبر مزيد من التكامل.
أزاح الشعب الفرنسي أحزابه التقليدية، اليمينية الديغولية، واليسارية ألاشتراكية وهما اللذان تقاسما الحكم منذ تأسيس الجمهورية الخامسة قبل أكثر من ستين عاماً، وذلك لصالح حزب جديد، ترأسه ماكرون الشاب، منذ حوالي السنة، ورفع كشعار عالٍ له، الانفتاح على العالم، والمزيد من التكامل الأوروبي، أي بشكل واضح التغريد خارج السرب الإعلامي والسياسي. وفي البداية، لم يكن أحد يُراهن عليه ولو بفرنكً واحد، أو (يورو واحد) كي ينجح بالوصول إلى السلطة.
أركز على هذه النقطة بالتحديد، أي البُعد الأوروبي للانتخابات الفرنسية، لما لها من أهمية لدى شعوب العالم الأخرى، وخصوصاً الشعوب العربية، والتي أراد الكثير من المستولين على سدة الحكم في بلاد العرب، والأحزاب الدائرة بفلكهم، أن يُكرسوا التجزئة العربية، من مُنطلق فشل الاتحاد الأوروبي.
يحق للوحدويين العرب إذن، أن يشكروا السيد ماكرون والشعب الفرنسي، على عملهم هذا، والذي بكل تأكيد، أحرج الكثير من الأنظمة، الداعية للانعزالية، واستعداء شعوب الأرض كاملة، كما نرى ذلك في السلوك الإيراني أو في التوجهات الروسية، أو فيما قادت أو ستقود إليه الثورات العربية المضـادة.
نأمل بأن تكون الانتخابات الفرنسية، بعد تلك التي جرت في النمسا وهولندا، أن تكون مؤشرا على ظاهرة جديدة لسياسات الانفتاح على الآخر، والعمل المُشترك بين الدول والشعوب، ووقف مد الحراك الشعبوي، مهما كان مصدره: بريطانيا، أمريكا أو أي دول أخرى بالعالم، ونظن أن الانتخابات الأوروبية المقبلة في إيطاليا، ستؤكد هذا الاتجاه.

كاتب فلسطيني

الخوف وحده لا يكفي

الخوف وحده لا يكفي

القدس العربي

نزار بدران

May 16, 2017

منذ قديم الزمان، اعتمدت السلطة لتثبت وجودها، على مبدأ السيطرة بالقوة على مجموع الناس، وذلك أساساً بالتخويف والإرهاب، فالقتل والإخفاء والتجويع وغيره، كانت من الوسائل المُستعملة، حتى في أكبر الحضارات السابقة، وما زالت طبعاً، بدون تغيير في أيامنا هذه، في كثير من دول العالم، التي تتسلط عليها حكومات شمولية، ومنها جزء كبير من العالم العربي والإسلامي.
لكن هل التخويف والإرهاب، يكفي لبقاء هذه الدول، وتلك السلطات، هذا ما ينفيه المؤرخون والفلاسفة فابن خلدون مثلاً، انتقد العرب بقوة، واتهمهم باستعمال العنف والدمار لتثبيت حكمهم بعد الفترة الذهبية الأولى ، ولكنه أكد بشكل واضح، أن الشيء الوحيد الذي سيُوحد هؤلاء، ويجمع الرعية المسلمة تحت رايتهم، وتجعلها تتقبل قرارات السلطة، هي الدعوة. وهكذا أمن الأمويون والعباسيون وغيرهم، حكمهم على شعوب المنطقة، بالخلط الدائم بين التخويف والإيديولوجية، مستعملة دائماً غطاء الفكر الديني، لإبعاد خطر الثورات ضدها.
الأسلوب نفسه اُستعمل زمن الدولة العثمانية، فرغم استبداد الباب العالي، إلا أن من جمع الناس، هو الأدلجة الدينية ورفع راية الدعوة.
حدث ذلك أيضاً بالاتحاد السوفييتي، فإرهاب ستالين والنظام الشيوعي ، احتاج لاستمراريته سبعين عاماً، إلى إيديولوجية لينين وماركس، لتغطية الإجرام ضد الناس، كذلك الأمر بالصين وغيرها. ويظهر القائد رغم إجرامه، كمحبوب للجماهير والتي تستعد للتضحية من أجله.
هذا ظهر جلياً في بلاد العرب، زمن جمال عبد الناصر، ذي الشعبية الساحقة، والذي بالوقت نفسه، أسس لما نرى حالياً، من أنظمة عسكرية مُستبدة، ولم يفسح المجال يوماً، لانتشار الديمقراطية في مصر، ويُحاول السيسي حالياً، استغلال هذه الشعبية، ولو بعد سنوات طويلة لتثبيت حكم العسكر.
الدين والسلطة، أو الإيديولوجية والسلطة، هما رديفان لكل نظام استبدادي، هذا أيضاً ما نرى في إيران الإسلامية، أو فنزويلا الثورة الشافيزية .
وقد فهم النظام السوري ذلك، لقمع شعبه على مدار ستين عاماً، فأسس لما يدعي أنها نظرية الممانعة والمقاومة، ليحمي بها ظُلمَه، وهو يستمر بذلك رغم دمار سوريا على يديه، بينما لم يُمانع أو يُقاوم يوماً احتلال إسرائيل للجولان أو تحرير متراً من فلسطين.
عندما تسقط ورقة التوت الإيديولوجية، يتعرى النظام، وفي تلك اللحظة، الخوف وحده لا يكفي لحمايته من ثورة الجوعى والفقراء.
هذه الورقة لا تسقط، إلا بتطور فهم الناس ووعيهم، هذا ما حدث في الثورة الفرنسية، التي استنارت بفكر عظماء الفكر والفلسفة، لإزاحة الحكم الملكي الفاسد، بعد رفض الناس للسيطرة الفكرية للكنيسة الكاثوليكية، التي كانت تُبَرر كل ممارسات الإقطاع.
وهذا ما بدأ في فنزويلا، عندما زال رمز الفكر، تشافيز، والذي استطاع بقوة شخصيته وثورته البوليفارية، أن يجمع أبناء فنزويلا، رغم سياسات عوجاء، أدت لخراب أكبر البلاد ثراءً بالنفط.
وهذا ما حدث في دول أوروبا الشرقية، والتي لم تعد تتقبل الفكر الماركسي، كمنارة للهداية، بعد زوال الاتحاد السوفييتي للسبب نفسه. وهذا ما حرك جماهير الأمة في تونس ومصر واليمن والبحرين وغيرها، عندما لم تعُد الأنظمة قادرة على طرح غطاء فكري، يجمد التناقض بينها وبين شعوبها، وعندما وصلت طبقة الشباب العربي، إلى وعي كافٍ لذلك.
العلم والتعلم، ونشر المعرفة والثقافة ومُقارعة التيارات الدينية العقيمة أو الفكرية الشمولية، هو من سيُعري هذه الأنظمة، ولا يترك بيدها إلا القوة لفرض سيطرتها، ذلك الحين ستعمل جاهدة، ، لتأجيج النزاعات الداخلية أو خلق الأعداء الوهميين بالخارج، ولكن بدون جدوى، فهي تعلم تماما، أن الخوف وحده لا يكفي لبقاء أنظمة الاستبداد.

كاتب فلسطيني

مؤتمر فلسطيني الخارج والشتات المنسي

 

نشر بالقدس العربي بتاريخ 20/03/2017

مؤتمر فلسطيني الخارج والشتات المنسي

نزار بدران

 

كانت منصة اسطنبول لفلسطيني أللجوء فرصة مواتية للتذكير بان اكثر من نصف الشعب الفلسطيني متواجد بالشتات، خصوصاً الدول العربية المحيطة بفلسطين. حق هذا الجزء المهم، بالمشاركة بالمشروع الوطني، والذي كان عنوان المؤتمر، شيء لا يحتاج للتفصيل والتحليل، والتاريخ النضالي ألفلسطيني منذ عشرات السنين، يُظهر اهمية التكامل بين الداخل الفلسطيني، والخارج المُهجر.

تناسي اتفاقيات أوسلو، وما تلاها من تفاهُمات مع إسرائيل لحق هذا الجزء بالعودة لوطنه، بشكل لا لبس فيه، هو من ادى الى تمزيق الجسم الفلسطيني، بين المتواجدين داخل حدود أوسلو وحُلم الدولة القادم، والقابعين خارجة وكابوس البقاء بالمخيمات للأبد.

فقط الجزء المتواجد خارج الدول العربية حالياً، أي بأوروبا والأمريكيتين، بشكل أساسي (أقل من 700 الف)، هم من يستطيعوا أن يُعلنوا تمتعهم بحقوق إنسانية عادية.

أكد المؤتمر ببيانه ألنهائي على بعض الحقائق ألتاريخية لسنوات الستينات، أي الشعارات المؤسسة لمنظمة التحرير الفلسطينية، ويُطالب بشكل واضح بالعودة لهذه القيم المفقودة.

إننا نتفهم كل ذلك، ولكن العودة للماضي، لا يمكن أن يكون طريق المستقبل لأسباب عدة، أهمها أن العالم من حولنا قد تغير بشكل جذري منذ ذلك الزمن، والذي كان صراع الشرق والغرب والحرب الباردة، هو شعاره الأساسي، وكذلك النضال الوطني بدول عديدة للخروج من الاستعمار.

هذا التغير المستمر، تسارع بشكل مُذهل في السنوات القليلة الماضية، فانهار الاتحاد السوفيتي، وانتهت الحرب الباردة، وانتقل العالم في الخمسة والعشرين سنة ألأخيرة من مُحاربة الاستعمار والإمبريالية، إلى محاربة الاستبداد والظلم ألداخلي لهذه ألأنظمة التي أتت زمن الحرب الباردة. تحررت قارات بأكملها، مثل أمريكا اللاتينية من حكم العسكر والأنظمة الشمولية، وكذلك دول شرق أوروبا وجنوب أفريقيا ودول عديدة بآسيا.

عندما ندعي طرح فكر جديد، يجب على هذا الفكر، أن يتلاءم مع المرحلة الحالية، أين نحن من الحروب التي تشنها أنظمة عربية على شعوبها، بدل أن نُعلن حيادنا التام، وكأن قتل السوري بحلب، أو الفلسطيني بمخيم اليرموك، لا يوازي قتل الفلسطيني بالقدس.

أين موقف المؤتمر من ألجماهير التي يدعي تمثيلها بالخارج، مخيم اليرموك الذي دُمر على رؤوس أهلة اللاجئين الفلسطينيين، وهُجروا إن لم يُقتلوا، إلى لبنان والأردن، أين نحن من فلسطينيي العراق، الهائمين على وجوههم من العنف الطائفي، أين حقوق الفلسطيني منذ أكثر من ستة عقود بلبنان، والممنوع من أقل أسباب الحياة.

مؤتمر الشتات، كان عليه أن يذكر مآسي الفلسطينيين في الشتات ، وهم اللذين سيكونون جيش التحرير.

الربيع العربي والذي وُوجه بالحديد والنار، من الأنظمة التي نُهادنها، هو صوت شبابي يبحث عن الحرية ودفع الاستبداد، أين هم الشباب بقيادة حراك فلسطيني الخارج، وأفكارهم الخلاقة، والتي بكل تأكيد، لن تختلف كثيراً عن أفكار أقرانهم بالوطن العربي.

لا يكفي أن نُطالب بالعودة، خمسين عاماً للوراء، حتى نجد حلولاً لمشاكل الشتات والداخل الفلسطيني، بل علينا أن نندمج بالمرحلة التي يعيشُها العالم حالياً، ونتفاعل مع آلام وآمال أمتنا العربية، وليس النأي بالنفس كما نفعل منذ البدء.

الفكر الجديد بحاجة لأناس جُدد، ولا يمكن أن يكونوا إلا من شباب الشعب الفلسطيني، والذي يُعايش يومياً، مآسي التشرد بدولنا ألعربية كما نرى بلبنان حالياً مع مخيم عين الحلوة، دافعاً البعض للمقامرة بحياته، للحاق بدول الشتات الأخرى الأبعد، ولكنها الأرحم.

 

 

 

 

البحر المتوسط شرخ فاصل ام جسر واصل

نشر بالعربي الجديد بتاريخ 08/03/2017

 

البحر المتوسط

شرخ فاصل ام جسر واصل

نزار بدران

 

منذ انتهاء الإمبراطورية الرومانية، انتهى مفهوم الحضارة المتوسطية الواحدة، أو المفهوم القديم للمتوسط ” بحرنا “، الذي وضعه الجغرافي اليوناني استرابون، بالقرن الأول، بمفهوم العالم المُتمدن،  هذا الشرخ ما زال قائماً، بين جنوب وشمال البحر المتوسط.

وُجدت زمن الإمبراطورية الرومانية، أول عولمة بمفهوم وجود دولة واحدة وحضارة واحدة، كل ساكن مهما كان مولده وأصله، هو مواطن روماني، يحتكم لما يُسمى بقوانين الجمهورية، دليل ذلك أن خمسة من أشهر أباطرة الرومان، كانوا من أصل سوري  معظمهم من حمص، وبالتحديد,كراكلا, غيتا, ايل جبل , سيفيروس الكسندر وفيليب العربي. وكذلك سيبتيمس سيفيروس من ليبيا, و ماكرينوس من الجزائر, .الآثار التي نجدها بروما، هي نفسها التي نجدها بليبيا والأردن وسوريا وغيرها.

هذه العولمة الأولى، انتهت بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، بالقرن الرابع، والتي حل بعدها ببضع قرون، بجنوب وشرق المتوسط فيما بعد الدولة الإسلامية. منذ ذلك الزمن، انتهى مفهوم وحدة البحر المتوسط، وبدل أن يكون بحيرة داخلية رومانية لدولة واحدة، أصبح حاجزاً أو جسراً بين حضارتين، الغربية المُنتهية والإسلامية الناشئة.

الحضارة الإسلامية، بُنيت بعد وصول العرب إلى بلاد الفرس ذات الحضارة العريقة، وهذا ما يُفسر أن جُل العلماء المسلمين مثل إبن سينا الفارسي، والفارابي من تركستان، والخوارزمي عالم الكيمياء، من أوزبكستان، والبخاري الفارسي وسيبوية من مواليد شيراز لغوي العربية الشهير. كل هؤلاء من أصول غير عربية، العرب في بداية الفتوحات الإسلامية، لم يدمروا حضارات من سبقهم، بل على العكس أعطوها إمكانيات أكبر للانتشار, من ناحية أخرى تمكنت الفتوحات الإسلامية لبلاد الشام من الوصول إلى قبائل تعرف التكلم باللغة اليونانية، وهو ما سهل حين ذاك، ترجمة مؤلفات أرسطو وأفلاطون وغيرهم، وفتح باب الحضارة الإسلامية، عندما ربط العرب بين الحضارة الفارسية العريقة، التي دخلت الإسلام، وعُظماء الفلاسفة الإغريق.

النزاع التاريخي بين شمال المتوسط وجنوبه، لم يكن حاجزاً لانتقال الحضارة، فرغم الفتوحات الإسلامية، والحروب الصليبية، وطرد المسلمين من الأندلس، فإن الأوروبيين فتحوا الأبواب على مصراعيها للحضارة العربية والإسلامية، والحضارة اليونانية التي حملها العرب لهم. فبالوقت الذي كان فردينان دارغون، يطرد المسلمين من الأندلس، ويدخل آخر معاقلهم بغرناطة، فإنه لم يحرق بل أخذ آلاف الكتب الموجودة في مكتباتها العريقة، ووزعها على أهم المراكز الأوروبية في ذلك الزمن، والذين بدأوا على الفور بترجمتها، واضعة بذلك أُسس انتقال الحضارة العربية إلى أوروبا، وأسست للنهضة الغربية.

الفكر العقلاني القادم من الأندلس وعلماء اليونان، أخذ مكان علم اللاهوت والغيبيات والخزعبلات، التي كان يعيش عليها الغرب بالقرون الوسطى، وأسست لفكر فلاسفة عظام، أمثال ديكارت وكانت، والذين استقوا من فكر ابن رشد وغيره، من علماء ذلك الزمن.

نرى نفس الشيء، ولكن بالاتجاه المُعاكس، أي أن الحملة النابليونية على مصر، بعد الثورة الفرنسية (1789)، ترافقت مع تطور الدراسات الشرقية، التي قام بها العلماء، في كافة الأوجه، اللذين أحضرهم نابليون معه، رغم أن الحملة لم تستمر إلا ثلاث سنوات (1789-1802)، إلا أن محمد علي باشا، اقتبس الفكر الحداثي الغربي، وبدأ بحملة واسعة، لإقامة دولة عربية حديثة، لم يُكتب لها النجاح، بسبب توافق السلطان العثماني، والقوى الأوروبية على هزيمته. نرى ذلك أيضاً بتونس، مع الوزير خير الدين، الذي وضع أسس الحداثة وأول دستور لدولة إسلامية سنة   1861 مقتبسا القوانين المدنية الاوروبية.

 

نرى ذلك مع فكر الإصلاحيين الإسلاميين، اللذين درسوا بالغرب، أمثال الشاعر الفيسلسوف الهندي الباكستاني، محمد إقبال، وكان أستاذاً بألمانيا وبريطانيا حتى انه كان له مدرسة واتباعا غربيين، ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني، اللذين أسسا لجريدة العروة الوُثقى بباريس، عام 1884، وحتى السلطان عبد الحميد الثاني، والذي وضع قبل انهيار الدولة ببضع سنين، أول دستور للإمبراطورية العثمانية، مع بدء تحديث الدولة، ووضع القوانين المدنية المُقتبسة عن الغرب.

هذا التفاعل الحداثي بين الشرق والغرب، بين شمال المتوسط وجنوبه، كان جسراً حضارياً، تعدى بحر الحروب والأطماع.

في كل زمن، نجد حضارة ومركزاً لإشعاعها، ووجود الحروب والنزاعات، لا تعني فصل الحضارة وتجزئتها، فالحضارة لها طابع إنساني، لا تستطيع الحروب منع انتشارها، بل قد تكون كما رئينا وسيلة لذلك. الحضارة العالمية، هي تلك التي يستطيع أي إنسان على وجه الأرض ان يجد نفسه فيها، ففكر أفلاطون وأرسطو تبناه علماء الإسلام، في بدايات الحضارة الإسلامية، قبل تجميد ذلك بإغلاق الاجتهاد، وإنهاء العقل لصالح النص.

من هذا المفهوم فنحن نعتقد، أن مفهوم الحضارة الغربية، كحضارة وُلدت بالغرب، ولا تصلح إلا للغرب، هو مفهوم خاطىء، فلولا الحضارة الإسلامية، لما وُجدت الحضارة الغربية، ولولا الحضارة اليونانية والفارسية، لما وُجدت الحضارة الإسلامية، ولولا وُجود الحضارة الرومانية لما وصلنا لشىء.

الحضارة هي نهر واسع جارٍ، تصب فيه أنهر صغيرة كثيرة، كل أمة وكل شعب يُساهم بها وبتطورها.

قيم حقوق الإنسان، والمساواة بين الناس، والدولة الديمقراطية، هي بعض من قيم حضارة هذا الزمن العالمية، وليست قيماً غربيه، وإن وُجدت وترعرعت بالغرب، بعد الثورة الفرنسية.

خصوصيات الشعوب لا تُترجم بحضارة خاصة بهم، تعادي او تتناقض مع الآخرين، بل بثقافات خاصة، تُغني الحضارة العالمية الواحدة. فالثقافة العربية هي ما أنتجته الخصوصية العربية، من أدب وشعر وهندسة معمارية وأشياء كثيرة لا تُعد ولا تُحصى، كذلك الثقافة الصينية أو الإفريقية، هذه الاختلافات في الثقافات ضرورية، لبناء عالم ملون جميل، يستطيع كل شعب أن يُعبر عن نفسه، ويُغني الثفافات الأخرى، ولكنهم كلهم يتفقون على إطار حضاري واحد. العولمة الحديثة لا تعني، أن نلتحق بالثقافات الغربية، بل على العكس، يجب الحفاظ على ثقافاتنا ولغتنا وكل خصوصياتنا، والعمل الدؤوب على منع ذوبانها واختفائها، تحت حُجة الحضارة المشتركة.

التمييز بين مفهوم الحضارة، وهي واحدة، ومفهوم الثقافة، وهي متعددة، مهم جداً، التراجع الثقافي الذي نراه حالياً بالعالم العربي، على مستويات عدة (كالفن والأدب وغيره) والإفقار الفكري العام، والابتعاد عن الحضارة والقيم العالية، والتقوقع في أُطر غيبية دينية، كما فعل الأوروبيون في القرون الوُسطى، قبل وصول الحضارة الإسلامية واليونانية لهم، هو ما يجب الانتباه إليه، علينا أن نفتح الأبواب والنوافذ كلها، لإدخال الحضارة لبلادنا، وإيصال ثقافتنا ومشاركتنا الحضارية، إلى العالم.

الأوضاع العربية الحالية، هي نتاج هذا البكاء المستمر، على حضارة فقدناها، والحُلم باستعادتها، وكأن نهر الحضارة السائر، باتجاه البحر، يمكن له العودة للخلف. الشعب الياباني أو الصيني أو الهندي، استطاع بناء دولة قوية ومتطورة، والعمل للانتماء للحضارة الإنسانية الحديثة، بدون أن يفقدوا شيئاً من خصوصياتهم وثقافاتهم، بل على العكس، أصبحوا من أكبر روافد هذه الحضارة، وقد يُصبحوا قريباً، وقبل مُنتصف القرن الواحد والعشرين، مصدرها الأساسي، كما هو الغرب حالياً.

تركيا وأندونيسيا، ودول مسلمة أخرى، بجنوب شرق آسيا، انطلقت بدورها إلى الإمام، وطورت التعليم والصناعة، والحكم الرشيد والديمقراطية. تبقى الدول العربية، هي حقيقة الاستثناء الوحيد بالعالم، وليس الإسلامية، والتي لا تستطيع، رغم ثرواتها الريعية الهائلة، وقد يكون بسببها، الالتحاق بالجوقة العالمية. الهوة الوحيدة التي تستمر بالاتساع بالعالم، هي بين شمال البحر المتوسط وجنوبه، وتقارير الأمم المتحدة، عن التنمية بالعالم، يطرق جرس الخطر بتقاريره السنوية، منذ عام 2002.

نهر الحضارة العالمي جارٍ منذ آلاف السنين، وهو يمر بكل الدول و الشعوب والأزمان، رفض الالتحاق به لن يضر أحداً غيرنا، وسنبقى خارج الحضارة والتاريخ.

الحراك الشبابي للربيع العربي، جاء لتصحيح هذه الخصوصية عندما رفع عالياً قيم حضارية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد وعليه ان يعمل للتخلص من كل قوى التقوقع والاثقال السياسية والاجتماعية التي تحاول ان تجره الى الوراء.

 

 

 

 

 

 

 

 

انتهاء ريادة النخبة الفلسطينية للفكر العربي

 

القدس العربي 16 شباط 2017

انتهاء ريادة النخبة الفلسطينية للفكر العربي

نزار بدران

قد يتفاجأ البعض بمواقف بعض المُفكرين الفلسطينيين، أو المسؤولين السياسيين، من الثورة السورية، وخصوصاً تلك الحركات التي كانت رمز الحرية والثورة بالعالم العربي.

الحدث السوري كان بالنسبة لجزء مهم من الفكر الفلسطيني بمثابة اسدال الستار عن الحلقة الاخيرة  من مسرحية استمرت لعقود كان فيها المفكر الفلسطيني رمز الامة للانعتاق والتحرر , لنجد بعضهم يلهثون تدريجيا وراء الانظمة التي كانت سبب نكبتنا وتبرر قمعها واجرامها بحق شعوب دولها.

استكمالاً لما كتبته سابقاً بشأن مواقف النخبة العربية، وعماها الإيديولوجي، الذي يمنعها من رؤية الأشياء كما هي ،فسنتطرق للوضع النخبوي الفلسطيني  والذي لم يكن احسن حالا.

إن مركزية القضية الفلسطينية تُحتم علينا أن نُحلل الموقف الفلسطيني من الأحداث العربية، وترابطهما الوثيق، فالشعب الفلسطيني مُهجر في كثير من دول الجوار، خصوصاً في سوريا ولبنان، وهو  واقع ضحية عنف جديد، يُضاف لعنف فقدان الوطن والعيش في الشتات.

الخصوصية الفلسطينية، والتي هي بقاء فلسطين تحت الاحتلال، قد تبرر المواقف الداعمة للنظام السوري، من عدد من المثقفين وجزء من عامة الناس، لأن الشعب الفلسطيني لم يُنه بعد، مرحلة التحرر الوطني. هل حقاً مواقف كهذه تُفيد القضية الفلسطينية، القضية المحورية للأمة العربية؟، وهل استطاع الفلسطينيون بالتصاقهم الدائم بمرحلة التحرر الوطني، الوصول إلى أي شكل حقيقي من الاستقلال الوطني؟، الحقيقة أن قطار التحرر الوطني في العالم قد فاتنا، وخصوصاً بعد تقزيم المطالب الوطنية من تحرير فلسطين وإقامة دولة العدالة الاجتماعية، المُسماة الدولة الفلسطينية الديمقراطية العلمانية، كما أُعلن في سنوات الستينات، إلى دويلة لا تتجاوز مساحتها، خمس فلسطين التاريخية، والاعتراف بسلب البقية الباقية، ونسيان حقوق اللاجئين.

لقد عمدت اتفاقيات أوسلو، إلى إنهاء حتى مفهوم هذه الدولة الصغيرة، والتي أُشبعت تقسيماً وتقطيعاً. ولم يحصد الفلسطينيون إلا اليأس ومجتمعا مجزءا بين تيارات وانتماءات ليس لها حقيقة علاقة بالمشروع الوطني الكبير، الذي وُضع في منتصف سنوات الستينات واستُشهد من أجله الآلاف.

عكس ذلك، أي الالتحاق بموجة التحرر، التي تلت سقوط الاتحاد السوفيتي، وانتهاء الحرب الباردة، وعمت مناطق شاسعة من العالم، قد تُقرب لنا مشروع التحرر الأصلي، أي بناء صرح دولة على كامل فلسطين وعودة اللاجئين. لهذا ليس من الضروري، أن يتناقض البعد الوطني والتحرر من المُستعمر، مع البُعد الاجتماعي والمطالبة بالحرية. ليس لذلك التناقض مبرر تاريخي حالياً، بعد نهاية الحرب الباردة، وسقوط مرجعية الفكر الاستبدادي، الذي كان يمثله الاتحاد السوفيتي، والدول الشيوعية الدائرة في فلكه، بل على العكس لن يكون لنا مشروع تحرري فاعل، إن تغاضينا، كما نفعل الآن، عن البعد الحقوقي والاجتماعي للشعب الفلسطيني.

لم يعد ممكناً أن نستمر، بتفسير اضطهاد الفلسطينيين في لبنان مثلاً، وسلبهم حقوقهم الإنسانية الأساسية، بالعمل والتملك، تحت حجة حماية القضية الفلسطينية، وكأن سلب حقوق الناس الاجتماعية، تضمن لهم حقوقهم الوطنية.

الشعب الفلسطيني، وخصوصاً المفكرين وقادة الرأي، عليهم النظر بتمعن إزاء هذه الازدواجية: الحرية والتحرر، فهما بالنسبة للشعب الفلسطيني، رديفان لنفس الهدف. أما  الابتعاد عن مفهوم دعم الأنظمة العربية الديكتاتورية، كما نرى للأسف بسورية، تحت حُجة تحرير فلسطين (وهو ما يعني فقط إقامة دولة على جزء صغير من فلسطين ومع سيادة ناقصة) لا يُقربنا، من مفهوم الجمع بين الحرية والتحرر.

لم يقبل نيلسون مانديلا بجنوب أفريقيا، بفصل هذين البعدين، وأصر على إقامة دولة واحدة، يحكمها القانون، وهو ما وصل إليه، بدل الجري وراء سراب تقسيم جنوب أفريقيا، بين السود الأغلبية والبيض الأقلية. علينا بفلسطين إذاً، وخصوصاً الذين يدعون المعرفة وقيادة الرأي العام، أو السياسيين من قادة الحركة السياسية، أن نبدأ بالسير نحو هذا النموذج، والالتحاق بمبادىء الربيع العربي. فشباب هذا الربيع، يمثلون حقاً مستقبل الأمة وحقها بالنهوض، بعد أكثر من مئة عام على التغييب.

إن مساندة الشعب السوري، في نضاله للحصول على حريته، هو وسيلتنا كذلك في فلسطين، للحصول على حريتنا وتحررنا في نفس الوقت. فماذا أفاد الشعب الفلسطيني السكوت عن النظام السوري عام 1982، عندما دمر مدينة حماة، وقتل أكثر من 30 ألف مواطن، وفي وقت حاصر طرابلس، وطرد الثورة الفلسطينية، كما أرادت إسرائيل وأمريكا خارجاً.

إن الالتحاق بموكب الربيع العربي، لن يكون عن طريق أطراف السلطة بكل أشكالها (بالضفة أو غزة أو بالخارج) ولا عن طريق المنظمات الفلسطينية المعارضة، لأنهم لم يستطيعوا الخروج من المعادلة الأولى للقرن الماضي وهي التحرر من الاستعمار، ولم يدخلوا إلى المعادلة الثانية وهي التحرر من الاستبداد، التي عمت العالم، أو لم يروها. هذا الالتحاق لن يتم إلا عن طريق شباب الشعب الفلسطيني، والذي عليه مهمة اللحاق بشباب الأمة، ورفع شعارات تتلاءم مع طبيعة المرحلة الجديدة. هذا الشباب عليه ان يفرز الفكر الفلسطيني التحرري ويضع أسس حراك وطني فلسطيني يكون مرتبطا بالمرحلة التاريخية الجديدة التي يعيشها العالم العربي وفلسطين.

لم تعد البرامج السياسية التي وضعتها الحركة الوطنية الفلسطينية بكل اطيافها خلال سنوات الستينات وحتى الثمانينات، قادرة على تجميع الجهد الفلسطيني او العربي, بل فشلت بذلك فشلا ذريعا. أما الشباب الفلسطيني وعبر ارتباطه بالحراك العربي والذي هو بدوره جزء من صورة العالم الجديدة في جانبها المضيئ, تحتم العمل من أجل مجتمعات تحكمها مصالح الشعوب ولا تهمش احدا.

الربيع العربي في بداياته عام 2011 كان نموذجا لحراك عالمي شبابي انتشر بشكل واسع، خصوصا بالدول الاوروبية من ايطاليا لاسبانيا وحتى امريكا وغيرها, تحت تسمية الحركات البديلة مبني على مفهوم الديمقراطية وحقوق الانسان. يستطيع الشباب الفلسطيني بدوره ان يكون نموذجا لهذا الفكر, وان لم يقم بهذا الدور فلن يقوم به احد.

إن الذين يدعمون النظام السوري وحماته الروس، ويعلنون رفضهم لمبادىء الربيع العربي، يسيرون عكس اتجاه التاريخ، ومكتوب عليهم الفشل، بعد أن خذلوا الشعب الذي احتضن الفلسطينيين، وكأنهم جزء منه، ولا ننسى أن الشهيد عز الدين القسام، قائد أول ثورة فلسطينية، كان سورياً من قرية جبلة قرب حلب، واستشهد على أرض فلسطين بقرية يعبد، وكان وما زال شيخ المجاهدين بفلسطين.

 

دونالد ترامب العودة إلى القرن التاسع عشر أم الذهاب المستقبل؟

الوان عربية 16 شباط 2017

دونالد ترامب

العودة إلى القرن التاسع عشر أم الذهاب للمستقبل؟

نزار بدران

أكدت الانتخابات الأمريكية الأخيرة، مع وصول دونالد ترامب للسلطة، عن تغيير كبير متوقع بالسياسة الأمريكية، على كل الأصعدة، الداخلية والخارجية والاقتصادية. فالإدارة الأمريكية الحالية، في صدد وضع تصور، ليس فقط لعلاقاتها بالدول الأخرى، وإنما أيضاً بفلسفة للعلاقات الدولية، مبنية على أسس جديدة.

من الواضح أن التيار “الفكري” الذي يمثله ترامب ليس أمريكياً بحتاً، وإنما بدأت مظاهره الأولى، تلوح منذ بضع سنوات، كخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، باستفتاء حزيران 2016، وانتشار الفكر اليميني المتطرف ووصوله إلى سدة السلطة في بلغاريا وحتى في بولونيا. كما في وصول الرئيس بوتين وما يمثله من فكر قومي يميني بروسيا، ونتائج ذلك على دول مثل أوكرانيا وسوريا، كل هذه الأمثلة وغيرها عديدة، توحي بأننا قد عُدنا للقرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. في ذلك الزمن، كان يُهيمن على أوروبا، قوى عُظمى مُتصارعة ومُتناحرة، كل يُدافع عن مصالحه، بدون أدنى التفات إلى مصالح الآخرين وحقوقهم. حروب أوروبا الدموية، كانت نتاج ذلك الوضع، والذي انعكس في وقته  على كل العالم.

انتهت هذه الفترة، مع نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما أخذت هذه القوى في حسبانها  مفاهيم جديدة للحد من الصراع بينها، وتمثل ذلك بوضع أُسس المنظمات الدولية والقوانين المتعدية للحدود الوطنية، مثل منظمة الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وما تولد عنها من مؤسسات دولية عديدة، مثل مجلس حقوق الإنسان ومنظمات رعاية الطفولة والمحاكم الدولية، وما إلى ذلك. نجحت هذه الوضعية الجديدة، بإنهاء الحروب في أوروبا، والعالم الغربي عموماً، ووضع أُسس الاتحاد الأوروبي، ولكن ذلك لم يُنه الصراع بالعالم، وهو ما تمثل بالحرب الباردة، بين الاتحاد السوفيتي والغرب.

انهيار حلف وارسو، وسقوط جدار برلين، واختفاء الاتحاد السوفيتي في تسعينيات  القرن الماضي، أسس لمرحلة اخرى جديدة، وهي دخول باقي دول العالم المهمشة خلال مرحلة الحرب الباردة الى عالم العلاقات الدولية، الذي كان حكراً لدول معينة، فنحن رأينا سقوط العديد من الأنظمة الاستبدادية والديكتاتورية، مثال ذلك البرازيل، ودول عديدة بأمريكا اللاتينية، وكذلك دول أوروبا ألشرقية وجنوب أفريقيا وإنهاء الفصل العنصري.

أحد المعالم المهمة لهذه المرحلة، ما بعد انتهاء الحرب الباردة، هو العولمة الاقتصادية، ووصول دول عديدة لعالم التجارة، والتنافس العالمي، بحظوظ وإمكانيات متفاوتة، مثل كوريا الجنوبية ودول عديدة أخرى في جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وتركيا، والانتعاش الاقتصادي الواسع بأفريقيا.

في القرن التاسع عشر، كان الصراع المبني على القومية، بدون أي اعتبار لمصالح الآخرين، سيد الموقف وسمة العصر. وفي القرن العشرين، انتقلنا إلى مفهوم التعاون الإقليمي، خصوصاً في دول الغرب، أو مجموعة الدول الدائرة في فلك الاتحاد السوفيتي، وأخيراً وبعد انتهاء الحرب الباردة، إلى عولمة العلاقات الدولية والاقتصاد والتجارة.

ماذا يفعل إذن السيد ترامب، هل يريد أن يُعيدنا إلى القرن التاسع عشر، والصراعات التي لم تُؤد إلا إلى الدمار، عن طريق تأجيج القوميات والمصالح الضيقة للدول. أم أن ذلك هو فقط لاستشعار الولايات المُتحدة، بإنتهاء دورها التاريخي، كقوة مُهيمنة وحيدة، منذ حوالي ثلاثين عاماً، بعدما تقاسمت العالم مع الاتحاد السوفيتي لعشرات السنين. فسياسة الانفتاح العالمي، وعولمة الاقتصاد والحد من العوائق الجمركية، والتطور المعرفي والرقمي والتكنولوجي، وانتهاء الحرب الباردة، كل هذا أدى إلى ظهور قوى عالمية جديدة مهمة، على رأسها الصين واقتصادها الأول بالعالم، وإلى جانبها الهند بملياراتهما السكانية.

الاقتصاد الأمريكي، بنى نفسه على قوة إنتاجية جبارة، ولكن أيضاً، وهذه خصوصية أمريكا وجوهر قوتها، على قوة استهلاكية أكثر عظمة، فالشعب الأمريكي هو أكبر المستهلكين، وهو ما سمح بتطور الصناعة الصينية، عندما فُتحت أمامها الأسواق الأمريكية. الصين هي الشريك الأول التجاري للولايات المتحدة، حيث بلغت صادراتها لهذا البلد عام 2015، أكثر من 357 مليار دولار.

أعلن ترامب مؤخراً، أنه يريد إعادة النظر، بالاتفاقيات التي تجمعه مع كندا والمكسيك، وكذلك دول شرق آسيا، فلنعلم أنه يستطيع أن يفرض ما يشاء، فكندا تُصدر أكثر من 75% من إنتاجها لأمريكا، والمكسيك حوالي 80%. القوة الاستهلاكية الأمريكية، وليس القوة الإنتاجية، إذن هي مُبرر هذه العنجهية، فنحن جميعاً، دولاً صغيرة أو كبيرة، بحاجة لأمريكا، لأنها أكبر سوق استهلاكي بالعالم.

ولهذا يمكن القول أن الرئيس الامريكي، يفتتح الأن مرحلة جديدة، وليس العودة إلى القرن التاسع عشر، وهي مرحلة دخول أمريكا إلى زمن العُزلة والإنكفاء على النفس، مُعتمدة على قوتها الإنتاجية والإستهلاكية في نفس الوقت، وفرض شروطها على الآخرين.

لذلك ينبغي على الصين والدول الناشئة الأخرى، أن تنتبه إلى أهمية السوق الاستهلاكي الداخلي، لحماية اقتصادها ونفسها، وإذا ما أُغلقت السوق الأمريكية أمام الصين، فلن تتمكن من استبداله بالأسواق الإفريقية أو دول العالم الثالث او روسيا، فهذه كلها ذات قوة استهلاكية ضعيفة.

لن تتمكن الدول الناشئة مثل الصين والبرازيل، من تطوير السوق الداخلي، إلا من طريق تحسين علاقاتها الاجتماعية، وذلك بالتوزيع العادل للثروة، وليس عبر تمركزها بأيدي قلة قليلة من فئات طبقية فاسدة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى حصول الطبقة العاملة على حقوقها، بالعمل والصحة والتطوير المهني والحقوق النقابية، وخصوصاً الدخل اللائق المناسب لجهدها الجبار، وذلك ما سيُمكن دولة مثل الصين أو الهند من التحول إلى منافس حقيقي للولايات المُتحدة، عندما يتولد لديها ذاك الجمهور الاستهلاكي الواسع، الذي يستطيع امتصاص انتاجهما الضخم.

ليست العدالة الاجتماعية في هذه الدول، ترفاً فكرياً، وإنما ضرورة للبقاء في عالم ترامب الجديد، المبني على القوة، والقوة في هذه الأيام هي للمُستهلك القادر وليس للمُنتج ققط.