السودان والربيع العربي الثاني أين الغرب ؟

السودان والربيع العربي الثاني
أين الغرب ؟ euronews 12/01/2019

د. نزار بدران

تجتاح السودان هذه الأيام، موجة من الاحتجاجات الشعبية العارمة، المُطالبة بإسقاط النظام منذ ثلاثة أسابيع، وتتزايد يوماً بعد يوم آخذة شكلاً أكثر تنظيماً.
بالمقابل يزداد عنف النظام، ويتساقط القتلى من بين المتظاهرين، الرئيس عمر البشير، لا يملك إلا حل العنف للبقاء بالسلطة، فالحل الآخر، وهو التنحي، سيؤدي به إلى محكمة الجنايات الدولية، بتهمة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بسبب حرب دارفور.
الأنظمة العربية، بالإضافة لإيران وروسيا وتركيا والصين، وقفت كلها مع نظام البشير، رغم خلافاتهم الداخلية، فهؤلاء الحكام، قد يتصارعون، ولكنهم دائماً يتضامنون ضد ثورات شعوبهم، وتفسير ذلك، بمصالح اقتصادية وجيو استراتيجية، وإن كان ممكناً، ليس هو السبب الرئيسي لبقاء هذا الدعم، لنظام ثبت فشله منذ ثلاثين عاماً، وأدى بالسودان إلى التقسيم والحروب الداخلية والخارجية، وفقدان مواردها النفطية، وحصارها من الدول الغربية، وقمع الحريات الفردية، وتدمير الاقتصاد وإفقار الناس.
السؤال الذي أطرحه بهذا المقال، هو عن موقف الدول الغربية، والتي تحمل دائماً، شعارات دعم الحرية والديمقراطية والحكم الرشيد. هذه الدول، لا يظهر أنها ستُغير من أسلوب عملها، مع ثورات الربيع العربي، حيث اصطفت بشكل واضح، رغم التصريحات الشكلية، مع الأنظمة ضد الشعوب، وها نحن الآن، نواجه بداية ربيع عربي ثان، قد يكون برأيي أكثر قوة وعمقاً من السابق، وقد تعلمت الجماهير، وخصوصاً طبقة الشباب الواعي المتعلم، من تجربة الربيع الأول.
هل تنظر الدول الأوروبية ورأيها العام، إلى مستقبل العلاقات بين جنوب وشمال المتوسط، أم هي لا ترى بالجنوب إلا مصدراً للإرهاب، والهجرة الغير شرعية، وسوقاً للأسلحة، ومرتعاً لتجار الحروب، وأرضاً لحل مشاكلها مع الدول الكبرى الأخرى، عن طريق حروب باردة صغيرة محلية.
الموقف الغربي، الأوروبي والأمريكي، من دول جنوب المتوسط وشرقه، مبنية بشكل أساسي على مبدأ الحصول على البترول والثروات والأسواق، مقابل رفاهية وبقاء الأنظمة الاستبدادية، وليس مقابل رفاهية وحقوق الشعوب المظلومة.
هذه نظرة قصيرة المدى، لأنها ترى بالأنظمة حليفاً دائما، متناسية أن الشيء الدائم الوحيد، هو الشعوب، وستذهب الأنظمة إلى زوال مهما طال الزمن.
عندها قد لا تجد الدول الغربية، ما تأمله من السوق العربي، لا على مستوى الثروات الطبيعية، والتي ستُكرس للإنماء، وليس لإثراء الحكام، كما نرى اليوم، ولا على مستوى السوق الاستهلاكي، مع حوالي أربع مائة مليون مواطن مستهلك، ولا على المستوى الاستثماري، والذي يُؤمل منه تحسين هامش النمو بالدول الغربية.
دول الربيع العربي،القادمة لا محالة، قد لا تتعامل مع من دعم أنظمتها القمعية، والتي دمرت دولاً كاملة، كسوريا أو اليمن مثلاً.
كثير من المفكرين والساسة الغربيين، كانوا يتهمون دوماً الأمة العربية، بعدم قابليتها للتغيير والإصلاح، أو قبول الأنظمة الديمقراطية، ويبنون سياستهم على هذا الأساس، أي التعامل مع الموجود والممكن، وهم لا يدركون أنهم حقيقة من لم يفهم هذه الأمة، ورغبتها العارمة بالإنتماء للقيم الإنسانية الحديثة، والمعايير الديمقراطية والانفتاح على الآخر.
جيل الأمة الجديد، الشاب المُتعلم، الباحث عن مستقبل أفضل، يُطالب صباح مساء، ليلاً ونهاراً، بكل مظاهراته، من شمال المغرب بالحسيمة و جرادة، إلى شوارع القاهرة وأزقة البصرة، ومدن وقرى سوريا، وساحات اليمن أو عمان أو البحرين، أو طرقات وساحات ومساجد السودان، يُطالبون بالحرية والعدالة والديمقراطية وإسقاط النظام.
إن أرادت الدول الغربية، استباق الأحداث، واللحاق بركب التغيير، والحفاظ على مصالحها المُستقبلية، فعليها أن تتفادى خطأ عام 2011، بعد انطلاق الثورة التونسية، حيث تدافعت لتسليح البوليس التونسي للنظام السابق، بدل الوقوف مع مطالب الناس، وتفتح آذانها من الآن، لصرخات المظلومين والداعين للتغيير.
التطورات الاجتماعية البنيوية بالشعوب العربية، وإزالة الفوارق والحواجز، بين الشعوب مع العولمة، وتقنيات التواصل الحديث، ستؤدي لا محالة، عاجلاً أم آجلاُ، إلى تغيير الأنظمة، والسير نحو الديمقراطية، وإعادة بناء الأمة على أسس جديدة. نأمل أن تكون الدول الغربية، داعماً لإنجاحها، وليس حاجزاً أمامها. مبينة بنفس الوقت، عن وعي وفهم، للأحداث والثورات التاريخية التي تجري بجنوب المتوسط وشرقه، والتي إن فشلت، لن تزيد الهجرة والإرهاب إلا عُنفاً، وإن نجحت، فإنها ستؤدي إلى العكس تماماً، وهو ما يصب بكل تأكيد، بمصلحة الجميع، بجنوب وشمال بحرنا المتوسط المُشترك.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s