التدخل الروسي وسياسة انقاذ الممكن

التدخل الروسي وسياسة إنقاذ المُمكن

نزار بدران

 

يمكن قراءة تطورات التدخل الروسي في سوريا، وما يعنيه استدعاء بشار الأسد إلى موسكو، عبر أوجه مختلفة، من قبيل ما قد يظنه البعض على أنه تشاورٌ بين الحلفاء، لرص صفوفهم أمام ما يسمونه الإرهاب، ولكن المُراقب لتصريحات الرسميين الروس منذ التدخل، والذي بدأ كالهجمة الصليبية بمباركة قساوسة أورثوذكس روس، ثم انقلب إلى عرض محادثات مع الأعداء الإرهابيين المزعومين من الجيش الحر، يوحي بأن الوضع مُغايرٌ تماماً لما كان الروس يسعون إليه عبر تدخلهم.
لقد أرادت روسيا عبر تدخلها، أن تُظهر للعالم، أنها «كعبة» كل اللاعبين في الساحة السورية، وهي بذلك تُزيح بدون حياء ولا دبلوماسية، الإيرانيين وميليشياتهم، وتُعلن فشل التدخل الإيراني بدعم جيش النظام، الذي لم يستطع بعد أربع سنوات، القضاء على ثورة السوريين، بل فقد السيطرة على مساحات شاسعة من البلد.
بعد ثلاثة أسابيع من الغارات الروسية المُكثفة، ومئات القتلى المدنيين وعشرات آلاف المهجرين الجدد بسببه (اكثر من خمسين الفا من جنوب حلب)، يُعلن يوتين عن طريق استدعائه للرئيس السوري، والدعوة لاجتماع غربي روسي سعودي تركي، فشل غاراته الجوية وورقته الأخيرة بإنقاذ النظام.
التقارب الإيراني الأمريكي، وخروج إيران التدريجي والواضح، من معادلة العداء للغرب وإسرائيل، ودخولها إلى معسكر أصدقاء أمريكا، بعد الاتفاق النووي، والذي سيتبعه ابتعاد مُنتظر عن التحالف مع روسيا، دفع بوتين إلى الدخول مباشرة إلى ساحة الصراع السوري.
وبعد الفشل بإجهاض الثورة السورية، وإنقاذ النظام، بات لكل دولة حساباتها وأهدافها، فإيران أدركت أن التقارب مع الغرب والابتعاد عن روسيا، أضمن لمستقبل آيات الله الذين يحكمونها منذ الثورة الإيرانية، آملة أن تكسب الدعم الاقتصادي، واستعادة أرصدتها من البنوك الغربية، وهي بذلك تُقر بفشل سياسة محور المُمانعة والعداء للغرب، وتقلب سياستها ظهراً على عقب. مليارات الدولارات التي دفعتها إيران للنظام الحاكم في سوريا، وآلاف المقاتلين الميليشياويين المُؤدلجين، الذين يحاربون في سوريا، لم تُجدها شيئاً، ولن تؤدي إلا إلى احتقان الأوضاع الداخلية، وخطر ربيع إيراني جديد.
سقوط الأسد المُنتظر، والتقارب الإيراني الغربي يعني لروسيا، فقدان أي تأثير في حوض البحر المتوسط، وتدمير حُلم الدولة العُظمى الذي يحمله بوتين، وتهديد النظام السياسي الروسي، والذي بنى شعبيته على مفهوم استعادة عظمة الاتحاد السوفييتي السابق.
لقد فشلت الغارات الجوية الروسية المكثفة (أكثر من 600 غارة خلال ثلاثة أسابيع) في إعادة الحياة لجيش النظام المُنهك، وكامل تشكيلة الحُلفاء المحليين والخارجيين، ما وضع المسمار الأخير في نعش أحلام إنجاز المهمة التي تنطحت لها موسكو، لتبدأ في البحث عن مخرج يؤمن لها على الأقل، الحفاظ على مظاهر العظمة، والاستمرار بتخدير الرأي العام الروسي لأطول فترة ممكنة. لذلك هي تحاول الآن فرض وجود عسكري في مناطق العلويين، يؤمن لها ميناء طرطوس كموقع قدم لسفنها وطائراتها.
كذلك فقدت إسرائيل مع الاتفاق النووي الإيراني الغربي، الورقة الفزاعة التي كانت تُمكنها من ابتزاز الجميع، وبدأت تستشعر بتغيير بطيء، ولكنه واضح، في السياسات الغربية تجاهها، خصوصاً من ناحية المواقف الشعبية، ونجاح الدعوات إلى مقاطعة إسرائيل، ونجاح انتخاب (كوربين) لرئاسة حزب العمال البريطاني، وانتخاب (ترودو) في كندا لرئاسة الحكومة، هي مؤشرات على ذلك، فهؤلاء لن يتبعوا السياسة الإسرائيلية بشكل أعمى، كما تعودت إسرائيل من قبل.
على أن سقوط النظام السوري، يعني لها إعادة استشعار المخاطر المحدقة من الشمال، وإعادة الحياة إلى الربيع العربي، والذي وبكل تأكيد، لن يقبل بأن تستبيح إسرائيل مقدسات الأمة وحقوق الشعب الفلسطيني.
ماذا يعني الدعم الإسرائيلي للتدخل الروسي في سوريا وتنسيقهما المشترك؟ هي بوادر حلف من نوع جديد، يؤمن لإسرائيل الدعم من دولة مهمة، قد يعوض جزئياً التراجع المُحتمل في الدعم الغربي مستقبلا، وورقة ضغط على الغرب وأمريكا بشكل خاص. كما أن تواجد أكثر من مليون روسي في إسرائيل، يتكلمون الروسية وتربطهم بروسيا علاقات عائلية وعاطفية واقتصادية، يدعم شعبياً هذا الاتجاه. فالتواجد الروسي الحليف لإسرائيل، هو أيضاً بمثابة إعلان موت المشروع الطائفي الإيراني، الرابط طهران ببغداد ودمشق وبيروت، والذي أسقطه حقاً، نضال الشعب السوري من أجل الحرية.
كذلك فإن مستقبل التحالفات بالشرق الأوسط، سيختلف تماماً عما تعودنا عليه، وسنشهد انتهاء الصورة التقليدية. المنسي الوحيد في هذه المعادلة الجديدة، هما الشعبان الإيراني والروسي، اللذان لم يقولا كلمتيهما بعد، وستكون كلمة مدوية، لأنهما لن يقبلا أن يجري تبذير ثرواتهما على أحلام العظمة أو التحالفات الطائفية. هذان الشعبان العريقان سيبحثان بدورهما لبناء بلديهما على أُسس الديمقراطية الحقة، والتي تضع مصلحة المواطن والوطن أولاً، وتطوير اقتصادهما ورفاهيتهما.
روسيا المستقبل، البعيدة عن حكم المافيا، وإيران المُستقبل، المُتحررة من الحكم الكهنوتي لـ «آيات الله» القادمين من مجاهل وظلمات القرون الوسطى، هما اللذان سيشكلان التحالف الأوثق مع أبناء الأمة العربية، الداعمين لقضاياها ضد المشروع الصهيوني وأنظمة الاستبداد والديكتاتوريين العرب، وداعميهم من الغربيين.
باختصار.. إن نجاح الثورة السورية، سيكون نقطة الفصل ونقطة الانطلاق للحرية، ولكن ايضا نقطة بدء العد العكسي لأعداء الشعوب.

 

 

حكم الأرهاب وموسيقى الشاعر

 

حُكم الإرهاب وموسيقى الشاعر

أشرف فياض

نزار بدران

 

يُخطىء من يظن أن الحُكم بالإعدام على الشاعر الفلسطيني الأصل السعودي المولد، أشرف فياض، هو حُكم جائر، فالخطأ ليس بطبيعة الحُكم إعداماً، سجنا، جلداً أو توبيخاً، بل هو بوجود الشاعر أصلاً أمام محكمة، لقوله شعراً أو لتعبيره عن رأي.  الشاعر الهادئ الانسان يقبع بالسجن مند اكثر من عام ومات والده اول امس غما عليه.

القاسم المشترك لكثير من أنظمة الاستبداد العربية، هي كرهها للشعر والشعراء، وحبها للمتزلفين والمنافقين، المُدعون الفكر والأدب، وهم كثر، ولا ننسى الحُكم بالمؤبد على الشاعر القطري محمد بن الذيب قبل عامين.

الخوف من الشاعر، حتى لو لم يقُل الا ادبا، وتلفيق اتهامات تحمل في معظم  الأحيان معاني دينية، بهدف استدراج الرأي العام لصالحها، يهدف بالحقيقة لإرهاب الناس، ولا أقصد إرهاب الشاعر الذي لم يقل شيئاً ثورياً، بل إرهاب من قد يُفكر لحظة بالاحتجاج على الظلم ويطلب حقوقه. فإن كان الذي لم يقُل شيئاً يُحكم بالإعدام، فما بال من قد يُطالب بحق، أو يحتج على سياسة أو وضع مرتبط بالأوضاع السياسية والاجتماعية الداخلية، بكل تأكيد هو الإعدام وتقطيع الأطراف من دُبر.

هذا هو منطق الإرهاب الحقيقي، وما يميزه عن الاستبداد، فالحاكم الديكتاتور يُنكل بمعارضيه، أما الإرهابي فينكل بالأبرياء، لإرهاب المعارضين المُحتملين، حتى لا يُفكروا بأن يوجدوا يوماً.

هذه هي سياسة آل الأسد كما فعلوا بحماة أو بأطفال درعا وما زالوا، هذا ما فعله بوتين بجمهورية الشيشان الصغيرة، فهم لم يهاجموا المتطرفين بسوريا أو روسيا، بل دمروا المدن فوق رؤوس أهلها المدنيين، كأنجع وسيلة لمنع المقاتلين والمعترضين من الاستمرار بنضالهم.

هذه سياسة الجنرال الحاكم بمصر، عندما جرف مدينة رفح، أو هدم خيام البدو بسيناء. هذه سياسة المالكي بالعراق، عندما هاجم المدنيين العُزل، لمنع المظاهرات السلمية قبل ثلاث سنوات، دافعاً العراق إلى أتون حرب طائفية. هذه سياسة إيران آيات الله، التي تُعلق أكبر عدد بالعالم من المدنيين بتهم شتى، على أعواد المشانق.

الإرهاب هو سلاح هذه الأنظمة، للبقاء على صدور شعوبها وسرقة ثرواتهم، وما زادها انطلاق الربيع العربي، بنهاية 2010 إلا خوفاً على هذا الوجود، وإمعاناً بالعنف والإرهاب.

التحية للشاعر الفلسطيني السعودي، أشرف فياض، ولكلماته الرقيقة، وهو الذي حاز على جائزة أدبية سعودية قبل سنوات. جمال كلماته ورقة معانيها، هي حقاً أقوى من إرهاب وسيوف من هم أعجز وأضعف من أن يفهموا الشعر، وأن يتحلوا بالإحساس المُرهف، وصوت أشرف يقول “لا تبحثي عني، سأكون موجوداً عند كل رشفة قهوة”.

فليرفع كل منا صوته عالياً، مُطالباً بإطلاق سراح أشرف فياض، ليفهم الجُناة أن الإرهاب لن يُثني الناس عن المُطالبة بحقوقهم، وليشتري كل منا نسخة من ديوانه (تعليمات للداخل) ونقرأه بصوت عالٍ ونراه في كل رشفة قهوة.

 

حقوق لاأنسان والأنتماء للأنسانية

 

حقوق الإنسان والانتماء للإنسانية

نزار بدران

يولد الناس ويبقون أحراراً ومتساوون بالحقوق، هذه هي المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة في العاشر من كانون الأول/ ديسمبر 1948، وهي أيضاً المادة الأولى من إعلان حقوق الإنسان والمواطن للثورة الفرنسية بتاريخ 20 آب 1789، التي أقرتها الجمعية التأسيسية، بعد بضعة أسابيع من قيام الثورة، وإسقاط قلعة الباستيل ( 14 تموز 1789).

هذه اللائحة القصيرة، المكونة مما أقره ممثلو الثورة، تُعتبر المنارة والإضاءة التي على هديها، ومن أجل تحقيقها ثار الناس. مرت بعد ذلك الثورة الفرنسية بمراحل مختلفة، من عودة سُلطات ديكتاتورية، ومخلفات النظام الملكي السابق، والثورة المضادة، ولكنها انتهت كما نعلم بالثبات والانتصار النهائي بعد عشرات السنين. لائحة الحقوق المُعلنة رغم كل هذه الارتدادات بالمجتمع الفرنسي، تعني في تلك الفترة الهدف الذي يتجه إليه كل المناضلين من اجل الحرية.

يحل كل عام العاشر من ديسمبر ليذكر العالم بأهمية لائحة حقوق الإنسان، التي أقرتها الأمم المتحدة، بعد فترة قصيرة جداً من وجودها. كما بدأت الثورة الفرنسية بوضع لائحتها مبكراً، كما وضعت الأمم المتحدة لائحتها ايضا مبكراً ولنفس الهدف، حتى تهتدي بها الأمم والشعوب، بنضالها من اجل الحرية.

تُترجم اللائحة بحد ذاتها، ما تعتبره شعوب الأرض كقيم مشتركة، تحول كل إنسان على هذه الأرض لمواطن بها، وتُلغي بشموليتها، مفهوم التمييز الحضاري بين الشعوب؛ حضارتنا واحدة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب؛ قيمنا واحدة.

لم تُنه لائحة حقوق الإنسان الخلافات في كل مكان، ولم تُحترم من كل الدول، بما فيها دول عريقة بالديمقراطية، ولكنها تبقى أكثر من ضرورية، لأنها تعطي كل من ناضل من أجل الحق والحرية، البوصلة التي يهتدي بها، وتربط نضاله بالإنسانية جمعاء.

تنقصنا في دول الربيع العربي، والحراك الديمقراطي مثل هذه اللائحة؛ فنحن مُطالبون كما فعل الفرنسيون في بداية ثورتهم، أو ما فعلت الأمم المتحدة في لحظة انطلاقها، بأن نضع لائحة أهداف حراكنا وثوراتنا، حتى تتوافق مع معايير الحرية والحقوق. نحن مُطالبون الآن ونحن نرى من جهة قوى الاستبداد تُمسك برقاب شعوبها وتُنكل بهم، ومن جهة أخرى، قوى التخلف الاجتماعي والديني، تُبعد حراكنا عن أي مفهوم حضاري إنساني، وتريد أن تُطبق علينا قوانين لا تُعرف الإنسان بحريته وحقه، وإنما بانتمائه لعشيرة أو قبيلة أو مذهب أو دين.

قوى الثورة مُطالبة أكثر من أي وقت مضى، بالإسراع إلى وضع مثل هذه اللائحة المؤسسة لحراكنا، حتى تُصبح كما كانت في زمن الثورة الفرنسية، المنارة التي يهتدي به كل منا في نضاله، رغم التقلبات والكر والفر والمد والجزر في هذه الثورات.

انتصار الثورات العربية حتمي واكيد، ولكن إبعاد وحوش الفترة الرمادية، التي تعقُب انطلاق الثورات، يتطلب منا أن نُؤطر الفكر ونُحدد انتماءنا، ومنذ البداية للقيم الإنسانية الجامعة الشاملة.

المادة الثانية من لائحة حقوق الإنسان والمواطن الفرنسية، تؤكد الحقوق الطبيعية للإنسان، وتُعرفها بأربعة أشياء، وهي حقه بالحرية، بالمُلكية، بالأمان وحقه بمقاومة الظلم. إعلان الأمم المتحدة في مادته الثالثة تنص على أن كل فرد له الحق بالحياة، بالحرية وبالأمان لشخصه. أدعو القارئ إلى الاطلاع بنفسه على اللائحتين المُتشابهتين، مع أن قرنين من الزمان يفصل ما بينهما.

الفكر الإنساني، هو ذلك الفكر الذي يستطيع كل إنسان على الأرض، أن يجد نفسه ممثلاً فيه، ما تعارض مع ذلك حتى لو كان مُقنعاً للبعض لا يمكن اعتباره فكراً شاملاً للإنسانية، لا يمكن استعمال الفكر الديني أو القومي إلا في إطار هذه المعادلة، أي حينما يتقاطع في بعض نصوصه مع الانتماء الإنساني لسكان المعمورة الذين يناهزون المليارات السبعة، مثل المساواة بين الناس أو التضامن الاجتماعي.

الاتصاق الفكري والعمل في إطار هذه الحقوق، التي تبنتها كل شعوب الأرض، بما فيها شعوبنا العربية والإسلامية، هي برأيي الوسيلة الوحيدة، كي ينتصر الفكر وتنتصر الحرية، على ممارسي الظلم والاستبداد ودعاة التخلف والجهل.

ألماء والزيت أدوات السياسة الأمريكية الحالية بالشرق الأوسط

الماء والزيت

أدوات السياسة الأمريكية الحالية بالشرق الأوسط

نزار بدران

 

نرى اليوم ونسمع عن تحركات عديدة للدول الغربية، باتجاه تهدئة الأوضاع في مناطق النزاع بالشرق الأوسط. فبعد الاتفاق النووي الإيراني، وبعد التصعيد الروسي في سوريا، يأتي زمن التهدئة، على ما يبدو. أطراف النزاع اليمني مجتمعون بجنيف، كذلك الاتفاق المُحتمل حصوله قريباً، بين أطراف النزاع الليبي، وإنهاء الانشقاق بين برلمان طُبرق وبرلمان طرابلس بالمغرب. سبق ذلك اتفاقيات أمريكية روسية لوضع خارطة طريق، لحل المُعضلة السورية، تلاه مؤتمر الرياض لتوحيد تمثيل المعارضة السورية، تبدأ أولى خطواتها بعد بضعة أيام، بمطلع العام القادم. ونشاهد أيضاً بشىء من الدهشة، بداية تهدئة الوضع بلبنان، بعد مبادرة سعد الحريري، والاتجاه نحو توافق لانتخاب رئيس للجمهورية.

مقابل ذلك نرى بعد اعتداءات باريس وسان برناردينو بأمريكا، والتي قام بها أصوليون إسلاميون، مشتبهون بالارتباط بتنظيم داعش، نرى تصعيداً بالمواقف الغربية، خصوصاً الأمريكية باتجاه الحرب على الإرهاب الداعشي فقط، دافعة المملكة العربية السعودية لإقامة تحالف إسلامي للحرب ضد الإرهاب، كُون من أربعة وثلاثون دولة.

هل هناك تغيير حقيقي بالمواقف الدولية، وما هي المُعطيات الموضوعية التي قد تُفسر أي تغيير. إدخل الوطن العربي، منذ خمس سنوات، بحرائق وحروب عدة بسبب رد أنظمة القمع، المدعومة غربياً، على نداءات الشعوب بالحرية، ولكنهم لم يستطيعوا أن يخمدوا شعلة الثورات، ولم يستطع هدا الرد أن يُعيد إلى نفوس الشباب عقدة الخوف من النظام، وهي التي كانت العائق أمام تحرك آبائهم من عقود. لم يتدخل الغرب وخصوصاً أمريكا، لإطفاء هذه الحرائق، إلا بمقدار ما يؤمن بقاء حلفائها، ويُحافظ على مصالح إسرائيل، والمثل الأكثر وضوحاً هو انتزاع السلاح الكيميائي السوري.

دخول العنف الأصولي الديني على خط الحرائق، التي أشعلتها الأنظمة، أعطت تلك الأخيرة، الحُجة الإيديولوجية لقمع شعوبها، وبررت بنفس الوقت، أمام الرأي العام الغربي، تقاعُس الحكومات الغربية عن الوقوف بجانب التغيير الديمقراطي العربي.

ولكن النتائج الأخيرة لإجرام النظام السوري بحق شعبه، والذي وضع ملايين السوريين على طريق الهجرة، ومئات الآلاف لأوروبا، برغم كل صعاب الطريق وخطورتها، مُضاف إليه وصول العنف والإرهاب إلى شوارع المدن الغربية والأمريكية، قد يكون غير بعض الشيء من المعادلة، لصالح محاولة إخماد التطرف الأصولي الديني، عن طريق إطفاء قدر الممكن الأزمات الدامية ذات النتائج الاجتماعية المُدمرة على المواطنين، كما نرى باليمن وسوريا وليبيا، وهذا يُفسر الاجتماعات التصالحية الأخيرة، في البلدان التي ذكرناها سابقاً.

الغرب لا يتحمل مسؤولياته إلا أمام شعوبه فقط، هذه حكومات مُنتخبة من شعوبها، وليس من الشعوب العربية، تُغير سياساتها بمقدار ما تحمي وتُفيد أبنائها. يبدو أنها استنتجت أن القوة العسكرية وحدها، لن تحمي شوارع باريس ولندن ونيويورك، بل ما يحميها هو تخفيف حرارة التناقضات، في الدول المُصدرة لهؤلاء الأصوليين. إعطاء الأمل بالسلام لأهل اليمن، هو أفضل الطرق لإبعاد شبح تغلغل القاعدة أو داعش، كذلك الأمر بليبيا وحدودها الممتدة لآلاف الكيلومترات مع الدول الإفريقية، كذلك بسوريا وآلاف قتلاها وملايين مُهجريها.

الاتفاق الروسي الأمريكي الأخير، لخارطة الطريق بسوريا، والتقارب الجديد بينهما، بشأن خطة مُشتركة، بما فيه قرارات قد تؤخذ بمجلس الأمن، وفشل الروس بتغيير خارطة التوازنات على الأرض وتراجع اسعار النفط والغاز العمود الفقري للاقتصاد الروسي, وبدء هزيمة عسكرية إيرانية بسوريا، على ما يُذكر، كل هذا قد يفتح الطريق بالطبع إلى إيقاف الحملة الجوية الروسية مع بداية العام القادم، وإعطاء نوع من المصداقية للعملية السياسية، والرحيل المُنتظر للأسد.

العمل يتم إذاً على جبهتين، جبهة تزايد وتيرة الحرب والتحالفات ضد داعش والأصوليين الإسلاميين، وجبهة تبريد الجبهات الأخرى المفتوحة من الأنظمة ضد شعوبها.

على عكس الحكومات الديمقراطية الغربية، لا تُعير الحكومات العربية، أي اهتمام لمآسي شعوبها، لا ترى الدم النازف وآلاف القتلى والمُهجرين، من سوريا أو اليمن أو العراق، هذه حكومات بدل أن تلتفت لشعوبها لحمايتهم، وتتبع سياسات مُبدعة لذلك، تعمل العكس، أي التوجه المُستمر نحو مزيد من العنف بحجة مقاتلة الإرهاب، بينما هدفها النهائي هو البقاء بالسلطة، والاستمرار باستعباد ملايين المحرومين والمُعذبين. وحدها أمريكا من يُقرر لها ما تعمل حرباً أم سلماً، لهذا نرى الجيوش العربية تحارب باليمن وتُدمر البُنية التحتية وتقتل ألآلاف وتوصل البلاد إلى ما يشبه ألمجاعة فقط انصياعا للأمر الأمريكي، بمواجهة التمدد الإيراني نحو مضيق باب المندب.

نفس هذه الحكومات تقوم اليوم بتغيير سياساتها، بناءً على “النصائح الأمريكية”، مثل تشكيل تحالف إسلامي ضد الإرهاب، أو القبول بهدنة باليمن لبدء الحل السلمي، هذا الحل الذي كان بإمكان اليمنيين أنفسهم تصوره وعمله بدون التدخل السعودي العربي.

قوات حفتر بليبيا تنصاع أيضاً للطلب الغربي، بالاتجاه نحو المصالحة الوطنية، وتقبل الجلوس مع من تعتبرهم إسلاميون في طرابلس.

يبقى أن التناقضات بين السلطات المُستبدة العربية وشعوبها، ستبقى قائمة، وتخفيض حرارة النزاعات التي كانت هذه السلطات هي أساس نشأتها، برفضها الانصياع لمطالب جماهيرها، سيؤدي من جديد إلى تجدد الاحتجاجات الاجتماعية السلمية المُطالبة بالحرية. هل ستستطيع الحكومات العربية حين ذاك، بأسلحتها المُكدسة، والتي كلفتنا مليارات الدولارات، أن تعود إلى العنف المُفرط ضد شعوبها من جديد؛ هذا ممكن ولكني أظنه أقل احتمالاً من السنوات الماضية.

الوضع في مصر قد لا يبقى على حاله، وعودة العملية الديمقراطية الحقيقة والذي نامله سلميا، شيء ممكن، بعد التخلي التدريجي لدول الخليج عن الجنرال السيسي، وفشل سياساته الاقتصادية لتحسين الوضع المعاشي للمواطنين.

قادم الأيام قد يُعيد لنا أيضاً، مركزية القضية الفلسطينية والصراع العربي ألإسرائيلي فإسرائيل لم تسكت عن الصفقة الإيرانية الأمريكية، إلا بعد أن تأكدت من خلع أنياب ومخالب الإيرانيين وإزالة أي خطر تجاهها. انكفاء حزب الله المتوقع من جديد إلى الداخل اللبناني مُنهكاً، وهو الذي شكل في الماضي الخطر الحقيقي على إسرائيل بعكس باقي الجيوش العربية , هو ما سيدفعه للدخول والقبول بالعملية السياسة،وهذا قد يدفع إسرائيل منطقياً إلى المُغامرة لإنهاء قوة حزب الله العسكرية، إما عن طريق إجباره على تسليم سلاحه للسلطة الشرعية اللبنانية، أو عن طريق ضربة عسكريه فإسرائيل لم تترك حزب الله يدخل سوريا ويحارب هناك إلا لشيء في نفس يعقوب، وهو إنهاء ثورة الشعب السوري، ووقف زحف التغيير الديمقراطي الذي تعتبره اسرائيل خطرا على وجودها مما يمثله من صحوة للامة. هذا ما يُفسر اليوم أيضاً الدعم الصارخ ألإسرائيلي للوجود العسكري الروسي بسوريا ورئينا وقوف نتنياهو بجانب بوتين ضد تركيا.

الانتفاضة الفلسطينية ألحالية ستُعيد الحرارة والسخونة إلى العداء العربي الإسرائيلي من جديد بنفس الوقت التي قد تخفُتُ هذه الحرارة بحروب دول الجوار. هذا سيكون مؤشراً إلى عودة الأمور نحو الاتجاه السليم، أي مركزية القضية الفلسطينية، والتي يجب أن ترتبط بنضال الأمة، من أجل حريتها وكرامتها. وعندما نرى الدعم الشعبي، الذي تلقاه فلسطين في كل الساحات العربية (بعكس المواقف الرسمية) يعود لنا الأمل بأن تبقى فلسطين، بوصلة النضال العربي ضد الاحتلال، ولكن أيضاً منارته من أجل ألحرية كما كانت وكما يجب أن تكون دائماً.

حقوق المرأة معيار الحضارة

حقوق المرأة معيار الحضارة

إن كل عمل انساني بحاجة للتقيم والتقدير ,والحضارة هي أرقى أشكال الفعل الانساني مند القدم ؛ نقلته من عالم الغاب إلى نورالعلم والمعرفة, ورسّخت علاقات أفراد المجتمع على أساس التعاون واحترام قوانين العيش المشترك لا على القوة, فبعدنا او قربنا من التحضر يُقاس بمقدار التزامنا بمعاييرها.

لعل أهم هذه المعايير هو:  كيفيه تعامل الدوله والمجتمع مع الضعفاء فيه؛ كيف نحمي المريض والطفل واليتيم وكبار السن والعجزه وذوي الاحتياجات الخاصة والعاطلين عن العمل والمهجرين واللاجئين . هل نقدم لهم الضمان الصحي والعناية اللازمة وتعويض فقدان العمل ووسائل العيش الكريم التي تناسب حالاتهم.

الانسانيه هي فينا كلنا نساء ورجالا صغارا وكبارا, اقوياء وضعفاء.  وهي متساوية لا توجد انسانية اقل او أكثرمن الأخرى.

لم اكن لأضع المرأة في خانة الضعفاء ابدا  فالمرأة قوية تستطيع ان تعمل وتنتج وتبني, هي نصف المجتمع وعموده الأساسي ، لكن ضياع حقوقها في مجتمعاتنا, واستغلال البعد الديني والقبلي لهضم تلك  الحقوق لهو دليل على التخلف والجهل فنحن في مجتمعاتنا نقطع احدى يدينا الاثنتين عندما نضع المرأة في هذه الخانة .

الإضعاف لدور المرأة يتم عن طريق منعها من العمل وهو اساس استقلاليتها وحريتها, ومنعها من التنقل كما تشاء, وحقها بالارث وحقوقها العائلية بالزواج المختار والإنجاب وحضانة الاطفال عند الطلاق وغيره.  هذا الإضعاف هو بفعل المجتمع لا لكون المرأة ضعيفة في الأصل.

أنظمة الاستبداد في بلادنا والتي تتحكم فيها قلة مستغلة لحياة الملايين، حارمة  إياهم حقوقهم ، سارقة ثمرات أعمالهم, هادرة حقوق المرأة والرجل على حد سواء, هم فقط رعايا عند السلطان او مصفقين للقائد الملهم .

الكفاح من اجل تحرر المجتمع ومطالبة الجميع بالحرية والكرامة والمواطنة هي الوسيلة الأجدى كي تستطيع المرأة ان تبدأ نضالا فاعلا للحصول على حقوقها المدنية والاجتماعية والسباسيه,   فمجتمع المستعبدين لا يمكنه ان يهب أحدا  شيئا ؛  أثمنها وأغلاها …… الحرية

احترام حقوق المرأة في العالم  مبدأ أقرته الامم المتحدة في اتفاقية بكين عام 1995, ووضعت لذلك اثني عشر بندا تتناول كل مناحي الحياة , وقعت على تلك المعاهده 189 دوله وفيها طبعا جُلّ الدول العربيه والاسلاميه.

ينتظر الامين العام للامم المتحده أول تقرير عن تقدم تنفيذ هذه  الحقوق هذا العام 2015, وقد استلم حتى الان تقارير العشرات من الدول. ونتساءل ….    أين نحن من هذه الالتزامات وماذا فعلت حكوماتنا ودولنا مند عشرين عاما, وهل هناك من مطالب لتنفيذ هذه الالتزامات ؟

الاحتفال بفرنسا بالثامن من اذار هو بالاساس للتذكير بالنساء اللواتي ناضلن لتحصل المرأة الفرنسية على حقها في المساواة, وتذكرنا الصحافه بالفيلسوفه سيمون دو بوفوار والكاتبة فرانسواز ساجان والوزيره سيمون فيل, وبنضالهن في منتصف القرن الماضي لوضع قوانين تحمي حقوق المواطنه الفرنسيه وتساويها بالرجل.  تقوم موسسات المجتمع المدني بمراقبة تنفيذ واحترام هذه القواعد والقوانين وتعمل على تطويرها ومنع عودتها الى الوراء.

في بلادنا يأتي هذا اليوم للتذكير بالوضع المأساوي الذي تعيشه نساؤنا , والذي هو جزء من الوضع الماساوي الذي تعيشه مجتمعاتنا برجاله ونسائه . نضال المرأة لا يتجزأ ولا ينفصل في هذه المرحله  عن نضال الرجل وان كان أكثر صعوبة ومشقة. فالمرأة تناضل كالرجل للحصول على حقها بالمواطنة والخروج من تحت عباءة السلطان او القائد الملهم. كذلك تناضل من اجل مساواتها بالرجل والخروج من عباءة ولي الامر المفروض عليها قسرا بحجة الموروث من  القيم والعادات للمجتمع.

المرأة باحتلالها موقع الأكثر مظلوميه في المجتمعات الفاقده للحرية مؤهله  لتقود حقا هذه المجتمعات الى واحة الحرية. وأظن بان دورها المستقبلي في عالمنا العربي والإسلامي هو دور محوري.

لاحرية للرجل  ولا لغيره  دون حرية المرأة . فلندافع  جميعا عن حرياتنا حتى نستطيع ان نبني معا مجتمعا عادلا قويا لا مكان فيه لقانون الغاب والذئاب.

نزار بدران

8/3/ 2015

للمزيد ابحث على الانتيرنت  : تقرير الامم المتحده  للموتمر العالمي الرابع للمراة ببكين  المنعقد من 4 الى 15 ايلول 1995

الحكم الرشيد دواء مرض الأوهام

 

الحكم الرشيد دواء مرض الأوهام

 

د. نزار بدران

المعرفة والعلم دواء الجهل، حقيقة لا يختلف عليها اثنان. في مقال حديث بـ “العربي الجديد” يؤكد أستاذنا الكبير كلوفيس مقصود على أهمية أن يستنور القادة العرب بتقارير الأمم المتحدة وهيئاتها المُختصة، فهي تنشر بشكل دوري تحليلات عن أوضاعنا وسُبُلُ مُعالجتها، وتضع معايير الحكم الرشيد والشفافية، كأدوات لا مناص منها، للوصول لحل إشكاليات التنمية الاقتصادية والإنسانية في الوطن العربي. هذا كلام سليم صادر عن خبير بخبايا وتقارير الأمم المتحدة، وكذلك خبايا بعض الأنظمة العربية.

هل الوصول للحكم الرشيد الضروري، لتطبيق إرشادات الخبراء، أمر ممكن مع الأنظمة الحالية؟ وهل يكفي أن نبدأ بتعليم حكامنا ذلك، ونحن نمتلك أعدادا كبيرة من الاختصاصيين في كافة الميادين، وتقارير اللجان المختصة بالأمم المتحدة يكتبها في معظم الأحيان خبراء عرب.

للجواب على ذلك، علينا أن نُميز بين الأسباب والنتائج، فالسبب في مشاكلنا ليس في عدم دراية الحكام بالمعلومات والطرائق والأساليب الضرورية للحكم الرشيد، وإنما في عدم اهتمامهم بالمواطن العربي وهمومه. وهذه السلطات ليست في صدد أن تُقرر تلبية حاجات المواطن وتحقيق أسباب سعادته. الأمثلة الحالية عديدة على عدم اكتراث الحكام بهموم الناس، وانشغالهم فقط في تقاسُم ما استلبوه من عرق عمل شعوبهم، أو ما باعوه من ثروات الوطن.

إشكالية الأنظمة ومركز اهتمامها يتمحور فقط في كيفية إبقاء الشعوب في موقع البقرة الحلوب، وتجهيلها وعدم درايتها بما تحتوي بلادهم من ثروات وخيرات، استولت عليها الطبقة الحاكمة على اختلاف مراتبها السلطوية؛ فهي لا “تعطي” أو “تمنح” الناس إلا ما قد يحفظ نسبياً السلم الاجتماعي، بدون أي التفات إلى المشاريع التنموية. وهذا يحدث في مناطق كثيرة من العالم الثالث؛ فعندما ربط الأوروبيون قبل سنوات مساعداتهم للدول النامية بالحكم الرشيد، فلكي لا تذهب مساعداتهم هدراً، ورغم ذلك لم يصمُد هذا “التغيير” بالسياسة طويلاً، أمام ضغط حكام هذه الدول وحلفائهم من شركات ولوبيات ومصالح اقتصادية رأسمالية بالغرب، وعدنا إلى مفهوم السيادة الوطنية كحق مُقدس لهذه الدول، بمفهوم السماح بتبذير المال العام والنهب بدون رقيب ولا حسيب، وتلك سياسة أبعد ما تكون عن مفاهيم واستراتيجيات التنمية الحديثة.

هكذا أنظمة لا ترى وتُفكر إلا بما يبقيها سيدة السلطة الحاكمة بأمرها، وبهدف إحكام قبضتها على المجتمع، وأي سياسة تتخذها أو تتبناها ليس لها إلا هذا الهدف؛ والمشاريع الاقتصادية، أو بناء البُنية التحتية إن كان لها من وجود، فهي ليست إلا وسيلة جديدة للنهب، من دون أدنى رقابة قانونية أو شعبية، أو حتى رقابة إعلامية. سياستها الخارجية وعلاقاتها الدولية لا تقوم وتعمل إلا لنفس الهدف، مصلحة الطرف الأجنبي مُقابل مصلحة النظام بالبقاء والتوريث، وليس مصلحة الدولة أو الأمة.

ولهذا تُحيط طبقة الحكام نفسها بخبراء عرب وأجانب، ليساعدوها في مهمة البقاء، وليس بهدف الإنماء، إنماء الوطن وحفظ كرامة المواطن، من هنا تقتصر مهمة فعالية السلطة على تفعيل أجهزتها ومحور عملها العمل على هدف بقاء السلطة، فقط وزارات الداخلية (الأمن والمخابرات) وتحصيل الضرائب هي الفعالة، والتي تمتلك كل الوسائل الحديثة، بينما وزارات التعليم والزراعة وغيرهما، فهي من القطاعات المنسية.

مُشكلتنا إذاً ليست فقط في جهل الحكام بتقارير الأمم المتحدة عن التنمية في بلادنا، وإنما في شرعيتهم. الأمم المتحدة تُدرك تماماً أن ما يطرحه الخبراء والمستشارون، من حلول لمشاكل أي دولة في العالم، لن تؤدي إلى النتيجة المرتجاة؛ إذا لم يكن الهدف الأول والأساسي هو بناء الديمقراطية، وأحقية الشعب باختيار حكامه، وحقهم في مراقبة كل ما يُسن باسمهم من قوانين، أو يوضع لهم من تشريعات. وتقاريرها تنص دائماً على أهمية إرشاد الحكم وشفافية العمل والتنفيذ، ولكن بدون وضع الآليات المناسبة.

لذلك فإن توعية الناس هي وسيلة المُثقفين وطبقة الشباب والمُهتمين بالشأن العام، للبدء بالعمل من أجل تحقيق إصلاحات سياسية واجتماعية، تُخرجنا من عالم الجهل إلى عالم المعرفة. ردود فعل الأنظمة المُفرط بالعنف على الحراك الديمقراطي العربي الحديث، كما يحدث في سوريا ومصر وغيرهما، يُظهر مقدار ابتعاد هذه الأنظمة عن أي مشروع وطني والتصاقها بمصالحها فقط. فأن يقرأ هؤلاء تقارير الأمم المتحدة عن مشاكل التنمية وأساليب حلها، لن يزيدهم إلا إصراراً على تجهيل المجتمعات التي يحكمونها، وإسكات أي صوت يطالب بالتغيير والإصلاح، وإخفاء هذه التقارير إن استطاعوا.

الأستاذ كلوفيس مقصود حدد أسلوباً فعالاً وعلمياً لتشخيص وحل مشاكلنا، ولكن ذلك لن ينجح إلا بعد إنشاء الحكم الرشيد، الذي ينتمي لقيم الإنسانية في هذا الزمن.

طبيب عربي مقيم في فرنسا

أردغان واللعب بالنار

أُردغان واللعب بالنار

نزار بدران

كلما تصورنا أن أحد الدول الإسلامية، وصلت لمرحلة النضوج والديمقراطية، وبدأت تنتمي للعالم المعاصر بمقاييسه الحضارية، تُعيدنا الحقائق إلى الخلف، إلى عالم التشدُد والخدع السياسية، والتلاعُب بمشاعر الناس وعمل المُستحيل للانفراد بالسلطة. هذا للأسف ما نلاحظه هذه الأيام بتركيا.

استطاع هذا البلد في السنوات الأخيرة من الانتقال، بفضل انتخابات حرة وقيادة واعية، مثلها حزب العدالة والتنمية الإسلامي بقيادة طيب رجب أُردغان  الى مصاف الدول المتقدمه والمثال المحتدى.

ورغم نجاحات باهرة، في كثير من الميادين، الاقتصادية والاجتماعية، وخصوصاً إنهاء الصراع الداخلي مع الأكراد. فإننا نكتشف اليوم أن عظمة السلطة وحب تملكها دفع أُردغان، ذا الشعبية القوية، إلى هدم ما بنته يداه.

فبانتقاله من مركز رئيس الوزراء إلى مركز الرئاسة، أراد أُردغان نقل مركز السلطة التنفيذية معه من الحكومة إلى الرئاسة، مُمثلاً بتنظيمه انتخابات برلمانية، تُشبه الاستفتاء، وكأن تركيا لم تلد غيره من القادة المُلهمين. هذه العملية التلاعبية، تم إفشالها من قِبل جماهير الأتراك الواعية وخصوصاً الأكراد، اللذين لم يُعطوه النسبة الضرورية للحصول على الإذن بذلك. فبدل أن يقبل بالنتيجة، وينصاغ لها كباقي حكام العالم الديمقراطيين، قرر الاحتجاج على الشعب، وإلغاء انتخاباته والبدء بحملة انتخابية جديده. وللأسف الشديد، مع استعمال وسائل غير مقبولة في العرف الديمقراطي، أي تأليب الناس وخصوصاً الأتراك على إخوتهم الأكراد، عن طريق لصق تُهم دعم الإرهاب، بالحزب التركي المحسوب على الأقلية الكردية (حزب الشعوب الديمقراطي) والذي صوت له المواطنون الأكراد بكثافة. هدف ذلك تخويف الناس حتى يرتموا بأحضانه من جديد.

هذه سياسة لم نكن نتوقعها من السيد أُردغان، خصوصاً أنه لم يتوانى عن استعمال القوة العسكرية والتأليب الإعلامي، وإغلاق بعض مراكز الإعلام المُناوئة له.

سياسة تكميم الأفواه وتخويف الجمهور، لا يمكن إلا أن تُعطي نتائج عكسية، وهو ما شجع حزب متطرف كحزب العمال الكردستاني، على العودة للكفاح المسلح ضد الدولة التركية، ويقوم يومياً بهجمات دامية ضد الجنود الأتراك، سقط فيها عشرات القتلى. هذه السياسة ستفتح الباب أمام أعداء تركيا للتدخل بشؤونها، ونحن نرى إسرائيل تتربص وتعد عدتها، لإعادة تركيا للحلف الإسرائيلي التركي القديم، برعاية أمريكا بعد تحييد إيران.

الشعب التركي الذي أثبت نُضجه بالانتخابات الأخيرة، عندما حرم أُردغان، من استرداد السلطة لمركز الرئاسة، لن يقبل أن يقع ضحية المُناورات السياسية، فهو بكل تأكيد أحرص من أردغان وحزبه على وحدة تركيا ووحدة شعبها. لن يقبل الشعب التركي بالانجرار وراء سياسة القوة والتخويف، وخلق الأعداء الوهميين، والتي تعودنا عليها من قِبل الأنظمة الديكتاتورية، ولن يقبل الأكراد الانجرار وراء طبول الحرب التي يضربها حزب العمال الكردستاني.

نتمنى على الشعب التركي، في الأسابيع المُقبلة، أن يُظهر نُضجه الديمقراطي وابتعاده عن القادة المُلهمين المعصومين عن الخطأ. الانتخابات القادمة ستُعطيه الفرصة لإثبات تشبثه بمبدأ التبادل السلمي للسلطة، وإبعاد كل من يستعمل أصواتهم، بمناورات سياسية ومجازفات خطيرة، سيدفع ثمنها المواطن والاقتصاد التركي.