الربيع العربي بعد ثماني سنوات الشرح والتحليل بدل القدح والتضليل

الربيع العربي بعد ثماني سنوات
الشرح والتحليل بدل القدح والتضليل
د. نزار بدران 25/02/2019
نحتفل بهذه الأيام بذكرى انطلاق الربيع العربي، والثورات المُتتابعة بعديد من الدول العربية، هو أشبه بالزلزال، الذي لم تهدأ إرتداداته، بل هي في طريق التزايُد والتفاعل، تهبط حيناً وتتصاعد أحياناً أخرى.
أظهرت الثماني سنوات الأخيرة، حجم الشرخ بين الجماهير العربية وبين حكامها، نظرية المؤامرة التي تظهر عند كل حدث، لا مكان لها بتفسير حراك الشباب العربي بنهاية عام 2010 من تونس.
هناك نوعان من التاريخ، ذلك الذي يدرس الأحداث ويحللها ويجعلها مصدر التغيير، وهناك التاريخ الذي يدرس المجتمعات والبيئة وتطورها التدريجي البطيء، الأول يرى الفقاقيع على السطح، ويظن أنها كل الحدث، بينما الثاني، لا يرى بتلك الفقاقيع إلا مظهر من مظاهر التغيير العميق الذي يحدث داخل المجتمع ويدفعه باتجاه أو بآخر، لا يمكن إذاً فهم الحدث التاريخي بدراسته وحده، بدون ربطه بالتغيرات العميقة السابقة الذكر.
الوضع الرسمي العربي
بحالة الربيع العربي، موت بو عزيزي هو حدث، وعلى أهميته ورمزيته، فهو لا يمكن أن يؤسس لثورة، بينما الأسباب التي دفعت البوعزيزي لفعلته، والتي يعيشها ملايين الشباب العربي، هي من حرك الثورات.
يتميز قمة النظام السياسي العربي، مقارنة بغيره من الدول بالعالم، بالجمود التام، وعدم درايته بأي شيء يدور بمجتمعات بلاده. فالهدف الأسمى لهذا النظام، هو بقاءه وزيادة إمساكه بمقدرات وثروات الدول التي يحكمها، هو لا يطور ويُحدث ويدرس إلا الجوانب الأمنية، فكل شيء مُركز لردع أي احتجاج أو امتعاض من أي طرف كان.
يُغلق هذا النظام عينيه عما يحدث بأرض الواقع، ويصُم أذنيه، فلا يسمع أصوات المُطالبين بالتغيير. يُحيط نفسه بأشخاص، ويُعين مسؤولين، لا يجمعهم إلا الولاء له، وليس لدرايتهم بالمهام التي يحملونها رسمياً، فوزير العمل أو المواصلات أو التعليم، مُعينون فقط للحصول على ولائهم، وما قد يمثلونه داخل المجتمع، أو لتمكينهم من الثراء، على حساب وزاراتهم، آخر ما قد يدرسونه أو يهتمون به، هو الشأن العام ومصلحة المواطنين.
هكذا نظام حكم على نفسه الانفصال التام عن الشعب الذي يدعي تمثيله. لذلك لم تكن الأنظمة العربية، ولا المثقفون الدائرون حولها، بواد توقع أحداث الربيع العربي، أو بعد حدوثه، تحليله وفهم أسبابه ونتائجه وطرق التعامل معه.
الحل الوحيد الذي يعرفونه، هو العنف، وما لا يحصلون عليه بالعنف، يظنون أنهم سيحصلون عليه بمزيد من العنف، لا مكان عملياً للعمل السياسي بهذه المعادلة التي تحكم النظام العربي، بتعامله مع الأحداث، هكذا تصرف بن علي ببداية الحراك، قبل هربه للسعودية، وهكذا فعل القذافي قبل مقتله، أو ما قام به الرئيس اليمني السابق، علي عبد الله صالح، والذي انتهى به المطاف مقتولاً أيضاً. هذا ما حدث بسوريا، مع تدمير مدن كاملة على رؤوس أهلها، ورئيس وضع بلاده تحت الوصاية الأجنبية، الروسية أو الإيرانية، مُفضلاً عودة الاستعمار، على قبول التنحي عن سلطته التي ورثها. هكذا رأينا بالبحرين، مع زج المدافعين المسالمين عن حقوق الإنسان بالسجون.
للحفاظ على بقائها، دفعت الأنظمة باتجاه الطائفية الاجتماعية، لتحويل التناقض الرئيسي، من تناقض بين النظام وجموع المواطنين المظلومين، إلى تناقض هؤلاء فيما بينهم، مُظهراً الحاكم، وكأنه وسيلة المجتمع للحفاظ على أمنه وتماسكه، وليستعيد بذلك مبرراً للبقاء.
وجود تاريخ إسلامي طويل من التناقضات الطائفية، وعدم رسوخ مفهوم المواطنة، بدل الرعية، حتى عند المعارضة، سهلت مهمة هذه الأنظمة. وما نرى حالياً بالعراق وسوريا واليمن، إلا أحد نتائج استبدال التناقض الرئيسي، بتناقض ثانوي، قاتل للشعب وحافظ للنظام.
نتيجة للعنف المُفرط، وانتشار الفقر والبطالة، حمل ملايين الناس أحلامهم وأنفسهم، وذهبوا مهاجرين إلى أوروبا وبلاد أخرى، بحثاً عن الأمن والحياة الكريمة.
يُضاف لذلك، التغييرات البيئية الناتجة عن التغيير المناخي، وتلك الناتجة من سوء إدارة السلطة للموارد، وعدم اكتراثها بالبيئة، وهو ما أدى إلى مزيد من شح الماء والتصحر، مُهدداً الأمن المائي والغذائي للسكان.
خصخصة القطاع العام لم يؤدي في ظل انغلاق الدول العربية على نفسها الا الى انتقال الاحتكار من الدولة الى اصحاب راس المال الجشعيين دون اي انتعاش اقتصادي مرجو منه, مؤديا الى تلاشي الخدمات الاجتماعية الموجودة سابقا وتدهور البنية التحتية وزيادة الفقر والشعور بالظلم.
أدت العولمة، والتي فتحت الحدود أمام رأس المال العالمي، إلى إغراق الأسواق بالإنتاج الأجنبي، مما أضعف الانتاج المحلي وزاد الفقر والبطالة.
التصحير الفكري، الذي فرضته الأنظمة على الشعوب العربية على مدى عقود، لم يكن ليسمح لخروج مفكرين وأعلام للتغيير، كما كان الحال بنهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين، أمثال الشيخ محمد عبده وقاسم أمين وجمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي وكثيرون غيرهم.
هزيمة حرب 1967، وانتشار الثقافة الإسلامية الأصولية، زاد من هذا التصحر الفكري، والذي بالإضافة للمنع الرسمي النظامي للفكر المستقل، مُنع أيضاً اجتماعياً، تحت حُجج التكفير أو التغريب.
سارت الأحزاب السياسية المعارضة ايضا، من يمينها إلى يسارها، بطريق التصحير الفكري، وفرض فكر واحد، لا يُناقش داخل الحزب، وهو ما زاد من إغلاق الأدمغة والأفئدة.
التغييرات الاجتماعية
كل هذا لا يُبدل شيئاً، من حقيقة التغييرات الاجتماعية، التي حصلت وتحصل على الأرض العربية، منذ حوالي أربعين عاماً، وهي التعبير الحقيقي، عن التاريخ العربي العميق. وعنف الأنظمة مهما كبُر، لا يمكنه وقف هذه التبدلات البنيوية بالمجتمع، فهي تطورات تراكمية بطبيعتها، وليست حدثية، لذلك قد لا نراها وهي في طور التكوين، بينما لا نرى إلا الحدث الذي يُترجم التراكم البنيوي مثل موت بو عزيزي أو مظاهرات ساحة التحرير بالقاهرة.
تتمحور التطورات الاجتماعية، بشكل أساسي بولادة الطبقة الوسطى المثقفة المتعلمة، وبنفس الوقت العاطلة عن العمل، ولكنها منفتحة على العالم وعلى تواصل دائم به. هذه الطبقة، على صغر حجمها النسبي، أخذت وزناً كافياً للمطالبة بالتغيير، حتى تستطيع أن تُعبر عن نفسها مثل كافة الطبقات الوسطى بالدول الأخرى وخصوصاً الديمقراطية، واستطاعت بتحالفها مع قطاعات المجتمع الأخرى الواسعة، من تحريك الملايين وراءها. تقوقع الأنظمة وتخلفها وتمترسها داخل حدودها، وعدم تطور البنى التحتية لم يفسح المجال لهؤلاء، الشباب بالولوج لسوق العمل رغم الحاجة الاجتماعية لعملهم، أو الوصول إلى المجاور الآخر بالدول العربية الاخرى.
بالإضافة لذلك، بدأت المرأة بالتحرر والانعتاق ودخول المدارس والجامعات، ورفضت الاكتفاء بالدور المُناط بها، وهو القبوع بالمنزل والإنجاب. تُرجمت هذه التغييرات على أرض الواقع بانخفاض ملحوظ وشديد بمعدل الإنجاب بكافة الدول العربية، من نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، ولا زال مستمراً. انخفض هذا المعدل بحسب الإحصاءات الدولية إلى أكثر من النصف بكثير من الأقطار.وهو ما ادى الى تغيير العلاقات داخل العائلة.
الانسجام الثقافي والوجداني، الموجود على الساحة العربية، والذي يُحدد هويتنا الجماعية، ازداد قوة مع تزايد وسائل التواصل الحديثة، وتطور الشبكة العنكبوتية، مؤدياً إلى فتح نوافذ داخل أسوار الحدود، التي بنتها الأنظمة حول أقطارنا، على مدى عشرات السنين، وأعاد نوعاً من الانسجام الاجتماعي والسياسي، بالإضافة للثقافي والوجداني.
الشعارات التي رفعها جمهور المتظاهرين السلميين بكل الدول العربية، كان يُعبر دائماً عن نفس الأهداف، وهي الانفتاح والتحرر، وإبعاد الفساد والظلم والتعسف السلطوي. الديمقراطية والحرية، كانتا الكلمتان اللتان تعبران عن هذه المطالب، وإسقاط النظام إن رفضها.
هي إذاً مطالب مجتمع مدني، وليس مطالب أحزاب سياسية، تُركز على المباديء الحقوقية والقيم والعدالة والديمقراطية، بهدف بناء مجتمع حديث، ليلتحق بالمجتمعات الأخرى بالعالم، واضعا مفهوم المواطنة بدل مفهوم الرعية، والحقوق الفردية قبل حقوق الجماعات والطوائف، وقد كان قد عبر عن هذا الشكل من البناء الديمقراطي، الفيلسوف الفرنسي توك فيل، في بداية القرن الثامن عشر، عندما كانت أوروبا تبحث عن بناء الدولة الحديثة.
الإسلاميون
تلقف الإسلاميون الوسطيون، الحراك الثوري الشبابي، وتحالفه مع القطاعات العمالية والفلاحين، للوصول للسلطة، وهو ما أدى إلى وضعهم، في عين عاصفة عنف الأنظمة، حيث جعلت منهم عدوها الرئيسي، هذا العداء لحركة مثل الإخوان المسلمين، تُفسر فقط لمقدرة هؤلاء للوصول للسلطة بالطرق الديمقراطية، أي كونهم بديل محتمل ديمقراطي للسلطة الاستبدادية.
بالمقابل فشل الإسلاميون الوسطيون، بتمثيل الجماهير الثائرة والطبقات الوُسطى، لكونهم بطبيعتهم، وبرامجهم السياسية، حركات إصلاحية، وليس حركات ثورية، بمفهوم البحث بالمشاركة بالسلطة، وخصوصاً بالنواحي الاجتماعية، وليس هدمها وبناء سلطة جديدة. هذا ما أدى بالإخوان المسلمين بمصر للتفاهم مع فلول وأجهزة النظام السابق، وقبول حكم المحكمة الدستورية، المُعينة من مبارك مثلاً، أو حل البرلمان المُنتخب، أو تغيير اسم مرشح الحزب للانتخابات، ثم قبولهم بوجود العسكر بالسلطة، مؤدياً إلى اختفائهم السريع، من الساحة فيما بعد وضياع الثوره.
حراك إسلاميوا تونس المشابهين، كان أكثر ذكاء، أو تعلم من التجربة المصرية، وتطورت الأمور هناك، بشكل آخر، ولصالح استمرارية الثورة.
بالمقابل، استبق الحكم المغربي الأحداث،ونظم انتخابات ديمقراطية لاسكات الاحتجاجات ببداياتها عام 2011 وترك الإسلاميين يشاركون بالسلطة، عن طريق حكومة بن كيران والتي لم تستطع احداث تغييرات جوهرية، متحملة نتائج السياسات التي رسمت اصلا بالقصر. ولكن تراجع الثورات العربية، أدى إلى تراجع هذه المشاركة على رمزيتها، فالكل يعلم أن السلطة الحقيقية هناك، هي بيد المخزن، أي الحكومة الموازية التابعة مباشرة لقمة النظام.
الحركات الإسلامية المتطرفة بالمقابل، كانت تحظى بدعم من عدد من الدول العربية، كما رأينا بالثورة السورية، حيث تمدد الحراك المتطرف، على حساب الحراك الثوري، أو الإسلام الوسطي، فهذه الحركات لا تمتلك، مثل الإخوان المسلمون، إمكانية الوصول للسلطة بالطرق الديمقراطية، فهي بكل تأكيد لا تُعبر من ناحية برامجها السياسية وأفعالها العنيفة، عن الروح الاجتماعية الإسلامية السائده، اُستعملت فقط لإغراق الثورات والحراك الديمقراطي، بالدماء والدمار، وتبرير العنف المُطلق للأنظمة ضد كل معارضيها، بما فيهم الإسلاميين المعتدلين، والذين صُنفوا، مثلا بمصر أو بدول الخليج، كحركات إرهابية. اُستغل وجودهم بالعراق، عن طريق داعش، لإسكات الحراك الديمقراطي، الذي كان قد بدء، ولمدة عام من ديسمبر 2012 حتى ديسمبر 2013، وبشكل سلمي تام، وفض بالقوة المسلحة من طرف نوري المالكي. اُستعملوا أيضاً وما زالوا، لتفسير التدخل العسكري الأجنبي الروسي والإيراني بسوريا، أو التركي والأمريكي، بسوريا والعراق.
هؤلاء الإسلاميون المتطرفون، حاولوا اختطاف الثورات العربية، لإبعادها عن مسارها الأصلي، وبمشاركة مباشرة أو غير مباشرة، من الأنظمة وداعميهم، وأجهزة الاستخبارات الأجنبية متسلحيين بالفكر الاسلامي الأوصولي الموجود بمجتمعاتنا للاسف منذ قرون, وترعرع بعد انتشار الفكر الوهابي مع الدعم المادي التي أمنته الدولة السعودية ودول خليجية اخرى مما اعطاه بعدا عربيا واسلاميا وحتى عالميا لم يكن ممكنا في سابق الزمان, وازدهر عندما توافق مع مصالح الولايات المتحدة وهو ما ظهر جليا بحرب افغانستان.
اليسار والليبراليون والمثقفون العرب
هل كان الليبراليون واليسار العربي التقليدي، أكثر حظاً من الإسلاميين، لا نظن ذلك، بل على العكس، حمل هؤلاء منذ سنوات طويلة، أفكاراً مختلفة ومتصارعة تدعو لإقامة أنظمة جديدة، قومية، إشتراكية أو ليبرالية، ولكن ما يجمعهم جميعاً، هو بعدهم عن النموذج الديمقراطي. الوصول للسلطة، كان هدفاً بحد ذاته، إن لم يتم عن طريق الانتخابات، فقد يتم بطرق التحالف مع العسكر، هذا ما أدى إلى إسقاط التجربة الديمقراطية المصرية، ثم انفراد العسكر التام بالسلطة، كما حدث ويحدث دائماً.
سوء تقدير اليساريون، أمثال حمدان صباحي، أو الليبراليون أمثال الدكتور البرادعي، وانتهازيتهم وقلة درايتهم على ما يظهر، بالتاريخ العسكري للدول الأخرى الشبيهة ( تشيلي البرازيل)، أو التاريخ القديم مثل الثورة الفرنسية، مع أطروحات شاتوبريان بهذا الصدد، وتقديمهم الوصول للسلطة أولاً، على مبدأ بناء الديمقراطية أولاً، هو ما أدى إلى طردهم من السلطة، وإنهاء البناء الديمقراطي معاً.
استباق الأحداث، والاستعجال للوصول إلى السلطة، بدل انتظار دورهم بالتبادل الديمقراطي، كان بتقديري، أهم عامل لإفشال الثورة المصرية، ويتحمل هؤلاء بسببه، أكبر مسؤولية أمام التاريخ.
ليس أفضل حالاً، وضع مجموعة كبيرة من المثقفين والكتاب، واللذين كانوا مناراً، زمن عنفوان الثورات، سكتوا أو وقفوا مع الأنظمة، بعد تراجع هذه الثورات، والأسماء كثيرة، شيء أثر على معنويات الناس وزاد من إرباكهم، فمن كنا نظن أنهم يفسرون لنا الأمور، ويعطوننا مفاتيح لحلول المشاكل، أصبحوا بين ليلة وضحاها، متخصصين بتفسير الجرائم المُرتكبة وتبريرها. هو نفس داء الأحزاب، أي الخلط بين مفهوم السلطة ومفهوم الدولة، وعكسهم للأولويات، وتناسيهم أن بناء الدولة الديمقراطية، هو أساس للسلطة السليمة وليس العكس.
مفكروا وكتاب الاتجاهات اليسارية التقليدية، ما زالوا يحملون أفكار سنوات الاستعمار، أي التأكيد على العنصر الجماعي، ورفع الرأس أمام المُستَعمر، لتأكيد الهوية الوطنية، بينما نحن، مع الربيع العربي، نعيش فترة يطالب بها المواطن، بحقوقه الفردية بالحرية والكرامة. الديمقراطية تُشكل بالنسبة لهم، كما بالنسبة للحركات الإسلامية التقليدية، أحد خصوصيات المُستَعمَر، بينما هي أصبحت الآن، مطلباً جماهيرياً، ومطلباً عالمياً لكل شعوب الأرض، وليست انسلاخاً عن الهوية القومية أو الدينية، كما يتصورها هؤلاء المفكرون.
يُضاف لذلك، أن سياسة الاحتواء، التي مارسها النظام السوري، لسنوات طويلة، أعطت أُكلها مع التفاف هؤلاء حوله، رغم الجرائم التي لا يشك بحدوثها، إلا هذا النظام والدائرون بفلكه من دعاة الفكر. واكتشفنا بمناسبة الاحداث الدموية لقمع السلطات الطبيعة الطائفية لبعض اعلام الادب والفكر والفن العربي والذين فضلوا الارتماء باحضان الاتظمة والتطبيل لها.
روسيا وإيران
تدخل الدول الأجنبية المجاورة أو البعيدة، على مدار السنوات الأخيرة، دعم بشكل واضح، ما يُسمى الثورات المُضادة وعنف الأنظمة، فالحفاظ على الاستقرار بالمنطقة للبعض، أو الدفاع عن مصالح البعض الآخر، والخوف من العدوى الديمقراطية، لأطراف ثالثة، برر هذا الدعم. هو استمرار للعبة التوريط والتدخل القديمة والتي ميزت ما كان يسمى مسألة الشرق بنهاية الدوله العثمانيه حيث يربط كل طرف محلي نفسه باطراف أجنبية بالمنطقة او بالدول العظمى.
إيران ثم روسيا، وقفتا ضد خظر انتشار عدوى الاحتجاجات لبلدانهم، وليس كما يدعي بوتين، للحفاظ على تواجد بلاده بشرق المتوسط أو محاربة الإرهاب، ولا كما تدعي إيران للحفاظ على محور المقاومة لمواجهة إسرائيل، فهذه أنظمة تقمع معارضيها، ولا تجد حرجاً بإدخال بلادها بحرب خارجية مُكلفة، بينما شعوبها بحاجة ماسة لكل درهم، لتُطور نفسها وخروجها من الفقر. البترول الروسي أو الإيراني، يذهب أدراج الرياح وقتل الأبرياء، بدل استعماله لتطوير البنية التحتية أو الاقتصادية لهذه الدول، تؤكد معظم المعاهد الدولية للدراسات الاقتصادية، زيادة الفقر بروسيا وإيران. ( حسب الاحصائيات الروسية نفسها ROSSAT لعام 2016 يعيش 20 مليون روسي تحت خط الفقر مقابل 16 مليون عام 2014 , كما ان 16 الى 20 مليون ايراني بنفس الوضعية حسب هيئة الخميني الاغاثية الرسمية لعام 2018).
التدخل العسكري بسوريا، ودعم الثورات المُضادة، يُشكلان لهما سلاح ذو حدين، يهدف طبعاً، لإسكات أي نفس تحرري مجاور، ولكنه بنفس الوقت، يزيد مشاكل البلاد الاقتصادية، قد يُؤسس لحراك داخلي اجتماعي قوي، ولا ننسى أن انهيار الاتحاد السوفيتي، تم بعد هزيمة الروس بحربهم بأفغانستان، والتي شكلت لهم إرهاقاً اقتصادياً عظيماً. الحركات الاحتجاجية بإيران، ببداية العام، أو ما نراه بشكل دوري بروسيا، لن يتوقف ما دامت سياسات هاتين الدولتين تسيران بنفس المسار، ولا تهدفان إلا إلى الحفاظ على أمن السلطة وتامين الفساد والفاسدين، بدل أمن ورفاهية مواطنيهما.
تركيا
تأرجحت تركيا بين دعم الثورة السورية والثورات العربية أو النأي بنفسها، ولكن تزايد حجم اللجوء السوري، وخطر انتشار المطالب الإنفصالية لأكراد سوريا إليها، أدى إلى تذبذب مواقفها، من داعم للثورة مادياً وعسكرياً، إلى مُهادن للدول التي تدعم النظام السوري، ومحاولة البحث عن حلول مشتركة مع إيران وروسيا.
رغم وضع الرئيس، رجب طيب أردوغان، لخطوط حمراء حول حلب ومدن أخرى، إلا أنه لم يفعل شيئاً، لمنع الروس من تدمير هذه المدن تقريباً بالكامل، هذا لم يحمي تركيا من الدخول بحرب خارجية بشمال سوريا، ولا داخلية ضد الأكراد.
بدأ النظام السياسي التركي الديمقراطي ذو الصبغة الإسلامية، تحت ضغط الأحداث وابتعاد أمل الإلتحاق بالاتحاد الأوروبي، بالتراجع التدريجي عن قيم الديمقراطية التقليدية، مثل حرية الصحافة واستقلال القضاء، وضمان الحريات العامة، وهو استنتاج كل المؤسسات الدولية المراقبة لهذه المعايير، كما بدأ بالتراجع عن حقوق الأقليات الكردية، بعد قبولها ببداية عهده.
للأسف فهذه التراجعات، مهما كان مبررها، كالحرب السورية والهجرة، أو الانقلاب المزعوم والأعداء الداخليين، لا يمكن لها إلا أن تزيد من ضعف الموقف التركي، فالابتعاد عن القيم الديمقراطية، لم يكن يوماً وسيلة لتقوية أي دولة بالعالم، بل على العكس، فالمزيد من المشاركة الاجتماعية، ولكافة أحزاب وأطياف المجتمع الحر، هو من يقوي مواقف أي سلطة وأي نظام.
على مدى هذه السنوات تقلبت العلاقات التركية مع الدول الاخرى بحلف الاطلسي ومع اسرائيل ولكنها لم تحدث اي تغيير يذكر بطبيعة هذه العلاقات.
مع ذلك تبقى تركيا، أقرب الدول إلى الحراك الديمقراطي والربيع العربي، عودة هذا الأخير من جديد، كما نرى حالياً بعدة دول عربية، قد يُعيد مؤشر ميزان تركيا نحو الاتجاه السليم.
الدول الغربية
الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، بزمن أوباما ثم الرئيس ترامب، اتخذت اتجاه الربيع العربي، مواقفاً انتهازية، فلها هدفين، الأول هو مصالحها الاقتصادية خصوصاً النفطية والحفاظ على مناطق نفوذها، والثاني هو مصلحة إسرائيل، وفي بعض الأحيان قد نجد تناقضاً بين الموقفين.
استقبلت أوروبا وخصوصاً ألمانيا، مئات آلاف اللاجئين السوريين، وقدمت لهم كل وسائل العيش الكريم، ووسائل الاندماج بالمجتمعات الأوروبية، رغم وجود اتجاهات يمينية قديمة ضد المهاجرين المسلمين، العنصرية الغربية مرتبطة أكثر بذكريات التاريخ في هذه الدول عن أوضاعها الاقتصادية، فأكثر الدول رفضاً للهجرة هي أقلها اختياراً كوجهة نهائية لهم مثل المجر أو هنجاريا أو بولونيا، والتي لم تستقبل إلا بضعة آلاف فقط.
تأرجح موقف الدول الأوروبية، بين مراقب للحدث أو التابع للمواقف الأمريكية، هذا ما رأيناه مثلاً، بعد استعمال النظام للغازات الكيميائية بسوريا عام 2013، وتراجع أوباما عن مشروعه بمعاقبة النظام السوري، لصالح حل توافقي روسي، حيث تراجعت بريطانيا وفرنسا عن عمل أي شيء أيضاً.
الثبات السياسي لدول تُعتبر مناطق نفوذ للغرب، مثل دول الخليج، للحفاظ على السيطرة على مصادر النفط، أو وسائل النقل، كان وما زال، سياسة أمريكية ثابتة، ونرى حالياً، مع أزمة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، مدى قوة هذه النظرة، واستمرار دعم الرئيس الأمريكي للسعودية، رغم الاحتجاجات بكثير من الدول، ولكافة أطراف المجتمع المدني بالعالم.
الحفاظ على أمن إسرائيل من منظار أمريكي، هو على رأس قائمة الاهتمامات الأمريكية، يأتي الخطر على إسرائيل من منظارهم حالياً من إيران. ولكن الحقيقة، أن الوضع الإيراني الاقتصادي والاجتماعي، لن يسمح لإيران انتهاج سياسات مواجهة مع إسرائيل، ونحن نرى سكوت إيران بشكل مستمر عن الرد بعد كل اعتداء إسرائيلي على قواتها بسوريا أو تهديدها لحلفائها بلبنان.
ليس المطلوب من إيران برأيي عدم تهديد إسرائيل، وهو ما لا تفعله أو لا تستطيع فعله، وإنما إعادة العلاقات معها، وحتى إعادة التحالف القديم، الذي كان زمن الشاه، عندها قد ترفع أمريكا، ومعها الغرب العقوبات المفروضة بحجة برنامج إيران النووي، وهو برأيي حجة واهية غير حقيقة.
إخراج إيران نهائياً من المواجهة مع إسرائيل، بعد إخراج كافة الدول العربية، وحتى المنظمات الفلسطينية، وإمكانية التحالف الإسرائيلي الإيراني، هو برأيي، هدف السياسات الأمريكية الحالية، وبشكل خاص مُحاصرة التطلعات العربية الديمقراطية, المُمَثلة بالربيع العربي في ظل عدم ثقتهم باستمرارية الانظمة المستبدة التابعة بالبقاء، وإنهاء القضية الفلسطينية، المُلخصة بمشروع ما يُدعى صفقة القرن.
استمرار الغرب بدعم الأنظمة العربية تحت شعارات المصالح وعدم ضعضعة الأوضاع، يصب بالنهاية، لتقوية عنف هذه الأنظمة ضد شعوبها، وهو ما يتعارض مع القيم الديمقراطية للشعوب الغربية، وحرب اليمن المسلحة غربياً ومضاعفاتها المعروفة ضد المدنيين، هي أوضح صورة لهذا الموقف الغربي، بالإضافة عن السكوت عن انتهاكات حقوق النشطاء السياسيين ، بمعظم الدول العربية وخصوصاً دول الخليج.
وحده الرأي العام الغربي من يستطيع أن يُغير شيئاً من هذه المواقف الرسمية، وهذا مدعاة لنا جميعاً للعمل لتحريك هذا المجتمع المدني لصالح قضايانا، فالساسة يدافعون عن مصالح دولهم المادية، بينما المجتمع المدني، يدافع عن قيم شعوب هذه الدول.
إسرائيل
إسرائيل هي الخاسر الأكبر، من نجاح أي حراك ديمقراطي عربي، والرابح الاكبر من بقاء الانظمة، وترجمة ذلك فعلياً بدعمها للنظام العسكري المصري، بعد الانقلاب على الشرعية عام 2013، أو بالتحالف الحالي مع مجموعة من الدول العربية وعلى رأسها السعودية.
التراجع العربي الرسمي أمام إسرائيل، ليس عفوياً أو علامة ضعف، وإنما ترجمة لواقع التضامن الطبيعي لكل القوى المعادية للتغيير الديمقراطي العربي، كل من حساباته الخاصة، ولكن بالنسبة لإسرائيل، الأمر هو حقاً وُجودي، لأن الرأي العام العربي، لم يكن يوماً على استعداد لتقبل وجود الدولة الإسرائيلية والتنازل عن فلسطين، أو التخلي عن دعم حقوق الشعب الفلسطيني بالاستقلال وعودة اللاجئين لديارهم، وسيتجاوب أي نظام ديمقراطي عربي مع مواقف ومطالب شعبه، مما يعتبر تهديدا لمصالح اسرائيل. لذلك هي تبحث دائما عن تامين وجودها وديمقراطيتها بتفتيت الوطن العربي الى طوائف وتدمير اي امل ديمقراطي للشعوب العربية, هي تدرك تماما انها من مخلفات حقبة القرنين الماضيين الاستعمارية والتي اختفت بكل بقاع الارض.
هناك إذاً ترابط عضوي، بين دوام احتلال فلسطين، ودوام الأنظمة الاستبدادية، هذه المعادلة تحكم برأيي، باقي المعادلات بالمنطقة، وخصوصاً المواقف الغربية التي ذكرناها سابقاً.
قيام أنظمة ديمقراطية عربية، سيُغير بنظر إسرائيل، العلاقات المستقبلية بين العالم العربي والعالم الغربي، حيث ستبني هذه الأنظمة الجديدة علاقاتها بالدول الغربية، على مبدأ الند والمصالح المتبادلة، وليس على مبدأ التبعية ومصالح بقاء النظام، أو توريثه كما يحدث حالياً.
هذا التطور المُتوقع، سيؤدي تدريجياً، إلى الدفع نحو التغيير السياسي الغربي، ليتناسب مع مفهوم المصالح الاقتصادية، وهو ما يعني تهميش الدور الإسرائيلي بالمنطقة، وعدم مركزيته لتحقيق المصالح الغربية، كما هو الحال حالياً. أظن أنه في تلك الفترة لو وصلنا إليها، سيكون تأثير اللوبيات الصهيونية بأمريكا والغرب قد بدء يخفت. نجاح اللوبي الصهيوني حالياً، هو بسبب عدم وجود ثمن عربي لدعم هذه الدول لإسرائيل، وهذا لن يكون عليه الحال في ظل دول ديمقراطية عربية.
عكس المصالح الاسرائيلية فان المصالح الغربية بعيدة الامد لا تتناقض مع المصالح العربية بل تتكامل فالسوق العربي يشكل للغرب ارضا استثمارية واستهلاكيية لمنتجاتة كما هو الوضع مثلا مع الصين او الهند, ونموة وازدهارة لا يضر بل يفيد الدول المتطورة بالعالم، بالإضافة إلى الحد من الهجره وتصدير الإرهاب.
مستقبل الربيع العربي
لم يتوقف حراك الربيع العربي منذ بدئه، ولكن همجية وعنف النظام العربي، حد من قوة انتشاره، ولكننا نرى من جديد، بكثير من الدول، عودة العمل الجماهيري بأشكال مختلفة من أقصى الشرق العربي لأدناه، فهناك مظاهرات البصرة منذ أشهر، ضد الفقر والفساد والتلوث البيئي وانتشار الأوبئة، هو حراك عربي وربيعي، لأنه لا يحمل أي صبغة طائفية، كذلك حراك الأكراد في الشمال، ضد أحزابهم المسيطرة على السلطة بالإقليم.
نرى أيضاً حراك الشارع المغربي، وأحداث مدينتي جرادة والحُسيمة بالشمال، رغم وجود حكومة شكلية نابعة عن الاحتجاجات، كما نرى تململ الشارع الجزائري أو المظاهرات ضد الطائفية وسوء الإدارة بلبنان، كذلك حراك الشعب الأردني.
حديثاً نحن نعيش أحداثاً مهمة بالسودان، تدعو من جديد لإسقاط النظام، مدفوعة بفشله بحل أي مشكلة اقتصادية للبلاد، والتي أفقرها الاستبداد والحصار والحرب الداخلية، منذ استولى البشير على السلطة عام 1989.
نرى إذاً عودة لروح الربيع العربي، مُترجماً أيضاً، بمناضلات حقوق الإنسان والجرائم المُرتكبة ضدهن بالسعودية والبحرين والعراق ودول أخرى.
نجاح الربيع التونسي، وكونه ما زال نموذجاً للشعوب العربية، يضع تونس بموضع الخطر من الدول الاستبدادية، ولكنه يبقى شعلة للآخرين للاستمرار. التوافق بين الحركات السياسية والنقابية والمجتمع المدني التونسي، يعطينا الأمل أن قوى الثورة قد تختلف ولكنها لا تتقاتل، وتصل بالنهاية دائماً إلى التوافق، كما يحدث بكافة الدول الديمقراطية الحديثة.
الأسباب الموضوعية التي فجرت احداث تونس ما زالت قائمة بالوطن العربي، ولم تنه الحرب على الشعب السورى ازماتة الاجتماعيه والاقتصاديه من غياب للحريات وفساد اقتصادي وانتشار للفقر والبطالة بل زادتها شدة، لذلك لا يمكن للخوف ان يكون بديلا للحرية ، عودة بشائر الحراك العربي دليل حيوية الأمة وتحديها المستمر للاستبداد.
توسيع رقعة الحروب يهدف كما نرى باليمن مثلا لمعاقبة الشعب على مطالبته بالحرية ، كذلك استفحال الارهاب ، الاستنزاف الدائم لدولة مثل السعوديه لن يؤمن لها استمرارية النظام وبالنهاية ستنقلب النتائج على النظام وتسرع بسقوطه.
التطورات المحتملة بالدول الداعمة للأنظمة ونحن نرى مأزق النظامين الروسي والايراني الاقتصادي والسياسي، ستؤدي عاجلا ام اجلا لربيع شعوب بكليهما يعكس وينهي تحالفاتهما الحالية.
بالسنوات القادمة لن تستطيع الدول الغربية وخصوصا امريكا الاستمرار بالدعم الثابت للأنظمة العربية، وازمة السعوديه مع المشرعين والاعلام الامريكي أثر إغتيال جمال خاشقجي دليل واضح على ذلك، بالإضافة للضغط نحو إنهاء حرب اليمن.
دعائم الأنظمة الداخليه ستبدا ايضا بأخذ احتياطاتها وتجربة الامراء السعوديون والاغنياء مع حكم بن سلمان سيتكرر بدول أخرى.
الطائفية والفكر المتطرف مرتبط بثبات الأنظمة واحد نتائج سياساتها وتراجعه يعني تراجعها.
تتحالف الأنظمة ضد الحراك الديمقراطي، وهذا واضح بليبيا ومصر، ودعم دول عدة لقوى الثورة المضادة . بالمقابل ما زلنا نرى تفكك قوى التغيير العربي ، تضامن وتكامل هذه القوى الديمقراطية على كامل الأرض العربيه يجب ان يكون هو الرد المناسب لتحالف الأنظمة.
وضع برامج عمل واهداف موحدة، ونحن جميعا نرفع نفس الشعارات سيصب بخانة إعطاء فكر حداثي لانتفاضة الأمة، ويعزل كل المتطرفين والقادمين ببرامج غيبية استبدادية بديلة.
تطوير مكونات المجتمع المدني في غياب الاحزاب السياسيه المعبرة عن مطالب الشعب، يعطي زخما كبيرا للمطالب الحقوقية بدل المطالب السياسية مثل المطالبة بحرية السفر والتنقل والعمل والاستثمار داخل المساحة العربيه، والمطالبة بحرية تكوين النقابات المهنية والاحزاب السياسية وحرية اختيار الممثلين بالاطر الرسمية. كما أنه يؤسس لتكوين جيل حي يستطيع قيادة البلاد فيما بعد.
بعد ثماني سنين على بدء الزلزال الحداثي العربي، يحق لنا أن نأمل أن نرى قادة جدد، مفكرين جدد، ليحملوا برامج الطبقة الوسطى وشبابها، والتي فجرت الحراك العربي. فكما رأينا بدول أخرى بالعالم، فإن أبناء الثورة هم من سيقومون باستكمال الجُهد الفكري الضروري لبلورة برنامج العمل النضالي، وليس الأحزاب التقليدية، أو الكتاب والمفكرون، الذين نعرفهم، والذين إما أن انحازوا للنظام، أو فشلوا بطرح فكر مُجَدَد.
البعض لا يرى الضوء بآخر النفق الذي نحن به، ولكن العودة للخلف لم تعد ممكنة، والحنين إلى ليل الأنظمة، ليس حلاً، بل السير باتجاه نهار التغيير القادم.

الإعلانات

تجربة الثوره المصريه والحراك السوداني القدس العربي 5/02/2019

تجربة الثورة المصرية والحراك السوداني

تجربة الثورة المصرية والحراك

السوداني

منذ 13 ساعة

د. نزار بدران

مع تطور الحراك الشعبي الانتفاضي في السودان، يُطرح السؤال فوراً عن عودة الربيع العربي وإمكانية انتقاله من جديد إلى دول أخرى.
أول هذه الدول، طبعاً هي الجارة مصر. هذا ما حدث بعد ثورة تونس، وهذا ما قد يحدث، بعد النجاح المُحتمل للثورة السودانية. خطر هذه العدوى هو ما يُفسر تكالب كل دول المنطقة، ودول أخرى بعيدة عن السودان على شعبه وثورته.

عودة للمربع الأول

تعلم الشعب السوداني، كما يبدو لنا من فشل الثورة المصرية، ومآسي الثورات الأخرى، والأخطـار المُحدقـة بأي ثـورة عربية. ثمـاني سنوات من الثورات المُضـادة، وتـبذير المال الطائل لشراء الأسـلحة، ودعــم حـروب الأنـظمة ضـد شعوبها، أضعف الـحراك الثوري العربي، ولكـنه أنـهك أيضـاً من جهـة أخرى هذه الـدول.
هذه الوضعية الجديدة، هو ما قد يسمح للشعب السوداني، بالوصول للفوز بتغيير النظام، وبناء الدولة الديمقراطية. في هذه الحالة سنعود من جديد، للمربع الأول لثورات الربيع العربي، أي مطالبة الناس بالعدالة الاجتماعية والديمقراطي. وقد تكون مصر، وهي الأقرب عاطفياً وجغرافياً واقتصادياً من السودان، وتتقاسمان معا وادي النيل، أكثر الدول ترشيحاً لهذا الربيع المتجدد.
الوضع المصري الداخلي الحالي هو أسوأ مما كانت عليه الأوضاع قُبيل الثورة المصرية مطلع 2011، فالمشاكل الاقتصادية والاجتماعية تتراكم وتتأزم، مرتبطة باستحواذ الجيش على السلطة السياسية والاقتصادية بشكل شبه كامل، مانعا أي تعبير حر ديمقراطي حقيقي بحجة الإرهاب والتآمر.
فشل ثورة 25 يناير/كانون الثاني يرجع برأيي لسببين رئيسيين، الأول هو الخلط الذي تم بين مفهوم بناء الدولة المصرية الحديثة، ومفهوم بناء السلطة التي ستُديرها، الثورة كانت تهدف لبناء الصرح الديمقراطي، أي دولة المواطنة والعدالة والحرية، وليس تحديد هوية السلطة، المنوط بها إدارة البلاد، واختيار البرامج الاقتصادية أو الاختيارات الحياتية.
والثاني، وهو مرتبط بالأول، فهو عدم ترسخ الفكرة الديمقراطية داخل الأحزاب، خصوصاً تلك اليسارية أو الليبرالية، ممثلة بحمدين صباحي والدكتور محمد البرادعي، الأحزاب التي استعجلت الوصول للسلطة، بدل انتظار دورها الطبيعي بالتبادل، وذلك بتحالفها مع العسكر. تم هذا الأمر للأسف على حساب الديمقراطية وبناء الدولة. استباق الأحداث هذا نم عن عدم اكتراث بترسيخ التجربة الديمقراطية حديثة العهد، والتي كانت قد أتت بـ «الإخوان المسلمين» إلى السلطة، والتحول فوراً، لهدف إدارة الدولة خارج الأطر الديمقراطية.
في النهاية ورغم الهرولة، فهذه الأحزاب، لم تتمكن من الوصول إلى السلطة، ولكنها أنهت، من حيث لا تحتسب، التجربة الديمقراطية. وانتهى الأمر إما بفقدانها أي وزن سياسي داخلي أو الهرب للخارج.

طبقة لا ترضى بتقاسم السلطة

نحن نعرف الآن جميعاً أن الطبقة العسكرية لم تكن ترضى بتقاسم السلطة مع أي حزب أو طرف كان، هذا ما كان عليه الأمر بكل الدول التي حكمتها أنظمة عسكرية مثل دول أمريكا اللاتينية، وإنه لمن المستغرب حقاً أن شخصاً مرموقاً بوزن محمد البرادعي، لم يكن قد فطن لهذه النقطة، وظن أن العسكر سينقلبون على حكم «الإخوان المسلمين» لصالحه، بينما تم استعماله من طرفهم كسلم للتسلق إلى السـلطة.
«الإخوان المسلمون» بالمقابل، الذين وصلوا إلى السلطة بشكل ديمقراطي حقيقي، لم يكونوا يتمتعون بالحس الثوري، أي الرغبة ببناء الدولة الحديثة، المتخلصة من إرث الماضي الديكتاتوري، بل آثروا التعاون، هم أيضاً، من منطلق فكرهم «الإصلاحي» مع الجيش ومجلسه العسكري، وكذلك المحاكم المعينة من قِبل حسني مبارك لإدارة البلاد، وهو الذي انتهى بهم سريعاً للسجون أو القتل.
نحن إذن أمام فشل للقوى الحزبية التقليدية، التي استلمت الثورة من شبابها، وليس فشلاً للثورة نفسها، والتي ما زالت تحمل الأهداف نفسها وهي بناء الدولة المصرية الديمقراطية الحديثة.
تجربة من هذا النوع، ستُبعد برأيي، الأحزاب المذكورة عن أمل الوصول إلى السلطة في حال حدوث ثورة مصرية جديدة، وقد تعلم شباب الثورة الدرس، وضرورة أن يؤطروا أنفسهم وجماهيرهم لاستكمال المشوار حتى النهاية.
الأحزاب المصرية بكل انتماءاتها، لم تتمكن من التخلص من إرث الماضي، وتسببت بالفشل الذريع، لأنها بكل بساطة جزء من الماضي بتركيبته، وليست جزءا من حراك المستقبل بحداثته وشبابيته.
التجربة السودانية الحديثة، ومواقف شباب الثورة المبدعة، وابتعادهم عن الأحزاب السودانية التقليدية، والتفافهم حول منظمات مهنية من المجتمع المدني، وهو ما نراه أيضاً في دول مثل المغرب والأردن، هو أحد معالم هذا التوجه الجديد في الساحة العربية، والوسيلة الناجعة لشبابها وشاباتها لانتصار الربيع العربي الجديد المقبل.

كاتب ومراقب سياسي عربي مقيم في باريس

لماذا غابت الاقليات عن مظاهرات السترات الصفراء؟ euronews

لماذا غابت الأقليات عن مظاهرات السترات الصفراء ؟
آخر تحديث: 19/01/2019 – 09:00

بقلم: د. نزار بدران

تعم فرنسا حاليا وخصوصا باريس مظاهرات غضب قوية تزيد حدتها وعنفها كل يوم سبت منذ شهرين. السترات الصفراء تجمع تحت لونها كل طوائف الشعب الفرنسي فنجد المتظاهرين من كل الأعمار. من المتقاعدين الذي يحتلون نقاط تقاطع الطرق وبعض الساحات العامة إلى طلاب المداري والجامعات الذي يغلقون مدارسهم وكلياتهم.

نرى أيضا كل الشرائح المهنية، فهناك العمال والفلاحون، ، القادمون من مصانعهم ومزارعهم وموظفو الإدارات، وسائقو سيارات الإسعاف وغيرهم كثُر.

ما لا يراه المتظاهرون، هو ما يُسمى هنا بالأقليات المرئية، أي أبناء الجاليات الأجنبية، من أفارقة سود أو عرب معروفون من لون بشرتهم وملامحهم، أين هم إذن أبناء الضواحي الذين كانوا وقودا لحركات احتجاجية عديدة، مثلما حدث بباريس عام 2005 ،زمن حكومة دوفلبان، احتجاجا على قوانين العمل الجديدة؟ ولماذا لا يشاركون وهم يحملون الجنسية الفرنسية ويعيشون ظروفا اجتماعية صعبة؟

ما أسباب ابتعاد أبناء الضواحي عن حراك السترات الصفراء
المراقب لوسائل التواصل الاجتماعي، خصوصا الفيس بوك يرى أن ابتعاد هؤلاء، كان برأي أبناء هذه الجاليات لسببين، الأول هو أن المطالب التي رفعت بالبداية، كانت تتمحور فقط حول زيادة الضرائب على مشتقات على البترول، وهو ما حرّك كل ذوي المهن، التي تحتاج استعمال السيارات والشاحنات، أو الأدوات الزراعية كالجرارات والحاصدات، أو سائقو التكسي، وسيارات الإسعاف. في نفس الوقت وبسبب البطالة التي تتفشى بين أبناء الجاليات المعنية، فإن هؤلاء لم يصلوا بعد لهذه المهن، ومعظمهم يستعمل لعمله، إن وجده، وسائط النقل العام مثل القطارات، لذلك لم يشعروا كثيرا بتأثير هذه الزيادات عليهم.

السبب الثاني، هو الصبغة اليمينية واليمينية المتطرفة، التي طغت على هذا الحراك الأصفر، وما حمله من تظاهرات لمجموعات فرنسية عنصرية. لم يُرد أبناء الجاليات الأجنبية، أن يُقحموا أنفسهم فيها، فهم دوماً متهمون بالوقوف وراء أعمال العنف والتخريب. فلو أنهم شاركوا، ولو جزئياً بهذه المظاهرات العنيفة، لكان الإعلام حولهم إلى كبش الفداء، واتهمهم كالعادة بالأعمال التخريبية المُشينة، من حرق للسيارات وتكسير ونهب للمحال التجارية.

الرئيسية
ماي تسعى لحل مشكلة “بريكست” بالاتفاق مع إيرلندا
الجيش الإسرائيلي يقول إنه قصف أهدافاً إيرانية في سوريا ودمشق تؤكد تصديها…
أردوغان: تركيا مستعدة لتولي الأمن في منبج السورية
البيت الأبيض: ترامب وأردوغان بحثا التسوية في سوريا وتعزيز التجارة
جولة 360° داخل إحدى المدارس الأردنية للتعرف على برنامج التعليم الشامل
هل هو فعلا عدم اكتراث ولا مبالاة؟
ولكن من وجهة نظر بعض المتظاهرين الفرنسيين، فإن عدم مشاركة أبناء أقليات الضواحي، هو دليل عدم اهتمامهم بالشأن العام، وعدم انتمائهم حقيقة لفرنسا، وهو طبعاً ما يزيد من تهميش هذه الأقليات، ويؤكد أُطروحات اليمين العنصرية. وقد رأينا ذلك بعد اعتداءات شارلي إيبدو عام 2015 التي نفذها عناصر محسوبون على تنظيم داعش. فمن بين ملايين المتظاهرين في ساحة الجمهورية بباريس، أو بالمظاهرات بالمُدن الأخرى، كان التواجد العربي الإسلامي، الظاهر للعيان، يكادُ يكون غائباً تماماً، وكأن الجالية حمّلت نفسها مسؤولية هذه الأعمال الإرهابية، بينما كان المنطق يدعوهم، للمشاركة بقوة للنأي بأنفسهم عن التهم الجاهزة، ولإظهار تضامنهم كباقي شرائح الشعب مع الضحايا.

هل الحل في الابتعاد؟
أبناء الجاليات العربية والافريقية الأخرى، لن يستطيعوا أن يبقوا كثيراً، خارج إطار العمل التظاهري الحالي، فمطالب المتظاهرين قد تطورت، ولم تعد محصورة على رفع الضرائب على مادة معينة، بل تعدته إلى المطالبة بإجراءات اجتماعية ضد البطالة والتهميش وغيره وحتى بإسقاط الرئيس، وهو ما يُعبر أيضاً، بالنسبة لهؤلاء، عن أوضاعهم وهمومهم الخاصة .

حراك لا لون له
من ناحية أخرى، لم يستطيع اليمين، أو اليمين المتطرف، السيطرة على الحراك، بل وصل للساحة مجموعات يسارية ومن المجتمع المدني، بعيدة عن العنصرية، بل تعاديه، وتقف دوماً مع مطالب وحقوق الأقليات، بالإضافة لبدء قيادات المعارضة اليمينية التقليدية، بالتراجع تدريجياً عن دعمها لمطالب المتظاهرين الاجتماعية والتي تتناقض مع مواقفهم وبرامجهم السياسية.

سنرى إذاً قريباً، عودة شباب وشابات الأقليات المذكورة للساحة، جنباً إلى جنب مع بقية شرائح المجتمع الفرنسي، على الأقل هذا ما نأمله، حتى لا نبقى دائماً مهمشين، ونرى في الآخر مجرد كائن تحرّكه مشاعرعنصرية مقيتة، فنحن كلنا بهذه البلاد، مواطنون متساوون.

للكاتب

فرنسا.. السترات الصفراء ورأس المال المُعوْلم

السودان والربيع العربي الثاني.. أين الغرب؟

في ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان انتهاكات ولا مبالاة.. فأين نحن من حقوق الإنسان؟

د. نزار بدران – كاتب ومحلل سياسي

المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر يورونيوز

السترات الصفراءفرنسامهاجرونالبطالةالوقودضرائب

البشير والحكم الرشيد. من اين لك هذا . نزار بدران

البشير والحكم الرشيد: «من أين لك هذا»؟ نزار بدران

القدس العربي 21/01/2019

ونحن نعيش في خضم تغييرات سياسية واجتماعية جمة في الدول العربية، وآخرها احداث السودان والثورة على حكم البشير، يطالب هذا الأخير الجماهير العودة كل إلى بيته، وانتظار سياساته الجديدة لإنهاء الأزمة الاقتصادية والسياسية في البلاد خلال بضعة أسابيع، وهو الذي حكم السودان بعد انقلاب عسكري منذ ثلاثين عاما.

وسائل الحكم
هل حقا يملك البشير وحكومته وسائل الحكم الرشيد، وما هي هذه الوسائل.
تأتي كلمة governance من اللغة اليونانية القديمة kobernan وكانت تعني قيادة المراكب والعربات التي تجرها الخيل، افلاطون الفيلسوف اليوناني الشهير كان أول من استعملها لتعريف حكم الناس والدول. وقد تفرع عن هذا التعبير مفاهيم فرعية جديدة مثل الحكم الاقتصادي (اول استعمال بأمريكا عام 1939) ومفهوم الحكم الرشيد عام 1981 من طرف الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران.
تعريف الحكم الرشيد حسب المؤسسات الدولية، أبعد ما يكون عن سياسات ونهج الرئيس السوداني عمر البشير، وهو يعني إقامة دولة القانون وحقوق الانسان والمساواة بين الرجال والنساء، والتوزيع المناسب للسلطات، والثبات الاقتصادي بخطوطه العريضة Macro economy .
وهو يعني أيضا وبشكل أكثر تفصيلا، أن يتمتع المجتمع بدولة مثل السودان، بنظام تمثيلي عادل، ومؤسسات وأدوات التقييم، وبروتوكولات عمل لمختلف قطاعات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية، تكون قادرة على الحكم وتوجيه العلاقات فيما بينها بطريقة سليمة وسلمية.

النمو الاقتصادي

الحكم الرشيد يربط النمو الاقتصادي بالنمو المستدام، بأبعاده الاجتماعية وتأثيراته البيئية، هادفا الحفاظ على مصادر الثروة الطبيعية. وفي بلد كالسودان هنالك ثلاثة أنواع من الثروات، الأولى تلك التي تستنزف وتنتهي يوما مثل البترول ،هي بحاجة لإدارة جماعية لترشيد استغلالها واستهلاكها، الثانية هي تلك التي تتجدد ويجب تقاسمها كالثروة المائية، وهي بحاجة لكفاءة وجودة إدارة المصادر الطبيعية وعدالة توزيعها. والثروة الأخيرة هي تلك التي تتضاعف وهي المعرفة والتعليم وزيادة الوعي. وكل شكل من اشكال هذه الثروات بحاجة لإدارة خاصة بحسب خصوصيات استعماله.

فصل الجنوب الغني

أين البشير من كل هذا، فصل الجنوب الغني بالنفط أفقر الشمال وأشعل الحرب الأهلية في الجنوب. الاستصلاح الزراعي واستغلال المصادر المائية الضخمة لم يملأ سلة خضار العالم، ولم يعد المواطن قادرا على توفير كفايته من الخبز، مشروع مراقبة واستغلال مياه النيل بأثيوبيا مع بناء سد النهضة العملاق ستكون له انعكاسات على الأمن المائي والغذائي للسكان، ولم نر لحد الآن أي سياسة لاحتواء الآثار السلبية لهذا السد على السودان.
هل تطورت الثروة الثالثة، أي التكوين العلمي والمعرفة في الثلاثين سنة الأخيرة، ونحن نرى أن على رأس المتظاهرين الأساتذة والمعلمين والطلاب، وقد شحت امكانيات جامعاتهم ومدارسهم، في حين تصل الأمية بحسب الاحصائيات الدولية إلى أكثر من 24 بالمئة،لا شيء تحت الشمس، وأي سياسة تعليمية يمكن أن تتبع في ظل حصار خارجي ناتج عن سياساته الهوجاء؟.

قطاع الخدمات

هل قطاع الخدمات خصوصا الصحة بوضع أفضل، ونحن نرى شح الأدوية والأدوات الطبية مهددا صحة المواطنين، فيما نسبة الوفيات لدى الاطفال عند الولادة تبلغ ثلاثين بالألف مقابل أقل من واحد بالألف في أوروبا بحسب المنظمات الدولية، وهي من أواخر الدول في هذا المجال.
هذا حكم أبعد ما يكون عن وصف الرشيد، فقد دمر كل منابع الثروة بالسودان، وافقر البلاد و العباد، دافعا الناس إلى الثورة التي نراها اليوم.
وإن حاولنا ترجمة مثل هذه التعاريف على واقع بلادنا، فنحن نحتاج للوصول للحكم الرشيد الى ارساء قواعد أربع، هي أولا الديمقراطية بمفهوم مشاركة الجميع بالعمل والسلطة وتبادلها السلمي، الشرعية هي الشرط الثاني وتعني ارتباط السلطة بارادة الشعب، وهي المصدر الوحيد والأوحد لهذه الشرعية. حسن الإدارة، الشرط الثالث، هي كفاءة المسؤولين والمعينين لإدارة البلاد على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. والشرط الأخير هو الشفافية، وهو يعني مراقبة الجمهور بوسائله المختلفة لكل نشاطات وأعمال السلطة التي تمثله أو الأشخاص المكلفين بأدارة البلاد ومحاسبتهم عند الحاجة.

من أين لك هذا؟

تعبير «من أين لك هذا» المعروف بالثقافة العربية والاسلامية، يلخص هذه النقاط، فهي تعني للمستبد كيفية وشرعية وصوله للسلطة وبقائه فيها، وتعني لناهبي الثروات بالسلطة ومن حولها كيفية الحصول عليها وتبذير أموال الفقراء، وتعني لمنظومة الفساد التي تحكم، شفافية النشاطات الاقتصادية.
عندما نرى أن أنظمتنا هي أبعد ما يكون عن قواعد الحكم الرشيد، فإن ثورة أهل السودان وباقي الشعوب المنهوبة، ليست فقط مشروعة، وإنما هي واجب على كل مواطن.

٭ كاتب ومراقب سياسي مقيم في باريس

السودان والربيع العربي الثاني أين الغرب ؟

السودان والربيع العربي الثاني
أين الغرب ؟ euronews 12/01/2019

د. نزار بدران

تجتاح السودان هذه الأيام، موجة من الاحتجاجات الشعبية العارمة، المُطالبة بإسقاط النظام منذ ثلاثة أسابيع، وتتزايد يوماً بعد يوم آخذة شكلاً أكثر تنظيماً.
بالمقابل يزداد عنف النظام، ويتساقط القتلى من بين المتظاهرين، الرئيس عمر البشير، لا يملك إلا حل العنف للبقاء بالسلطة، فالحل الآخر، وهو التنحي، سيؤدي به إلى محكمة الجنايات الدولية، بتهمة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بسبب حرب دارفور.
الأنظمة العربية، بالإضافة لإيران وروسيا وتركيا والصين، وقفت كلها مع نظام البشير، رغم خلافاتهم الداخلية، فهؤلاء الحكام، قد يتصارعون، ولكنهم دائماً يتضامنون ضد ثورات شعوبهم، وتفسير ذلك، بمصالح اقتصادية وجيو استراتيجية، وإن كان ممكناً، ليس هو السبب الرئيسي لبقاء هذا الدعم، لنظام ثبت فشله منذ ثلاثين عاماً، وأدى بالسودان إلى التقسيم والحروب الداخلية والخارجية، وفقدان مواردها النفطية، وحصارها من الدول الغربية، وقمع الحريات الفردية، وتدمير الاقتصاد وإفقار الناس.
السؤال الذي أطرحه بهذا المقال، هو عن موقف الدول الغربية، والتي تحمل دائماً، شعارات دعم الحرية والديمقراطية والحكم الرشيد. هذه الدول، لا يظهر أنها ستُغير من أسلوب عملها، مع ثورات الربيع العربي، حيث اصطفت بشكل واضح، رغم التصريحات الشكلية، مع الأنظمة ضد الشعوب، وها نحن الآن، نواجه بداية ربيع عربي ثان، قد يكون برأيي أكثر قوة وعمقاً من السابق، وقد تعلمت الجماهير، وخصوصاً طبقة الشباب الواعي المتعلم، من تجربة الربيع الأول.
هل تنظر الدول الأوروبية ورأيها العام، إلى مستقبل العلاقات بين جنوب وشمال المتوسط، أم هي لا ترى بالجنوب إلا مصدراً للإرهاب، والهجرة الغير شرعية، وسوقاً للأسلحة، ومرتعاً لتجار الحروب، وأرضاً لحل مشاكلها مع الدول الكبرى الأخرى، عن طريق حروب باردة صغيرة محلية.
الموقف الغربي، الأوروبي والأمريكي، من دول جنوب المتوسط وشرقه، مبنية بشكل أساسي على مبدأ الحصول على البترول والثروات والأسواق، مقابل رفاهية وبقاء الأنظمة الاستبدادية، وليس مقابل رفاهية وحقوق الشعوب المظلومة.
هذه نظرة قصيرة المدى، لأنها ترى بالأنظمة حليفاً دائما، متناسية أن الشيء الدائم الوحيد، هو الشعوب، وستذهب الأنظمة إلى زوال مهما طال الزمن.
عندها قد لا تجد الدول الغربية، ما تأمله من السوق العربي، لا على مستوى الثروات الطبيعية، والتي ستُكرس للإنماء، وليس لإثراء الحكام، كما نرى اليوم، ولا على مستوى السوق الاستهلاكي، مع حوالي أربع مائة مليون مواطن مستهلك، ولا على المستوى الاستثماري، والذي يُؤمل منه تحسين هامش النمو بالدول الغربية.
دول الربيع العربي،القادمة لا محالة، قد لا تتعامل مع من دعم أنظمتها القمعية، والتي دمرت دولاً كاملة، كسوريا أو اليمن مثلاً.
كثير من المفكرين والساسة الغربيين، كانوا يتهمون دوماً الأمة العربية، بعدم قابليتها للتغيير والإصلاح، أو قبول الأنظمة الديمقراطية، ويبنون سياستهم على هذا الأساس، أي التعامل مع الموجود والممكن، وهم لا يدركون أنهم حقيقة من لم يفهم هذه الأمة، ورغبتها العارمة بالإنتماء للقيم الإنسانية الحديثة، والمعايير الديمقراطية والانفتاح على الآخر.
جيل الأمة الجديد، الشاب المُتعلم، الباحث عن مستقبل أفضل، يُطالب صباح مساء، ليلاً ونهاراً، بكل مظاهراته، من شمال المغرب بالحسيمة و جرادة، إلى شوارع القاهرة وأزقة البصرة، ومدن وقرى سوريا، وساحات اليمن أو عمان أو البحرين، أو طرقات وساحات ومساجد السودان، يُطالبون بالحرية والعدالة والديمقراطية وإسقاط النظام.
إن أرادت الدول الغربية، استباق الأحداث، واللحاق بركب التغيير، والحفاظ على مصالحها المُستقبلية، فعليها أن تتفادى خطأ عام 2011، بعد انطلاق الثورة التونسية، حيث تدافعت لتسليح البوليس التونسي للنظام السابق، بدل الوقوف مع مطالب الناس، وتفتح آذانها من الآن، لصرخات المظلومين والداعين للتغيير.
التطورات الاجتماعية البنيوية بالشعوب العربية، وإزالة الفوارق والحواجز، بين الشعوب مع العولمة، وتقنيات التواصل الحديث، ستؤدي لا محالة، عاجلاً أم آجلاُ، إلى تغيير الأنظمة، والسير نحو الديمقراطية، وإعادة بناء الأمة على أسس جديدة. نأمل أن تكون الدول الغربية، داعماً لإنجاحها، وليس حاجزاً أمامها. مبينة بنفس الوقت، عن وعي وفهم، للأحداث والثورات التاريخية التي تجري بجنوب المتوسط وشرقه، والتي إن فشلت، لن تزيد الهجرة والإرهاب إلا عُنفاً، وإن نجحت، فإنها ستؤدي إلى العكس تماماً، وهو ما يصب بكل تأكيد، بمصلحة الجميع، بجنوب وشمال بحرنا المتوسط المُشترك.

إسرائيل وفن بناء الجدران

 إسرائيل وفن بناء الجدران

 

د. نزار بدران

كلنا نعلم، أن الوجود الإسرائيلي على أرض فلسطين، ليس مقبولاً ولا مُعترفا به، من الشعوب العربية، فرغم اعتراف دول عربية عديدة، بهذا الكيان، الا ان التطبيع الاقتصادي والتجاري والسياحي، وشراء البضائع الإسرائيلية، ليس مرغوبا به بين أبناء الأمة العربية من قاصيها إلى دانيها.

أكثر من خمس وثلاثين عاماً من التطبيع الإسرائيلي مع مصر، ولا نرى أبناء الشعب المصري، يتهافتون لشراء تلك البضائع، هذا الرفض للوجود الإسرائيلي ناجم عن شعور أبناء الوطن العربي، بانتمائهم إلى أمة واحدة، ذات مصالح موحدة متكاملة، ووجود الحدود التي تمزقهم إلى قطع صغيرة، لا تمنع هذا الانتماء النفسي للأمة.

تدرك إسرائيل ذلك تماماً، وتعلم أن ضمان وجودها لمئات السنين، بحاجة لجدران عديدة وسميكة، تحيطها حتى تُبعد تأثير هذا الرفض العارم من الشعوب العربية لوجودها، وتحوله إلى قوة حقيقية، واقتصادية وسياسية وعسكرية، بناء الجدار الفاصل بالضفة الغربية، أو على الحدود مع الاردن أو حفر الخنادق مع لبنان، وبناء الأسوار مع مصر وسوريا، هو تعبير مادي مباشر عن هذا الخوف.

الجدران الحقيقية التي بنتها إسرائيل، والوحيدة ذات الفعالية والتأثير، هي تلك التي صنعتها بيننا، وفي معظم الأحيان بأيادينا. فكان أول جدار هو التجزئة العربية، والتي تقطع أوصال الأمة، وتمنع تطورها الاقتصادي والحضاري، هذا الجدار بنته الدول الراعية لإسرائيل، وبدأت بإقامته منذ عشرينات القرن الماضي.

الجدار الثاني هي أنظمة الاستبداد، التي تقمع أي تحرك شعبي ضد التجزئة، والعمل باتجاه الوحدة، فهي تُجاهد لإزالة المناعة الطبيعية للشعوب العربية نحو الوجود الإسرائيلي على أرض فلسطين، فتارة تفتح الأسواق لبضائعها، وتارة تتبادل الزيارات، وأخرى تقوم بالتحالف معها، وحديثاً “تهذيب” مناهجنا الدراسية لحذف كل المضادات الحيوية الطبيعية من عقول أطفالنا.

الجدار الثالث هو ترعرع الطائفية داخل وخارج دولنا، فلم نبق سوريون، لبنانيون أو عراقيون، بل أصبحنا شيعة وسنة ويزيديين وعلويين وما إليه. هذا الجدار الأخير، يحول كل شعوبنا إلى مجموعات متناحرة متقاتلة، أخرجنا من المفهوم الحضاري الإنساني المعاصر، الذي كنا نتوق إليه. الإنسان في هذه الطوائف لم يعد له رأي أو شأن، بل أصبح أداة في أيدي المتسلطين عليه باسم الدين أو الطائفة، حقوقه مهضومة تحت شعار “الدفاع عن الطائفة والموت من أجلها”، وهنا حل فكر القطيع مكان فكر المواطنة.

الجدار الرابع هو التغلغل الفكري السلفي الغيبي، الذي ينفي أي حق أو استقلالية للفكر البشري، ويحولنا بذلك إلى أدوات سهلة الاستعمال، يمكن تفجيرها بعمليات انتحارية إذا اقتضى الأمر، أو يدفعنا لقتال من نعتبرهم كفاراً وأعداء الله، حتى لو كانوا أبناء الوطن نفسه, ويحول الانسان الى وسيلة عسكرية بدل ان يكون هدف كل شيئ.

هذه الجدران كلها، تحمي إسرائيل من النهضة العربية، وعودة الأمة إلى رشدها وانتمائها المشترك. وقد ادرك مفكرو الصهيونية، أن وجود إسرائيل كوجود نظام الفصل العنصري بجنوب إفريقيا، لا يمكن أن يعيش في جو ديمقراطي حضاري إنساني، حيث يتعايش الإنسان مع أخيه الإنسان، مهما كان لونه ودينه وعرقه، له نفس الحقوق ونفس الواجبات. يدرك هؤلاء المفكرون، أن انطلاقة شرارة الربيع العربي من تونس، قد حركت مارداً يجب القضاء عليه قبل أن يستيقظ كلية وبشكل كامل.

للأسف فهذه الجدران، من صنع أياد عربية، وبغفلة من شعوبها، وخصوصاً بغفلة أو حتى سكوتا من مفكريها، إن لم نقل في أكثر الأحيان، تقاعسهم عن دق ناقوس الخطر، فنحن لا نرى إلا من يكتب ويغرد ضد الربيع العربي، ولبقاء أنظمة التجزئة والاستبداد، والذين تحت وهم الحفاظ على السلم الاجتماعي، الذي دمرته الأنظمة، يحاولون أن يقنعوننا بالعودة إلى بيت الطاعة.

حان لأبناء الربيع العربي، في كل مدن وعواصم العرب، أن يستيقظوا من جديد، ليؤكدوا للعالم أننا لسنا بناة جدران الانعزال عن بعضنا البعض وعن الآخرين، بل دعاة للانفتاح والانضمام من جديد لكوكبة الحضارة. بهذا نكون قد بدأنا بناء أنفسنا، وأفسدنا على إسرائيل ومفكريها خططهم القديمة/الجديدة، لبناء مزيد من الجدران ومزيدا من الخنادق.