بوتين والهروب الى الأمام

 

بوتين والهروب إلى الأمام!

نزار بدران

 

تُقدم العديد من وسائل الإعلام التدخل الروسي الحديث في سوريا،على أنه نتيجة سياسة روسية صائبة، مقابل التخبط الغربي والعربي، الذي تعودنا عليه منذ أربع سنوات، فالغرب وعلى رأسه أمريكا، يُعطي الانطباع بأنه اكتفى بالتصريحات الجوفاء، ولم يستطع أن يفعل شيئاً أمام التحالف السوري الإيراني الروسي. ولكن الحقيقة التي يجب الالتفات إليها، أن الأمر يختلف في رأيي عن ذلك كثيراً، فلو تصورنا لحظة أن التحالف السوري الروسي الإيراني كان مُنتصراً وثابتاً على الأرض، وأن قوات جيش بشار الأسد تتقدم على كل الجبهات، من درعا إلى حماة وحلب ودير الزور، لما احتاج هذا التحالف إلى تغيير تكتيكاته ودخول قوة عُظمى إلى ساحات الصراع.

لكن الحقيقة أن المشارفة على انهيار النظام السوري، وفشل النظام الإيراني والميليشيات المذهبية المسنودة من طهران في دعمه، رغم كل ما قدم حتى الآن، والخسائر الكبيرة التي مني بها حزب الله، وأمثاله من ميليشيات “الحشد المذهبي” العراقي والأفغاني، وانحسار أماكن تواجدهم لصالح قوى المعارضة، هو الذي أجبر قسراً، الرئيس فلاديمير بوتين، على دخول المعركة مباشرة، مُكرهاً وليس لكونه بطلاً سياسياً محنكاً. على أن فشل سياسة إيران في سوريا لإنقاذ النظام، رغم الدعم المالي والعسكري الهائل لروسيا، هو ما كان وراء القرار الروسي بالتدخل المباشر.

وكأي نظام غير ديمقراطي، يبني بوتين سياسته الداخلية والخارجية، على مبدأ قمع وإنهاء المعارضة الروسية؛ فهذا نظام لم يرث من الحكم الشيوعي إلا مؤسساته الاستخبارية والبوليسية، ولم يستعمل الديمقراطية والانتخابات إلا لسرقة روسيا وثرواتها، لصالح حكمه، وحكم المافيات التي يمثلها، في استعادة مكرورة لنهج حكم يحتكم ويستند بدوره لأوهام الذات القيصرية.

يأتي التدخل الروسي في سوريا، في إطار منع ولادة أي نموذج ديمقراطي في أي مكان، خوفاً من العدوى التي قد تصل إلى شعبه، ولكنه في نفس الوقت يُعطي المعارضة الروسية وسائل جديدة لتعبئة الرأي الداخلي ضد بوتين وسياساته، خصوصاً وأن ذكرى الحرب الأفغانية ليست بعيدة، ومئات الجنود الذين عادوا بتوابيت لروسيا، لم تُنس بعد، بالإضافة لمستوى الحياة المُتراجع مع الأزمة الاقتصادية، وانخفاض سعر النفط، وتكاليف حرب أوكرانيا.

بمعنى من المعاني، يشكل تدخل بوتين وبقوة عسكرية كبيرة، نوعا من الهروب إلى الأمام، حيث المخاطر تحدق وتحف بهذا التدخل من كل الجهات؛ الانتصار فيه يعني إنقاذ بشار الأسد وإنهاء الثورة، بينما الهزيمة فيه تحتم زوال بشار ونظامه. ولسوء حظ بوتين، فسوريا ليست الشيشان الصغيرة، ولن يستطيع أن ينجح في ما فشل فيه الإيرانيون، بكل قوتهم وقوة حلفائهم.

الصديق الوحيد للسياسة الروسية في هذه المرحلة هو إسرائيل، ونحن نرى ذلك كل يوم، فهي الوحيدة في العالم التي لها مصلحة حقيقية بإبقاء النظام السوري، لأنها تُدرك أن انتصار الربيع العربي، الذي سيتبع انهيار الحكم السوري، سيشكل خطراً على وجودها، فشعوب ربيع الأمة لن تقبل انتهاك حقوق جزء منها وهو الشعب الفلسطيني، وسرقة قطعة من أراضيها وهي فلسطين.

من هنا يمكن رؤية أن المشترك ونقطة الالتقاء في السياسة الدولية تجاه سوريا، هي مصلحة إسرائيل والأمن الإسرائيلي، وليس مُحاربة الإرهاب، كما يدعون ويخلقون لها الفزاعات، فالغرب بتخبطه الظاهري وفشله في دعم الثورة، يُترجم واقعياً، سياسات تتناقض مع مبادئ الديمقراطية المؤسسة له، وحتى لمصالحه المستقبلية، وذلك تحت تأثير ولصالح اللوبي الصهيوني، الذي ما زال مسيطراً على كثير من مواقع القرار ووسائل الإعلام. وروسيا من ناحيتها تتدخل كما تشاء، مداً وجزراً، وتتحالف عسكريا مع من كانوا يعتبرون ألد أعداء إسرائيل، أي إيران وحزب الله، بدون أي احتجاج إسرائيلي، بل على العكس، أُعطيت لها كل المباركة والتأييد.

لنفهم بوتين، علينا أن نُدرك مدى خوفه من الشعب الروسي ومطالبه الديمقراطية، ولنفهم الغرب علينا أن نُدرك الدور الإسرائيلي، في صياغة سياسات دوله.

قد يكون مستقبل سوريا والربيع العربي، مرتبط بشكل أو بآخر، بإرساء الديمقراطية الحقيقية في روسيا، وحينها لن تدافع إلا عن مصالح شعبها، وتتضامن مع حراك كل الشعوب، وتدعم حقوقهم بالديمقراطية والعيش الكريم. وقد يكون هروب بوتين الى الأمام “غلطة الشاطر” التي ستُعيد الصحوة والحراك إلى ملايين المقهورين في روسيا، حيث صادر بوتين حقهم بالحياة الكريمة، لصالح إمبراطوريته الوهمية. ورُب ضارة نافعة.

انتفاضة ثالثة ام ربيع فلسطيني؟

 

انتفاضة ثالثة أم ربيع فلسطيني؟

نزار بدران

تعم الأراضي الفلسطينية حالياً موجة من الاحتجاجات العارمة، يقودها شباب وفتية فلسطينيون، كما كان ذلك دائماً، فالشباب كانوا دوماً سباقون للعطاء دفاعاً عن الوطن، ذلك صحيح الآن، وصحيح أيضاً في أيام الثورة الفلسطينية الأولى، بقيادة الشيخ عز الدين القسام وما تلاها.

هؤلاء الشباب لا يتطلعون لتحقيق هدف مرسوم لهم، من قِبل القيادات والمختصون بالسياسة والمفاوضات الاستراتيجية، وإنما يؤكدون بعفوية، ولكن بإصرار، ثوابت الشعب الفلسطيني، وثوابت الفكر الإنساني. الحق أولاً والدفاع عنه حتى الموت؛ الحق بحياة كريمة عادية، والتنقل والعمل والدراسة، الحق بالخروج والدخول من وطنهم، الحق بالتعبير عن رأيهم، الحق بتملك أراضيهم وأراضي آبائهم من قبلهم، الحق بان لا تُمارس ضدهم العنصرية المقيتة ولا توضع حولهم الأسوار لعزلهم عن بعضهم البعض وعن العالم.

الشاب الفلسطيني له الحق بدخول القدس والصلاة بالأقصى وكنيسة القيامة متى شاء، الحق بالبناء والتعمير وتعليم لغته وتاريخه لأولاده وليس الخضوع لتاريخ مزور. الحق لابن اللاجئ المُهجر من أكثر من ستين عاماً بالعودة إلى قرية أبيه وزرع أرض جده. الحق بانتخاب قياداته ومراقبتها وتغييرها متى شاء, الحق بالعيش بدون احتلال ومكافحته.

هؤلاء يريدون ان يكونوا أناساً لهم كامل الحقوق المُعترف بها ككل شباب العالم، وتؤكدها كل المنابر الدولية والهيئات الأممية، وليست قابلة للنقاش والمناقصات.

شبابنا لا تهمهم المحادثات العبثية الدائرة منذ عشرات السنين مع العدو، ولا يريدون أن يستجدوا دويلة صغيرة مُقسمة مليئة بالمستوطنين كقطعة الخبز العفنة.

قيادات الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده، لم تعد تفهم هؤلاء الشباب، وما زالت تصر على نقاش تحسين شروط الاستسلام، المفروضة من إسرائيل وحُماتها الغربيون.

الشباب الفلسطيني يريد أن يربط الحق الفلسطيني ببوصلة الربيع العربي، الهادف إلى بناء أمة جديدة، لا تقبل الضيم والاستبداد، والتي ترفع شعارات الحرية والكرامة عالياً، وتسعى لبناء دول تضع حق المواطن العربي في المقدمة، وتبني بناءاً عليه سياساتها الداخلية والخارجية. دول تُكرس مواردها وثرواتها لخدمته ونموه، دول تسعى جميعاً لبناء صرح الأمة على أسس الديمقراطية, وتعامل الآخر تعامل الند للند.

شعارات شبابنا في القدس وغزة واللد أو المدن الفلسطينية الأخرى، تلتحق بنفس الشعارات التي رُفعت بتونس أو ساحة التحرير أو مدارس درعا وساحات صنعاء، وحدة الهدف ستخلُق وحدة الوسيلة وتجميع القوى لتحقيقها.

ستعود القضية الفلسطينية الهم الأول للأمة، وتحرير فلسطين هدفها، بعد أن تتخلص من براثن الاستبداد وحكم القلة المُستغلة، النضال من أجل الحرية وإزالة الظلم ودحر الاستبداد، لا يتناقض مع هدف إزالة الاحتلال وتحرير الوطن، بل على العكس هو شرطه الأول، لذلك فإن تفاعل شباب فلسطين مع شباب الأمة، ومواءمة شعاراتهم وتوحيد أهدافهم، هو الجديد على الحركة الوطنية الفلسطينية، والتي للأسف عزلت نفسها منذ أكثر من خمسين عاماً عن بُنيتها العربية الشعبية وحاضنتها الطبيعية، برفع شعارات انعزالية، تدعي ظاهرياً حماية القرار الفلسطيني، ولكنها بالحقيقة قزمت القضية ووضعتها في مهب الريح.

نأمل أن تكون الأحداث الجارية بداية الربيع الفلسطيني العربي، وليس فقط هبة جديدة لبعض الوقت، توقفها عجلة السياسة ودهاء الحكام.

 

الخروج من سايكس بيكو محاولة لنقد الفكر الفلسطيني

الخروج من سايكس بيكو

محاولة لنقد الفكر الفلسطيني

نزار بدران

منذ انتهاء الحقبة الناصرية، انتقلت خيارات الشعب الفلسطيني ممثلة بحركته الوطنية وقياداته الشرعية، من الاعتماد على الأمة لتحرير فلسطين وإعادة الحق الضائع، إلى الاعتماد على النفس، والعمل حثيثاً لاستعادة شرعية تمثيل الشعب والقضية الفلسطينية بشكل كامل ووحيد، وهو ما عبر عنه مؤتمر القمة العربية الذي عُقد بالرباط عام 1974.

هل كان هذا هو الخيار السليم، الذي ينظر إلى الأمور اعتباراً مما حدث سنة 1967 من هزيمة واحتلال أجزاء إضافية من فلسطين، وهزيمة الفكر الناصري عملياً، وإخراج المقاومة الفلسطينية من الأردن ومن ثم من لبنان , قد يستنتج أن هذا الاختيار كان سليماً. ولكن من ينظر إلى الانجازات التي تحققت منذ الالتزام بهذه الاستراتيجية، وما وصلت إليه الأمور حالياً من تقسيم للمُقسم، واعتراف بوجود إسرائيل من قبل كثير من دول العالم والدول العربية، وحتى من منظمة التحرير، وإخراج الضفة الغربية من أطر القانون الدولي كـ “أرض محتلة”، ونسبتها إلى دولة مُعترف بها هي الأردن، ومن ثم لإعادة تنسيبها إلى لا أحد، كـ “أرض مُتنازع عليها” لا يملكها أحد. كذلك اتفاقيات أوسلو ونتائجها السلبية على مسار القضية وتراجعنا من تحرير فلسطين إلى إقامة دولة فلسطينية بجوار إسرائيل وغيرها، قد يستنتج أن هذه الاستراتيجية كانت خاطئة، والواقع بعد ستين سنة يؤكد ذلك.

لكن لو ارتأينا النظر للأشياء بمفهوم آخر، بناءاً على تحليل موضوعي لأوضاع الأمة العربية، منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية إلى هزيمة سنة 1967، سنجد أن وجود إسرائيل مرتبط عضوياً بمُخططات القوى الغربية المُنتصرة (فرنسا وبريطانيا) وبعدهما أمريكا، منذ وعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو ذات الركائز الثلاث. هذه المشاريع الغربية قسمت الإرث العثماني ووضعت أُسس سيطرتها عليها بشكل دائم.

بعد سنة 1918 انتقلنا من كوننا جزءا من الخلافة العثمانية، على مدار أربع قرون إلى فُتات دول وصل عددها إلى 22 حالياً. لم يكن ذلك كافياً للقوى الاستعمارية الغربية، بل أكدت بالفعل والعمل على أبدية التجزئة عن طريق فرض حكومات وأنظمة شمولية استبدادية، لا تتحقق مصالحها إلا من خلال التجزئة، للاستيلاء على ثروات الوطن، والأحداث الأخيرة أظهرت مدى بشاعة هذه السياسة، لجهة امتلاك بعض الرؤساء والملوك، لأرصدة وحسابات بالمليارات، ليس فقط ممن ينتسبون إلى دول بترولية (مثال اليمن أخيراً وثروة علي عبد الله صالح المُقدرة ب 60 مليار دولار).

إن بقاء مثل هذه الأنظمة، لم يرتبط بإرادة شعبية، أو نتيجة انتخابات حرة، إنما عن طريق طبقة من المستفيدين وجيش مُسيس، تحول إلى ميليشيات للدفاع عنها، هدفه الوحيد منع أي حراك ديمقراطي شعبي مهما كان الثمن، ومثال سوريا وليبيا واضح في هذا المجال. وبدعم أجنبي مثل ذلك قيام الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1945 أثناء عهد الرئيس روزفلت، بتوقيع اتفاقية أمن مع دول الخليج العربي فحواها “النفط مقابل بقاء الأنظمة”.

ولم تكتف الدول الاستعمارية بذلك، بل أكدت على وُجوب وُجود دولة إسرائيل، لتكون الركيزة الثالثة لاتفاقية سايكس بيكو. فالمراقب لأحداث هذه الأيام يرى الدعم الواضح من الحكومات الإسرائيلية لأنظمة عربية مثل نظام حُسني مبارك وبعده النظام العسكري الحالي، حيث أن بقاء إسرائيل والحفاظ على أمنها واضح للقاصي والداني، وارتباطه بوضع التجزئة والاستبداد.

هذا الثلاثي (التجزئة والاستبداد وإسرائيل)، كان السمة الأساس لواقعنا طوال أكثر من ستين عاماً، ولفرط طول الزمن تعودنا على رؤية هذا الواقع، إلا أنه بالمفهوم التاريخي وحياة الشعوب التي تُقاس بمئات السنين (احتلال الجزائر 132 سنة، الحروب الصليبة قرنين)، ليس هو الواقع الطبيعي لمنطقتنا، فنحن منذ أكثر من عشرة قرون شكلنا جزءاً أو كلاً من الامبراطوريات التي كانت مركز الحضارة، كالأمويين والعباسيين والفاطميين والمماليك والعثمانيين….الخ، كنا دوماً أمة واحدة قد يكبر حجمها أو يصغر، ولكنها مبنية على مبدأ المركز المُهيمن (بغداد، دمشق، القاهرة أو اسطنبول)، تدور من حولها ملايين الأيدي العاملة المُنتجة للحضارة، عرباً أو عجماً.

خطأ الزعيم جمال عبد الناصر، ليس تبنيه المفاهيم القومية، وإنما لقبوله بأحد قواعد “سايكس بيكو”، وهو الابتعاد عن الديمقراطية، فمهما كانت سياسته ذات دوافع وطنية قومية، وليس شخصية أو عائلية؛ وهذه حقيقة نعترف بها لهذا القائد، فإنه لم يستطع أن يُقيم دولة المؤسسات، واعتبار الشعب مصدر السلطة، بدل الشرعية العسكرية أو الثورية، كان هذا هو الوضع السائد في العالم الثالث عامة، وهو عكس الاختيار الذي تبناه الرئيس منديلا في أفريقيا الجنوبية، والذي أدى إلى نجاح مشروعه التحرري.

المُنظمات الفلسطينية والمفكرين بعامة، انخرطوا برأينا بغير وعي منهم، في مشروع “سايكس بيكو”، حينما انطلقوا بدورهم من الخطأ الآخر، وهو قبول وتأكيد التجزئة العربية، بادعاء ملكية ومسؤولية الشعب الفلسطيني وحده لقضيته، هذه السياسة كان لها طبعاً مُسبباتها مثل هزيمة العام 67 ومن ثم مجازر أيلول الأسود، ولكن ذلك لا يعني أنها سياسة صائبة، لأن النتائج التي وصلنا إليها هي دليل هذا الخطأ.

وصول العالم إلى حقيقة وجود شعب فلسطيني، طُرد من أرضه وله الحق الكامل بالعودة إليها، تطور إلى مفهوم وحدانية الشعب الفلسطيني في العمل لهذا الهدف، مُترجماً بشعار “عدم قبول تدخل الدول العربية في شؤوننا”، و”عدم تدخلنا في شؤونها”. مرة أخرى هذه السياسات تُفهم في ظروفها وزمانها، خصوصاً عندما نرى الهجمة الشرسة التي شنها مثلاً النظام السوري أثناء هيمنته على لبنان، أو تآمر أنظمة آخرى على العمل والنضال الفلسطيني.

المشكلة برأيي ليست فلسطينية أو مصرية، أو من هذه الدولة أو تلك، المشكلة حقيقة هو أننا كفلسطينيين ومصريين وعرب، انطلقنا في تعاملنا مع أنفسنا ومع الآخر من منطلق انتماءاتنا القطرية، التجزئة المفروضة أصبحت واقعاً ليس فقط للأنظمة التي لا يمكن أن توجد بغيره، وإنما لكل قوى المُعارضة العربية، حتى الأحزاب ذات البُعد القومي أو الإسلامي انقسمت على نفسها، بدل أن توحد دولها (مثل حزب البعث أو أخيراً الإخوان المسلمين).

إنني أطرح مفهوم عدم إمكانية نجاح أي مشروع وطني، إذا انطلقنا من مُعطيات “سايكس بيكو”، فمن غير المعقول أن نبني الوحدة أو نهزم إسرائيل من منطلق القبول بتجزئة النضال. فالعودة إلى وضع الأمة الطبيعي، أي ما قبل “سايكس بيكو” وبناء حراك عربي يتنافى تماماً مع هذه المُعطيات؛ هو الذي سيكون وسيلتنا لنصل إلى أهدافنا. فمنطلق العمل يجب أن يكون بمفهوم الأمة الذي يتنافى مع التجزئة، وأن يكون بمفهوم الديمقراطية والشعب مصدر السلطة الذي ينفي مفهوم الاستبداد. كما أن العمل من منطلق وحدوي، وبأطر ديمقراطية مُتحضرة؛ هو الذي سيكون كفيلاً بهزيمة “سايكس بيكو” وركيزته الثالثة (إسرائيل)، فلن ننتصر بجيش من العبيد.

من الخطأ أن نبني أعمالنا لتغيير أوضاعنا من الأطر التي وضعتها لنا القوى المُنتصرة في الحرب العالمية الأولى ولصالحها فقط، هذه الأُطر موجودة أصلاً لإجهاض أي عمل لصالح الأمة واستقلاليتها وازدهارها، الانطلاق منه يصبح كمن يجري وراء السراب.

“الربيع العربي” كان بدأ يهُز أول ركيزة لوعاء “سايكس بيكو” أي الاستبداد، وهو الذي كان يعول على نجاحه أنه سيؤدي إلى سقوط الإناء، وإزالة الركيزتين الأخريين. لكن المشوار ما زال طويلا لتحقيق هذا الهدف السامي.

إن فهم الصهيونية لهذا الواقع، وهذا الخطر المُقبل نحوها من “الربيع العربي”، هو ما يُفسر المواقف الإسرائيلية بالتعامل مع بعض دول هذا “الربيع” كمصر أو سوريا، وما يُفسر تخاذل الغرب في دعم النضال الديمقراطي تحت تأثير اللوبي الصهيوني، حتى ولو تعارض مع مصالحه.

لهذا لن يستطيع الشعب الفلسطيني لوحده أن يُحرر فلسطين، ويُقيم دولته السيادية على أرضها، ويحترم المعايير الإنسانية الحضارية، هذا بحاجة لأن يستطيع الشعب الفلسطيني لوحده هزيمة إسرائيل وكافة الدول المُتحالفة معها. بينما من الممكن بالتأكيد هزيمة إسرائيل وتحرير فلسطين إن انطلقنا من قوة الأمة وإمكانياتها الهائلة، يجب أن نكون جزءاً من كل الأمة، فلسنا كلاً لوحدنا.

إن العمل الدؤوب لإقامة أنظمة ديمقراطية، هو الذي سيُغير معادلة التعامل مع الغرب، المبنية حالياً على مبدأ مصلحة الغرب مُقابل مصلحة بقاء الأنظمة وتوريثها، إلى مصلحة الغرب مُقابل مصلحة الأمة العربية، وخصوصاً حقوق الشعب الفلسطيني. في هده المعادلة الجديدة وبدون حروب ستُغير أمريكا وغيرها من الدول الغربية سياساتها لصالح حقوقنا، وستصبح إسرائيل مُعيقاً أمام هذه الدول للحصول على حصتها من التعاون الاقتصادي المُربح مع الأمة. الفعل إذن يجب أن يكون منا وفينا، وكذلك التحليل والنقد يجب أن ينطلق من واقعنا، وحين نغيره بأيدينا سيتغير الآخرون.

على قوى الأمة الجديدة رغم ضعفها، أن يروا هذا البُعد التاريخي للنضال والعودة إلى مسارنا الطبيعي الذي أخرجنا منه السيدين “سايكس” و”بيكو”.

أردغان والنصف الأخر من الشعب التركي

 

أردوغان والنصف الآخر من الشعب التركي

 

نزار بدران

 

في الانتخابات البرلمانية التي جرت قبل أيام، أعطى الشعب التركي من جديد السلطة كاملة لحزب العدالة والتنمية، وتشير التقديرات إلى أن البرلمان المُنتخب، سيتمكن من تمرير مطالب الرئيس، رجب طيب اردوغان، بتغيير الدستور، وتحويل الحكم إلى نظام رئاسي.

للأسف فإن المؤشرات التي سبقت هذه الانتخابات، أظهرت جلياً تعنت الرئيس أردوغان، وبُعده التدريجي عن الالتزام بالمفاهيم الديمقراطية، وواجب احترام الجميع اغلبية ومعارضة، وهو الذي استعمل القمع في ساحة تقسيم وغيرها ضد المتظاهرين، وحاول إلصاق تهمة التحالف مع “إرهابيي” حزب الشعب الكردستاني بحزب الشعوب الديمقراطي، ومؤججاً النزعة القومية الكردية والتركية، محاولاً بذلك إنزال هذا الحزب المعارض إلى أقل من عشرة بالمئة، الضرورية له للمشاركة بالبرلمان.

وإذا كان الشعب التركي قد صوت بأقل بقليل من خمسين بالمئة، لصالح سياسة الحزب الحاكم، وجدد له الثقة، إلا أننا لا يجب أن ننسى أن أكثر بقليل من خمسين بالمئة، قد صوتوا لأحزاب أخرى لا تقبل هذه السياسة.

على الرئيس أردوغان، كرئيس لكل الأتراك، وليس لجزء منه فقط، ان ينظر لهذا الانقسام بالتناصف بين الشعب التركي، فضعف المعارضة وعدم قدرتها على صياغة مشتركة لبرنامج حكم، هو  في الحقيقة الذي سمح له بتحقيق أهدافه. فالديمقراطية الحقة لا تكتفي بحكم نصف الشعب لنصفه الآخر، ولكنها تأخذ بالحسبان آراء جميع الناس، خصوصاً الأقليات، العرقية منها كالأكراد، أو المطالب الاجتماعية والسياسية. ومحك نجاح حكومة أردوغان الجديدة، هو برأيي بمقدار ما سيحترم المنتصر بالانتخابات مطالب الآخرين.

إن تراجع هامش الحريات العامة والفردية، والاستمرار بانتهاك حرية الصحافة والصحفيين، كما رأينا خلال الفترة القليلة الماضية، من إيقاف الصحفيين أو إرهابهم، مما أدى لهرب بعضهم للخارج، واغلاق قنوات معارضة ومقاضاتها, بشهادة المراقبين الأمميين، والمضايقات الأمنية والقضائية للمعارضين، يتنافى تماماً مع مفهوم الحكم الديمقراطي، يُضاف إليه عدم تمكن حزب الشعوب الديمقراطي من الاستمرار الطبيعي بحملته الانتخابية، واضطراره لإلغائها، بسبب التفجيرات التي أصابت تجمعه باسطنبول.

نأمل من القيادة التركية في برلمانها الجديد، أن تعود إلى القواعد العادية للحكم الديمقراطي، الذي يفتح المجال واسعاً أمام حرية الصحافة، مهما كانت انتقاداتها، وإلى احترام حقوق المواطن بالتعبير. وسترينا الأيام والأسابيع القادمة إن كان انتصار أردوغان هو حقاً انتصار للديمقراطية، وليس انتخابا لديكتاتور من طراز جديد. فالشعب التركي بإعطائه نصف الأصوات للحزب الحاكم، أفهمه في نفس الوقت أن عليه احترام الجميع، عندما أعطى النصف الآخر أو أكثر بقليل من الأصوات للمعارضين.

وإذ تراقب شعوب الأمة العربية والإسلامية التجربة التركية منذ سنوات، فلكونها نموذج ديمقراطي ناجح في كل المجالات، ويكذب ادعاءات كثير من المثقفين ووسائل الإعلام الغربية، بكون هذه الشعوب، ليست مؤهلة لدخول الديمقراطية الحقة. وما التراجعات الأخيرة في مجال احترام الحريات العامة، والموثقة من طرف المؤسسات الدولية المختصة، إلا إعادة إحياء لهذه المخاوف، وضربة موجهة لمن يرى في النموذج التركي الطريق التي يجب أن نسير عليها.

أملنا ألا تكون تجربة السنوات الثلاث عشرة الأخيرة، ونتائج انتخابات حزيران الماضي، بمثابة الممحاة الماسحة لعبر ودروس الانتخابات الجديدة. وإنما الحكمة الحقة تقتضي ليس استخلاص الدروس من الانتصارات، ولكن أيضاً وكذلك استخلاصها من الهزائم. فالشعب التركي قال كلمته بكل حرية، وعلى الجميع احترامها، ويبقى على الحكم الجديد أن لا يُخطىء فهم هذه الكلمة، حتى يُبعد شبح الصدام العنيف بين نصفي المجتمع التركي.

التدخل الروسي وسياسة انقاذ الممكن

التدخل الروسي وسياسة إنقاذ المُمكن

نزار بدران

 

يمكن قراءة تطورات التدخل الروسي في سوريا، وما يعنيه استدعاء بشار الأسد إلى موسكو، عبر أوجه مختلفة، من قبيل ما قد يظنه البعض على أنه تشاورٌ بين الحلفاء، لرص صفوفهم أمام ما يسمونه الإرهاب، ولكن المُراقب لتصريحات الرسميين الروس منذ التدخل، والذي بدأ كالهجمة الصليبية بمباركة قساوسة أورثوذكس روس، ثم انقلب إلى عرض محادثات مع الأعداء الإرهابيين المزعومين من الجيش الحر، يوحي بأن الوضع مُغايرٌ تماماً لما كان الروس يسعون إليه عبر تدخلهم.
لقد أرادت روسيا عبر تدخلها، أن تُظهر للعالم، أنها «كعبة» كل اللاعبين في الساحة السورية، وهي بذلك تُزيح بدون حياء ولا دبلوماسية، الإيرانيين وميليشياتهم، وتُعلن فشل التدخل الإيراني بدعم جيش النظام، الذي لم يستطع بعد أربع سنوات، القضاء على ثورة السوريين، بل فقد السيطرة على مساحات شاسعة من البلد.
بعد ثلاثة أسابيع من الغارات الروسية المُكثفة، ومئات القتلى المدنيين وعشرات آلاف المهجرين الجدد بسببه (اكثر من خمسين الفا من جنوب حلب)، يُعلن يوتين عن طريق استدعائه للرئيس السوري، والدعوة لاجتماع غربي روسي سعودي تركي، فشل غاراته الجوية وورقته الأخيرة بإنقاذ النظام.
التقارب الإيراني الأمريكي، وخروج إيران التدريجي والواضح، من معادلة العداء للغرب وإسرائيل، ودخولها إلى معسكر أصدقاء أمريكا، بعد الاتفاق النووي، والذي سيتبعه ابتعاد مُنتظر عن التحالف مع روسيا، دفع بوتين إلى الدخول مباشرة إلى ساحة الصراع السوري.
وبعد الفشل بإجهاض الثورة السورية، وإنقاذ النظام، بات لكل دولة حساباتها وأهدافها، فإيران أدركت أن التقارب مع الغرب والابتعاد عن روسيا، أضمن لمستقبل آيات الله الذين يحكمونها منذ الثورة الإيرانية، آملة أن تكسب الدعم الاقتصادي، واستعادة أرصدتها من البنوك الغربية، وهي بذلك تُقر بفشل سياسة محور المُمانعة والعداء للغرب، وتقلب سياستها ظهراً على عقب. مليارات الدولارات التي دفعتها إيران للنظام الحاكم في سوريا، وآلاف المقاتلين الميليشياويين المُؤدلجين، الذين يحاربون في سوريا، لم تُجدها شيئاً، ولن تؤدي إلا إلى احتقان الأوضاع الداخلية، وخطر ربيع إيراني جديد.
سقوط الأسد المُنتظر، والتقارب الإيراني الغربي يعني لروسيا، فقدان أي تأثير في حوض البحر المتوسط، وتدمير حُلم الدولة العُظمى الذي يحمله بوتين، وتهديد النظام السياسي الروسي، والذي بنى شعبيته على مفهوم استعادة عظمة الاتحاد السوفييتي السابق.
لقد فشلت الغارات الجوية الروسية المكثفة (أكثر من 600 غارة خلال ثلاثة أسابيع) في إعادة الحياة لجيش النظام المُنهك، وكامل تشكيلة الحُلفاء المحليين والخارجيين، ما وضع المسمار الأخير في نعش أحلام إنجاز المهمة التي تنطحت لها موسكو، لتبدأ في البحث عن مخرج يؤمن لها على الأقل، الحفاظ على مظاهر العظمة، والاستمرار بتخدير الرأي العام الروسي لأطول فترة ممكنة. لذلك هي تحاول الآن فرض وجود عسكري في مناطق العلويين، يؤمن لها ميناء طرطوس كموقع قدم لسفنها وطائراتها.
كذلك فقدت إسرائيل مع الاتفاق النووي الإيراني الغربي، الورقة الفزاعة التي كانت تُمكنها من ابتزاز الجميع، وبدأت تستشعر بتغيير بطيء، ولكنه واضح، في السياسات الغربية تجاهها، خصوصاً من ناحية المواقف الشعبية، ونجاح الدعوات إلى مقاطعة إسرائيل، ونجاح انتخاب (كوربين) لرئاسة حزب العمال البريطاني، وانتخاب (ترودو) في كندا لرئاسة الحكومة، هي مؤشرات على ذلك، فهؤلاء لن يتبعوا السياسة الإسرائيلية بشكل أعمى، كما تعودت إسرائيل من قبل.
على أن سقوط النظام السوري، يعني لها إعادة استشعار المخاطر المحدقة من الشمال، وإعادة الحياة إلى الربيع العربي، والذي وبكل تأكيد، لن يقبل بأن تستبيح إسرائيل مقدسات الأمة وحقوق الشعب الفلسطيني.
ماذا يعني الدعم الإسرائيلي للتدخل الروسي في سوريا وتنسيقهما المشترك؟ هي بوادر حلف من نوع جديد، يؤمن لإسرائيل الدعم من دولة مهمة، قد يعوض جزئياً التراجع المُحتمل في الدعم الغربي مستقبلا، وورقة ضغط على الغرب وأمريكا بشكل خاص. كما أن تواجد أكثر من مليون روسي في إسرائيل، يتكلمون الروسية وتربطهم بروسيا علاقات عائلية وعاطفية واقتصادية، يدعم شعبياً هذا الاتجاه. فالتواجد الروسي الحليف لإسرائيل، هو أيضاً بمثابة إعلان موت المشروع الطائفي الإيراني، الرابط طهران ببغداد ودمشق وبيروت، والذي أسقطه حقاً، نضال الشعب السوري من أجل الحرية.
كذلك فإن مستقبل التحالفات بالشرق الأوسط، سيختلف تماماً عما تعودنا عليه، وسنشهد انتهاء الصورة التقليدية. المنسي الوحيد في هذه المعادلة الجديدة، هما الشعبان الإيراني والروسي، اللذان لم يقولا كلمتيهما بعد، وستكون كلمة مدوية، لأنهما لن يقبلا أن يجري تبذير ثرواتهما على أحلام العظمة أو التحالفات الطائفية. هذان الشعبان العريقان سيبحثان بدورهما لبناء بلديهما على أُسس الديمقراطية الحقة، والتي تضع مصلحة المواطن والوطن أولاً، وتطوير اقتصادهما ورفاهيتهما.
روسيا المستقبل، البعيدة عن حكم المافيا، وإيران المُستقبل، المُتحررة من الحكم الكهنوتي لـ «آيات الله» القادمين من مجاهل وظلمات القرون الوسطى، هما اللذان سيشكلان التحالف الأوثق مع أبناء الأمة العربية، الداعمين لقضاياها ضد المشروع الصهيوني وأنظمة الاستبداد والديكتاتوريين العرب، وداعميهم من الغربيين.
باختصار.. إن نجاح الثورة السورية، سيكون نقطة الفصل ونقطة الانطلاق للحرية، ولكن ايضا نقطة بدء العد العكسي لأعداء الشعوب.

 

 

حكم الأرهاب وموسيقى الشاعر

 

حُكم الإرهاب وموسيقى الشاعر

أشرف فياض

نزار بدران

 

يُخطىء من يظن أن الحُكم بالإعدام على الشاعر الفلسطيني الأصل السعودي المولد، أشرف فياض، هو حُكم جائر، فالخطأ ليس بطبيعة الحُكم إعداماً، سجنا، جلداً أو توبيخاً، بل هو بوجود الشاعر أصلاً أمام محكمة، لقوله شعراً أو لتعبيره عن رأي.  الشاعر الهادئ الانسان يقبع بالسجن مند اكثر من عام ومات والده اول امس غما عليه.

القاسم المشترك لكثير من أنظمة الاستبداد العربية، هي كرهها للشعر والشعراء، وحبها للمتزلفين والمنافقين، المُدعون الفكر والأدب، وهم كثر، ولا ننسى الحُكم بالمؤبد على الشاعر القطري محمد بن الذيب قبل عامين.

الخوف من الشاعر، حتى لو لم يقُل الا ادبا، وتلفيق اتهامات تحمل في معظم  الأحيان معاني دينية، بهدف استدراج الرأي العام لصالحها، يهدف بالحقيقة لإرهاب الناس، ولا أقصد إرهاب الشاعر الذي لم يقل شيئاً ثورياً، بل إرهاب من قد يُفكر لحظة بالاحتجاج على الظلم ويطلب حقوقه. فإن كان الذي لم يقُل شيئاً يُحكم بالإعدام، فما بال من قد يُطالب بحق، أو يحتج على سياسة أو وضع مرتبط بالأوضاع السياسية والاجتماعية الداخلية، بكل تأكيد هو الإعدام وتقطيع الأطراف من دُبر.

هذا هو منطق الإرهاب الحقيقي، وما يميزه عن الاستبداد، فالحاكم الديكتاتور يُنكل بمعارضيه، أما الإرهابي فينكل بالأبرياء، لإرهاب المعارضين المُحتملين، حتى لا يُفكروا بأن يوجدوا يوماً.

هذه هي سياسة آل الأسد كما فعلوا بحماة أو بأطفال درعا وما زالوا، هذا ما فعله بوتين بجمهورية الشيشان الصغيرة، فهم لم يهاجموا المتطرفين بسوريا أو روسيا، بل دمروا المدن فوق رؤوس أهلها المدنيين، كأنجع وسيلة لمنع المقاتلين والمعترضين من الاستمرار بنضالهم.

هذه سياسة الجنرال الحاكم بمصر، عندما جرف مدينة رفح، أو هدم خيام البدو بسيناء. هذه سياسة المالكي بالعراق، عندما هاجم المدنيين العُزل، لمنع المظاهرات السلمية قبل ثلاث سنوات، دافعاً العراق إلى أتون حرب طائفية. هذه سياسة إيران آيات الله، التي تُعلق أكبر عدد بالعالم من المدنيين بتهم شتى، على أعواد المشانق.

الإرهاب هو سلاح هذه الأنظمة، للبقاء على صدور شعوبها وسرقة ثرواتهم، وما زادها انطلاق الربيع العربي، بنهاية 2010 إلا خوفاً على هذا الوجود، وإمعاناً بالعنف والإرهاب.

التحية للشاعر الفلسطيني السعودي، أشرف فياض، ولكلماته الرقيقة، وهو الذي حاز على جائزة أدبية سعودية قبل سنوات. جمال كلماته ورقة معانيها، هي حقاً أقوى من إرهاب وسيوف من هم أعجز وأضعف من أن يفهموا الشعر، وأن يتحلوا بالإحساس المُرهف، وصوت أشرف يقول “لا تبحثي عني، سأكون موجوداً عند كل رشفة قهوة”.

فليرفع كل منا صوته عالياً، مُطالباً بإطلاق سراح أشرف فياض، ليفهم الجُناة أن الإرهاب لن يُثني الناس عن المُطالبة بحقوقهم، وليشتري كل منا نسخة من ديوانه (تعليمات للداخل) ونقرأه بصوت عالٍ ونراه في كل رشفة قهوة.

 

حقوق لاأنسان والأنتماء للأنسانية

 

حقوق الإنسان والانتماء للإنسانية

نزار بدران

يولد الناس ويبقون أحراراً ومتساوون بالحقوق، هذه هي المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة في العاشر من كانون الأول/ ديسمبر 1948، وهي أيضاً المادة الأولى من إعلان حقوق الإنسان والمواطن للثورة الفرنسية بتاريخ 20 آب 1789، التي أقرتها الجمعية التأسيسية، بعد بضعة أسابيع من قيام الثورة، وإسقاط قلعة الباستيل ( 14 تموز 1789).

هذه اللائحة القصيرة، المكونة مما أقره ممثلو الثورة، تُعتبر المنارة والإضاءة التي على هديها، ومن أجل تحقيقها ثار الناس. مرت بعد ذلك الثورة الفرنسية بمراحل مختلفة، من عودة سُلطات ديكتاتورية، ومخلفات النظام الملكي السابق، والثورة المضادة، ولكنها انتهت كما نعلم بالثبات والانتصار النهائي بعد عشرات السنين. لائحة الحقوق المُعلنة رغم كل هذه الارتدادات بالمجتمع الفرنسي، تعني في تلك الفترة الهدف الذي يتجه إليه كل المناضلين من اجل الحرية.

يحل كل عام العاشر من ديسمبر ليذكر العالم بأهمية لائحة حقوق الإنسان، التي أقرتها الأمم المتحدة، بعد فترة قصيرة جداً من وجودها. كما بدأت الثورة الفرنسية بوضع لائحتها مبكراً، كما وضعت الأمم المتحدة لائحتها ايضا مبكراً ولنفس الهدف، حتى تهتدي بها الأمم والشعوب، بنضالها من اجل الحرية.

تُترجم اللائحة بحد ذاتها، ما تعتبره شعوب الأرض كقيم مشتركة، تحول كل إنسان على هذه الأرض لمواطن بها، وتُلغي بشموليتها، مفهوم التمييز الحضاري بين الشعوب؛ حضارتنا واحدة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب؛ قيمنا واحدة.

لم تُنه لائحة حقوق الإنسان الخلافات في كل مكان، ولم تُحترم من كل الدول، بما فيها دول عريقة بالديمقراطية، ولكنها تبقى أكثر من ضرورية، لأنها تعطي كل من ناضل من أجل الحق والحرية، البوصلة التي يهتدي بها، وتربط نضاله بالإنسانية جمعاء.

تنقصنا في دول الربيع العربي، والحراك الديمقراطي مثل هذه اللائحة؛ فنحن مُطالبون كما فعل الفرنسيون في بداية ثورتهم، أو ما فعلت الأمم المتحدة في لحظة انطلاقها، بأن نضع لائحة أهداف حراكنا وثوراتنا، حتى تتوافق مع معايير الحرية والحقوق. نحن مُطالبون الآن ونحن نرى من جهة قوى الاستبداد تُمسك برقاب شعوبها وتُنكل بهم، ومن جهة أخرى، قوى التخلف الاجتماعي والديني، تُبعد حراكنا عن أي مفهوم حضاري إنساني، وتريد أن تُطبق علينا قوانين لا تُعرف الإنسان بحريته وحقه، وإنما بانتمائه لعشيرة أو قبيلة أو مذهب أو دين.

قوى الثورة مُطالبة أكثر من أي وقت مضى، بالإسراع إلى وضع مثل هذه اللائحة المؤسسة لحراكنا، حتى تُصبح كما كانت في زمن الثورة الفرنسية، المنارة التي يهتدي به كل منا في نضاله، رغم التقلبات والكر والفر والمد والجزر في هذه الثورات.

انتصار الثورات العربية حتمي واكيد، ولكن إبعاد وحوش الفترة الرمادية، التي تعقُب انطلاق الثورات، يتطلب منا أن نُؤطر الفكر ونُحدد انتماءنا، ومنذ البداية للقيم الإنسانية الجامعة الشاملة.

المادة الثانية من لائحة حقوق الإنسان والمواطن الفرنسية، تؤكد الحقوق الطبيعية للإنسان، وتُعرفها بأربعة أشياء، وهي حقه بالحرية، بالمُلكية، بالأمان وحقه بمقاومة الظلم. إعلان الأمم المتحدة في مادته الثالثة تنص على أن كل فرد له الحق بالحياة، بالحرية وبالأمان لشخصه. أدعو القارئ إلى الاطلاع بنفسه على اللائحتين المُتشابهتين، مع أن قرنين من الزمان يفصل ما بينهما.

الفكر الإنساني، هو ذلك الفكر الذي يستطيع كل إنسان على الأرض، أن يجد نفسه ممثلاً فيه، ما تعارض مع ذلك حتى لو كان مُقنعاً للبعض لا يمكن اعتباره فكراً شاملاً للإنسانية، لا يمكن استعمال الفكر الديني أو القومي إلا في إطار هذه المعادلة، أي حينما يتقاطع في بعض نصوصه مع الانتماء الإنساني لسكان المعمورة الذين يناهزون المليارات السبعة، مثل المساواة بين الناس أو التضامن الاجتماعي.

الاتصاق الفكري والعمل في إطار هذه الحقوق، التي تبنتها كل شعوب الأرض، بما فيها شعوبنا العربية والإسلامية، هي برأيي الوسيلة الوحيدة، كي ينتصر الفكر وتنتصر الحرية، على ممارسي الظلم والاستبداد ودعاة التخلف والجهل.

ألماء والزيت أدوات السياسة الأمريكية الحالية بالشرق الأوسط

الماء والزيت

أدوات السياسة الأمريكية الحالية بالشرق الأوسط

نزار بدران

 

نرى اليوم ونسمع عن تحركات عديدة للدول الغربية، باتجاه تهدئة الأوضاع في مناطق النزاع بالشرق الأوسط. فبعد الاتفاق النووي الإيراني، وبعد التصعيد الروسي في سوريا، يأتي زمن التهدئة، على ما يبدو. أطراف النزاع اليمني مجتمعون بجنيف، كذلك الاتفاق المُحتمل حصوله قريباً، بين أطراف النزاع الليبي، وإنهاء الانشقاق بين برلمان طُبرق وبرلمان طرابلس بالمغرب. سبق ذلك اتفاقيات أمريكية روسية لوضع خارطة طريق، لحل المُعضلة السورية، تلاه مؤتمر الرياض لتوحيد تمثيل المعارضة السورية، تبدأ أولى خطواتها بعد بضعة أيام، بمطلع العام القادم. ونشاهد أيضاً بشىء من الدهشة، بداية تهدئة الوضع بلبنان، بعد مبادرة سعد الحريري، والاتجاه نحو توافق لانتخاب رئيس للجمهورية.

مقابل ذلك نرى بعد اعتداءات باريس وسان برناردينو بأمريكا، والتي قام بها أصوليون إسلاميون، مشتبهون بالارتباط بتنظيم داعش، نرى تصعيداً بالمواقف الغربية، خصوصاً الأمريكية باتجاه الحرب على الإرهاب الداعشي فقط، دافعة المملكة العربية السعودية لإقامة تحالف إسلامي للحرب ضد الإرهاب، كُون من أربعة وثلاثون دولة.

هل هناك تغيير حقيقي بالمواقف الدولية، وما هي المُعطيات الموضوعية التي قد تُفسر أي تغيير. إدخل الوطن العربي، منذ خمس سنوات، بحرائق وحروب عدة بسبب رد أنظمة القمع، المدعومة غربياً، على نداءات الشعوب بالحرية، ولكنهم لم يستطيعوا أن يخمدوا شعلة الثورات، ولم يستطع هدا الرد أن يُعيد إلى نفوس الشباب عقدة الخوف من النظام، وهي التي كانت العائق أمام تحرك آبائهم من عقود. لم يتدخل الغرب وخصوصاً أمريكا، لإطفاء هذه الحرائق، إلا بمقدار ما يؤمن بقاء حلفائها، ويُحافظ على مصالح إسرائيل، والمثل الأكثر وضوحاً هو انتزاع السلاح الكيميائي السوري.

دخول العنف الأصولي الديني على خط الحرائق، التي أشعلتها الأنظمة، أعطت تلك الأخيرة، الحُجة الإيديولوجية لقمع شعوبها، وبررت بنفس الوقت، أمام الرأي العام الغربي، تقاعُس الحكومات الغربية عن الوقوف بجانب التغيير الديمقراطي العربي.

ولكن النتائج الأخيرة لإجرام النظام السوري بحق شعبه، والذي وضع ملايين السوريين على طريق الهجرة، ومئات الآلاف لأوروبا، برغم كل صعاب الطريق وخطورتها، مُضاف إليه وصول العنف والإرهاب إلى شوارع المدن الغربية والأمريكية، قد يكون غير بعض الشيء من المعادلة، لصالح محاولة إخماد التطرف الأصولي الديني، عن طريق إطفاء قدر الممكن الأزمات الدامية ذات النتائج الاجتماعية المُدمرة على المواطنين، كما نرى باليمن وسوريا وليبيا، وهذا يُفسر الاجتماعات التصالحية الأخيرة، في البلدان التي ذكرناها سابقاً.

الغرب لا يتحمل مسؤولياته إلا أمام شعوبه فقط، هذه حكومات مُنتخبة من شعوبها، وليس من الشعوب العربية، تُغير سياساتها بمقدار ما تحمي وتُفيد أبنائها. يبدو أنها استنتجت أن القوة العسكرية وحدها، لن تحمي شوارع باريس ولندن ونيويورك، بل ما يحميها هو تخفيف حرارة التناقضات، في الدول المُصدرة لهؤلاء الأصوليين. إعطاء الأمل بالسلام لأهل اليمن، هو أفضل الطرق لإبعاد شبح تغلغل القاعدة أو داعش، كذلك الأمر بليبيا وحدودها الممتدة لآلاف الكيلومترات مع الدول الإفريقية، كذلك بسوريا وآلاف قتلاها وملايين مُهجريها.

الاتفاق الروسي الأمريكي الأخير، لخارطة الطريق بسوريا، والتقارب الجديد بينهما، بشأن خطة مُشتركة، بما فيه قرارات قد تؤخذ بمجلس الأمن، وفشل الروس بتغيير خارطة التوازنات على الأرض وتراجع اسعار النفط والغاز العمود الفقري للاقتصاد الروسي, وبدء هزيمة عسكرية إيرانية بسوريا، على ما يُذكر، كل هذا قد يفتح الطريق بالطبع إلى إيقاف الحملة الجوية الروسية مع بداية العام القادم، وإعطاء نوع من المصداقية للعملية السياسية، والرحيل المُنتظر للأسد.

العمل يتم إذاً على جبهتين، جبهة تزايد وتيرة الحرب والتحالفات ضد داعش والأصوليين الإسلاميين، وجبهة تبريد الجبهات الأخرى المفتوحة من الأنظمة ضد شعوبها.

على عكس الحكومات الديمقراطية الغربية، لا تُعير الحكومات العربية، أي اهتمام لمآسي شعوبها، لا ترى الدم النازف وآلاف القتلى والمُهجرين، من سوريا أو اليمن أو العراق، هذه حكومات بدل أن تلتفت لشعوبها لحمايتهم، وتتبع سياسات مُبدعة لذلك، تعمل العكس، أي التوجه المُستمر نحو مزيد من العنف بحجة مقاتلة الإرهاب، بينما هدفها النهائي هو البقاء بالسلطة، والاستمرار باستعباد ملايين المحرومين والمُعذبين. وحدها أمريكا من يُقرر لها ما تعمل حرباً أم سلماً، لهذا نرى الجيوش العربية تحارب باليمن وتُدمر البُنية التحتية وتقتل ألآلاف وتوصل البلاد إلى ما يشبه ألمجاعة فقط انصياعا للأمر الأمريكي، بمواجهة التمدد الإيراني نحو مضيق باب المندب.

نفس هذه الحكومات تقوم اليوم بتغيير سياساتها، بناءً على “النصائح الأمريكية”، مثل تشكيل تحالف إسلامي ضد الإرهاب، أو القبول بهدنة باليمن لبدء الحل السلمي، هذا الحل الذي كان بإمكان اليمنيين أنفسهم تصوره وعمله بدون التدخل السعودي العربي.

قوات حفتر بليبيا تنصاع أيضاً للطلب الغربي، بالاتجاه نحو المصالحة الوطنية، وتقبل الجلوس مع من تعتبرهم إسلاميون في طرابلس.

يبقى أن التناقضات بين السلطات المُستبدة العربية وشعوبها، ستبقى قائمة، وتخفيض حرارة النزاعات التي كانت هذه السلطات هي أساس نشأتها، برفضها الانصياع لمطالب جماهيرها، سيؤدي من جديد إلى تجدد الاحتجاجات الاجتماعية السلمية المُطالبة بالحرية. هل ستستطيع الحكومات العربية حين ذاك، بأسلحتها المُكدسة، والتي كلفتنا مليارات الدولارات، أن تعود إلى العنف المُفرط ضد شعوبها من جديد؛ هذا ممكن ولكني أظنه أقل احتمالاً من السنوات الماضية.

الوضع في مصر قد لا يبقى على حاله، وعودة العملية الديمقراطية الحقيقة والذي نامله سلميا، شيء ممكن، بعد التخلي التدريجي لدول الخليج عن الجنرال السيسي، وفشل سياساته الاقتصادية لتحسين الوضع المعاشي للمواطنين.

قادم الأيام قد يُعيد لنا أيضاً، مركزية القضية الفلسطينية والصراع العربي ألإسرائيلي فإسرائيل لم تسكت عن الصفقة الإيرانية الأمريكية، إلا بعد أن تأكدت من خلع أنياب ومخالب الإيرانيين وإزالة أي خطر تجاهها. انكفاء حزب الله المتوقع من جديد إلى الداخل اللبناني مُنهكاً، وهو الذي شكل في الماضي الخطر الحقيقي على إسرائيل بعكس باقي الجيوش العربية , هو ما سيدفعه للدخول والقبول بالعملية السياسة،وهذا قد يدفع إسرائيل منطقياً إلى المُغامرة لإنهاء قوة حزب الله العسكرية، إما عن طريق إجباره على تسليم سلاحه للسلطة الشرعية اللبنانية، أو عن طريق ضربة عسكريه فإسرائيل لم تترك حزب الله يدخل سوريا ويحارب هناك إلا لشيء في نفس يعقوب، وهو إنهاء ثورة الشعب السوري، ووقف زحف التغيير الديمقراطي الذي تعتبره اسرائيل خطرا على وجودها مما يمثله من صحوة للامة. هذا ما يُفسر اليوم أيضاً الدعم الصارخ ألإسرائيلي للوجود العسكري الروسي بسوريا ورئينا وقوف نتنياهو بجانب بوتين ضد تركيا.

الانتفاضة الفلسطينية ألحالية ستُعيد الحرارة والسخونة إلى العداء العربي الإسرائيلي من جديد بنفس الوقت التي قد تخفُتُ هذه الحرارة بحروب دول الجوار. هذا سيكون مؤشراً إلى عودة الأمور نحو الاتجاه السليم، أي مركزية القضية الفلسطينية، والتي يجب أن ترتبط بنضال الأمة، من أجل حريتها وكرامتها. وعندما نرى الدعم الشعبي، الذي تلقاه فلسطين في كل الساحات العربية (بعكس المواقف الرسمية) يعود لنا الأمل بأن تبقى فلسطين، بوصلة النضال العربي ضد الاحتلال، ولكن أيضاً منارته من أجل ألحرية كما كانت وكما يجب أن تكون دائماً.

حقوق المرأة معيار الحضارة

حقوق المرأة معيار الحضارة

إن كل عمل انساني بحاجة للتقيم والتقدير ,والحضارة هي أرقى أشكال الفعل الانساني مند القدم ؛ نقلته من عالم الغاب إلى نورالعلم والمعرفة, ورسّخت علاقات أفراد المجتمع على أساس التعاون واحترام قوانين العيش المشترك لا على القوة, فبعدنا او قربنا من التحضر يُقاس بمقدار التزامنا بمعاييرها.

لعل أهم هذه المعايير هو:  كيفيه تعامل الدوله والمجتمع مع الضعفاء فيه؛ كيف نحمي المريض والطفل واليتيم وكبار السن والعجزه وذوي الاحتياجات الخاصة والعاطلين عن العمل والمهجرين واللاجئين . هل نقدم لهم الضمان الصحي والعناية اللازمة وتعويض فقدان العمل ووسائل العيش الكريم التي تناسب حالاتهم.

الانسانيه هي فينا كلنا نساء ورجالا صغارا وكبارا, اقوياء وضعفاء.  وهي متساوية لا توجد انسانية اقل او أكثرمن الأخرى.

لم اكن لأضع المرأة في خانة الضعفاء ابدا  فالمرأة قوية تستطيع ان تعمل وتنتج وتبني, هي نصف المجتمع وعموده الأساسي ، لكن ضياع حقوقها في مجتمعاتنا, واستغلال البعد الديني والقبلي لهضم تلك  الحقوق لهو دليل على التخلف والجهل فنحن في مجتمعاتنا نقطع احدى يدينا الاثنتين عندما نضع المرأة في هذه الخانة .

الإضعاف لدور المرأة يتم عن طريق منعها من العمل وهو اساس استقلاليتها وحريتها, ومنعها من التنقل كما تشاء, وحقها بالارث وحقوقها العائلية بالزواج المختار والإنجاب وحضانة الاطفال عند الطلاق وغيره.  هذا الإضعاف هو بفعل المجتمع لا لكون المرأة ضعيفة في الأصل.

أنظمة الاستبداد في بلادنا والتي تتحكم فيها قلة مستغلة لحياة الملايين، حارمة  إياهم حقوقهم ، سارقة ثمرات أعمالهم, هادرة حقوق المرأة والرجل على حد سواء, هم فقط رعايا عند السلطان او مصفقين للقائد الملهم .

الكفاح من اجل تحرر المجتمع ومطالبة الجميع بالحرية والكرامة والمواطنة هي الوسيلة الأجدى كي تستطيع المرأة ان تبدأ نضالا فاعلا للحصول على حقوقها المدنية والاجتماعية والسباسيه,   فمجتمع المستعبدين لا يمكنه ان يهب أحدا  شيئا ؛  أثمنها وأغلاها …… الحرية

احترام حقوق المرأة في العالم  مبدأ أقرته الامم المتحدة في اتفاقية بكين عام 1995, ووضعت لذلك اثني عشر بندا تتناول كل مناحي الحياة , وقعت على تلك المعاهده 189 دوله وفيها طبعا جُلّ الدول العربيه والاسلاميه.

ينتظر الامين العام للامم المتحده أول تقرير عن تقدم تنفيذ هذه  الحقوق هذا العام 2015, وقد استلم حتى الان تقارير العشرات من الدول. ونتساءل ….    أين نحن من هذه الالتزامات وماذا فعلت حكوماتنا ودولنا مند عشرين عاما, وهل هناك من مطالب لتنفيذ هذه الالتزامات ؟

الاحتفال بفرنسا بالثامن من اذار هو بالاساس للتذكير بالنساء اللواتي ناضلن لتحصل المرأة الفرنسية على حقها في المساواة, وتذكرنا الصحافه بالفيلسوفه سيمون دو بوفوار والكاتبة فرانسواز ساجان والوزيره سيمون فيل, وبنضالهن في منتصف القرن الماضي لوضع قوانين تحمي حقوق المواطنه الفرنسيه وتساويها بالرجل.  تقوم موسسات المجتمع المدني بمراقبة تنفيذ واحترام هذه القواعد والقوانين وتعمل على تطويرها ومنع عودتها الى الوراء.

في بلادنا يأتي هذا اليوم للتذكير بالوضع المأساوي الذي تعيشه نساؤنا , والذي هو جزء من الوضع الماساوي الذي تعيشه مجتمعاتنا برجاله ونسائه . نضال المرأة لا يتجزأ ولا ينفصل في هذه المرحله  عن نضال الرجل وان كان أكثر صعوبة ومشقة. فالمرأة تناضل كالرجل للحصول على حقها بالمواطنة والخروج من تحت عباءة السلطان او القائد الملهم. كذلك تناضل من اجل مساواتها بالرجل والخروج من عباءة ولي الامر المفروض عليها قسرا بحجة الموروث من  القيم والعادات للمجتمع.

المرأة باحتلالها موقع الأكثر مظلوميه في المجتمعات الفاقده للحرية مؤهله  لتقود حقا هذه المجتمعات الى واحة الحرية. وأظن بان دورها المستقبلي في عالمنا العربي والإسلامي هو دور محوري.

لاحرية للرجل  ولا لغيره  دون حرية المرأة . فلندافع  جميعا عن حرياتنا حتى نستطيع ان نبني معا مجتمعا عادلا قويا لا مكان فيه لقانون الغاب والذئاب.

نزار بدران

8/3/ 2015

للمزيد ابحث على الانتيرنت  : تقرير الامم المتحده  للموتمر العالمي الرابع للمراة ببكين  المنعقد من 4 الى 15 ايلول 1995

الحكم الرشيد دواء مرض الأوهام

 

الحكم الرشيد دواء مرض الأوهام

 

د. نزار بدران

المعرفة والعلم دواء الجهل، حقيقة لا يختلف عليها اثنان. في مقال حديث بـ “العربي الجديد” يؤكد أستاذنا الكبير كلوفيس مقصود على أهمية أن يستنور القادة العرب بتقارير الأمم المتحدة وهيئاتها المُختصة، فهي تنشر بشكل دوري تحليلات عن أوضاعنا وسُبُلُ مُعالجتها، وتضع معايير الحكم الرشيد والشفافية، كأدوات لا مناص منها، للوصول لحل إشكاليات التنمية الاقتصادية والإنسانية في الوطن العربي. هذا كلام سليم صادر عن خبير بخبايا وتقارير الأمم المتحدة، وكذلك خبايا بعض الأنظمة العربية.

هل الوصول للحكم الرشيد الضروري، لتطبيق إرشادات الخبراء، أمر ممكن مع الأنظمة الحالية؟ وهل يكفي أن نبدأ بتعليم حكامنا ذلك، ونحن نمتلك أعدادا كبيرة من الاختصاصيين في كافة الميادين، وتقارير اللجان المختصة بالأمم المتحدة يكتبها في معظم الأحيان خبراء عرب.

للجواب على ذلك، علينا أن نُميز بين الأسباب والنتائج، فالسبب في مشاكلنا ليس في عدم دراية الحكام بالمعلومات والطرائق والأساليب الضرورية للحكم الرشيد، وإنما في عدم اهتمامهم بالمواطن العربي وهمومه. وهذه السلطات ليست في صدد أن تُقرر تلبية حاجات المواطن وتحقيق أسباب سعادته. الأمثلة الحالية عديدة على عدم اكتراث الحكام بهموم الناس، وانشغالهم فقط في تقاسُم ما استلبوه من عرق عمل شعوبهم، أو ما باعوه من ثروات الوطن.

إشكالية الأنظمة ومركز اهتمامها يتمحور فقط في كيفية إبقاء الشعوب في موقع البقرة الحلوب، وتجهيلها وعدم درايتها بما تحتوي بلادهم من ثروات وخيرات، استولت عليها الطبقة الحاكمة على اختلاف مراتبها السلطوية؛ فهي لا “تعطي” أو “تمنح” الناس إلا ما قد يحفظ نسبياً السلم الاجتماعي، بدون أي التفات إلى المشاريع التنموية. وهذا يحدث في مناطق كثيرة من العالم الثالث؛ فعندما ربط الأوروبيون قبل سنوات مساعداتهم للدول النامية بالحكم الرشيد، فلكي لا تذهب مساعداتهم هدراً، ورغم ذلك لم يصمُد هذا “التغيير” بالسياسة طويلاً، أمام ضغط حكام هذه الدول وحلفائهم من شركات ولوبيات ومصالح اقتصادية رأسمالية بالغرب، وعدنا إلى مفهوم السيادة الوطنية كحق مُقدس لهذه الدول، بمفهوم السماح بتبذير المال العام والنهب بدون رقيب ولا حسيب، وتلك سياسة أبعد ما تكون عن مفاهيم واستراتيجيات التنمية الحديثة.

هكذا أنظمة لا ترى وتُفكر إلا بما يبقيها سيدة السلطة الحاكمة بأمرها، وبهدف إحكام قبضتها على المجتمع، وأي سياسة تتخذها أو تتبناها ليس لها إلا هذا الهدف؛ والمشاريع الاقتصادية، أو بناء البُنية التحتية إن كان لها من وجود، فهي ليست إلا وسيلة جديدة للنهب، من دون أدنى رقابة قانونية أو شعبية، أو حتى رقابة إعلامية. سياستها الخارجية وعلاقاتها الدولية لا تقوم وتعمل إلا لنفس الهدف، مصلحة الطرف الأجنبي مُقابل مصلحة النظام بالبقاء والتوريث، وليس مصلحة الدولة أو الأمة.

ولهذا تُحيط طبقة الحكام نفسها بخبراء عرب وأجانب، ليساعدوها في مهمة البقاء، وليس بهدف الإنماء، إنماء الوطن وحفظ كرامة المواطن، من هنا تقتصر مهمة فعالية السلطة على تفعيل أجهزتها ومحور عملها العمل على هدف بقاء السلطة، فقط وزارات الداخلية (الأمن والمخابرات) وتحصيل الضرائب هي الفعالة، والتي تمتلك كل الوسائل الحديثة، بينما وزارات التعليم والزراعة وغيرهما، فهي من القطاعات المنسية.

مُشكلتنا إذاً ليست فقط في جهل الحكام بتقارير الأمم المتحدة عن التنمية في بلادنا، وإنما في شرعيتهم. الأمم المتحدة تُدرك تماماً أن ما يطرحه الخبراء والمستشارون، من حلول لمشاكل أي دولة في العالم، لن تؤدي إلى النتيجة المرتجاة؛ إذا لم يكن الهدف الأول والأساسي هو بناء الديمقراطية، وأحقية الشعب باختيار حكامه، وحقهم في مراقبة كل ما يُسن باسمهم من قوانين، أو يوضع لهم من تشريعات. وتقاريرها تنص دائماً على أهمية إرشاد الحكم وشفافية العمل والتنفيذ، ولكن بدون وضع الآليات المناسبة.

لذلك فإن توعية الناس هي وسيلة المُثقفين وطبقة الشباب والمُهتمين بالشأن العام، للبدء بالعمل من أجل تحقيق إصلاحات سياسية واجتماعية، تُخرجنا من عالم الجهل إلى عالم المعرفة. ردود فعل الأنظمة المُفرط بالعنف على الحراك الديمقراطي العربي الحديث، كما يحدث في سوريا ومصر وغيرهما، يُظهر مقدار ابتعاد هذه الأنظمة عن أي مشروع وطني والتصاقها بمصالحها فقط. فأن يقرأ هؤلاء تقارير الأمم المتحدة عن مشاكل التنمية وأساليب حلها، لن يزيدهم إلا إصراراً على تجهيل المجتمعات التي يحكمونها، وإسكات أي صوت يطالب بالتغيير والإصلاح، وإخفاء هذه التقارير إن استطاعوا.

الأستاذ كلوفيس مقصود حدد أسلوباً فعالاً وعلمياً لتشخيص وحل مشاكلنا، ولكن ذلك لن ينجح إلا بعد إنشاء الحكم الرشيد، الذي ينتمي لقيم الإنسانية في هذا الزمن.

طبيب عربي مقيم في فرنسا