الأخوة الإنسانية عند ليفيناس.  القدس العربي  28 نوفمبر 25

الأخُوَّة الإنسانية عند ليفيناس https://www.alquds.co.uk/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%8f%d9%88%d9%8e%d9%91%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d8%b3%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%b9%d9%86%d8%af-%d9%84%d9%8a%d9%81%d9%8a%d9%86%d8%a7%d8%b3/


الأخُوَّة الإنسانية عند ليفيناس
24 – نوفمبر – 2025

د. نزار بدران
1

يمر اليوم العالمي للفلسفة في العشرين من نوفمبر في بلادنا كأي يوم عادي، رغم إدراكنا أن المفاهيم الفلسفية منذ آلاف السنين هي التي شكَّلت المجتمعات الإنسانية. من بين هذه المفاهيم يوجد مفهوم «الأخُوَّة» الذي يعني للكثيرين أننا نتقاسم جميعًا الهموم وننحدر من أصل واحد.
في الفلسفة التقليدية، تعني الأخوة أن الآخر ـ كما يقول الفيلسوف النمساوي هوسرل ـ هو «أنا» مرة أخرى؛ فعليّ إذن أن أحبه (كما تطلب أيضا الكتب المقدسة)؛ لأنه يشبهني ويملك صفاتي وتطلعاتي. على هذا المفهوم بُنيت المجتمعات، فَرَضَت على الفرد التضامن العائلي أو القبلي أو القومي. هذا المفهوم للأخوة بني على «الأنا» أو «النحن»، أي «الذات» التي اعتبرها الفلاسفة أساس ومصدر أول للفلسفة، واصلة إلى أعلى مستوى مع الفيلسوف الألماني هايدغر.
أود في هذا المقال أن ألقي الضوء قليلاً على فكر مغاير، يتمثل في أطروحات الفيلسوف الليتواني إيمانويل ليفيناس الذي عاش في القرن العشرين. رغم كونه تلميذًا للفيلسوفَين المذكورَين أعلاه، إلا أن طرحه للأخوة مغاير تمامًا، لم يسبق أن طرح مسبقا، مبني على مفهوم أن الآخر الإنساني لا يشبهني بل يختلف عني تمامًا، ويخرج من دائرة حريتي.
بالنسبة لليفيناس، الأخوة مع الآخر الذي يشبهني هي في الحقيقة نوع من التواطؤ، وتجعلني دائمًا مصدرًا لهذه الأخوة، مكررًا الأنا لتصبح «النحن» دون إضافة جديدة. بينما عندما ألتقي بالوجه الآخر المختلف، أخرج من دائرة الذات الأنانية وأدخل عالم «الأخلاق والقيم» الذي يعتبره الفيلسوف الليتواني أساس الفلسفة ومصدرها الأول، وليس الذات الأنانية. الآخر المختلف يفرض عليَّ بمجرد لقائه مسؤوليات كبيرة. أصبح مسؤولاً عن ضعفه وفقره ومرضه حتى لو لم يطلب مني شيئًا، وبدون أن أنتظر أي مقابل؛ فهي مسؤوليتي وحدي، كمن يفعل خيرًا ويُلقي به في البحر. الآخر هو من يجعلني موجودًا، فلو كنت وحيدًا على الأرض لما تمكنت من الكلام والتفكير. الآخر المغاير ضروري لوجودي ويعطي مفهوم القيم مركزيته.
مفهوم الأخوة عند ليفيناس لا يمكن تحديده وتقريره بقوانين، على عكس الحرية والمساواة؛ فالأخوة الإنسانية هي الأرضية التي تُبنى عليها تلك القوانين، فهي نابعة منا وبإرادتنا فقط. مطالب العدالة والمساواة في المجتمع تبقى بلا روح إذا افتقدت الأخوة. فمجتمع الفصل العنصري كان مبنيًا على مجتمع أبيض ديمقراطي في جنوب أفريقيا أو يهودي في دولة الاحتلال في فلسطين، لكنه افتقد الأخوة الإنسانية.
في العالم المبني على الذات الأنانية، يصبح الغريب مصدر خوف وقلق، ينظر إليه كخطر، بدلاً من أن يكون فرصة لبناء شيء جديد. معظم المجتمعات الحديثة بُنيت على هذه الأنانية ومركزية الذات، ما يفسر تلك الحروب التي عمت القرن العشرين وبداية هذا القرن.

    ارتدادات حرب غزة وصلت إلى مدينة نيويورك، وآخرها انتخاب زهران ممداني عمدة لها الذي استوعب مفهوم الآخر المختلف لبناء الأخوة الإنسانية

للأسف في بلادنا العربية، تركزت الذات الأنانية إلى أقصى درجاتها؛ فتحولنا إلى طوائف وقبائل، لا نرى خارجها إلا الآخر المعادي. حتى عندما تجري انتخابات، كتلك التي نظمت في العراق مؤخرًا، نتمترس حول هوياتنا الخاصة، دينية أو عرقية، كأن الآخر يهدد وجودنا ويشكل مصدر حساسية مفرطة. مجموعات «الأنا» و«النحن» تغلق علينا الأبواب، بينما الطريق أمامنا واسع لتجاوز الخوف والنظر إلى الآخر المجاور. نظرية الأخلاق المؤسسة للفلسفة عند ليفيناس تفرض علينا ـ لنكون بشرًا ـ أن نهتم بالآخر قبل النفس، فالآخر الشيعي هو مسؤوليتي أنا السني، والعكس صحيح. نحن جميعًا مسؤولون عن بعضنا البعض، حتى إن مسؤوليتي هي أكبر من مسؤولية الآخر، كما قال دوستويفسكي «الكاتب المفضل لدى ليفيناس» ـ في إحدى رواياته.
في باقي العالم، تبقى سياسات الدول مبنية على مفهوم الذات الأنانية. فأمريكا ترامب تطرد المهاجرين، وأوروبا تجتاحها التيارات اليمينية المتطرفة المعادية لكل أشكال الهجرة، مبتعدة عن النموذج الإنساني الذي خطته في منتصف القرن الماضي، رامية خلفها شعار الثورة الفرنسية: حرية، مساواة، أخوة.
في دولنا أصبح العربي الآخر خطرًا، وخصوصًا الفلسطيني، الذي يؤرق وجوده أنظمتنا وزعماءها. ليس غريبًا أن نرى في مطارات وشوارع عدة دول عربية شعارات ترامبية تحتفي بأن هذه الدولة أو تلك هي «أولاً»، وكأنها حققت لشعوبها كل متطلبات العيش الرغيد. بينما يقول هذا الشعار للغريب والقادم من بعيد إنه غير مرحب به، وأنه عبء عليها. منطق يتنافى مع أصغر معايير السياحة الناجحة.
في ظلام الذات المنغلقة على نفسها، ظهر بعض الضوء ليعلن قدوم إمكانية للأخوة الإنسانية الحقة. حرب الإبادة في غزة حركت مياه الذات الأنانية الراكدة في عواصم ومدن عديدة، خصوصًا في الدول الغربية، لتحل محلها الشعور بالمسؤولية. لم يعلن المتظاهرون منذ أكثر من عامين تضامنهم فحسب، بل مسؤوليتهم عن وقف الحرب، والعمل ليل نهار لفعل كل شيء لأجل ذلك، متطابقين بذلك مع معايير الأخوة الإنسانية، تلك المبنية على المسؤولية تجاه الآخر المختلف، وليس الآخر الشبيه.
أظهرت الحرب تربع إسرائيل وقادتها وداعميها على عرش الأنا الأنانية، فهم لا يرون إلا أنفسهم أو من يشبههم من الغرب، ولا يهمهم أطفال غزة في شيء، وهم الأقرب جغرافيًا. هذه الأنا المتعالية المتجذرة تقتل وتدمر بسبب امتلاكها أدوات القتل، بينما هي في الحقيقة تعيش ذعرًا وخوفًا عميقَين من هذا الآخر الفلسطيني، هذا الآخر الذي يُرى دائمًا ـ كما يقول ليفيناس ـ كخطر داهم.
ارتدادات حرب غزة وصلت إلى مدينة نيويورك، وآخرها انتخاب زهران ممداني عمدة لها. هذا الرجل الذكي استوعب مفهوم الآخر المختلف لبناء الأخوة الإنسانية، فهو يقف مع كل أطياف المهمشين في مدينته، مهما كانت لغاتهم وأجناسهم. هو نفسه يعبِّر عن هذا الآخر المختلف ويجسده بنفسه وعائلته، حاملاً في الوقت نفسه انتماء للهند الهندوسية والمسلمة، وأفريقيا، والبلد الذي يعيش فيه :أمريكا. لم ينس زهران ممداني هؤلاء الآخرين أبناء غزة، فهو يعتبر دعمها واجبًا عليه، والتزم باعتقال نتنياهو إذا وطأت قدماه أرض مدينته، ليسلِّمه للمحكمة الجنائية الدولية، متوافقًا مع القانون الدولي ومعايير الأخوة الإنسانية.
هذه الأخوة الإنسانية الجامعة كمفهوم فلسفي عند ليفيناس، المبنية على الأخلاق والقيم، ليست تبرعًا من أحد، بل هي أساس الوجود الإنساني. هي أولاً إنسانية الآخر قبل أن تكون إنسانيتي، ومسؤوليتي قبل أن تكون مسؤولية الآخر.

أضف تعليق