الأميرة الصغيرة والغول

نشر بالقدس العربي ٨ حزيران ٢٠١٨

الأميرة الصغيرة والغول

د. نزار بدران

لا يعرفُ الحياة إلا من يُحبها، رزان الأميرة الصغيرة، أحبت الحياة واختارت لذلك أن تُسعف المرضى والجرحى، حتى تعود البسمة إلى وجوه من حاصرتهم الضباع.
رزان لم تُفكر يوماً بالموت، ولم تذهب إلى أطراف السجن، لمقارعة السجان، وإنما لإظهار حبها للحرية. لم تحمل يوماً سيفاً ولا بندقية، بل ضمادة ودواء، إن وجدته.
حُب الناس كان شاغلها ودافعها، تخفيف آلامهم وتضميد جراحهم، كان همها الوحيد، لم تنظر إلى الحارس، وإنما إلى السجين.
في عالمها الصغير، كان للأميرة رزان، أحلام وردية كثيرة؛ أن تذهب للمدرسة وبيدها قلماً وكتاب، أن تعود بسلام إلى بيتها، ومعها زهرة حمراء، لتقدمها لأمها الحنون.
في غزة المُحاصرة بحيطان الكراهية، لم تر إلا جدران تُحطمُ آمالها الكبيرة، وهي تسأل الضباع القابعة عليها؛ هل تخافون من ورد غزة الأحمر القاني، أو من كرزها المُتدلي من الأشجار. تعشق الأميرة عطر ماء البحر، وعبَقَ أمسيات الشاي، والتنادر مع الجيران القادمين من قرية بفلسطين، وفي عيونهم نظرة المؤمن, فهم عائدون اليها قريباً.
ذهبت رزان مع أطفال المخيم، إلى حافة الأرض، حيث السور العالي والأسلاك الشائكة، لتُعلم السجان والعالم، أنها لن تبيع أحلامها، بلقمة خبز ولا بجرعة ماء.
هي تُحب الحياة، تلك التي تُغرد للحرية، تلك التي لا يقف أمامها، حائط ولا بحر، تلك المترامية الأطراف من أقصى الأرض إلى أقصاها، تلك التي حدُها الشفق، وآخر ما يمكن للعين أن ترى، تلك التي توصلها للقرية المهجورة المُدمرة.

+ أحبُ السماءَ فلا جسرٌ ولا نفقٌ، أحب النجومَ كحبات قمحِ بلادي تنيرُ الطريقَ وتُسعد أمي
– إذهبي من هنا، فإني أكره لون الربيعِ، كلون الحياةِ، فنحنُ نعيشُ على جثثِ الموتى، ككلِ الضباع
+ وأنتَ تقولُ أنني أعشقُ الموتَ، فكيف أكون ربيعاً وموتاً بنفس المكانِ ونفس الزمن
– حذاري فتاتي من الأمل الممنوعِ والطائر الحر، فكلُ بلادُ العربِ موتاً وقتلى، كما يحلمُ الضبع عند المنام
+ سأبقى لوحدي أحبُ الربيعَ، وأزرعُ بالأرضِ بذرَ الحياةِ، سأبقى مناراً لكل الرياحِ وكلُ السفنِ، ولن يبق غولٌ يخيفُ الصغارِ وعنقاءُ تسرقُ منا رحيقَ الوطن
– كوني كغيركِ أو لا تكوني
+ زهورُ الجبالُ تغيظُ الضباعَ، وترقصُ مع قطراتِ المطر
– كوني كغيرك أو لا تكوني
+ أحب الحياةَ وأهوى السَمَر
– لا تكوني

إيران وإسرائيل اختيار المواجهة أم التحالف القدس العربي ٢٢ أيار ٢٠١٨

لم يكن تراجع الرئيس دونالد ترامب، عن اتفاق سلفه أوباما النووي الإيراني، والذي شاركت به أيضاً مجموعة (5 + 1) عام 2015، المرفوض إسرائيلياً، إلا بهدف جر إيران لاتفاقيات جديدة، بشأن أسلحتها البالستية الصاروخية، وسياساتها الخارجية التوسعية بالمنطقة، وقد لمح الرئيس حسن روحاني بالموافقة على ذلك.
نحن إذن قد نكون على عتبة مفاوضات جديدة، ليس على البرنامج النووي، والذي لم يعد موجوداً، ولكن على موضوع جديد، هو السياسات الخارجية لإيران ونوعية تسليحها التقليدي.
برأينا أن النظام الإيراني لم يقرأ جيداً السياسة الأمريكية الإسرائيلية منذ البدء، وارتكب بذلك حماقات عدة، أدت إلى الوضع الراهن.

– أولا: هو أصلاً دخول إيران بمشروع نووي، في عالم تسيطر عليه قوى عظمى لن تقبل بذلك، وتُرينا التطورات الجديدة في كوريا الشمالية، وما سبق وحدث في ليبيا القذافي، وتفكيك ترسانة الأسلحة النووية لجنوب أفريقيا، المؤشر الأقوى والدليل الأبرز على ذلك.

– ثانياً: إن المال والجهد اللذين بُذلا لذلك، ذهبا أدراج الرياح، بدل تطوير البُنى التحتية للدولة الإيرانية، وتوفير فرص العمل لأبنائها ومحاربة الفقر، هكذا سياسة ما زالت مستمرة، عن طريق الحروب الخارجية المُكلفة، وخصوصاً بعد التراجع عن المشروع النووي، معمقة التناقضات الداخلية في إيران.

– ثالثاً: إن الظن بأن الاتفاق الموقع مع الدول الغربية والصين وروسيا بفينا، سيُعيد إيران إلى وضعها السابق، قبل البرنامج النووي، هو خطأ واضح، لأن أمريكا وإسرائيل، لا تهدفان فقط إلى إعادة إيران إلى نقطة الصفر، وإنما إلى أكبر مسافة ممكنة تحت الصفر، كما حدث مع صدام حسين في العراق.

– رابعاً، الاعتقاد بإمكان تطوير إيران، لبرنامج تسليح تقليدي وبالستي صاروخي، للتعويض عن المشروع النووي، وهو ما رأينا نتائجه في سوريا واليمن ولبنان، الاعتقاد أن هذا مسموح به، بنص الاتفاق النووي الإيراني، كان تصوراً خاطئاً. المُعضلة بنظام ديكتاتوريي الملالي، أنه لا يعي ما تخطط له إسرائيل وأمريكا لإيران على المدى الطويل، وهو العودة للتحالف مع إسرائيل، كما حدث زمن الشاه، مع أو بدون النظام الحالي.
لن يُفيد إيران شيئاً تحالفها مع روسيا، وأظهر بوتين تقارباً أكبر مع إسرائيل، وسكوتاً تاماً عن كل ما تفعله ضد إيران في سوريا، مليون مواطن روسي في إسرائيل، ومنهم وزير الدفاع الحالي، هم ضمان حلف قوي بين الدولتين.
أما التواجد العسكري خارج حدودها لدولة مثل إيران، بدون حلفاء أقوياء يدعمونها، هو مصيدة لتشتيت قواها، وإهدار طاقاتها، وليس عنوان قوة.
إسرائيل وأمريكا تضعان سياسات للتنفيذ التدريجي، وليس حلولاً لمشاكل تعترضهما في المنطقة، وهما تُغيران الواقع ليتناسب مع سياساتهما بالهيمنة، وأي اتفاق يوقعانه، هو ضمن هذا المفهوم والإطار، لهذا لم يؤد أي اتفاق بين إسرائيل مثلاً والفلسطينيين، إلا إلى ضياع أكبر لأراضيهم وحقوقهم، ولم يحل لهم أي مشكلة. الاتفاقيات بالمنظور الأمريكي الإسرائيلي، هي وسيلة لتنفيذ سياسات مرسومة مُسبقاً، وليس لحل أي إشكالية مع أي طرف.
ليس المطلوب حل مشكلة البرنامج النووي أو البالستي الإيراني، كما يتصور النظام، والذي لن يُسمَح بهما مطلقاً، وإنما كما تُخطِطُ له سياسات نتنياهو، الارتماء بأحضان إسرائيل، والمشاركة بحصار الوطن العربي، خصوصاُ بعد اندلاع حركات شعبية واسعة، والرفض الدائم المستمر للشعوب العربية للانفتاح وتقبل إسرائيل والتعامل معها، وما يُشكله ذلك من خطر وجودي، ولو بعيد المدى لهذا الكيان.
المطلوب إذن أن تقبل إيران بهذا التحالف كثمن لرفع الحصار، وهذا ليس بالمستحيل، عندما نرى كيف تتصرف الأنظمة الديكتاتورية الفاقدة للشرعية الشعبية لاستمرار وجودها، فهي مستعدة لأي شيء حتى تبقى بالسلطة، كما حصل سابقاً مع معمر القذافي، حين تخلى عن برنامجه النووي بعد الحرب العراقية، وكما نرى هذه الأيام، ما يفعله الرئيس الكوري الشمالي، من انقلاب تام بسياساته والاتجاه نحو التحاور مع أمريكا، بعد كل هذا الصخب النووي والتهديدات لأمريكا، والتي كانت مبنية على إمكانية حقيقية، وليس وهمية كإيران.
لا يجب أن نستبعد إنقلاباً بالسياسة الإيرانية في نفس الاتجاه، للحفاظ على الملالي بالسلطة، وخصوصاً وأن الشعب الإيراني، بنسائه ورجاله، أظهر معالم واضحة، من خلال عدة حراكات شعبية، للتخلص من هكذا نظام.
وحدها الأنظمة الديمقراطية من تكون عصية على التبعية والشراء، لأنها تُعبر عن إرادة حقيقية للشعب، ولا تسعى للبقاء بالسلطة كهدف بحد ذاته. إزاء مثل هذه الأنظمة لا تستطيع الشعوب الحرة، سوى التصدي لسياسات إسرائيل وأمريكا، وذلك هو الهدف وليس البحث عن حلول لمشاكل وهمية.
لكن الأنظمة الاستبدادية لا تقوى إلا على شعوبها، وهي لينة بيد الأعداء والأنداد، وهذا ما أتوقع حدوثه مع ملالي إيران.

أرمينيا تعري أنظمة الديمقراطية المزيفة. القدس العربي ١٢ حزيران ٢٠١٨

أرمينيا تُعري أنظمة الديمقراطية المزيفة

د. نزار بدران


May 12, 2018

قد لا تكون أهمية الدول فقط بحجمها وقوتها، بقدر ما تكون بالنموذج الذي تُعطيه للعالم. أرمينيا هذه الأيام تعطينا هذا الاشعاع الحضاري، الذي افتقدناه بدولنا، وتُعري تلك الأمم الكبرى، التي تدعي الديمقراطية، بينما تُمارس عكس ذلك تماماً.
أرمينيا دولة صغيرة في القوقاز، لا تزيد مساحتها عن فلسطين التاريخية، يسكنها 3 ملايين نسمة، محصورون بين تركيا وأذربيجان وإيران، كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي، حتى استقلالها عام 1991، وهي مرتبطة منذ ذلك التاريخ، بشكل أو بآخر مع روسيا، خصوصاً منذ عام 2013، بعد دخولها الاتحاد الجمركي، الجامع لبعض الدول الشيوعية سابقاً، بقيادة الروس.
نهض الشعب الأرميني الصغير، عن بكرة أبيه، بقيادة النائب المعارض، نيكول باشتيان، قبل بضعة أسابيع، لإسقاط حكم الرئيس، سيرج ساركسيان، الذي تبجح بالديمقراطية، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، ولكنه بالواقع ورث أساليب أرمينيا السوفييتية، بلباس مُزيف ديمقراطي، فالتبادل السلمي للسلطة، كانت تعني للسيد ساركسيان، أن تُغير السلطة موقعها من رئاسة الدولة إلى رئاسة الوزراء والعكس، ويُبدل هو منصبه للحاق بها، بدل أن يكون التبادل بين الأغلبية والمعارضة، وهو ما حاول عمله مُفجراً موجة المظاهرات الأخيرة، وكانت أول مواجهة بين الطرفين قد حدثت عند انتخابه لأول مرة عام 2008، مما أدى يومها لمقتل عشرة متظاهرين.
هذا ما تعلمه السيد ساركسيان وحزبه الجمهوري، من صديقه في موسكو، فلاديمير بوتين، والذي انتقل من موقع رئاسة الدولة إلى رئاسة الوزراء، قبل العودة مرة أخرى للمنصب الأول، مُتحايلاً على الدستور، أي أنه لم يترك السلطة منذ 18 عاماً، وما تم التبادل عليه هو فقط، الموقع الذي يُسيطر من خلاله على السلطة.
عرت أحداث أرمينيا الأخيرة نفاق أنظمة كهذه، حيث يلحق الزعيم المُلهم لشعبه بالسلطة، ويتلاعب بها ككرة الطائرة، حيث يلتقطها بمهارة من أي مكان تذهب اليه.
كما عرى النموذج الأرميني الجميل ايضاً، دُعاة الديمقراطية المُزورة في تركيا، حيث ينتقل الرئيس، رجب طيب أردغان، بكل رشاقة من موقعه برئاسة الوزراء، إلى رئاسة الدولة، حاملاً معه السلطة وكل صلاحياتها، وكرفيق نضاله في روسيا، يُغلق الصحافة الحُرة، ويَزُج بمنتقديه في السجون، حتى لا يسمع أحد كلمة الحق.
قُرب أرمينيا من روسيا وتركيا، يُقلق بكل تأكيد، أنظمة الزيف لهاتين الدولتين، على صغرها وقلة مواردها، لأنها تُعطي للشعب الروسي والشعب التركي، النموذج الحي لما يجب أن يكون عليه الحال، حتى تسترد روسيا وتركيا، عافيتهما الديمقراطية الحقة، بدل زيف الادعاءات الشعبوية، والتراجع الديمقراطي والحريات العامة، وإهدار طاقات البلاد بحروب داخلية وخارجية لا طائل منها.
أرمينيا الصغيرة، بكل تأكيد، تُثير حفيظة حكام موسكو وأنقرة، وقد تقع فريسة لضغوط هاتين الدولتين، عن طريق تحريك الصراعات القديمة، بين أذربيجان وأرمينيا، في منطقة كاراباخ العليا، ذات الأغلبية الأرمينية، والتي شهدت حربا بين الدولتين لست سنوات، بين عام 1988 و 1994، مُجمدة حالياً من دون سلام حقيقي، أو استعمال وسائل ملتوية أخرى.
كان قائد الحراك الأرميني، النائب باشتيان، قد قطع لحد الآن، الطريق أمام هذه التدخلات، لأنه لم يطلب دعم أمريكا وأوروبا، ولم يضع علاقاته بروسيا، كشأن داخلي مُختلف عليه، والذي قد يُبرر تدخلا روسيا خارجيا، كما حدث بأوكرانيا، عندما قام الحراك الشعبي هناك، باللحاق بالاتحاد الأوروبي والابتعاد عن الروس، وهذا ما أعطى الحجة وقتها للتدخل الروسي العسكري، وإشعال الحرب بأوكرانيا عام 2014، ولكنه ركز على الفساد بالسلطة، وزيادة الفقر والبطالة والتلاعب بالدستور وإرادة المواطنين، لشرعنة البقاء بالحكم.
نأمل لأرمينيا السلامة، فهي صغيرة بحجمها ولكنها كبيرة بفعلها، وقد يحرك هذا الفعل، اختصاصيي التبادل السلمي المزور للسلطة، حتى لا تصبح نموذجاً لشعوبها. نأمل أن يصبح النموذج الأرميني إحدى المنارات التي تضيء الطريق للحرية، وإصرار الشعوب على حكم نفسها بنفسها، وخلع وصاية القادة الملهمين.

كاتب عربي مقيم في فرنسا

قطر ووهم النجاح الاقتصادي والاستقلال

قطر ووهم النجاح الاقتصادي والاستقلال

نزار بدران

الحصار الذي تفرضه السعودية، ومن دار حولها على قطر، قد يكون له أسبابه، معلنة أو خفية، وقد يكون أيضاً، وسيلة للوصول لأهداف لم تستطع السياسة الهادئة تحقيقه، نذكر منها مثلاً، الرغبة بإحكام السيطرة على وسائل الإعلام الخليجية، وقد يكون أيضاً الانتقام من الدولة العربية ألوحيدة التي لم تقف ضد الربيع العربي بتونس أو مصر عام 2011.

ولكن التغييرات التي حدثت بالسياسة ألقطرية بعد تراجع الربيع العربي، وتقدم الثورة المُضادة بقوة، كان يجب أن يشفع لهذه الدولة، فالأمير ألأب قد أُخرج من المسرح السياسي، وقناة الجزيرة الحرة، لم تعد كما كانت، والرأي والرأي الآخر، لم يعد شعاراً يُناسب توجهاتها، وقد أحجمت تماماً عن انتقاد الحرب السعودية باليمن، وخصوصاً الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان بتلك الحرب، والتي أشارت إليها تقارير عدة لمجلس حقوق الإنسان، ومنظمات غير حكومية عديدة.

انحازت قطر الحاكم الجديد الإبن للسعودية، بالواقع والملموس، فلماذا هذا الهجوم وهذا الحصار، حتى موقفها من إيران، لا يُبرر برأينا ذلك، فقطر شاركت إلى جانب السعودية بالحرب على الحوثيين، حلفاء إيران وذراعها باليمن، موقف قطر من الإخوان المسلمين وحماس، أصبح متذبذباً، وفقد من صلابته السابقة، كما حصل بتركيا.

ولكن لو ربطنا زيارة ترمب، ومئات مليارات الدولارات، التي حصل عليها من دول الخليج، وخصوصاً السعودية، مقابل حماية أنظمتها من ربيع مُحتمل، قد يكون هو السبب الحقيقي. فقد يكون الحكم بقطر، قد رفض الانصياع التام، لدفع الجزية المفروضة، لاعتقاده أن له حصانة شعبية محلية وعربية وعالمية. موقف ترمب الداعم للسعودية أولاً، بتغريداته المُتعلقة بربط قطر بالإرهاب، قد تسير بهذا الاتجاه، على قطر إذن أن تدفع الكثير كغيرها، لسيد المنطقة، وإلا فلا مستقبل لها.

التهديد المفاجيء والغير متوقع لقطر، يضع اقتصادها ومستقبلها بمهب الريح، وكل ما بنت وعمرت، ومليارات الدولارات المصروفة، لبناء اقتصاد متنوع، أو المُبذرة (98 مليار) للتحضير للالعاب الأولومبية وغيره.

هل تستطيع حقاً دولة كقطر، أن تبني وتنجح، بشكل دائم ، وهل هناك شروط لم تتحقق بالنموذج القطري لاستمراريته. أظن أن التجمعات الاقتصادية العالمية الكبرى، لم توجد عفواً، ولكنها كانت الوسيلة لحماية الدول المشاركة، من خلافاتها الداخلية أولاً، ومن التهديدات الخارجية ثانياً، اقتصادياً كانت أو عسكرياً، لذلك نجح تجمع الاتحاد ألأوروبي بتأمين السلم والأمن والتضامن الداخلي، وحماية نفسه من أطماع الدول الكبرى الأخرى.

لماذا لم ينجح مجلس التعاون الخليجي، كما نجحت أوروبا، ولو على مستوى أقل بكثير، ولماذا لم يحمي المجلس قطر، وتحول بالعكس، إلى خطر وُجودي لها. السبب هو أن التجمع بنفسه لا يكفي، فهو يجب أن يُبنى على أُسس ديمقراطية، تضع مصلحة شعوبه أولاً بالمنظار، هذه البُنية الديمقراطية، توفرت بأوروبا، وانعدامها كان سبب زوال حلف وارسو الشيوعي على عظمته، هي ليست متوفرة بدول المجلس، والتي لم تُقيم تجمعها، إلا بهدف حماية الأنظمة المُشكلة لها، وليست حماية هذه الشعوب، من الأخطار الداخلية والخارجية.

لن تستطيع أي دولة عربية حقيقة، أن تبني نفسها بمنأى عن الدول الأخرى، ولن يستطيع أي تجمع عربي، اقتصادي أو سياسي النجاح، إلا إذا بُني على أُسس ديمقراطية.

المثل اللبناني واضح بذلك، فتلك الدولة، والتي بناها الرئيس رفيق الحريري، عى مدى عشرين عاماً، بعد انتهاء الحرب الأهلية، دمرتها إسرائيل عام 2006 بشهر من الغارات الجوية، وأطاحت بكل نجاحات الحريري والشعب اللبناني الاقتصادية رغم أن الرئيس الحريري، لم يكن معروفاً عنه عداءه الشديد لإسرائيل أو الغرب، بل كان صديقاً لأمريكا وأوربا الحميم.

لن يحمي قطر أو لبنان أو غيرها، إلا تجمعات عربية ديمقراطية، تستطيع أن تدافع وتحافظ على إنجازاتها، وتمنع الخلافات العقيمة بينها، فمثلاً لا يُتصور أن يعتدي أحد على البرتغال، أو حتى إمارة موناكو أو لوكسمبورغ بأوروبا، مهما كانت هذه الدول صغيرة، ولا أحد يستطيع يوماً، الاعتداء على هونج كونج الصينية، أو أي مدينة بالهند.

التكامل الاقتصادي والسياسي للدول العربية، وبناء أنظمة مبنية على الديمقراطية والخيارات الشعبية ولصلاحها هي الوحيدة ألكفيلة بحماية الانجازات الاقتصادية وغيرها، وتمنع كائن من كان من التفكير بالاعتداء عليها، أو على أي عضو منها.

الهجمات الغربية في سوريا عقاب أم رفع عتب؟ د. نزار بدران Apr 17, 2018 القدس العربي

الهجمات الغربية في سوريا عقاب أم رفع عتب؟

د. نزار بدران


Apr 17, 2018

الهجمة الأمريكية بمشاركة أوروبية ضد المنشآت السورية المشتبه بها بتصنيع الغازات الكيميائية، هي أقرب لعملية رفع عتب أمام الرأي العام الغربي، من عقاب وردع حقيقيين للنظام السوري.
الواقع الإنساني منذ سبع سنوات، يبرر لشدة فظائعه، تدخل الدنيا كلها لوقف من قتل المدنيين بمئات الآلاف وهجر شعبا بأكمله، ودمر مدنا لها تاريخ منذ آلاف السنين، ولكن الذهن الرسمي الغربي لا يتحرك إلا عند نوع واحد من الإجرام، وهو فقط ما يحرك ذاكرتهم التاريخية، ويعيد لمخيلتهم أهوال الحرب العالمية الأولى، أي أهوال إستعمال الغازات السامة في ذلك الحين.
في المقابل فإن الحرب في سوريا تركت بالذاكرة السورية أهوال البراميل المتفجرة والتعذيب حتى الموت، وتجويع السجناء وعودة صور الهياكل العظمية بالآلاف. بالإضافة للموت المتكرر بالغازات السامة وصور الأطفال الموتى وتعميم اغتصاب النساء كسلاح..
لا ترى أمريكا وأوروبا، ولا تتحركان إلا في مواجهة من يحرك ذاكرتهما ومشاعرهما الآتية من تاريخها، لا لما يقوله الواقع اليومي للشعب السوري..
ليس لنا إذن أن ننتظر شيئا من هؤلاء، ولكن تعاسة الموقف الغربي الرسمي لا يعني أن ذلك يعبر عن الرأي العام، والعمل الدؤوب لديه هو أفضل وسيلة للضغط على المواقف الرسمية.
وحده صمود الشعب السوري بإنتظار المعجزة من سيغير المعادلة، المعجزة هي سقوط النظام الإيراني، وهذا الشعب علمنا أنه وإن تحمل الظلم؛ إلا أنه لن يقبل أن يبقى محكوما من الملالي، وله تاريخ ثوري عريق منذ إسقاط النظام الملكي إلى الثورة الخضراء عام 2009، والأحداث الأخيرة قبل ثلاثة أشهر.
المعجزة الأخرى هو تغير الوضع في روسيا، وظروف سقوط الإتحاد السوفييتي الذي لم ينتظره أحد، بدأت تجتمع من جديد من سباق التسلح المكلف مع الغرب، كما بزمن نهايات الحرب الباردة أو الحروب الخارجية كما حدث في أفغانستان وسقوط الحكم الشيوعي السوفييتي بوحل هذه البلاد، كما يحدث الآن في سوريا إضافة للفشل الاقتصادي وتوغل حكم المافيا.
وأخيرا معجزة الصحوة العربية الشعبية، وإن كان ذلك حاليا بأجواء الثورات المضادة المفرطة بالعنف، مستبعد الحدوث في وقت قريب، بسبب تكالب قوى الاستبداد العربية والعالمية، وغياب أي دعم من القوى الديمقراطية، إما بسبب ضعفها أو ضغط اللوبيات الصهيونية، فنحن نعلم أن إسرائيل ليس لها أي مصلحة بتغيير الأنظمة العربية حليفتها الأولى. ودعمها للانقلاب العسكري في مصر أوضح دليل على ذلك..
ومهما ازداد الظلام فهو لا يمنع ظهور الفجر، وخصوصا فجر المفاجآت المنتظرة، كما رأينا بكل مناطق العالم؛ من سقوط الأنظمة الشيوعية في آسيا وأوروبا الشرقية، أو العسكرية في أمريكا اللاتينية، أو حكم البيض العنصري في جنوب أفريقيا.

كاتب عربي مقيم في فرنسا

الإنتخابات الرئاسية الروسية أو ديمقراطية النظام الديكتاتوري

الانتخابات الرئاسية الروسية أو ديمقراطية النظام الديكتاتوري

د. نزار بدران

Apr 10, 2018

عشنا قبل أسابيع الانتخابات الروسية المحسومة سلفا وبشكل مسبق، لصالح الرئيس فلاديمير بوتين، المُرشح الوحيد عملياً، لعدم تمكُن المرشحين الجِديين من التقدم لهذه الانتخابات، وقد جرى إبعادهم بالقوة أو بالقضاء. وطوال 18 عاما من حكم بوتين، لم تحصل في روسيا انتخابات حقاً حرة.
إن أوهام النظام بحصوله، على دعم شعبي واسع، مع رفضه القيام بانتخابات حرة تعددية، هو دليل خوفه من الشعب الروسي، وإلا فلماذا تُمنع المُعارضة من الوجود والتعبير عن آرائها بحرية؟.
لقد تعددت أشكال الوصول للسلطة عبر التاريخ وعبر القارات، إما بالقوة التي تطرد نظاماً ليحل محله نظام آخر، وهي الصبغة الأكثر انتشاراً تاريخياً، أو بالثورات العنيفة والتي توصل للسلطة مجموعة تستولي عليها نهائياً، إلى أن تذهب بدورها بثورة أخرى، أو بالانهيار الداخلي بسبب تعارض مصالح ورؤى الطبقة الحاكمة.
تُحاول السلطة الجديدة دائماً، إضفاء صورة الشرعية على وجودها، عن طريق التذرع بأشكال مُتعددة، فهي إما شرعية الوراثة، الآتية من حق العائلة مالكة السلطة، أو بالشرعية الدينية أو الإلهية (من سلالة الرسول أو لتطبيق شرع سماوي) كما نرى بعدد من الدول العربية والإسلامية، أو بشرعية الثورة التي أوصلتها كما نرى بإيران أو كوبا والدول الشيوعية سابقاً.

شرعنة الوصول إلى السلطة

كانت هذه الأساليب لشرعنة الوصول للسلطة، صبغة الإنسانية على مدى قرون عديدة منذ بدء التاريخ، وأسست لبناء كل الإمبراطوريات من أقصى الأرض إلى أدناها. لكن هذا المفهوم للسلطة انتهى مع بزوغ فجر الحضارة الحديثة، والتي أسس لها التطور الصناعي والثورات الاجتماعية في أوروبا، وخصوصاً الثورة الصناعية في بريطانيا وما تبعه من الثورة الفرنسية وعصر الأنوار، والتي أوصلت مفهوم المواطن والمواطنِة، بدل الراعي والرعية. وقد تحول مصدر الشرعية للسلطة من الراعي إلى الرعية أي المواطن.
منذ ذلك الوقت، دخل تدريجياً مفهوم الوصول للسلطة عن طريق الانتخابات العامة، وما تبعه من مفهوم شرعية السلطة المُستمدة من الشعب مباشرة، في هذه الدول الشعب هو مصدر كل السلطات، ويُعبر عن ذلك بانتخاب من يُمثله، وإزالتهم عند الضرورة.
كل الشعوب التي تريد أن تدخل عالم التطور والثبات السياسي والاجتماعي، تتبنى النُظم الديمقراطية، نرى ذلك شرقاً وغرباً، فمن ألمانيا إلى اليابان، ومن كوريا الجنوبية وأستراليا، إلى جنوب أفريقيا أو الهند والبرازيل والأرجنتين وتشيلي ودول عديدة في العالم الثالث سابقاً.
الانتخابات بالنظم الديمقراطية، هي وسيلة الشعب للتعبير عن نفسه، بمعنى معرفة القوى والتيارات المُؤثرة به، تعدد هذه التيارات وقوتها هو دليل حيوية الديمقراطية والشعب الذي يحملها، الانتخابات إذن هي كالصورة اللحظية، التي تُظهر المجتمع على حقيقته وتحدد مكوناته وصراعاته الداخلية، نُقاط قوته ونقاط ضعفه، وتوصل للسلطة الأغلبية، والتي تُعبر في كثير من الأحيان عن تحالُف مجموعة من القوى الاجتماعية، وتترك بالمُقابل بمقاعد المُعارضة للقوى المُتبقية، بانتظار دورها المُستقبلي، بالتبادل السلمي للسلطة. لعبة التحالفات هذه للوصول إلى أغلبية النصف زائد واحد، قد تطول أسابيع وأشهرا، كما رأينا بآخر انتخابات ألمانية، هذا ليس دليل ضعف الديمقراطية بل حيويتها، دورية الانتخابات وتتابعها، يُبين التطورات الحادثة والتغيرات الاجتماعية على مدى العقود المُتتابعة ومعرفة النفس الناتجة عن ذلك، والتي هي أساس القوة الحقيقية (من نحن وماذا نريد).
الفصل بين السلطات والإعلام الحر، مكونات المجتمع المدني المُستقلة عن السلطة كالنقابات والاتحادات والجمعيات، كتابات المُفكرين والمُثقفين، ولكن أيضاً وخصوصاً، ذكاء ومعرفة المواطن واهتمامه بالشأن العام، مُعطيات حياته اليومية والصعوبات التي يواجهها، هو من يدفع إلى انتمائه، وتصويته لهذا التيار أو ذاك، والذي يشعر أنه يُعبر عنه، المواطن هو المسؤول الوحيد عن هذا الاختيار، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بعد الاستفتاء، نموذج لذلك، حيث أصر الناخبون على الخروج، رغم الحجم الإعلامي والسياسي الضخم للاتجاه المُعاكس.
هل تنطبق هذه المعايير على الانتخابات الروسية الأخيرة، وحتى ما قبلها ومنذ 18 عاما؟ هل عبر كل مُكون من المجتمع الروسي، أي القٌوى الفاعلة داخله، عن وجودهم وحجمهم واحتياجاتهم وما يودون الحصول عليه، هل ظهر كباقي الدول الأخرى، بهذه الانتخابات، قوى يمين ويسار متوازنة، قوى محافظة واخرى ليبرالية، كما هو الحال داخل أي مجتمع ديمقراطي آخر؟.
هل من المعقول أن لا يستطيع الشعب الروسي إلا الاختيار بين بوتين وبوتين، فكل المنافسين الآخرين، أُخرجوا من الصورة، وقُدم للشعب أسماء لا يعرفها، إلا أقاربهم المُقربون، ولا يمثلون أي تيار سياسي أو كتلة أجتماعية روسية، باستثناء بقايا الحزب الشيوعي المُحطم، والذي لفظه الروس منذ سنوات.
هل من المعقول ألا يجد الروس إلا مُمَثلا واحداً لهم، رغم تناقضاتهم العميقة ومصالحهم المتضاربة. هل حقاً أن المواطن الروسي، يدعم بوتين لاستعادة هيبة الاتحاد السوفييتي، عن طريق إرسال أبنائه لساحات القتال الخارجية في أوكرانيا وسوريا وغيرهما، وما زالت ذكرى أفغانستان حاضرة، وما زالت حاجاته الأساسية من غذاء ودواء وتقاعد وعمل وبُنية تحتية، غير كافية، هل حقاً المواطن الروسي فخور بذلك، بينما المصانع الروسية لا تصنع إلا الأسلحة، بدل وسائل حياته اليومية، وبينما مُعدل دخل الفرد الروسي، في أحسن حالاته، هو بالمرتبة 55 في العالم، أي بعد بولندا وهنغاريا ودول شيوعية سابقة.
هل يُتوقع من العامل الروسي، أن يؤيد سياسات بوتين الصناعية، عندما ينخفض الانتاج الصناعي فجأة عام 2017، إلى ناقص 8،4%، ومن المزارع الروسي، ومعظمهم من صغار المزارعين، حينما تتراجع مكانة الزراعة بالاقتصاد الروسي، من 15،4% عام 1990، إلى 4،2% عام 2014، وذلك حسب إحصائيات الصندوق الدولي، علماً أن روسيا تحتوي على أكبر مساحة أراض زراعية في العالم.
هل الأطباء والمرضى والقطاع الصحي الروسي، سيدعمون سياساته الصحية، عندما تفتقر القرى والمناطق النائية، للغطاء الصحي الكافي، ويزداد انتشار بعض الأمراض، مثل فقدان المناعة المُكتسب (الأيدز)، حسب المنظمة المُختصة في الأمم المتحدة، بينما يتراجع في مناطق أخرى كثيرة من العالم. الشيء نفسه يمكن ذكره في مجالات اقتصادية عدة، فلماذا إذن لا يسمح لكل هؤلاء بالتعبير عن مشاكلهم وهمومهم في إطار انتخابات ديمقراطية عن طريق اختيار مرشحين ينطقون بإسمهم ويدافعون عن مصالحهم؟.

20 مليون شخص تحت خط الفقر

نسبة الذين يعيشون تحت حد الفقر، مشكلة اعترف بوجودها وتفاقمها، رئيس الوزراء ميدفيديف، وصل عام 2017 إلى حوالي 20 مليونا، بدل 16 مليونا عام 2014، حسب إحصائيات البنك الدولي، من عدد سكان إجمالي 143 مليون، بدل 149 مليون عام 1992، عند انهيار النظام الشيوعي.
اعتماد الاقتصاد الروسي بشكل رئيسي، على عائدات الغاز والنفط، وعدم وجود سياسة اقتصادية بنيوية فعالة للصناعة والزراعة، بالإضافة للعقوبات الغربية بعد انتزاع القرم، وانهيار أسعار الطاقة، ساهم بشكل كبير بالتدهور الاقتصادي للبلاد.
“توجد بالعالم حالتان بين الدول تصلُحان لأن تكونا لنا درساً، فهما تجربتان تاريخيتان؛ ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية، كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، كل منا يستطيع استنتاج العبر لوحده من هذه الأمثلة”، هذا ما قاله بوتين أثناء حملته الانتخابية عام 2012، وأردف أيضاً، “أن النظام الشيوعي كان تفاهة تاريخية، وأجبرنا على الركض خلف الدول المتطورة اقتصادياً، كنا بمأزق، بعيدين عن بقية الحضارة بالعالم”.
هذا ما قاله عن روسيا، أين هي روسيا اليوم عام 2018، وهل حقق اللحاق بركب الحضارة العالمية والاقتصاد العالمي المُزدهر؟ الحقيقة أنه استمر بالنهج الشيوعي نفسه حتى ولو تشدق بانتقاده وتجريحه، وهو الرئيس السابق للمخابرات السوفييتية.
وما نراه الآن، هو أن روسيا بوتين، تسير وبسرعة على الطريق نفسه الذي أدى إلى انهيار الاتحاد السوفييتي، وبظروف وشروط أسوأ وامكانيات بشرية ومادية أقل، هو طريق الحروب الخارجية المُكلفة، وسباق التسلح مع الولايات المتحدة، بوتين هو إذن من يُعرض روسيا للخطر ويعطي الغرب من جديد وسائل النجاح.
في روسيا اليوم، تُمنع الصحافة الحرة، ويُسجن المعارضون أو يُقتلون، وتُستعمل العدالة لتكبيل المُعارضة، ويُوجه الإعلام الرسمي كله لصالح النظام، وتمجيد الفرد الواحد القائد المُلهم، واحياء الروح القومية الشوفينية، في هذه الأجواء، تجري الانتخابات الرئاسية ويفوز بها بوتين بأكثر من ثلاثة أرباع الأصوات.
الانتخابات التي يُجمِعُ بها الشعب، هي بالحقيقة وسيلة النظام لتهديد المُعارضة، وإبلاغها أن لا مكان لأي صوت مُعارض، فلو قبل النظام لينجح بنسبة 51 % فهذا سيُجبره على القبول بمبدأ وُجود معارضة، لها الحق بالتعبير والوجود، ومستقبلياً التبادل السلمي للسلطة، هذا منطق الديكتاتوريات لكل الدول، وفي حالات الدول العربية، يرفعون النسبة إلى حوالي 99 %.
العملية الانتخابية هي إذن هدف بحد ذاته، وليست وسيلة لمعرفة القوى الفاعلة بالمجتمع. في هذه الحالة، السلطة الروسية، ستكون عمياء وصماء، لا تسمع المواطن الروسي ولا تفهم مشاكله، فهي ترفض رؤيتها أصلاً. هذه النقطة بالتحديد، من سيؤدي قريباً أو بعيداً إلى تفاقم الأوضاع، والتناقضات مع السلطة، ويكون أحد أسباب التغيير الديمقراطي الحقيقي المأمول، وعودة روسيا القوية بأهلها وثقافتها وعلمها وانفتاحها ونموذجا للحرية بالعالم.

الدرس اللاتيني لعسكر مصر… الإختيار بين الانسحاب أو الانهيار د. نزار بدران Feb 14, 2018


د. نزار بدران


Feb 14, 2018

بعد أسابيع قليلة سيتوجه الناخبون المصريون )أو لا يتوجهون( إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس للجمهورية، وليس لهم عملياً إلا مرشح واحد، وهو الرئيس ألحالي عبد الفتاح السيسي. الكل يعرف وعلى رأسهم الرئيس، أن النظام المصري الحالي لا يسمح بأي شكل من أشكال التعبير الحر الديمقراطي، فكيف سيسمح بانتخابات تنافسية، وتصريحاته الأخيرة تؤكد ذلك.
لم تعرف بلاد العرب حتى الآن، انتقالا سلميا للسلطة، بين المؤسسة العسكرية ومؤسسة الأحزاب، كما حدث في بقاع أخرى بالعالم، هذا ما حدث في البرازيل عام 1985، أو تشيلي عام 1989، أو الأرجنتين عام 1983 أكبر دول بالقارة الامريكية الجنوبية.
انسحب العسكر في هذه البلاد الثلاثة، بعد فشلهم بإدارتها، واستبقوا الأحداث، بموافقتهم ولو بتردد وحيطةٍ، بالعودة لثكناتهم، بدون ثورات ولا دمار إضافي.
إنه لمن المفيد دراسة وفهم ومقارنة الأنظمة العسكرية في أمريكا اللاتينية، مع النظام العسكري المصري، فمنطق العسكر، بكل بقاع الأرض متشابه، وكذلك رد فعل الشعوب.
وصلت الحكومات العسكرية في أمريكا اللاتينية، في مرحلة الحرب الباردة، وبدعم واضح، أو حتى بتحريض من وكالة المخابرات الأمريكية، أول هذه الانقلابات كان في البرازيل، حيث انقلب الجيش على الرئيس المُنتخب جاو جولارت، رئيس حزب العمل البرازيلي، بالأول من نيسان/ابريل عام 1964 وكان ذلك رداً على الثورة الكوبية بقيادة فيدل كاسترو،التي افزعت الكثير، حيث تم تشجيع الجيش على التمرد للإطاحة بالرئيس المنتخب، وقام الرئيس جونسون بزمنه بالاعتراف فوراً بالنظام العسكري الجديد، لإضفاء طابع الشرعية عليه، بالإضافة لوضع قطع بحرية أمريكية أمام سواحل العاصمة البرازيلية، لدعم الانقلابيين إن استدعت الأحداث ذلك. عودة الديمقراطية للبرازيل تمت على مدار سنوات عدة، بعد التصويت على قانون العفو العام لعام 1979.
في الأرجنتين بدأ حكم العسكر، بانقلاب على الحكم المدني البيروني عام 1976، ولكن هؤلاء كانت لهم تجربة قديمة بالانقلابات والعودة للديمقراطية منذ عام 1930، حيث حصلت ستة انقلابات عسكرية، وهذا ما يُشبه تبادل السلطة بين الحكم العسكري والحكم المدني الديمقراطي، تميز آخر انقلاب بالعنف المُفرط، الكل يتذكر مظاهرات أمهات وزوجات المخطوفين كل خميس، بإحدى ساحات العاصمة الأرجينتينية بوينس أيروس، انتهى حكم الجنرالات بعد الحرب الخاسرة، التي خاضوها لاستعادة جزر الملاويين، من بريطانيا زمن مارغريت تاتشر عام 1982، والتي أدت إلى فقدانهم التام لأي قاعدة اجتماعية، وعودة الديمقراطية عام 1983، بانتخاب الرئيس راؤول الفونسين.
في تشيلي وصل الجنرال أوغستو بينوشيه للسلطة عام 1973، بعد انقلاب دموي على الرئيس المنتخب الإشتراكي سلفادور أليندي، بدعم من المخابرات الأمريكية، ووزير الخارجية في ذلك الوقت هنري كيسنجر، ترك العسكر السلطة تدريجياً، وعادت الديمقراطية بعد الاستفتاء الخاسر عام 1988، والإنتفاضة التي تلته.
أوجه الشبه مع الحالة المصرية عديدة، فالدعم الأمريكي كان مُعلناً وواضحاً بالنسبة لأمريكا اللاتينية، وهذا الشيء نفسه بالنسبة لمصر، بالإضافة لتحالفها القوي مع إسرائيل.
نلاحظ في جميع هذه الدول استغلال الجو الديمقراطي للحكم المنتخب، لتأليب جزء من الشعب، كما حدث بالبرازيل، مع خروج مئات آلاف المتظاهرين ضد الرئيس جولارت، أو الاضطرابات الكبيرة بقطاعات عدة في تشيلي ضد الرئيس أليندي، او الخلافات داخل اجنحة السلطة بعد عودة الرئيس بيرون من منفاه إلى وطنه الأرجنتين، وهو ما كان مبِرراً للإنقلاب تحت شعار تحقيق مطالب الجماهير، هذه القوى النقابية والسياسية، التي تُمنع فوراً بعد نجاح الانقلاب من القيام بأي احتجاج أو عمل شعبي أو تظاهر، وتضييق الخناق عليها، ولا يُقبل منها إلا السير وراء السلطة الجديدة.
الرقابة الكاملة على الإعلام بكل أشكاله هي أيضا صفة دائمة، فلا صوت يعلو فوق صوت أبواق النظام، وتطول هذه الرقابة مجالات الأدب والثقافة والفن ( الموت المشبوه لصاحب جائزة نوبل للآداب الشاعر بابلو نيرودا عشرة أيام بعد انقلاب التشيلي)، وليس فقط الإعلام المكتوب والمرئي، هذه الأبواق لا تتكلم عن نظام عسكري، ولكن كما حدث في البرازيل، تسميه بالنظام المدني العسكري.
كان التضييق الكبير على الحريات العامة، والاعتقال والتنكيل بالمعارضين، وسياسة الخطف والإخفاء القسري، مُتبعة بشكل واسع في أمريكا اللاتينية، وهذا هو الحال أيضاً في مصر، كذلك هروب جزء من المعارضين إلى الخارج.
تبرير القمع المُمنهج، بالخطر الآتي من الشيوعيين أو الحركات المسلحة، التي لم توجد حقاً إلا بعد الانقلاب، وفي الحالة المصرية الإرهاب الإسلامي (المُحتمل كما قال السيسي يوم انقلابه على الديمقراطية)، هذه الحركات المسلحة كانت بالواقع رداً على النظام العسكري وليست سببا له. ولتبرير كل شيء والتخلص من أدنى معارضة رفع الجيش كذلك شعار أمن الوطن وحمايته، فعدد القتلى بالأرجنتين مثلاً، زمن الحكم العسكري، بلغ ما بين 15 إلى 30 ألفا ومليون ونصف المليون لاجئ بالمنافي، وعشرات آلاف المختفين.
تميزت هذه النظم في أمريكا الجنوبية أيضا بالدفع في اتجاه مزيد من الشوفينية الضيقة، والفكر القومي القريب من الفاشية وتبني صبغة دينية كاثوليكية أصولية والذي أستعمل كوسيلة تعبوية شعبوية على شكل واسع ضد المد الثوري اليساري.
يضاف إلى ذلك المحاولات المستميتة لإعطاء غطاء ديمقراطي للنظام الاستبدادي، عن طريق انتخابات شكلية محسومة مسبقاً، أو كما حدث في البرازيل، تبادل السلطة بين الجنرالات أنفسهم دوريا والإبقاء على بعض الوجوه المدنيةً.
اتباع سياسة اقتصادية موغلة في الليبرالية، تُفقر الفقراء وتُغني الأغنياء، تحت شعار التنافس الحر العالمي، والإصلاح الاقتصادي، وخصخصة معظم القطاعات، بما فيها كالحالة التشيلية، القطاع التعليمي الجامعي والصحة، بناء على نصائح ما يُسمى، شيكاغو بويز، من جامعة سانت ياغو، ومنظرهم الأمريكي الليبرالي المُتطرف، ملتون فريدمان. واستيلاء العسكر على أهم مصادر الثروة، وإدارتها دون حسيب ولا رقيب ولصالحهم فقط.
استطاعت الأنظمة العسكرية تثبيت نفسها، عن طريق التحالف مع بعض القوى السياسية والاجتماعية، الآملة بالمشاركة بالسلطة والثروة، كما حدث مع نقابات عمالية ومهنية (أطباء، سائقي ناقلات الشحن في تشيلي)، وكذلك في البرازيل والأرجنتين، حيث يتمتع العسكر تاريخياً بدعم بعض شرائح المجتمع.
النظام المصري أيضاً تحالف مع البرادعي الليبرالي، وقطاعات من المؤسسة الدينية والاجتماعية للهدف نفسه، وكانت كل هذه التحالفات لحظية لتثبيت حكم العسكر، وليس لتقاسم السلطة.
من ناحية أخرى تكمن أوجه الاختلاف بين التجربتين الأمريكية الجنوبية والمصرية في عدة مجالات، نذكر منها النجاح النسبي والجزئي للسياسة الاقتصادية في دول الأنظمة العسكرية الثلاثة اللاتينية، ففي بداية عهده، اعتبر بعض اخصائي الاقتصاد العالميين، سياسة الجنرال بينوشيه، كنموذج يُحتذى به، ولكن السنوات اللاحقة أثبتت العكس تماماً وإفلاس هكذا نظام.
ولكن أهم فرق برأيي، هو قبول عسكر أمريكا اللاتينية، بعد فشلهم الذريع الاقتصادي، وبنواحي حياتية أخرى بالإنسحاب وعودة الديمقراطية، ولو مع ممانعة داخلية، لبعض أجنحة النظام، كمحاولة اغتيال الجنرال بينوشيه، من المؤسسة العسكرية نفسها، عند إقرار الاستفتاء الذي خسره عام 1988.
قد تكون العودة للديمقراطية أكثر قبولاً، داخل هذه الدول، بسبب وجود ثقافة ديمقراطية سابقة، حيث أنها مرت كلها بمراحل تناوب بين الحكم المدني والحكم العسكري، على مدى العقود التي سبقت آخر وصول للعسكر للسلطة، وهذا ما هو مفقود في النموذج المصري منذ وصول جمال عبد الناصر عام 1952، فلم تعرف أجيال عدة من المصريين إلا الحكم العسكري حتى ثورة كانون الثاني/يناير 2011.
في الدول الثلاث اللاتينية كان انهيار حكم العسكر ناتج عن أوضاع جديدة متردية أوصلها النظام لبلاده، ودفعه للانسحاب والسماح بالديمقراطية، فتشيلي في بداية الثمانينات، وبعد الطفرة الاقتصادية ببداية حكم بينوشيه، شهدت انهيار سعر النحاس، المادة الخام الأهم، والمصدر الأساسي للدخل، متزامناً مع ارتفاع أسعار النفط، بعد بداية الحرب الإيرانية العراقية، دافعاً النظام إلى تنظيم استفتاء أدى إلى عودة تدريجية للديمقراطية.
في البرازيل كانت النجاحات الاقتصادية ما بين 1968 و 1973 مع نمو اقتصادي سنوي بنسبة 11% أحد أسباب انضمام أجزاء من الطبقة الوسطى إلى القاعدة الداعمة للنظام، ولكن الأوضاع انقلبت تماما عام 1973 بعد الصدمة البترولية أثر حرب أكتوبر/تشرين الأول في الشرق الاوسط والتي أدت إلى التضخم المالي والتراجع الاقتصادي. أنتهى ذلك باستشعار العسكر أن لحظة التغيير قد حانت لهم فقام الجنرال المعين عام 1974 أرنستو غيزيل بوضع سياسة انفتاح أدت تدريجيا وعلى مدى عشر سنوات لعودة الديمقراطية عام 1985.
الاقتصاد الارجنتيني الزراعي وصل حدا كارثيا باعتراف وزير الاقتصاد حين ذاك دانينو باستور حيث بلغ التضخم عام 1981 300 في المئة والدين الخارجي 35 بليون دولار.
خسرت الأرجنتين بالمقابل، الحرب التي شنها العسكر، لاستعادة جزر الملاوين عام 1982، لتغطية فشلهم الاقتصادي، ما أدى لعودة الديمقراطية عام 1983، وتنظيم انتخابات عامة.
لم يُحاكم حقاً الجنرال بينوشيه لجرائمه، وكذلك جنرالات البرازيل، حيث لم يُقدم أحد للمحاكمة حتى اللحظة تحت شعار المصالحة الوطنية، عكس الأرجنتين التي ما تزال حتى اليوم تُحاكم رموز النظام السابق والذين كانوا الأكثر وحشية وإجراما. الأنظمة الديمقراطية الحالية في دول أمريكا اللاتينية الثلاث أصبحت ثابتة ولم يعد للعسكر اي دور وخرجوا نهائيا من السلطة.
في مصر لم يؤد حتى اللحظة التردي الاقتصادي أو حتى خسارة حرب 1967، إلى أي تغيير ديمقراطي للنظام، وحدها ثورة الشعب المصري عام 2011، من سمح بهذه التجربة على قصرها.
عليهم أن يعلموا، وهذا درس أمريكا اللاتينية، أنه من المستحيل الاستمرار بحكم البلاد والعباد، بالنار والحديد، وسرقة عرق الكادحين، وثروات الأوطان إلى ما لا نهاية. ولن يغير دعم أمريكا وإسرائيل لهم من ذلك شيئا.

كاتب عربي مقيم في فرنسا

القدس نهاية الحل وبداية التصدي

القدس نهاية الحل وبداية التصدي

د. نزار بدران


Jan 24, 2018

القدس العربي 24 كانون الثاني 2018

اُختصر اقتطاع فلسطين، من الأرض العربية، بداية القرن الماضي، في إطار تقاسم الإرث العثماني، بين القوى المُنتصرة في الحرب العالمية الأولى، وخلق دولة أجنبية، بمواطنين لا يتكلمون لغة البلاد، ولا ينتمون لتاريخها، وإبعاد العرب سكان فلسطين، منذ آلاف السنين، إلى مخيمات اللاجئين، أو حصارهم في بقع صغيرة على الأرض الفلسطينية المتبقية؛ اُختصر كل ذلك تحت عنوان المسألة الفلسطينية، أو النزاع العربي، أو الفلسطيني الإسرائيلي، وكأن هناك مشكلة بين كيانين، أحدهما فلسطيني أو عربي، والآخر إسرائيلي، يجب طرح حلول مبدعة لحلها، بما يتلاءم مع مصلحة الطرفين.
هذا حقيقة هو الطرح الساذج، الذي عشنا عليه سنوات عديدة، والذي لا يعكس مطلقاً بديهيات القضية الفلسطينية. هذا الطرح هو أساس كل التراجعات العربية الفلسطينية، لأنها لا تزال تبحث عن حلول لمشكلة، آخرها كان المبادرة العربية بالاعتراف بإسرائيل، من كل الدول العربية والإسلامية، مقابل الإنسحاب من ألأراضي المحتلة عام 1967، وكذلك قبلها اتفاقيات أوسلو وإقامة السلطة الفلسطينية.
لماذا فشلت هذه الحلول العربية والعالمية المُبدعة في حل المشكلة، إلى أن تجرأ ترامب إلى الاعتراف بالقدس، عاصمة لإسرائيل، وفرض السيادة الإسرائيلية عليها، والمزايدة بطلب الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية. تمهيدا لطرد فلسطينيي الـ 48، والذين هم اصلا خارج المشكلة التي يريد العرب حلها بما أنهم داخل «إسرائيل» التي يعترفون بها.
الحقيقة أننا نحن العرب والفلسطينيين، نبحث عن حلول لمشكلة وهمية، وهو ما نتصوره الخلاف العربي، أو الفلسطيني الإسرائيلي، بينما الإسرائيليون، ليس لهم معنا أي خلاف، بل لهم سياسة ينفذونها منذ اليوم الأول، وهو إقامة إسرائيل وطرد الشعب الفلسطيني، والسيطرة بعد ذلك، على مقدرات الأمة العربية.
هم كالمهاجرين الأمريكيين الأوائل، يقيمون المعاهدات مع السكان الأصليين، ثم يطردونهم بلا هوادة، ولا يحترمون من أي إتفاقية، إلا الجزء الذي يوفر لهم تحقيق السياسة المرسومة والمُخطط لها. نحن إذاً لسنا أمام مشكلة تبحث عن حل، ولكن إعتداء وتهجيرا قسريا، سرقة الأرض وإقامة شعب غريب على أرض عربية.
إن رأينا القضية الفلسطينية على حقيقتها، فالجواب ليس البحث عن حلول، ولكن بإقامة سياسات لمواجهة المُخطط الإسرائيلي الصهيوني، أي البدء بسياسة للصمود والتحدي، والعمل على استرداد المسلوب.
هذا ما فعله الجزائريون، الذين لم يقبلوا بدولة مسخ في صحراء الجزائر، وما فعله مانديلا جنوب أفريقيا، والذي لم يقبل إقامة كانتونات للسود، بل دولة واحدة، بقيادة السود السكان الأصليون للبلاد، هذا ما فعله الفييتناميون مع أمريكا، حينما رفضوا بقاء جنوب فييتنام دولة مستقلة وعاصمتها سايغون تحت الرقابة الأمريكية، وأصروا على طرد ودحر المُحتل، حتى آخر متر مربع من فييتنام شماله وجنوبه، وهذا ما فعله وفعله غيرنا كثيرون.
وحدنا في العالم، نبحث عن حلول لمشاكل وهمية أوقعنا بها أعداؤنا، وكذبة كبيرة بإقامة دول وإنشاء عواصم، بدون سيادة ولا حدود ولا قدرة.
وحدها هذه الأمة العربية، التي تقبل أن يُنتقص أهم جزء منها، وأكثره قداسة، لصالح رعاع جلبوا من أطراف العالم، ولا يرون بذلك إلا مشكلة هامشية، تبحث عن حلول خلاقة، بأروقة الأمم المتحدة، ووزارات خارجية الدول العُظمى.
والحالة هذه، فلا نستغرب أن يكون مصيرنا مخالفاً لمصير جنوب أفريقيا السوداء، أو فييتنام المستقلة، بل مصير الهنود الحمر الذين يعيشون الآن داخل كانتونات، لا تتعدى مساحتها 2,3 %من أرض أجدادهم.
نأمل أن تكون الخطوة الأمريكية الأخيرة، بدعم انتزاع القدس، من أيدي العرب والمسلمين والمسيحيين، والتي هي بكل تأكيد خطوة أخرى لدعم السياسة الإسرائيلية، القاضمة والهاضمة لحقوقنا، أن تكون القدس هي الجرس الذي دُق ليخرجنا من الجري وراء الحلول التي لا تُهم أحداً غيرنا، والبدء في وضع أُسس الصمود والتحدي. وما فعله المقدسيون، بشهر تموز 2017، حينما أجبروا نتنياهو على التراجع، إلا الخطوة الاستباقية لذلك التغيير المُنتظر.

.

كاتب عربي

الربيع الإيراني الحليف والمنقذ

القدس العربي

الربيع الإيراني الحليف والمُنقذ

د. نزار بدران

Jan 05, 2018

لم يعد النموذج السوري فعالاً لمنع شعوب الدول العربية وإيران، من البقاء في حالة ذهول وشلل، بعد بدئهم للربيع الديمقراطي، لعام 2009 في إيران و 2010 في تونس. عنف الثورة المضادة اللامتناهي، قتل مئات الآلاف ودمر مدنناً بأكملها، وهجر وجوع الملايين، وأعاد لليمن وغيرها، زمن الأوبئة والكوليرا التي كنا قد اعتقدنا أنه ولى بلا رجعة.
استعملت الأنظمة المُستبدة، كل إمكانياتها العسكرية، وحصلت على الدعم بدون حدود من أنظمة المافيا الحاكمة في موسكو، أو الظلامية في إيران ومع تواطؤ الغرب الديمقراطي بشكل مفضوح، تحت ضغط اللوبي الصهيوني الواضح، وقد نجحت فعلياً في نقل الثورة، من وضعية التناقض بين الشعوب وأنظمتهما إلى حروب طائفية وعرقية ودينية وإدخال حركات إرهابية إسلامية شمولية الفكر كند بديل لها.
ولكننا مع ذلك، بدأنا برؤية ظواهر فشل الأنظمة وداعميها، وفشل فزاعة البديل الشمولي الإسلامي بعد وصولهم لآخر الشوط، وأبعد ما يمكن أن يعملوه، للبقاء على قلوب وصدور الناس، وفرض الاستبداد للأبد.

حراك الشارع الإيراني أخيراً، هو هدية السنة الجديدة، للشعب السوري وللشعوب المقهورة، هو عودة لأول حراك ديمقراطي في المنطقة العربية والإسلامية قبل ثماني سنوات، والذي وئد بقوة ألسلاح وأعمدة المشانق والسجون.
مهما كان مصير هذا الحراك، ودواعيه اللحظية، والأطراف الفاعلة فيه حالياً، إلا أنه يُعبر عن استحالة أن يقبل الشعب ألإيراني ذو الحضارة العريقة، الضاربة بالتاريخ، بأن تضيع ثرواته، وتُبدد آماله عندما قام بالثورة ضد الشاه عام 1979 أدراج الرياح، وأن يصبح وطن العلماء أمثال إبن سينا والفارابي، وطناً ظلامياً، يُجند أبناءه لقتل من يُطالبون بالحرية، في العراق وسوريا واليمن.
وإن نظرنا إلى مناطق أخرى، فإننا نرى بدء عودة الزهور للربيع ألعربي فحراك الشعب الكردي في السليمانية، ضد استبداد الأحزاب الكردية العراقية، وحراك مدينة جرادة في المغرب هذه الأيام، وقبله مدينة الحسيمة، يُظهر أن الشعوب، ترفض أن تُقسم بين طائفة وطائفة، ودين ودين، وجنس وجنس، ولكنها تضع من جديد، التناقض الرئيسي، في موضعه الصحيح، أي بين الظالم والمظلوم، والسالب والمسلوب، والحاكم المُستبد والشعب المقهور، وليس بين العربي والكردي، أو السني والشيعي، والمسلم والمسيحي، وابن الشمال وابن الجنوب.
هذا يعني عودة بوصلة الربيع العربي إلى الاتجاه السليم، كلنا أخوة مواطنون، لنا نفس الحقوق ونفس الواجبات، ولسنا طوائف وقبائل، تتذابح لبقاء أنظمة الظلم والاستعباد.
وما نراه من فشل على عبد الله صالح، بالعودة للسلطة في اليمن وانتهاء وجوده، وفشل السعودية بفرض إرادتها على ثورة هذا الشعب، واستمرار الحراك الديمقراطي البحراني والذي لم تدعمه سلطة طهران الدينية بعكس الحوثيين في اليمن أعداء الثورة رغم قرب البحرين من إيران وبعد اليمن، وتراجع حفتر الظاهر عن مشاريعه في ليبيا بعد فشلها، وقبوله بانتخابات حرة، إلا مظاهر أخرى، لعودة الأمل مهما كان صغيراً .
ثورة إيران المقبلة، هي أمل الربيع العربي، وخصوصاً الشعب السوري البطل، بنجاح ثورته، وستكون حليفة الشعوب العربية بوجه الظلم.

وعد بلفور فخر السياسة البريطانية

وعد بلفور فخر السياسة البريطانية

القدس العربي

د. نزار بدران

Nov 15, 2017

كانت الذكرى المئوية لوعد بلفور، مناسبة لكثير من الكتاب والمراقبين والسياسيين، للتذكير بتاريخ فلسطين، وكيفية الاستيلاء عليها وطرد سكانها وتحويلهم للاجئين. ولكن ذلك ترافق أيضاً، بمطالبة بريطانيا بالاعتذار للشعب الفلسطّيني، لم تقبل رئيسة وزرائها، هذا الطلب، بل أصرت على الاحتفال بالذكرى مع نتنياهو، وكأنه نصر مؤزر.
الحقيقة أن تيريزا ماي، لم يكن لها أن تأخذ موقفاً آخر بسبب انعدام أي وسيلة ضغط لدى المطالبين بالاّعتذار، فكل مصالح بريطانيا مُحققة في الدول العربية، دون حاجة لتقديم أي نوع من أنواع التراجع السياسي، مُقابل ضغوط إسرائيلية عليها عن طريق اللوبي الصهيوني والصحافة التابعة له.
السبب الثاني والأهم، برأيي، هو أن العرب أنفسهم، قد وافقوا على وعد بلفور وإعطاء وطن قومي لليهود، بمجرد موافقتهم بعد حرب 1967، على الاعتراف بإسرائيل والمطالبة فقط بدولة فلسطين بجوارها.
لا يمكننا إذن، كسياسيين أو صحافيين أو محللين، أن نقول شيئاً وعكسه بالوقت نفسه، أن نطالب بتطبيق الشرعية الدولية، والتي بدأت بعد وعد بلفور، وقرارات عصبة الأمم بعد مؤتمر فيرساي عام 1919، بفرض الانتداب على فلسطين إلى اليوم لتنفيذ صناعة دولة لليهود ، ومُطالبة الاعتذار عن وعد بلفور والذي لم يقل شيئا آخر.
الاتفاقيات الدولية، لا قيمة لها إلا بمقدار قوة الأطراف التي توقعها، وعد بلفور، استعملته الحركة الصهيونية لتحقيق حلم الدولة اليهودية، بينما وعود مكماهون، ورسائله الرسمية قبل ذلك، والواعدة بمملكة عربية كبيرة، في الشرق العربي، تحت سلطة الشريف حسين، مُقابل مشاركتهم بالحرب ضد العثمانيين، وهو ما فعلوه حقا، لم يُطالب أحد بتنفيذها، وكل ما همنا في حينه، هو تقاسم السلطة بين القبائل والعائلات، وليس مستقبل الأمة. الوعد الصهيوني حُقق لأن الذي استلمه، استعمله أفضل استعمال، بينما العرب لم يعرفوا أن يثوروا، بعد خُذلانهم من طرف نفس الإنجليز وبنفس الزمن.
الناظر إلى خريطة الولايات المتحدة، منذ بدء الهجرة والاستيطان ألأوروبي وخصوصاً الإنكليزي، على مدى قرون، يرى التراجع التدريجي لمساحة الأراضي المتبقية للهنود الحمر، والذين سُلبت أراضيهم ولم يبق لهم الآن إلا 2.3٪ منها، وذلك بقوة السلاح، ولكن أيضاً بمئات الاتفاقيات؛ أكثر من 400 إتفاقية لم يُنفذ منها إلا بند الإبعاد لهم وسلب أراضيهم، وليست البنود الأخرى التي تحفظ حقوقهم.
يظهر أننا سائرون على الطريق نفسه، اتفاقيات مع إسرائيل، لا يُنفذ منها إلا الجزء المفيد لهم وليس الجزء الآخر (مثلاً اتفاقية أوسلو). أرض فلسطين تفتت وتُختزل يوماً بعد يوم بالمستوطنات، والتي تستمد شرعيتها، من سكوت القوى العُظمى عليها، وخصوصاً الولايات المتحدة وأوروبا، هذه القوى التي لا تأخذ بالحسبان إلا حقوق من يعرف أن يربط بين المصالح والمواقف، وهو للأسف ليس وضعنا الحالي، إن لم يكن عكسه تماماً.
لكل هذه الأسباب، قد تحتفل تيريزا ماي، برفقة نتنياهو بذكرى بلفور مرات عديدة أخرى، حتى تصحو هذه الأمة من سُباتها وتبدأ بوضع النقاط على الحروف.