غزة بين حق البقاء وحدّ الواجبات الملحة

24/07/2015

 

غزة بين حق البقاء

 وحدّ الواجبات الملحة 

د. نزار بدران

تحل الذكرى الأولى للحرب العدوانية الإسرائيلية ضد قطاع غزة صيف العام الماضي، في وقت ما زال سكانه يعانون الأمرين؛ بعيدا من أمل الإعمار، والحد الأدنى من العيش الكريم. بينما انتصرت المقاومة بصدها للهجوم الإسرائيلي، وإفشال أهدافه بتدميرها أو استسلامها، ولكنها لم تتمكن من تحقيق أهدافها برفع الحصار، أو دفع العالم للتنديد به، والضغط باتجاه رفعه؛ لا من الغريب ولا من القريب، ولا حتى من أقرب المقربين. بل وزادت مصر إمعانا بحصار القطاع، وتدمير الأنفاق، في تنسيق واضح ومُعلن، وإن لم يكن مباشرا مع العدو الإسرائيلي.

نُدرك تماماً مصلحة إسرائيل في خنق القطاع، وندرك كذلك سكوت دول عديدة غربية على ذلك، تحت ضغط اللوبي الصهيوني، وقد نُدرك قليلاً مصلحة النظام المصري بالتواطؤ؛ فهو يقوم بالدور المُناط به، موضوعيا، وبتوجه واع ومدرك من قبله بالتواطؤ مع الساسة الإسرائيليين وداعميهم الغربيين ثمناً لدعم بقائه، واستمراره في خنق الربيع العربي.

ما ندركه ولا نفهمه، هو مصلحة الفلسطينيين بالاختلاف والاقتتال منذ سنوات، فالمنطق يذهب باتجاه التوحد أمام الاعتداء والحصار، وهو ما لا يحدث. فمنذ البداية كان مطلب الشعب الفلسطيني يتركز حول توحيد الصف، ولكن لا من مُجيب.

السؤال الذي لا يطرحه أحد؛ هو عن أهلية الطبقة السياسية الفلسطينية بكل أطرافها، لقيادة الحركة الوطنية الفلسطينية. فنحن الوحيدون وسط عالم النضال من أجل التحرر، الذي له برنامج سياسي وقيادات لا تتغير منذ عشرات السنين، وحدنا في العالم ما زلنا نبحث عن الاستقلال الوطني، في وقت نجح وينجح الآخرون في نيل الحرية والاستقلال وبناء أوطانهم.

قد يُخطىء الإنسان أو الحركة السياسية، مرة أو مرتين أو حتى ثلاثة، ولكنها في الأساس ينبغي لها أن تمتلك من الآليات ما يجعلها تصحح أخطاءها، أو تنجح في أحايين كثيرة، أما أن لا نرى إلا مجرد مسلسل أخطاء وكوارث، ولا نطرح السؤال الوجودي عن سبب ذلك، الكامن فينا نحن، وليس دائماً بسبب مؤامرات الآخرين، وقُدرة إسرائيل على حشد الدعم لصالحها، وتواطؤ الغير المُزمن معها، هذا منطق لا يستقيم وواقع الأمور على الدوام. لذا لا يكفي أن ترفع حركة أو حزب سياسي شعارات، وتضع سياسات، بدون أن تحدد سبل ووسائل تحقيق تلك السياسات والشعارات، وإلا أصبح ذلك لُغواً وخداعاً للناس.

النظام السياسي الفلسطيني للأسف وبكل أعمدته؛ بالضفة أو قطاع غزة، أو حتى بالخارج؛ وضع نفسه في موقع المغلوب على أمره، وأفقد نفسه مقومات وجوده المستقل، الأمر الذي يستوجب العودة إلى استقلالية قراره السياسي، بعيدا عن تدخلات إقليمية ودولية، لا تعرف ولا تريد أن تخدم سوى مصالحها.

إن استعادة استقلالية القرار السياسي والسيادي، تحتم أولا التأكيد على أهمية الاستقواء بالشعب الفلسطيني، وذلك عبر انتخابات حرة ونزيهة، والتي على ما يبدو تم نسيانها تماماً. واستعمال أسلوب الاستفتاء عند الحاجة، كما فعل رئيس الحكومة اليونانية مؤخراً في مواجهة أوروبا، وهذا ما لم نفعله أو نقدم عليه أبداً، خاصة وأن لنا مبررات مصيرية، هي بالقياس ربما تبدو أكثر أهمية من الأزمة الاقتصادية اليونانية، مثل أهمية الصراع والتناحر مع الاحتلال، ومآلات اتفاقيات أوسلو، أو اتفاقيات المصالحة الوطنية والتي وُقعت عدة مرات. وهذا ما يستوجب العودة للرأي العام الفلسطيني لطرح أي حل لمشكلة اللاجئين وحقهم الراسخ بالعودة إلى قراهم ومدنهم وحقولهم.

وثانياً بناء مقومات وجود اقتصاد وطني مستقل، يبتعد تدريجيا عن الارتباط مع الاحتلال، وليس فقط الاعتماد على دعم الداعمين الأجانب بشروطهم، وبناءً على أجندتهم ومصالحهم. وذلك عبر العمل على إقامة قواعد اقتصاد إنتاجي صناعي وزراعي، بدل اقتصاد الإستيراد لكل شيء، وتحويل الدعم المادي المقدم من الغرب بشكل عام إلى البنية التحتية الانتاجية، وليس فقط لدفع معاشات الموظفين وشراء السلع المستوردة.

وثالثاً العمل لوضع مقومات حماية هذا القرار السياسي، المُدعوم والمحصّن  شعبياً واقتصاديا، وذلك عبر توجه برنامجي عماده تطوير مقاومة الاحتلال، وعزله عالمياً، وإظهار الفكر الصهيوني كفكر عنصري، وإسرائيل كدولة أبارتهايد. كذلك دعم كل الحركات الفلسطينية والعربية والعالمية العاملة بجهد لمقاطعة إسرائيل اقتصادياً وعلمياً، وهو ما بدأ يعطي ثماره حالياً بالغرب، وبدأ بزعزعة “التلاصق” الفكري والاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي وأمريكا, ونحن في أوروبا بدأنا نشعر  بتضامن شعوبها معنا بشكل واسع.

على أن حماية القرار السياسي، تتم أيضاً عن طريق إعادة القضية الفلسطينية إلى حضن الأمة، وذلك بالتضامن مع كل حركات وحراكات الشعوب العربية التواقة للحرية والعدالة، وليس الإنجرار وراء أنظمة الاستبداد، كما فعلنا طوال الستين عاما الماضية. فهذه الأنظمة التي تُدمر مدنا على رؤوس سكانها، لا يمكن أن يُعول عليها لحماية الشعب الفلسطيني واستعادة حقوقه.

إن مراقبة الأحداث الجارية حولنا، والمُتغيرات السريعة والمتلاحقة، تفرض على شبابنا وطبقتنا المثقفة أن تبدأ بطرح وضع الحقوق الأساسية للإنسان الفلسطيني في المرتبة الأولى، قبل أي حق أخر: الحق بالعيش الكريم، الحق بالتنقل والعمل داخل وخارج وطنه، حق اللاجئين بالعودة إلى قراهم ومدنهم والعمل والتنقل في أماكن وجودهم الحالية، مع الاحتفاظ بحقوقهم المدنية المُتعارف عليها دولياً، والحق في التملك والبناء والتوريث، (وبشكل خاص بالنسبة للاجئي لبنان)، وحق المواطن الفلسطيني بانتخاب ممثليه، والحق في رفض العيش في أُطر فصل عنصري، والحق بالخروج والدخول إلى قطاع غزة والضفة ومخيمات اللاجئين، والحق بالحماية للمدنيين العزل في سوريا وفلسطين وغيرهما ومتابعة المجرمين. والحق في التعليم والصحة، وكل ما له علاقة بالحقوق الإنسانية الطبيعية, وليس تلك السياسية المُسجلة بلوائح القوانين الدولية، وهي مما ليست في حاجة إلى معاهدات جديدة، ولكنها في حاجة لمن يرفعها ويُدافع عنها بجدارة؛ ونموذج نلسون مانديلا بجنوب أفريقيا، أكبر دليل على نجاعة ذلك.

نأمل أن تكون هذه الذكرى هي الأخيرة لحصار أهلنا في غزة، وتعرضهم في شكل دوري للاعتداء والقتل والتدمير، ولن يتم ذلك إلا إذا استفاقت عقولنا، واتجهنا نحو الحفاظ على قيم الوحدة والحرية، والنضال من أجلهما.

طبيب عربي مقيم في فرنسا

قانون عمل الأطباء الفلسطينيين في لبنان لغز يبحث عن حل

25/2/2015

قانون عمل الأطباء الفلسطينيين في لبنان

لغز يبحث عن حل

نزار بدران

يُعاني الأطباء والكوادر الصحية في لبنان من نتائج قوانين أقرتها الدوله مند عشرات السنين والتي تحصر إمكانيات عملهم مع اللاجئين الفلسطينيين فقط. الطبيب أو الممرض الفلسطيني لا يستطيع أن يعمل بشكل قانوني في أي مستشفى أو أي عيادة طبية لبنانية، وهم في معظم الأحيان من مواليد لبنان ومقيمين به بشكل دائم. هذا الحصر لا يقتصر فقط على المهن الطبية بل يشمل أيضاً مجالات واسعة تُقدر بأكثر من ثمانين مجالاً مثل (الهندسة).

يجد الطبيب الفلسطيني المتخرج من الجامعات اللبنانية أو غيرها مجالاً واحداً للعمل وهو مستشفيات الهلال الأحمر الفلسطيني أو مستوصفات وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين. حتى المًتقاعد لا يستطيع العمل في أي جهاز طبي لبناني.

يُغض الطرف في بعض الأحيان عن عمل الكوادر الفلسطينية في مراكز الصحة (تحت اسم أطباء لبنانيين) عندما تشح الإمكانيات اللبنانية، ولكن بأجور منخفضة عن زملائهم، وبدون اعتراف قانوني ولا أي حقوق مرتبطة بالعمل كالحق في التغطية الصحية، التقاعد….الخ.

هذا الفصل بين الجهازين الطبي الفلسطيني واللبناني يعمل في اتجاه واحد وهو فقط منع الكوادر الفلسطينية بينما زملائنا اللبنانيين يستطيعوا أن يعملوا بدون حرج في المستشفيات التابعة للإدارة الفلسطينية أو منظمات الأمم المتحدة، وهو بالطبع ما يسعد المرضى والزملاء الفلسطينيين.

من ناحية أخرى عندما لا يجد المريض غايته في المستشفيات الفلسطينية يضطر للذهاب إلى المستشفيات اللبنانية بتغطية صحية ضعيفة مما يكلفه الكثير من الناحية المادية، والتي لا يتحملها معظم المرضى وجُلهم لاجئون.

نتيجة هذا الحصر على الأطباء والكوادر الصحية الفلسطينية، هو إفقار القطاع الصحي الفلسطيني الذي لا يستطيع أن يؤمن رواتب كافية ولائقة بالأطباء والممرضين، مؤدياً إلى تراجع عدد الطلبة الفلسطينيين المُختارين للتعليم الجامعي في المجالات الطبية (طب، مختبرات، تمريض، فني أشعه…الخ)، فهم يعلمون أنه لا يوجد عندهم أي مجال للعمل بعد التخرج في قطاع الصحة اللبناني عاماً كان أم خاصاً، وهذا ما يؤكده العاملون مع الطلبة في مكتب مساعدة الطالب الفلسطيني.

أدى هذا الإفقار إلى انخفاض مستوى الكفاءات الفلسطينية المتوفرة، وتراجع نوعية العلاج الطبي المُقدم للمرضى، وبالتالي توجههم للمستشفيات والعيادات اللبنانية ذات الكلفة العالية في أحيان عدة.

لا يفهم المراقب الهدف والمغزى من هذه القوانين التمييزية بين حقوق الأطباء حسب جنسياتهم في لبنان، فالطبيب أو الممرض الفلسطيني المولود في لبنان لا يطالب بالحصول على جنسية لبنانية، وإنما فقط أن يُساوى بالحقوق مع زميله اللبناني الذي هو يستطيع أن يعمل في أي قطاع صحي بما فيه الفلسطيني.

لا نفهم أيضاً الفائدة التي قد يحصل عليها اللبنانيون من هكذا سياسه، فكثير من الكوادر الصحية الفلسطينية مشهود لها بالكفاءة والمقدرة، ومن غير المنطقي أن يُحرم أبناء الشعب اللبناني الشقيق من كفائاتهم.

لو نظرنا إلى مستشفيات الدول الغربية لوجدنا بها مئات الأطباء الفلسطينيين واللبنانيين، بالإضافة إلى جنسيات أخرى، يعملون معاً لفائدة المجتمعات والمرضى الغربيون رغم توفر هذه الدول الغنية على كوادر محلية (إنجليزية، فرنسية…الخ)، حيث يُنظر إلى الأطباء الأجانب في هذه الدول كأيدي جديدة تعمل وتداوي وتُنتج وليس فقط أفواهاً تأكل.

هذه القوانين تتناقض مع عولمة العمل كما رأينا، وتتناقض أيضاً مع القوانين الدولية الحافظة لحقوق العمالة الأجنبية، وحقوق الإنسان التي وقعت عليها الحكومة اللبنانية.

ما يؤسفنا أننا لا نرى ولا نسمع تقريباً أي صوت يُطالب بتغيير ذلك، وهذا يدل على ضعف المجتمع المدني الفلسطيني واللبناني، الذي يجر بأحزابه السياسية إلى مستنقع الطائفية ضد مصلحة المريض الفلسطيني واللبناني على السواء.

أرى أنه من الضروري أن تصحو المؤسسات والجمعيات ذات الطابع الحقوقي والإنساني في لبنان لترفع صوتها ولو قليلاً، لمحاولة إظهار أن أبناء الوطن الواحد واللغة الواحدة هم في نفس خندق الدفاع عن الحقوق، بما فيها حقوق المريض، خصوصاً في هذا الزمن الذي يترعرع فيه كل دعاة التطرف والتعصب في منطقتنا، ليكن الدفاع عن حقوق الطبيب  والكادر الفلسطيني في لبنان تذكيراً للذين يحكموننا أن العدل هو أساس الحكم.

د. نزار بدران

طبيب عربي مقيم في فرنسا

25/2/2015

 

مفكرونا والعمى الأيديولوجي

24/03/2015

 

مفكرونا والعمى الأيديولوجي

د. نزار بدران

هنالك قواعد للفكر يلتزم بها المفكرون والمثقفون في العالم، لتحليل وشرح مشاكل الشعوب، قواعد هي بمثابة ثوابت لا يحيدون عنها، فمنها مثلاً حق الشعوب في تقرير مصيرها، أو الحق بحكم ديمقراطي. حق اللاجئين بالعودة إلى ديارهم، تحريم التطهير العرقي وغير ذلك. كل هذه الأشياء مُتفق عليها وموثقة في معاهدات دولية ومنصوص عليها في عشرات الكتب، وأي مُطلع ومهتم بأمور الناس يعرف ذلك، بشكل خاص الكتاب السياسيون والاجتماعيون والصحفيون وغيرهم من المفكرين. لكن بعضهم يستثني من هذا المنطق العام بعض شعوب الأرض، ويفصّلون لها تفسيرات وقوانين خاصة، لا علاقة لها بأي مفهوم قانوني إنساني.

أمثال هؤلاء كثرة كاثرة من المفكرين الغربيين، الذين يدافعون عن حق جزر القُمر أو شعب كوريا الشمالية بالحرية، ويتسابقون لمطالبة السودان بإعادة المهجرين، ويطالبون ملكة بريطانيا بالاعتذار عما حصل في أستراليا قبل قرون، ويدعمون حق كوسوفو بالاستقلال وتقرير المصير، وحق أوكرانيا بالخروج من السيطرة الروسية، ويناضلون ضد التطهير العرقي في كرواتيا والبوسنة، وإنهاء الفصل العنصري في أفريقيا الجنوبية.

كل ذلك رائع ويُشكرون عليه، ولكنهم عندما يصلون إلى القضية الفلسطينية، يعلنون أولوية الحفاظ على يهودية الدولة (إسرائيل) وينحازون إليها، على حساب حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم، وهو حق مؤسس وثابت في كافة مواثيق الأمم المتحدة. حتى أصبح النقاء العرقي أو الديني الذي يحاربونه في أصقاع الأرض، مجرد وِجهة نظر. كما أن اضطهاد الأقليات في العالم والتمييز العنصري، يصبح هو أيضاً موضوع أخذ وردّ، عندما يتعلق الأمر بسكان فلسطين الأصليين.

لحسن الحظ هناك قلة من الكتاب الغربيين. وكثيرون غيرهم، يحترمون القاريء ويلتزمون بمعايير الكتابة والأمانة، ولكن مفكري الفئة الأولى، يشكلون حالياً طرفاً مؤثراً بحكم مناصبهم الإعلامية وارتباطهم باللوبي الصهيوني.

هذه الآفة للأسف ليست حكراً على الإعلام الغربي والمثقفين الغربيين، ولكنها أصابت أيضاً جزءاً مهماً من الكتاب والمفكرين العرب، أصحاب الأسماء اللامعة والمعروفة، التي تقود في كثير من الأحيان اتجاه الرأي العام.

عندما اندلعت الثورات العربية في تونس ثم مصر، اتفق الجميع في تحليلاتهم على حق الشعوب العربية بالتحرر من الاستبداد، وبناء مجتمع تعددي حر، مصدر السلطة بيد الشعب، ونمنا وأصبحنا ونحن نتابع هذه الأحداث، وهذه الأقوال على شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد والتي في بعض الأحيان كانت أقرب لإعطاء التوجيهات للعمل اليومي، وتصورنا أنه لحُسن حظنا (النادر الحصول) لدينا طبقة مثقفة من الكتاب والمفكرين والسياسيين المعارضين ذوي الرأي السديد والهمة العالية، في إمكانهم إعطاء هذه الثورة العارمة بعدها الحقيقي والأصيل، في انتظار انتصار الثورة وبدء تبلور قيادات ثورية.

ولكن فوجئنا بعد ذلك وبسرعة بالانقلاب الكامل على ما قيل وكُتب بعد انطلاق الثورة السورية، التي لم تكن إلا استمراراً للربيع العربي، وكل مواطن سوري وعربي كان أصلاً في انتظار هذا الحدث في سوريا وغيرها، لشدة الحماس والإعجاب بالثورتين التونسية والمصرية وبعدهما الليبية.

بعض المفكرين وقادة الرأي، انقلبوا بين ثورة وضحاها إلى مدافعين عن أعتى نظام عربي، وأول نظام دمر مدينة عربية وهي “حماة” في العام 1982 لقمع الحراك الشعبي، وساهم بحصار وطرد الثورة الفلسطينية من لبنان، ولم يُعرف عنه أي انفتاح ديمقراطي. أصبح الحراك الشعبي السلمي عند هؤلاء المفكرين مؤامرة تحيكها إسرائيل والغرب الاستعماري، وأصبح التلويح بتقسيم الوطن، إن استمر الحراك، واقعاً ممكنا يجب تفاديه.

محور المقاومة والممانعة كما يسمى، يحمل بالنسبة لهم قدسية خاصة، لأهدافه السلطوية  الأولوية على حق المواطن السوري بالعيش بحرية واختيار قياداته. نسَوْا تماماً المبادئ العامة الإنسانية، وذلك لصالح اتجاهات إيديولوجية هي بالأصل غير فعالة، إن نظرنا من منظار ما حققه هذا المحور لقضية تحرير فلسطين.

الانتماء القوموي المُسيطر على الفكر، هو في الحقيقة مصدر هذا التناقض، لا سيما حين يحدد “المفكر العربي” انتماءه الأيديولوجي كبوصلة عمل، كل ما يسير باتجاهها صحيح، وعكس ذلك خطأ.

هذه البوصلة القوموية، تدفع نحو وضع كل عمل ثوري، لا يكون في اتجاه الكفاح ضد الاستعمار والصهيونية في خانة الاتجاه الخطأ، ومن هذا المُنطلق دعم المفكرون القومويون الثورة المصرية، ووقفوا ضد الثورة السورية، مع أن الثورتين حملتا نفس الشعارات وانطلقتا لذات الهدف.

ما لم يفهمه هؤلاء المفكرون، أن المواطن العربي أثبت من خلال إطلاق ثوراته وربيعه، أن تناقضه الأساسي هو مع أنظمته الجاثمة على صدره، والكاتمة لأنفاسه منذ عشرات السنين؛ وهو مستعد للتضحية بكل شيء، وذلك ما أثبته حجم التضحيات التي قدمها الشعب السوري للوصول إلى الحرية، واستعادة حقه ليكون مصدر السلطة، من دون أوصياء أو “قادة مُلهمين” أوصلوه إلى الهلاك.

إن أولوية مطلب الحرية والعدالة والكرامة، هي التي لم تكن بحسبان مفكرينا. على أن مبدأ محاربة الاستعمار والصهيونية وتحرير فلسطين، هو في قلب كل مواطن عربي، ولكن ترتيب الأولويات لهذا المواطن تختلف عنها عند هؤلاء المفكرين، وهذا ما أدى إلى تناقض المفكرين مع أنفسهم، بينما الشعوب العربية الثائرة لم تتناقض مع نفسها، وهي تدرك تماماً أن حريتها وحقها في الديمقراطية واختيار قادتها هو محور نضالها. وتدرك كذلك أفضل من هؤلاء المثقفين بأن تحرير الأوطان من الاستعمار واسترجاع فلسطين لا يمكن تحقيقه في ظل التجزئة وأنظمة الاستبداد، وحتى لو رفعت عالياً شعارات العداء لإسرائيل وأمريكا والعالم كله.

هؤلاء المفكرين سواء أكانوا في الغرب أم عندنا هم كالذي يضع نظارة ملونة لن يرى الأشياء على حقيقتها وبألوانها الطبيعية، إلا إذا أزاحها عن عينيه وفتحهما واسعا.

طبيب عربي مقيم في فرنسا

 

من مضيق هرمز إلى باب المندب

07/04/2015

من مضيق هرمز إلى باب المندب

 نزار بدران

قد يظن المُراقب لأحداث اليمن في هذين اليومين الأخيرين، أنّ العالم وخاصة الدول العربية المجاورة لليمن مُضافاً إليها مصر والأردن، وبدعم واضح من أمريكا، قد بدأت تستشعر فظاعة ما يحل بالشعب اليمني من نكبات على يد الحوثيين وأتباع النظام السابق، هذه صحوة ضمير طال انتظارها، وكنا نأمل أن تحصل سابقاً لإنقاذ الشعب السوري من براثن النظام البعثي، والذي لم ولن يحدث.

دوافع التدخلات الأمريكية والعربية في اليمن، وقبل ذلك في العراق؛ لم تكن أبداً لرفع معاناة آلاف المشردين ولَأْم جروح الثكالى، وإرجاع الأطفال إلى مدارسهم بدل أن يهيموا على وجوههم، وإلا لرأيناه في سوريا وهي الأكثر دماراً ومعاناة. بدل الاحتماء والتحجّج بالفيتوات الرّوسية التي لم تمنعهم من دخول العراق أو ليبيا أو التهديد بضرب سوريا لتجريدها من السلاح الكيميائي.

المُعطيات الجيوسياسية تُظهر بوضوح أن السكوت عن تدخل إيران في سوريا، ومن قبله في اليمن عبر دعم الحوثيين، لم تكن حباً بهم، وإنما لاستعمالهم كوسيلة لقمع المُطالبين بالحرية بشوارع صنعاء وعدن، الرافعين لشعارات الديمقراطية وحق الناس في حكم أنفسهم. بالنسبة لأمريكا ودول الخليج وغيرهم هذه المطالب ليست ذات أهمية حتى يعملوا على دعمها، بل على العكس إنما هي تهدف إلى ترسيخ مبدأ استقلالية الدول العربية عن السياسات الغربية التي لا تروق لهم.

ماذا حدث إذن ليتدخل الغرب ومعه العرب، في المجال اليمني فجأة؛ الحقيقة أن السكوت عن إيران وحلفائها، قد بلغ مداه عندما اقترب النفوذ الإيراني الصاعد من الوصول إلى مضيق باب المندب، وهو مدخل البحر الأحمر وميناء عدن، والذي يُعتبر كمضيق هرمز بالخليج ذا أهمية استراتيجية بالغة، لارتباطه بالملاحة العالمية المدنية والعسكرية عبر قناة السويس، ومن وإلى ميناء إيلات الإسرائيلي.

لقد تجاوز الإيرانيون والحوثيون، كما أظن، ما قد سُمح لهم، لذلك وجب صدّهم، ولكن فقط ليعودوا إلى مربع قمع الحراك الديمقراطي.

في العراق اُتُبعت نفس السياسة، ولم يتدخل أحد؛ إلا عندما هددت “داعش” مناطق الأكراد، حتى تعود فقط إلى دورها المسموح به، وهو إنهاء أي حراك ديمقراطي عربي، والذي كان قد بدأ في ساحات الاعتصام، وبقي لأكثر من عام في المناطق المُتعارف عليها بأنها ذات أغلبية سنية. في هذه المناطق مسموح لـ “داعش” أن تصول وتجول وتفعل ما تشاء من تدمير وتقتيل للناس والممتلكات والإرث التاريخي للأمة.

جعجعات الغرب وأصدقاء سوريا – من له هكذا أصدقاء ليس بحاجة إلى أعداء- منذ أكثر من أربع سنوات، ورفض أي دعم حقيقي، بل ومنعه عن الثورة السورية، وما استعداد أمريكا واتجاهها الجدي فقط لنزع السلاح الكيميائي السوري الذي كان مُهدداً للسقوط بأيدي مجموعات خارجة عن سيطرة النظام حماية لإسرائيل، إلا الدليل الأبرز على أن سياسات الغرب وتوابعهم من العرب، لم ولن تكون أبداً لنصرة الحق في أوطاننا، بل للدفاع فقط عن مصالح الآخرين. ولا تُستعمل جيوشنا التي كلفتنا المليارات إلا لقمع أحرار الأمة في مصر وسوريا وغيرها أو للاصطفاف وراء القيادة الأمريكية في سياساتها ولمصالحها فقط.

لهذا لن يُسمح لإيران أن تسيطر في آن واحد على مدخل الخليج العربي، وعلى مدخل البحر الأحمر، ولكن لها ما تشاء هي وحُلفاؤها لعقاب كل حاضنة إجتماعية عربية دفعت أبناءها للدفاع عن الحرية، مطالبين بحقهم كمواطنين في اختيار من يحكمهم.

هذا ما نراه في سوريا، وما رأيناه في اليمن، بل تحالفت أمريكا والدول العربية التابعة لها مع إيران لحصر دور “داعش” في العراق في نفس مناطق الحاضنة الاجتماعية للتغيير الديمقراطي (أبناء ساحات الاعتصام في الرمادي والفلوجة وغيرها).

الحوثيون أيضاً لهم الحق بأن يصولوا ويجولوا ويقتلوا أبناء اليمن المطالبين بالحرية، ولكن ليس لإيران ولأتباعها المحليين الإذن بالخروج عن المهمة التي أُوكلت لهم.

 

طبيب عربي مقيم بفرنسا

26/03/2015

 

 

هزيمة لأُردوغان أم انتصار للشعب التركي؟

16/06/2015

 

هزيمة لأُردوغان أم انتصار للشعب التركي؟

د. نزار بدران

لم يتمكن الرئيس التركي طيب رجب أُردوغان، من ربح رهانه، بالحصول على أغلبية برلمانية مطلقة، وذلك  للمرة الرابعة على التوالي، لتمرير مشاريعه للسيطرة على كافة مقاليد الحكم، مُعطياً للمنصب الرئاسي صلاحيات لم تكن موجودة، عندما كان أُردوغان نفسه رئيساً للوزراء.

يجب علينا أن نستخلص العبر من هذه التجربة الديمقراطية الرائدة، فالشعب التركي بحكمته استطاع أن يميز بين الغث والثمين، فهذا الشعبُ الذي أوصل الرجل وحزبه منذ ثلاثة عشر عاماً إلى السلطة، وإعطاه كافة مفاتيحها، فعل ذلك لأنه رأى في أُردوغان الإبن الذي يمكن الرهان عليه ديمقراطيا، وهو الذي وضع نفسه وحزبه في خدمة الشعب التركي بكل مكوناته، واستطاع بجهد حثيث أن يُحقق للمواطن التركي، أُسس العيش الكريم مُضاعفاً ثلاث مرات دخله القومي، مبادراً نحو حل عادل للمشكلة الكردية، مبني على حق الأكراد بحكم مناطقهم وتطوير ثقافتهم واستعمال لغتهم.

ولكن الانفراد بالسلطة لحزب واحد، وأخيراً لشخص واحد؛ دفع أُردوغان لأن يتصور أنه أصبح بإمكانه تغيير قوانين اللعبة التي أوصلته إلى السلطة، ليبقى فيها ومن موقع رئيس الجمهورية، سالباً بذلك سلطات رئيس الوزراء.

تصور أُردغان أنه يستطيع أن يعكس كونه خادماً للشعب مؤتمراً بأمره، الى كونه متلاعباً بأصوات هذا الشعب، لتحقيق مآربه الشخصية، وهو الذي لم يتوان عن قمع الحراك الديمقراطي، المُتمثل باستعمال العنف المفرط، في ساحة تقسيم أو جيزي، لم يعد يحتمل الرأي الآخر، ووقوعه تحت مؤثرات وهم العظمة والعصمة، وبدأ يتخيل المؤامرات التي تُحاك ضده من كل حدب وصوب. حتى تحولت الشعارات التي رفعها حزبه في العام 2002؛ (تعددية؛ حرية؛ إصلاح) في العام 2015 إلى (مؤامرات، إرهاب، ومنظمات موازية).

أراد أردوغان الاستحواذ على السلطة، وذلك باتباع طريقة بوتين بروسيا، أو الرئيس واد بالسنغال، أي سحب السلم بعد الصعود إلى شجرة الحكم، حتى لا يتاح الصعود لأحد بعده، هذه السياسة نجحت في روسيا، لكون السلطة أقرب للنظام الديكتاتوري منه للديمقراطية، فمنعت المعارضين من أي نشاط، وأغلقت الصحافة المستقلة، وقتلت الصحفيين والمعارضين المُنتقدين لسياسات بوتين، وبالنهاية يُذكر أنها أيضاً زورت الانتخابات. في الحالة الثانية بالسنغال لم يستطع واد توريث السلطة لابنه بعده، وهو الذي حصل عليها بالانتخابات الديمقراطية لوعي الشعب السنغالي وتمكنه من الديمقراطية.

أردوغان لحسن الحظ، لم يعمل على إلغاء الديمقراطية كبوتين، وإنما قام بالتلاعب بها، في مُحاولة لتشويه صورة المعارضين والعلمانيين والأكراد، واللعب على الحساسيات العرقية  والدينية.

قيادة حزب الشعوب الديموقراطي المُنحدرة من أصل كردي، والتي زعزعت بحصولها على ثمانين مقعداً، مشاريع أردوغان، قامت على عكس ذلك بالغاء  صفتها الكردية، وانتمت في حزبها الجديد إلى الأمة التركية، ورفعت بمظاهراتها وتجمعاتها أعلام تركيا وصور أتاتورك؛ مع أن هذين الرمزين؛ لم يكونا في قلب شعارات الشعب الكردي لفترة طويلة، بسبب ما مورس ضدهم من قمع. إلى أن استطاع هذا الحزب الصغير أن يبتعد عن مكونات الأكراد العنيفة (حزب العمال الكردستاني بقيادة أوجلان).

وقد فشلت محاولات زعزعته قبل الانتخابات، بسبب ذكاء قيادته الشابة، والتي لم ترد على تفجير إرهابي في إحدى تظاهراتها، والذي أودى بحياة اثنين من مؤيديها، ولم يستطع الفاعلون الوصول إلى هدفهم، وهو دفع هذا الحزب التركي (وليس الكردي) الجديد للعودة إلى صورة طائفية وعرقية (كحزب أوجلان).

لقد استطاع هذا الحزب الحصول على أكثر مما كان متوقعاً من المقاعد، رغم أن الحملة الانتخابية الرسمية لم تعطه إلا ثلاث ساعات بالأسبوع، مقابل أكثر من مئة ساعة لحزب العدالة والتنمية.

لقد أظهر الشعب التركي حكمته، وأسقط مشروع أردوغان، الرئيس الذي أحبوه حقاً وحملوه على أكتافهم، عندما كان يمثل روحهم الحقيقية، ببناء وطن تركي موحد، يخدم حقوق كل مكوناته، وأسقطوا مشروعه الرئاسي الذي يتنافى مع مفاهيمهم القائمة على أهمية حمل الأمانة في مجال العمل العام، والانحياز للمعطيات السياسية التي ترفض التلاعب بأصواتهم.

يضاف الى ذلك مواقف أردوغان الخارجية المتذبذبة، من عذابات الشعب السوري كضحية لنظام همجي. وقد أعلن مراراً وتكراراً خطوطاً حمراء وزرقاء تعداها النظام السوري بدون أي رادع، وضعف رده على إسرائيل بعد مهاجمتها لسفينة الحرية مرمرة، مكتفياً بالاعتذار الباهت والتعويضات الرمزية، كما أظهر أيضاً ارتهان أردوغان رغم عنفوانه وتصريحاته النارية للسياسة الأمريكية بالمنطقة وعدم مقدرته على تخطيها، مضعفاً بذلك دور تركيا الرائد لدعم الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي.

حقاً لقد دخلت تركيا مرحلة النضج الديمقراطي، ولا أظن أنه بعد اليوم سيظهر سياسي آخر يُحاول سحب السلم الذي يوفره له الناخبون. فالرقابة الديمقراطية للمجتمع المدني على الحكم ومكوناته هي حقاً أنجع وسيلة للابتعاد عن شبح عودة الديكتاتوريات؛ علمانية كانت أم إسلامية.

 

وفي عينيك الحزينتين يبدأ موطن الحلم بابلو نيرودا/ وفي عينيك الحزينتين يبدأ حلم الوطن الآتي

15/05/2016

وفي عينيك الحزينتين يبدأ موطن الحلم                                                              بابلو نيرودا

وفي عينيك الحزينتين يبدأ حلم الوطن الآتي

 

  “أستطيع أن أكتب الأشعار الأكثر حزناً هذه الليلة، أن أفكر بأنها ليست لي، أن أشعر باني فقدتها” هذا ما قاله الشاعر العالمي الشهير بابلو نيرودا شاعر المقاومة التشيلية ضد الفاشية.

  حب الوطن هو ما تتقاسمه الإنسانية جمعاء، فالأوطان تُعلمنا العشق، الحبيبة جميلة دائماً، دافئة دائماً، فى حضنها يشعر الإنسان بالطمأنينة، حتى لو قست علينا.

  ويقول أيضاً في قصيدة أخرى “حُبي يحيا حياتين من أجل أن أُحبك، لهذا فأنا أُحبك حين لا أحبك، وأُحبك حين أُحبك”.

  يتقاسم حُب فلسطين قلوب الفلسطينيين وكل المُحبين، فاسمها يوحي للأجنبي قبل العربي، بالحرية، وألوان علمها تُرفع عالياً في شوارع أجمل العواصم والمدن، من باريس إلى لندن إلى البندقية.

 ثمانية وستون عاماً ونحن نَحِنُّ إلى العودة لحضنها والركض في حقولها، وبين أشجارها والعوم على شواطئها، والصلاة في مساجدها وكنائسها.

   أمنا الأرض كفكفي دموع أمهاتنا وآبائنا، وهدئي من روع من فقد ابنه أو من فقد بيته وحقله، أمنا الأرض أدخلي السكينة إلى قلوب الأمهات الثكالى، واللاجئين المهجرين للمرة الألف، أمنا الأرض هدئي من ارتعاش جسد الأطفال في مخيم اليرموك، وفي كل مخيمات الشتات، لم ننس أن نلصق مفتاح بيتنا في صمام قلبنا ليخفق في كل لحظة معه، ويعطينا القوة للعيش حتى نعود إليك.

  لم ننس أن نحمل حفنة من ترابك، لنرى في ذراتها ألوان زهور حقولنا وجبالنا، وأن متنا فلكي تغطي أجسادنا، وليبق دافئاً بحبك. ولنحمل مفاتيح بيوتنا في قلوبنا وقلوب أبنائنا من بعدنا، هذا ما تعلمناه وما سنعلمه لهم.. حتى العودة.

  وكما قال بابلو نيرودا “يمكنك أن تقطع كل الأزهار، ولكنك لا تستطيع أن تمنع الربيع من القدوم”.                                                 

                                                                                 د. نزار بدران                                                   

 

الديمقراطية ودولة المواطنة بديلا للاستبداد والدولة الطائفية

14/02/2016

الديمقراطية ودولة المواطنة

بديلا للاستبداد والدولة الطائفية

نزار بدران

من الصعوبة بمكان أن نُحلل سيادة وانتشار الطائفية، كفكر سياسي في كثير من الدول العربية، وانعكاساتها على الواقع الشعبي، على شكل تقتيل وتشريد وتهجير. نرى ذلك بالعراق وسوريا واليمن، وقد نرى ذلك أيضاَ في مناطق أخرى في القادم من الايام.

يرجع المحللون المتابعون، منابع هذه الطائفية ومواردها ومآلاتها، إلى التاريخ حديثه وقديمه، محاولين فهم الفوارق، بين مفاهيم الطوائف المختلفة للنصوص الدينية، خصوصاً الاتجاهات المُتطرفة والداعية للعنف. هم يُفسرون تصرفات المجموعات المتطرفة، بفهمها الخاطيء للنصوص التي اجمعت كل الطوائف على صحتها وتبنيها، على الرغم مما رست عليه تفاسير كل مجموعة وطائفة واستنتاجاتها منها، وهي على الأغلب تتعارض مع سواها، لتضعهم جميعاً في مواجهة بعضهم البعض.

من هنا شكل الابتعاد عن الفكر الإنساني لفهم الواقع الذاتي، واستنتاج ما يجب أن نفعله بأنفسنا، واستبدال ذلك بالفكر الديني النصي الغيبي المُطلق، مدعاة للمزيد من الصراعات، وليس إلى الحد منها، لأن “الحقيقة المطلقة”، كما فُسرت بالنص الديني، لا تقبل الجدل والمناقشة. وبما أن لكل طائفة تفسيرها، و”حقيقتها المطلقة” التي تستنتجها من النص ذاته، فالصراع باقٍ، ما لم يسترجع الإنسان حقه بالتفكير خارج الأطر الغيبية والدينية.

الطائفية إذن، لا يمكن أن تكون حقيقة في نص، أي نص ديني، وإنما هي العشائرية والقبلية، التي تُشرع لنفسها حق قتل واضطهاد ورفض الآخر، بناءً على نفس هذه النصوص المُشتركة لكل الطوائف.

الواقع الاجتماعي العشائري والقبلي والفئوي، هو إذن الأساس في تطور هذه الطائفية المقيتة، ومن هنا، فإن الرد على ذلك، لإعادة لُحمة المجتمع، هو بناء تفسير ديني عقلاني حداثي، يجمع الكل على فهم واحد، وإن اختلفت الطوائف وتعددت الأقليات. بناء مرجعيات دينية، مُتجددة متوحدة، قد يكون وسيلتنا لإنهاء التطرف الديني الأصولي والطائفية، التي تصول وتجول في بلاد العرب والمسلمين.

هذا ما نقرأه ونسمعه هذه الأيام، من عديد من المفكرين والمتعلمين وفقهاء الدين. ولكنه للأسف رغم عقلانيته الظاهرة هو خطأ، ولا يعكس الحقيقة، ولا يأخذ من المُعطيات الاجتماعية، إلا ما انتقى ولاءم فكره. هذا التحليل خاطيء لأنه يشبه الناظر إلى العالم الخارجي، من خلال ثقب صغير، فهو لا يرى من هذا العالم، إلا الشيء البسيط والقريب.

هؤلاء المفكرون تناسوا أهمية ترتيب التناقضات الاجتماعية، وأولويات حلها، فهم بهذا التحليل يستبدلون التناقض الأساسي للأمة، مع أنظمة الاستبداد، بتناقض ثانوي وهو اختلاف المفاهيم الدينية عند الطوائف المختلفة، أو المصالح عند الأقليات، متناسين التلاعب بها وتجييرها من قِبل الأنظمة، في مجتمعات محافظة، قليلة التعليم والمعرفة، وما زالت أكثر قرباً من الانتماء القبلي والعائلي منه إلى الانتماء للوطن والأمة.

يجب فهم الحقيقة التاريخية لتاجيج الطائفية عندنا، من واقع التجزئة العربية، وما نتج عنه من استبداد قائم منذ عشرات السنين، مضافٌ إليه وجود إسرائيل المرتبط جذرياً بهذه التجزئة، وتلك الديكتاتوريات، والتناغم الحالي بين الأنظمة العربية وإسرائيل، ضد ثورات شعوبها واضح للعيان، والتوافق السوري الروسي الإسرائيلي، لم يعد خافيا على أحد.

هذه الوضعية الجدلية، بين الوضع السياسي العربي من جهة، والاستبداد والتجزئة وإسرائيل من جهة أخرى، هي التي تُفسر ظهور الطائفية السياسية المفاجيء، في عالمنا العربي والإسلامي، كرد من هذه القوى المُتحالفة، ضد خطر الثورات العربية، والتي انطلقت من تونس.

إغراق هذه الأوطان بالدمار والحروب، هو رد هذا المحور، لمنع انبعاث روح الحرية. الطائفية والتطرف الديني الأصولي، هي أحد هذه الوسائل، والتي تحاول أن تستبدل تناقضات المجتمع، مع السلطات الاستبدادية، بتناقض مكونات المجتمع نفسه فيما بينها.

عندما كانت الأنظمة ممسكة بخناق شعوبها، لم تكن لتميز بين طائفة وأخرى، بين كرد وعرب أو سنة وشيعة، الكل كانوا في خانة الغائب والمقموع. ولكن الحراك الديمقراطي العربي، هو الذي أفزعهم وأظهر هشاشتهم، كما أن رد هذه الأنظمة العنيف، بين أن الأسلحة المُكدسة، لم تكن لتحارب بها إسرائيل حليفتهم، وإنما لمحاربة شعوبهم والتشبث بالسلطة.

الفكر الديني المحافظ، والتقاليد القبلية والعشائرية، والجهل وقلة التعلم، تُستعمل بسهولة لخلق التناقضات داخل المجتمع الواحد. للأسف جزء كبير من الكتاب، ومُدعي المعرفة، دخلوا في معمعة الطائفية، بقصد أو بغير قصد، وفسروا المآسي بوجود أو عمل طائفة مُحددة، فالصفوية وطبيعة المذهب الشيعي، في فهمهم، هو ما يُفسر الحرب بالعراق وتجزئته، مُتناسين ما قدمه هؤلاء، للدفاع عن وحدة العراق زمن الاحتلال البريطاني وهزيمته. في حين كان البربر هم من حارب بشمال المغرب، لتحريره من السيطرة الإسبانية والفرنسية، وكانوا من دعم عبد الكريم الخطابي. كذلك الأمر في زمن الثورة الجزائرية، ضد الاستعمار الفرنسي، والأقلية المسيحية بالمشرق هي من رفعت راية اللغة العربية والعروبة، في بداية القرن ضد الوجود العثماني، والقائمة طويلة.

الأنظمة الاستبدادية، هي إذاً، رديفة الطائفية وخالقته، عندما تخاف على وجودها وبقائها، من حراك جماهيرها. أما الانظمة الديمقراطية التي تأسست كناتج من نواتج القيم الإنسانية، وإيمانها بالحرية والمساواة والتآخي، فهي وحدها القادرة على بناء دولة المواطنة، بدل دول الرعايا والطوائف. هذه الدولة كانت هدف الثورات العربية. فهذه كانت الشعارات التي رفعتها رايات شباب التحرير, وشارع بورقيبة, وأطفال درعا, وساحات الاعتصام بالعراق واليمن. ولسحقها حركت الأنظمة الاستبدادية جيوشها ودباباتها وطائراتها, ولإنهائها خلقت الطائفية والتطرف الأصولي الديني. وللأسف نجحت هذه الأنظمة لحد الآن باحتواء الأمل مستبدلة إياه بالألم والدمار والتقتيل والتهجير.

على الأحزاب الشبابية الديمقراطية ومحبي ألحرية ان يبدأوا من اليوم بالعمل لأعادة بوصلة النضال ومحورة التناقض بين الأنظمة والشعوب الى الاتجاه ألسليم، ورفض محاولات الأنظمة المستميتة لخلق تناقضات جديدة, فيما هي تحاول جاهدة إبعاد التناقض الرئيسي – وهي أحد أطرافه الرئيسيين – مستبدلة إياه بتناقض وهمي داخل المجتمع، مصورة نفسها كونها هي الحل، أو وسيلة لحل هذا التناقض الجديد, آملة بأن تستعيد لنفسها دور حامي الديار، والمدافع عن الأقليات والمظلومين.

السعودية عجز مالي ام عجز سيادي؟

02/01/2016

السعودية عجز مالي ام عجز سيادي؟

نزار بدران

أعلن وزير المالية السعودي عن عجز مهم في الميزانية لعام 2015 يُقدر بحوالي 98 مليار دولار، بالتوازي مع سلسلة من الإجراءات التقشفية، تمس أولاً الطبقة الوسطى، كالطلاب وأصحاب المهن.

استطاعت السعودية في السنوات الأخيرة، من امتصاص أي حَراك جماهيري حَداثي، أو انفتاح على العالم، والإبقاء على تركيبتها القبلية القديمة، حيث تملك عائلة واحدة، ولو كبُر حجمُها، مقاليد الحكم بكل مُشتقاته، من سياسة واقتصاد وتشريع وقضاء وإعلام، كل ذلك في إطار اتفاقية قديمة مع الولايات المتحدة الأمريكية لعام 1945، والتي محورها العام هو النفط مقابل دعم النظام.

الفائض المالي الكبير مكن من امتصاص ارتدادات الربيع العربي لعام 2011، عن طريق توزيع مليارات الدولارات، لكسب السلم الاجتماعي، وبعد ذلك بالسنوات التالية، استطاعت الحد من انتشار الربيع العربي، عن طريق دعم قوى الثورة المُضادة، وأيضاً بالمليارات العديدة. ثم أدخلت اليمن والتي انتصرت بها الثورة سلمياً، بحرب ضروس، تُكلف هي أيضاً مليارات ومليارات، حتى لا تكون مثالاً يُحتذى به. ودعمت الاقتصاد الأمريكي، عن طريق شراء الأسلحة وتكديسها بمليارات أخرى، وتدفع أيضاً فاتورة الحروب الأمريكية بالمنطقة.

كل هذا الصرف، طبعاً، من ميزانية الدولة وليس من جيوب الحكام وحاشيتهم، المُمتلئة بالدولارات، والتي هي بالعكس، لم ولن تعرف أي أزمة اقتصادية.

التغيُرات العالمية وتبعية السعودية لأمريكا، بالسياسة الخارجية، أجبرها بناءً على طلب أمريكي، بخفض أسعار النفط بعد الحرب الروسية على أُوكرانيا، وهو ما أدى إلى الصعوبات المالية والحاجة لسياسات تقشفية شديدة. إن أضفنا كل هذه العوامل، نجد أن لا مناص للسعودية، إلا بالتخلي عن حلفائها المُكلفين كالجنرال السيسي والضابط حفتر، هذا سيؤدي بشكل تلقائي إلى عودة الحياة للمعارضة المصرية وللربيع العربي.

سياسة التقشف، والتي ستطول، لأن الأمور الاقتصادية لا تتحسن بين ليلة وضحاها، ستُعري تدريجياً فقر السلطة الحاكمة السعودي، بالتعامل مع هذه التحديات، المحلية والعالمية، خصوصاً عندما نرى أن النفط هو أهم مصدر بالميزانية، وعدم وجود إمكانيات مرئية، في المستقبل القريب، لتصاعد بأسعاره من جديد. بدل أن يتجه نحو الانفتاح الداخلي على المجتمع السعودي، والبدء بعملية تحول ديمقراطي، وهو الوحيد الكفيل بوضع الرجل المناسب بالمكان المناسب، واعتماد السياسة المناسبة في المجال الاقتصادي والسياسي. سيستمر حكام السعودية، كعادة كل الحكومات الاستبدادية بالعناد، هدفهم الحفاظ على ميزانياتهم الخاصة، والتي تفوق بحسب تقديرات المُختصين، ميزانية الدولة، وكذلك لا نرى مظاهر السيادة الكاملة الا في قمع  واعدام وإبعاد أي صوت، يعترض أو يُطالب بالتغيير .

العودة للحراك الديمقراطي الشعبي، سيكون تقريباً هو الرد الوحيد الممكن، على سياسة الحكومة السعودية، ولكنه كباقي دول الربيع، سيلتقي برد فعل السلطة العنيف، والتي دفعت آلاف المليارات لحد الآن لمنع انطلاقه، بدل دفعها لبناء رفاهية شعبها وسعادته.

عودة الحياة إلى قوى الربيع العربي، خارج السعودية، والانتصار على قوى الثورة المضادة القادم، سيكون نقطة البداية للتغيير الديمقراطي المأمول بكل دول المنطقة.

 

 

أنوار الفلسفة وظُلمات الجهل

28/11/2015

 

أنوار الفلسفة وظُلمات الجهل

نزار بدران

 

في الخميس الثالث من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) يحتفل العالم باليوم العالمي للفلسفة. وهي كلمة من أكثر الكلمات استعمالاً، ونسمعها بشكل مستمر، تُستعمل في تعابير لغوية عديدة، ومع ذلك لن تستطيع أن تجد شخصين يتفقان على تعريفها وإعطاء دلالاتها.

لكن الناظر إلى التاريخ، وخصوصاً التاريخ العربي الإسلامي، سيكتشف أن كل الحضارات بُنيت على الفلسفة، بدونها لا يوجد إبداع ولا تحضُر، هي حقيقة مصدر الإنارة لكل الناس، وليست حكراً على نخبة معينة.

الحضارة اليونانية أسست للفلسفة مع رجال عظام مثل أرسطو، الذي عاش بالقرن الرابع قبل الميلاد، ومعلم إسكندر المقدوني. بنى فلسفته على مفهوم أن الفكر هو الأداة والوسيلة للمعرفة، كذلك أفلاطون، مؤسس علم المنطق، الذي عاش بالقرن الخامس قبل الميلاد، والذي عرف الفلسفة “بالسعي الدائم لتحصيل المعرفة الكلية الشاملة، التي تستخدم العقل وسيلة لها، وتجعل الوصول إلى الحقيقة أسمى غاياتها”.

هذه الفلسفة أسست أيضاً للحضارة الإسلامية عندما نُقلت وطُورت في بلادنا مع ابن سينا والفارابي وعشرات غيرهم، وأهمهم ابن رشد، الذي عاش بالقرن الثاني عشر وعينه خليفة المُوحدين طبيباً ثم قاضياً بقرطبة، وأقبل على تفسير آثار أرسطو، اتهمه علماء الأندلس والمعارضين بالكفر والإلحاد، وأبعد إلى مراكش وتُوفي فيها.

لم يستطع الغرب الخروج من ظُلمات القرون الوسطى، إلا عندما نُقل له بدوره تلك الحضارة، عن طريق المسلمين بالأندلس، وبعد احتلال غرناطة، قام المُنتصرون بزمنه، بأخذ كل الكتب الموجودة بالمكتبات الأندلسية، وهي بالآلاف، وتُرجمت كلها ووُزعت تدريجياً على أنحاء أوروبا. قراءتها وفهمها سمح بخروج فلاسفة وعظماء أوروبيين أمثال ديكارت، مؤسس العقلانية وكانط وغيرهم.

الحضارة الصينية بُنيت أيضاً على فكر كنفوشيوس، الذي كان يُدعى نبي الصين، وعاش بالقرن السادس قبل الميلاد، واستمر فكره لقرون طويلة حتى وصول الشيوعية بالقرن العشرين، فكر مُسالم أخلاقي، تُختصر فلسفته بـ “أحب لغيرك ما تحب لنفسك”.

انتقلت الأمم من الحضارة المتنورة إلى الظُلمات، عندما ابتعدت عن الفلسفة، فبعد نفي ابن رشد من الأندلس إلى مراكش لم تقُم لنا قائمة، وحكم اليونانيون بالموت على فيلسوفهم سقراط، وسجن كهنوت روما علماءهم كجاليليو وكوبرنيك، واستنكروا عليهم كشوفاتهم، وحتى كون الأرض كروية وتدور حول الشمس.

لماذا هذا الترابط الوثيق بين الحضارة والفلسفة، لفهم ذلك علينا أن نُعطي تعريف الفلسفة المُتوافق عليه كحدٍ أدنى، وهو “ذلك النهج الذي يضع الإنسان كهدفه الوحيد مُستعملاً العقل كوسيلة والوجود كمجال”.

كل إنسان يعمل بمهنته بهذه المُعطيات، هو فيلسوف بعمله ومجاله، يُساعد على نشر النور وكل من دعا إلى الغيبيات والابتعاد عن العقل والفكر، والاعتماد على النصوص الغيبية والدينية لتفسيرها فقط، هو مبعث للظلمات.

استطاع ابن رشد في زمنه، أي القرن الثاني عشر، التوفيق بين الفلسفة والدين، عن طريق إعطاء الأولوية للعقل دائماً، ولم يكن ذلك مُعتبراً خروجاً عن الدين، بل إغناء له وهو ما يُسمى الاجتهاد، أي توفيق الدين مع العلم والفلسفة وليس العكس. لذلك دفع ابن رشد حياته ثمناً لإصراره على هذا النهج العلمي، فتحت ضغط شيوخ زمانه على خليفة الموحدين، أبو يعقوب، نُفي ومات في مراكش، وهو الذي فسر كتب أرسطو، ويُعتبر تفسيره لحد الآن، المرجعية الفلسفية لفهم هذا الفيلسوف اليوناني العظيم، ويكون بذلك قد سهل على الغرب فهم فلسفة اليونان، ووضعهم على طريق الخروج من القرون الوسطى، والوصول إلى زمن النهضة، بينما لم يتمكن، لسوء طالعنا، من فعل ذلك في ديار الإسلام.

نستنتج من ذلك أن تنحية العقل والفكر هو المصدر الأول لكل مآسينا، منذ ثمانية قرون، وإن لم نعد إلى هذا النهج، سنبقى خارج التاريخ. ففي بداية القرن العشرين حاول الشيخ محمد عبده، بناء فكر متنور مشابه، ولكنه لم يتمكن من الاستمرار، نتيجة الضغوط الاجتماعية المُحافظة والتي لا تقبل التغيير.

الاحتكام فقط إلى النصوص اللاهوتية، مهما كانت، تؤدي كما نرى وفي واقع تجاربنا المرة إلى خروج وحوش من بين ظهرانينا، لأن الاعتماد على النص يعني عملياً الاعتماد على تفسيراته العديدة، حسب المدارس الدينية، وهو ما يعني أن أي نص ديني مهما كان، يمكن أن يؤدي عند أُناس مثل الشيخ محمد عبده، إلى البناء والعلم وعند ظلاميي خوارج العصر إلى قطع الرؤوس ودمار المجتمع.

ناتج ذلك كله يفيد بأن العودة لفكر محمد عبده ومن قبله ابن رشد، وإعادة الاعتبار للفلسفة، قد يساهم أو ربما يكون كفيلا بإعطاء الأمة، أمل الانتقال من الظلمات إلى النور، وما ذلك على الله بعسير.

في بلاد الغرب تُدرس الفلسفة كمادة مهمة في البرامج المدرسية، في فرنسا تُفتتح دورة امتحانات نهاية المرحلة الثانوية بامتحان الفلسفة، الذي يتكلم عنه وتتباهى بالإجابة على أسئلته، كل وسائل الإعلام، المكتوبة والمسموعة والمرئية. أما في بلادنا فلا يوجد لمادة الفلسفة مكان، وهي مع الأبحاث العلمية، تُعتبر من الكماليات، بمعنى أن لا أولوية لها في ظروفنا الصعبة !.

 

بوتين يهرب إلى الأمام!

10/10/2015

 

بوتين يهرب إلى الأمام!

نزار بدران

 

تُقدم العديد من وسائل الإعلام التدخل الروسي الحديث في سوريا،على أنه نتيجة سياسة روسية صائبة، مقابل التخبط الغربي والعربي، الذي تعودنا عليه منذ أربع سنوات، فالغرب وعلى رأسه أمريكا، يُعطي الانطباع بأنه اكتفى بالتصريحات الجوفاء، ولم يستطع أن يفعل شيئاً أمام التحالف السوري الإيراني الروسي. ولكن الحقيقة التي يجب الالتفات إليها، أن الأمر يختلف في رأيي عن ذلك كثيراً، فلو تصورنا لحظة أن التحالف السوري الروسي الإيراني كان مُنتصراً وثابتاً على الأرض، وأن قوات جيش بشار الأسد تتقدم على كل الجبهات، من درعا إلى حماة وحلب ودير الزور، لما احتاج هذا التحالف إلى تغيير تكتيكاته ودخول قوة عُظمى إلى ساحات الصراع.

لكن الحقيقة أن المشارفة على انهيار النظام السوري، وفشل النظام الإيراني والميليشيات المذهبية المسنودة من طهران في دعمه، رغم كل ما قدم حتى الآن، والخسائر الكبيرة التي مني بها حزب الله، وأمثاله من ميليشيات “الحشد المذهبي” العراقي والأفغاني، وانحسار أماكن تواجدهم لصالح قوى المعارضة، هو الذي أجبر قسراً، الرئيس فلاديمير بوتين، على دخول المعركة مباشرة، مُكرهاً وليس لكونه بطلاً سياسياً محنكاً. على أن فشل سياسة إيران في سوريا لإنقاذ النظام، رغم الدعم المالي والعسكري الهائل لروسيا، هو ما كان وراء القرار الروسي بالتدخل المباشر.

وكأي نظام غير ديمقراطي، يبني بوتين سياسته الداخلية والخارجية، على مبدأ قمع وإنهاء المعارضة الروسية؛ فهذا نظام لم يرث من الحكم الشيوعي إلا مؤسساته الاستخبارية والبوليسية، ولم يستعمل الديمقراطية والانتخابات إلا لسرقة روسيا وثرواتها، لصالح حكمه، وحكم المافيات التي يمثلها، في استعادة مكرورة لنهج حكم يحتكم ويستند بدوره لأوهام الذات القيصرية.

يأتي التدخل الروسي في سوريا، في إطار منع ولادة أي نموذج ديمقراطي في أي مكان، خوفاً من العدوى التي قد تصل إلى شعبه، ولكنه في نفس الوقت يُعطي المعارضة الروسية وسائل جديدة لتعبئة الرأي الداخلي ضد بوتين وسياساته، خصوصاً وأن ذكرى الحرب الأفغانية ليست بعيدة، ومئات الجنود الذين عادوا بتوابيت لروسيا، لم تُنس بعد، بالإضافة لمستوى الحياة المُتراجع مع الأزمة الاقتصادية، وانخفاض سعر النفط، وتكاليف حرب أوكرانيا.

بمعنى من المعاني، يشكل تدخل بوتين وبقوة عسكرية كبيرة، نوعا من الهروب إلى الأمام، حيث المخاطر تحدق وتحف بهذا التدخل من كل الجهات؛ الانتصار فيه يعني إنقاذ بشار الأسد وإنهاء الثورة، بينما الهزيمة فيه تحتم زوال بشار ونظامه. ولسوء حظ بوتين، فسوريا ليست الشيشان الصغيرة، ولن يستطيع أن ينجح في ما فشل فيه الإيرانيون، بكل قوتهم وقوة حلفائهم.

الصديق الوحيد للسياسة الروسية في هذه المرحلة هو إسرائيل، ونحن نرى ذلك كل يوم، فهي الوحيدة في العالم التي لها مصلحة حقيقية بإبقاء النظام السوري، لأنها تُدرك أن انتصار الربيع العربي، الذي سيتبع انهيار الحكم السوري، سيشكل خطراً على وجودها، فشعوب ربيع الأمة لن تقبل انتهاك حقوق جزء منها وهو الشعب الفلسطيني، وسرقة قطعة من أراضيها وهي فلسطين.

من هنا يمكن رؤية أن المشترك ونقطة الالتقاء في السياسة الدولية تجاه سوريا، هي مصلحة إسرائيل والأمن الإسرائيلي، وليس مُحاربة الإرهاب، كما يدعون ويخلقون لها الفزاعات، فالغرب بتخبطه الظاهري وفشله في دعم الثورة، يُترجم واقعياً، سياسات تتناقض مع مبادئ الديمقراطية المؤسسة له، وحتى لمصالحه المستقبلية، وذلك تحت تأثير ولصالح اللوبي الصهيوني، الذي ما زال مسيطراً على كثير من مواقع القرار ووسائل الإعلام. وروسيا من ناحيتها تتدخل كما تشاء، مداً وجزراً، وتتحالف عسكريا مع من كانوا يعتبرون ألد أعداء إسرائيل، أي إيران وحزب الله، بدون أي احتجاج إسرائيلي، بل على العكس، أُعطيت لها كل المباركة والتأييد.

لنفهم بوتين، علينا أن نُدرك مدى خوفه من الشعب الروسي ومطالبه الديمقراطية، ولنفهم الغرب علينا أن نُدرك الدور الإسرائيلي، في صياغة سياسات دوله.

قد يكون مستقبل سوريا والربيع العربي، مرتبط بشكل أو بآخر، بإرساء الديمقراطية الحقيقية في روسيا، وحينها لن تدافع إلا عن مصالح شعبها، وتتضامن مع حراك كل الشعوب، وتدعم حقوقهم بالديمقراطية والعيش الكريم. وقد يكون هروب بوتين الى الأمام “غلطة الشاطر” التي ستُعيد الصحوة والحراك إلى ملايين المقهورين في روسيا، حيث صادر بوتين حقهم بالحياة الكريمة، لصالح إمبراطوريته الوهمية. ورُب ضارة نافعة.