الربيع العربي الثاني

24/09/2015

 

الربيع العربي الثاني

نزار بدران

 

منذ بضعة اسابيع عادت الاحتجاجات إلى شوارع بيروت، منعشة أمل إعادة انطلاق الربيع العربي. طير السنونو اللبناني، أكد ما كان قد أعلنه طير السنونو العراقي، قبل ذلك ببضعة أسابيع، بأن فصل الربيع قد عاد من جديد.

لقد أغرقت الأنظمة العربية الربيع الأول، ببحر من الدماء والدمار والتهجير، وكافة أشكال الإجرام، وخرجت علينا غِربان الأنظمة بكل أشكالها، ومنهم مُثقفون كنا نثق بهم، ليُعلنوا أن هذا الربيع كان مؤامرة أمريكية، وأنه الذي أنتج الحركات الإسلامية المُتطرفة وليس الأنظمة.

الحقيقة أن المُلاحظ والمُراقب منذ البدء، ومن قرأ تواريخ الثورات عبر العالم، يعلم أن تطور الأحداث والتغيير داخل المجتمعات، لا يتم بحراك واحد، وإنما دائماً هناك ثورة وثورة مضادة، ثم إعادة إطلاق الثورة من جديد، بعد تصحيح أخطائها، وإعادة النظر في أهدافها. رد فعل الأنظمة العنيف، كما رأينا في سوريا ومصر واليمن والعراق، يُبين حجم التحديات التي تواجه هذا الربيع، السنوات الأربع الأخيرة مرت بنوع من الإندفاع والحماس الشديد، ومن بعد ذلك الانحسار. ظهور الحركات الإرهابية الدينية على هامش القمع، ووصول بعض الأحزاب الوسطية للسلطة، أضاف بُعداً جديداً لهذا الانحسار.

في لبنان كما في العراق، عاد الناس للشوارع وللساحات ليُذكروا الكل بأن المواطن هو الأساس، وأن المواطنة والدولة المدنية هي الهدف. الشعارات المرفوعة تتناقض تماماً مع البُعد الطائفي والديني للمليشيات المُسلحة والأحزاب الدينية التي ترعرعت في أحضان هذه الأنظمة وقمعها.

المواطن اللبناني يرفض في حركته “طلعت ريحتكم”، وضعه في خانة الوصاية والتبعية والخضوع لزعماء الطوائف أو زواريب المذاهب، والمواطن العراقي يرفض أن يُدعى أولاً شيعي أو سني، ويتبع أحزابا دينية طائفية، تحمي الأنظمة وتُبرر وجودها.

المواطن اللبناني والعراقي في الساحات، يُدافعان عن مدنية الدولة، وعن مساواة المواطنين على اختلاف انتماءاتهم، وحقهم بمحاسبة المسؤولين ومعاقبة الفاسدين، السارقين لخيرات وثروات الوطن.

وما محاولات النظام احتواء هذا الحراك أولاً، عن طريق تبنيه، وبعد ذلك محاربته وقمعه، إلا وسيلته التقليدية وحيلته التي لم تعد تنطلي على أحد. فالحراك العراقي في المناطق الشيعية يُوازي الحراك العراقي قبل ثلاث سنوات في المناطق السنية ولنفس الأهداف، والذي قابله نوري المالكي بالحديد والنار، وتواطأ لمحاربته مع “داعش”. ولكن هل يستطيع النظام استعمال نفس الأساليب هذه المرة، في ما كان مُتفق عليه بأنه حاضنته الاجتماعية؟.

في لبنان الحاضنة الاجتماعية المحسوبة على طيف ديني، قد تفاجئنا أيضاَ كما فاجأنا أخوتنا في جنوب العراق، برفع نفس الشعارات. إذ أن خط الفصل داخل قوى الربيع العربي يتحدد بين الظالم والمظلوم، بين السلطة والشعب، بين المجرمين بكل انواعهم والضحايا بكل فئاتهم وانتماءاتهم، وليس بين فئات الشعب نفسه. الربيع العربي الجديد، إن تأكد، سيختلف عن الربيع الأول؛ في كونه يبحث عن الإطاحة بأنظمة الاستبداد، ولكن أيضاً هذه المرة برفض البُعد الديني السياسي، الذي ظهر في كنفها ان لم يلتحق بمبادئه.

على الأحزاب الدينية بكل أطيافها، أن تنتبه إلى أن عُمق الحراك المدني العربي وقوته, هو كالتسونامي سيجرفها مع الأنظمة، وأن تعلم أن وجود هذه الحركات بكل أطيافها، من الوسطية المُعتدلة إلى المُتطرفة، لم يكن ليحدث أصلاً لولا حركة هذا التيار الاجتماعي العميق، الذي يريد أن يربط الأمة بالحداثة والعالم المُعاصر، عبر اللحاق بمفهوم دولة المواطنة الحديثة الليبرالية التي تساوي بين ابنائها مهما كان دينهم أو عقيدتهم.

لقد بدأت إرهاصات هذا التيار منذ ثلاثين عاماً عبر التغييرات الاجتماعية العميقة والبطيئة، ولم يكن الربيع العربي إلا المآل التتويجي لها، ولم يكن حدثاً وحيداً معزولا. وقد شهدنا ونشهد في الواقع أن الحاملين لرايات الدولة الدينية، هم كأمواج البحر على السطح، تتلاطم من دون أن تصل إلى أي مكان.

إسلاميو تونس وتركيا استطاعوا أن يواكبوا الحراك الديمقراطي، ويطوروا مبادئهم وشعاراتهم، في اتجاه المطالبة بالدولة المدنية, وهكذا حافظوا على امكانية مشاركتهم برسم مستقبل الامة وانارة الطريق للاخرين.

ربيع بيروت وربيع بغداد والبصرة، وربما حراك السويداء بسوريا لم يزل في بداياته، نأمل أن يكبُر ويتسع، ليعم كل أنحاء الوطن العربي من جديد، وستكون نقطة اللاعودة فيه هي إسقاط النظام السوري الذي انكسرت على صخرته موجة الربيع الأولى، لتعود وتلتهم ثورة مصر واليمن وليبيا. على أن إزالة هذا النظام في القادم من الأيام، سوف يعيد لا محالة، الموجة إلى الاتجاه الصحيح، ولكن هذه المرة بشعارات وقيادات واعية، لن تترك المكان إلا بعد النصر الكامل.

أين قافلة الحرية القادمة من المشرق؟

11/06/2015

أين قافلة الحرية القادمة من المشرق؟
نزار بدران
تابعنا بشغف أنباء وتطورات رحلة أسطول الحرية التي انطلقت من اليونان،
ومناطق أوروبية أخرى، وضمت جمع من الشخصيات العربية والأوروبية
المتضامنة، لكسر حصار غزة رمزياً. توقعات المشاركين لاعتراض البحرية
الإسرائيلية لهم لم يكن ليفاجئهم، فلو أراد العدو الإسرائيلي الرضوخ للمطالب
الإنسانية، لفعل ذلك منذ زمن طويل، الهدف الأساسي إذن لهذه الحملة الجديدة هو
فضح السياسات الإسرائيلية، وزيادة عزلة إسرائيل، وإخراج الفكر الصهيوني من
منظومة الفكر الإنساني وربطه بالفكر العنصري، الذي حاربه الغرب بنجاح في
جنوب أفريقيا في تسعينات القرن الماضي ..
هذه الأشياء نعرفها جميعنا، وليست في حاجة للتفصيل والتمحيص، ولكن ما لا
يُذكر ويقال: هل من الغرب حقاً يجب أن تنطلق أساطيل وقوافل الحرية لفلسطين؟؟
أم الأحرى أن تنطلق هذه القوافل المحملة بالدعم من العواصم العربية؟. أليس
الأجدى أن تنطلق من قاهرة المعز، أو من بيروت ودمشق، أو من بغداد الرشيد،
أليس الأحرى أن يكون مُنطلقها الرياض وجدة والمنامة، الرباط أو حتى طهران
؟؟ .

إن من يفكر حقاً في إمكانية تحضير حملة كهذه من دولنا العربية، سيجد نفسه
في رمشة عين وراء القضبان لتهديده الأمن القومي، وتحريضه الواضح للإرهاب
وتحالفه مع أعتى المُتطرفين .
لقد بدأ العالم الغربي رحلته مع قضيتنا خلال الخمسينات من القرن الماضي،
بالدعم المُطلق لإسرائيل واحة الحرية والديمقراطية، وتطور إلى الوضع الراهن،
وهو بدأ الصحوة، تلك التي تترجمها بعض المواقف الرسمية للدول الأوروبية
ومواقفهم بالأمم المتحدة، وكذلك الاعتراف بفلسطين كدولة مراقبة وانضمامها
للهيئات التابعة للأمم المتحدة، ثم تبني البرلمانات الأوروبية لقرارات تطالب
بالاعتراف بدولة فلسطين، والأهم من ذلك هو التجاوب مع حملة المقاطعة
الاقتصادية لإسرائيل، والتي بدأت من ناشطي المجتمع المدني الفلسطيني في
أوروبا، على كل المستويات الشعبية والرسمية، حيث بدأ يظهر تأثيره في المواقف
الإسرائيلية، وردود فعل حكومة نتنياهو ..
في المقابل انتقلت الدول العربية من موقف المُعادي لإسرائيل والداعم
للفلسطينيين، إلى موقف المُتفرج على مآسيهم، والهدنة والصلح مع إسرائيل؛ وبعد
ذلك إلى موقف التحالف معها، والعداء الصارخ للفلسطينيين، كما نراه في حصار
غزة الخانق من قبل إسرائيل ومصر. أوروبا تسير إذن في الاتجاه المعاكس
لمسيرة الدول العربية، لهذا نرى أسطول الحرية يأتي قادماً من أوروبا وتركيا، ولا
نرى قوافل الشاحنات أو السيارات رباعية الدفع القادمة من صحراء الجزيرة
العربية، أو سيناء لدعم الفلسطينيين .

أمل المجتمع العربي كبير في أن تتغير السياسات الأوروبية، تجاوباً مع الرأي
العام لشعوبها، الداعم بشكل واضح للحق الفلسطيني، كما حدث مع جنوب أفريقيا.
هذا الرأي العام الذي ليس له أي وزن عند حكام دول العرب من محيطها إلى
خليجها .
كل التحية والاحترام لراكبي زوارق الحرية الذين يخاطرون بحياتهم، ليُثبتوا
للعالم عدالة قضية فلسطين وعنصرية إسرائيل, وليظهروا وبالأدلة الدامغة عُقم
أنظمة هذه البلاد المنكوبة بحكامها وبسلطاتها الاستبدادية، وانتهاء وانتفاء أي دور
لها في مسيرة التطور الطبيعي المجتمعي والسياسي والإنساني.

مظاهرات باريس ما لنا وما علينا

15/01/2015

مظاهرات باريس ما لنا وما علينا

نزار بدران

عبّر الشعب الفرنسي بتعبئة عامة وغير مسبوقة ، بتجمعاته ومظاهراته ونداءاته ، رافضاً كل ما قد يُخلّ في توازن الأمة الفرنسية اوالاعتداء على أُسس مكوناتها وهي الحرية والعلمانية  تحت مظلة القانون والدستور الفرنسي الذي أقرّه الشعب بنضاله وتضحياته  المريرة ولسنوات طويلة.

لقد بنى الفرنسيون ديمقراطيتهم ونظامهم العلماني عبر الثورة فتخلصوا من كل مخّلفات القرون الوسطى وخصوصاً بُعدها الديني.  واقتصر دور الدين على الكنائس وأماكن العباده للمؤمنين دون أي تدخل بالشأن العام ولم يبقَ لها إلا إبداء الرأي في المسائل الأخلاقية كالحفاظ على المحبة والتعاون بين الناس واختُصر الدين الكاثوليكي (دين الأغلبية الساحقة للسكان) إلى مرجعية تاريخية وعرفية تستعمل بشكل خاص لتحديد أيام الأعياد والعطل الرسمية. قليلون هم الفرنسيون الذين يستغلون هذه الأعياد في الذهاب للكنائس أو الاحتفال بمولد السيد المسيح اوالاحتفاء بالروح القدس، ما تقوم به أغلبيتهم هو القيام بزيارة عائلاتهم أو السفر في أنحاء المعمورة. الناس هنا  يعيشون هكذا مند عشرات السنين وهكذا عاش آباؤهم وأجدادهم.

وفي المقابل الجالية الإسلامية هي حديثة الوصول نسبياً لفرنسا، لم تعرف أي ثورة حقيقة في أوطانها وما زالت تتشبث بعادات وتقاليد مبنية على البعد الديني بشكل خاص، هذا الوضع القائم مند عشرات السنين ولم يكن هناك  تنافر بين مكونات الشعب الفرنسي بأطيافه المختلفة لأن مبدأ قبول الآخر والقيم والعيش المشترك هو القاسم العام وهو ما جعل العقدين الأخيرين طريقا سهلة  لاندماج المسلمين في الحياة العامة وذلك  بالمشاركة أولا بالانتخابات العامة وثانيا بالحصول على مواقع متقدمة في المجتمع والوسط السياسي.

تعثُر الثورات العربية بعد نجاحات أولية في العام 2011 وعنف الثورة المضادة والذي أودى بحياة عشرات الآلاف وتهجير الملايين كما نرى في سوريا مثلاً، سمح بدون شك لقوة ثالثة ترفع شعارات العنف الديني المُفرط في تعاملها مع كل مكونات المجتمعات العربية وفي فهمها للعلاقات الدولية بالوجود والازدهار.

هذه القوى مع طرحها لمشروع دكتاتوري جديد بغلاف إسلامي وبعيد عن أي مفهوم ديمقراطي هي في الحقيقة بديل استبدادي لحكم استبدادي.

وبذلك تواجه القوى الديمقراطية التي كانت وراء الربيع العربي قوة معادية إضافية وسدا حديديا  في وجهها لتحول دون وصولها إلى أهدافها وهي الحرية والكرامة والديمقراطية.وخاصة أنها  هشة حديثة التكوين  ، ضعيفة التسليح وقليلة الإمكانات.

هدا التحالف الموضوعي في وجه التغيير الديمقراطي بين السلطات الاستبدادية والقوى المتطرفة سيؤخر بكل تأكيد انتصار هده الثورات لكنه لن يستطيع هزيمتها، فالتغيير الديمقراطي قادم لأنه الوحيد القادر على خلق الأمل والوسائل لتحقيق حياة كريمة وعزيزة يتطلع إليها المواطن العربي ، ويعطي الأمة اسباب التقدم والتحرر والعودة من جديد للمسرح الدولي والمشاركة في بناء الحضارة الإنسانية الحديثة.

اعتداءات باريس موجهة أولا ضد المكون الديمقراطي العربي وضد مطالب الحرية والكرامة التي يرفعها أبناء الأمة في ثوراتهم من تونس إلى البحرين ومن اليمن إلى سوريا، والذين يتوقون ليروا في بلادهم صحافة حرة، قضاء مستقل، تعددية آراء، احترام الأقليات، تقبل الاختلاف وحل الخلافات بالنقاش وبالإعلام وإن اقتضى الأمر بالقضاء وليس بالرصاص والقتل.

استهداف صحيفة معروفة بخصوصيتها في استخدام السخرية والرسم الكاريكاتوري بالتعبير والتي أثارت حفيظة كثير من المسلمين قبل سنوات هدفه الحقيقي هو تغطية الهدف الأساسي وهو الرد على التدخل الفرنسي بالشرق الأوسط وأفريقيا بغطاء ديني حتى يتم إقحام الأمة الإسلامية والجالية العربية الإسلامية في أوروبا في حرب هذه المجموعات المُعلنة مع الغرب.

الرد الرسمي الفرنسي استعمل هو أيضاً هذا البُعد الرمزي لإظهار ذلك الهجوم وكأنه اعتداء ضد قيم الحرية والديمقراطية والعلمانية التي ترفعها فرنسا مُبعدة بذلك الأنظار عن تدخلاتها العسكرية خارج حدودها. إن مُراقب الأحداث في السنتين الأخيرتين يعي تماماً المواجهة المسلحة بين المجموعات الدينية المتطرفة والقوة العسكرية الفرنسية المنتشرة بالخارج هو السبب الحقيقي وراء أحداث باريس.

استطاع الشعب الفرنسي بمظاهراته المليونية العارمة والتي ذكرتنا بميدان التحرير في القاهرة أن يقول كلمته ويظهر وحدته بكل أطيافه أمام هذا الاعتداء على ما يعتبر بجدارة اعتداء على الحرية والعلمانية. ونحن المقيمين في فرنسا ندرك تماماً تمسك الشعب الفرنسي من أقصى يمينه إلى أقصى يساره وبكل مكوناته بما فيها مسلميه  بهذه القيم التي يسميها (قيم الجمهورية) والتي تعني القيم التي أُسست الجمهورية الفرنسية عليها بإنهائها الحكم الملكي الاقطاعي الديني الاستبدادي قبل أكثر من قرنين.

يعطينا الشعب الفرنسي النموذج والدرس الذي يجب أن نتعلم منه؛ الوحدة  رغم الاختلاف والصمود وعدم الخوف أمام التهديد والإرهاب.

 لم يخرج الشعب الفرنسي فقط للدفاع عن فرنسا وقيمها فقط بل للدفاع عن كل من ينادي برفع قيم الثورة والديمقراطية المطالبة بالحرية والكرامة، مظاهراته المدوية موجهة لطُغاة العالم  بكل أشكاله وموجهة أيضاً لزعمائه وقياداته السياسية المُطالبة بالدفاع عنه وعن كرامته وحريته لاحاجة بهم لرافعي شعارات فارغة تستهلك  عند الحاجة.

القيادات الفرنسية مطالبة الآن بدعم الحراك الديمقراطي العربي بدل دعم الثورات المضادة والتحالف معها أو السكوت عنها وعن جرائمها. لن يستطيع المواطن العربي التواق للحرية أن يفهم الشعارات المرفوعة في باريس إن لم تكن مرفقة بدعم نضاله في وجه حكوماته وديكتاتورياته، لن يفهم العربي الثائر الموقف الفرنسي إن لم يدعم حق الشعب الفلسطيني أمام أداة الإرهاب والقمع الإسرائيلية.

الشعب الفرنسي أظهر لنا الطريق وهو التعبئة العامة، التضامن والتحالف ونبذ الخلافات الدينية والعرقية من أجل هدف أسمى، هذه الوحدة الشعبية للصف العربي هي التي تستطيع حقاً ترجمة شعارات المتظاهرين في شوارع باريس إلى دعم لحقوقنا بدلا من تقوية أعدائنا وما تواجد نتنياهو إلا وسيلة لسرقة هذه الشعارات لصالح إسرائيل. كنا نتمنى أن تتفاعل الجماهير العربية مع كافة ضحايا القمع والاستبداد  في بلادنا من المحيط إلى الخليج  وأن تخرج بالملايين لتقول كلمتها  بصوت مدوٍّ  وهو ما لم نره حتى الآن رغم آلاف القتلى وملايين المُهجرين، إلا انه  يبقى الوسيلة الأمثل للحصول على دعم العالم لقضايانا.

وجودنا ومشاركتنا وتضامننا في فرنسا مع الشعب الفرنسي في محنته هي وسيلتنا نحن مسلمي فرنسا لمنع سرقة الانفعال الفرنسي وتجييره لصالح  اعداء الانسانية والعدل والحضارة والأمة العربية.

 

 

13/1/2015

جريمة تشابل هيل الإرهاب ليس حكراً على المسلمين

14/02/2015

جريمة تشابل هيل

الإرهاب ليس حكراً على المسلمين

 نزار بدران

جريمة عنصرية جديدة بكل المقاييس تجلّت في قتل واغتيال ثلاثة شبان عرب مسلمين في مدينة شابل هيل في كارولاينا الشمالية على يد مواطن أمريكي، فالقاتل يؤكد ذلك؛ قُتلوا فقط لأنهم مسلمون.

هل هو عمل فردي من رجل حقود!!!! أم هي بداية ظاهرة قد تتأجج ضد العرب والمسلمين؟

لا تكمن أهمية الحدث فقط في فظاعة الجريمة بحق أناس عُزّل مسالمين بل بمقدار ما قد يكتسب الحدث من بُعد أيدولوجي مما سيخلق نوعاً من الحاضنة الاجتماعية لمثل جرائم بهذه الوحشية، هنا يكمن الخطر الأكبر ويضع الجالية المُسلمة في أمريكا بنسائها ورجالها وأطفالها وممتلكاتهم ومستقبلهم في  دائرة الخطر.

المجتمع الأمريكي كباقي المجتمعات الديمقراطية الغربية مُتعدد الأوجه؛ يتكوّن من قوىً عديدةٍ مُتنافره ٍ وفي بعض الأحيان مُتصارعة ولكن تبقى جميعها ضمن أطار القوانين الموضوعة والمُتفق عليها. ممارسة إحدى هذه القوى (اليمين المُتطرف المعادي للإسلام) للقتل، لا يمكن أن يكون وسيلة تعبير وإبداء رأي، وعلى باقي مكوّنات المجتمع الأميركي، الذين يرفعون راية الحرية والقيم الإنسانية، أن يُسارعوا للتنديد بهذا الجُرم الفظيع والعمل على أن ينال المجرم عقابه.

المجتمع المدني الأمريكي غنيّ بالمنظّمات والجمعيّات ذات الطّابع الإنساني ولكن في المقابل هناك الأبناء الروحييّن للرئيس جورج بوش الإبن الذين يعتقدون وكأنّ العالم قد دخل حرب حضارات ، وظنّي أن القاتل هو جزء منهم.

ما الدّور الذي يجب أن تلعبه الجالية المسلمة بأمريكا كي تحافظ على مُستقبل أبنائها وعلى ممتلكاتها؟

هل هو البكاء واتهام الأمريكيين جميعهم بالعنصريّة والإسلاموفوبيا؟

أم هو نوع من النقد الذاتي؟ فنحن في بعض الأحيان كمسلمين لم نتورع عن دعم وتأييد أعمال إجرامية للقاعدة أو غيرها قُتل فيها مدنيون أمريكيون (مثلاً أحداث نيويورك 2001).

كي نستطيع أن نطلب من المجتمع الأمريكي نبذ الفئات اليمينية المتطرفة المُجرمة والوقوف معنا لحمايتنا علينا ان لا ننجرّ وراء الإيدولوجيات الدينيّة المتطرّفة والتي تُكفّر القاصي والدّاني وتُحلّ دمه.

الانقسام يجب أن لا يكون بين المجتمع الأمريكي من جهة وعربه ومسلميه من جهة أخرى وإنما بين المجرمين المتطرفين من كل حدب وصوب والمجتمع المسالم الرافع لقيم التآخي والعيش المُشترك.

إظهار تضامننا مع الضحايا مهما كانت دياناتهم وأجناسهم هو الوسيلة المُثلى  ليتضامن كل الناس بكل دياناتهم وأجناسهم مع ضحايانا.

الإنتقائية في الإدانة مُدانة من أي طرف كانت.  والتناقض هو بين الضحايا بكل أنواعهم والمجرمين القتله من أي جهة أتوا. إن تضامن الضحايا سيؤدي بالضرورة لهزيمة المجرمين.

ونحن على يقين بأن الجالية العربية والإسلامية والتي هي جزء مؤسس للمجتمع الأمريكي منذ أكثر من قرن ستجد الطريقة المُثلى الحضارية للتعامل والرد على هؤلاء القتله.

 

13/2/2015

 

فلسطينيو 1948 عنوان المرحلة المُقبلة

13/02/2016

 

فلسطينيو 1948 عنوان المرحلة المُقبلة

نزار بدران

في أجواء مناسبة اليوم العالمي للتضامن مع حقوق الشعب الفلسطيني في فلسطين المحتلة عام 1948 الذي أطلقته القيادات الفلسطينية في الداخل الفلسطيني في يناير/كانون الثاني من كل عام، عبر سلسلة اجتماعات لها في الناصرة وفي أم الفحم، انعقد تحت قبة مجلس الشيوخ الفرنسي، يوم الثالث والعشرين من يناير/كانون الثاني بباريس، ندوة مخصصة لبحث وضع فلسطينيي الداخل، أي عرب 48، تحت عنوان “فلسطينيو إسرائيل”. شارك في الندوة أكاديميون فرنسيون، وشخصيات عربية فلسطينية من الداخل، نذكر منهم النائب العربي بالكنيست، المُنتخب حديثاً على اللائحة الموحدة، السيد باسل غطاس، وكذلك الأب فوزي خوري من الناصرة، والباحث الفرنسي دومنيك فيدال، والمؤرخ الإسرائيلي الناشط غادي الغازي وبحضور السيد سلمان الهرفي، سفير فلسطين بباريس وغيرهم.

أظهرت هذه المُداخلات، والتي استمرت يوماً كاملاً، مدى الظلم الواقعُ على أهلنا في أراضي فلسطين 48. بدءا بعمليات التهجير القسري، منذ عام 1948 وآلياته، من استيلاء على الأرض، وتدمير للقرى، وفرض نظام عسكري، حتى عام 1966. كل ذلك يتناقض مع قرارات الأمم المتحدة بالشأن الفلسطيني. النكبة بهذا الإطار، ليست حدثاً، وإنما مساراً مستمراً لم ينته لحد الآن، كما قال المؤرخ الإسرائيلي  الناشط غادي الغازي، مُظهراً العمل الدؤوب من السلطات الإسرائيلية، لدفع الفلسطينيين إلى الهجرة، عن طريق التضييق على قراهم، وعلى وسائل حياتهم.

وبحسب هذا المؤرخ، فإن إسرائيل تتبع سياسة الكيل بمكيالين، عندما يتعلق الأمر بالقرى والتجمعات العربية، فالجنسية الإسرائيلية لا تعني لهم حق المواطنة المُرتبط باليهودية، وهذا فهم خاص بإسرائيل، فهي تحرم هؤلاء من الدعم المالي لتطوير مشاريعهم، والنهوض بقراهم وتحسين أوضاعهم الصحية، فالدعم المُقدم للتعليم، هو خُمس ما يُقدم للمواطنين اليهود. الاعتمادات البلدية هي تقريباً النصف. الأحصائيات الإسرائيلية منذ العام 2003 إلى العام 2013، تُظهر تراجع متوسط الدخل عند العرب. فمثلاً مُعدل دخل العامل العربي، أقل من أربعين بالمئة من دخل نفس العامل الإسرائيلي اليهودي (حوالي الثُلث).

التضييق على القرى والتجمعات الفلسطينية، ظاهرٌ بوضوح، ويُخططُ له بحيث يدفع الفلسطينيين للخروج، ويُحضر بنفس الوقت، تطور التواجد اليهودي، مثال ذلك قريتا ميتار اليهودية وحورا العربية، المتواجدتان بشمال النقب المتجاورتان، قرية ميتار اُنشئت عام 1984 بجانب حورا. تُظهر الإحصائيات أن عدد سكان حورا العرب، هم 17 ألف نسمة، وسكان ميتار اليهود 6600 نسمة، أي أقل من النصف، بينما معدل الدخل للتجمع اليهودي هو 13524 شيكل شهرياً، مُقابل 5245 شيكل للعرب، أي أقل من النصف. من ناحية أخرى، مساحة الأرض التابعة للبلدية اليهودية، تُعطي كل ساكن 0.25 هكتار، بالمُقابل يُعطى 0.04 هكتار للمواطن العربي، أي أقل من الخُمس، هذا ما يعني، أن إمكانيات القرية العربية للتمدد واستيعاب التطور الطبيعي للسكان شبه مستحيلة (أُنظر الخارطة)، مقابل الإمكانيات المهولة للتمدد بالمستوطنة الإسرائيلية، هذه الحالة تبين مفهوم النكبة المُستمرة، وليس النكبة الحدث، أي التضييق المُستمر على العرب والتحضير المُستمر للتوسع الاستيطاني داخل إسرائيل نفسها.

التاريخ يؤكد ذلك، فبين عام 1948 و1950، تم طرد ما بين 80-85%، من البدو الفلسطينيين من ديارهم، والذين أُجبروا على البقاء بمنطقة تُسمى “السياج”، لا يستطيعون تعديها، واستمرت عملية التهجير لهم حتى عام 1960. التضييق على البدو لم يتوقف، فمع خطة برافر Prawer، لعام 2013، تم ترحيل 40 ألف مواطن ومصادرة أراضيهم، والذي حُددت لهم أماكن تواجد جديدة بشمال النقب، وذلك بهدف تدمير أماكن تواجدهم، كقرية أم الحيران وقرية عتير، تلك القرى الفلسطينية البدوية، والتي يُخطط الإسرائيليون، لبناء مستوطنة باسم حيران مكانها، هم يحضرون لذلك منذ خمس سنوات، بإقامة بؤر استيطانية عشوائية بجوارها، ولم تُفلح المساعي لمنع ذلك، وخصوصاً بعد رفض المحكمة العليا الإسرائيلية هذه الدعاوي.

من الجدير ذكره أن المحكمة اعترفت بأن أهالي أم الحيران لم يدخلوا أراضيهم بشكل غير قانوني، وإنهم يسكنون في وادي عتير، بأمر من الحاكم العسكري الإسرائيلي، في عام 1956، حيث أمرهم بالانتقال للمرة الثانية إلى “وادي عتير”، بعد أن كان نقلهم أول مرة إلى قرية “اللقية” في النقب.

الناظر إلى خريطة فلسطين، يرى بوضوح، أن السياسة الإسرائيلية الاستيطانية المُستمرة، منذ النكبة داخل فلسطين 48، هي نفسها تلك المُمارسة بالضفة الغربية، أو ما يُسمى بالأراضي المُحتلة، فقرية “سوسة” الفلسطينية بالضفة لا تفصلها عن القريتين المذكورتين، داخل أراضي 48 إلا الخط الأخضر، وهي نفسها مُهددة بالزوال، لإقامة مستوطنة مكانها، هي إذن نفس السياسة الصهيونية المستمرة منذ نشأة إسرائيل، ووجه الاختلاف الوحيد، كما يقول المؤرخ الغازي، هو استعمال الجيش الإسرائيلي، في أراضي الضفة الغربية، مُقابل “البوليس الإسرائيلي” داخل أراضي 48. هذه المقاربة بين الوضعين تبين أن الشعب الفلسطيني بكل أماكن تواجده داخل فلسطين هو هدف إسرائيليٌ للترحيل، وأن السياسة الصهيونية الاستيطانية، هي ذاتها منذ بدء النكبة.

المُتابع للسياسة الإسرائيلية، في مجال الاستيطان، يرى بوضوح، اتجاه إسرائيل الدائم نحو سياسة ثابتة منذ البدء وتتجذر يوماً بعد يوم، يلعب بها دعاة الاستيطان والمستوطنين، دوراً يزدادُ كبراً، يمكن القول، أن المستوطنين كانوا يُستعملون بالماضي، لدعم سياسة الحكومة وتبريرها، أما اليوم فهم يُشكلون الحكومة أصلاً، ويُحددون مساراتها. بموازاة ذلك، يزداد الرأي العام الإسرائيلي تطرفاً، في مجال الاستيطان، فزيادته هو الرد الدائم على أي تهديد مزعوم، من الداخل أو الخارج.

دولة عميقة وسلطة منتخبة

المؤرخ والناشط الإسرائيلي، غادي الغازي، يرى أن هناك دولة إسرائيلية عميقة، بغض النظر عن السلطة المُنتخبة، تسير دوماً نحو المزيد من الاستيطان، وطرد السكان العرب. قوى هذه الدولة، مُشكلة من الجيش والوزارات جميعها، والجهات المانحة الصهيونية، والوكالة اليهودية، والمؤتمر الصهيوني العالمي، هذه الأطراف الخمسة، تتحالف مع الحكومة، ومع الحركات الاستيطانية، لتقوية الاستيطان واستمرار المشروع الصهيوني.

مهمة الجيش واضحة، في حصار القرى العربية وتنفيذ الاستيطان، كل وزارة لها مُساهمة إدارية في هذه الوضعية، بغض النظر عن سياسات الدولة، المؤسسات المانحة العالمية الصهيونية، تقوم بجمع المال الضروري للمستوطنات داخل إسرائيل، كذلك الوكالة اليهودية، تفعل ذلك للمستوطنات في الأراضي المحتلة عام 67. المؤتمر الصهيوني العالمي يُعطي كل ذلك الإطار الإيديولوجي، بادعاء الهاجس الديمغرافي، وتزايد عدد السكان العرب، بوتيرة أكثر من السكان اليهود.

هذه التركيبة للدولة العميقة، تعمل بشكل شبه مستقل، عن الحكومة الإسرائيلية المُنتخبة، ومن هنا هي تُشكل تناقضاً مع مفهوم الديمقراطية بالحكم، لعدم خضوعها لأي سياسة رسمية أو رقابة. فهي تتصرف كالجمعيات غير الحكومية ذات الاهداف والتمويل والتنفيذ المُستقل، وأكبر مثل على ذلك، ما يحدث حالياً بالنقب، حيث يُباع حُلم الاستيطان هناك، كمادة تجارية ترفيهية، خارج أي اعتبار سياسي أو عقائدي، إنساني أو رسمي.

انتصار الصهيونية هو عندما استطاعت اختطاف الدين اليهودي، وربطه بمآرب سياسية، وهو أيضاً نقطة ضعفها، لأن الحركة الصهيونية، قدمت نفسها كحركة سياسية قومية علمانية، لرفع الظلم عن اليهود، ولكنها بررت إقامة دولة إسرائيل، على مبدأ ديني توراتي، لا يتوافق مع مبدأ العلمانية المُدعى، ولا مع مبدأ الدفاع عن المضطهدين.

التنوع يزعج الإسرائيليين

الأب فوزي الخوري من الجليل، بيّن محاولات الساسة الإسرائيليين، لتقسيم عرب 48، إلى طوائف مختلفة، بهدف محو هويتهم الفلسطينية الموحدة، مؤكداً أن المسيحيين يستقبلون بمدارسهم، ما بين 40 إلى 60% من الطلبة المسلمين، وأن النتائج الدراسية للطلاب لهذه المدارس، على مستوى إسرائيل، أفضل من المدارس الإسرائيلية نفسها. هذا التنوع يزعج المسؤولين الإسرائيليين، وهم يحاولون لذلك الضغط على هذه المدارس الخاصة، أو إعطاءها صبغة مسيحية فقط، وتسميتها بالآرامية، وهو ما رفضه الأب الخوري، وكافة القوى الفلسطينية المسيحية، وتضامن معها كل المدارس العربية الأخرى. دعم هذه المدارس، ضروري حالياً، لمواجهة الضغط الإسرائيلي لإبعادها عن بُعدها الوطني الفلسطيني.

تدخل السيد دومنيك فيدال، المؤرخ والصحفي الفرنسي، وعرض بإسهاب آليات العمل الصهيوني، والتي أدت إلى قيام إسرائيل، وهي تتناقض تماماً مع القرارات الدولية، بما فيه قرار تقسيم فلسطين عام 47، حيث أن نسبة السكان العرب للدولة الإسرائيلية الناتجة عن هذا التقسيم، كانت تُعادل عدد سكان اليهود تقريباً.

إسرائيل استعملت وبشكل مُمنهج، سياسة طرد الفلسطينيين، وقد ثبت تاريخياً زيف مفهوم خروج الفلسطينيين التلقائي بناءً على نداءات وُجهت لهم من قياداتهم ومن الدول العربية، فقد قام مؤخراً ما يسمى “المؤرخون الإسرائيليون الجدد” الذين يرفضون الانصياع للرواية الرسمية امثال “بني موريس” و “ايلان بابي” و”افي شلايم” ، بدراسة الأرشيفات علميا بعد فتحها للعموم، وبينوا أنه لم يوجد أي تسجيل صوتي للاذاعات العربية المسجلة عند ال “ب ب سي BBC”، أو أي وثيقة مكتوبة، تُثبت هذه الادعاءات.

يُقدر عدد المهجريين الذين خرجوا برضاهم حوالي 15% من السكان المليون ونصف في زمنه، يمثلون بشكل أساسي، البرجوازية المحلية أو المقيمين بفلسطين من الدول المجاورة، وتظهر الأرشيفات الإسرائيلية أن حوالي 85% من المُهجرين قد هُجروا بفعل عنف المجموعات المسلحة الإرهابية كالهاغاناة أو الأرجون، والذين لم يتوانوا عن طرد 400.000 فلسطيني بالدفعة الأولى من التهجير ما بين تشرين ثاني 1947 (قرار التقسيم) وحزيران 1948 (بضعة اسابيع بعد اعلان اسرائيل). واستمر ذلك فيما بعد بطرد وبتهجير 70.000 فلسطيني من اللد والرملة , وبحسب هؤلاء المؤرخين الجدد، كان ذلك بأمر من دافيد بن جوريون وايجال الون والضابط الشاب….اسحاق رابين.

تُبرر إسرائيل سياستها تجاه المواطنين العرب، بالقوانين العثمانية والبريطانية زمن الانتداب، فهي تُطبق قانوناً عثمانياً يُحول أي أرض لم تُزرع أو تُستغل، لمُلكية السلطان، تحت هذا البند، تُصادر إسرائيل كل أرض تعتبرها غير مُستغلة بما فيه الكفاية، وعلى صاحبها أن يُثبت دائماً عكس ذلك، وهو ما يصعب في كثير من الأحيان.

القانون زمن الوجود البريطاني، أعطى حكومة الانتداب الحق بمصادرة أي أرض لأسباب أمنية، بدون إعطاء أي تبرير، وهو ما تستعمله إسرائيل بشكل متزايد حالياً، لمصادرة أراضٍ كثيرة.

بن غوريون وحلم التهجير الكامل

لم يكن التهجير فقط زمن الحرب العربية الإسرائيلية، وإنما أيضاً بعد انتهائها، وذلك عن طريق طرد سكان شمال فلسطين، والتهجير الداخلي لبدو النقب. ولأسباب استراتيجية ذات علاقة ببريطانيا ودعمها لإسرائيل، لم يجر تهجير الفلسطينيين المسيحيين بنفس الكثافة، وهو ما يٌفسر بقاء مدن ذات أغلبية عربية مسيحية بشمال فلسطين كالناصرة. وفي زمنه، عبر بن غوريون عن غضبه، عندما زار شمال فلسطين، ورأى العرب وهو الذي كان يأمل أن يُهجروا جميعا، رغم خوفه من إزعاج حلفائه البريطانيين.

كذلك الأمر بالنسبة للدروز، والذين لم يُهجروا، وحُولوا إلى مجموعة سكانية تقبل التعامل مع السلطة الجديدة، هذا الوضع لم يؤمِن لهذه المجموعة السكانية، المساواة مع السكان اليهود، وما تزال الخدمات للقرى الدرزية، أقل منها من التجمعات اليهودية. نسبة الدروز داخل إسرائيل، قد لا تُشكل 2% (118000)، ولكن قتلاهم بحرب غزة الأخيرة، تجاوز العشرين بالمئة، وهو ما يبين أنهم يُستغلون فقط بالمهام القتالية الصعبة، بدون أن تستفيد من ذلك طائفتهم، وهو ما يُفسر مؤخراً، بوجود حراك درزي، مطالبٌ بحقوق مدنية وبالمساواة، وقد لا يدوم طويلاً منع هذه الطائفة من الانتماء لقوميتها الأصلية.

محاولات الحكومة الإسرائيلية، لتقسيم العرب لطوائف دينية أو عرقية، باءت بالفشل، وخصوصاً مع المسيحيين، كما ذكر الأب الخوري، والذين رغم بعض الأصوات الشاذة، لم يقبلوا الانسلاخ عن النسيج العربي. حتى إن ظهور وتنامي التيار الإسلامي الوطني، لم يُغير هذه المعادلة، فالانتخابات الأخيرة، أثبتت أن الصف العربي الموحد، يستطيع بتجميع كافة اتجاهاته وقواه، أن يُفشل السياسات الإسرائيلية، فقد حصلت اللائحة الموحدة على 13 مقعداً بالكنيست الإسرائيلي، وأصبحت بذلك المجموعة الثالثة. توحد هذه اللائحة العربية، كان أصلاً، رداً على رفع نسبة الحسم بدخول الكنيست إلى 3.4%، والذي كان سيؤدي، لو لم تتوحد كل القوى، إلى انعدام وجود أي تمثيل عربي تحت قبة الكنيست، وذلك رغم التدخل المباشر لنتنياهو بالحملة الانتخابية.

صراع الغريزة والبراغماتية

في مداخلته المهمة، بين النائب باسل غطاس، أن إسرائيل تُكرس حقوق اليهود القومية، حتى ولو لم يكونوا مقيمين (قانون حق العودة)، هذا ينعكس على كافة مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية للتجمعات العربية، واضعة إياها بالمراتب الخمس الأخيرة لمستوى التطور، بحسب معيار مركز الإحصاء الإسرائيلي المُكون من عشرة مراتب، و 90% من هذه القرى توجد بالمرتبتين الأخيرتين، هذا في تناقض واضح، مع التزامات إسرائيل أمام منظمة التعاون والتطور الاقتصادي “ocde”، حيث أقرت قبول إسرائيل كعضو بها في مطلع عام 2010.

لم تُحقق إسرائيل ما التزمت به من تطوير هذه القرى، ورفع مستواها الاجتماعي والاقتصادي. هذه السياسة قد تتناقض مع مصلحة إسرائيل نفسها، لأن إفقار النسيج العربي، والذي يُشكل حوالي 20% من السكان، سيُفقر إسرائيل نفسها، ولكن القوى اليمينية العقائدية، لا تريد للعرب أي خير، فهي لا تبحث عن إدماجهم بالمجتمع والاستفادة من عملهم، وإنما تسعى لترحيلهم للخارج، وتحقيق نقاء الدولة اليهودية.

وأضاف السيد غطاس، أن هناك في إسرائيل صراع بين الغريزة الدافعة لإضعاف العرب، والبرغماتية التي تذهب في الاتجاه المُعاكس، لذلك لم تستطع الحكومة الإسرائيلية، إقرار مشروع الخطة الخماسية لتطوير القرى العربية، بعد ثلاث جلسات عاصفة للحكومة.

الخطاب العنصري يزداد، وبمشاركة نتنياهو نفسه، والذي حذر الإسرائيليين، من إقامة دولة داخل الدولة (يعني الأقلية العربية)، ودعا في الانتخابات الأخيرة، بنفسه المنتخبين اليهود، إلى الذهاب إلى صناديق الاقتراع بكثافة، ليواجهوا بحسب تعبيره، جحافل المصوتين العرب، في تدخل غير مسبوق في تاريخ الانتخابات الإسرائيلية.

الأحزاب السياسية، المُمثلة للأقلية العربية، أصبحت أكثر نضجاً وفعالية بتعاملها في الداخل، وأيضاً في الأوساط الدولية، واستطاعت أن تنقل حقوق المواطن الفلسطيني داخل إسرائيل من خانة المشاكل الداخلية، كما تريد إسرائيل، إلى خانة القوانين الدولية، خصوصاً حقوق الإنسان، تلك المعاهدة التي وقعت عليها إسرائيل. تدويل قضايا عرب الداخل، أصبح أمراً مفروغاً منه، خصوصاً بعد طرح مشروع الدولتين، أو مشروع الدولة الواحدة.

حملات المقاطعة الاقتصادية والعلمية والأكاديمية لإسرائيل، لها تأثير كبير، وليس فقط على المستوى المادي الاقتصادي، ولكن للفزع الذي تبثه هذه المقاطعة، بين الأوساط العلمية والأكاديمية، والمجتمع المدني خشية عزلهم عن العالم، وهذا ما يبدو واضحاً في اجتماعات الهيئات ذات العلاقة، داخل المؤسسات الرسمية الإسرائيلية. وبحسب النائب غطاس، يبتعد حل الدولتين أكثر فأكثر، منذ اتفاقيات أوسلو، فقد نسفته إسرائيل عن طريق فرض أمر واقع جديد، وهو الاستيطان.

فلسطين عنوان المستقبل

المستقبل لا ينبئ بخير أو تغيير بهذه السياسة، فمنذ عام 2002، يحكم إسرائيل أحزاب يمينية متطرفة، ويحكم نتنياهو بشكل مستمر منذ سبع سنوات، وهو لا يواجه أي منافسة جدية، داخل حزبه أو الأحزاب المنافسة، ولا يُتوقع حدوث انتخابات سريعة قبل العام 2018، ولا يُتوقعُ حتى لو حدثت انتخابات جديدة، مع بديل حقيقي، أن يحدث تغيير ما بالسياسة الإسرائيلية، دليل ذلك ما قاله هيرتزوج، زعيم المعارضة العمالية الإسرائيلية بباريس، قبل أيام قليلة للرئيس فرنسوا هولاند ووزير خارجيته لوران فابيوس، بعدم إمكانية حل الدولتين، طالباً التراجع عن هذا المطلب، وكأنه مبعوث شخصي لرئيس الحكومة. وفي الحقيقةً الاحتلال لا يُكلفُ إسرائيل شيئاً، بل على العكس، يفيدها اقتصادياً.

على المستوى الفلسطيني، أضاف غطاس، بأن فشل محاولات التقريب والوحدة الداخلية بين فتح وحماس، مضاف ٌ إليه فقدان الشرعية الشعبية الملموس بالشارع الفلسطيني، تجاه هذه الأحزاب والسلطة، وفشل مشروع إقامة دولة فلسطينية، أو إيقاف الاستيطان، أو حتى إيقاف الاعتداءات على الأقصى الشريف، كل هذا يدفع الشباب الفلسطيني، للبحث عن حلول جديدة، قد تُسمى انتفاضة ثالثة أو هبة سلمية، وهذا كفيل بخلق أوضاع وحقائق جديدة، قد تسمح بتغيير الوضع الراهن.

الأوضاع الداخلية الفلسطينية المتدهورة، مضافٌ إليها استمرار المشروع الاستيطاني الصهيوني، مدعومٌ بالدولة العميقة، بما فيهم اللوبي الصهيوني واللوبي المسيحي الأصولي بأمريكا، لا يمكن أن يتغير إلا إذا أقر المجتمع الدولي، بضرورة التعامل مع الإستيطان الإسرائيلي، كما تعامل مع الخطر النووي الإيراني، والذي تم احتواءه وتحجيمه، عن طريق المقاطعة والمؤتمر الدولي، بمشاركة دول 5+1.

الدور الأوروبي مهم جداً، ليس لأنه فعال، ولكن لأسباب أخلاقية، فإسرائيل هي نتاج السياسات الأوروبية البريطانية والفرنسية خصوصاً، هي إذن مسؤولية الأب تجاه ابنه، وضرورة التدخل لردع هذا الابن، وهذا ما لا تفعله أوروبا حالياً.

كما رأينا فإنني أظن، أن السرد التاريخي يُظهر الآليات التي قامت بواسطتها إسرائيل، وإن مفهوم الاستيطان والتضييق على الفلسطينيين، هو القاسم المُشترك منذ البدء، وأن ذلك مُستمر بالأراضي التي اُحتِلت عام 1967، ولكن أيضاً مستمر بنفس الوتيرة في أراضي الداخل. لذلك فإنه لا يجوز تجزئة النضال الفلسطيني، بين أراضي 48 وأراضي 67.

إن فشل العمل الفلسطيني التقليدي الرسمي بألتمكن من استعادة كرامة الشعب الفلسطيني وحقوقة المعترف بها دوليا, يفسر الاتجاه نحو طرح فكر جديد يجمع طاقات الشعب الفلسطيني بكل اماكن تواجده، مبني على مفهوم حقوق الانسان ورفض التمييز الديني او القومي وقيم الانسانية الحديثة، مستفيدا من تجربة نلسون مانديلا وشعب جنوب افريقيا. على أن نزع الطبيعة الاستيطانية لإسرائيل، لا ينتهي إلا بالنضال الفلسطيني على الأرض، وتغيير المواقف الدولية، وهذا سيكون عنوان المرحلة المُقبلة.

طبيب وكاتب عربي مقيم في باريس

حلب برعم الأمل

 16/08/2016

حلب برعم الأمل

د. نزار بدران
تتحقق تحت أنظارنا معجزة حقيقية، عندما تنعكس موازين القوى لصالح الضعيف ضد القوي، قد لا يدوم ذلك، ولكن حدث كسر طوق الحصار عن حلب، من المقاتلين المُحاصرين، بوجه آلة حرب جبارة، بقيادة دولة عظمى كروسيا، لن يمر بدون نتائج سلبية على التحالف الروسي الإيراني السوري.

حلب حُوصرت لأول مرة من قِبل المغول، عام 1260م، وقُذفت بالجثث الموبوءة بالطاعون من قِبل هولاكو لنشر الوباء، ولكن هؤلاء، رغم تحالفهم مع الفرنجة وبعض ملوك الشرق، لم يتفادوا الهزيمة واندحروا بعين جالوت، وتاه جنودهم بالصحراء السورية، وماتوا جوعاً وعطشاً.

أبطال حلب المحاصرين؛ مقاتلون ومدنيون، لم يقبلوا بالعرض الروسي، بممرات آمنة لقنصهم، وفرض الاستسلام عليهم، بل ما حدث هو دفع الطرف الآخر المُحاصر، إلى الاعتراف بالهزيمة ولو مؤقتاً، هزيمة جالوت أمام داوود.

كيف حدث ذلك، وما هي الأسباب؟ كثيرون سيكتبون الآن ولاحقاً عن ذلك، ولكن ما يهمنا هو معنى هذا الصمود، ودور القوى المناضلة من أجل الحرية على ساحة الأرض العربية لنصرته. فصمود حلب هو نقطة البداية، لوقف موجة الثورة المضادة في العالم العربي، والتي وضعت حداً للربيع العربي، لم ينج منها مؤقتاً حتى الآن إلا تونس.

صمود النظام السوري، والدعم الهائل الذي يحصل عليه، مع تواطؤ واضح من أمريكا وإسرائيل والغرب، سمح بارتداد موجة الربيع العربي إلى الخلف، وهو ما بدا واضحاً في كل دول الربيع، من مصر إلى ليبيا واليمن والبحرين والعراق، هو إذن موجة ردة، متقدمة هادرة، أغرقت الأمة بالدماء والدمار، وفتحت الأبواب للقوى الظلامية لتجد لها موضع قدم.

التدخل الروسي لإنقاذ النظام السوري، الذي لم تستطع إيران وميليشياتها إنقاذه، كان من المفترض به أن يُؤتي أُكله، كما حدث بجمهورية الشيشان سابقاً، وهي الأقرب نظرياً، للمثل السوري، فسوريا لا تُشبه أفغانستان، التي في زمنها كان مجاهدوها الإسلاميين، وبكل أطيافهم معتدلين ومتطرفين، مدعومون من كل الدول الغربية والعربية والإسلامية وعلى رأسها أمريكا، ولم يكن يهمهم التطرف الديني لهؤلاء المجاهدين، ما داموا قادرين على استخدامهم واستثمارهم ضد السوفييت.

كان على بوتين أن يتعلم، من حصار ستالينغراد، فرغم قوة الجيش النازي السادس المُحاصر لهذه المدينة، إلا أنه وقع بدوره في فخ حصار آخر من الجيش الروسي الناشيء، وأجبره على الاستسلام ملحقا به الهزيمة.

الفشل الروسي لحد الآن، وهزيمة حلب الأخيرة، أمام حفنة من المقاتلين وصمود شعب حلب البطل، قد يكون نقطة البداية، لوقف موجة الارتداد الثوري العربي، وإعادة شيء من الحياة والأمل إلى تلك الجماهير المعذبة، بالرمادي والفلوجة والموصل وميدان التحرير وميادين الاعتصام بصنعاء وغيرها من العواصم. كل هذا بالتزامن مع ربيع تركي عارم، أظهر أن الشعب الموحد، بكل اتجاهاته، قادر على قلب كل المقاييس والمعايير رأساً على عقب.

نحن إذن في فترة الأمل بعد اليأس، أمل صغير وضعيف، ولكن البداية دائماً هكذا. نصر حلب هو أمل عودة الروح للأمة جمعاء، وهو ما يفرض عليها وعلى قواها المناضلة من أجل الحرية والديمقراطية، أن تنهض من جديد في كل أقطارها، وتسترجع الأمل في إمكانية التغيير من الأسفل، أي من الشعب، بدون انتظار القادة الملهمين، كما رأينا بحلب وتركيا، علينا إذن الدفع والعمل، لنشر ثقافة الصمود والأمل، بوجه آلة القتل والدمار، لأنظمة التجزئة، والتوقف عن الانكفاء للوراء واليأس.

حكم ملالي إيران، القادمون من غياهب التاريخ، وسلطة بوتين التواقة إلى الحكم الاستبدادي السوفيتي المنهار، يبذّرون أموال واقتصاد دولهم في محاولة لتحقيق أحلام العظمة، وتمكين أشخاصهم بالسلطة، على حساب تقدم وتطور بلادهم وديمقراطيتها. سيؤدي ذلك عاجلاً أم آجلاً، الى عودة الروح للحراك الديمقراطي الشعبي في هذه الدول، فالشعب الإيراني أو الروسي ليس له أدنى مصلحة بدخول حرب ضروس، طويلة ومكلفة في دولة مثل سوريا، ومحاربة شعبها وقهر إرادته ومطلبه العادل بالحرية، بل على العكس هذان الشعبان، هما بكل تأكيد، داعمان لهذه المبادىء، وتواقان هما أيضاً للوصول إليها.

دعم ثوار وأهل حلب وسوريا، يتم عن طريق نشر روح الصمود التي أظهروها، والإصرار على النصر، حتى ولو بدا ذلك متناقضاً مع بديهيات توازنات القوى والهيمنة المفروضة علينا.

تركيا مستقبل الشرق

تركيا مستقبل الشرق

د. نزار بدران

اب 2016

هناك رؤيتان لما جرى في تركيا مؤخرا, الأولى يمكن حصرها بما حدث من تآمر لبعض عناصر الجيش التواقون للانقلاب على الديمقراطية، والعودة إلى السلطة تحت شعار كاذب لحماية الديمقراطية والدفاع عن الكمالية والعلمانية، وهم متربصون بأول فرصة تبدو لهم سانحة, خصوصا أن السيد أردوغان كان قد اتخذ مؤخرا مجموعة من الإجراءات التي تعطي الانطباع بالتراجع عن الديمقراطية الشاملة، ومحاولة الاستيلاء على السلطة لشخصه، وهو لهذا السبب كان يعد لدستور يناسب ذلك الهدف، كما تعودنا للأسف في كثير من دول العالم الثالث التي تغير دساتيرها لتلائم طموحات زعمائها.

في هذه القراءة، ردة فعل الشعب كانت أهم حدث على الاطلاق، وأهم من الانقلاب نفسه, ورب ضارة نافعة، فالشعب أثبت للانقلابيين والجيش انه المقرر الأول والأخير, هذه الرسالة ستصل أيضا إلى أردوغان، وقد تحد من تطلعاته الاستفرادية، بحيث يعيد تركيا الى بداية عهد حزب العدالة والتنمية، وما شهده من انفتاح على مكونات الشعب التركي, والحفاظ والدفاع عن العلمانية والديمقراطية في كل مناحي الحياة.

القراءة الثانية هي التي تضعها في سياقها التاريخي، والذي بدأ منذ حوالي قرن بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية وقيام الدولة التركية ألحديثة، وعلاقة هذه الدولة مع جاراتها العربيات وإسرائيل وأوروبا. بشكل عام كانت السياسة التركية أقرب للتحالف مع اسرائيل. وقد ووجه المد الثوري الناصري بحزم من قبل تركيا، خصوصا أن توجهه نحو الإتحاد السوفيتي يتعارض مع التوجه التركي نحو الغرب. حتى أن اول اتفاقية اسرائيلية تركية وقعت عام 1958 بعد انهيار “حلف بغداد” الذي كانت تقوده تركيا، وأرست أسس التعاون الاقتصادي والعسكري والأمني بينهما. استمر هذا التقارب حتى بعد وصول الاسلاميين إلى السلطة وإرساء الديمقراطية، ومر بفترات مد وجزر، ولكنه لم يتزعزع الا بعد الاعتداء الاسرائيلي على السفينة مرمرة، والتي كانت في طريقها إلى غزة لكسر الحصار. ايران الشاه وتركيا وإسرائيل كونتا الإطار الاقليمي للحد من طموحات عبد الناصر بالوحدة العربية بالتعاون مع الغرب، ولم يتغير ذلك إلا بعد الثورة الاسلامية في إيران، ووصول أردوغان إلى السلطة في تركيا.

  إلا أن الحاجة الاسرائيلية الاستراتيجية لهذا التقارب، كان يضعف مع مرور الزمن، وتطبيع الأنظمة العربية لعلاقاتها مع إسرائيل، أظهر أنها لم تعد بحاجة لتشكيل تجمعات ما ضدها. ولكن انطلاق الربيع العربي والتغييرات الاجتماعية بالوطن العربي، أدت من جديد الى اثارة التخوف الإسرائيلي من احتمال قيام قوة عربية جديدة، لا يمكن السماح لها بالوجود.  كما فعل الغرب والعثمانيون زمن محمد علي باشا أو إجهاض التجربة الناصرية.

هذا بينما الشعوب العربية، مثل الشعب التركي والشعب الإيراني، بقيت وتبقى تواقة الى الحرية والوحدة والأنعتاق من تبعية أنظمتها للآخرين، ورفض التحالف مع اسرائيل، ولا تقبل بانتهاك حقوق الشعب الفلسطيني أو أي شعب آخر.

انطلاقا من هذا المفهوم، تعمل اسرائيل والدول المتأثرة بالصهيونية العالمية على إعادة تشكيل هذا التقارب من جديد، في انتظار المستقبل، خصوصا وأن العنف المروع المستخدم من الأنظمة العربية، واستثمار وتوظيف القوى الظلامية ضد شعوبها، لم ينه تطلعات هذه الشعوب للحرية.

لا يستطيع المحللون الغربيون ولا المتواجدون في مواقع القرار، التنبؤ بمستقبل الأنظمة العربية على المدى ألطويل، فعلماء الاجتماع يؤكدون وجود تغييرات اجتماعية عميقة داخل الدول العربية، وازدياد الهوة بين الأنظمة وشعوبها، وتراجع الاقتصاد العربي، وانعدام التنمية، وتفشي الفساد والبطالة، وتزايد الهوة بين دول شمال وجنوب البحر المتوسط، بعكس ما يحدث على صعيد العالم قاطبة في مناطق الجوار، وكل ذلك لا يمكن أن يدوم للأبد، لدى أمة غنية بثرواتها وأرضها وسكانها.

لعبت تركيا طوال سنوات الحرب الباردة، دور الحارس للخيمة الأوروبية الأطلسية، وعندما انتهت هذه الحرب، لم يسمح لها بدخول هذه الخيمة، كما كانت قد وعدت. وبقي الدور التركي ضمن الحلف الأطلسي، هو دور الجندي المدافع عن التخوم، وليس العامل الفاعل, وهو ما أدى الى التردد الأوروبي إزاء مسألة دخول تركيا للأتحاد.

شكل وصول الإسلاميين إلى السلطة في تركيا، وعبر عملية ديمقراطية متكاملة الدافع الرئيس لإبعاد تركيا أكثر عن الحلم الأوروبي، والدفع بها نحو مجالها الطبيعي، أي المنطقة الشرقية الإسلامية، حيث شكلت الجزء المؤسس لهذا الشرق،  وحجر الزاوية لتطوره. فقد جرى التعويل على أن يشكل انتشار النموذج التركي في نطاق المنطقة الإسلامية، أمل هذه الشعوب بالأنعتاق واللحاق بموكب الحضارة.

هذه الوضعية الخاصة بتركيا، وهي البحث عن دخول الإتحاد الأوروبي والانتماء الطبيعي للشرق والإسلام، أدى الى نوع من انفصام الشخصية التركية بين هويتين: اوروبية وإسلامية شرقية, الهوية الأوروبية جديدة ومتوازية مع الدولة الحديثة التي أرادت أن تبتعد عن الإرث العثماني، بعكس الهوية الشرقية الضاربة في أعماق التاريخ.

على أن التاريخ الطويل الأوروبي العثماني التنافسي، لا يمكن تجاوزه، لا من قبل الأوروبيين ولا الأتراك أنفسهم، وأفضل ما يمكن أن تصل إليه تركيا هو اتفاقية تبادل اقتصادي بشروط تفضيلية، كما هو الحال مع بعض الدول.

أما الإشكالية الوجودية لإسرائيل، فهي مرتبطة بالتجزئة العربية، وضرورة منع وجود كيان عربي موحد مستقل, لهذا تعمل اسرائيل لتثبيت التجزئة العربية ودعمها (كجنوب السودان) ودعم الأنظمة الاستبدادية العربية (كما حدث بمصر بعد الثورة أو سوريا حاليا). من ناحية أخرى وتحسبا لأي تغيرات مستقبلية غير محسوبة، تخطط أيضا من أجل إعادة التحالفات الإقليمية المحاصرة للأمة العربية، وهذا ما تفعله بشكل واضح من خلال إفريقيا حاليا، ولكن أيضا هذا ما تحاول اعادة إحياءه مع تركيا وإيران.

من هذا المنظار، نرى التحول الإيراني نحو التخلي عن المواجهة مع اسرئيل، تحت الضغط الأقتصادي الهائل من الغرب، والذي أجبر الإيرانيين على تغيير سياستهم العدائية تجاه “الشيطان الأكبر” وحلفائه، والقبول بكل شروطهم, حتى أن التدخل الإيراني إلى جانب النظام السوري، في محاولة لقمع ثورة الشعب السوري، لا يتناقض مع الهدف الإسرائيلي، لذلك لم يوضع على طاولة المباحثات الإيرانية الأمريكية.

أما تركيا بنظامها الديمقراطي، فهي عصية على التطويع, فشعبها هو من يحدد سياسته عن طريق انتخابات دورية، وقد اثبتت الأحداث الأخيرة تمسكه بذلك, وحدها الدول الدكتاتورية كإيران والدول العربية من يمكن تسيير سياساتها من الخارج بالترهيب والترغيب.

من هذه الرؤية، كان لا بد ان تتراجع تركيا عن الديمقراطية، وان تعود الى نظام استبدادي حتى يسهل عودتها للتحالفات الإقليمية القديمة، واستعادة دورها كحارس للغرب وليس كشريك فاعل. للأسف في الفترة الأخيرة قام السيد اردوغان بالسير في هذا الأتجاه، بالتضييق على المعارضة الديمقراطية والصحافة وإعادة العداء مع الأكراد بعد فترة انفتاح نموذجية.

كل هذا اعطى الانطباع بأن العودة عن الديمقراطية أمر ممكن, وهو برأيي ما  سهل التغيير الكبير في السياسة التركية بالنسبة لحصار غزة، والذي كان قد رفعه كشرط أساس لإعادة العلاقات مع اسرائيل, وكذلك السكوت عن الدور الروسي في سوريا, حتى أن آخر التصريحات الرسمية قبيل الأنقلاب الفاشل، من طرف الرئيس التركي ورئيس وزرائه، اعادت مخاوف الشارع العربي والشعب السوري من تخلي تركيا عن مواقفها الداعمة له. وقد كدنا ننسى تماما كل هذه الانقلابات بالسياسة بعد احداث الانقلاب العسكري الفاشل، والذي يمكن اعتباره دليل عدم الثقة لداعمي الانقلاب من الغرب والشرق بأردوغان رغم تراجعاته الأخيرة.

قد تكون هذه التراجعات في المواقف التركية قبيل الانقلاب محاولة من أردوغان لتجنب انقلاب بات على ما يظهر مؤكدا, وقد كان المتكهنون بالانقلاب كثر, ولا ننسى موقف بوتين بعد ساعة منه يعرض اللجوء السياسي على أردوغان، وكذلك ألمستشارة الألمانية، واعتبار كيري وزير الخارجية الأمريكي أن ما يحدث هو أزمة داخلية، ولم يجر اعتبار الإنقلاب من بدايته عملا مدانا دوليا، لكونه ضد حكومة منتخبة ديمقراطيا.

وحده الشعب التركي هو الذي مثل للحكومة التركية الشرعية طوق ألنجاة، كذلك قطاعات واسعة من الجيش، والتي لم تقبل هذه المرة الانضمام للانقلابيين، كما كان يحدث خلال الانقلابات السابقة.

الضربة التي لا تقتلك ستقويك، كما يقول المثل, نحن ننتظر من السيد أردوغان التراجع عن مواقفه الجديدة المتسامحة مع حصار غزة، والألتزام بالمعايير الديمقراطية الكاملة بالتعامل مع المعارضة، وإعادة الانفتاح نحو مكونات الشعب، وخصوصا الأكراد منهم.

نحن ننتظر من السيد أردوغان أيضا الاستمرار بالانفتاح على الشعوب العربية والاسلامية، مجاله الطبيعي، وهي التي ترى بتركيا تجربة واعدة بالنسبة لهم. تركيا تستطيع أن تكون طليعة تجمع شرقي، قد يعادل في المستقبل قوة الأتحاد الأوروبي الذي لا يشعر الشعب التركي أنه جزء منه، ولا يشعر الأوروبيون بأن تركيا هي جزء منهم.

نحن ننتظر من السيد أردوغان أن يكون على مستوى شعبه العظيم، والذي بجرأته وشجاعته وتضحياته من أجل ديمقراطيته، قد أعاد الأمل لكل المطالبين بالحرية، واليائسين من النصر في سوريا ومصر وفلسطين وكافة الأقطار الإسلامية.

 

في الترابط بين ظواهر التاريخ واعماقه

في الترابط بين ظواهر التاريخ واعماقه

د. نزار بدران

اب 2016 العربي الجديد

لم يعد التاريخ الحدثي القصير الأمد، واسميه مجازاً السريع، مرجعية لفهم تطور المجتمعات والأمم، التاريخ الحدثي هو ما تعلمناه صغاراً في المدارس، حول الأحداث كبيرها أو صغيرها، التي حدثت هنا أوهناك، وكأنها أسست لما بعدها، أو أنهت ما قبلها.

التاريخ الطويل الأمد، أو ما أسميه مجازاً البطيء، هو الآن ومنذ وصفه منتصف القرن الماضي وسيلة المؤرخين، لفهم تطور المجتمعات، ومحاولة للتنبؤ بمستقبلها، هو التاريخ اليومي، المستمر بين الأحداث.

لتقريب الصورة إلى القاريء، نقول أن المجتمع يتطور ويتغير مثل مجرى نهر عميق، تموجات السطح، هو التاريخ السريع الحدثي المرئي، ولكنه في الحقيقة يعكس التغيرات الجارية بشكل مستمر وغير الملحوظة في أعماق النهر. لذلك يقوم المؤرخون بدراسة هذا التاريخ المستمر، في حين تقلص الاعتماد على التاريخ الحدثي بشكل كبير.

المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل (1902-1985)، مؤسس هذا التصور الجامع للتاريخ، ذكر في إحدى مقابلاته، أن أصعب شيء عليه، حين وضع هذه النظرية الجديدة، في الأربعينيات، وكان حينها سجيناً لمدة خمس سنوات بألمانيا النازية، هو كيفية التركيز على هذا التاريخ البطيء وعدم الغرق بالتاريخ السريع، بينما كان هو نفسه، يعيش قمة هذا التاريخ الأخير، أي الحرب العالمية الثانية، ومآسيها وكوارثها، والذي كان كسجين، أحد ضحاياها.

هذا ما نواجهه حالياً، في عالمنا العربي، عندما نرى مجرى أحداث هذا التاريخ السريع الظاهري، والذي ببشاعته يُبعد عنا، فهم التاريخ الحقيقي للأمة، وهو تطورها الاجتماعي البطيء، منذ عشرات السنين، والذي تُرجم فقط، في موجات الربيع العربي، وردود فعل الأنظمة وداعميها وعنفهم اللامحدود. من الصعب أن نفهم أحداث سوريا أو اليمن ومصر وليبيا وتونس، إن تقوقعنا في إطار الأحداث الدامية الجارية وغارات طائرات أنظمة البراميل المتفجرة، رغم فظاعتها.

تاريخنا البطيء هذا، تمركز بشكل أساسي عند القرن الأخير، على فشل الدولة الوطنية لتحقيق أي شيء يُذكر. نذكر منها بعض الأمثلة:

  • فشل الدولة الوطنية في تحقيق رفاهية وحرية المواطن، بغض النظر عن السلطة, أو الانتقال الى الدولة المدنية الديمقراطية ووضع أسس الحكم الرشيد.
  • فشل الأنظمة العربية بكل أشكالها، الغنية بالبترول أو الفقيرة، ببناء اقتصاد إنتاجي، يهدف لإيجاد فرص عمل للمواطن وتفشي البطالة.
  • الفساد المُستشري بالمجال الاقتصادي ونهب ثروات الأوطان، لصالح أقلية حاكمة.
  • استمرارية الأنظمة بالتضييق على حرية الحركة للناس، داخل إطار الدول العربية بادعاء الأسباب الأمنية، مما يحد من أفق المواطن بوجود ظروف أفضل لحياته، على امتداد الساحة العربية.
  • عدم توفر أي متنفس ديمقراطي، للتعبير عن الظلم الواقع، والاستمرار بتمجيد الفكر الديني أو القومي، كوسيلة لكبح أي معارضة.
  • رهن مستقبل البلاد والعباد لمصلحة الأنظمة الفئوية الضيقة.
  • تدمير البنية التحتية التقليدية، عن طريق استخدام سياسات إعمارية وزراعية فوضوية، بناء على المحسوبيات والمصالح.
  • بناء سياسات خارجية وتحالفات، مبنية على مبدأ مصلحة الأنظمة، وليس بناء على مصلحة الشعوب (استثمارات مالية أو تنازلات عن السيادة في بعض الأحيان, والتطبيع مع إسرائيل والفشل في مواجهتها).
  • عدم التمكن من اقامة أي تجمع جهوي فعال لمصلحة المواطن العربي، كأتحاد المغرب العربي (1989)، والذي لم يتمكن حتى من فتح الحدود بين الدول الخمس الأعضاء, أو مجلس التعاون الخليجي (1981) والذي لم تترجم أفعاله إلا في النواحي الأمنية تقريبا. والفشل الذريع لجامعة الدول العربية (1945) لتحقيق أهدافها المعلنة عند تأسيسها.
  • الاستمرار بالتنابذ والتباعد وتكريس التجزئة (انفصال جنوب السودان).

في ذات الوقت تطور المجتمع خلال الأربعين سنة الأخيرة، نحو انتشار كبير للتعليم، وخلق طبقة وسطى واسعة، غير قادرة على الحصول على وظائف أو فرص عمل، وذلك كنتيجة لما تم ذكره سابقاً, وتطور المجتمع المدني ومطالبه.

من ناحية أخرى، التغيير في دور المرأة والعائلة، وظهور مفهوم المساواة بين الرجل والمرأة في الدراسة والعمل. وتراجع التطور الديمغرافي بشكل كبير، حيث الانخفاض المستمر بالمعدل العام للإنجاب في الدول العربية، منذ أواسط الثمانينات، بحدود طفلين لكل امرأة، وليس خمسة أطفال أو أكثر، كما كان سابقاً. هذا التوجه هو في طريق التأكيد بكافة الدول العربية، فقيرها وغنيها، محافظها ومتحررها من شرقها الى غربها، ومؤكد بالأحصائيات الدولية.

توازى كل ذلك مع موجة تحرر عالمية واسعة، بعد سقوط الأتحاد السوفيتي، وحصول الدول الأوروبية الشرقية الشيوعية السابقة على حريتها, كذلك التطور الديمقراطي الواضح الواسع في أمريكا اللاتينية وافريقيا ودول بجنوب شرق آسيا. لم يبق منطقة في العالم كما الحال في بلادنا العربية، ترتع بهذا المستوى من التخلف ومنع الحريات.

من ناحية أخرى تطور نظام التواصل العالمي، والذي فتح العالم أمام الشباب العربي الذي لم يعد يقبل بأن يستمر في قبول دور المواطن الرعية، المطلوب منه السمع والطاعة للسلطان، كما فعل الآباء من قبل, وهو التواق للحصول على حريته مثل الأخرين.

هذا ليس توصيفا حصريا، وانما بعض النقاط التي يجب على مؤرخينا ودارسي المجتمعات العربية، البحث فيها وتحليلها، لأن الأمة مع انطلاقة الربيع العربي بتاريخه السريع الذي توج كل هذه المتغيرات بتاريخها البطيء, بدأت رغم كل ما نرى؛ تحاول جاهدة الدخول في عالم الحداثة التي ابتعدت عنه منذ حوالي عشرة قرون، عندما غيّب العقل ودخلت الأمة العربية والإسلامية عالم الجهل والتقوقع، وآخر العقلانين كان ابن رشد الذي مات بمراكش منفيا عام 1198.

للأسف لا نكاد نجد في ما ينشر حاليا أي شيىء يذكر بدراسة التاريخ طويل الأمد البطيء للأمة، والذي هو التاريخ الحقيقي الفعال. هذه الدراسات النقدية التي يجب ان تركز على تاريخ الأزمات والترهل المستمر وأسبابه وحلوله, خصوصا تلك التناقضات الداخلية المرتبطة بتركيبتنا وبتاريخنا، وليس فقط العوامل الخارجية والاستعمار، والذي نعلق عليه دائما كل مآسينا, التاريخ طويل الأمد يعتبر كما يقول بروديل أم العلوم، فهو يحتاج من أجل فهمه معرفة كل نواحي الحياة من العلوم والجغرافيا الى علم الاجتماع والاقتصاد وليس فقط الأحداث.

يجب أن يدرس هذا التاريخ على الأقل، منذ نشأة الدولة الوطنية العربية، بعد إنهاء الخلافة العثمانية (1918) والتي برأيي تصل الى نهايته مسارها. نجاحاتها الوهمية بالتحرر الوطني من الاستعمار خلال الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، لم يعد كافيا لتبرير استمرارها أو التغطية على فشلها الذريع في كل النواحي. وعنفها المفرط الممارس حاليا بتاريخنا السريع هو دليل هذا الفشل واقتراب النهاية المنتظرة، والتي لا مفر منها حسب رؤية وحتمية التاريخ ألبطيء، وهذا ما حدث ويحدث مع كل الأنظمة والدول الفاشلة عبر العالم، منذ مئات السنين، مهما كانت قوية وجبارة, وكان مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون أول من استنتج ذلك في دراسته لتاريخ الأمم.

أشهر المؤلفات التي تركها ابن خلدون كتاب (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر) ومقدمته الشهيرة، حيث يعتبر هذا الكتاب من أكبر مساهمات ابن خلدون في علم الاجتماع، حيث كان تقديمه أول تقديم لا ديني للتاريخ.

إن عدم فهم الترابط العضوي بين التاريخ البطئ والسريع، واختصار الربيع العربي فقط بظواهره، وخصوصاً العنيفة المرتبطة برد الأنظمة، هو كمن يريد أن يدرس البحر فقط من خلال أمواجه المرئية المتلاطمة على الشواطيء، بدون الالتفات إلى التيارات العميقة الجبارة داخله، وهو ما يؤدي برأيي إلى انتشار نظرية المؤامرة الغربية بإنفجار هذا الربيع، في محاولة لفهم ما يحدث, عندما لا نستطيع أن نرى التطور البطيء للتاريخ الحقيقي، والذي لشدة بطئه وتطوره على مدى عشرات السنين، لا يمكن ملاحظته. لذلك وجب على المؤرخين وألاكاديميين، البدء بالتنقيب عن هذا التاريخ، وعدم الوقوف عند التاريخ الحدثي السريع.

إن انتهاء البحوث العلمية عن الشرق بالجامعات الغربية، والتي كانت ساحة تفاعل مع المفكرين المسلمين، خلال القرن التاسع عشر، كما حدث بين جمال الدين الأفغاني (1838-1897) والمفكر الفرنسي الشهير إيرنست رينان، حول مفهوم الحضارة الإسلامية، أو عن العلمانية مع الشيخ محمد عبده (1849-1905). هذا التوقف تم بسبب الخلط عند العرب في مرحلة لاحقة بين الاستشراق والاستعمار.

لقد كان من المنتظر أن يُتيح توقف الدراسات الشرقية في الغرب، إلى تطور هذا العلم في بلاد المصدر، أي الأقطار العربية، ولكن ذلك لم يحدث، واستُبدل بالبحوث الدينية أو ذات الطابع الغيبي، التي لا تستعمل وسائل البحث العلمي الحديث، إلا ما ندر.

الدراسات الشرقية حالياً في جامعة السوربون بباريس، هي مكون بسيط وثانوي، من دراسة تاريخ ولغات الشرق، ولم تعد مكونا أساسيا، وليس لها أي بُعد استكشافي، أو تفاعلي كما كان سابقاً، وذلك رغم محاولات بعض الإصلاحيين المسلمين، المقيمين بأوروبا تغيير ذلك، مثل الاستاذ الجامعي في السوربون هشام جعيط، صاحب المؤلفات العديدة، ومنها (أزمة الثقافة الإسلامية) والمفكر الإسلامي القدير محمد أركون، من أشهر مؤلفاته كتاب (نقد العقل الإسلامي)، والأستاذ عياض بن عاشور ومن مؤلفاته (الإسلام وفكر حقوق الإنسان).

من هنا تشكل ضرورة البحث العلمي في معطيات تاريخ الأمة طويل الأمد، أبرز المهام الراهنة، ومن دونه لن يكون ممكنا فهم الحاضر، أو إيجاد التصورات الواقعية للمستقبل، وذلك ما قد يعيد الحلقة المفقودة، بين الزحف العارم للجماهير نحو حياة جديدة حرة وكريمة، والفكر الضروري لقيادة هذا الحراك والدفع لإنجاحه بأقل الخسائر الممكنة.

بين حرية الصحافة وصحافة الحرية

 

بين حرية الصحافة وصحافة الحرية

د. نزار بدران*

أن تكون صحفيا أو أن تكون كاتبا، هذا يحملك تجاه الآخرين بعض المسؤولية, فمهنة الصحافة تهدف اولا لإعلام الناس بالحدث والتعليق عليه بموضوعية، وذلك تحت شعار “الخبر مقدس والتعليق حر” .

لكن ما نلاحظه اليوم بالصحافة، التي تعتبر نفسها بعيدة عن تأثير السلطة ولو جغرافيا؛ أن نقل الخبر يصطدم بانتقائية، حتى لا نزعج او نقلق بعض الحكام أو السياسات، بينما الواجب هو إخبار القارئ أاولا وأخيرا. القارئ له الحق الأكيد بمعرفة الحدث، ومعرفة ما يفعله هؤلاء الحكام, والصحافة بدورها هي الوسيط بين الحدث أو صاحب الحدث والمواطن القارئ.

نقد السلطة وليس مدحها، هو دور الصحافة الحرة الأول، مهما كانت السلطة، فالحكم له وسائله الخاصة الضخمة لعمله الدعائي.

أقول ذلك لأن الموقف التركي الأخير والاتفاق مع إسرائيل، والذي أدى الى استقالة رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو احتجاجا, لم يجد عند معظم الكتاب والصحفيين الذين قرأتهم بالصحافة المحلية أو المهاجرة إلا تصفيقا وتطبيلا, وكأننا حررنا القدس أو وضعنا أنفسنا على هذا النهج. نفس هؤلاء كانوا قد ملأوا الدنيا صراخا بعد انقلاب عبد الفتاح السيسي، وكانوا طبعا على حق.

هؤلاء المطبلون لاتجاه سياسي معين، نراهم دائما يدافعون عن السلطة التي تمثل هذا الأتجاه مهما انحرفت وعملت, ونحن لا ننسى المثقفين والكتاب المشاهير الذين كنا نراهم على قناة الجزيرة وغيرها، وهم يدفعون باتجاه إنجاح الثورة المصرية الديمقراطية ضد مبارك، وطبعا كانوا على حق، ولكنهم انقلبوا عليها تماما عندما وصل للسلطة اتجاه سياسي ظنوا أنه أقرب إليهم فكريا، ما قد يتيح لهم سرعة إشراكهم بالسلطة وحيازتهم امتيازات المناصب العليا, والأسماء اللامعة كثيرة في هذا المجال, متناسين كل ما اعلنوه من حب وغرام بالديمقراطية واحترام نتائج الانتخابات.

الآخرون الداعمون للتوجه الإسلاموي، كانوا على صواب عندما اعتبروا التغيير السياسي بمصر انقلابا وضربة للثورة والديمقراطية, ولكنهم لم يقولوا شيئا عندما بدأ حليفهم التركي بالابتعاد عن الديمقراطية وزج معارضيه بالسجون وملاحقة رفاقَهم الصحفيين وإعلان الحرب على الأكراد. واليوم يا للهول لا يجدوا شيئا يقولونه عندما انقلبت السياسة التركية رأسا على عقب, حتى الطرف المتضرر الأول والذي يدير غزة حاليا بارك هذا الاتجاه، مكتفيا بطبق من المساعدات الإنسانية التركية، والتي لن تمر إلا برضى اسرائيل.

ولو عدنا الى الخلف قليلا، عندما انعقد مؤتمر باريس الدولي للمناخ في نهاية عام 2015, مر هذا الحدث الهام تقريبا بدون تعليق، وكأنه لا يهمنا أبدا، مع أننا من أكثر المتضررين من التغيير المناخي, وذلك فقط لمراعاة المواقف السعودية والخليجية المناهضة للحد من استعمال البترول. هذا الحدث كان يجب أن يبلغ لملايين الناس، لأن الخبراء بما فيهم العرب، ينبؤوننا بأن الأجواء المناخية بمنطقة الخليج، ستصبح كارثية، في أواسط القرن الواحد والعشرين, لا سيما في تلك البلدان التي رفضت تقديم أي مقترحات والتزامات كباقي دول العالم (باستثناء الأمارات العربية المتحدة) وحاولت إعاقته.

جيوب حكام النفط أهم من مستقبل المواطن العربي الخليجي ومستقبل ابنائه. أدعو القارئ الخليجي والعربي للبحث بنفسه عن ما سيحل به في مستقبل الأيام، ليتأكد من هذه المعلومات. وفي نهاية المطاف سيعلم المواطن والقارئ بالحقائق، ففي هذا الزمن لا يستطيع أحد منع الناس من الإطلاع والمعرفة، ونحن في عالم مفتوح على الجميع وبكل الوسائل.

نأمل من صحفيينا بكل وسائل الإعلام المقروءة أو المسموعة أو المرئية، أن ينظروا ولو قليلا خارج الأطر والمربعات الأيديولوجية والأمنية التي تضعهم بها الأنظمة، فواجبهم الصحفي هو الإعلام الأمين, فهم كالطبيب أمام مريضه لا يحق له أن يخفي تشخيصه وحقيقة وضعه، وما حصل عليه من معلومات، وإلا أرسل به الى التهلكة.