أين مجلس حقوق الإنسان من اليمن؟

 

أين مجلس حقوق الإنسان من اليمن؟

نزار بدران

تتعالى الأصوات من جديد لفضح الجرائم ضد المدنيين التي ترتكبها قوات التحالف العربي بقيادة السعودية باليمن ضد المدنيين، وقد أعرب قبل بضعة أيام زيد رعد الحسين، المفوض الأعلى لمجلس حقوق الإنسان، أمام مجلس الأمن عن خطورة هذه الانتهاكات والتي تُشكل اغلبية إجمالي الانتهاكات المُمارسة باليمن، مع آلاف القتلى المدنيين ومئات آلاف المُشردين والمُهجرين.

قبل ذلك قامت منظمات دولية مثل human world watch ومنظمة العفو الدولية بالتنديد بتلك الانتهاكات، مُتهمة السعودية بتحديد أهداف مدنية قصداً، وليس فقط كخسائر جانبية. يُضاف لذلك الحصار الخانق الذي يفرضه التحالف على منافذ اليمن، علماً أن 90% من حاجات البلاد من الغذاء والطاقة يُستورد من الخارج، وهذا ما أدى إلى تجويع المواطنين وهو ما يرتقي إلى مفهوم جرائم حرب بحسب تقارير هذه المنظمات.

تقدر أيضاً هذه المنظمات بأن 80% من السكان بحاجة لمساعدة إنسانية عاجلة، يُضاف لذلك 15 مليون يمني، أصبحوا بدون عناية طبية مع تدمير البُنية الصحية ومنع دخول المواد الطبية، 20 مليون بدون ماء صالح للشرب، مما يؤدي لتزايد الأمراض المُعدية، كشلل الأطفال أو الإسهال الحاد.

وتفضح مؤسسة hww بتقريرها بتاريخ 17 نوفمبر، انتهاكات التحالف العربي للقانون الدولي واتفاقيات جنيف، وتتهم واشنطن بإغماض عينيها عن ذلك، بالإضافة لبيع أمريكا للسعودية كمية كبيرة من القنابل المُوجهة  بالليزر للاستعمال باليمن تُقدر ب 19 ألف قنبلة، قيمتها 1.3 مليار دولار.

لم يتمكن مجلس حقوق الإنسان، اتخاذ قرار لإقامة لجنة تحقيق للانتهاكات المذكورة، كما كان قد طرح هو نفسه ذلك، بشهر أيلول لعام 2014 في قرار رقم 19/27، والذي كان يهدف لإقامة هذه اللجنة للتحقيق بكل الاتهامات منذ بداية الثورة اليمنية السلمية عام 2011، خصوصاً بعد مجزرة “جمعة الكرامة” بتاريخ 18/3/2011، والتي نفذتها قوات علي عبد الله صالح آنذاك، مؤدية لمقتل 45 متظاهراً. وانتهاكات الحوثيين بحصارهم وقصفهم العشوائي للأحياء المدنية بتعز وعدن وغيرها، بهدف الإرهاب.

قدمت هولندا مشروع قرار لمجلس حقوق الإنسان، للتحقيق بهذه الاتهامات، ولكنها اضطرت لسحبه بنهاية شهر أيلول الماضي، بسبب شدة الضغوطات السعودية، وغياب الدعم لها من الدول الأساسية، مثل الولايات المُتحدة وبريطانيا. وكانت الحكومة اليمنية الحالية، قاطعت الجلسة المُخصصة لذلك، بدورة المجلس الأعلى لحقوق الإنسان.

المجموعة العربية لدول التحالف، بدعم أمريكي، قدمت مشروعا بديلا، يُطالب فقط بدعم تقني، بدون أي تحقيق حقيقي مُستقل، بتلك الانتهاكات.

لماذا هذا الخوف، من إقامة لجنة مُستقلة للتحقيق، بانتهاكات طرفي النزاع باليمن، التحالف والحوثيين، علماً أن المجلس يقوم بشكل دوري بتحقيقات في مناطق النزاع المُختلفة بالعالم؟، بكل تأكيد ذلك راجع لفظاعة الانتهاكات المُمارسة، من قِبل دول التحالف المدعومة امريكيا، والذي يؤكد المفوض الأعلى لمجلس حقوق الإنسان، أمام مجلس الأمن، أنها تُمثل حوالي ¾ الانتهاكات المُوثقة.

الأطراف المُتنازعة باليمن، لا تُدافع عن أي مطالب جماهيرية، وإنما فقط عن مصالح طائفية، أو مصالح أنظمة، فثورة الشعب اليمني السلمية لعام 2011، والتي استطاعت بدون اللجوء للعنف، إلى إنهاء النظام السابق، وتنظيم أول انتخابات ديمقراطية حقيقية بالبلاد, لم يكن من المُمكن أن يُقبل ذلك من دول ذات أنظمة استبدادية وشمولية، قامعة للحريات، مُستحوذة على ثروات الأوطان، لهذا حركت إيران، أتباعها من الحوثيين المحسوبين على الطائفة الشيعية، ضد الثورة، مع أنهم في البدء كانوا جزءً منها، وشاركوا بحواراتها، ثم تحالفوا مع الرئيس السابق، علي عبد الله صالح. فعلت إيران ذلك بسوريا مع حزب الله، أو العراق مع مليشيات فرق الموت التابعة لها.

السعودية ودول الخليج، لم تكن هي أيضاً لترى بعين من الرضى، أي انتقال ديمقراطي سلمي، بأي بلد عربي، حتى لا يكون مثالاً يُحتذى به، خصوصاً في اليمن، أقرب الجارات إليها، فاستحوذت بشىء من الذكاء التكتيكي، على مركز القرار اليمني، واستطاعت بذلك أن تظهر مُستغلة الاعتداء الحوثي على الثورة، كمن يُدافع عن اليمن، وحق الشعب بانتخاب حكومته، وهو ما يتناقض أصلاً مع المنطق، عندما نرى طبيعة الحُكم بهذه الدول، سلمية الثورة هي حقاً المُستهدفة.

التدخل السعودي “الصديق” للشعب اليمني، والتدخل الإيراني لدعم الحوثيين، أدى بالحقيقة إلى إدخال البلاد في أتون حرب، لم يطلبها الشعب ولم يكن بحاجة إليها.

المُتحاربان باليمن، أي دول الخليج وإيران، هما في الحقيقة يدافعان عن أنظمتهما، ضد خطر انتشار عدوى الحرية إلى شعوبهم، وليس للدفاع عن الأقلية الحوثية ومصالحها، والتي هي نفس مصالح الشعب اليمني، ولا الدفاع عن الشعب اليمني والديمقراطية، وفاقد الشىء لا يُعطيه، نأمل أن يتمكن مجلس حقوق الإنسان من مُمارسة عمله بحرية بعيداً عن الضغوط العربية والغربية.

 

لنتضامن مع انفسنا حتى لا نبقى عبيدا عند عبيد

 

لنتضامن مع أنفسنا

حتى لا نبقى عبيدا عند عبيد

نزار بدران

 

أين الأمة العربية والأمة الإسلامية من جوع أهل مضايا وغيرها من البلدات السورية، أين نحن من كل أشكال الموت اليومي السريع قصفاً، والبطيء جوعاً، وما بينهما تعذيباً في السجون.

أبناء الشعب السوري رجالاً ونساءً كباراً وأطفالاً، هم هدف هذا الموت الملون، القادم من صمت المشاهدين، أمام شاشات تلفازاتهم، وهم ينتظرون كل مساء الحلقة القادمة. هم لم يُدركوا بعد أنهم ليسوا فقط متفرجين، وإنما أيضاً ضحايا وبشكل آخر. ليس لهم إلا حرية واحدة، وهي رؤية موت جوعى مضايا، حتى لا يثوروا أو يطالبوا بحريتهم يوماً، وإلا لما تنافست قنوات الأنظمة لبث صور المُعذبين. فهؤلاء المتفرجين، هم أيضاً جوعى، لأنهم لا يملكون ثمن وجبات طعام أبنائهم، ولا دواءَ مرضاهم، ولا يُقبل منهم إلا السمع والطاعة لولي أمرهم.

أن نموتَ هنا الآن، أو هناك غداً، هو الثمن الذي قد ندفعه للحصول على حق أبنائنا بأن لا يموتوا جوعاً، وأن لا يبقوا عبيداً عند السلطان، يعيشون على فتات موائده. الاكتفاء بموقع المشاهد، لن يحمينا من السقوط بدورنا، في دائرة حصار الجوع، الذي تفرضه الأنظمة علينا.

الخروج للمطالبة، في كل مدن العرب، بالحرية لأهل مضايا، واجب طبيعي، فاين هم شبابُ ساحات التحرير وميادين الاعتصام، والذين خرجوا بالملايين في القاهرة أو تونس. الهم واحد والقاتل واحد وكلنا هدف له، فلا يجوز أن نترك أهل مضايا من  دون أن نرفع صوتنا عالياً.

أين هم العرب، والذين تغنوا ببلاد العُرب أوطاني من الشامِ لتطوانِ، وهم يفتخرون    بصيحة وامعتصماه. أين هم المسلمون والقرآن يقول “من قتل نفساً بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً”, أو نبيهم “لأن تُهدم الكعبة حجراً حجراً أهون عند الله من أن يُراق دم امرىء مسلم”. وأين هم مسيحيونا الذين حملوا راية العروبة لسنوات طويلة، ودينهم يقول بالكتاب المقدس “الله محبة ومن يَثبُت في المحبة يثبُت في الله والله فيه”.

هل مزقت الحدود التي وضعها الاستعمار في أوطان العرب والمسلمين عقولنا، وحولتنا من عرب إلى مصريين وسوريين وفلسطينيين، ثم إلى علويين واكراداً وبربر ودروز، ثم إلى شيعة وسنة ومسيحيين ويزيديين وحوثيين وغيرهم.

اهتمام العالم بضحايانا وجوع أطفالنا ودمنا السائل، لن يحدث إلا عندما يكون لها صدى بين أهلهم الأقربين. هكذا فهمنا تضامن العالم مع ضحايا باريس، بعد تضامن كل فرنسا وأوروبا معهم.

الأقربون أولى بالمعروف، فهل رددنا الجميل للشعب السوري وأهل مضايا، لدفعهم ثمن الحرية بالنيابة عنا. انتصار سوريا الثورة سيكون انتصاراً لكل الشعوب العربية المظلومة، وهزيمتها ستُعيدنا في كل دولنا، لوضع أسوأ مما كنا عليه، قبل بدء الحراك العربي بتونس، وستصبح قوى الثورة المضادة أعنف واشد فتكاً من الأنظمة التي ثرنا ضدها، وسنقول “أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض”.

فلننصر أهلنا المواطنين في مضايا وفي كل سوريا كمواطنين، لا كقطعان أو شلايا طوائف ومذاهب، ولنتضامن مع أنفسنا حتى لا نبقى عبيدا عند عبيد، ولأننا بذلك ننصر أنفسنا، ونسمح للعالم أن يتحرك أخيراً معنا ويدعمنا لنيل الحرية. ولنسمع كلمات محمود درويش “وأنت تُعد فطورك فكر بغيرك لا تنس قوت الحمام”.

هل النفط نقمة أم نعمة؟

 هل النفط نقمة أم نعمة؟

نزار بدران

دخلت إيران يوم السادس عشر من كانون الثاني2016 ، على خط الدول التي تستطيع بيع نفطها بالسوق العالمي، بعد إزالة العقوبات الغربية عليها. وفي هذه بالمناسبة اعلن الرئيس حسن روحاني أن هذه العقوبات، أفادت إيران بشكل غير مباشر عندما دفعتها لمحاولة استبدال الريع النفطي بتنويع عناصر الثروة، عن طريق تطوير وتنويع الإنتاج والسوق المحلي.

أسعار النفط المتدنية بشكل كبير، تظهر مدى هشاشة اقتصاد هذه الدول النفطية، والتي بُليت بالاضافة الى أنظمتها الديكتاتورية، بانعدام أي سياسة إنتاجية محلية حقيقية، تستطيع أن تحل محل النفط. الدول العربية النفطية، تعتمدُ على هذه الطاقة بمداخيلها بنسب تتجاوز التسعين بالمئة، وهو ما يسمح بتثبيت الديكتاتورية من جهة، عن طريق إعطائها وسائل القمع، وكذلك شراء السلم ألاجتماعي بسياسة رشويه لاسكات الشباب الباحثين عن عمل،وذلك عن طريق التوظيف ودفع الرواتب، حتى ولو لم يكن هناك حاجة حقيقية لهذه الوظائف.

انهيار الأسعار، والذي بدأته سياسة المملكة العربية السعودية منذ عام 2014، عن طريق الزيادة بالإنتاج، لم تحقق أهدافها الأساسية للمملكة، وخصوصاً ضرب المصادر الجديدة للطاقة النفطية والغازية الصخرية، وهي جاءت أصلا تلاؤماً مع مُعطيات جيوسياسية جديدة، خصوصاً الحرب الروسية الأوكرانية، وإمكانية عودة إيران إلى السوق النفطي.

على ان دولة مثل الجزائر،بعد الانخفاض الحاد بالاسعار, لن تستطيع أن تستمر برشوة المجتمع، عن طريق الوظائف والدعم المالي للمشاريع الفردية، وهي التي تعتمد بنسبة 98% من دخلها القومي على النفط.

فهل كان النفط في بلادنا نعمة علينا ؟، الجواب واضح بالنفي، فنحن مقسمون لاثنين وعشرون دولة، وكل مناطق النفط، إما تحت هيمنة عائلات كدول الخليج، أو في حروب دامية كالعراق وليبيا والسودان، أو عاشت حرب أهلية مُكلفة جداً كالجزائر، والتي فقدت في السنوات السوداء، أكثر من ثلاثمائة ألف قتيل.

هل استطاع دخل النفط في” زمن العِز” أن يُطور بلادنا ؟، هذا لم يحدث إلا شكلياً، ولم تُبنى أي سياسة عقلانية لتنويع مصادر الإنتاج، والنسب المرتفعة جداً للجزء النفطي من الدخل القومي يُبين ذلك، بعكس دول أخرى مثل النرويج، وهي من أكبر المُنتجين، والتي وضعت كل دخل نفطها، خارج الدورة الاقتصادية منذ بداية التسعينات، وخصصته فقط للأجيال القادمة.

لكن إيران أفضل حالاً، لأن اعتمادها على النفط بلغ 60% فقط ! وساعدتها العقوبات، كما يقول روحاني، باستيعاب مفهوم تنويع مصادر الثروة الوطنية، لبلد يُعد سكانه حوالي بتسعين مليونا، وله ثروات زراعية وسياحية كبيرة، وتاريخ صناعي يسهل إعادة إحيائه.

النفط حقيقة هو نقمة، لأنه لم يفد الناس بشيء، بل أدخلهم لعالم الفقر والحروب والأعمال ألوهمية ,وفرض عليهم أنظمة استبدادية، لا تهتم إلا بكيفية سرقة دخل النفط، وإسكات الأصوات المُحتجة والمعارضة. سعر النفط المنخفض، قد يكون نقمة على الحكام ونعمة على الشعوب، لأنه سيؤدي إلى عودة هذه الدول إلى المنظومة التي تتبنى سياسات اقتصادية حديثة متطورة، مبنية على التنوع بالإنتاج وتطوير السوق الاستهلاكي الداخلي، ليكون محرك الاقتصاد، كما رأينا باليابان ثم كوريا الجنوبية والآن بالصين.

وجود مصادر للطاقة النفطية والغازية الصخرية، وخاصة بالولايات المتحدة، ستؤدي آجلاً أم عاجلاً، إلى تقليل الاعتماد الأمريكي على بترول الدول العربية ودعم أنظمتها، وما سيكون لذلك من انعكاس على الأوضاع الداخلية نحو الانفتاح الديمقراطي وبناء مجتمع حديث.

انخفاض سعر النفط سيستمر، لأن العالم بدء يستشعر بخطر ذلك المصدر على مستقبل الإنسانية، ودور هذه الطاقة بالتلوث البيئي والانحباس الحراري. اتفاق باريس الأخير على المناخ، والذي جمع 195 دولة بما فيها الدول العربية، حدد عام 2050، للوصول إلى تراجع باستعمال الطاقة الأحفورية (نفط، غاز وفحم) بنسبة تزيد عن 80%، قبل التخلص النهائي منه، مما يدفع بعض الدول لزيادة إنتاجها النفطي، حتى تبيع أكبر كمية ممكنة قبل بدء تقلص استعماله، الامرالذي يحمل معه مزيدا من انخفاض الأسعار، وفي هذا الإطار، فإن الدول الغازية ستكون أوفر حظاً، لأن الغاز يُعتبر أقل تأثيراً على المناخ، وسيُستعمل بشكل أكبر بدل النفط، وهذا قد بدء بالغرب، وخصوصاً بكندا وغرب الولايات المتحدة، عن طريق تطوير وسائل مواصلات، تعتمد الغاز بدل البنزين. من ناحية أخرى، ستقوم الدول النامية مثل الهند وأخرى في طريق النمو كالدول الافريقية، إلى تفضيل الطاقة النظيفة، لتطوير اقتصاداتها، بدعم غربي سيتجاوز 100 مليار دولار سنوياً كحد أدنى.

في ظل هذه المعطيات الواضحة ,فما على الأمة العربية الا  أن تأخذ بالأعتبار كل تلك الحقائق، وتُزيل عن عينيها غشاوة النفط، وتنطلق نحو التغيير الاجتماعي الديمقراطي، والذي لا بديل عنه، من أجل بناء اقتصاد متنوع، إنتاجي واستهلاكي، يحفظ حقوقه ويُؤمن سعادة كل المواطنين، وهذا شيء ممكن، خصوصاً عند انهيار دعائم الأنظمة الديكتاتورية, المالية والسياسية الداعمة له من الغرب.

 

العلمنة الاجتماعية أساس الدولة العلمانية

 

 

العلمنة الاجتماعية أساس الدولة العلمانية

نزار بدران

هناك نوع من الاضطراب حول مفهوم العلمانية، داخل محافل الإعلام والنقاشات الدائرة حوله منذ عدة سنوات، وخصوصاً منذ بدء الثورات العربية. وهذا عائد لإرث قديم يعود لزمن الاستعمار، والذي وُوجه بتأكيد “الهوية الإسلامية” كأحد وسائل المقاومة، بينما جرى إقصاء، الترابط بين العلمانية والتحرر والحداثة.

ومن ناحية أخرى، بُلينا لعشرات السنين، بحكومات ديكتاتورية شرسة، في العديد من الدول العربية (مثل سوريا والعراق)، والتي كانت تُعلن انتماءها المُزيف، للعلمانية السياسية، ولكنها لا تستعمل هذا التعبير إلا لإبعاد كل أنواع المُعارضة السياسية الإسلامية، حتى لو كانت ديمقراطية، وتقبل مبدأ التبادُل السلمي للسلطة، كما رأينا حديثاً بمصر.

يوجد للعلمانية مفهومان متكاملان، أحدهما وهي العلمانية السياسية، المعروفة عند الناس، أي مبدأ فصل الدين عن السلطة. والأخرى أقل معرفة، وهي العلمنة الاجتماعية (وليس العلمانية) والتي ترتبط بالحداثة.

المفهوم الأول أي فصل الدين عن السلطة، هو مبدأ قديم، تبلور في خِضم التغييرات الثورية، التي حصلت في أوروبا خلال مرحلة الثورة الصناعية، وما تبعها من تغييرات سياسية وفكرية، خصوصاً ما جادت به قرائح مُفكري عصر الأنوار والثورة الفرنسية، وتبنته كثير من أنظمة الحكم الديمقراطية وكذلك الديكتاتورية.

هنا يكمن أول شرخ في مفهوم هذا النوع من العلمانية السياسية، ما يؤدي بدوره إلى نوعين جديدين، الأول العلمانية في إطار الحكم الديمقراطي، وهو ما أسميه “العلمانية المُسالمة” أو الإيجابية، وهذا النوع هو المُنتشر في أوروبا وكافة الدول الديمقراطية، بما فيها تركيا المُسلمة. العلمانية هنا تعني حيادية السلطة أمام الأديان، واحترامها لجميع أبنائها، ومعاملتهم بقوانين تساوي بينهم وتحترم عقائدهم، الفرد هو مواطن أولاً. ولكنها ترفض أن تُسن القوانين للدولة، بناءً على تشريعات خارج إرادة ممثلي الشعب (البرلمانات), وبدون أي ارتباط بأي قوانين غيبية، تضع حرية الإنسان بالفكر قبل أي اعتبار.

هي إذاً تفصل الدين عن مُمارسة السلطات الثلاثة، التنفيذية والتشريعية والقضائية، هذه القطاعات المؤسسة للدول. لا يمكن فيها أن يُنطق بحكمٍ، أو تُسن سياسة، أو يوضع تشريع، من دون أن يكون الإنسان مُمثلاً بالشعب، مصدره الوحيد (هذا لا يمنع الاستلهام بالفكر الديني). لا مكان في الدولة العلمانية للتشريع الديني، لأن الأديان فيها مُتعددة، والدولة تضع نفسها كحامية لكل الأديان، ولا تُنصب ديناً للدولة، أو تفضله على دين آخر.

الدين في هذه الدول (كما في تركيا المسلمة العلمانية) والمجتمعات، هو مرجعية أخلاقية وتقليدية فقط، لأن هذه هي وظيفته الحقيقية، وتضع الأديان كلها في مصاف الدفاع عن السلم الاجتماعي، بدل تدخلها بالتشريع، والذي يضع المجتمعات في مهب التناقضات والحروب الطائفية.

الأخلاقيات والقيم وتهذيب النفس، هو الدور المُناط بالمرجعيات الدينية، هذا ما يحدث بالفاتيكان بالعالم الكاثوليكي وبرضاه، وما أعتقد أنه سيكون عليه الوضع بالعالم الإسلامي. من درس أعمال إصلاحيي الدين الإسلامي، بنهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين (أمثال الشيخين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده) قد يجدُ في حينه، انفتاح أكبر على مفهوم العلمانية منه الآن، بين دُعاة الدين والتدين. هذه هي العلمانية الإيجابية، والتي بدونها، قد لا يوجد سلم اجتماعي ممكن.

النوع الآخر من العلمانية السياسية، هي تلك السلبية أو العنيفة أو الكافرة، كما كان الحال في الاتحاد السوفيتي أو الدول الشيوعية الأخرى، والتي كانت تعتبر “الدين أفيون الشعوب”، وتمنع ممارسته والقيام بشعائره، وتُغلق الكنائس قبل الجوامع، وتحرم الناس من العيش في كنف المعتقدات الدينية التي يودونها، أو الاحتفال بأعيادها. هذه العلمانية لا تستطيع أن تبني السلم الاجتماعي، وإنما هدفها فرض دين جديد، وفي حالة الاتحاد السوفيتي، هو “الدين الشيوعي”، كباقي الأديان، يتصور أنه يمتلك الحقيقة المُطلقة.

العلمانية إذن هي أسلوب عمل سياسي، يفصل مؤسسات الدولة عن المُحتوى الديني، وهو نتاج نضال سياسي ونقاشات طويلة وثورات ثقافية، كما حدث بأوروبا خلال القرون الأخيرة الماضية، وأُقر هذا القانون بفرنسا مثلاً في العام 1905.

من ناحية أخرى، ومقابل علمانية الدولة، يوجد ما يمكن تسميته (بالعلمنة الاجتماعية)، وهو مفهوم اجتماعي للعلمانية، حين تتحول المُمارسات الاجتماعية، من أُطرها الدينية إلى أُطر علمانية، هذه الأوضاع موجودة في كل البلاد، بما فيها البلاد العربية والإسلامية، وهي برأيي من طوّر الأوضاع خلال الثلاثين السنة الأخيرة في بلادنا, وحضّر لانفجار الربيع العربي.

وهي تعني الخروج التدريجي والبطيء لكل نواحي الحياة، من الكنف الديني، هذا واضح جداً بالتعليم الذي انتشر بشكل واسع، فالمدارس والجامعات لم تعُد مرجعياتها المؤسسات الدينية إلا ما ندر، التعليم لم يعد يتم بالكتاتيب القرآنية والزوايا، والجامعات والمعاهد لم تعد مُلحقة بالجوامع، أو كما بالحالة الغربية بالكنائس. هذا لا يعني أنه لا توجد مدارس ذات مرجعية دينية، ولكنها أقل بكثير من الماضي، نذكر كمثال جامعة الأزهر والمدارس الدينية الحرة بالغرب، ولكنها تطبق مناهج معظمها مُعلمنة اجتماعياً، فالعلمانية السياسية الإيجابية، لا تمنع ذلك قطعاً.

العلمنة تمتد أيضاً، إلى كل نواحي الحياة، من اقتصاد وفن وصحة، فالطب مثلاً لا يوجد له أي ارتباط حالياً، إلا بالمعطيات العلمية، كذلك الاقتصاد والمعاملات التجارية، والتي تحكمها حالياً قواعد الاقتصاد العالمي، وما محاولات البعض لإدخال مفهوم الاقتصاد الإسلامي، كوسيلة ناجعة لبناء اقتصاد حديث، إلا كلام نظري، وما نسمعه بالإعلام بشكل دوري، عن “الاقتصاد الإسلامي”، لا يوجد له حقيقة أي تطبيق بأي تشريع وبأي دولة، بشكل واسع، بما فيها الدول الإسلامية، والبنوك المسماة إسلامية، تُطبق حقيقة قواعد الاقتصاد الأكاديمي مع بعض التعديلات الشكلية.

ويمكن ملاحظة هذه العلمنة الاجتماعية، بحياة المرأة العربية والمسلمة، والتي لم تعد تقبل بالبقاء بالبيت، والقيام بالدور الذي يعدها به “الإسلاميون” بكل أطيافهم، وهو الإنجاب وتربية الأولاد. الواقع الديمغرافي منذ عشرين عاماً، والانخفاض الشديد للخصوبة، بالدول العربية والإسلامية، (والذي انتقل من 6 أطفال لكل امرأة في نهاية الثمانينات، إلى طفلين لكل امرأة حالياً، بحسب الإحصائيات العالمية). واتجاه المرأة نحو التحرر، والانعتاق من سيطرة الرجل، والدخول إلى عالم العلم والعمل، هو أكبر دليل على هذه العلمنة الاجتماعية، حيث تبتعد المرأة بممارساتها اليومية الحياتية، عن المعايير الدينية التقليدية، حتى في الدول الإسلامية العريقة.

العلمنة إذاً هي واقع حداثي، يتطور تدريجياً منذ عشرات السنين، بكل مناحي الحياة، وهو بموازاة العلمانية السياسية، يضع المجتمعات على طريق التقدم والسلم الاجتماعي. علمنة الواقع الاجتماعي إذاً، هو من يفرض التغيرات الاجتماعية، والتي تضع هذه الدول، على حافة الانفجار، بسبب التناقض المتزايد بين الأطر السياسية الاستبدادية، والمفاهيم الدينية الاجتماعية التقليدية من جهة، وبين حقيقة الحياة الاجتماعية المُمارسة حقيقة على الأرض من جهة أخرى.

الربيع العربي والحراك الشبابي، خصوصاً، هو نتاج هذا التناقض، وهو يشبه الزلازل، التي تحدث بعد تجمع قدر كبير من الطاقة الضاغطة بين طبقات سطح الأرض، تتجمع تدريجياً على مدار عشرات السنين، لتنفجر في بضع دقائق.

الانفجار الشبابي إذاً، هو نتاج هذا التراكم الحداثي، في ظل الاستبداد والتخلف الاجتماعي، وليس نتيجة مؤامرة، وهو ما يحاول دُعاة وداعمي الأنظمة ترويجه بين الناس، بمن فيهم بعض مُدعي اليسارية والعلمانية المُزيفة.

العلمنة الاجتماعية هي واقع يتطور ببطء، ولكنه يتقدم باستمرار، سيؤدي عاجلاً أم آجلاً، للتغيرات الديمقراطية المرجوة، والوصول للعلمانية كوسيلة حكم، وعندها تجد الأديان في مجتمعاتنا وضعها الطبيعي، أي الداعية للسلم الاجتماعي والتآخي بين الناس، بدل الدخول في جعجعة السياسة، وإشعال الخلافات الطائفية، التي لا يمكن حلها، لأن العقائد الدينية متناقضة، حتى داخل نفس الدين أو المذهب، وكل طرف يعتقد امتلاكه الحقيقة الأزلية، وينفي بالتالي وجود الآخر، الذي يحمل هو أيضاً نفس التصور عن دينه.

إن عودة الديانات إلى مفهومها الأصلي، وهو التآخي والمساواة، في مجتمع متنوع بأجناسه وآرائه ومُعتقداته، وترك السياسة للناس في أُطر الديمقراطية، هو من سينقذ مستقبل الأديان في مجتمعاتنا السائرة والطامحة نحو الحداثة والتحضر، والتجربة التركية وأيضاً التونسية جديرتان بالدراسة، واستنباط العبر، لأنهما تجربتان رائدتان أثبتتا نجاحهما ونجاعتهما.