المجتمع مصدر العمل السياسي. القدس العربي 02/07/2021

 د. نزار بدران 

أي نشاط سياسي داخل المجتمع المدني يواجه في معظم الدول العربية بالتجريم، وأي انتقاد للسلطة بالعنف وفي بعض الأحيان بالقتل، وكأن هناك محرمات، لا يحق لأحد خارج من ظنوا أنفسهم ملاك العمل السياسي، الاقتراب منها.
من ناحية أخرى لا نجد الكثير بين العاملين في المجال السياسي من مسؤولين ومتعلمين من يستعمل الأدوات العلمية لذلك، ومن ينطلق حقا من الجمهور الواسع باحثا عن المعطيات الاجتماعية الضرورية لذلك.

النشاط الإنساني

السياسية ، ذلك الجزء من النشاط الإنساني المهتم في الشأن العام وإدارته، كانت وقبل أن تنتمي إلى مجال العلوم الإنسانية محل تفكير الفلاسفة، لكنها حتى ظهور توماس هوبز الفيلسوف الإنكليزي في بداية القرن السابع عشر، لم تكن تعني إلا المفكرين وأصحاب السلطة أو رجال الدين. الجمهور لم يكن إلا موضوع هذا النشاط وليس بأي شكل من الأشكال مُلهِمَه، ولا حتى المشارك بانتاجه.
هوبز دون أن يغير هذه المعادلة، حول هذه السياسية إلى نوع من التعاقد مع الجمهور والذي يتخلى عن حقوقه لصالح القائم على السلطة، واضعا سياسات مصدرها السماء أو السلطة نفسها، فالهدف هو إنهاء اقتتال الكل ضد الكل كما كان يعتقد ، فالناس بطبيعتهم أشرارا.
لم يظهر مفهوم أحقية الشعب بممارسة السياسة إلا مع فكر الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو في القرن الثامن عشر، حيث عكس الصورة ووضع مفهوم الجمهور كمصدر السياسة والسلطة المُنتخَبة أداة لتنفيذها (الانقلاب الليبرالي).
القرن الماضي أعاد من جديد ظهور السياسة الفوقية خصوصا في الاتحاد السوفييتي ومناطق نفوذه. لكن انهيار هذا التكتل أدى إلى عودة العمل السياسي إلى أصحابه الشرعيين أي المواطنين العاديين الذين وبشكل عفوي عكسوا الصورة من جديد، فالسلطة عادت وسيلة للعمل السياسي الآتي من الجمهور وليس مصدرها.

نظام الفصل العنصري

انتشر ذلك النموذج سريعاً بنهاية القرن الماضي، منهيا نظام الفصل العنصري في دولة جنوب أفريقيا، ثم اتساع الرقعة إلى معظم بقاع الأرض، مثل أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا.
آخر اللاحقين بعكس الصورة السياسية ومصدرها كانت البقعة العربية انطلاقا من تونس بنهاية 2010، مع نتائج ما زالت ضبابية، لكن التاريخ بدأ بالتحرك والتململ.
ما هي وسيلة دارسي العلوم السياسية لفهم الحدث السياسي أو حتى توقعه ؟
سؤال تصعب الإجابة عليه، فلم يستطع أحد أن يتوقع أحداثا مهمة جداً بحجم انتهاء الحرب الباردة وأشياء كثيرة أخرى، مرد ذلك أن المجال التجريبي في العمل السياسي هو التاريخ، وتجاربه تستغرق عقودا طويلة، لذلك وجب الإستعانة بأدوات إضافية في محاولات توقع المستقبل، وكما نَظَّر له المؤرخ الفرنسي فيرنان بروديل فإن ذلك هو مجال ما يسميه التاريخ الشامل.
فبالإضافة لدراسة الأحداث يجب دراسة التغيرات الاجتماعية مثل الديموغرافيا والتطور البيئي وحتى الوضع الجيولوجي.
نحن في البلدان العربية بحاجة لأن نعطي السياسة والعلوم السياسية بعدها الديناميكي أي التاريخ الشامل، فلا مجال لفهم أوطاننا من خلال تحليلات ودراسات فوقية تُعْنَى فقط بأصحاب الشأن السياسي الرسميين على أهميتها، بل علينا إضافة الأبحاث الاجتماعية، خصوصا التركيبة المجتمعية وتطوراتها البطيئة على مدار عقود، مثل مستوى التعليم خصوصاً عند النساء، التغيرات في مستوى الخصوبة المرتبط بمستوى تعلم النساء وحصولهن على مجموعة من الحقوق، تطور طبقة وسطى ومطالبها بالتعبير والحرية والتحديث الديمقراطي، أو انتشار الترابط عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأشياء كثيرة جداً مثل التغير المناخي والترابط والتداخل الاقتصادي وسوق العمل، كل ذلك يجب أن يوضع بخدمة السياسية حتى تصبح حقا ملتصقة بالواقع وقادرة على فهم وتوقع المستقبل ولو مع هامش خطأ كبير.

إدارة شؤون المدينة

السياسة بمفهومها النبيل هو إدارة شؤون المدينة، وقد حددت الفيلسوفة الألمانية انا ارنت أسس هذا العمل القادم من القاعدة من خلال طرحها لمفهوم “الفضاء العام”، وأهلية الكل للمشاركة في العمل السياسي بشكل علني شفاف، واعتبرته الشكل الوحيد الذي يخرج الفرد من تقوقعه ويربطه بالآخرين. عكس المهن، العمل السياسي لا يتم إلا من خلال العلاقات الاجتماعية .
على السياسة وعلومها أن تخرج من قاعات المحاضرات وصالات المكتبات المغلقة لتذهب نحو موضوعها السليم والذي وجدت من أجله، وهو جمهور الناس بأماكن عملهم وحياتهم، فهؤلاء كما رأينا هم من يحدد عاجلا أم آجلا وبشكل غير متوقع في أغلب الأحيان قواعد الفعل السياسي .
للأسف فكثير من الفاعلين السياسيين ما زالو يرون كما كان زمن هوبز الجمهور أو الشعب كمفعول به سياسيا، بينما تبقى السياسة حكرا على السياسيين والمثقفين.
منذ الصغر نتعلم أن نبتعد عن السياسة وكأنها خطر على مستقبلنا، بينما الحقيقة أنه لا يوجد مستقبل بدون مشاركة الناس بأمور حياتهم.
علينا إذا أن نتجه إلى مصدر السياسة الحقيقي، ونعمل على تفعيله وإعادته للحياه، ونحن نعيش الآن مرحلة تاريخية استثنائية معقدة ستحدد مستقبلنا لعشرات السنين، فهل سنكون على مستوى المسؤولية ؟

نزار بنات شهيد الحق بالمعارضة

نزار بنات شهيد الحق بالمعارضة 26 حزيران 2021

نزار بدران

مقتل الناشط السياسي نزار بنات بأيدي تخضع لأوامر السلطة الفلسطينية لدليل على انفصال  تلك الأخيرة وانعزالها عن الشعب، الدور الأهم لأي سلطة هو ضمان أمن المواطنين وحياتهم أولا وحقوقهم ثانياً. هل هناك أسباب وجيهة من منظار السلطة لعمل كهذا؟ ، هل يشكل نزار بنات خطرا داهما على سلامة الوطن والمواطنين، مثلا كما نرى مع المستوطنين، ام هي بوادر فزع رجال السلطة بأن الزمن قد تغير، وهو ما رأينا بوادره مع إلغاء الانتخابات.

إسكات النشطاء السياسيين بكل الوسائل بما فيها القتل يذكرنا بما تفعله مليشيات الحشد الشعبي التابعة لإيران مع الحراك الديموقراطي بالعراق، مئات الاغتيالات دون أن تجد الحكومة أو القضاء والشرطة أي مجرم. هل السلطة  هي بطريقها إلى التحول إلى حشد فلسطيني؟

مقدار عنف أي سلطة هي بمقدار شرعيتها وقوة وتعاضد المنظومة الحقوقية التي تُبْنَى عليها. السلطة القوية متسامحة مع معارضيها لأنها لا تستشعر الخطر من الشعب الذي نَصَّبَهَا، وإنما من الأعداء، السلطة الشرعية لا تخاف النقد بل تبحث عنه. هذا هو عكس السلطة الضعيفة التي لا تستقي شرعيتها من المواطن بل من الداعم الخارجي لوجودها، مختبئة خلف العنف وكأنه سيحميها ممن تعتقد أنهم لم يعودوا أداة تجديد شرعيتها. الشرعية حتى ولو كانت حقيقية لا تعني أن تفعل ما تشاء وانما ان تفعل ما يريده هؤلاء الذين خوَّلوكَ بتنفيذ إرادتهم.

ممن تخاف السلطة الفلسطينية، من خطر الاستيطان الداهم والذي قَطَّع أوصال مشروع دولة أوسلو العتيدة، ام من انتفاضة القدس والأقصى والتي لا تقع تحت نفوذها؟. ممن تخاف السلطة الفلسطينية من إسرائيل ومشاريعها بتهجير بقية الشعب الفلسطيني أم من حراك أهلنا داخل الخط الأخضر وهم يُغَيِّرُون قواعد اللعبة لصالح الشعب الفلسطيني؟  ممن تخاف تلك السلطة، من دول التطبيع أم من فقدان الدعم المادي الخليجي والأمريكي؟ ممن تخاف من نتائج حصار وحروب غزة على معذبو القطاع أم من تقوية قبضة منافسها عليهم؟ 

ها نحن بفلسطين ندخل مع هذه الجريمة بعالم الربيع العربي، فمن يطالب بالحرية والديمقراطية يحصل على البراميل المتفجرة بسوريا والتدمير بليبيا أو اليمن، من يطالب حتى ولو بالخبز يحصل على السجون المظلمة، ومن يتجرأ على النقد الموضوعي والمطالبة بالحقوق يحصل على الإغتيالات كما نرى بالعراق ولبنان وسابقا بالسودان. لا أمل ممكن مع هذا النظام العربي بكل أشكاله. كنا نعتقد بفلسطين أن الاحتلال يحمينا من هذا المطب، فكلنا ضحايا محتلون حكاما ورعايا، وكما لا يستطيع المواطن التنقل إلا بإذن سلطات الاحتلال كذلك المسؤول مهما علا شأنه.

لماذا إذا هذا الهراء وفقدان الصواب من كلمة هنا ورسمة كاريكاتير هناك.

الكلمة الفصل تبقى ملك الشعب الفلسطيني، فتحالف قواه الشبابية الديمقراطية بكل مكان مهما كانت ضعيفة ستفرض بالنهاية رؤيتها، فلا أحد يستطيع أن يهزم تحالف الضعفاء مهما امتلك من قوة. يجب إعادة بناء حركة وطنية على قواعد استرداد الحقوق وأولها الحق بحرية الكلمة والتعبير، واحترام الشعب الفلسطيني بكل أماكن تجمعه ورفض مصادرة حقه الأصيل بالاختيار ممن ظنوا أنهم أوصياء عليه، الشرعية هي فقط تلك التي تأتي من المواطن وليس من غياهب ذكريات الماضي وبطولاته الخيالية. نحن لا نوافق نزار بنات كل ما يقول خصوصاً وقوفه على ما يبدوا مع سفاحي الشعب السوري، لكنا هنا ندافع عن حق الجميع بالمعارضة والتعبير الحر. سياسة التخويف تعكس عدم إدراك بطبيعة المرحلة وتنم عن فزع من يمارسها ضد معارضيه، وتخلف واضح بالقيم التي يحملها، ويحكم على نفسه بالخروج من مستقبل الشعب الفلسطيني، أي مستقبل حر دون خوف.

كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

هؤلاء لا يمثلونني

هؤلاء لا يمثلونني

نزار بدران

عندما ينقطع الحاكم عن الشعب، فاقدا شرعيته الوحيدة، تلك التي يعطيها له هذا الشعب، يعتقد أنه يستطيع الاستمرار بالتبجح بتمثيله والتكلم باسمه، لكنه بالواقع العملي أبعد ما يكون عن ذلك. الانتخابات الأخيرة بفلسطين تعود لعقود، وتلك التي اتفق على إجرائها تم الغائها تفاديا لمفاجآت متوقعة. في هذه الفترة يحدث اعتداء اسرائيلي على سكان القدس، يتبعه اعتداء على أهلنا بغزة، الذين وقعوا دون سابق إنذار تحت القصف بالطائرات التي لا تميز البشر عن الحجر.

لم تجد القيادة الفلسطينية بالضفة والقطاع وعديد من الفصائل والأحزاب اليسارية وقياداتها المتحجرة أفضل من تلك الفترة الصعبة من إعلان شكرها وامتنانها للدعم أللامحدود لبشار الأسد وأسياده بطهران، الذين اكتفوا بمشاهدة المنظر الفلسطيني بدون أي حراك، وهم يتبجحون بالمقاومة منذ بدأ الكون، وينتظرون اللحظة المناسبة والحاسمة، لحظة القدس لكي يصلوا فرادى وجماعات كالاعصار لاقتلاع الاحتلال. أتت لحظة القدس ولكن لحظة محور المقاومة لا تأتي أبدا. هي مرتبطة بمقدرته على دعك وتدمير شعوبه وليس تحرير فلسطين أو الاهتمام بمآسيها.

رغم ذلك يخرج علينا السياسيون القادة الملهمون الفلسطينيون يعلنون انتصارهم الساحق، ومن يستحق الشكر والثناء على ذلك، طبعاً محور المقاومة.

ماذا سنقول اليوم وغدا لأبناء سوريا، ونحن الشعب الفلسطيني جزء منه، لم يجزئنا إلا المستعمر الفرنسي والبريطاني. ماذا سنقول للقتلى والمشردين، ماذا سنقول للأمهات الثكالى، ماذا سنقول لحجارة حلب وحماة وحمص، لم نركم، كما فعلنا دائما، نغطي رؤوسنا بالرمال ونشكر ونهنئ المجرم على تفضله بدعمنا، وهو الذي تهاجمه اسرائيل بشكل شبه يومي دون أدنى حراك أو رد.

هذه القيادات المفترضة، الفاقدة لاية شرعية لا تمثلني، ولا تمثل جماهير الشعب الفلسطيني والذي كان وما زال بجانب اخوته من الشعب السوري، ضحية هذا النظام الفاشي، داخل مخيماته مثل مخيم اليرموك رمز دمار الوجود الفلسطيني بسوريا.

قليل من الحياء لن يضركم، نحن ننتظر حقا تلك اللحظة التي نستطيع فيها أن نقول كلمتنا ونختار قياداتنا، حتى لا نهزء أمام جماهير أمتنا، والتي هي صاحبة القضية الفلسطينية الحقيقية. 

كاتب ومحلل سياسي فلسطيني مستقل

النكبة بداية النهاية. القدس العربي

النكبة بداية النهاية

17 – مايو – 2021

النكبة بداية النهاية

 د. نزار بدران 

لن يكون لذكرى النكبة هذا العام الطعم نفسه، والألم المرتبط بالبؤس وعجز الحال.
لأول مرة يشعر الشعب الفلسطيني بشيء من الأمل. التخلص من الخوف أولا، وإعادة الوحدة لهذا الجسم الممزق. فالنكبة حولت شعبا واحدا إلى مجموعات إنسانية واجتماعية مقسمة بين الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس وعرب الـ 48 واللاجئين في الدول العربية أو الجالية في العالم.
كل مجموعة منا بالإضافة لألمها وحسرتها على وطننا المشترك، لها مآسيها الخاصة وتخضع لقوانين وتصنيفات مختلفة تؤكد مع الزمن تمايزا متزايدا بين اللاجئ والنازح، وبين ابن القدس وغزة أو أبناء الجليل والنقب.
آلة الدهس والعصر والسحق

نكتشف أنفسنا من جديد شعبا واحدا، لم تتمكن آلة الدهس والعصر والسحق من تفتيته كما كان معتقدا، وكما بنى عليه زعماء دول التطبيع تقديراتهم، فهم اعتقدوا أن إسرائيل حية ترزق، وأن الشعب الفلسطيني أصبح في خبر كان. وهو ما فتح لأحلام سحق شعوبهم آفاق دعم الحليف الإسرائيلي.
أبناء اللد وحيفا والداخل الفلسطيني، عندما هبوا للدفاع عن القدس والشيخ جراح والمقدسات، فتحوا الباب أمام الوعي الجماعي. لا يوجد عرب إسرائيل بل يوجد فلسطينيون تحت الاحتلال، هو ما يجمعهم مع أبناء المناطق الفلسطينية الأخرى، فكلنا تحت الاحتلال، دون أي حقوق.
أهل غزة محاصرون، والضفة مقطعون بالمستوطنات، وقرى فلسطين التاريخية هي بين ممحية من الوجود أو محاصرة بالتمدد السكاني اليهودي، واللاجئون محرومون من حقهم الأساسي في العودة، هم أيضا تحت الاحتلال.

الثورات العربية

بعد عشر سنوات تمكن الشعب الفلسطيني من الالتحاق بركب الثورات العربية، بدل النظر إليها بتوجس، فالمطالبة بالحقوق هي نفسها هنا أو هناك.
الحروب في دول الربيع العربي أو الانتفاضات الجديدة في الجزائر والعراق ولبنان، تهدف كلها لنيل حقوق المواطن وكرامته. في فلسطين لا نطالب فقط بالاستقلال، ولكن أيضا بالحقوق الإنسانية والتي ليست مجال نقاش، فهي لب قيم الإنسان بهذا العصر، ومن أجلها ثارت شعوب بكل بقاع الأرض.
على شباب الانتفاضة الجديدة أن ينتبهوا لقوى الماضي ألتي تتبجح بتمثيلهم، هؤلاء الذين أعلنوا ملكيتهم للقضية الفلسطينية، وصادروا حق الشعب الفلسطيني بتحديد ما يريد حتى بانتخابات عادية، واستمروا بالتصارع وفضلوا ربط أنفسهم بقوى عربية وأجنبية، ليسوا مؤهلين لأن يصبحوا منارة للحراك الجديد، الذي بدأ بدونهم، رغم محاولاتهم الواضحة المكشوفة للحاق به.

سراب أوسلو

الاستمرار بالجري وراء سراب أوسلو وأحلام دعم أمريكا والغرب، أو ربط القرار الفلسطيني بأنظمة تدمر يوميا شعوبها كما نرى في إيران وسوريا، يبين قصر نظرهم وبعدهم عن أي مفهوم إنساني حقيقي. فالغرب لن يدعمنا إن لم ندعم أنفسنا أولا، ودول الديكتاتوريات الشرق أوسطية لن تستطيع الصمود أمام شعوبها إلى الأبد.
مستقبلنا إذا هو مع شعوب هذه الدول. البدء من الآن بفهم ذلك هو انقاذ لمستقبل الشعب الفلسطيني وحقه في العيش بحرية وسلام في منطقته التاريخية.
تحية لأبناء وبنات فلسطين أينما كانوا، فهم بعملهم العفوي، عكسوا معادلات ظنناها ثابتة لا تتغير، ووضعوا أسس حراك فلسطيني جديد بقيم وأهداف تتناسب مع زمن الثورات العربية.
عليهم الآن أن يترجموا ذلك على الواقع، وعدم العودة لحضن من أشبعونا بالأوهام مدى عقود طويلة.
كاتب ومحلل سياسي مستقل

الربيع العربي عودة الإنسان نزار بدران

الربيع العربي عودة الإنسان نزار بدران
CLICK HERE TO READ OR DOWNLOAD THE BOOK

ملخص كتاب الربيع العربي: عودة الإنسان
يركز عنوان الكتاب على إظهار مركزية الإنسان كهدف للحراك قبل أي اعتبار آخر.
هذا العمل هو محاولة لشرح أسباب ودوافع الربيع العربي وغاياته, ذلك رغم تعنت الطبقة المسيطرة على مقدرات الأمة منذ عقود طويلة.
اهتم الجزء الأول من الكتاب وصف الوضع العربي عشية انطلاق هذا الحراك الشبابي, وما وصلت له الحالة العربية في ظل الأنظمة على مدار عقود.
ناقش الجزء الثاني من الكتاب المعطيات الاجتماعية (السوسيولوجية) وتطورها في الحالة العربية وذلك بمعزل عن الوعي المباشر منذ أكثر من ثلاثين عاما, وخصوصا تطور الطبقة الوسطى وعودة المرأة إلى الواجهة كرافعة وقائدة, وترابط ذلك بالتغيرات العميقة التي حدثت بالعالم أجمع.
الجزء الثالث هو طرح ومناقشة لمفهوم الدولة المدنية الحديثة والتي هي الهدف الأساسي لهذا الربيع مركزا على مفاهيم مثل الديمقراطية الدولة المدنية وأهمية المجتمع المدني. اخذين بالاعتبار تجارب الشعوب الأخرى والطرح الفكري بالغرب وتجربته التاريخية.
الجزء الأخير هو استمرار للطرح الفكري من خلال إعادة نشر جزء من مقالاتي التي نشرت بالصحافة وخصوصًا الصحافة العربية بلندن..
نأمل من هذا العمل مساعدة عامة الناس على فهم ما يشعرون به واعطاء هؤلاء الذين يتوقون للتغيير وسائل فهم الحدث ومكانته بالمجرى العام للتاريخ العربي.

لمن يود الكتاب الورقي هو موجود على امازون amazon وعلى

https://www.morebooks.de/

هل أنت سعيد ؟. نزار بدران

 هل أنت سعيد؟

كنت جالساً على مقعد خشبي بإحدى ساحات باريس،  وهي ساحة مربعة مُحاطة بأبنية متشابهة،  مُصممة بأسلوب القرن الخامس عشر،  ويتوسطها تمثال لأحد ملوك فرنسا،  يُحيط به مجموعات من المساحات الخضراء والنوافير،  حيث تعج بالناس عندما يأتي الربيع،  وتبدأ الشمس بالظهور لتدفئة قلوبهم.  
تقدم مني رجل بالخمسينيات وسألني: 

 –  هل أنت سعيد؟  

كما يبدو فقد لاحظ هذا الرجل غرقي بأحلامي،  وقد أعطيته انطباعاً بالحزن.  كنت نادرا ما اطرح هذا السؤال على نفسي،  هل أنا سعيد؟  وإن كنت كذلك،  فكيف لي أن أعرف؟  تذكرت عندها ما قالته لي إحدى صديقاتي،  وهي ممرضة بإحدى المستشفيات التي عملت بها،  عندما سألتها إن كانت سعيدة.

– نحن أبناء جزر الكراييب،  نحمل السعادة داخلنا،  ولسنا بحاجة لشيء حتى نكون سعداء.  حكمة بالغة عندما نعرف أن ماري ملاك،  وهذا اسمها،  قد توفيت عن عمر ثمان وأربعين عاماً،  من مرض وراثي أخذته عن أمها.  حتى آخر يوم بحياتها،  كنت أراها والابتسامة تعلو شفتيها،  وكأن الحياة تضحك لها،  قائلة،  سأنتصر على المرض.

نحن سعداء عندما نحمل السعادة بأنفسنا،  وكيف لنا أن نفعل ذلك؟  ماري ملاك لم تقل لي ما هي طريقتها،  ولكن عندما نرى بشرتها السمراء،  وتاريخ الاستعباد الذي كان نصيب أجدادها قبل التحرر،  نفهم أن مفهوم السعادة هذا كان أحد وسائل سكان هذه الجزر للبقاء على قيد الحياة،  وإلا لانتهوا نفسياً وجسدياً.
 
ولكن ماذا سيفعل هؤلاء الذين لا يحملون السعادة داخلهم،  وهم كثر.  ذكرني ذلك بالعديد من معارفي بالعمل والحياة،  لكل وسيلته الخاصة للبحث عن السعادة.  هناك من ينغمس بالعمل خصوصاً إن كان عملاً مُختاراً.  هل العمل يُعطي السعادة؟  قد يكون ذلك صحيحاً لو كان الناس يحبونه،  ولكن الغالبية العظمى منا،  تنتظر نهاية يوم العمل بفارغ الصبر،  ومع ذلك فلو لم نعمل لكنا أكثر بؤساً.  لم أجد حتى اللحظة أناساً لا يعملون وسعداء بسبب ذلك،  حتى ولو لم يكونوا بحاجة مادية للعمل،  فهم يبحثون دائماً عما يسمونه “القيام بعمل مفيد للمجتمع”.  هم إذاً سعداء عندما يقومون بشيء من هذا القبيل.  حق التقاعد هو أحد مطالب الطبقة العاملة الأساسية،  والذي تمكنت بالعديد من الدول من الحصول عليه،  ولكن ماذا يفعل الناس عندما يتقاعدون؛  البحث عن شيء يشغلهم،  حتى لو كان دون أجر.

لكثرة المعارض الفنية بباريس،  وخصوصاً للرسامين،  كنت أظن أن الفن هو أحد الوسائل الأساسية للحصول على السعادة،  فسألت أحد أصدقائي،  وهو رسام مشهور من أصل روسي،  عن مردود الرسم على نفسه وسعادته،  فقال لي مُتنهداً:

–  لا تدوم سعادتي بالرسم،  إلا عندما أمارسها،  بعدها تتكدس اللوحات في المخزن،  ومن الصعب أن أجد من يشتريها.  ولكني أستمر بالرسم لأني لا أتصور نفسي دون ذلك.  الرسم هو ما يعوضني عن نقص العطف الذي كان من نصيبي طفلاً،  ويُعطيني نوعاً من النشوة،  قد لا أستطيع الحصول عليها ببساطة في المجالات الأخرى؛  فالأعراف الاجتماعية،  لا تسمح لي مُعاشرة أي امرأة تُعجبني،  أو أكل أي وجبة أحبها.  سعادة صديقي الفنان هي إِذَا بديل للملذات التي لا يستطيع الحصول عليها،  وقد تكون وسيلته أيضاً للتسلل لها.  أما بالنسبة لمحبيه،  ومُشاهدي رسوماته،  فهذا يشحذ خيالهم ويُعوضهم مؤقتاً عما لا يستطيعون تحقيقه من ملذات.  
 
لم أر في حياتي امرأة نرجسية مثل صديقة تمتلك مؤسسة للطباعة،  فهي كانت تظن أن الطبيعة (وليس الطباعة)،  لم تخلق مثلها على وجه الأرض.  لم تكن سعادتها ببيع الكتب وطباعتها والتعرف على الْكُتَّاب،  مشاهيرهم ومغموريهم،  وإنما أن يمتدح الناس عملها ويُثنون عليه،  هي لا تعيش إلا من خلال تلك المرآة،  التي تعكس لها ما تتصوره صورتها بعيون الآخرين.  بهذه الطريقة تجد السعادة من خلال الانكفاء على نفسها وليس عند الآخرين.  هي عكس هؤلاء الآخرين الذين تزداد سعادتهم،  بتزايُد فتوحاتهم العاطفية،  فهم يبحثون عنها دائماً خارجهم.

سألت نفسي هل اَلتَّدَيُّن يجلب السعادة؟  ولكن هؤلاء الناس وهم كُثر،  يتشابهون تماماً ويُمارسون نفس الطقوس،  وقد طُلب منهم أن يبتعدوا عن ملذات الدنيا،  ومصادر سعادتها المادية والنفسية،  للتركيز على التسامي والابتعاد عن الجسد والاقتراب من الروح.  قد نجد شيئاً قريباً من ذلك عند أتباع اليوجا.  بالنسبة لي،  هذه الطريقة للحصول على السعادة،  هي أكثرها ابتعاداً عن حقيقة البشر ورغباتهم،  وكأنها كمن يُحاول دائماً السباحة عكس تيار النهر،  فهذا ينهكه ولا يوصله إلى المنبع.  بعض ديانات شرق آسيا القديمة،  تمشي مع التيار ولا تُعارضه،  ولكنها تُهذب السابح والنهر وتزيل منه الصخور وكل ما قد يُشكل خطراً للسابح وللآخرين،  هذا للأسف ما لا تفعله الديانات التقليدية.

أحد أصدقائي بالعمل،  وهو طبيب نفسي يُدعى فريد،  قال لي يوماً:

–  لا تبحث عن السعادة فهي غير موجودة،  فالبحث عنها ليست غريزة زرعتها الطبيعة بنا.

–  ولكن أليس البحث عن الملذات يؤدي للسعادة،  وهي غرائز فينا؟

– الملذات،  أجابني صديقي الطبيب النفسي،  لا يمكن أن تكون إلا لحظية،  بينما البحث عن السعادة هو البحث عن حالة دائمة أو على الأقل طويلة الأمد،  وهو ما يتناقض مع مفهوم اللذة المبني على النشوة.

– ولماذا لا تكون النشوة حالة من السعادة؟

– النشوة هي حالة قصيرة جداً كما تعرف،  وإلا فستفقد جاذبيتها،  فمثلاً إن كنت تحب شراباً معيناً ستنتشي عندما تشربه،  ولكن لو فعلت ذلك بشكل متكرر ومُتقارب،  فستختفي هذه النشوة.  فاللذة وابنتها النشوة،  هو شعور لا يمكن أن يوجد،  إلا إذا كان لحظياً،  أي قصير الأمد.  حينها سألته:

– وهل الحب هو مصدر سعادة؟

– سؤال مهم حقيقة،  هناك من يبحث عن السعادة من خلال حُب الآخر،  أو يكون هو نفسه موضوعاً للحُب،  ولكن المُحِب يضع نفسه بموقع هش جداً،  فلا يوجد أسوأ من أن يفقد الإنسان المُحب موضوع حُبّه،  فتنعكس هذه السعادة،  إلى بؤس كامل.  تذكر قصة صديقنا م. ب.،  والذي قتل نفسه شنقاً،  عندما هجرته زوجته لتعيش حُبًّا جديداً.

– وكيف يمكن أن نحصل على السعادة إذاً؟

– بدرء المخاطر،  أجابني فريد،  وهي الغريزة الوحيدة الموجودة بنا منذ البدء.

– أي مخاطر؟

– مخاطر الطبيعة،  مثل الزلازل والكوارث الطبيعية أو الأمراض،  ولكن أكبر خطر يُهدد سعادة الإنسان هو الظلم الاجتماعي. 


– أكثر من الكوارث الطبيعية؟

– أكثر بكثير،  من أحد أسباب اَلتَّدَيُّن الرئيسية هو هذا اَلظُّلْم،  فالدينُ يحاول أن يُهَدِّء نفس المظلوم،  عن طريق وعد إلهي بالعدل في حياة أخرى،  عندما يَعِزّ ذلك بالدنيا.

– وهل هناك وسائل أخرى؟

– المجتمع قد يُشكل للبعض مصدر بؤس،  فيبتعدوا عن الاختلاط بالناس،  وقد يصل الأمر إلى الاعتزال الكامل،  وإيجاد حياة خاصة خارج المجتمع،  كما يفعل بعض الرهبان.  ثم استأنف صديقي الطبيب النفسي:

– نحن بحاجة إذاً لنكون سعداء،  إلى وسائل لدرء الأخطار،  وأخرى لدرء الأمراض،  وهذا العلم كفيل به قدر المُستطاع،  ولكن أهم شيء هو الحصول على العدالة الاجتماعية وتأمين الحقوق.  

صديقي الطبيب النفسي،  وضع إصبعه على موضع الحقيقة،  فالفراشة ليست بائسة،  رغم قصر عمرها،  فهي تلون نفسها لدرء الأذى عنها،  وقد يكون ذلك مصدر سعادتها،  وسعادتنا برؤيتها.

–  لماذا لا تُجبني على سؤالي؟  قال الرجل وقد نسيت وجوده أمامي،  بالساحة الباريسية المربعة،  ثم أردف:

– هل أنت سعيد؟

– لا أدري يا صديقي أجبته،  فأنا لا أسأل نفسي هذا السؤال.

– وكيف ذلك؟  ألا تعرف اسمك؟  أنا أبحث عن رجلٍ يُدعى سعيد،  أعطاني موعداً في هذه الساحة.

قصة من خيالي كتبتها بناء على مفهوم سيجموند فرويد للسعادة

مفهوم الأمة القومية. نزار بدران القدس العربي 28 يناير 2021

مفهوم الأمة القومية

28 – يناير – 2021

مفهوم الأمة القومية

 د. نزار بدران 

حجم الخط

تطالب قوى الثورة والتغيير بالدول العربية، منذ نهاية 2010، بإسقاط النظام وتحقيق العدالة الاجتماعية والحصول على الحرية، كل شعب يسعى عن طريق النضال السلمي، مُعتمداً على حشد جماهيري كبير، إلى الوصول إلى هذه الأهداف. هل سقوط النظام الاستبدادي، سيُعيد تلقائياً حلول نظام توافقي مدعوم من كافة أطياف المجتمع، وهل يمكن بناء السِلم الاجتماعي بمجرد سقوط النظام.
هذه الأسئلة وغيرها، تُرسلنا إلى مفهوم الجمع الاجتماعي والرغبة بالعيش المشترك، فتحت الأنظمة الديكتاتورية تجمد المجتمع، نجاح الثورة يُنهي حالة التجمُد هذه، ويُظهر تناقضات لم تكن مرئية في بعض الأحيان.

سقوط النظام الشيوعي

النموذج الأكبر لذلك، هو سقوط النظام الشيوعي بيوغوسلافيا، والتي حل محلها فوراً تقسيم البلاد حسب الأديان، بين الأرثوذكس والكاثوثيك والمسلمين (صربيا، كرواتيا، سلوفانيا والبوسنة) أي العودة إلى زمن ما قبل وصول الحكم الشيوعي، وهذا أدى إلى حروب طويلة بين هذه الشعوب دون طائل، تهدف إلى الحصول على النقاء العرقي والديني لكل بلد، وهو ما لم يمنع من عودة الأمور بمرحلة أخرى إلى التقارب تحت سقف الانضمام الى الاتحاد الأوروبي، الذي لا يعترف بالتمييز العرقي أو الديني.
النموذج الآخر المُغاير، هو جنوب إفريقيا بقيادة نلسون مانديلا، والتي انتقلت إلى الديمقراطية دون أي تفسخ للمجتمع، فلم تُقسم البلاد بين البيض والسود، ولم يتم مُصادرة أملاك وأراضي البيض، لصالح السود، ولم يُدعى إلى طرد البيض وعودتهم لأوروبا ( كما حدث مثلاً في زيمبابوي أو الجزائر) قريباً منا نرى أن انهيار نظام صدام حسين الاستبدادي في العراق، تبعه تدخلات غربية عديدة وصراعات داخلية على مبدأ الانتماء الديني مؤدياً إلى دمار البلاد. هذه أسئلة تُطرح على الشباب الثائر، والساعي لإسقاط الأنظمة الاستبدادية، إلى أين أنتم سائرون، والى أي مجتمع أنتم تسعون؟
تجارب الأمم المختلفة في العالم، منذ الثلاثة قرون الأخيرة، أي منذ سقوط الإمبراطوريات ونشأة الأمم، وانتهاء الشرعيات المُستمدة لصالح سيادة الشعب، تُظهر أن مفهوم الأمة ووحدتها ومبرر وجودها، يختلف من أمة إلى أخرى، ومن مفهوم فلسفي إلى آخر، وذلك مرتبط بشكل خاص، بتاريخ وظروف كل أمة أو كل شعب.
هناك بشكل عام ثلاثة تصورات لمفهوم الأمة، وعلى شعوب الدول العربية، وقادة ثوراتها، أن يُحددوا أي نموذج يختارون.
النموذج الأول، وهو النموذج المبني على العنصر الثقافي العرقي، أي الانتماء إلى لغة وثقافة واحدة، وعنصر عرقي واحد، وهو تقريباً النموذج الذي بُنيت عليه ألمانيا، والذي أدى إلى اعتبار كل مجموعة سكانية، تتكلم اللهجات الألمانية، كجزء من ألمانيا والعنصر الآري، وأسس لحرب 1870، ثم الحرب العالمية الاولى والثانية، يتناسى المُدافعون عن هذا المفهوم، أن المناطق المُتكلمة باللغة الألمانية في دول الجوار لألمانيا، تحتوي أيضاً على سكان يتكلمون لغات أخرى، وهو مدعاة لطرد هؤلاء أو التنكيل بهم -.هذه هي التجربة الأوروبية وأحد أسباب الكوارث التي عمت القارة، بالنصف الأول من القرن العشرين، بعد انتشار التصور العرقي الثقافي للشعوب.
النموذج الثاني، يذكرنا بقيام دولة اليونان، أو بعض دول أوروبا الشرقيه، ومؤخراً دولة الاحتلال الإسرائيلي. هذا النموذج مرتبط بثلاثة عناصر، وهي وحدة اللغة، وحدة الدين ووحدة الأسطورة الوطنية المؤسسة.
استطاع سكان اليونان، بالثلث الأول من القرن التاسع عشر، زمن ما يسمى بالثورة اليونانية، تحديد هوية وطنية، عن طريق الربط بين الدين الأرثوذكسي واللغة اليونانية، وأيضاً إعادة الارتباط بالأسطورة التاريخية لماضي اليونان المجيد، بعصر الحضارة اليونانية القديمة، بفضل الاكتشافات العلمية بزمنه.
نرى شيئاً قريباً من ذلك، في بولندا ورومانيا ودول شرق أوروبا، والتي أدت مثلاً في بلاد البلقان، إلى حروب متعاقبة، مما أدى إلى مفهوم البلقنة، أي التجزئة على مبدأ الدين واللغة، وهذا ما رأيناه أيضاً في حروب البلقان بعد سقوط الشيوعية.
نشأة دولة باكستان بعد استقلال الهند، وانتهاء الهيمنة الاستعمارية البريطانية، اعتمد نفس المنطق، أي الدين المشترك واللغة المشتركة ومحاولات لإيجاد قصة تاريخية مشتركة.
ضرورة تواجد العناصر الثلاثة لنشأة الدول الحديثة، أجج الحروب في كثير من المناطق بالعالم، فالانتماء لنفس الدين، لا يعني تشكيل أمة واحدة، والتكلم باللغة نفسها لا يمنع التمايز، وحدها النقطة الثالثة، أي الأسطورة المشتركة، من يُعطى النقطتين الأوليتين فاعليتهما لإيجاد الأمة.
من هذا المنظار نفسه، أُسست دولة الاحتلال الإسرائيلي، حيث تمكنت من جمع جزءاً مهماً من يهود العالم داخل فلسطين، لا يجمعهم حقيقة، إلا عنصر الدين المشترك، فالعنصران الآخران، أي اللغة والقصة المشتركة، تم تكوينهما بشكل يتناقض مع التاريخ الحقيقي، فاليهود في دول العالم، ما كانوا يتكلمون اللغة نفسها، فاليهودي الأثيوبي أو البولندي أو العربي، يتكلمون بلغات بلادهم الأصلية، تمكنت إسرائيل من إعادة الحياة للغة العبرية، حتى أصبحت اللغة المشتركة لسكان إسرائيل، وهو ما حقق لهم العنصر الثاني لتكوين الأمة. عنصر الأسطورة المشتركة، وجدوه عن طريق العودة للأسطورة التوراتية الدينية والوعد الإلهي، هذه القصة المشتركة ليس لها بُعد تاريخي حقيقي، كما كان مثلاً مع نشأة الأمة اليونانية، والعودة لأمجاد أرسطو وأفلاطون وألكسندر المقدوني.
إعطاء بُعد تاريخي لمقولة دينية لإنشاء دولة، فيه طبعاً الكثير من التناقض، مع الطبيعة المُعلنة لدولة إسرائيل، وهي العلمانية، إي إبعاد الدين عن السياسة والقانون، ولكنهم لم يستطيعوا اعتماد القصة المشتركة الحقيقية، وهي موجودة تاريخياً، وأقصد بها المذابح والجرائم التي اُرتكبت بحق اليهود في أوروبا وروسيا، عبر قرون خصوصاً مع مذابح النازية، هذه القصة الحقيقية، هي جزء من التاريخ الحقيقي، وليست تاريخ اللاهوتي المُتخيل، ولكنها لا تعطيهم في حالة تبنيها، الحق بإقامة دولة بفلسطين بالتحديد، ولهذا تم استبعادها، كأحد عناصر مفهوم الأمة اليهودية عند الحركة الصهيونية.
النموذج الثالث من تكوين الأمة، هو ذلك الذي يُبنى على عنصر التاريخ المُشترك أي الماضي، والمشروع المُشترك أي المستقبل، والمُعتمد على الاختيار الحُر والإرادة الحرة لكل مواطن. هذا التصور الذي رأيناه مطبقاً مثلاً بالولايات المتحدة الأمريكية، أو حديثاً دولة جنوب أفريقيا، لا يتبنى مفهوم العرق أو الدين أو اللغة المشتركة، كأساس لتكوين الأمة، ولا حتى الحدود الطبيعية، أو مفهوم المصلحة الاقتصادية البحتة.
هذا التصور هو الأكثر قرباً حالياً، لتشكيل الدول الديمقراطية الحديثة، مهما كان التصور الذي أسسها سابقاً، فلم يعد مكان بالدول الغربية مثلاً، لاعتماد الدين أو العرق، لتحديد الهوية الوطنية.
فقط الماضي المشترك بأمجاده وانتصاراته، ولكن أيضاً وبشكل أكثر تأثيراً، مآسيه وهزائمه والمعاناة المشتركه، من يحدد الانتماء للامة، والرغبة باستمرار ذلك المشروع التاريخي، من يُؤكد البقاء به.
الإرادة الحرة للأفراد والمجموعات، بما فيها حق تقرير المصير للشعوب، هي حجر الأساس لبناء هذه اللأمم، وكما يقول إرنست رنان، الفيلسوف الفرنسي في نهاية القرن التاسع عشر، الأمة هي استفتاء يومي لإظهار الانتماء المشترك للمجموعة (الإرادة الحرة لأفرادها بأن يبقوا جزءاً منها).
أي نظام سياسي ديمقراطي حديث، يبني أمته على أسس العرق أو الدين أو اللغة، يضع بنفس الوقت وسائل هدمه ودماره، من القوى الداخلية والقوى الخارجية؛ نموذج جمهورية الصرب، برئاسة ميلوزيفتش، بعد انهيار يوغوسلافيا الشيوعية، كان نظاماً منتخباً من الشعب، ولكنه بنى تصوره للوطن على العرق الصربي والدين الأرثوذكسي واللغة الصربية، وهو ما أدخله ضد كوسوفو والبوسنة أو كرواتيا الكاثولوكية، وأدى بالنهاية لحروب دامت سنوات، قبل عودة الشعب الصربي، لمفهوم أكثر حضارية، بدل البحث عن دولة النقاء العرقي.
انفصال جنوب السودان المسيحي، كلف أكثر من مليوني قتيل، لرغبة الرئيس المعزول عمر البشير ونظامه، اعتماد الدين الإسلامي بالهوية الوطنية والنظام السياسي، متناسياً أبناء الجنوب واختلافاتهم العرقية والدينية عن الشمال.
الانتماء الطائفي المعلن، كهوية في العراق وسوريا ولبنان وإيران ودول أخرى، هو تهديد مباشر لوحدة هذه الدول ونموها.
انغلاق إسرائيل على مفهوم الدين كهوية للدولة والمواطن، يحرم أكثر من مليون ونصف فلسطيني، داخل الخط الأخضر، من حقوقهم الأساسية بالمساواة، ويغلق الباب نهائياً لأي حل سلمي للقضية الفلسطينية، مبني على حق العودة للاجئين الفلسطينيين، حتى لا يُهدد الفلسطينيون الطابع الديني اليهودي للدولة الإسرائيلية. وللأسف نجد بالغرب، وبأعرق الدول الديمقراطية، من يُدافع عن هكذا تصور (تحت ضغط اللوبي الصهيوني) رغم تناقض هذا الموقف الواضح، مع القيم التي بُنيت عليها هذه الدول.

النموذج المُنفتح

يمكننا إعطاء أمثلة كثيرة عن فشل النموذج القومي، المبني على خصوصيات مستقلة عن الإرادة الحرة للأفراد، فالعرق واللغة والدين، هي أشياء مفروضة علينا وليست اختياراً لأي فرد، وحده النموذج المُنفتح ذا البُعد التاريخي والإرادة الحرة، من يتجاوب برأيي، مع مفاهيم وأسس الحضارة الإنسانية الحديثة.
قد يقول قائل، أن هذا النموذج الثالث، المبني على حرية الاختيار، قد يؤدي إلى تفكيك الدولة وخروج أجزاء منها، هذا لم نره يحدث بأي مكان، إن حُفظت حقوق الناس، وأُكد مبدأ المساواة بينهم، فالإنفصاليون لا يبررون عملهم دائماً، إلا باستعادة حقوقهم الأساسية.
شباب الثورات العربية، وهم يبنون دولهم الديمقراطية، عليهم أن يطرحوا هذا السؤال بصراحة، أي أمة تريدون أن تبنوا، وبأي وطن تريدون أن تعيشون. الجواب سهل نظرياً، لكن من يسمع ويقرأ ويرى ما يحدث على امتداد الأرض العربية، ويُتابع سياسات الأنظمة، الجارية وراء السيطرة والبقاء، والتي توقد النار دائماً، للتناقضات الاجتماعية، العرقية واللغوية والدينية، لتؤمن بقاء سيطرتها. الذي يراقب ذلك يعرف أن الطريق ليس سهلاً، وأن الانتماءات العرقية والدينية، ما زالت بأوج عنفوانها.
على شباب الأمة وثوارها، أن يعملوا للإنتقال من معطيات لتحديد الأمة، مأخذوة من أشياء ورثناها بلا أدنى إختيار، إلى تشغيل العقل والعمل لبناء أمة متسامحة، تُعامل أبناءها جميعاً، بنفس المقدار من المساواة والاحترام، مهما اختلفت أديانهم ولغاتهم وأجناسهم. لو نظرنا حولنا بالدول الأخرى، فسنرى أن النجاح هو فقط حليف هذا النوع من الأمم.

 كاتب ومحلل سياسي