https://www.humanite.fr/en-debat/colonies-israeliennes/reconnaitre-letat-de-la-palestine-et-apres
احداث evenements / events
الكوارث الإنسانية/ القدس العربي/ نزار بدران

بعد سلسلة الكوارث «الطبيعية « الأخيرة في بلادنا- المغرب وليبيا وقبلهما سوريا- تفاجأنا بحجم الدمار، والتأثير على حياة الناس والحيوانات والمحاصيل.
الكارثة الطبيعية هي في الحقيقة كارثة بمقدار ما تعني من نتائج سلبية على البشر؛ وإلا فإنها أحداث طبيعية، مهما كبرت، موجودة منذ وجد الخلق أي منذ أربعة عشر مليار عام. مثلا لو حدث زلزال قوي في صحراء بلا سكان؛ لما تكلم أحد عن كارثة.
الفكر الإنساني
مقابل أحداث الطبيعة؛ هنالك الكوارث الإنسانية، فالحروب قتلت ملايين البشر، وهدمت مدنا بأكملها، يكفي أن ننظر في زمننا هذا الأخير إلى دمار حلب أو غروزني في الشيشان، أو قبلهما محو هيروشيما ونغازاكي في اليابان من الوجود؛ بالقنابل الذرية الأمريكية.
أخطر إنتاج الفكر الإنساني الكارثي؛ كان اختراع وسائل الدمار الشامل بكل أشكالها (الفيلسوف الألماني جنتر أنديرز).
ونحن لسذاجتنا وتعودنا عليها، نعتقد أننا بعيدون من التأثر بها، رغم إدراكنا التام لخطورة نتائجها؛ وكأن العلم والتكنولوجيا في أياد أمينة.
هؤلاء الذين يخترعونها لا يسألون أنفسهم عن مدى خطورة ما يفعلون. وهل رجال السياسة قادرون على تمييز النووي لتدمير الحياة، من الآخر المنتج للكهرباء، وهل سيكتفون فقط بإنتاج الكهرباء. ومن يضمن لنا أن لا ينتهي الأمر كله بدمار الإنسانية، فما تملكه روسيا وأمريكا يكفي لتدمير العالم عدة مرات.
الإنسان هو إذن الكارثة الحقيقية التي ابتليت بها الطبيعة، وليس أشكال الحياة الأخرى؛ من حيوانات وجراثيم ونباتات؛ التي تتعايش بشكل متكامل ومتوازن فيما بينها. الإنسان لأول مرة في التاريخ لم يربط حريته مع مسؤوليته، هذه العلاقة التي تميز إنسانيته، وتعطي تفسيرا وحجة لامتلاكه الوعي. ما يعتبره سموا على عالم الحيوانات!.
التلوث البيئي
التلوث البيئي الذي بدأ في القرن التاسع عشر في أوروبا؛ أعطى ثماره السوداء، وغطى بدخانه سماء العالم؛ تحت مسمى التغير المناخي. نتقاسم جميعا مسؤوليته.
فأوروبا تستورد البترول والفحم والمعادن التي تنتجها دولنا؛ من الخليج إلى العراق وليبيا والجزائر؛ ونحن سعداء بذلك لأنه يغني قادتنا وأمراءنا وجنرالاتنا في الحكم، وتعطينا إمكانية شراء البضائع والسيارات والهواتف الذكية التي نفتخر بامتلاكها.
لكن الكارثة الإنسانية التي حلت بشعوبنا العربية كافة واختصت بها عن بقية شعوب العالم؛ هي هذا النظام السياسي؛ والذي لا يرى في الأرض العربية إلا مرتعا لخيله؛ وأمكنة لتأكيد عنجهيته وتسلطه، وبيع ثروات البلاد، من أجل حياة الرفاهية التي ينعم بها، ومن يحيطون به من ميليشيات وعسكر.
وإن احتج الشعب، أدخل في حرب دائمة لا تبقي ولا تذر، كما نرى الآن في سوريا وليبيا والسودان. عندها يكون الاهتمام بشأن سدود درنة شيئا لا لزوم له. وتحسين الطرق وحياة سكان الجبال النائية في جنوب المغرب لا فائدة منه، ونحن نراهم على شاشات التلفزيون وكأنهم قادمون من عالم آخر.
إعصار دانييل، مر على اليونان وتركيا وبلغاريا، ولم تكن له نتائج على حياة الناس، أما في ليبيا فقد كان وبالا ودمارا، ليس لأنه ازداد قوة؛ بل لأنه وقع داخل دولة؛ لا يهم قادتها إلا الاقتتال الداخلي للاستحواذ على أموال النفط، ودفع معاشات المرتزقة القادمين من روسيا وغيرها. لم يكن من يراقب سدود درنة معينا بسبب كفاءته؛ والذي لم يفعل شيئا لصيانتها منذ عشرات السنين، وإنما بسبب ولائه للسلطة الفاسدة، فنحن نطبق قاعدة الرجل غير المناسب؛ في المكان غير المناسب.
نحن في دولنا، نعيش في حالة استعجال، مثل مريض في قسم الانعاش؛ فإما أن تقدم له العناية الضرورية وإما أن يموت. أظن أننا الآن ننتظر الموت بشكل أو بآخر؛ إلا إذا صحا شباب الأمة، وأخذوا من جديد؛ أمور أنفسهم بأنفسهم.
كاتب فلسطيني
معارك السودان: الحرب هدف بحد ذاته
منذ 11 ساعة

تتوجه الأنظار منذ بضعة أسابيع إلى السودان، وما يدور فيها من معارك بين جيش البرهان (الشرعي!) وميليشيات حمديتي، حليفته سابقاً في السلطة، ورفيقته لإسقاط الحكم المدني والانقلاب عليه.
الانقلاب الجديد
المراقب لهذا الحدث قد يتعجب من هذا الانقلاب الجديد، ولو بقيت الأمور داخلية بين الطرفين، لكان في الإمكان التكلم عن نزاع على السلطة، لكن الأمر يتعدى ذلك إلى حرب شوارع وغارات جوية وقصف مدفعي في الخرطوم ومدن عديدة أخرى، ضحيتها الوحيدة حتى الآن هو المواطن السوداني البسيط، والذي ثار يوماً ليس بالبعيد، للإطاحة بالبشير وعصابته، التي تمسك السلطة حالياً، وإقامة سلطة حكم مُتحضر.
هل حقاً هذا النزاع بين أطراف سلطة الانقلابيين، هو نزاع على السلطة، هل قتل المدنيين، وترويعهم، وتدمير محاصيلهم، وبيوتهم، وإغلاق مدارسهم، وقصف مستشفياتهم هو من أجل تملك السلطة.
نقاط التقاطع
هل هذه الحرب ستكون لها نهاية، وهي نجاح أحد الأطراف، في التمكن من السلطة لوحده، وبعدها يحل السلام.
لو قارنا وضع السودان مع سوريا واليمن والعراق وليبيا، فإن نقاط التقاطع بينها جميعاً، أنها تقع في دول انتفض فيها شعبها، وطالب بزوال حكم العسكر وإقامة الديمقراطية، أي إنهاء زمن مضى والبدء بدخول عالم الحضارة الحديثة.
ما تُعلنه السلطات المُستبدة كأسباب للحروب، تختلف من مكان إلى آخر:
في سوريا هي حرب ضد الإرهاب الإسلامي والمؤامرة الإسرائيلية الأمريكية على محور المقاومة الباسل.
في ليبيا هو خلاف بسبب وجود الإسلاميين في طرابلس، وتبعيتهم لتركيا.
في العراق حروب ضد داعش والإرهاب السني.
ولو نظرنا إلى مصر فهي حرب لا تنتهي ضد الإرهاب بأشكاله المختلفة.
الضحية هو الشعب
الضحية دائماً هو هذا الشعب، الذي حاول يوماً المطالبة بحقوقه، وليس الطرف المُعلن للحرب، ولو لمرة واحدة.
فلا إرهاب إسرائيل وأمريكا توقف على سوريا، وهي ضحية غارات شبه يومية دون رد. ولا إسلاميو طرابلس في ليبيا، دخلوا باب الطاعة المحروس من حفتر (عميل أمريكا سابقاً).
ولا شيعة العراق أمنوا أنفسهم من أذى متطرفي السنة، أمثال داعش.
الطرف الوحيد الحقيقي الذي تطلب كل هذه الحروب هزيمته، هو الشعب الثائر. يجب إسكات صوت الشعب السوري إلى الأبد، وعليه إذاً أن يدفع ثمن ثورته قتلاً وتهجيراً بالملايين. يجب إنهاء أي بصيص للحرية في ليبيا، حتى تصبح عودة القذافي وزمنه، ما يتمناه الليبيون.
في السودان نحن أمام المشهد نفسه، هدف الحرب هو إبعاد الشعب السوداني، شباباً وشيوخاً، عن ساحات الاعتصام، ومعاقبتهم جماعياً على ما اقترفت أقدامهم من مظاهرات أدت لزعزعة نظام البشير، وأتباعه الحاليين في السلطة، ورفضهم قبول شروط العسكر للبقاء في السلطة تحت غطاء التقاسُم.
دول الربيع العربي
الحرب في السودان وفي باقي دول الربيع العربي، هي هدف بحد ذاته، نعرف أسباب نشأتها، وهي تأتي دائماً من ظروف وتاريخ كل بلد؛ سنة شيعة في العراق، محور ممانعة أو عملاء في سوريا؛ جنوب شمال، أبناء قبائل طُبرق أو قبائل طرابلس في ليبيا.
تُستعمل كل هذه الأشياء لبدء الحرب، والتي لا تنتهي أبداً. فما دامت هناك حرب، سيبقى الناس مختبئين في بيوتهم.
ما دام المواطن مُعاقباً لثورته بالتجويع وتدمير مؤسساته الطبية والتعليمية، يبقى فاقداً للأمل وقابلاً بالظلم.
هذا ما نسمعه من بعض المثقفين حين يترحمون على زمن القذافي وعلي عبد الله صالح أو صدام حسين.
لا يجب علينا أن ننخدع بما يعلنه العسكر المُستولون على السلطة بالقوة، عن أهداف حروبهم.
هي بالنهاية ليست إلا وسيلتهم الوحيدة في البقاء.
كاتب فلسطيني
السياسة الأمريكية الخارجيه بين الأخلاق والمصالح. القدس العربي 18 نوفمبر 2020 نزار بدران
السياسة الأمريكية الخارجية… بين الأخلاق والمصالح
لسنا في حاجة لبحث عميق، حتى نعلم أن السياسة الأمريكية الخارجية، في الشرق الأوسط وبشكل عام في العالم، لها دوافع تهم ما يعتبره الساسة الأمريكيون، مصلحة أمريكا العليا.
هل هناك مكان للأخلاق، في العمل السياسي الخارجي، وهل يمكن أن تتغير السياسة الأمريكية، تجاه القضايا العربية وخصوصاً القضية الفلسطينية.
وهل ستكون سياسة الرئيس الجديد، جو بايدن، أكثر أخلاقية من سابقاتها. هذه الأسئلة يجب أن تُطرح، ليس فقط على الساسة الأمريكيين، ولكن أيضاً على صانعي السياسة العربية، والفلسطينية بالتحديد.
التمييز بين الأخلاق والمصلحة
من المنظار الأمريكي، فالتمييز بين الأخلاق والمصلحة لا مكان له، هم يعتقدون أن الدفاع عن المصلحة الأمريكية في العالم، هو ما خوله لهم الشعب الأمريكي، وحملاتهم الانتخابية، يميناً أو يساراً، تُبنى دائماً على اعتبارات داخلية محضة، من اقتصاد وقوانين اجتماعية.
وحدها السياسة الداخلية، من تجمع بين المصلحة والأخلاق، لأن الأحزاب المتنافسة على السلطة، تبحث عن رضى الناخب الأمريكي، والذي في الوقت نفسه، يريد الانتعاش الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
من ناحية أخرى، فإن الترابط الأخلاقي بين السياسة الداخلية والخارجية، يأتي دائماً من الحراك المجتمعي، وليس من الإدارة، فالحرب في فيتنام مثلاً، حركت مئات الآلاف من المتظاهرين الأمريكيين، والمعارضين لتدخل بلادهم، وهو ما أدى بالنهاية، إلى المساهمة بالضغط للانسحاب وانتهاء الحرب.
حتى اللحظة، لم نر أي رئيس أمريكي يصل السلطة، بناء على موقف أخلاقي في السياسة الخارجية. في المقابل فإن كل الرؤساء الأمريكيين، تبجحوا بمواقف أخلاقية، لإعلان سياساتهم الخارجية، بما فيها مثلاً، الحرب على العراق، أو الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
وقد بينت الفيلسوفة آنا أرنت، في كتابها عن حرب فيتنام، بعنوان «من الكذب إلى العنف» مدى كذب الإدارة الأمريكية على مواطنيها، لتبرير التدخل الأمريكي، ثم لتبرير الهزيمة والانسحاب، حيث كان الغطاء الأخلاقي جاهزاً دائماً، لتغليف سياسات لا علاقة لها بالأخلاق، بل فقط بالمصالح.
القضية الفلسطينية
هنالك وجهان بالنسبة للقضية الفلسطينية، للتعامل السياسي مع أمريكا، الوجه الأول عدالة القضية، هذا العنصر لن يؤثر في الإدارة لصالحنا، وإلا لما حصل ما حصل، مع مسلمي البورما أو الصين، من ناحية طردهم أو اضطهادهم، دون ردود فعل دولية، لا غربية ولا إسلامية، وهم أصحاب قضية عادلة، لا يُناقش صحتها أحد. هذا لا يعني أن لا نطرح هذا البُعد، ولكننا يجب أن نطرحه، على الطرف الأمريكي السليم، وهو المجتمع المدني، وليس الإدارة. وحده المجتمع المدني ومنظماته، من يمكن أن يتقبل، ولو تدريجياً، عدالة القضية الفلسطينية، ومن ثم الضغط على حكوماته لتغيير سياساتها، لأننا كما قلنا سابقاً، فإن هذا البُعد لا يمكن أن يكون مؤثراً، إلا إذا ارتبط بالسياسة الداخلية.
نحن نعني نقل هذا البُعد الأخلاقي، من العلاقات الخارجية، مع الولايات المتحدة، إلى العلاقات الداخلية، أي مع المجتمع الأمريكي نفسه، وهو بهذه الحالة، قد يصبح فعالا حقاً. نرى مثلاً تجاوب الجناح اليساري، في الحزب الديمقراطي، مع حقوق الفلسطينيين (السيناتور بيرني ساندرز) ونجاح حملات مقاطعة إسرائيل على كل المستويات، ما دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى محاولة تجريم حركة البي دي إس، أمام قوانين الدول الغربية، ما يُظهر أهمية العمل، من طرف النشطاء بالساحة الأمريكية.
الوجه الثاني للعلاقة مع أمريكا، وهو في نظري الأهم، أن يكون هناك ثمن على أمريكا دفعه، أو مكسب تأخذه، نتيجة مواقف وسياسات، تؤيد الفلسطينيين ولو جزئياً، أو تُعاديهم.
هذا للأسف ما لا نملكه قطعاً، فنحن جردنا أنفسنا، من كل وسائل العمل، حين اختزلنا القضية الفلسطينية في الشعب الفلسطيني، بدل إبقائها قضية العرب الأولى. لا يستطيع الفلسطينيون، أن يُعطوا أمريكا شيئاً، أو يضغطوا عليها بشيء. بينما لو تواجدت، سياسات عربية ولو لبعض الدول، تتبنى كاملاً المنظار الفلسطيني، فقد نتمكن من تحقيق هذه المقايضة، استعمال الموقع الاستراتيجي، الثروات النفطية، التحالفات الدولية، المقاطعة التجارية وما إليه. تداعيات الحظر البترولي السعودي، وبقرار الملك فيصل عام 1973 على الاقتصاد الغربي يؤكد ذلك.
حركات التحرر العربي
اتفاقيات أوسلو، والتي أدت إلى اعتماد المفاوضات، كوسيلة وحيدة لتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني (ولو جزئياً) حرمت هذا الأخيرمن كل أدوات النضال، التي يعترف العالم بها، للشعوب المُحتلة والمُضطهدة، ولم تترك للقادة الفلسطينيين، إلا البُعد الأخلاقي لقضيتهم. ابتعاد دول عربية عدة، عن القضية الفلسطينية، وارتماؤهم بأحضان إسرائيل، جرد بدوره الفلسطينيين، من كل إمكانيات الضغط على الولايات المتحدة، بشكل فعال من منظار المصلحة المشتركة.
الترابط الضروري بين حركات التحرر العربي، من الاستبداد، والشعب الفلسطيني، قد يسمح لنا من جديد، وهو ما نأمله، بوضع يسمح أن نضع الحصان أمام عربة القضية الفلسطينية، أي استعمال إمكانيات الأمة العربية الهائلة، لصالح الضغط على سياسات الولايات المتحدة، ودول العالم الأخرى.
على العمل الوطني الفلسطيني، أن يأخذ في الحسبان، إمكانيات المستقبل على الساحة العربية، وفرضية تغيرات سياسية خلال السنوات المقبلة، وهو ما يجب أن يدفعنا، أن نقترب أكثر، من الحركات الشعبية العربية، وأن نتبنى برامج سياسية، ذات بُعد عربي، لإعادة القضية الفلسطينة، لحضن الأمة، حتى نتمكن من إضافة البُعد الاقتصادي الفعال، إلى جانب البُعد الأخلاقي. في انتظار ذلك، فإن انتشار الديمقراطيات في العالم، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، واتساع رقعة العولمة، والليبرالية الاقتصادية، أدى إلى إيجاد حركات شعبية من المجتمع المدني، وما يسمى بالحركات البديلة، بدول غربية عديدة، ذات فعالية مؤكدة، والتي قد تؤدي، إن استطعنا تفعيلها، لصالح قضيتنا، إلى إيجاد وسيلة ضغط محلية، داخل هذه الدول، لصالح وضع قوانين وسياسات تتناغم مع مصالح الشعب الفلسطيني.
إني أعتقد، أننا لن نسير إلى الأمام، إلا إذا وصلنا، إلى تلاحم هذين البُعدين، المصلحي والأخلاقي، حجم الأمة العربية، حجم التغيرات في المجتمعات المدنية في العالم، الرافعة لمبادئ حقوق الإنسان كمرجعية، سيكونان كفيلان من منظور تاريخي، بإحقاق الحق الفلسطيني، كما حصل في بلاد أخرى، كجنوب أفريقيا.
الرئيس الأمريكي الجديد، ذو الخبرة الكبيرة بالسياسات الخارجية، يفهم بكل تأكيد هذه اللغة، ولا ننسى، أن أول سنتين من حكمه، قد تكون مُكرسة للشؤون الخارجية، بسبب استمرار الجمهوريين، في السيطرة على مراكز السلطة الأخرى (مجلس الشيوخ، حكام الولايات، قضاة المحكمة العليا) وهو ما قد يمنعه، من التركيز على هذا الجزء من رئاسته، على الشؤون الداخلية، في انتظار احتمال استعادة هذه المراكز، لصالحه بعد عامين، عند الانتخابات البرلمانية المقبلة، منتصف ولايته.
الفصل التعسفي للتلاميذ الفلسطينيين في لبنان. القدس العربي 01 أكتوبر 2020. نزار بدران
قامت السلطات اللبنانية مؤخراً، ومع بداية العام الدراسي الجديد، كما ذكر بمصادر إعلامية وبمواقع التواصل الاجتماعي للمؤسسات المجتمع المدني، بفصل عدة آلاف من التلاميذ الفلسطينيين، المُسجلين في المدارس اللبنانية، وعدم قبول أي طالب فلسطيني جديد.
الأسباب الحقيقية لذلك لم تُعلن بشكل واضح، ولكن النتائج ستكون كارثية على هؤلاء التلاميذ وعلى عائلاتهم في زمن الكورونا، حيث يتوجب عليهم، الالتحاق في مدارس أخرى، وهي في معظم الأحيان، إن وُجدت، تبعد مسافات طويلة عن أماكن سكنهم، وتفرض على هؤلاء التلاميذ الصغار، أن يفترقوا عن مدارسهم، ورفاقهم، وأساتذتهم.
السياسة التمييزية
ما هو ظاهر للوهلة الأولى للعيان، أن هذه السياسة التمييزية، والتي تحمل شعار اللبناني أولاً، مع أن الفلسطينيين متواجدون هناك منذ أكثر من سبعين عاماً، تهدف إلى التجاوب مع زيادة عدد الطلبة اللبنانيين، بعد تدهور الوضع المالي، لعديد من أهالي التلاميذ اللبنانيين المسجلين في المدارس الخاصة، وهو ما دفعهم إلى البحث للالتحاق في المدارس اللبنانية المكتظة. طرد التلميذ الفلسطيني، كان إذاً الحل السهل لهذه الإشكالية.
ما يُظهر بشاعة هكذا قرار، هي تلك التفاصيل العنصرية التي يحتويها، فهو يقسم التلاميذ إلى ثلاثة أنواع، أولاً، اللبناني أباً، ثانياً، التلميذ الذي له أم لبنانية وأب فلسطيني، وأخيراً، التلميذ الفلسطيني أباً وأماً، وإعطاء الأولوية طبعاً، بناء على هذا التسلسل.
نظام طائفي
الآن لو وضعنا هذه السياسة الجديدة، بإطار السياسة الرسمية اللبنانية، منذ عشرات السنين، فإننا لن نستغرب من شيء، فالفلسطيني بلبنان، ضحية نظام طائفي، يُطبق عليه قوانين تمنعه من العمل، في المؤسسات اللبنانية بمجالات عديدة، مثل الطب والهندسة وعشرات المهن الأخرى، وحتى بالتملك والتوريث هو الضحية السهلة، والتي لا يدافع عنها أحد.
في هذه الفترة الصعبة على القضية الفلسطينية، حيث تم تقليص الخدمات المُقدمة من الأنوروا للاجئين الفلسطينيين، خصوصاً في المجال التعليمي، واكتظاظ المدارس التابعة لها، وعدم مقدرتها على تقديم الخدمات لكافة الطلبة، يُطرد التلميذ الفلسطيني من مدرسته، ويُترك على قارعة الطريق، وكأن حقوق الناس الإنسانية، لا تعني في شيء، السلطات اللبنانية، ولا حتى المؤسسات المهتمة في شؤون اللاجئين. فصل اللبناني عن الفلسطيني، حتى على مقاعد الدراسة، يحتوي على هدف سياسي، وهو إبعاد اللبناني عن التفاعل مع القضية الفلسطينية، وإعطاؤه الانطباع أن مآسيه، هي بسبب الوجود الفلسطيني، وليس من فشل الإدارة اللبنانية المزمن، بحل مشاكل لبنان.
الفكر الطائفي السائد، يفصل الفلسطيني عن اللبناني، بمجالات العمل والسكن والتعليم، ولا أستغرب أن هذا الفصل، قد يمتد أيضاً، داخل المكونات اللبنانية نفسها. نأمل من الحراك الديمقراطي اللبناني، الداعي إلى إلغاء الطائفية، أن ينتبه إلى خطورة تلك السياسة التعليمية المتبعة، والتي لا تهدف إلا إلى إحكام السيطرة، على التلاميذ اللبنانيين أنفسهم، وتثبيت البُعد الطائفي، وهو ما يتناقض تماماً مع أهداف هذا الحراك.
لا يمكن أن يكون طرد التلميذ الفلسطيني حلاً، لمشاكل نقص الأماكن في المدارس اللبنانية، فقطع اليد، لن يحل أبداً مرض أحد الأصابع.
كاتب ومحلل سياسي فلسطيني مستقل
الطب والاطباء في زمن الوباء. القدس العربي 01 أيار 2020
الطب والأطباء في زمن الوباء
د. نزار بدران
انتشر بشكل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي، أخبار العمل الرائع الذي تقوم به الأجهزة الطبية، بدول العالم قاطبة، بمواجهة جائحة كورونا، ويتحمل الأطباء والممرضون، عناءاً كبيراً، ومخاطرة بحياتهم وحياة أسرهم، ولكن لم نرى أي فرد من الأجهزة الطبية، مهما كان موقعه، يرفض الانضمام لهذا العمل الجبار. بالإضافة لذلك، فإن الأبحاث العلمية، على قدم وساق، لإيجاد دواء أو لقاح، لهذا الداء، بأسرع ما يمكن.
الاعتبار الكبير الذي أظهره الجمهور، بكل مكان، للأطباء والممرضين والكوادر الطبية، بكافة دول العالم، والتصفيق اليومي لهم، بكل العواصم والمدن، شيء يُثلج صدر هؤلاء، ويدفعهم طبعاً لبذل المزيد، وأنا كاتب هذه السطور كطبيب، أشعر بنوع من إعادة الاعتبار لمهنة الطب، وكل ما ارتبط بها من مهن وأعمال.
هل هذا التضامن العالمي، مع الأجهزة الطبية، هو فقط من منظار الدعم والتقدير والشكر، أم أن له دوافع أخرى. لو نظرنا إلى أي مشكلة كبيرة بالعالم، فإن الأنظار تتجه دائماً لحلها، إلى صُناع السياسة، وبعض الأحيان رجال الاقتصاد، لأنهم وبشكل طبيعي، بموقع القيادة. هذا صحيح بالدول الديمقراطية، وكذلك بالدول الغير ديمقراطية، والتي لا يستطيع الزعيم أن يقبل أي منافسة له بأي مجال، واضعاً نفسه كحامي الحمى، والمفكر الفذ بكل الميادين.
جائحة كورونا، أظهرت وبشكل واضح، عُقم العمل السياسي وحده، لمواجهة وقيادة العمل في هذه الحرب، ضد المجهول اللامرئي. وأظهرت أيضاً، عُقم الاقتصاد ورجاله، وفي معظم الأحيان دفعهم بالاتجاه المعاكس، أي الاستمرار بالبيع والشراء للربح، وكأن شيء لم يكن، وتصريحات الرئيس ترمب، أو بولسونارو بالبرازيل، لدليل على ذلك.
وحدهم الأطباء والأجهزة الطبية بكل أشكالها، من حمل راية الرد والقيادة. لم يعد الجمهور يرى رجال السياسة والاقتصاد، على مستوى الحدث، وخصوصاً أن وسائلهم الاعتيادية، لم تعد فعالة، مثل تكديس الأسلحة والترسانات النووية ومليارات الدولارات بالبنوك وعدد لا يُحصى من البرامج والاتفاقيات السياسية والاقتصادية. كل هذا برأي الناس لم يعد فعالاً، ولم يؤمن لهم أبسط الأشياء، مثل الكمامات وأماكن بالمستشفيات. هم إذاً أصبحوا وجهاً لوجه أمام هذه الجائحة، ولم يجدو سوى الأجهزة الطبية، للإبقاء على الأمل بالنصر بالنهاية. نحن عندما نسمع التصفيق من المواطنين بشوارع ميلانو أو مدريد أو باريس أو اسطنبول، نفهم أن هذا هو أيضاً، تعبير عن القلق والخوف، وما الالتفاف حول الأطباء والتصفيق لهم، إلا تلك الوسيلة، لإبعاد هذا القلق الوجودي.
لا ينسى الأطباء، بكل دول العالم، بما فيه أوروبا، الصعوبات التي يواجهونها منذ عشرات السنين، لتأمين حاجات المستشفيات، بالأدوات والأدوية والكفاءات العلمية، ولا يجدون إلا إداريون، لِيُنَظِّرُوا عليهم، طرق حُسن الإدارة وتوفير المال، بدل حُسن العلاج وتوفير العناء على المرضى.
لا ينسى الأطباء، بما فيه الغرب، الكم الهائل من الدعاوى القضائية بحقهم، بسبب وبغير سبب، بهدف كسب المال، وإغناء المحامين، دون أي اعتبار لعملهم.
وباء الكورونا، أعاد للطب خصوصيته، كعمل إنساني، وليس عمل تجاري، كما تعودنا عليه بالسنوات الأخيرة، حيث يمكن رفض مريض بمستشفى، لعدم قدرته على الدفع للإدارة. في معظم الأحيان، لم تعد هذه المستشفيات مُلكاً، أو مُدارة من الأطباء، وإنما من قِبل شركات تجارية، ذات هدف ربحي فقط.
جائحة كورونا، ستُعيد الاعتبار، للبُعد الإنساني، وأمل بدور قيادي للأطباء، لتحديد أهداف ووسائل عملهم، وتُعيد مفهوم، أن الطب هو فن وليس تجارة، جائحة كورونا، أظهرت أن الجندي المجهول، أو المعروف، هو الطبيب أو الممرض، أو العامل بالمختبرات.
أن يرفض بعض الناس، قليلي الفهم ذلك، كما فعل أبناء، إحدى القرى المصرية، برفض دفن طبيبة، توفيت بمرض الكورونا بسبب عملها، أو حتى بفرنسا، أن يطلب سكان إحدى العمارات، لممرضة تعمل ضد كورونا، بمغادرة سكنها، حفاظاً على سلامة السكان، تبقى أعمال على الهامش قليلة، رغم أنها تُتداول بكثافة عبر وسائل الإعلام. أن يتهم البعض، الأطباء، بالمشاركة بمؤامرة دولية، باختراع هذا المرض، يبقى أيضاً، تعبيراً عن أفكار بعض المجانين بهذا العالم، وليس مجموع الناس.
في سابق الزمان، زمن وباء الكوليرا عام 1830 بأوروبا، أو ما سبقه من أوبئة، كان الناس يتهمون الأطباء بأنهم مسممين متآمرين مع الأغنياء، للتخلص من الفقراء، وكثير من الأطباء تم قتلهم بهذا السبب. في عام 1885، رفض سكان مونريال بكندا، التطعيم ضد الجدري، ومنعوا الأطباء من ممارسة ذلك بالقوة، وهو ما أدى بالنهاية إلى موت عشرات الآلاف.
هذا الزمن قد ولى، ونأمل أن جائحة كورونا، ستبني زمناً جديداً، حتى تعود العلاقة، بين المريض والمجتمع من جهة، والطبيب من جهة أخرى، إلى مسارها الإنساني الطبيعي، أي علاقة ثقة واحترام، وليس علاقة تجارية، تخضع لقوانين البورصة.
كاتب وطبيب بباريس
دروس كورونا. القدس العربي 31 أذار 2020. نزار بدران
ربّ ضارة نافعة. إن انتشار فيروس كورونا في معظم دول العالم أدى إلى نوع من الشعور بأننا ننتمي جميعاً إلى كوكب واحد قد يكون مهددا وبشكل مفاجئ، بخطر ماحق. هذا ما وضع على المحك سياسات الدول وأظهر هشاشة الأنظمة، خصوصاً تلك المفروضة على شعوبها، وعدم كفاءتها. فبينما تضع أوروبا أو الصين أو الولايات المتحدة مليارات الدولارات للحد من انتشار المرض، وتعويض المتضررين، في إطار عال من الشفافية نجد كثيرا من الدول الأخرى، وخصوصاً تلك التي تفتقد إلى أي شفافية أو مصداقية بتعاملاتها مع شعوبها، تتخبط بين التصريحات والإعلانات الفوضوية، والتي لا تنجح إلا بمزيد من انتشار المرض، وتعريض مواطنيها للخطر، والمثال المصري أو الإيراني خير دليل على ذلك.
العولمة بالمفهوم التجاري
نكتشف أننا على كوكب صغير، وأن مرض شخص واحد في مدينة صينية، يهتز منه العالم كله. العولمة بمفهومها التجاري، أي حرية تنقل البضائع وكثرة المسافرين حول العالم، ليست هي السبب الوحيد، لعودة اكتشاف الإنسانية ذاتها، بل سرعة انتشار المرض، وافتراض تعديه جميع الحواجز، وخطورة مضاعفاته، خصوصاً عند كبار السن والمرضى.
في سابق الزمان كانت هناك أوبئة مثل الطاعون في القرون الوسطى، وأمراض حديثة شبيهة بكورونا في بداية القرن الحالي، أو الإنفلونزا الاسبانية في مطلع القرن الماضي. نحن إذاً أمام ظاهرة تتكرر بشكل منتظم، وتظهر أن الطبيعة، ترفض التقهقر أمام الإنسان، وأن التقدم العلمي، مهما كان، لن يسبقها ويتغلب عليها، وإن استطاع ترويضها في مجالات عديدة. علينا أن نتحلى بنوع من التواضع أمام الطبيعة وجبروتها ومقدرتها على إعادتنا إلى فترة ما قبل الإنسانية. لحسن الحظ إن الوباء الحالي هو في طريقه للدخول إلى بيت الطاعة الإنساني، على الأقل هذا ما نأمل، والعودة من حيث أتى، أي إلى حالات استثنائية في موطنه الأصلي.
فيروس كورونا أظهر للعالم أن العولمة الرأسمالية، أي البحث عن الربح دائماً، هي من ضاعفت خطر المرض، بإعطائه ارتداداً اقتصادياً، فليس من المعقول، أن دولا مثل فرنسا أو ألمانيا، لا تملك ما يكفي من المواد المعقمة أو الكمامات الجراحية البسيطة، لأنها تستوردها من الصين، والتي وضعت حجراً على صناعاتها. ولو استمرت هذه الأزمه، لفترة أطول، فسنقع في مشكلة الغذاء والدواء.
العودة إلى نظام اقتصادي عالمي أكثر فعالية بالنسبة للمصلحة العامة، وليس فقط البحث عن الربح للرأسماليين، قد يكون إحدى النتائج المباشرة لهذا الوباء. من المأمول أن نعود إلى مفهوم الإنتاج والاستهلاك المحلي، أي أن نشتري ونأكل مما ننتج، وألا نكتفي فقط بالاستيراد من الصين أو غيرها بحجة قلة الكلفة.
من الضروري برأيي أن نعود بدولنا العربية والعالم الثالث بشكل عام، نحو تطوير هذا المفهوم، والاعتماد على الذات، وهو ما سيؤدي إلى التطور الاقتصادي المبني على الإمكانيات الزراعية والصناعية المتاحة لكل منطقة.
ثلاثة ميادين يجب أن تتوفر في كل منطقة في العالم، وهي الغذاء والدواء والصناعات الاستراتيجية ( مثل إنتاج الكهرباء وأشكال الطاقة المختلفة)، بدون ذلك سنبقى ضحايا لرأس المال العالمي الذي لن يقدم لنا شيئا عندما يزورنا كورونا كل سنة مرة.
الاعتماد على الاقتصاد الريعي، كبيع الثروات الطبيعية مثل البترول أو الذهب، هو حقيقة كارثة على الاقتصاد ومدمر للأجيال المقبلة. ليس فقط لأنه لا يبني اقتصاداً متنوعاً وإنتاجياً، إنما لأنه أكبر أسباب وجود وبقاء الديكتاتوريات التي لا تترعرع إلا إذا سرقت ثروات الأوطان لصالح مجموعة مافياوية في السلطة بدون أي اكتراث بالمواطن وصحته وحاجاته ومستقبل أبنائه.
ثروات الوطن يجب أن تبقى فيه لبنائه وتأمين مستقبل أبنائه. وباء كورونا أظهر من جديد عدمية وعبثية هذه الأنظمة، وضرورة العمل الملح للخروج من كنفها، فهي رغم غناء أفرادها المفرط، ليست ذات كفاءة لوضع أي سياسات فعالة لمواجهة أي شيء.
خطر أكبر من فيروس
ما أريد أن أطرحه في هذا المقال هو أن هناك خطرا داهما أكبر من فيروس كورونا لكننا لا نراه قريباً أو خطيراً، بسبب بطء تطوره، ألا وهو التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة.
هذا المرض هو من صنع الإنسان وفي الوقت نفسه يرفض جزء كبير من الإنسانية، مثل الولايات المتحدة والصين وحتى الهند، قبوله والعمل على الحد منه جدياً. ماذا ستفعل تلك الإنسانية البائسة، والتي بالكاد تستطيع مواجهة فيروس شبه معروف، بوجه الأعاصير والفيضانات، بوجه زحف الصحراء، بوجه ارتفاع مستوى البحار، وبوجه الهجرة بالملايين للهاربين من كوارث الطبيعة المتوقعة نتيجة التغير المناخي، والذين سيكونون أضعافاً مضاعفة بالنسبة لما نرى اليوم من هجرة بسـبب الفقر أو الحـروب.
قد يكون الشعور أخيرا بأننا إنسانية واحدة جمعتنا الأوبئة بعد أن فرقتنا المصالح الضيقة هو الوسيلة لبناء عولمة جديدة مبنية على حرية الأفراد والشعوب وتوحدهم بوجه الكوارث وجشع رأس المال.
كاتب ومحلل سياسي فلسطيني
قطر ووهم النجاح الاقتصادي والاستقلال
القدس العربي 13/06/2017
قطر ووهم النجاح الاقتصادي والاستقلال
نزار بدران
الحصار الذي تفرضه السعودية، ومن دار حولها على قطر، قد يكون له أسبابه، معلنة أو خفية، وقد يكون أيضاً، وسيلة للوصول لأهداف لم تستطع السياسة الهادئة تحقيقه، نذكر منها مثلاً، الرغبة بإحكام السيطرة على وسائل الإعلام الخليجية، وقد يكون أيضاً الانتقام من الدولة العربية ألوحيدة التي لم تقف ضد الربيع العربي بتونس أو مصر عام 2011.
ولكن التغييرات التي حدثت بالسياسة ألقطرية بعد تراجع الربيع العربي، وتقدم الثورة المُضادة بقوة، كان يجب أن يشفع لهذه الدولة، فالأمير ألأب قد أُخرج من المسرح السياسي، وقناة الجزيرة الحرة، لم تعد كما كانت، والرأي والرأي الآخر، لم يعد شعاراً يُناسب توجهاتها، وقد أحجمت تماماً عن انتقاد الحرب السعودية باليمن، وخصوصاً الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان بتلك الحرب، والتي أشارت إليها تقارير عدة لمجلس حقوق الإنسان، ومنظمات غير حكومية عديدة.
انحازت قطر الحاكم الجديد الإبن للسعودية، بالواقع والملموس، فلماذا هذا الهجوم وهذا الحصار، حتى موقفها من إيران، لا يُبرر برأينا ذلك، فقطر شاركت إلى جانب السعودية بالحرب على الحوثيين، حلفاء إيران وذراعها باليمن، موقف قطر من الإخوان المسلمين وحماس، أصبح متذبذباً، وفقد من صلابته السابقة، كما حصل بتركيا.
ولكن لو ربطنا زيارة ترمب، ومئات مليارات الدولارات، التي حصل عليها من دول الخليج، وخصوصاً السعودية، مقابل حماية أنظمتها من ربيع مُحتمل، قد يكون هو السبب الحقيقي. فقد يكون الحكم بقطر، قد رفض الانصياع التام، لدفع الجزية المفروضة، لاعتقاده أن له حصانة شعبية محلية وعربية وعالمية. موقف ترمب الداعم للسعودية أولاً، بتغريداته المُتعلقة بربط قطر بالإرهاب، قد تسير بهذا الاتجاه، على قطر إذن أن تدفع الكثير كغيرها، لسيد المنطقة، وإلا فلا مستقبل لها.
التهديد المفاجيء والغير متوقع لقطر، يضع اقتصادها ومستقبلها بمهب الريح، وكل ما بنت وعمرت، ومليارات الدولارات المصروفة، لبناء اقتصاد متنوع، أو المُبذرة (98 مليار) للتحضير للالعاب الأولومبية وغيره.
هل تستطيع حقاً دولة كقطر، أن تبني وتنجح، بشكل دائم ، وهل هناك شروط لم تتحقق بالنموذج القطري لاستمراريته. أظن أن التجمعات الاقتصادية العالمية الكبرى، لم توجد عفواً، ولكنها كانت الوسيلة لحماية الدول المشاركة، من خلافاتها الداخلية أولاً، ومن التهديدات الخارجية ثانياً، اقتصادياً كانت أو عسكرياً، لذلك نجح تجمع الاتحاد ألأوروبي بتأمين السلم والأمن والتضامن الداخلي، وحماية نفسه من أطماع الدول الكبرى الأخرى.
لماذا لم ينجح مجلس التعاون الخليجي، كما نجحت أوروبا، ولو على مستوى أقل بكثير، ولماذا لم يحمي المجلس قطر، وتحول بالعكس، إلى خطر وُجودي لها. السبب هو أن التجمع بنفسه لا يكفي، فهو يجب أن يُبنى على أُسس ديمقراطية، تضع مصلحة شعوبه أولاً بالمنظار، هذه البُنية الديمقراطية، توفرت بأوروبا، وانعدامها كان سبب زوال حلف وارسو الشيوعي على عظمته، هي ليست متوفرة بدول المجلس، والتي لم تُقيم تجمعها، إلا بهدف حماية الأنظمة المُشكلة لها، وليست حماية هذه الشعوب، من الأخطار الداخلية والخارجية.
لن تستطيع أي دولة عربية حقيقة، أن تبني نفسها بمنأى عن الدول الأخرى، ولن يستطيع أي تجمع عربي، اقتصادي أو سياسي النجاح، إلا إذا بُني على أُسس ديمقراطية.
المثل اللبناني واضح بذلك، فتلك الدولة، والتي بناها الرئيس رفيق الحريري، عى مدى عشرين عاماً، بعد انتهاء الحرب الأهلية، دمرتها إسرائيل عام 2006 بشهر من الغارات الجوية، وأطاحت بكل نجاحات الحريري والشعب اللبناني الاقتصادية رغم أن الرئيس الحريري، لم يكن معروفاً عنه عداءه الشديد لإسرائيل أو الغرب، بل كان صديقاً لأمريكا وأوربا الحميم.
لن يحمي قطر أو لبنان أو غيرها، إلا تجمعات عربية ديمقراطية، تستطيع أن تدافع وتحافظ على إنجازاتها، وتمنع الخلافات العقيمة بينها، فمثلاً لا يُتصور أن يعتدي أحد على البرتغال، أو حتى إمارة موناكو أو لوكسمبورغ بأوروبا، مهما كانت هذه الدول صغيرة، ولا أحد يستطيع يوماً، الاعتداء على هونج كونج الصينية، أو أي مدينة بالهند.
التكامل الاقتصادي والسياسي للدول العربية، وبناء أنظمة مبنية على الديمقراطية والخيارات الشعبية ولصلاحها هي الوحيدة ألكفيلة بحماية الانجازات الاقتصادية وغيرها، وتمنع كائن من كان من التفكير بالاعتداء عليها، أو على أي عضو منها.
الانتخابات الفرنسية ميلاد جديد للاتحاد الاوروبي
الانتخابات الفرنسية… ميلاد جديد للاتحاد الأوروبي
د. نزار بدران
وصول الرئيس الجديد للسلطة في فرنسا، إيمانويل ماكرون، وهو المرشح الوحيد الذي كان يدافع عن الاتحاد الأوروبي، وضرورة تطويره نحو مزيد من الوحدة. هذا في زمن عز فيه وجود من يدافع أو يحض على العمل المُشترك الأوروبي، لصالح الاتجاهات الانعزالية، بيمينها المتطرف وبيسارها القادم من غُبار الماضي.
هذا الوصول أظهر أن توقعات المُحللين السياسيين وعلماء المجتمع، باستمرار ظاهرة تراجع الاتحاد، والذي بدأ منذ سنوات، وتُوج بانسحاب بريطانيا العام الماضي، أو تطور اليمين الشعبوي، والذي كان رمزه، انتخاب ترامب للسلطة، لم يكن بكل هذا الصواب المتوقع.
أظهر الشعب الفرنسي، وفرنسا دولة مؤسسة للاتحاد، أن التوجه الوحدوي، أقوى من الشعبوية اليمينية واليسارية، وأن نسيان، أو تناسي الاتحاد الأوروبي، من خلال المشاريع الانتخابية المُقدمة من باقي المُرشحين للرئاسة، قد انعكس ضدهم.
الشعب الفرنسي، رغم وقوعه ضحية لحملة شعبوية، من اليمين المتطرف، قادتها مارين لوبين، رئيسة الجبهة الوطنية واضعة مصير المهاجرين في قلب تلك الحملة الشعبوية، أو أكثر شعبوية من اليسار المتطرف قاده جان لوك ميلنشون رئيس فرنسا المتمردة، واضعاً هموم فرنسا على ظهر ليبرالية الاتحاد الأوروبي، ورغم تنامي ظاهرة الإرهاب، ومقتل عشرات الفرنسيين، في باريس ونيس وغيرهما، لم ينجر هذا الشعب كالخراف، وراء أوهام الخروج من الاتحاد، والتقوقع على الذات، بل قالها بصوت عالٍ؛ الحل هو العودة للاتحاد الأوروبي، وتطوير مؤسساته عبر مزيد من التكامل.
أزاح الشعب الفرنسي أحزابه التقليدية، اليمينية الديغولية، واليسارية ألاشتراكية وهما اللذان تقاسما الحكم منذ تأسيس الجمهورية الخامسة قبل أكثر من ستين عاماً، وذلك لصالح حزب جديد، ترأسه ماكرون الشاب، منذ حوالي السنة، ورفع كشعار عالٍ له، الانفتاح على العالم، والمزيد من التكامل الأوروبي، أي بشكل واضح التغريد خارج السرب الإعلامي والسياسي. وفي البداية، لم يكن أحد يُراهن عليه ولو بفرنكً واحد، أو (يورو واحد) كي ينجح بالوصول إلى السلطة.
أركز على هذه النقطة بالتحديد، أي البُعد الأوروبي للانتخابات الفرنسية، لما لها من أهمية لدى شعوب العالم الأخرى، وخصوصاً الشعوب العربية، والتي أراد الكثير من المستولين على سدة الحكم في بلاد العرب، والأحزاب الدائرة بفلكهم، أن يُكرسوا التجزئة العربية، من مُنطلق فشل الاتحاد الأوروبي.
يحق للوحدويين العرب إذن، أن يشكروا السيد ماكرون والشعب الفرنسي، على عملهم هذا، والذي بكل تأكيد، أحرج الكثير من الأنظمة، الداعية للانعزالية، واستعداء شعوب الأرض كاملة، كما نرى ذلك في السلوك الإيراني أو في التوجهات الروسية، أو فيما قادت أو ستقود إليه الثورات العربية المضـادة.
نأمل بأن تكون الانتخابات الفرنسية، بعد تلك التي جرت في النمسا وهولندا، أن تكون مؤشرا على ظاهرة جديدة لسياسات الانفتاح على الآخر، والعمل المُشترك بين الدول والشعوب، ووقف مد الحراك الشعبوي، مهما كان مصدره: بريطانيا، أمريكا أو أي دول أخرى بالعالم، ونظن أن الانتخابات الأوروبية المقبلة في إيطاليا، ستؤكد هذا الاتجاه.
كاتب فلسطيني
تدمير الإرث الآشوري إمعانا في التخلف وتدميرا للحداثة والعمران
01/03/2015
تدمير الإرث الآشوري
إمعانا في التخلف وتدميرا للحداثة والعمران
نزار بدران
كنز الأمة وإرث آبائنا وأجدادنا، بما تمثله الآثار الأشورية وغيرها في الموصل، يتمّ تدميرها على يد عصابات “داعش” بشكل همجي، مع العلم ان الرسول الكريم ومن تلاه من خلفاء للأمة الإسلامية؛ وهم المرجعية الأولى للمسلمين وغيرهم من الفئات الفكرية، لم تشرع أو تفتي بأي حال تدمير هذه الآثار القديمة، قدم آلاف السنين قبل الميلاد.
حينما نتأمل أو نتفكر في هذا العمل، ليس فقط ببعده عن المنطق والقيم الدينية الحقيقية، وإنما أيضاً ببعده عن مفهوم الانتماء إلى زمن نبتعد فيه عن التفكير الإنساني، لنضع مقدراتنا بين أيدي من يؤمنون بأيديولوجيات غيبية، يعتقدون أن الدين المُنزل لا يحمل في طياته مكاناً للفكر. فكل شيء يُفهم على مبدأ العودة إلى تفسير وتأويل، وأحيانا تقويل ما لا تقول به النصوص المُقدسة، حيث يُنصب البعض أنفسهم أولياء على تحليل محتواها، وبعضهم مثل “داعش” وأمثالهم، يقومون بتنفيذ مسلكيات إجرامية على أرض الواقع؛ مثل قطع الرؤوس وتدمير رموز حضارة الأمة.
المشكلة ليست في الفكر، بل في منهجيته، متى سنُعطي للفكر الإنساني مكاناً لوضع قوانين مجتمعاتنا، هذا الفكر النابع من معرفة الناس بواقعهم ومعاناتهم. متى سنترك للناس الحرية في أن يختاروا ما يناسب حياتهم، بعد نقاش اجتماعي واسع؟. هكذا تُبنى الأمم وتاريخ كل الأمم المعاصرة الحديثة يُثبت ذلك.
في المقابل يمكن القول أن الاعتماد على نصوص دينية مقدسة، لتحديد معايير ثابتة وقوانين قسرية فوق واقعية، لمُجتمعاتنا وحياتها، يدفعنا للانزلاق إلى مُستنقع “داعش”. ففي العالم الإسلامي وخصوصاً السني، نجد العديد من الاختلافات والتناقضات في كامل تشكيلة ومكونات التفاسير والتآويل لأي نص، القول وعكسه تقريباً موجود، وسنجد تنوعاً كبيراً في المجموعات المذهبية، مبنية على أفهوماتها الخاصة لهذه النصوص. فالمُتسامح المُنفتح والمُتشدد المُتخلف، يرجع إلى تفسيرات تُناسب تسامحه وانفتاحه، أو تشدده وتخلفه، وهذا ما نراه يومياً مع الفتاوى التي لا حصر لها على وسائل التواصل والصحافة والإعلام.
الفكر الإنساني هو فكر نسبي، يقبل النقاش ويقبل التطور والتغيير؛ بينما الاعتماد على تفسير النصوص المُقدسة لتقنين كل شيء، فهو مفتاح للشمولية، تلك التي تُجرم الآخر وتحل دمه. فمن لا يقبل تفسيرك هو بالنسبة لك ضد النصوص المُقدسة (حسب فهمك) وهو إذاً خارج عن الحق، ويمكن لغلاة التشدد أن يُحلوا قتله، وفي حال الآثار الآشورية وغيرها من آثار الحضارات القديمة فإنه يجري تدميرها.
النصوص المقدسة يجب أن تعود إلى موقعها الذي وُجدت من أجله، وهو هداية الناس إلى القيم الأبدية الدائمة، التي لا يُغيرها الزمن، كتحريم قتل النفس بغير حق، إعطاء الزكاة للفقراء، الخُلُق القويم، احترام الأبوين، حب الآخر كذاتك، التعلُم ولو في الصين، والدفاع عن الأوطان في وجه الغزاة وغيرها.
أهل مكة أدرى بشعابها، وأنتم أدرى بشؤون دنياكم، هكذا قال الرسول الكريم. هذه حقيقة الدين الذي يترك أمر الناس لهم، لأن الزمن يتغير، والحضارة تتطور، والأشياء لا يمكن أن تبقى على حالها، هذا هو الدين القيّم الذي يهديك، ولكن لا يحل محل فكرك، أو يصادره مرة وإلى الأبد!.
حياة الناس لا يمكنها أن تُبنى على تفسير نصوص دينية لم توجد أصلاً لذلك. نحن الآن على مُفترق طرق، إما أن نرتمي في أحضان الشمولية، كما حصل في الدول الشيوعية والتي بنت نفسها على فكر مُطلق لا يقبل النقاش والتطور، أو ننطلق إلى فتح أدمغتنا وتغذيتها بالعلم والمعرفة والدراسة، ونغنيها بالنقاش الاجتماعي الهادىء، وبناء الجسور مع الثقافات الأخرى، حتى نشارك البشر كافة في أرجاء المعمورة، في بناء حضارة إنسانية مشتركة في زمننا هذا.
إن البقاء في عالم الانطواء والغيب، سيُبقينا كما نحن الآن خارج الحضارة، فلننظر إلى تاريخ الأمة الإسلامية وعلمائها العظام؛ كابن رشد وابن سينا وابن خلدون وانفتاحهم على الفلسفة الإغريقية، أو مع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبدو شيخ التنوير في القرن التاسع عشر وانفتاحهما على الحداثة. نحن حقاً أمام طريقين: إما الاستمرار بالإيغال في طريق التخلف، أو الدخول إلى رحاب عالم الحداثة.
