من مضيق هرمز إلى باب المندب

07/04/2015

من مضيق هرمز إلى باب المندب

 نزار بدران

قد يظن المُراقب لأحداث اليمن في هذين اليومين الأخيرين، أنّ العالم وخاصة الدول العربية المجاورة لليمن مُضافاً إليها مصر والأردن، وبدعم واضح من أمريكا، قد بدأت تستشعر فظاعة ما يحل بالشعب اليمني من نكبات على يد الحوثيين وأتباع النظام السابق، هذه صحوة ضمير طال انتظارها، وكنا نأمل أن تحصل سابقاً لإنقاذ الشعب السوري من براثن النظام البعثي، والذي لم ولن يحدث.

دوافع التدخلات الأمريكية والعربية في اليمن، وقبل ذلك في العراق؛ لم تكن أبداً لرفع معاناة آلاف المشردين ولَأْم جروح الثكالى، وإرجاع الأطفال إلى مدارسهم بدل أن يهيموا على وجوههم، وإلا لرأيناه في سوريا وهي الأكثر دماراً ومعاناة. بدل الاحتماء والتحجّج بالفيتوات الرّوسية التي لم تمنعهم من دخول العراق أو ليبيا أو التهديد بضرب سوريا لتجريدها من السلاح الكيميائي.

المُعطيات الجيوسياسية تُظهر بوضوح أن السكوت عن تدخل إيران في سوريا، ومن قبله في اليمن عبر دعم الحوثيين، لم تكن حباً بهم، وإنما لاستعمالهم كوسيلة لقمع المُطالبين بالحرية بشوارع صنعاء وعدن، الرافعين لشعارات الديمقراطية وحق الناس في حكم أنفسهم. بالنسبة لأمريكا ودول الخليج وغيرهم هذه المطالب ليست ذات أهمية حتى يعملوا على دعمها، بل على العكس إنما هي تهدف إلى ترسيخ مبدأ استقلالية الدول العربية عن السياسات الغربية التي لا تروق لهم.

ماذا حدث إذن ليتدخل الغرب ومعه العرب، في المجال اليمني فجأة؛ الحقيقة أن السكوت عن إيران وحلفائها، قد بلغ مداه عندما اقترب النفوذ الإيراني الصاعد من الوصول إلى مضيق باب المندب، وهو مدخل البحر الأحمر وميناء عدن، والذي يُعتبر كمضيق هرمز بالخليج ذا أهمية استراتيجية بالغة، لارتباطه بالملاحة العالمية المدنية والعسكرية عبر قناة السويس، ومن وإلى ميناء إيلات الإسرائيلي.

لقد تجاوز الإيرانيون والحوثيون، كما أظن، ما قد سُمح لهم، لذلك وجب صدّهم، ولكن فقط ليعودوا إلى مربع قمع الحراك الديمقراطي.

في العراق اُتُبعت نفس السياسة، ولم يتدخل أحد؛ إلا عندما هددت “داعش” مناطق الأكراد، حتى تعود فقط إلى دورها المسموح به، وهو إنهاء أي حراك ديمقراطي عربي، والذي كان قد بدأ في ساحات الاعتصام، وبقي لأكثر من عام في المناطق المُتعارف عليها بأنها ذات أغلبية سنية. في هذه المناطق مسموح لـ “داعش” أن تصول وتجول وتفعل ما تشاء من تدمير وتقتيل للناس والممتلكات والإرث التاريخي للأمة.

جعجعات الغرب وأصدقاء سوريا – من له هكذا أصدقاء ليس بحاجة إلى أعداء- منذ أكثر من أربع سنوات، ورفض أي دعم حقيقي، بل ومنعه عن الثورة السورية، وما استعداد أمريكا واتجاهها الجدي فقط لنزع السلاح الكيميائي السوري الذي كان مُهدداً للسقوط بأيدي مجموعات خارجة عن سيطرة النظام حماية لإسرائيل، إلا الدليل الأبرز على أن سياسات الغرب وتوابعهم من العرب، لم ولن تكون أبداً لنصرة الحق في أوطاننا، بل للدفاع فقط عن مصالح الآخرين. ولا تُستعمل جيوشنا التي كلفتنا المليارات إلا لقمع أحرار الأمة في مصر وسوريا وغيرها أو للاصطفاف وراء القيادة الأمريكية في سياساتها ولمصالحها فقط.

لهذا لن يُسمح لإيران أن تسيطر في آن واحد على مدخل الخليج العربي، وعلى مدخل البحر الأحمر، ولكن لها ما تشاء هي وحُلفاؤها لعقاب كل حاضنة إجتماعية عربية دفعت أبناءها للدفاع عن الحرية، مطالبين بحقهم كمواطنين في اختيار من يحكمهم.

هذا ما نراه في سوريا، وما رأيناه في اليمن، بل تحالفت أمريكا والدول العربية التابعة لها مع إيران لحصر دور “داعش” في العراق في نفس مناطق الحاضنة الاجتماعية للتغيير الديمقراطي (أبناء ساحات الاعتصام في الرمادي والفلوجة وغيرها).

الحوثيون أيضاً لهم الحق بأن يصولوا ويجولوا ويقتلوا أبناء اليمن المطالبين بالحرية، ولكن ليس لإيران ولأتباعها المحليين الإذن بالخروج عن المهمة التي أُوكلت لهم.

 

طبيب عربي مقيم بفرنسا

26/03/2015

 

 

هزيمة لأُردوغان أم انتصار للشعب التركي؟

16/06/2015

 

هزيمة لأُردوغان أم انتصار للشعب التركي؟

د. نزار بدران

لم يتمكن الرئيس التركي طيب رجب أُردوغان، من ربح رهانه، بالحصول على أغلبية برلمانية مطلقة، وذلك  للمرة الرابعة على التوالي، لتمرير مشاريعه للسيطرة على كافة مقاليد الحكم، مُعطياً للمنصب الرئاسي صلاحيات لم تكن موجودة، عندما كان أُردوغان نفسه رئيساً للوزراء.

يجب علينا أن نستخلص العبر من هذه التجربة الديمقراطية الرائدة، فالشعب التركي بحكمته استطاع أن يميز بين الغث والثمين، فهذا الشعبُ الذي أوصل الرجل وحزبه منذ ثلاثة عشر عاماً إلى السلطة، وإعطاه كافة مفاتيحها، فعل ذلك لأنه رأى في أُردوغان الإبن الذي يمكن الرهان عليه ديمقراطيا، وهو الذي وضع نفسه وحزبه في خدمة الشعب التركي بكل مكوناته، واستطاع بجهد حثيث أن يُحقق للمواطن التركي، أُسس العيش الكريم مُضاعفاً ثلاث مرات دخله القومي، مبادراً نحو حل عادل للمشكلة الكردية، مبني على حق الأكراد بحكم مناطقهم وتطوير ثقافتهم واستعمال لغتهم.

ولكن الانفراد بالسلطة لحزب واحد، وأخيراً لشخص واحد؛ دفع أُردوغان لأن يتصور أنه أصبح بإمكانه تغيير قوانين اللعبة التي أوصلته إلى السلطة، ليبقى فيها ومن موقع رئيس الجمهورية، سالباً بذلك سلطات رئيس الوزراء.

تصور أُردغان أنه يستطيع أن يعكس كونه خادماً للشعب مؤتمراً بأمره، الى كونه متلاعباً بأصوات هذا الشعب، لتحقيق مآربه الشخصية، وهو الذي لم يتوان عن قمع الحراك الديمقراطي، المُتمثل باستعمال العنف المفرط، في ساحة تقسيم أو جيزي، لم يعد يحتمل الرأي الآخر، ووقوعه تحت مؤثرات وهم العظمة والعصمة، وبدأ يتخيل المؤامرات التي تُحاك ضده من كل حدب وصوب. حتى تحولت الشعارات التي رفعها حزبه في العام 2002؛ (تعددية؛ حرية؛ إصلاح) في العام 2015 إلى (مؤامرات، إرهاب، ومنظمات موازية).

أراد أردوغان الاستحواذ على السلطة، وذلك باتباع طريقة بوتين بروسيا، أو الرئيس واد بالسنغال، أي سحب السلم بعد الصعود إلى شجرة الحكم، حتى لا يتاح الصعود لأحد بعده، هذه السياسة نجحت في روسيا، لكون السلطة أقرب للنظام الديكتاتوري منه للديمقراطية، فمنعت المعارضين من أي نشاط، وأغلقت الصحافة المستقلة، وقتلت الصحفيين والمعارضين المُنتقدين لسياسات بوتين، وبالنهاية يُذكر أنها أيضاً زورت الانتخابات. في الحالة الثانية بالسنغال لم يستطع واد توريث السلطة لابنه بعده، وهو الذي حصل عليها بالانتخابات الديمقراطية لوعي الشعب السنغالي وتمكنه من الديمقراطية.

أردوغان لحسن الحظ، لم يعمل على إلغاء الديمقراطية كبوتين، وإنما قام بالتلاعب بها، في مُحاولة لتشويه صورة المعارضين والعلمانيين والأكراد، واللعب على الحساسيات العرقية  والدينية.

قيادة حزب الشعوب الديموقراطي المُنحدرة من أصل كردي، والتي زعزعت بحصولها على ثمانين مقعداً، مشاريع أردوغان، قامت على عكس ذلك بالغاء  صفتها الكردية، وانتمت في حزبها الجديد إلى الأمة التركية، ورفعت بمظاهراتها وتجمعاتها أعلام تركيا وصور أتاتورك؛ مع أن هذين الرمزين؛ لم يكونا في قلب شعارات الشعب الكردي لفترة طويلة، بسبب ما مورس ضدهم من قمع. إلى أن استطاع هذا الحزب الصغير أن يبتعد عن مكونات الأكراد العنيفة (حزب العمال الكردستاني بقيادة أوجلان).

وقد فشلت محاولات زعزعته قبل الانتخابات، بسبب ذكاء قيادته الشابة، والتي لم ترد على تفجير إرهابي في إحدى تظاهراتها، والذي أودى بحياة اثنين من مؤيديها، ولم يستطع الفاعلون الوصول إلى هدفهم، وهو دفع هذا الحزب التركي (وليس الكردي) الجديد للعودة إلى صورة طائفية وعرقية (كحزب أوجلان).

لقد استطاع هذا الحزب الحصول على أكثر مما كان متوقعاً من المقاعد، رغم أن الحملة الانتخابية الرسمية لم تعطه إلا ثلاث ساعات بالأسبوع، مقابل أكثر من مئة ساعة لحزب العدالة والتنمية.

لقد أظهر الشعب التركي حكمته، وأسقط مشروع أردوغان، الرئيس الذي أحبوه حقاً وحملوه على أكتافهم، عندما كان يمثل روحهم الحقيقية، ببناء وطن تركي موحد، يخدم حقوق كل مكوناته، وأسقطوا مشروعه الرئاسي الذي يتنافى مع مفاهيمهم القائمة على أهمية حمل الأمانة في مجال العمل العام، والانحياز للمعطيات السياسية التي ترفض التلاعب بأصواتهم.

يضاف الى ذلك مواقف أردوغان الخارجية المتذبذبة، من عذابات الشعب السوري كضحية لنظام همجي. وقد أعلن مراراً وتكراراً خطوطاً حمراء وزرقاء تعداها النظام السوري بدون أي رادع، وضعف رده على إسرائيل بعد مهاجمتها لسفينة الحرية مرمرة، مكتفياً بالاعتذار الباهت والتعويضات الرمزية، كما أظهر أيضاً ارتهان أردوغان رغم عنفوانه وتصريحاته النارية للسياسة الأمريكية بالمنطقة وعدم مقدرته على تخطيها، مضعفاً بذلك دور تركيا الرائد لدعم الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي.

حقاً لقد دخلت تركيا مرحلة النضج الديمقراطي، ولا أظن أنه بعد اليوم سيظهر سياسي آخر يُحاول سحب السلم الذي يوفره له الناخبون. فالرقابة الديمقراطية للمجتمع المدني على الحكم ومكوناته هي حقاً أنجع وسيلة للابتعاد عن شبح عودة الديكتاتوريات؛ علمانية كانت أم إسلامية.

 

السعودية عجز مالي ام عجز سيادي؟

02/01/2016

السعودية عجز مالي ام عجز سيادي؟

نزار بدران

أعلن وزير المالية السعودي عن عجز مهم في الميزانية لعام 2015 يُقدر بحوالي 98 مليار دولار، بالتوازي مع سلسلة من الإجراءات التقشفية، تمس أولاً الطبقة الوسطى، كالطلاب وأصحاب المهن.

استطاعت السعودية في السنوات الأخيرة، من امتصاص أي حَراك جماهيري حَداثي، أو انفتاح على العالم، والإبقاء على تركيبتها القبلية القديمة، حيث تملك عائلة واحدة، ولو كبُر حجمُها، مقاليد الحكم بكل مُشتقاته، من سياسة واقتصاد وتشريع وقضاء وإعلام، كل ذلك في إطار اتفاقية قديمة مع الولايات المتحدة الأمريكية لعام 1945، والتي محورها العام هو النفط مقابل دعم النظام.

الفائض المالي الكبير مكن من امتصاص ارتدادات الربيع العربي لعام 2011، عن طريق توزيع مليارات الدولارات، لكسب السلم الاجتماعي، وبعد ذلك بالسنوات التالية، استطاعت الحد من انتشار الربيع العربي، عن طريق دعم قوى الثورة المُضادة، وأيضاً بالمليارات العديدة. ثم أدخلت اليمن والتي انتصرت بها الثورة سلمياً، بحرب ضروس، تُكلف هي أيضاً مليارات ومليارات، حتى لا تكون مثالاً يُحتذى به. ودعمت الاقتصاد الأمريكي، عن طريق شراء الأسلحة وتكديسها بمليارات أخرى، وتدفع أيضاً فاتورة الحروب الأمريكية بالمنطقة.

كل هذا الصرف، طبعاً، من ميزانية الدولة وليس من جيوب الحكام وحاشيتهم، المُمتلئة بالدولارات، والتي هي بالعكس، لم ولن تعرف أي أزمة اقتصادية.

التغيُرات العالمية وتبعية السعودية لأمريكا، بالسياسة الخارجية، أجبرها بناءً على طلب أمريكي، بخفض أسعار النفط بعد الحرب الروسية على أُوكرانيا، وهو ما أدى إلى الصعوبات المالية والحاجة لسياسات تقشفية شديدة. إن أضفنا كل هذه العوامل، نجد أن لا مناص للسعودية، إلا بالتخلي عن حلفائها المُكلفين كالجنرال السيسي والضابط حفتر، هذا سيؤدي بشكل تلقائي إلى عودة الحياة للمعارضة المصرية وللربيع العربي.

سياسة التقشف، والتي ستطول، لأن الأمور الاقتصادية لا تتحسن بين ليلة وضحاها، ستُعري تدريجياً فقر السلطة الحاكمة السعودي، بالتعامل مع هذه التحديات، المحلية والعالمية، خصوصاً عندما نرى أن النفط هو أهم مصدر بالميزانية، وعدم وجود إمكانيات مرئية، في المستقبل القريب، لتصاعد بأسعاره من جديد. بدل أن يتجه نحو الانفتاح الداخلي على المجتمع السعودي، والبدء بعملية تحول ديمقراطي، وهو الوحيد الكفيل بوضع الرجل المناسب بالمكان المناسب، واعتماد السياسة المناسبة في المجال الاقتصادي والسياسي. سيستمر حكام السعودية، كعادة كل الحكومات الاستبدادية بالعناد، هدفهم الحفاظ على ميزانياتهم الخاصة، والتي تفوق بحسب تقديرات المُختصين، ميزانية الدولة، وكذلك لا نرى مظاهر السيادة الكاملة الا في قمع  واعدام وإبعاد أي صوت، يعترض أو يُطالب بالتغيير .

العودة للحراك الديمقراطي الشعبي، سيكون تقريباً هو الرد الوحيد الممكن، على سياسة الحكومة السعودية، ولكنه كباقي دول الربيع، سيلتقي برد فعل السلطة العنيف، والتي دفعت آلاف المليارات لحد الآن لمنع انطلاقه، بدل دفعها لبناء رفاهية شعبها وسعادته.

عودة الحياة إلى قوى الربيع العربي، خارج السعودية، والانتصار على قوى الثورة المضادة القادم، سيكون نقطة البداية للتغيير الديمقراطي المأمول بكل دول المنطقة.

 

 

مظاهرات باريس ما لنا وما علينا

15/01/2015

مظاهرات باريس ما لنا وما علينا

نزار بدران

عبّر الشعب الفرنسي بتعبئة عامة وغير مسبوقة ، بتجمعاته ومظاهراته ونداءاته ، رافضاً كل ما قد يُخلّ في توازن الأمة الفرنسية اوالاعتداء على أُسس مكوناتها وهي الحرية والعلمانية  تحت مظلة القانون والدستور الفرنسي الذي أقرّه الشعب بنضاله وتضحياته  المريرة ولسنوات طويلة.

لقد بنى الفرنسيون ديمقراطيتهم ونظامهم العلماني عبر الثورة فتخلصوا من كل مخّلفات القرون الوسطى وخصوصاً بُعدها الديني.  واقتصر دور الدين على الكنائس وأماكن العباده للمؤمنين دون أي تدخل بالشأن العام ولم يبقَ لها إلا إبداء الرأي في المسائل الأخلاقية كالحفاظ على المحبة والتعاون بين الناس واختُصر الدين الكاثوليكي (دين الأغلبية الساحقة للسكان) إلى مرجعية تاريخية وعرفية تستعمل بشكل خاص لتحديد أيام الأعياد والعطل الرسمية. قليلون هم الفرنسيون الذين يستغلون هذه الأعياد في الذهاب للكنائس أو الاحتفال بمولد السيد المسيح اوالاحتفاء بالروح القدس، ما تقوم به أغلبيتهم هو القيام بزيارة عائلاتهم أو السفر في أنحاء المعمورة. الناس هنا  يعيشون هكذا مند عشرات السنين وهكذا عاش آباؤهم وأجدادهم.

وفي المقابل الجالية الإسلامية هي حديثة الوصول نسبياً لفرنسا، لم تعرف أي ثورة حقيقة في أوطانها وما زالت تتشبث بعادات وتقاليد مبنية على البعد الديني بشكل خاص، هذا الوضع القائم مند عشرات السنين ولم يكن هناك  تنافر بين مكونات الشعب الفرنسي بأطيافه المختلفة لأن مبدأ قبول الآخر والقيم والعيش المشترك هو القاسم العام وهو ما جعل العقدين الأخيرين طريقا سهلة  لاندماج المسلمين في الحياة العامة وذلك  بالمشاركة أولا بالانتخابات العامة وثانيا بالحصول على مواقع متقدمة في المجتمع والوسط السياسي.

تعثُر الثورات العربية بعد نجاحات أولية في العام 2011 وعنف الثورة المضادة والذي أودى بحياة عشرات الآلاف وتهجير الملايين كما نرى في سوريا مثلاً، سمح بدون شك لقوة ثالثة ترفع شعارات العنف الديني المُفرط في تعاملها مع كل مكونات المجتمعات العربية وفي فهمها للعلاقات الدولية بالوجود والازدهار.

هذه القوى مع طرحها لمشروع دكتاتوري جديد بغلاف إسلامي وبعيد عن أي مفهوم ديمقراطي هي في الحقيقة بديل استبدادي لحكم استبدادي.

وبذلك تواجه القوى الديمقراطية التي كانت وراء الربيع العربي قوة معادية إضافية وسدا حديديا  في وجهها لتحول دون وصولها إلى أهدافها وهي الحرية والكرامة والديمقراطية.وخاصة أنها  هشة حديثة التكوين  ، ضعيفة التسليح وقليلة الإمكانات.

هدا التحالف الموضوعي في وجه التغيير الديمقراطي بين السلطات الاستبدادية والقوى المتطرفة سيؤخر بكل تأكيد انتصار هده الثورات لكنه لن يستطيع هزيمتها، فالتغيير الديمقراطي قادم لأنه الوحيد القادر على خلق الأمل والوسائل لتحقيق حياة كريمة وعزيزة يتطلع إليها المواطن العربي ، ويعطي الأمة اسباب التقدم والتحرر والعودة من جديد للمسرح الدولي والمشاركة في بناء الحضارة الإنسانية الحديثة.

اعتداءات باريس موجهة أولا ضد المكون الديمقراطي العربي وضد مطالب الحرية والكرامة التي يرفعها أبناء الأمة في ثوراتهم من تونس إلى البحرين ومن اليمن إلى سوريا، والذين يتوقون ليروا في بلادهم صحافة حرة، قضاء مستقل، تعددية آراء، احترام الأقليات، تقبل الاختلاف وحل الخلافات بالنقاش وبالإعلام وإن اقتضى الأمر بالقضاء وليس بالرصاص والقتل.

استهداف صحيفة معروفة بخصوصيتها في استخدام السخرية والرسم الكاريكاتوري بالتعبير والتي أثارت حفيظة كثير من المسلمين قبل سنوات هدفه الحقيقي هو تغطية الهدف الأساسي وهو الرد على التدخل الفرنسي بالشرق الأوسط وأفريقيا بغطاء ديني حتى يتم إقحام الأمة الإسلامية والجالية العربية الإسلامية في أوروبا في حرب هذه المجموعات المُعلنة مع الغرب.

الرد الرسمي الفرنسي استعمل هو أيضاً هذا البُعد الرمزي لإظهار ذلك الهجوم وكأنه اعتداء ضد قيم الحرية والديمقراطية والعلمانية التي ترفعها فرنسا مُبعدة بذلك الأنظار عن تدخلاتها العسكرية خارج حدودها. إن مُراقب الأحداث في السنتين الأخيرتين يعي تماماً المواجهة المسلحة بين المجموعات الدينية المتطرفة والقوة العسكرية الفرنسية المنتشرة بالخارج هو السبب الحقيقي وراء أحداث باريس.

استطاع الشعب الفرنسي بمظاهراته المليونية العارمة والتي ذكرتنا بميدان التحرير في القاهرة أن يقول كلمته ويظهر وحدته بكل أطيافه أمام هذا الاعتداء على ما يعتبر بجدارة اعتداء على الحرية والعلمانية. ونحن المقيمين في فرنسا ندرك تماماً تمسك الشعب الفرنسي من أقصى يمينه إلى أقصى يساره وبكل مكوناته بما فيها مسلميه  بهذه القيم التي يسميها (قيم الجمهورية) والتي تعني القيم التي أُسست الجمهورية الفرنسية عليها بإنهائها الحكم الملكي الاقطاعي الديني الاستبدادي قبل أكثر من قرنين.

يعطينا الشعب الفرنسي النموذج والدرس الذي يجب أن نتعلم منه؛ الوحدة  رغم الاختلاف والصمود وعدم الخوف أمام التهديد والإرهاب.

 لم يخرج الشعب الفرنسي فقط للدفاع عن فرنسا وقيمها فقط بل للدفاع عن كل من ينادي برفع قيم الثورة والديمقراطية المطالبة بالحرية والكرامة، مظاهراته المدوية موجهة لطُغاة العالم  بكل أشكاله وموجهة أيضاً لزعمائه وقياداته السياسية المُطالبة بالدفاع عنه وعن كرامته وحريته لاحاجة بهم لرافعي شعارات فارغة تستهلك  عند الحاجة.

القيادات الفرنسية مطالبة الآن بدعم الحراك الديمقراطي العربي بدل دعم الثورات المضادة والتحالف معها أو السكوت عنها وعن جرائمها. لن يستطيع المواطن العربي التواق للحرية أن يفهم الشعارات المرفوعة في باريس إن لم تكن مرفقة بدعم نضاله في وجه حكوماته وديكتاتورياته، لن يفهم العربي الثائر الموقف الفرنسي إن لم يدعم حق الشعب الفلسطيني أمام أداة الإرهاب والقمع الإسرائيلية.

الشعب الفرنسي أظهر لنا الطريق وهو التعبئة العامة، التضامن والتحالف ونبذ الخلافات الدينية والعرقية من أجل هدف أسمى، هذه الوحدة الشعبية للصف العربي هي التي تستطيع حقاً ترجمة شعارات المتظاهرين في شوارع باريس إلى دعم لحقوقنا بدلا من تقوية أعدائنا وما تواجد نتنياهو إلا وسيلة لسرقة هذه الشعارات لصالح إسرائيل. كنا نتمنى أن تتفاعل الجماهير العربية مع كافة ضحايا القمع والاستبداد  في بلادنا من المحيط إلى الخليج  وأن تخرج بالملايين لتقول كلمتها  بصوت مدوٍّ  وهو ما لم نره حتى الآن رغم آلاف القتلى وملايين المُهجرين، إلا انه  يبقى الوسيلة الأمثل للحصول على دعم العالم لقضايانا.

وجودنا ومشاركتنا وتضامننا في فرنسا مع الشعب الفرنسي في محنته هي وسيلتنا نحن مسلمي فرنسا لمنع سرقة الانفعال الفرنسي وتجييره لصالح  اعداء الانسانية والعدل والحضارة والأمة العربية.

 

 

13/1/2015

جريمة تشابل هيل الإرهاب ليس حكراً على المسلمين

14/02/2015

جريمة تشابل هيل

الإرهاب ليس حكراً على المسلمين

 نزار بدران

جريمة عنصرية جديدة بكل المقاييس تجلّت في قتل واغتيال ثلاثة شبان عرب مسلمين في مدينة شابل هيل في كارولاينا الشمالية على يد مواطن أمريكي، فالقاتل يؤكد ذلك؛ قُتلوا فقط لأنهم مسلمون.

هل هو عمل فردي من رجل حقود!!!! أم هي بداية ظاهرة قد تتأجج ضد العرب والمسلمين؟

لا تكمن أهمية الحدث فقط في فظاعة الجريمة بحق أناس عُزّل مسالمين بل بمقدار ما قد يكتسب الحدث من بُعد أيدولوجي مما سيخلق نوعاً من الحاضنة الاجتماعية لمثل جرائم بهذه الوحشية، هنا يكمن الخطر الأكبر ويضع الجالية المُسلمة في أمريكا بنسائها ورجالها وأطفالها وممتلكاتهم ومستقبلهم في  دائرة الخطر.

المجتمع الأمريكي كباقي المجتمعات الديمقراطية الغربية مُتعدد الأوجه؛ يتكوّن من قوىً عديدةٍ مُتنافره ٍ وفي بعض الأحيان مُتصارعة ولكن تبقى جميعها ضمن أطار القوانين الموضوعة والمُتفق عليها. ممارسة إحدى هذه القوى (اليمين المُتطرف المعادي للإسلام) للقتل، لا يمكن أن يكون وسيلة تعبير وإبداء رأي، وعلى باقي مكوّنات المجتمع الأميركي، الذين يرفعون راية الحرية والقيم الإنسانية، أن يُسارعوا للتنديد بهذا الجُرم الفظيع والعمل على أن ينال المجرم عقابه.

المجتمع المدني الأمريكي غنيّ بالمنظّمات والجمعيّات ذات الطّابع الإنساني ولكن في المقابل هناك الأبناء الروحييّن للرئيس جورج بوش الإبن الذين يعتقدون وكأنّ العالم قد دخل حرب حضارات ، وظنّي أن القاتل هو جزء منهم.

ما الدّور الذي يجب أن تلعبه الجالية المسلمة بأمريكا كي تحافظ على مُستقبل أبنائها وعلى ممتلكاتها؟

هل هو البكاء واتهام الأمريكيين جميعهم بالعنصريّة والإسلاموفوبيا؟

أم هو نوع من النقد الذاتي؟ فنحن في بعض الأحيان كمسلمين لم نتورع عن دعم وتأييد أعمال إجرامية للقاعدة أو غيرها قُتل فيها مدنيون أمريكيون (مثلاً أحداث نيويورك 2001).

كي نستطيع أن نطلب من المجتمع الأمريكي نبذ الفئات اليمينية المتطرفة المُجرمة والوقوف معنا لحمايتنا علينا ان لا ننجرّ وراء الإيدولوجيات الدينيّة المتطرّفة والتي تُكفّر القاصي والدّاني وتُحلّ دمه.

الانقسام يجب أن لا يكون بين المجتمع الأمريكي من جهة وعربه ومسلميه من جهة أخرى وإنما بين المجرمين المتطرفين من كل حدب وصوب والمجتمع المسالم الرافع لقيم التآخي والعيش المُشترك.

إظهار تضامننا مع الضحايا مهما كانت دياناتهم وأجناسهم هو الوسيلة المُثلى  ليتضامن كل الناس بكل دياناتهم وأجناسهم مع ضحايانا.

الإنتقائية في الإدانة مُدانة من أي طرف كانت.  والتناقض هو بين الضحايا بكل أنواعهم والمجرمين القتله من أي جهة أتوا. إن تضامن الضحايا سيؤدي بالضرورة لهزيمة المجرمين.

ونحن على يقين بأن الجالية العربية والإسلامية والتي هي جزء مؤسس للمجتمع الأمريكي منذ أكثر من قرن ستجد الطريقة المُثلى الحضارية للتعامل والرد على هؤلاء القتله.

 

13/2/2015

 

ما يضيرنا وما لا يضيرنا في مسألة الجزر

 

ما يضيرنا وما لا يضيرنا في مسألة الجزر

نزار بدران

تخلت مصر، قبل أيام، عن جزء من جزرها بالبحر الأحمر، للمملكة العربية السعودية، هذا لا يُضيرنا، لو كان هناك مشروع عربي وحدوي، يمحي الحدود التي لا فائدة منها لأحد، ويجعل ملكية الأرض العربية لكل سكانها، مهما ابتعدت أقطارهم وتناثرت مدنهم.

هذا لا يضيرنا، لو كان هناك حكم ديمقراطي سعودي وآخر مصري، يبحثان عن سعادة شعبيهما ورفاهيتهما، ويربطان بلدهما بالجسور، ويُستثمر المال العربي السعودي، لإعمار ونهضة شعب مصر، وقُدرات هذا الأخير لإعمار السعودية ورفاهية سكانها.

هذا لم يكن ليُضيرنا، لو اختار سكان هذه الجزر، أو أي أرض أخرى، الانضمام للكيان السعودي، بعد استشارة الشعب المصري قاطبة. هذا لم يكن ليُضيرنا، لو صدق البرلمان المصري المُنتخب بحرية من شعبه، والبرلمان السعودي المُنتخب الحر، على هذه الاتفاقية، أو لو اُستُفتي الشعبان على ذلك.

هذا لا يُضيرنا، لو كان هناك خلاف سعودي مصري على هذه الجزر، حُل بالتوافق والتنازل المُتبادل، ولكن هذه الجزر لم تكن محل أي خلاف.

ولكن للأسف، هذه الحالة هي فقط، عملية تجارية بحتة، يبيع بها النظام المصري، جزءا من الأرض من أجل حفنة من الدولارات السعودية، حتى يُسمن بها الفاسدون والمُفسدون، ومن حكم مصر بالحديد والنار، منذ انقلاب 2013، هو الذي لا يملك إلا سيادة جزئية على سيناء، ويتجاوب مع طلب إسرائيل، كما قال وزير حربها حديثاً، موشيه يعالون، بوجوب عدم إمكانية إعادة تجربة عبد الناصر، الذي أغلق بواسطة هذه الجزر، مضيق العقبة أمام السفن الإسرائيلية، قُبيل حرب 1967.

نقل السيادة، والتي تعتبرها الدول ذات قُدسية، تُخاض من أجل حمايتها الحروب، ويستشهد الشباب، حتى لحماية متر مربع واحد منها. ليس في بال اهتمام أنظمة الحكم الاستبدادية، بكل بقاع الوطن العربي، هذه الأنظمة ليست فقط، استثناء بالعالم، السائر بكل بقاعه نحو الديمقراطية والحرية، هي ليست فقط سارقة لثروات الوطن، ولكنها أيضاً خطر على وجوده المادي. فجنوب السودان ذهب بلا عودة، وقد يتكرر ذلك في دارفور بغرب البلاد. بعد أن عرفنا خلال الثلاثينيات من القرن الماضي، بلاد وادي النيل الموحد (مصر والسودان).

النظام السوري وتجزئته لسوريا، الجارية على قدم وساق، وإدخاله جيوش روسيا وأيران، مع مطامعهما الإقليمية. جزر الخليج العربي، طُنب الصغرى والكبرى وأبو موسى، والتي لم تعد جزء من الجغرافيا العربية. سبتة ومليلية المغربيتين، لم يعد يطالب بهما أحد، ولا ننسى فلسطين، التي لم تعد تمثل بالنسبة للسياسة العربية، إلا أقل من عشرة بالمئة، من تراب فلسطين التاريخي، والاعتراف بإسرائيل على معظم ترابها.

الحراك العربي الديمقراطي، وعودة السلطة إلى الشعب، والذي هو هدف الربيع العربي، لن يكون فقط لحماية المواطن، من الإهمال والاستبداد وإعادة حقوقه الشخصية والإنسانية، ولكن أيضاً لحماية الوطن من التمزق والبيع، في أسواق مافيات سلطات الاستبداد بأبخس الأثمان.

نصير شمَه وعُود الأمل

نصير شمَه وعُود الأمل

نزار بدران

أحيا العازف العراقي الشهير، نصير شمَه، ومجموعة من الموسيقيين من كل بقاع الأرض، حفلة موسيقية بباريس، كان عُود نصير عِمادُها. أُقيم الحفل بأشهر وأعرق صالة للموسيقى والغناء بباريس، وهي مسرح الأولومبيا، التي غنت على خشبته سيدة الشرق أم كلثوم، في العام 1967. حضر هذا الحفل عدد من أعيان مدينة الأنوار، وعدد غفير من المواطنين ومن أبناء الجالية العربية والمُحبة للموسيقى.

نوعية وعدد الحضور، أظهر بوضوح، شغف الجمهور العربي والفرنسي، بموسيقى العود. إقامة هذا الحفل الكبير، أعاد الحياة إلى الموسيقى العربية، بعد هجمات باريس الإرهابية، قبل أشهر قليلة، والتي حدثت في صالة موسيقية شهيرة ايضاً، هي صالة البتكلان، على بُعد بضعة مئات الأمتار من مسرح الأولومبيا، والذي أودى بحياة ثمانين شخصاً.

جمع نصير شمَه بفرقته قارات العالم، كل على آلته، من البيانو إلى القيثار والطبلة والكمنجة وغيرها، ثمانية أدوات موسيقية وثمانية موسيقيين شهيرين، من أرغواي والبرازيل وتونس وأمريكا وفرنسا وتركيا. أتحفنا نصير بذلك الغزل، الذي أجراه بين العود وكل آلة أخرى على حدة، جامعاً الحزن والفرح، والحب والغيرة، في مكان واحد.

ولمن يعرفون نصير شمَه، وتاريخه الموسيقي الطويل، وما واجهه بحياته من ظُلم، وهو الذي نجا من إعدام مُحقق، زمن صدام حسين، حين كان تقريباً السجين الوحيد الذي لم يقتل، بعد اختطافه من عمان لبغداد، حيث رأى كل رفاقه بالسجن الأربعمئة، يُعدمون الواحد تلو الآخر. رأى أيضاً عنف الحرب الأمريكية، التي تبعت حكم صدام حسين، والحروب الطائفية، هذا لم يمنعه من الاستمرار، بكونه داعية للسلام والموسيقى، والبحث المُستمر، بإبداعية العود الذي اخترعه السومريون، في عام 2350 قبل الميلاد،  في بلاد ما بين النهرين. أعاد نصير لها الحياة بكتابة ألحانه على ذكراها وما تخيله منها، عازفاً بأصابعه الخمسة، كما كان ذلك في زمنهم. وأحيا كذلك موسيقى الفارابي، وعوده ذا الأوتار الثمانية.

نصير شمَه، لا يرى بالعراق إلا الوجه الجميل، وموسيقى العود، التي تسقي العشرة ملايين نخلة بين دجلة والفرات، فهو لا يرى بالطوائف والحروب الطائفية، إلا وسيلة من حكم الاستبداد والظلم للبقاء، ولا يُعبر بشيء عن حقيقة الشعب العراقي بكل أطيافه وألوانه ، الذي يُحب موسيقى عود نصير التي ربطت الماضي بالحاضر والحداثة بالتراث.

نصير شمَه وعُود الأمل DOWNLOAD LINK