المجتمع المدني بين الألم والأمل

المجتمع المدني بين الألم والأمل

نزار بدران

يقوم الناس بتنظيم أمور حياتهم اليومية عبر ما يسمى عادة بمنظومة المجتمع المدني، أي الهيئات، الجمعيات، النقابات، الاتحادات المهنية وغيرها، والتي هي بالضرورة مستقلة عن المجتمع السياسي، أحزابا ودولة وسلطة قائمة.

المجتمع المدني هو مجموع ملايين البشر أفراداً ومنظمات مقابل المجتمع السياسي المُشكل من السلطة والأحزاب.

باعتقادي هناك ثلاثة نماذج من المجتمعات المدنية: النمودج الأول يتجسّد في الدول الديمقراطية وفيه تُحَدد السلطة والأحزاب سياستها بناءً على متطلبات وتوجهات المجتمع المدني وذلك لأن هذا المجتمع السياسي مؤهل لاستلام السلطة وقياداتها وهو لا يُمثل أكثر من 1-2 % من مجموع السكان ( مثلاً لا يتعدى عدد أعضاء الحزب الاشتراكي في فرنسا، وهو الحزب الذي يتولى السلطة، أكثر من مئة ألف عضو في أحسن الأحوال). هذه الأحزاب لها آذان كبيره مفتوحة دائما وموجهة نحو المجتمع فهي تحاول فهمه واستباق رغباته، هدفها أن تحصل على رضاه وأصواته الانتخابية ، وبدون هذه العلاقة الجدلية بين المجتمع السياسي قليل العدد والمجتمع المدني متناهي الكبر لا يمكن وجود حضارة، أي مجتمع منظم متوازن القوى، يحل مشاكله بالقانون والدستور المُتفق عليه من الجميع.

أما النمودج الثاني فهو المُغيّب لهذه الجدلية والذي ينزع إلى الدكتاتورية والاستبداد.

المجتمع السياسي في هذه الحالة وحزبه المُتولي للسلطة، أطرش، يصمّ تماماً آذانه عن سماع  المجتمع المدني. هذا الانفصال بين القلة في السلطة والأغلبية بالمجتمع المدني يؤدي في النهاية لفقدان المجتمع السياسي بكل أشكاله سلطة أو معارضه; بوصلة العمل المُتحضر ويتحول المجتمع المدني في هذه الدول الاستبدادية إلى قطيع ضريبي أي مصدر رزق للسلطة، حياته تقتصر على دور المنهوب مقابل السلطة التي تلعب دور الناهب، بطرق مباشره عبر فرض  الضرائب أو غير مباشر بعدم وجود قوانين نافذة  تحمي حقوق العامل والمواطن. في النظام الديمقراطي السلطة في خدمة المجتمع، أما  في النظام الثاني فالمجتمع في خدمة السلطة.

النمودج الأخير مُرتبط بتوفر الخيرات المعدنية والطبيعية في كثير من الدول الاستبدادية كالنفط وغيره، وهو الذي أدى إلى خلق هذا النوع الثالث من المجتمعات، حيث فيه السلطة ناهبة لهذه الثروات الطبيعية، وبهذه المعادلة يكون وجود المجتمع المدني بملايينه العديدة ليس ذا فائده ويصبح بحق عبئاً عليها. ولكنها مُضطرة للحفاظ على السلم المدني قدر الإمكان بأن تُعطي جزءا من هذه الثروات له. يذهب أصلاً كدعم نقدي وليس للإستثمار وبناء وتطوير البنية التحتيه . اعتماد بعض الدول على الثروة النفطية بشكل هائل مثل الجزائر والذي تُشكل ما يقارب 98 % من الدخل القومي، هذا يعني بأن عمل المجتمع المدني لا يتعدى 2 % فقط من هذا الدخل. تُشكل بعض الدول الخليجية الصغيرة بعدد السكان، استثناءً لما ورد، ولكن لا يمكن القياس عليها بسبب حجمها السكاني القليل واستخدامها الكثيف لليد العامله الأجنبية والتي قد يتجاوز عددها عدد  السكان الأصليين اللذين يقومون بدور الضحية.

في هذا النموذج تصبح الثروة الوطنية نكبة للشعب، ومصدر للحروب التي لا تنتهي والسرقة الدائمة فيما هو يبقى فريسة الفقر والمرض،  ومثال ذلك ما يحدث في الكونجو بإفريقيا بلد الذهب والألماس أو العراق بلد النفط منذ عشرات السنين أو نموذج جنوب السودان وتشاد حديثاً، السلطة المستبده بكل أشكالها ليست بحاجة إلى رعاية قطيع ضريبي حتى يستمر بالعمل ولعب دور المنهوب.  وقد أظهرت الدراسات المتعلقة بتنمية القارة الأفريقية أن خارطة الثروات الطبيعية تتقاطع مع خارطة الحروب )الكونجو ، جنوب السودان وأنغولا( وأن أكثر الدول نمواً وسلاماً هي التي تفتقر للثروات الطبيعيه ( السنغال..).

هذه الثروة  النفطية ذاتها  في إطار المجتمع الديمقراطي (النموذج الأول) هي إغناء له، فالنرويج مثلاً البلد النفطي الأوروبي المهم الذي استطاع أن يحتل المرتبة الأولى حسب المعايير الدولية في مجال التنمية الإنسانيه والديمقراطية ومجال الأكثر سلميةً وأماناً بالعالم. تم اكتشاف النفط في هذه الدولة في أواسط الستينيات واستُعمل على مدى خمسة وعشرين عاماً في بناء الدولة والمجتمع لتصل إلى ما وصلت إليه، بعد ذلك، وفي عام  الف وتسعمئة وتسعين قرر النرويجيون وضع الموارد النفطيه  كافة في حساب خاص خارج وطنهم لا يتم استعماله ويُسمى حساب الأجيال القادمة. يهدف إلى وضع ريع احتياطي لما بعد انتهاء الثروة النفطية. يُقدر هذا الحساب في كانون الثاني من العام  الفين واربعة عشر  بستمئة وسبعة مليار يورو أي ما يُعادل مليون كرون أو 120000 يورو لكل مواطن، وعليه فكل نرويجي هو الآن مليونير بالعملة المحلية. يستمر النرويجيون في العمل وصيد السمك والتصنيع مما يُغنيهم عن البترول، ولا يتم استثمار ريع النفط في صناعة الأسلحة ولا السجائر. ويُستثمر فقط من طرف الشركات المسؤوله الصديقة للبيئة والبعيده عن السرقة (بمفهوم المال الحلال عند المسلمين).

هذا هو الحكم الرشيد الذي كان يجب أن يحدث في الدول ذات الثروات الطبيعية كافة، هذا فعلا رمز وعي المجتمع المدني النرويجي الذي أفرز أحزابه الديمقراطيه والذي حدد لها مسارها وسياساتها، فأين مجتمعاتنا من ذلك.

الغنى والفقر ليس نتاج فعل الطبيعة وثرواتها وإنما هو نتاج حيوية المجتمع المدني ومقدرته على فرز ومراقبة مجتمع سياسي يأتمر بأمره. الأصل بالأمم في هذا الزمن هو الشعب. هو مصدر السلطة ومصدر القانون.

المجتمعات المدنية الأوروبية بُنيت وترعرعت بعد قرون من النضال واستطاعت أن تفرض مجتمعا سياسيا مُكملا لها. استطاعت فرنسا وألمانيا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أن تبنيا معاً نواة التعاون بينهما في مجال الحديد والفحم لبناء ما دمرته الحرب بعد أن تخلصتا من وضع سياسي فاشي ونازي، كان متناقضاً تماماً مع مفهوم ومطالب المجتمعات في دولها.

بدأ البنيان الأوروبي الحديث فوراً بعد الحرب عن طريق فتح الحدود أمام حركة الطاقة (الفحم) ومواد البناء الأساسية ( الحديد) وكأن هاتين الدولتين لم تخوضا حرباً ضروسا  بينهما مُخلفة ملايين القتلى. أولوية التعاون بعد الحرب غلبت على أولوية الانتقام والمصالح الحزبية وهذا ما سمح ببناء أوروبا الحديثة، والتي تعرف منذ أكثر من ستين عاماً سلاماً بين دولها المشاركة لم تعرفه منطقة اخرى في العالم.

كما نرى فإن تقارب المصالح من فتح الحدود وبناء الجسور بين الشعوب، هو الذي يقود إلى الرخاء والاستقرار وإنهاء الحروب.

المجتمع الأوروبي قوي جداً، تُعبر عنه الاتحادات والنقابات وكذلك الجمعيات المختلفة في أمور شتى، والتي لا تترك صغيره ولا كبيره إلا وأبدت رأيها فيها، وتحركت ضدها حين الضرورة، يكون ذلك من خلال الانتخابات أو المظاهرات والاعتصامات. السلطة والأحزاب في أوروبا لا تستطيع أن تستعمل اللعبة الديمقراطية لتمرير ما لا يريده الناس أو ما يعتبرونه متناقضا مع مصالحهم وقيمهم.

لقد صوت البرلمان الفرنسي في سنة 1984 على مشروع قرار تطوير وإعانة المدارس الخاصة الدينية، وهو ما أدى إلى خروج الملايين الذين اعتبروا ذلك انتقاصاً للعلمانية وفصل الدولة عن الدين مما اضطر الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتيران وحكومته إلى التراجع عن هذا القانون رغم أنه كان مُقراً من قبل البرلمان. حدث ذلك أيضاً في 2006 عندما اضطرت الحكومة الفرنسية لسحب قانون العمل الذي عرضه دومينيك دوفيلبان، رئيس الوزراء، على البرلمان تحت ضغط المتظاهرين. أيضاً في سويسرا يصوت السكان مرات عدة  في السنة على القوانين كافة وهو ما يعتبر فعلا ديمقراطية مباشرة.

هذه نماذج تُعبر عن قوة المجتمع المدني المنظم في الدول الديمقراطية. النظام الديمقراطي يسمح بكل تأكيد بوجود هذه المعادله المتوازنه ويعطي للوسط السياسي حق التعبير عن مصلحة الناس وحق قيادة الدوله بناءً على فهمه لحاجات مجتمع مدني واع وقوي ومراقب لتصرفات السياسيين، وليس فقط مجموعة من الناس تذهب كل أربع أو خمس سنوات للتصويت لانتخاب ممثليها ثم تعود إلى سُباتها.

في وطننا العربي لا يوجد عملياً تعبير حقيقي على المجتمع المدني، النظام السلطوي الاستبدادي هو نتاج ذلك وليس سببه، وكما قال الرسول الكريم ” كما تكونوا يُولى عليكم”، فمن يقبل الانتقاص من حريته يتحمل مسؤولية ما يحدث له. في بلادنا ذات التاريخ المجيد نجد شبه انعدام للمجتمع المدني بمفهومه المنظم (النقابات، الاتحادات الحرة المستقلة …الخ) وانفراداً للأحزاب بالسطو على مقدرات الأمه، وهنا نحن لن نفرق بين الأحزاب والقوى المتواجده بالسلطة أو تلك الموجوده خارجها وحتى عندما تكون بالمعتقلات. في بلادنا إن استولت قوة معارضه على السلطه فهي لتستبدل سلطه انفرادية بسلطه أخرى  مشابهة  دون الالتفات للمجتمع المدني.

نرى هنا أن انعدام المجتمع المدني المنظم لا يستطيع أن يُفرز إلا أنظمة استبدادية.

انظر إلى الأنظمة العربية في دولنا منذ الخمسينيات ترى أن كل التغيرات السياسية بالسلطه كانت سلطوية، ولم يكن هناك أي نظام ديمقراطي على مدى أكثر من 60 عاماً. نؤكد هنا من جديد أن السبب الأساسي في ذلك هو انعدام الرقابة الشعبية على الأحزاب عن طريق الانتخابات مثلاً، وانعدام مفهوم تطوير المجتمع المدني، لدى هذه الأحزاب وانفرادها وترفعها على الاستماع للجمهور، وهذا ما قد نسميه بالطرش السياسي للأحزاب والذي قد نضيفه إلى عمى المجتمع المدني، أي عدم وجود مجتمع مدني منظم.

حتى نتمكن من تغييير شيء في واقعنا، أرى أن علينا أولاً نحن المواطنين العاديين، المهنيين، و المثقفين… كتاباً وصحفيين ومفكرين، أن نبدأ في وضع أسس لمجتمع مدني عربي قوي كأولوية وقبل أي شيء، وستكون السياسه والأحزاب بعد ذلك تحصيل حاصل. يتوجب لذلك الابتعاد عن الشعارات الحزبية والاقتراب من الشعارات الاجتماعية، كمثال واضح على ذلك هو الثورة التونسيه في كانون ثاني 2010، والتي بدأت ربيع المجتمعات المدنية العربية. لم يرفع التونسيون شعارات العداء للإمبرياليه والاستعمار كقوى السلطة والمعارضه منذ عشرات السنين، وإنما طالبوا بالعدالة الاجتماعية وكرامة المواطن. لم نر في هذه المظاهرات حرقا لأعلام فرنسا المُستعمر السابق أو أميركا امبراطورية العصر وداعمة إسرائيل، هذه حقاً هي روح المجتمع المدني، تبقى تونس لنا مدرسة مند البداية وحتى الآن، حيث تراجعت الأحزاب (مثلاً حزب النهضه) أمام مطلب الناس بقانون مدني اجتماعي، وأفرز الحراك التونسي عن وجه جديد فيه الأولوية للمواطن وحقوقه وخصوصاً حقه في تحديد سياسة الدوله وأيضاً مراقبتها بكل الوسائل، بما فيها التجمعات، الاعتصامات والمظاهرات.

في الدول الديمقراطية تُقابل مطالب المجتمع المدني دائما من السلطه بالنقاش والأخد والرد. وتُحل المشاكل المطروحه بناءاً على مطالب الناس. في دولنا لسوء حظنا قوبلت مطالب المتظاهرين في دول الربيع العربي بالقنابل والرصاص والبراميل المتفجره، هذا العنف المُفرط أمام مطالب الكرامة والحرية من مجتمع يدل على مدى مصداقية هذه المطالب وحاجتنا لها.

قتل الآلاف وتشريد الملايين هو جواب السلطه الطرشاء على حراك المجتمع بعد أن رفع عن عينيه الغشاوة وبدأ بالنظر باتجاه آخر غير اتجاه ما تريده السلطة الناهبه أو الأحزاب له من شعارات فضفاضه لتحييده عن الحراك لاستعادة دوره الطبيعي كأساس تُبنى له وعليه ومن أجله كل الشعارات.

 

 

باريس 28/1/2015

 

 

 

أين مجلس حقوق الإنسان من اليمن؟

 

أين مجلس حقوق الإنسان من اليمن؟

نزار بدران

تتعالى الأصوات من جديد لفضح الجرائم ضد المدنيين التي ترتكبها قوات التحالف العربي بقيادة السعودية باليمن ضد المدنيين، وقد أعرب قبل بضعة أيام زيد رعد الحسين، المفوض الأعلى لمجلس حقوق الإنسان، أمام مجلس الأمن عن خطورة هذه الانتهاكات والتي تُشكل اغلبية إجمالي الانتهاكات المُمارسة باليمن، مع آلاف القتلى المدنيين ومئات آلاف المُشردين والمُهجرين.

قبل ذلك قامت منظمات دولية مثل human world watch ومنظمة العفو الدولية بالتنديد بتلك الانتهاكات، مُتهمة السعودية بتحديد أهداف مدنية قصداً، وليس فقط كخسائر جانبية. يُضاف لذلك الحصار الخانق الذي يفرضه التحالف على منافذ اليمن، علماً أن 90% من حاجات البلاد من الغذاء والطاقة يُستورد من الخارج، وهذا ما أدى إلى تجويع المواطنين وهو ما يرتقي إلى مفهوم جرائم حرب بحسب تقارير هذه المنظمات.

تقدر أيضاً هذه المنظمات بأن 80% من السكان بحاجة لمساعدة إنسانية عاجلة، يُضاف لذلك 15 مليون يمني، أصبحوا بدون عناية طبية مع تدمير البُنية الصحية ومنع دخول المواد الطبية، 20 مليون بدون ماء صالح للشرب، مما يؤدي لتزايد الأمراض المُعدية، كشلل الأطفال أو الإسهال الحاد.

وتفضح مؤسسة hww بتقريرها بتاريخ 17 نوفمبر، انتهاكات التحالف العربي للقانون الدولي واتفاقيات جنيف، وتتهم واشنطن بإغماض عينيها عن ذلك، بالإضافة لبيع أمريكا للسعودية كمية كبيرة من القنابل المُوجهة  بالليزر للاستعمال باليمن تُقدر ب 19 ألف قنبلة، قيمتها 1.3 مليار دولار.

لم يتمكن مجلس حقوق الإنسان، اتخاذ قرار لإقامة لجنة تحقيق للانتهاكات المذكورة، كما كان قد طرح هو نفسه ذلك، بشهر أيلول لعام 2014 في قرار رقم 19/27، والذي كان يهدف لإقامة هذه اللجنة للتحقيق بكل الاتهامات منذ بداية الثورة اليمنية السلمية عام 2011، خصوصاً بعد مجزرة “جمعة الكرامة” بتاريخ 18/3/2011، والتي نفذتها قوات علي عبد الله صالح آنذاك، مؤدية لمقتل 45 متظاهراً. وانتهاكات الحوثيين بحصارهم وقصفهم العشوائي للأحياء المدنية بتعز وعدن وغيرها، بهدف الإرهاب.

قدمت هولندا مشروع قرار لمجلس حقوق الإنسان، للتحقيق بهذه الاتهامات، ولكنها اضطرت لسحبه بنهاية شهر أيلول الماضي، بسبب شدة الضغوطات السعودية، وغياب الدعم لها من الدول الأساسية، مثل الولايات المُتحدة وبريطانيا. وكانت الحكومة اليمنية الحالية، قاطعت الجلسة المُخصصة لذلك، بدورة المجلس الأعلى لحقوق الإنسان.

المجموعة العربية لدول التحالف، بدعم أمريكي، قدمت مشروعا بديلا، يُطالب فقط بدعم تقني، بدون أي تحقيق حقيقي مُستقل، بتلك الانتهاكات.

لماذا هذا الخوف، من إقامة لجنة مُستقلة للتحقيق، بانتهاكات طرفي النزاع باليمن، التحالف والحوثيين، علماً أن المجلس يقوم بشكل دوري بتحقيقات في مناطق النزاع المُختلفة بالعالم؟، بكل تأكيد ذلك راجع لفظاعة الانتهاكات المُمارسة، من قِبل دول التحالف المدعومة امريكيا، والذي يؤكد المفوض الأعلى لمجلس حقوق الإنسان، أمام مجلس الأمن، أنها تُمثل حوالي ¾ الانتهاكات المُوثقة.

الأطراف المُتنازعة باليمن، لا تُدافع عن أي مطالب جماهيرية، وإنما فقط عن مصالح طائفية، أو مصالح أنظمة، فثورة الشعب اليمني السلمية لعام 2011، والتي استطاعت بدون اللجوء للعنف، إلى إنهاء النظام السابق، وتنظيم أول انتخابات ديمقراطية حقيقية بالبلاد, لم يكن من المُمكن أن يُقبل ذلك من دول ذات أنظمة استبدادية وشمولية، قامعة للحريات، مُستحوذة على ثروات الأوطان، لهذا حركت إيران، أتباعها من الحوثيين المحسوبين على الطائفة الشيعية، ضد الثورة، مع أنهم في البدء كانوا جزءً منها، وشاركوا بحواراتها، ثم تحالفوا مع الرئيس السابق، علي عبد الله صالح. فعلت إيران ذلك بسوريا مع حزب الله، أو العراق مع مليشيات فرق الموت التابعة لها.

السعودية ودول الخليج، لم تكن هي أيضاً لترى بعين من الرضى، أي انتقال ديمقراطي سلمي، بأي بلد عربي، حتى لا يكون مثالاً يُحتذى به، خصوصاً في اليمن، أقرب الجارات إليها، فاستحوذت بشىء من الذكاء التكتيكي، على مركز القرار اليمني، واستطاعت بذلك أن تظهر مُستغلة الاعتداء الحوثي على الثورة، كمن يُدافع عن اليمن، وحق الشعب بانتخاب حكومته، وهو ما يتناقض أصلاً مع المنطق، عندما نرى طبيعة الحُكم بهذه الدول، سلمية الثورة هي حقاً المُستهدفة.

التدخل السعودي “الصديق” للشعب اليمني، والتدخل الإيراني لدعم الحوثيين، أدى بالحقيقة إلى إدخال البلاد في أتون حرب، لم يطلبها الشعب ولم يكن بحاجة إليها.

المُتحاربان باليمن، أي دول الخليج وإيران، هما في الحقيقة يدافعان عن أنظمتهما، ضد خطر انتشار عدوى الحرية إلى شعوبهم، وليس للدفاع عن الأقلية الحوثية ومصالحها، والتي هي نفس مصالح الشعب اليمني، ولا الدفاع عن الشعب اليمني والديمقراطية، وفاقد الشىء لا يُعطيه، نأمل أن يتمكن مجلس حقوق الإنسان من مُمارسة عمله بحرية بعيداً عن الضغوط العربية والغربية.