فلسطينيو 1948 عنوان المرحلة المُقبلة

13/02/2016

 

فلسطينيو 1948 عنوان المرحلة المُقبلة

نزار بدران

في أجواء مناسبة اليوم العالمي للتضامن مع حقوق الشعب الفلسطيني في فلسطين المحتلة عام 1948 الذي أطلقته القيادات الفلسطينية في الداخل الفلسطيني في يناير/كانون الثاني من كل عام، عبر سلسلة اجتماعات لها في الناصرة وفي أم الفحم، انعقد تحت قبة مجلس الشيوخ الفرنسي، يوم الثالث والعشرين من يناير/كانون الثاني بباريس، ندوة مخصصة لبحث وضع فلسطينيي الداخل، أي عرب 48، تحت عنوان “فلسطينيو إسرائيل”. شارك في الندوة أكاديميون فرنسيون، وشخصيات عربية فلسطينية من الداخل، نذكر منهم النائب العربي بالكنيست، المُنتخب حديثاً على اللائحة الموحدة، السيد باسل غطاس، وكذلك الأب فوزي خوري من الناصرة، والباحث الفرنسي دومنيك فيدال، والمؤرخ الإسرائيلي الناشط غادي الغازي وبحضور السيد سلمان الهرفي، سفير فلسطين بباريس وغيرهم.

أظهرت هذه المُداخلات، والتي استمرت يوماً كاملاً، مدى الظلم الواقعُ على أهلنا في أراضي فلسطين 48. بدءا بعمليات التهجير القسري، منذ عام 1948 وآلياته، من استيلاء على الأرض، وتدمير للقرى، وفرض نظام عسكري، حتى عام 1966. كل ذلك يتناقض مع قرارات الأمم المتحدة بالشأن الفلسطيني. النكبة بهذا الإطار، ليست حدثاً، وإنما مساراً مستمراً لم ينته لحد الآن، كما قال المؤرخ الإسرائيلي  الناشط غادي الغازي، مُظهراً العمل الدؤوب من السلطات الإسرائيلية، لدفع الفلسطينيين إلى الهجرة، عن طريق التضييق على قراهم، وعلى وسائل حياتهم.

وبحسب هذا المؤرخ، فإن إسرائيل تتبع سياسة الكيل بمكيالين، عندما يتعلق الأمر بالقرى والتجمعات العربية، فالجنسية الإسرائيلية لا تعني لهم حق المواطنة المُرتبط باليهودية، وهذا فهم خاص بإسرائيل، فهي تحرم هؤلاء من الدعم المالي لتطوير مشاريعهم، والنهوض بقراهم وتحسين أوضاعهم الصحية، فالدعم المُقدم للتعليم، هو خُمس ما يُقدم للمواطنين اليهود. الاعتمادات البلدية هي تقريباً النصف. الأحصائيات الإسرائيلية منذ العام 2003 إلى العام 2013، تُظهر تراجع متوسط الدخل عند العرب. فمثلاً مُعدل دخل العامل العربي، أقل من أربعين بالمئة من دخل نفس العامل الإسرائيلي اليهودي (حوالي الثُلث).

التضييق على القرى والتجمعات الفلسطينية، ظاهرٌ بوضوح، ويُخططُ له بحيث يدفع الفلسطينيين للخروج، ويُحضر بنفس الوقت، تطور التواجد اليهودي، مثال ذلك قريتا ميتار اليهودية وحورا العربية، المتواجدتان بشمال النقب المتجاورتان، قرية ميتار اُنشئت عام 1984 بجانب حورا. تُظهر الإحصائيات أن عدد سكان حورا العرب، هم 17 ألف نسمة، وسكان ميتار اليهود 6600 نسمة، أي أقل من النصف، بينما معدل الدخل للتجمع اليهودي هو 13524 شيكل شهرياً، مُقابل 5245 شيكل للعرب، أي أقل من النصف. من ناحية أخرى، مساحة الأرض التابعة للبلدية اليهودية، تُعطي كل ساكن 0.25 هكتار، بالمُقابل يُعطى 0.04 هكتار للمواطن العربي، أي أقل من الخُمس، هذا ما يعني، أن إمكانيات القرية العربية للتمدد واستيعاب التطور الطبيعي للسكان شبه مستحيلة (أُنظر الخارطة)، مقابل الإمكانيات المهولة للتمدد بالمستوطنة الإسرائيلية، هذه الحالة تبين مفهوم النكبة المُستمرة، وليس النكبة الحدث، أي التضييق المُستمر على العرب والتحضير المُستمر للتوسع الاستيطاني داخل إسرائيل نفسها.

التاريخ يؤكد ذلك، فبين عام 1948 و1950، تم طرد ما بين 80-85%، من البدو الفلسطينيين من ديارهم، والذين أُجبروا على البقاء بمنطقة تُسمى “السياج”، لا يستطيعون تعديها، واستمرت عملية التهجير لهم حتى عام 1960. التضييق على البدو لم يتوقف، فمع خطة برافر Prawer، لعام 2013، تم ترحيل 40 ألف مواطن ومصادرة أراضيهم، والذي حُددت لهم أماكن تواجد جديدة بشمال النقب، وذلك بهدف تدمير أماكن تواجدهم، كقرية أم الحيران وقرية عتير، تلك القرى الفلسطينية البدوية، والتي يُخطط الإسرائيليون، لبناء مستوطنة باسم حيران مكانها، هم يحضرون لذلك منذ خمس سنوات، بإقامة بؤر استيطانية عشوائية بجوارها، ولم تُفلح المساعي لمنع ذلك، وخصوصاً بعد رفض المحكمة العليا الإسرائيلية هذه الدعاوي.

من الجدير ذكره أن المحكمة اعترفت بأن أهالي أم الحيران لم يدخلوا أراضيهم بشكل غير قانوني، وإنهم يسكنون في وادي عتير، بأمر من الحاكم العسكري الإسرائيلي، في عام 1956، حيث أمرهم بالانتقال للمرة الثانية إلى “وادي عتير”، بعد أن كان نقلهم أول مرة إلى قرية “اللقية” في النقب.

الناظر إلى خريطة فلسطين، يرى بوضوح، أن السياسة الإسرائيلية الاستيطانية المُستمرة، منذ النكبة داخل فلسطين 48، هي نفسها تلك المُمارسة بالضفة الغربية، أو ما يُسمى بالأراضي المُحتلة، فقرية “سوسة” الفلسطينية بالضفة لا تفصلها عن القريتين المذكورتين، داخل أراضي 48 إلا الخط الأخضر، وهي نفسها مُهددة بالزوال، لإقامة مستوطنة مكانها، هي إذن نفس السياسة الصهيونية المستمرة منذ نشأة إسرائيل، ووجه الاختلاف الوحيد، كما يقول المؤرخ الغازي، هو استعمال الجيش الإسرائيلي، في أراضي الضفة الغربية، مُقابل “البوليس الإسرائيلي” داخل أراضي 48. هذه المقاربة بين الوضعين تبين أن الشعب الفلسطيني بكل أماكن تواجده داخل فلسطين هو هدف إسرائيليٌ للترحيل، وأن السياسة الصهيونية الاستيطانية، هي ذاتها منذ بدء النكبة.

المُتابع للسياسة الإسرائيلية، في مجال الاستيطان، يرى بوضوح، اتجاه إسرائيل الدائم نحو سياسة ثابتة منذ البدء وتتجذر يوماً بعد يوم، يلعب بها دعاة الاستيطان والمستوطنين، دوراً يزدادُ كبراً، يمكن القول، أن المستوطنين كانوا يُستعملون بالماضي، لدعم سياسة الحكومة وتبريرها، أما اليوم فهم يُشكلون الحكومة أصلاً، ويُحددون مساراتها. بموازاة ذلك، يزداد الرأي العام الإسرائيلي تطرفاً، في مجال الاستيطان، فزيادته هو الرد الدائم على أي تهديد مزعوم، من الداخل أو الخارج.

دولة عميقة وسلطة منتخبة

المؤرخ والناشط الإسرائيلي، غادي الغازي، يرى أن هناك دولة إسرائيلية عميقة، بغض النظر عن السلطة المُنتخبة، تسير دوماً نحو المزيد من الاستيطان، وطرد السكان العرب. قوى هذه الدولة، مُشكلة من الجيش والوزارات جميعها، والجهات المانحة الصهيونية، والوكالة اليهودية، والمؤتمر الصهيوني العالمي، هذه الأطراف الخمسة، تتحالف مع الحكومة، ومع الحركات الاستيطانية، لتقوية الاستيطان واستمرار المشروع الصهيوني.

مهمة الجيش واضحة، في حصار القرى العربية وتنفيذ الاستيطان، كل وزارة لها مُساهمة إدارية في هذه الوضعية، بغض النظر عن سياسات الدولة، المؤسسات المانحة العالمية الصهيونية، تقوم بجمع المال الضروري للمستوطنات داخل إسرائيل، كذلك الوكالة اليهودية، تفعل ذلك للمستوطنات في الأراضي المحتلة عام 67. المؤتمر الصهيوني العالمي يُعطي كل ذلك الإطار الإيديولوجي، بادعاء الهاجس الديمغرافي، وتزايد عدد السكان العرب، بوتيرة أكثر من السكان اليهود.

هذه التركيبة للدولة العميقة، تعمل بشكل شبه مستقل، عن الحكومة الإسرائيلية المُنتخبة، ومن هنا هي تُشكل تناقضاً مع مفهوم الديمقراطية بالحكم، لعدم خضوعها لأي سياسة رسمية أو رقابة. فهي تتصرف كالجمعيات غير الحكومية ذات الاهداف والتمويل والتنفيذ المُستقل، وأكبر مثل على ذلك، ما يحدث حالياً بالنقب، حيث يُباع حُلم الاستيطان هناك، كمادة تجارية ترفيهية، خارج أي اعتبار سياسي أو عقائدي، إنساني أو رسمي.

انتصار الصهيونية هو عندما استطاعت اختطاف الدين اليهودي، وربطه بمآرب سياسية، وهو أيضاً نقطة ضعفها، لأن الحركة الصهيونية، قدمت نفسها كحركة سياسية قومية علمانية، لرفع الظلم عن اليهود، ولكنها بررت إقامة دولة إسرائيل، على مبدأ ديني توراتي، لا يتوافق مع مبدأ العلمانية المُدعى، ولا مع مبدأ الدفاع عن المضطهدين.

التنوع يزعج الإسرائيليين

الأب فوزي الخوري من الجليل، بيّن محاولات الساسة الإسرائيليين، لتقسيم عرب 48، إلى طوائف مختلفة، بهدف محو هويتهم الفلسطينية الموحدة، مؤكداً أن المسيحيين يستقبلون بمدارسهم، ما بين 40 إلى 60% من الطلبة المسلمين، وأن النتائج الدراسية للطلاب لهذه المدارس، على مستوى إسرائيل، أفضل من المدارس الإسرائيلية نفسها. هذا التنوع يزعج المسؤولين الإسرائيليين، وهم يحاولون لذلك الضغط على هذه المدارس الخاصة، أو إعطاءها صبغة مسيحية فقط، وتسميتها بالآرامية، وهو ما رفضه الأب الخوري، وكافة القوى الفلسطينية المسيحية، وتضامن معها كل المدارس العربية الأخرى. دعم هذه المدارس، ضروري حالياً، لمواجهة الضغط الإسرائيلي لإبعادها عن بُعدها الوطني الفلسطيني.

تدخل السيد دومنيك فيدال، المؤرخ والصحفي الفرنسي، وعرض بإسهاب آليات العمل الصهيوني، والتي أدت إلى قيام إسرائيل، وهي تتناقض تماماً مع القرارات الدولية، بما فيه قرار تقسيم فلسطين عام 47، حيث أن نسبة السكان العرب للدولة الإسرائيلية الناتجة عن هذا التقسيم، كانت تُعادل عدد سكان اليهود تقريباً.

إسرائيل استعملت وبشكل مُمنهج، سياسة طرد الفلسطينيين، وقد ثبت تاريخياً زيف مفهوم خروج الفلسطينيين التلقائي بناءً على نداءات وُجهت لهم من قياداتهم ومن الدول العربية، فقد قام مؤخراً ما يسمى “المؤرخون الإسرائيليون الجدد” الذين يرفضون الانصياع للرواية الرسمية امثال “بني موريس” و “ايلان بابي” و”افي شلايم” ، بدراسة الأرشيفات علميا بعد فتحها للعموم، وبينوا أنه لم يوجد أي تسجيل صوتي للاذاعات العربية المسجلة عند ال “ب ب سي BBC”، أو أي وثيقة مكتوبة، تُثبت هذه الادعاءات.

يُقدر عدد المهجريين الذين خرجوا برضاهم حوالي 15% من السكان المليون ونصف في زمنه، يمثلون بشكل أساسي، البرجوازية المحلية أو المقيمين بفلسطين من الدول المجاورة، وتظهر الأرشيفات الإسرائيلية أن حوالي 85% من المُهجرين قد هُجروا بفعل عنف المجموعات المسلحة الإرهابية كالهاغاناة أو الأرجون، والذين لم يتوانوا عن طرد 400.000 فلسطيني بالدفعة الأولى من التهجير ما بين تشرين ثاني 1947 (قرار التقسيم) وحزيران 1948 (بضعة اسابيع بعد اعلان اسرائيل). واستمر ذلك فيما بعد بطرد وبتهجير 70.000 فلسطيني من اللد والرملة , وبحسب هؤلاء المؤرخين الجدد، كان ذلك بأمر من دافيد بن جوريون وايجال الون والضابط الشاب….اسحاق رابين.

تُبرر إسرائيل سياستها تجاه المواطنين العرب، بالقوانين العثمانية والبريطانية زمن الانتداب، فهي تُطبق قانوناً عثمانياً يُحول أي أرض لم تُزرع أو تُستغل، لمُلكية السلطان، تحت هذا البند، تُصادر إسرائيل كل أرض تعتبرها غير مُستغلة بما فيه الكفاية، وعلى صاحبها أن يُثبت دائماً عكس ذلك، وهو ما يصعب في كثير من الأحيان.

القانون زمن الوجود البريطاني، أعطى حكومة الانتداب الحق بمصادرة أي أرض لأسباب أمنية، بدون إعطاء أي تبرير، وهو ما تستعمله إسرائيل بشكل متزايد حالياً، لمصادرة أراضٍ كثيرة.

بن غوريون وحلم التهجير الكامل

لم يكن التهجير فقط زمن الحرب العربية الإسرائيلية، وإنما أيضاً بعد انتهائها، وذلك عن طريق طرد سكان شمال فلسطين، والتهجير الداخلي لبدو النقب. ولأسباب استراتيجية ذات علاقة ببريطانيا ودعمها لإسرائيل، لم يجر تهجير الفلسطينيين المسيحيين بنفس الكثافة، وهو ما يٌفسر بقاء مدن ذات أغلبية عربية مسيحية بشمال فلسطين كالناصرة. وفي زمنه، عبر بن غوريون عن غضبه، عندما زار شمال فلسطين، ورأى العرب وهو الذي كان يأمل أن يُهجروا جميعا، رغم خوفه من إزعاج حلفائه البريطانيين.

كذلك الأمر بالنسبة للدروز، والذين لم يُهجروا، وحُولوا إلى مجموعة سكانية تقبل التعامل مع السلطة الجديدة، هذا الوضع لم يؤمِن لهذه المجموعة السكانية، المساواة مع السكان اليهود، وما تزال الخدمات للقرى الدرزية، أقل منها من التجمعات اليهودية. نسبة الدروز داخل إسرائيل، قد لا تُشكل 2% (118000)، ولكن قتلاهم بحرب غزة الأخيرة، تجاوز العشرين بالمئة، وهو ما يبين أنهم يُستغلون فقط بالمهام القتالية الصعبة، بدون أن تستفيد من ذلك طائفتهم، وهو ما يُفسر مؤخراً، بوجود حراك درزي، مطالبٌ بحقوق مدنية وبالمساواة، وقد لا يدوم طويلاً منع هذه الطائفة من الانتماء لقوميتها الأصلية.

محاولات الحكومة الإسرائيلية، لتقسيم العرب لطوائف دينية أو عرقية، باءت بالفشل، وخصوصاً مع المسيحيين، كما ذكر الأب الخوري، والذين رغم بعض الأصوات الشاذة، لم يقبلوا الانسلاخ عن النسيج العربي. حتى إن ظهور وتنامي التيار الإسلامي الوطني، لم يُغير هذه المعادلة، فالانتخابات الأخيرة، أثبتت أن الصف العربي الموحد، يستطيع بتجميع كافة اتجاهاته وقواه، أن يُفشل السياسات الإسرائيلية، فقد حصلت اللائحة الموحدة على 13 مقعداً بالكنيست الإسرائيلي، وأصبحت بذلك المجموعة الثالثة. توحد هذه اللائحة العربية، كان أصلاً، رداً على رفع نسبة الحسم بدخول الكنيست إلى 3.4%، والذي كان سيؤدي، لو لم تتوحد كل القوى، إلى انعدام وجود أي تمثيل عربي تحت قبة الكنيست، وذلك رغم التدخل المباشر لنتنياهو بالحملة الانتخابية.

صراع الغريزة والبراغماتية

في مداخلته المهمة، بين النائب باسل غطاس، أن إسرائيل تُكرس حقوق اليهود القومية، حتى ولو لم يكونوا مقيمين (قانون حق العودة)، هذا ينعكس على كافة مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية للتجمعات العربية، واضعة إياها بالمراتب الخمس الأخيرة لمستوى التطور، بحسب معيار مركز الإحصاء الإسرائيلي المُكون من عشرة مراتب، و 90% من هذه القرى توجد بالمرتبتين الأخيرتين، هذا في تناقض واضح، مع التزامات إسرائيل أمام منظمة التعاون والتطور الاقتصادي “ocde”، حيث أقرت قبول إسرائيل كعضو بها في مطلع عام 2010.

لم تُحقق إسرائيل ما التزمت به من تطوير هذه القرى، ورفع مستواها الاجتماعي والاقتصادي. هذه السياسة قد تتناقض مع مصلحة إسرائيل نفسها، لأن إفقار النسيج العربي، والذي يُشكل حوالي 20% من السكان، سيُفقر إسرائيل نفسها، ولكن القوى اليمينية العقائدية، لا تريد للعرب أي خير، فهي لا تبحث عن إدماجهم بالمجتمع والاستفادة من عملهم، وإنما تسعى لترحيلهم للخارج، وتحقيق نقاء الدولة اليهودية.

وأضاف السيد غطاس، أن هناك في إسرائيل صراع بين الغريزة الدافعة لإضعاف العرب، والبرغماتية التي تذهب في الاتجاه المُعاكس، لذلك لم تستطع الحكومة الإسرائيلية، إقرار مشروع الخطة الخماسية لتطوير القرى العربية، بعد ثلاث جلسات عاصفة للحكومة.

الخطاب العنصري يزداد، وبمشاركة نتنياهو نفسه، والذي حذر الإسرائيليين، من إقامة دولة داخل الدولة (يعني الأقلية العربية)، ودعا في الانتخابات الأخيرة، بنفسه المنتخبين اليهود، إلى الذهاب إلى صناديق الاقتراع بكثافة، ليواجهوا بحسب تعبيره، جحافل المصوتين العرب، في تدخل غير مسبوق في تاريخ الانتخابات الإسرائيلية.

الأحزاب السياسية، المُمثلة للأقلية العربية، أصبحت أكثر نضجاً وفعالية بتعاملها في الداخل، وأيضاً في الأوساط الدولية، واستطاعت أن تنقل حقوق المواطن الفلسطيني داخل إسرائيل من خانة المشاكل الداخلية، كما تريد إسرائيل، إلى خانة القوانين الدولية، خصوصاً حقوق الإنسان، تلك المعاهدة التي وقعت عليها إسرائيل. تدويل قضايا عرب الداخل، أصبح أمراً مفروغاً منه، خصوصاً بعد طرح مشروع الدولتين، أو مشروع الدولة الواحدة.

حملات المقاطعة الاقتصادية والعلمية والأكاديمية لإسرائيل، لها تأثير كبير، وليس فقط على المستوى المادي الاقتصادي، ولكن للفزع الذي تبثه هذه المقاطعة، بين الأوساط العلمية والأكاديمية، والمجتمع المدني خشية عزلهم عن العالم، وهذا ما يبدو واضحاً في اجتماعات الهيئات ذات العلاقة، داخل المؤسسات الرسمية الإسرائيلية. وبحسب النائب غطاس، يبتعد حل الدولتين أكثر فأكثر، منذ اتفاقيات أوسلو، فقد نسفته إسرائيل عن طريق فرض أمر واقع جديد، وهو الاستيطان.

فلسطين عنوان المستقبل

المستقبل لا ينبئ بخير أو تغيير بهذه السياسة، فمنذ عام 2002، يحكم إسرائيل أحزاب يمينية متطرفة، ويحكم نتنياهو بشكل مستمر منذ سبع سنوات، وهو لا يواجه أي منافسة جدية، داخل حزبه أو الأحزاب المنافسة، ولا يُتوقع حدوث انتخابات سريعة قبل العام 2018، ولا يُتوقعُ حتى لو حدثت انتخابات جديدة، مع بديل حقيقي، أن يحدث تغيير ما بالسياسة الإسرائيلية، دليل ذلك ما قاله هيرتزوج، زعيم المعارضة العمالية الإسرائيلية بباريس، قبل أيام قليلة للرئيس فرنسوا هولاند ووزير خارجيته لوران فابيوس، بعدم إمكانية حل الدولتين، طالباً التراجع عن هذا المطلب، وكأنه مبعوث شخصي لرئيس الحكومة. وفي الحقيقةً الاحتلال لا يُكلفُ إسرائيل شيئاً، بل على العكس، يفيدها اقتصادياً.

على المستوى الفلسطيني، أضاف غطاس، بأن فشل محاولات التقريب والوحدة الداخلية بين فتح وحماس، مضاف ٌ إليه فقدان الشرعية الشعبية الملموس بالشارع الفلسطيني، تجاه هذه الأحزاب والسلطة، وفشل مشروع إقامة دولة فلسطينية، أو إيقاف الاستيطان، أو حتى إيقاف الاعتداءات على الأقصى الشريف، كل هذا يدفع الشباب الفلسطيني، للبحث عن حلول جديدة، قد تُسمى انتفاضة ثالثة أو هبة سلمية، وهذا كفيل بخلق أوضاع وحقائق جديدة، قد تسمح بتغيير الوضع الراهن.

الأوضاع الداخلية الفلسطينية المتدهورة، مضافٌ إليها استمرار المشروع الاستيطاني الصهيوني، مدعومٌ بالدولة العميقة، بما فيهم اللوبي الصهيوني واللوبي المسيحي الأصولي بأمريكا، لا يمكن أن يتغير إلا إذا أقر المجتمع الدولي، بضرورة التعامل مع الإستيطان الإسرائيلي، كما تعامل مع الخطر النووي الإيراني، والذي تم احتواءه وتحجيمه، عن طريق المقاطعة والمؤتمر الدولي، بمشاركة دول 5+1.

الدور الأوروبي مهم جداً، ليس لأنه فعال، ولكن لأسباب أخلاقية، فإسرائيل هي نتاج السياسات الأوروبية البريطانية والفرنسية خصوصاً، هي إذن مسؤولية الأب تجاه ابنه، وضرورة التدخل لردع هذا الابن، وهذا ما لا تفعله أوروبا حالياً.

كما رأينا فإنني أظن، أن السرد التاريخي يُظهر الآليات التي قامت بواسطتها إسرائيل، وإن مفهوم الاستيطان والتضييق على الفلسطينيين، هو القاسم المُشترك منذ البدء، وأن ذلك مُستمر بالأراضي التي اُحتِلت عام 1967، ولكن أيضاً مستمر بنفس الوتيرة في أراضي الداخل. لذلك فإنه لا يجوز تجزئة النضال الفلسطيني، بين أراضي 48 وأراضي 67.

إن فشل العمل الفلسطيني التقليدي الرسمي بألتمكن من استعادة كرامة الشعب الفلسطيني وحقوقة المعترف بها دوليا, يفسر الاتجاه نحو طرح فكر جديد يجمع طاقات الشعب الفلسطيني بكل اماكن تواجده، مبني على مفهوم حقوق الانسان ورفض التمييز الديني او القومي وقيم الانسانية الحديثة، مستفيدا من تجربة نلسون مانديلا وشعب جنوب افريقيا. على أن نزع الطبيعة الاستيطانية لإسرائيل، لا ينتهي إلا بالنضال الفلسطيني على الأرض، وتغيير المواقف الدولية، وهذا سيكون عنوان المرحلة المُقبلة.

طبيب وكاتب عربي مقيم في باريس

المؤتمر الثالث عشر لفلسطينيي أوروبا وحلم التطلع للعودة

 

 2015

المؤتمر الثالث عشر لفلسطينيي أوروبا

 وحلم التطلع للعودة

نزار بدران

انعقد في برلين يوم السبت الموافق 25 نيسان (إبريل) الماضي، المؤتمر الثالث عشر لفلسطينيي أوروبا. ثلاثة عشر عاماً من الإصرار على تأكيد الحقوق الفلسطينية لهم ولأولادهم، وحقهم في العودة إلى بلادهم، والذي كان هو شعار المؤتمر لهذا العام.

حوالي الخمسة عشر ألف أوروبي فلسطيني، تواردوا إلى برلين، واحتفلوا معاً بكل أطيافهم الفكرية والسياسية، وبكل مستوياتهم الاجتماعية ومن كل الأقطار الأوروبية.

ماذا يدفع هذه الجالية المهمة بعددها(300000) وبمستواها الثقافي والاجتماعي العالي للتأكيد على حق العودة إلى ديارهم. وهم الذين يحصلون على نفس حقوق الأوروبيين، ويتمتعون في كثير من الأحيان بجنسيات أوروبية.

الانتماء لفلسطين هو في الحقيقة انتماء لأرض، وُلدنا فيها أو وُلد آباؤنا وأجدادنا بها، شربنا حبها مع لبن الأمهات، وحكايات الآباء الذين عايشوا النكبة، أو ما تلاها من كوارث.

الانتماء لفلسطين والعودة إليها متى شئنا، هو حق أساسي لكل إنسان فلسطيني، أينما كان مكان ولادته أو نشأته، حق العودة للاجىء الفلسطيني إلى وطنه، ليس حقاً مقيداً بالقانون الإنساني.

اندماج الفلسطينيين في أوروبا، لا يعني الابتعاد عن فلسطين، وإنما حصولهم على وسائل قوة جديدة لهم وللشعب الفلسطيني عامة، فالمواطن الفلسطيني الأوروبي يستطيع أن يوصل صوته إلى أعلى المستويات في دولته، ويُعيد إلى دائرة الضوء حقه وحق جاليته، وحق كل المُهجرين بالعودة إلى ديارهم، وهذا ما بدأه تجمع فلسطينيي أوروبا منذ المؤتمر الأول.

أسماء أوروبية كبيرة من سياسيين وكُتاب وصحفيين شاركتنا مؤتمرنا من دول عدة، وقد علا صوتها لدعم حق عودتنا إلى أرض وطننا التاريخي. وبشكل عام فإن الرأي العام الغربي بأغلبيته، يدعم حق الشعب الفلسطيني لنيل حقوقه؛ وما فشل المظاهرة المعادية التي نُظمت ضد انعقاد المؤتمر من أصدقاء إسرائيل، إلا دليل على ذلك الدعم، فلم يشارك في تلك المظاهرة إلا بعض العشرات، وقد عادوا خائبين، رغم سيطرة اللوبي الصهيوني على وسائل إعلام كبيرة، ولكنها لم تتمكن من تحريك الشارع الألماني ضدنا.

فلسطينيو أوروبا وأوروبيي فلسطين، هم جزء من اللاجئين الفلسطينيين الذين تمكنوا من الهجرة إلى أوروبا، وأصبحوا مع مرور الزمن قوة فلسطينية ورافداً جديداً للحق الفلسطيني، وخصوصاً حق العودة، شعار التجمع هو مفتاح العودة، هذا ما يقض مضجع نتنياهو وحكومته، ويفسر الحملة المسعورة التي شنتها هذه الأوساط ضد المؤتمر. هذه الحملة التي انقلبت على الساحر، وأعطت المؤتمر شهادة ميلاد، فالعدو لن يخشانا لو لم نكن مؤثرين.

حق العودة.. والتي ظنت إسرائيل أنها بدأت بإنهاء حلمه عند الفلسطينيين، خصوصاً بعد اتفاقيات أوسلو، بدأ يُطل برأسه من جديد، إن فلسطينيي أوروبا لن يتخلوا أبداً كباقي الفلسطينيين عن هذا الحق الدائم الذي لا يسقط بالتقادم، ولا نتصور أن أي جهة سياسية مسؤولة  تنفرد باتخاذ قرارات تُضيع هذا الحق، ونحن نُدرك مدى الضغوط الأمريكية والصهيونية على السلطة الفلسطينية لذلك.

الفلسطيني الأوروبي، استطاع أن يحول حصوله على حقوقه المدنية الكاملة في مواطنه الجديدة، إلى وسيلة فعالة لنضاله ونضال شعبه، وليس كما ظن الصهاينة وآخرون أن بالامكان التخلص منهم للأبد، وحضور العائلات الفلسطينية بأطفالها، يؤكد أن الزمن لصالحنا؛ وقد بدأ الإسرائيليون باكتشاف أن هذا التهجير إلى ما وراء البحار، سيرتد عليهم كالسهام، طال الزمن أم قصر. فالرأي العام الغربي بدأ يتغير إيجابا لصالح الحق الفلسطيني، بسبب نشاط هذه الجالية لصالح حق العودة، ونموذج أفريقيا الجنوبية وإهدارها زمن التمييز العنصري، للحقوق الأساسية للسود، هو بكل تأكيد هاجس يؤرق القادة الإسرائيليين، وقد بدأ يُذكر علانية بتصريحات المسؤولين الغربيين.

إن المقارنة مع لاجئي لبنان، الذين عاشوا ووُلدوا في تلك البلاد منذ ستين سنة، يُظهر مدى ظلم القريب، الذي كان يجب أن يكون مصدر العون والدعم، إلا أن لاجئي هذا البلد، يفتقدون لكافة حقوقهم المدنية؛ من قبيل حقهم بالعمل، والتنقل والمشاركة في بناء لبنان وطنهم الثاني. كل ذلك تحت مزاعم الحفاظ على فلسطينيتهم والخوف من التوطين!.

منذ متى كان انتهاك القانون الدولي لحقوق الإنسان، وسلب الفلسطينيين لحقوقهم المدنية، وسيلة لمساندتهم لاستعادة حقوقهم الوطنية؟ علماً أن لبنان وقع على كافة المعاهدات الدولية والعربية، بما فيها اتفاقية الدار البيضاء لعام 1965، والمُتعلقة بحقوق الفلسطينيين في الدول العربية، إن هذا الوضع يُهمش هؤلاء اللاجئين، مما يؤدي إلى زيادة تعقيد الوضع اللبناني الداخلي، وليس كما يظن الساسة اللبنانيون لمنع تعقيده، هذه السياسة المتُوافق عليها لبنانياً لن تكون لصالح فلسطين ولا الفلسطينيين، فمثال فلسطينيي أوروبا يُظهر أن احترام الحقوق هو واحد، واغتصابها أيضاً واحد، فلا يجوز أن نضع أنفسنا في لبنان بصف مغتصبي الحق الفلسطيني.

فلسطينيو سوريا وبشكل خاص في مخيم اليرموك، تبدو هشاشة وضعهم كذلك واضحة للعيان وللقاصي والداني، حيث يحفظ لهم القانون الدولي الحق بالعيش الكريم والحماية زمن الحرب، إلا أن السلطة التي تُفقد السوري حقه، لا يمكنها أن تحفظ ذلك لغيره.

فلسطينيو أوروبا يعملون من خلال مؤسساتهم ونقاباتهم لدعم إخوانهم في الشتات، وداخل الوطن، وهم يزيدون يوماً بعد يوم، من تأثيرهم في الداخل الأوروبي لصالح القضية الفلسطينية. لهذا لخصت كلمة رئيس المؤتمر، السيد ماجد الزير، حقيقة هذا الدور، عندما أظهر بوضوح الانتماء الثنائي لهذه الجالية، لأوطانها الجديدة التي تعيش فيها، إلى جانب انتمائها الأبدي لفلسطين، هذه الثنائية هي مصدر قوة وليست مصدر ضعف، وعلى حكومات دول الشرق الأوسط التي تستقبل اللاجئين هذه الأيام، أن تحترم حقوق هؤلاء وتحترم المواثيق الدولية، فالحق واحد لا يتجزأ.

طبيب عربي مقيم في فرنسا

من نكبة فلسطين إلى نكسة الجيوش العربية ونكشة إسرائيل!

 

من نكبة فلسطين إلى نكسة الجيوش العربية

ونكشة إسرائيل!

د. نزار بدران

     تحل في الخامس من حزيران كل عام، ذكرى هزيمة الجيوش العربية في حرب العام 1967، قبلها هيمن على الأمة الفكر القومي الناصري، والذي كان أبعد ما يكون عن الممارسة الديمقراطية، وغيب تماماً الشعب عن السلطة، وارتهن للشرعية الثورية والعسكر. تسمية الإعلام الرسمي لهزيمة الجيش الساحقة خلال ستة أيام بالنكسة، إنما هي وسيلة لإعطاء الانطباع بأنها وعكة عابرة، سيعود بعدها الجيش سريعاً لعافيته لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر.

  دخلنا بعد ذلك زمناً جديداً هو زمن الانطواء على الذات؛ (الجمهورية العربية المتحدة) أصبحت (جمهورية مصر العربية)، وأسس هذا الانطواء لديكتاتوريات عسكرية لا هدف لها إلا البقاء بالسلطة، وابتعدنا شيئاً فشيئا عن “لاءات الخرطوم” الثلاثة. وقام حافظ الأسد وزير دفاع هزيمة 67، بتتويج هزيمته بالانتقال إلى سدة الرئاسة، والسيطرة على كل مؤسسات الدولة بدل الاستقالة.

  حرب 73 لم تكن إلا “نكشة” للجيش الإسرائيلي، والتي حققت أهدافها بالثأر والانتقام من حرب 67، فشكلت العذر للحكومات العربية لقبول شروط الهزيمة التاريخية، أي الاعتراف والسلام مع العدو من دون مقابل، إلا إذا اعتبرنا عودة سيناء من دون استعادة مصر لسيادتها، وشراء نفطها وغازها بسعر بخس، أو عودة القنيطرة مُدمرة لسوريا؛ مقابل التزام الجيش السوري بحماية حدود إسرائيل الشمالية، وإخراج الثورة الفلسطينية من لبنان، إلا إذا اعتبرنا كل ذلك انتصاراً.

 هذه الحرب (أكتوبر 73) التي تفرغت بعدها الأنظمة بشكل كامل، لقمع شعوبها ونهب ثروات أوطانها وعرق أبنائها، باتت في حل من الشعب والقضية الفلسطينية، التي أُوكلت تماماً لمنظمة التحرير الفلسطينية (مؤتمر القمة بالرباط 1974).

  بعد حرب 73 دخلنا حروب الجيوش العربية ضد شعوبها وجيرانها: سوريا بلبنان، تدمير حماة 1982 وطرد الفلسطينيين من لبنان، إدخال العراق حرب العشر سنوات ضد إيران، والتي أدت لمقتل مئات الآلاف، واجتياح النظام العراقي للكويت في آب/أغسطس من عام 1990، وقمع كل حراك وطني عربي أو كردي، وفتح الطريق للغزو الأمريكي. كذلك قمع السادات للحراك الإصلاحي المصري، وانتقال القذافي من كونه ملازماً إلى “مفكر عالمي” يُكدس المليارات بالبنوك الأجنبية.

  الواقع يُظهر لنا أن نكبة الشعب الفلسطيني في العام 1948 بقيام دولة إسرائيل، وبعدها هزيمة العام 1967، لم يحرك كما كان متوقعاً، همة الأمة للدفاع عن أقدس أراضيها وأكثرها قرباً لقلوب شعوبها، وإنما لفك الارتباط التدريجي مع هذه الأرض، والعمل الدؤوب لترسيخ مفهوم التجزئة كواقع دائم، ومفهوم الاستبداد كوسيلة مُثلى للحكم.

  السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا هو أين هو الطرف الآخر، أي الحراك الوطني الغيور على وحدة الأمة والدفاع عن مقدساتها، الداعي إلى احترام حقوق المواطن في حياة كريمة، وأحقية الشعب باختيار من يحكمه. القبول بدون رد فعل يُذكر بهذه الأنظمة الاستبدادية وبالتجزئة، لم يحم البلدان العربية من التفتت وظهور الطائفية والتقاتل الداخلي؛ عشرون عاماً من الحرب الأهلية اللبنانية، وسنوات طويلة من الخلاف الجزائري المغربي على الصحراء الغربية وانقسام السودان إلى دولتين.

  وحده الربيع العربي المُنطلق من تونس بنهاية 2010، كان الشعلة الأولى لعودة الشعوب كي تقرر مصائرها بنفسها، لهذا تُحارب بعنف مُفرط وبكل الوسائل ومع مئات آلاف القتلى في سوريا واليمن ومصر وليبيا. الشعب المُطالب بحريته ليس هو سبب العنف، بل السلطات الاستبدادية التي تُمسك برقابه، وتدفع نحو التطرف والحروب الداخلية، لتبرير وجودها كحامية للأوطان والأقليات. نحن نرى تكالب وتحالف دول عربية عدة ضد قوى الربيع العربي الهشة، رغم أننا عشنا معها قبل بدء هذا الربيع عشرات السنوات من الخلافات.

  نكبة فلسطين في العام 1948، سمحت ببدء إيجاد الحكومات القومية غير الديمقراطية، وأنهت إرهاصات تجارب ديمقراطية خلال سنوات الأربعينات (مصر والسودان). هزيمة العام 1967 أنهت هذا الفكر القومي لصالح التجزئة المُستدامة، والإنكفاء على الذات، ونكشة العام 1973 إلى دخول دولنا عالم القمع المُمنهج، واستغلال السلطة لهيمنة مافيات فئوية قليلة على خيرات الأمة، واستبدال العداء لإسرائيل بالعداء للقضية الفلسطينية (تدخل سوريا في لبنان لطرد الثورة الفلسطينية، حصار تل الزعتر في العام 1976….الخ).

على شباب الأمة الواعي المُتحمس للتغيير، العمل على توحيد صفوفه، والانطلاق من قيم إنسانية، بأحقية الإنسان العربي الطبيعية بالحرية والكرامة، وتحقيق وسائل عيشه، والاستحواذ على نتائج عمله وعرق جبينه، واستغلال موارده الطبيعية لصالح تطوره وبناء أوطانه. إن النضال في إطار هذه القيم الإنسانية المُتفق عليها بين كافة شعوب الأرض، هو الذي يجب أن يساهم في تغيير الاتجاه الحالي السائر بنا من نكبة إلى نكبة، ومن تجزئة إلى فتفتة، ومن مرض إلى موت، ومن فقر إلى الغرق طلباً للهجرة في مياه البحر المتوسط.

 

راهبتان ترمزان لقداسة فلسطين التاريخية

 

راهبتان ترمزان لقداسة فلسطين التاريخية

د. نزار بدران

 

تابع الفلسطينيون والعرب بدهشة وابتهاج، عقب كشف البابا فرانسيس عن قداسة راهبتين فلسطينيتين، عاشتا في القرن التاسع عشر، وهذه بحق لفتة تاريخية، أعادت لفلسطين اعتبار واحترام مكونها المسيحي، وجددت مفهوم كونها مهداً لهذه الديانة السمحة.

بذلك يكون البابا قد أكد استقلالية الكنيسة الكاثوليكية، بإعطائه الأولية للمفهوم الإنساني للأديان وربطه بشكل مباشر، بين مسيحيي العالم ومهد ديانتهم في الأراضي الفلسطينية المقدسة. وبين كذلك قُرب هؤلاء المسيحيين من الشعب الفلسطيني بدياناته الثلاثة، فهم اكتشفوا أن الفلسطينيين، على عكس الإسرائيليين، لا يبحثون عن نقاء عرقي أو ديني، بل هم يحتفون بالحدث بكل مكوناتهم. ووُجود الرئيس محمود عباس في هذا الاحتفال التاريخي، إنما هو تأكيد لقرب الشعب الفلسطيني من مكونه المسيحي، الجزء الأقدم فيه.

ولا ننسى أن مسيحيي الشرق، كانوا السباقين في بداية القرن الماضي، لرفع راية العروبة والنضال ضد الاستعمار، وهم من تغنوا باللغة العربية وأثروها، وتميزوا بالتسامح رغم عذاباتهم السابقة، واعتبارهم زمن العثمانيين في مرتبة أهل الذمة، وما كتاب “الرسول” لجبران خليل جبران إلا مثال على ذلك.

يهودية الدولة الإسرائيلية تواجهها إذاً إنسانية الدولة الفلسطينية، التي لا تُعرّف الشعب الفلسطيني بدين بعينه. فالمشروع الصهيوني الذي انبنى على استغلال واستثمار ايديولوجية الدين الواحد، يظهر على حقيقته، بعد كشف قداسة هاتين الراهبتين ألفلسطينيتين، فتحت غطاء وإطار فلسطين نستطيع أن نكون مسلمين أو مسيحيين وحتى يهوداً. في وقت لا يمكن لإسرائيل والإيديولوجية التي تحكمها، إلا إقصاء الفلسطيني مهما كان دينه وعقيدته.

ولهذا تحديدا، ينبغي على المشروع الوطني الفلسطيني أن ينحاز لمبدأ المواطنة التي تساوي بين الناس، بغض النظر عن دينهم ولونهم وحتى لغتهم. أبناء الشعب الواحد هم متساوون ومتآخون، لهم نفس الحقوق، وعليهم نفس الواجبات.

ولهذا أيضا، فإن إعادة الروح لمشروع الدولة الديمقراطية الفلسطينية الواحدة، التي تحترم كل الأديان وتساوي بينها، قد يكون وسيلتنا لعزل الأيديولوجية العنصرية الصهيونية، وإجهاض أهدافها، كما حصل مع نظام الابارتهايد العنصري في جنوب إفريقيا، بالانتصار الذي تحقق لأهل البلاد الأصليين بقيادة نلسون مانديلا. لقد انتصر علينا الصهاينة عندما أوهموا الغرب في منتصف القرن الماضي بأنهم هم الذين يحملون راية الحرية والديمقراطية والمساواة في الشرق الأوسط.

من هنا وبالاستناد إلى خبرة المجتمعات الانسانية، فإن بناء الحركات السياسية في هذه المعادلة القديمة الجديدة، يجب أن يكون خارج البُعد الديني، حتى يستطيع كل فلسطيني مسلم ومسيحي، شيخ او راهب، أن يجد مكانه في إطار المساهمات الخلاقة في التجارب السياسية، خصوصا في تجارب البناء السياسي والكفاح الشعبي، لكي نستطيع بذلك البدء بالبناء المُشترك، على أنقاض أيديولوجية “الفكر الديني” الصهيوني العنصري.

فهل نستطيع كفلسطينيين، أن نحول تكريم قداسة البابا فرانسيس لنا ولشعبنا، إلى قاطرة تربطنا بقيم العالم الحديث والحضارة الإنسانية المعاصرة، بدل أن يكون حدثاً عابراً؟.

إن الاتجاه إلى العمل السياسي على أسس قيم المواطنة، هو الذي سيُبعد الخوف عن قلوب مكوننا المسيحي، ويُوقف تلك الهجرة المقيتة التي تُهدد تنوع وتعدد مكونات الشعب الفلسطيني. حيث أن الوقوف في وجه التطرف الديني، واجب وطني للحفاظ على فلسطينيتنا، كما كانت دائماً؛ معانقة مآذن الجوامع لأبراج أجراس الكنائس.

طبيب عربي مُقيم في فرنسا

 

اليرموك الذي فينا

اليرموك الذي فينا

د. نزار بدران

الفظائع التي يقوم بها مقاتلو داعش في مخيم اليرموك الفلسطيني وقبله وخلاله وبعده فظائع النظام السوري بحق هذ المخيم، قتل الناس بلا تمييز وبلا ذنب أودون محاكمة، إعدام الرجال على الهوية وهدم المنازل على رؤوس سكانها المدنيين، كل ذلك يندرج تحت لائحة التعامل السياسي والحزبي الذي نُظر له ضمن مسميات عدة ، الآن بهدف إقامة دولة الخلافة  وقبله إقامة دولة البعث القومية، أو من أجل دعم محور المقاومة والتحضير لتحرير فلسطين ,  وفي أماكن أخرى لتثبيت نظام انقلابي أو إبعاد شبح انتفاضة قادمة.

الموت هو الموت، مهما كانت أشكاله ولكن الاستهداف المُزمن في أوطاننا لقتل المدنيين العُزّل في التعامل السياسي وليس فقط التصفية الجسدية للمعارضين هي أحد سمات الثقافة التي لا تعتبر الناس بشراً لها حقوق وأولها حق الحياة وإنما فقط جماعات صديقة أو عدوة، هو امتداد للفكر القبلي ويبعُد كل البُعد عن فكر المجتمعات المدنية الحديثة التي ترفع حقوق المواطن من خلال اعتبار إنسانيته أولاً وفرديته ثانياً.

أين نحن من قوله تعالى “ومن قتل نفساً بغير حقٍّ فكأنما قتل الناس جميعاً”، ولم يقل سبحانه نفساً مسلمة عربية أو سنية أو شيعية، إنسانية الفرد وفرديته مُلخصة في هذه الآية الكريمة، عندما شُبهه (النفس المقتوله) بالإنسانية جمعاء. أين نحن من عمر بن الخطاب الذي قال ولا تقطعوا شجرة….، فما بالكم بقطع الرؤوس.

إن أيّة مجموعة سياسية مهما كانت أهدافها المُعلنة وأي عمل إنساني لأيّ سبب كان له هدف واحد هو الإنسان نفسه، الإنسان هو إذا هدف بحد ذاته لا يمكن استعماله كوسيلة لتحقيق هدف آخر حتى لو كان اجتماعياً، وطنياً، لا تقبل أي شريعة أن يُقتل إنسان دون ذنب أو محاكمة حتى لو قبل هو بذلك.

الإستعمال المُزمن في حركاتنا الوطنية والسياسية لتمجيد قتل النفس بهدف سياسي وديني، القبول بذلك ورفع فاعله إلى مرتبة الشهداء، لا يتطابق مع المدافعين حتى الموت عن حقوقهم ومبادئهم، فهم ليسوا محبين للموت ولا باحثين عنه ولا يستعملونه كوسيلة لنضالهم وإنما قدراً فُرض عليهم، إنهم في الحقيقة محبون لحياة كريمة حرة.

القبول بتحديد الأعداء على مبدأ الجنس والدين والعرق واللغة واللون هو الذي يفتح الطريق واسعاً أمام الهمجيّة القادمة لنا مثل مغول القرون البائده. أن نُمجد قتل الآخر لأنه كردي، عربي، شيعي أو سني، مسيحي أو درزي، أفريقي أسود أو غربي أبيض هو في الحقيقة أسلوب تفكير تربّت عليه أجيال منا في حضن الأحزاب القومية والدينية.

يجب العودة إلى حقوق الناس كأفراد أولاً وأخوة في إنسانية واحدة جمعها الله في وحدانيته، وإلا لكان لكل قبيلة وجنس إله خاص بها  “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا…” ولم يقل سبحانه لتقاتلوا  أو تتفانوا.

نبذ الفكر المُجرم للآخر لشيء آخر غير فعله هو وسيلتنا إلى بناء أحزاب وحركات اجتماعية تضع أمام أعينها هدف واحد وهو خدمة الإنسان المتواجد في كل منا. فقط هم المُجرمون، أمثال النظام السوري “ومجاهدو” داعش وما شابه، هم الخارجون عن النظام الإنساني وعن كل القيم الحضارية الحالية والماضية.

علينا أن نربي أطفالنا وأجيالنا القادمة على تمييز الناس بناءً على أفعالهم وأن تكون أحزابنا ومنظماتنا الاجتماعية مبنية على مفاهيم فكرية يستطيع كل مواطن أن يجد نفسه مُمثلاً فيها، مهما كانت لغته ودينه ولونه. هذه وسيلتنا لبث فكر السلم الاجتماعي وبناء صرح أمة واحدة موحدة تستطيع حينها أن تقف سداً منيعاً أمام الطُغاة والأعداء من أي حدب او صوب أتو.

تقتيل وتجويع فلسطينيي اليرموك المُهجرين أصلاً من وطنهم بهمجية الصهاينة قبل ستين عاماً، لا يمكن حصره فقط في إطار عمل استثنائي تقوم به مجموعة مجرمة إستثنائية على أوطاننا. فلنتذكر تل الزعتر في لبنان سنة 1976، ومخيمي صبرا وشاتيلا في 1982 أو حماة في سوريا في نفس العام، ولنتذكر ما يحدث في المدن السورية منذ أربع سنوات وحصار وقتل أهلنا في العراق في الأنبار والموصل ونينوى أو مجازر الحوثيين في اليمن والحروب الأهلية الجزائرية واللبنانية وما تمخض عنها من مئات آلاف القتلى المدنيين. إنه مسلسل طويل لا نستطيع فقط وضعه تحت خانة المؤامرات الخارجية القادمة من الاستعمار، بل هو أيضاً نتاج واقع يقبل فيه المواطن أن يُصنف على أساس انتمائه العرقي أو الديني ويقبل بنفس الوقت أن يُصنف الآخرون بنفس الطريقة تؤجج فيه الأحزاب والاتجاهات السياسية نار الطائفية والعصبية، بدل وضع برامج للسلم والتقدم الاجتماعي.

فلنعمل جميعاً على نُصرة أهلنا في مخيم اليرموك أو – ما تبقى منهم- ولنعمل على توحيد كل الطاقات المسؤولة أمام إنسانيتها لتكون حاجزاً صلباً في وجه كل المجرمين، فالانقسام هو بين هؤلاء وبين ضحاياهم مهما كان لون ودين المجرمين ومهما كان لون ودين الضحايا.

 

10/4/2015

 

Passage sur Radio Orient à propos de la situation sanitaire en Palestine

A l’occasion de la première journée médicale franco-palestinienne, le professeur Oberlin et moi étions invités pour éclaircir la situation médicale en Palestine et les difficultés dues à l’occupation.
Ecoutez sur :

http://www.radioorient.com/live/?tab=podcast&id=26509

professeur-c-oberlin-d-n-badran-et-damia-benchabane-la-situation-sanitaire-en-palestine

Rencontre télévisée sur la situation sanitaire en Palestine

Les difficultés de développement de la santé en Palestine sont principalement liées à l’occupation israélienne, notamment à cause du blocus de Gaza et des entraves au mouvement des populations en Cis-Jordanie. Cette émission télévisée, à l’occasion de la première journée médicale franco-palestinienne, met en évidence ces difficultés. Le professeur Oberlin évoque son expérience très importante en Palestine et en témoigne.

الفكر الصهيوني وانعكاسه على الواقع الصحي الفلسطيني

 

 

الفكر الصهيوني وانعكاسه على الواقع الصحي الفلسطيني

                                            د. نزار بدران

 

يشكل هدف تدمير البنية التحتية للمجتمع الفلسطيني، المُتواصل منذ بداية إقامة  إسرائيل إلى اليوم، بشكل أساس، إلى تهجير المواطنين الفلسطينيين من أراضيهم، حتى تتمكن إسرائيل من تحقيق شعار الحلم الصهيوني الذي سبق له الزعم أنه يهدف لاستيطان “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”!.

هذا ما يترجمه الواقع على كافة المستويات، فحلم هرتزل في نهاية القرن التاسع عشر، حاول بن غوريون تحقيقه بتهجير الجزء الأكبر من الفلسطينيين لحظة قيام دولة إسرائيل. فالأرض بلا شعب من وجهة نظر الصهيونية وهيرتزل، هي في الحقيقة ليست تشخيصاً للحالة التي كانت عليها فلسطين في تلك الفترة؛ وهم أول من يُدرك ذلك، فلسطين كانت مليئة بسكانها وفلاحيها وعمالها ومتعلميها ومعاهدها ومدارسها وكل مقومات الشعب، لكن الحقيقة أن هذا هو شعار مرفوع لحُلم كانوا دوماً يعملون لتحقيقه، وهو تفريغ فلسطين من سكانها العرب.

بعد نكبة 1948 وخروج مئات آلاف اللاجئين من ديارهم، طرداً وعدواناً وتآمراً من أطراف عربية في ذاك الزمن، رفع بن غوريون أول رؤساء إسرائيل، شعار “الكبار يموتون والصغار ينسون”، بمعنى أن الأرض التي اُحتلت وأُفرغت لن يعود لها أصحابها الشرعيون، بحسب ما اعتقد بن غوريون يومها.

هذا الحلُم الصهيوني تحقق جُزئياً، فالكبار فعلاً بدأوا يموتون، وهذه هي سنة الحياة، ولكن الشق الآخر، أي مقولة النسيان لم تتحقق، بل أصبح المُهجر الفلسطيني الإبن أكثر تُعلقاً ونضالا وعملا من أجل وطنه, وشعار حق العودة أصبح في اوروبا عند الجالية الفلسطينية وسيلة لتجميع قواها، للضغط في أوطانها الجديدة للعمل لتغيير سياسات الغرب واقرار حق العودة، وانطلاق شرارة المُقاطعة الاقتصادية لإسرائيل المدعومة من تلك الجالية المُهجرة، قلبت حُلم بن غوريون إلى كابوس لنتنياهو، فإسرائيل قد بدأت تستشعر خطر هذا التوجه الجديد.

بعد نكسة 1967 واحتلال أجزاء كبيرة من فلسطين، وجد الإسرائيليون أنفسهم في مشكلة استعصاء تحقيق حُلم هيرتزل الأول، لم يترك الفلسطينيون وطنهم ولم تستطع آلة القمع الإسرائيلية أن تُجبرهم على الفرار أو الهجرة، فعادت إسرائيل إلى نقطة البداية، وهي العمل على إفراغ الأرض الفلسطينية.

منذ اللحظة الأولى للنكسة، ضمت إسرائيل القدس الشرقية، وبدأت تدمير البنية التحتية الفلسطينية الإنتاجية، وما تبعها من تحويل الفلسطينيين، من مُنتجين فاعلين إلى مستهلكين للبضائع الإسرائيلية. وكمثال على هذه السياسة سنُركز على الناحية الصحية، حيث قامت إسرائيل بشكل ممنهج، بتدمير البنيه الصحية، كإغلاق العديد من المستشفيات والمؤسسات الصحية الفلسطينية، ففي القدس تم إغلاق مستشفى الأطفال ومستشفى الهوسبيس، وإغلاق بنك الدم والمُختبر المركزي ومركز مكافحة الأورام، كذلك تم تحويل مستشفى الشيخ جراح والمستشفى المحلي إلى مراكز للشرطة الإسرائيلية.

في رام الله، تم إغلاق مستشفى الأمراض المُعدية، وتقليل عدد الأسرة على مدى عشرين عاماً، من 209 سرير في العام 1967 إلى 116 سرير عام 1987، بينما تزايد السكان من 115 ألف إلى 140 ألف نسمة (مركز أرض فلسطين للدراسات والتوثيق الفلسطيني). ثم تم نفس الشيء في باقي المدن الفلسطينية مثل نابلس، الخليل، طولكرم، بيت جالا، أريحا، بيت لحم…..الخ.

قامت إسرائيل بالإضرار بصناعة الأدوية التي كانت متواجدة قبل عام 67، وعزل القدس صحياً عن باقي الضفة الغربية وربطها اداريا وماليا، ومنع المرضى الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة من تلقي العلاج بمستشفيات المدينة إلا بإذن خاص.

كذلك فإن سياسة بناء الجدار العازل، لم تؤد فقط إلى مصادرة أراض جديدة، وتقليع الأشجار المثمرة، ومنع الفلاح من الوصول إلى حقله، والعامل إلى مكان عمله، والتلميذ إلى مدرسته، بل أيضاً منعت المريض من الوصول إلى مستشفاه أو طبيبه. فبحسب تقرير منظمة الصحة العالمية للعام 2015، فإن أكثر من 32% من الفلسطينيين في الضفة الغربية لم يعودوا قادرين على الوصول إلى مراكزهم الطبية، وسيتضاعف هذا الرقم عند الانتهاء من بناء الجدار، اكثر من 14% من سكان القدس البالغ عددهم 407 آلاف نسمة في القدس الشرقية، لم يعد بإمكانهم التواصل مع هذه المراكز، وهم بحاجة إلى تجاوز الجدار والحصول على إذن بذلك.

يتضح من هذا، أن تقطيع أوصال الضفة الغربية بالجدار والحواجز والمستوطنات، جعل وصول الحالات المُستعجلة للمستشفيات أو النساء الحوامل للولادة، صعبا بل ومستحيلا في بعض الحالات، كذلك إعاقة حركة الطواقم الطبية وسيارات الإسعاف.

كذلك يشكل حصار غزة، والذي يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف من الحصول على العلاج والغذاء والماء الصالح للشرب، عقاباً جماعياً لانتخاب (حماس) وسيطرتها على القطاع، نتذكر ما كان يقول الإسرائيليون سابقاً في عهد ياسر عرفات، والذي حاصره الإسرائيليون عدة سنوات ثم اغتالوه، لأنهم كانوا يبررون ذلك بكونه العقبة الرئيسية أمام السلام، وهو ما يبرر بنظرهم مآسي الفلسطينيين ومعاقبتهم الجماعية. هل انتهت معاناتهم باختفاء ياسر عرفات وموافقة القيادة الجديدة على التراجع عن مبدأ الكفاح المسلح والاكتفاء بالمفاوضات كوسيلة وحيدة للسلام؟ بالطبع لا، لقد تزايد الاستيطان أكثر من أي وقت مضى وتزايدت مصادرة الأراضي الفلسطينية والتضييق على الفلسطينيين والاعتداء عليهم، حتى حرق الأطفال وأهاليهم وهم نيام، كما حدث مؤخراً مع الطفل علي درابشة وأسرته.

ما مصلحة إسرائيل إذن في منع المريض من الوصول إلى العلاج، والتلميذ إلى المدرسة؟ إنهم في الحقيقة لا يعاقبون أحداً، كما يدعون، على رفضه للسلام معهم، أو معاقبة الشعب الفلسطيني لرفضه احتلال وطنه، ولكنهم يطبقون سياسة ممنهجة، عملت منذ البدء على تفريغ البلاد من سكانها بكل الوسائل.

قد نتحمل الصعاب لفترة طويلة، ولكننا نتمنى دائماً أن تعيش أجيالنا اللاحقة في وضع جيد، وهذا بالضبط ما لا تريده إسرائيل، بل تسعى إلى أن يدفع المجتمع الفلسطيني أبناءه للهجرة إلى خارج الوطن. قد يحصل ذلك بعض الأحيان، حتى أن بعضهم ركب البحار وغامر بحياته، ومنهم من مات غرقاً، ولكن ذلك لم يؤد إلى تغيير المعادلة الموجودة حالياً، وهي أن الفلسطيني ثابت بأرضه وأرض أجداده، ولأول مرة بحسب التقديرات الإحصائية لهذا العام، تجاوز عدد الفلسطينيين في فلسطين التاريخية عدد اليهود.

الصهيونية هي فكر قادم من القرن الثامن عشر، وليس فكراً استعمارياً من القرن التاسع عشر، لأنه فكر المجرمين الذين رُحلوا وأُبعدوا من أوروبا عقابا لهم، إلى المنفى في أمريكا المُكتشفة حديثاً أو أستراليا، وليس فكر المُستعمرين أصحاب المصالح الاقتصادية الذين كانوا يبحثون عن مصالح دولهم وتحريك عجلة الثورة الصناعية، بنهب الثروات الطبيعية عند الآخرين. هو فكر مبني على إنهاء الآخر وليس على استغلاله والتعايش معه، كما حدث مع الاستعمار الفرنسي أو البريطاني لكثير من دول العالم، أو حتى جنوب أفريقيا العنصرية.

يتوجب على المفكرين والمحللين السياسيين أن يُظهروا هذا البُعد في الفكر الصهيوني، لتعرية الصهيونية وإظهارها على حقيقتها أمام الرأي العام الغربي والعالمي، وذلك بهدف تقوية حملة المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل، كذلك إسناد وتقوية الأطراف الغربية الرسمية والشعبية التي تدعم الحق الفلسطيني.

طبيب عربي مقيم في فرنسا